سنة اثنتين وخمسين وستمائة
سنة اثنتين وخمسين وستمائة وفيها أقطع الملك المعز لأَيْدغْدي العزيزيّ دمياط فوق خبزه . وفيها جاءت الأخبار أن نارًا ظهرت في أرض عدن بجبالها ، وكان يطير شررُها في الليل إلى البحر ويصعد منها دُخان عظيم في النهار . وخاف أهل اليمن وتاب بعضهم .
وفيها ظهر بالمغرب خارجيّ وتسمَّى المستنصر بالله ، وأظهر العدل ، واستولى على إفريقية ، وبنى برجا وكان يجلس فيه ، وكان يجلس تحته القاضي ، والوزير ، والمحتسب ، والوالي ، يقضون أمور النّاس بحيث يراهم ويسمعهم . وفيها رجع الشّريف المُرتضى الحلبيّ من الروم ، وأحضر معه ابنة ملك الروم علاء الدّين كيقُباذ ، وأمها ابنة السلطان الملك العادل ، وقد تزوجها الملك النّاصر ، فعمل عرسه عليها بدمشق ، وعُملت القِباب ، ولعب الجيش ، واحتفلوا للعرس احتفالا عظيمًا . وفيها توجه الفارس أقطايا إلى الصّعيد ثانيًا فقَتل ونهب وعَسَف ، ولما رجع قُتل بقلعة الجبل ، وهرب حزبه من البحرية ، ومن قعد منهم قَبض عليه المُعزّ وأودعهم السّجن .
وركبت العزيزيَّة ونهبوا دور البحرية . وأبطل المُعزّ يومئذ اسم الملك الأشرف ، وأنزله إلى عمّاته القُطبيات . وركب الملك المُعزّ في دست السلطنة .
وقدِم البحرية على صاحب الشّام ورأسهم سيف الدّين بَلبَان الرّشيديّ ، ورُكن الدّين بيبرس البُندقداري ، فبالغ في إكرامهم بالعطاء والخِلع ، فلزّوه في التَّوجه إلى مصر لكونها مخَبَّطة . فقدم على الجيش الملك المعظَّّم عمّ أبيه ، فدهمهم الشّتاء بالغوْر ، وزادت الشّريعة ، ووقع في حوافر خيلهم مرض . وبقوا بالغور مدة ، ثم نزلوا غزّة ، فبذل الملك المُعزّ الأموال ، ونزل العبّاسة ، وخاف من العزيزية الذين قفزوا إلى مصر سنة ثمان وأربعين ، لأنّه بلغه أن الملك النّاصر كاتبهم ، فقبض على كبارهم ، ونهب خِيمَهم .
فبلغ ذلك الملك الناصر ففتر وضعُفت همّته . وكان الفارس أقطايا قد طغى وتجبَّر بحيث إنه إذا ركب إلى القلعة يدوس موكبُه الناس ويضربونهم ، ولا يلتفت على المُعزّ ولا على غيره ، والخزائن بحُكمه . ثم أراد أن يسكن في القلعة وأن تخلى له دار السّلطنة ، وطاش وأسرف ، فقتله المُعزّ ، وهربت مماليكه .
قال شمس الدّين الجَزَري في تاريخه : فحدّثني عزُّ الدّين أَيْبك الفارسي في سنة تسع وسبعين قال : طلع أستاذنا إلى القلعة في شعبان على عادته ، فرتّب له المُعزّ عشرة منهم مملوكه قُطُز ، الذي تسلطن ، فقتلوه ، فركبت البحرية وغلمان الفارس فبلغوا سبعمائة وأتوا القلعة ، فرمى برأس الفارس إليهم ، فهرب طائفة إلى الكرك إلى الملك المغيث ، وطائفة إلى الشام ، وطائفة طلبوا الأمان . وكنت أنا وخُشْداشي في اثني عشر مملوكًا قد أخذنا كلّ واحد فرسًا وجنبيًا وهجينًا ، وطلعنا من القاهرة في الليل ، وقصدنا البرِّية ، فوقعنا في تيه بني إسرائيل ، فبقينا خمسة أيام في البرية ، ونحرنا بعض الهجن فأكلناه ، ثم سرنا يومًا وليلةً ، فلاح لنا في اليوم السابع عمارةٌُ فقصدناها ، فلقينا صورة مدينة بأسوارٍ وأبواب جميعها زجاج أخضر ، فدخلناها فوجدنا الرمل ينبعُ في أماكن منها ، وبعضه قد وصل إلى السُّقُوف ، وأكثر الأسواق ما فيها رمل بل الدّكاكين على حالها ، وفيها قماش ، فكنا نمَسُّه فيصير هباءً ، وكذلك أخشاب السُّقوف حتى النُّحاس قد تفتّت . ووجدنا صينية نحاس فيها ميزان ، فحين رفعناها تفتّتت ، ووجدنا فيها تسعة دنانير عليها صورة غزال وعليها حروف عبراني .
فبقينا يومنا ندور في تلك المدينة إلى أن وجدنا أثر رشَحٍ ، فحفرنا نحو ذراعين ، فظهرت بلاطة فقلعناها ، فإذا صهريج ماء ، فشربنا وسقينا الدواب ، ونَحرنا فرسًا وهجينًا ، وشوينا اللهم على الشيح ، ثم تزوَّدنا من الماء ونحن لا ندري إلى أين نتوجَّه ، فسرنا يومًا وليلة ، فوقعنا على قبيلة عرب من بني مهديّ ، فوصَّلُونا إلى الكرك ، فأكرمنا المغيث ثم قصدنا يهوديَّا لنصرف الدنانير وحكينا له ، فصاح وغُشي عليه ، ثم قال : هذا ضُرب في زمان موسى عليه السلام ، وهذه المدينة بُنيت لمّا كان موسى في التِّيه بالزجاج الأخضر عِوَض الحجارة ، وقد حصل لها طوفان رملي ، فتارةً ينقص الرمل فتظهر جدرانها ، وتارة يغطيها الرمل ، فبعناه الدينار بمائة درهم ، وأضافَنَا وأعلم يهودَ الكرك بنا ، فكانوا يأتوننا ويسألونا ويقولون : هذه المدينة الخضراء التي بناها موسى . قال الجَزَري : ثم حَجَجْت أنا فاكتريتُ من معَان مع شخص من بني مهدي إلى القدس فسألته ، فقال : نحن بحذاء التّيه ، وأنا ما رأيت شيئًا ، ولكن أخبرني أبي أنّه تصيَّد في التِّيه فوقع بمدينة خضراء ورأى حيطانها زجاجًا أخضرَ . قال : فلما رجعتُ أعلمت قومي ، فأخذوا جمالًا وأوسقوها زادًا وماءً ، ثم قصدنا تلك الأرض فلم نرها وغُيِّبت عنّا .
وبعد كلّ مدّة يراها واحد مصادفة . ويقصد لها عرب تلك الناحية باليهود ليزوروها فقلَّ من يراها . وفيها حارب صاحب المَوْصِل العدويّة ، وقتل خلقًا ، وأسر عدّة فصلب منهم مائة نفس ، وذبح مائة ، وقُتل كبيرهم وعُلِّق .
وبعث من نبش الشّيخ عديًّا وأحرق عظامه . أنبأني بذلك الظّهير ابن الكازرونيّ في مجموع . ووثب غانم بن راجح بن قتادة الحَسَنيّ في مكة بأبيه فقيَّده وزعم أنه جُنَّ ، فسأله أن يُخلّي سبيله ، فأعطاه جملًا فركبه وهرب ، وتمكن غانم بمكة .