وقعة حمص
وقعة حمص وكانت في خامس المحرّم . اجتمع عددُ من التّتار الّذين نجوْا من عين جالوت ، والّذين كانوا بِحَرّان والجزيرة . وكانوا قد هلكوا من القَحْط فأغاروا على حلب ، وقتلوا أهلها بقرنبيا ، ثمّ ساقوا إلى حمص لمّا علموا بقتْلة الملك المظفَّر ، وأنّ العساكر مختلفة ، فوجدوا على حمص الأمير حسام الدّين الجوكنْدار ومعه العسكر الّذين كانوا بحلب ، والملك المنصور صاحب حماة ، والملك الأشرف صاحب حمص ، وعدّتهم ألف وأربعمائة ، فحملوا على التّتار وهم في ستة آلاف فارس حملةً صادقةً فكسروهم وركبوا أقفِيَتهم قتْلًا حتّى أتى القتل على مُعظَمهم ، وهرب مقدّمهم بيْدرا في نفر يسير بأسوأ حال .
وكانت الوقعة عند تُربة خالد بن الوليد رضي الله عنه . وتُسمَّى وقعة حمص القيقان ، لأنّ غير واحد حدّث أنّه رأى قِيقانًا عظيمةً قد نزلتْ وقت المصافّ على التّتار تضرب في وجوههم ، وحكى بدر الدّين محمد ابن عزّ الدّين حسن القيْمُرِيّ ، وكان صدوقًا ، قال : كنت مع صاحب حماة فوالله لقد رأيت بعيني طيورًا بيضاء وهي تضرب في وجوه التّتار يومئذ . نقله عنه الجَزَريّ في تاريخه .
وقال أبو شامة : جاء الخبر بأنّ التّتار كُسِروا بأرض حمص كسرةً عظيمة وضُربت البشائر ، وكانت الوقعة عند قبر خالد إلى قريب الرَّسْتَن ، وذلك يوم الجمعة خامس المحرَّم ، وقُتل منهم فوق الألف ، ولم يُقتَل من المسلمين سوى رجلٍِ واحد . ثُم جاءت رؤوسهم إلى دمشق . قلت : حكى أبي أنّهم جابوها في شرائج ، وكنّا نتعجّب من كبر تلك الرؤوس لأنّها رؤوس المُغْل .
قال أبو شامة : وجاء الخبر بنزول التّتار على حماة في نصف الشّهر ، فقدِم صاحب حماة وصاحب حمص في طلب النَّجدة والاجتماع على قتالهم ، فنزل الملك المجاهد عَلَم الدّين عن سلطنة دمشق . قلت : بل اتفقوا على خلْع الحلبي ، وحصروه بالقلعة ، وجرى بينهم شيءٌ من قتال ، وخرج إليهم وقاتلهم ، ثمّ رجع إلى القلعة . فلمّا رأى الغَلَبة خرج في اللّيل بعد أيّام من دمشق من باب سرٍّ قريبٍ من باب توما ، وقصد بعْلَبَكّ ، فعصى في قلعتها ، وبقي قليلًا ، فقدِم علاء الدّين طيْبرس الوزيري وأمسك الحلبيّ في قلعة بعلبك ، وقيّده وسيّره إلى مصر .
وفيها ، في أواخر المحرَّم ، وقع على دمشق ثلج عظيم لم يُعهَد ، فبقي يومين وليلتين ، وبقي على الأسطحة أعلى من ذراع ، ثمّ رُمي وبقي كأنّه جبال في الأزِقّة وتضرّر الخلقُ به . وذلك في أوّل كانون الأصمّ . وأما التّتار فقال قُطْبُ الدّين أبقاه الله : ولمّا عاد مَنْ نجا من التّتار إلى حلب أخرجوا من فيها ، ثمّ نادوا : كلّ من كان من أهل البلد فلْيعتزل .
فاختلط على النّاس أمرهم ولم يفهموا المُراد ، فاعتزل بعضُ الغُرباء مع أهل حلب ، فلمّا تميّز الفريقان أخذوا الغُرباء وذهبوا بهم إلى ناحية بابلا فضربوا رقابهم ، وكان فيهم جماعة من أقارب الملك النّاصر رحمهم الله . ثمّ عدّوا من بقي ، وسلّموا كل طائفة إلى رجل كبير ضمَّنوه إيَّاهم . ثُم أحاطوا بالبلد أربعة أشهر ، فلم يدخلها أحدٌ ولا خرج منها أحدٌ ، فَغَلتْ الأسعار وهلكوا ، وتعثّروا ، وبلغ رِطْل اللّحم سبعةَ عشَرَ درهمًا ، ورطْل السَّمك ثلاثين درهمًا ، ورطل اللّبن خمسة عشر درهمًا ، ورطل السكر خمسين درهما ، وأُكِلَت الميتات .
وأمّا الجوكنْدار فدخل مصر ثمّ عاد إلى حلب . وفي سابع صفر ركب السلطان الملك الظّاهر في دسْت السّلطنة من قعلة الجبلَ وهو أوّل ركوبه . قال قُطْبُ الدّين : وكتب إلى الأمراء يحرّضهم على القبض على الحلبيّ ، فخرجوا عن دمشق ونابَذُوه وفيهم علاء الدّين البُنْدُقْدار ، يعني أستاذ الملك الظّاهر ، وبهاء الدّين بُغدي فتبعهم الحلبيُّ وحاربهم ، فحملوا عليه فهزموه ، ودخل القلعة فأغلقها في حادي عشر صفر .
ثُم خرج من القلعة تلك اللّيلة ، وأتى بعْلَبَكّ في عشرين مملوكًا . واستولى البُنْدُقْدار على دمشق ، وناب فيها عن الملك الظّاهر ، وجهّز لمحاصرة بعْلبَكّ بدر الدّين ابن رحّال ، فحال وصوله دخل بعْلبَكّ وراسل الحلبيّ ، ثمّ تقرّر نزوله ورواحه إلى خدمة الملك الظّاهر ، فخرج من القلعة على بغْلة ، وسار فأدخِل على الملك الظّاهر ليلًا ، فقام إليه واعتنقه وأكرمه ، وعاتبه عتابًا لطيفًا ، ثمّ خلع عليه ورسمَ له بخيْل ورخت . قلت : ثمّ حبسه .
وقال أبو شامة : ثمّ رجعت التّتار ، فنزل صاحب صهيون وتخطَّف منهم جماعة ، وقتلت الفداويّة الخشِيشيّة صاحب سِيس ، لَعَنَه الله . ووقع السيف بين التّتر وبين ابن صاحب سيس . وفيها درّس القاضي نجم الدّين ابن سنيّ الدّولة بالعادليّة وعُزِل الكمال التَّفْليسيّ ، واعتقل بسبب الحياصة النّاصرية التي تسلّمها التّتار .
وكانت رهنًا بمخزن للأيتام على المال الذي اقترضه الملك النّاصر . قال : وفيه ، يعني ربيع الأوّل ، خرج الفِرَنج في تسعمائة قنطاريّة ، وخمسمائة تركُبُليّ ، ونحو ثلاثة آلاف راجل ، فأُخذ الجميع قتْلًا وأسْرًا ، ولم يفْلت منهم سوى واحد . قلت : انتدب لقتالهم الغاجريّة التُّركُمان ، فأخْلَوا لهم بيوتهم وهربوا ، وكمنوا لهم ، ثمّ نزلوا عليهم وبيّتوهم ، وأراح الله منهم .
وكان خروجهم من عكّا وصيدا . وفي جمادى الأولى عُقِد العزاء بجامع دمشق للملك النّاصر . جاء الخبر بأنّه ضُربت رَقَبتُه مع جماعةٍ لمّا بلغهم أنّ المصريّين كسروهم على عين جالوت .
وفيه ورد دمشق أولاد صاحب الموصل ، وهما صاحب الجزيرة يومئذٍ وصاحب الموصل بعيالهم وأموالهم ، ومعه طائفة من أهل البلاد ، فمضوا إلى مصر . ثُم رجعوا في أواخر السّنة مع السّلطان ، ومضوا إلى بلادهم . وفي رجب أقيم في الخلافة بمصر المستنصر بالله أحمد ، ثمّ قدِم دمشقَ هو والسّلطان ، فعمِلت لقدومها القِباب ، واحتفل النّاس لزينتها .
وعُدِم في الشرق في آخر العام كما في ترجمته . وفي ذي الحجة عُزِل عن قضاء الشّام نجم الدّين ابن سَنيّ الدّولة ، ووُليّ شمس الدّين ابن خلِّكان الذي كان نائب الحُكْم بالقاهرة ، ثمّ وكّل بالمعزول وأُلزم السَفر إلى مصر . قال أبو شامة : كان جائرًا ، فاجرًا ، ظالمًا ، وشاع عنه أنه أُودع كيسًا فيه ألف دينار ، فردّ بدله كيسًا فيه فلوس .
وفُوِّضَ إلى ابن خلِّكان نظر الأوقاف وتدريس سبع مدارس كانت بيد المعزول : العادليّة ، والعذْراويّة ، والنّاصريّة ، والفَلَكيّة ، والرُّكْنيّة ، والإقباليّة ، والبَهنَسيّة . وفي نصف ذي الحجّة رجع السلطان إلى مصر . وفيها أقام الأمير شمس الدّين آقوش البرليّ المُسمَّى برلو بحلب خليفةً ، ولَقَّبه بالحاكم بأمر الله ، وخطب له ، ونقش اسمه على الدّراهم ، فلمّا قدِم السّلطان الشّام تزلزل أمرُه ، وطلب العراق ، ثمّ اجتمع بالإمام المستنصر بالله ، ودخل في طاعة المستنصر .
وفي آخرها وقع المصافُّ بين المستنصر وبين التّتار بالعراق ، فعُدِم المستنصر ، وقُتِل عددٌ من أصحابه وهرب الحاكم في جماعة وسلم . وممّن عُدِم فيها كمال الدّين ابن السّنجاريّ ، ويحيى ابن العُمريّ ، وعبد الملك ابن عساكر . وقد ذكرنا الوقعة في ترجمة المستنصر .
واستعمل السّلطان على حلب الأمير عَلَم الدّين سنْجّر الحلبيّ ، وبعث معه عسكرًا لمحاربة برلو ، وكان قد غلب على حلب . فلمّا قرُب الحلبيّ قصد البرلي الرَّقّة ، ودخل الحلبي حلب ، وجهّز عسكرًا وراء البرلي ، فأدركوه بالبرّية فقال : أنا مملوك السّلطان . وخدعهم .
ثمّ وصل إلى حرّان ، ثمّ أتى البيرة فتسلّمها ، وقوي أمره ، وقصد حلب . فقفز إليه جماعة من عسكر حلب ، فخاف الحلبيّ وهرب ، فدخل البرلي حلب . فلمّا بلغ السّلطان خرج من مصر بالجيش ، ثمّ جهز علاء الدّين أيْدكين البُنْدُقْدار نائبًا على حلب ومُحاربًا للبرلي ، فسَار من دمشق في نصف ذي القعدة ، فخرج البرلي عن حلب ، وقصد قلعة القرادي وحاصرها ، وأخذها من التّتار ونهبها .
وفيها كاتب الملك المغيث صاحب الكَرَك الملك الظّاهر يستعطفه فرضيَ عنه . وفي شوال وُلّي قضاء مصر برهان الدّين السَّنجاريّ ، وعُزل تاج الدّين ابن بنت الأعز . وفي شوّال تزوّج بيليك الخَزْندار الظّاهريّ ببنت صاحب الموصل بدر الدّين لؤلؤ ، فأعطاه السّلطان الصُّبيْبَة ، وبانياس .
وقدِم على السّلطان وهو بدمشق الملك الأشرف صاحب حمص ، فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف درهم ، وزاده تلَّ باشر . وفي ذي الحجّة سار الرشيديّ في عسكرٍ إلى أرض أنطاكية فأغار عليها . قال قُطْب الدّين : وفي رمضان وقع الصُّلح بين التّتار وبين الملك المظفَّر ابن السّعيد صاحب ماردين ، فتوجّه إليهم ومعه هديّة سَنِيّة من جُملتها باطية مجوهرة قيمتها أربعة وثمانون ألف دينار ، فأكرموه ، ثمّ قتلوا أصحابه ، وكانوا سبعين نفسا بلا ذَنْب ولا جُرْم ، بل أرادوا قصّ جناحه .
وفي رمضان وقع المصافّ بين الأخوين رُكْن الدّين صاحب الرّوم ، وأخيه عزّ الدّين بقُرب قُونية ، فانتصر رُكْن الدّين لأنه كان معه نجدة من التّتر ، وقُتِل من عسكر عزّ الدّين خلْق ، وأُسِر جماعة فشُنقوا . وأقام عزّ الدّين بأنطاكية .