حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ستين وستمائة

سنة ستين وستمائة في أوّلها دخل البرلي إلى حلب مرّة أخرى ، فخرج البُنْدُقْدار عنها ، وأظهر البرلي طاعةَ السّلطان ، وكان شجاعًا مذكورًا لا يُصطلى بناره . وقال ابن خلِّكان ، رحمه الله : في أثنائها توجّه عسكر الشّام إلى أنطاكية ، فأقاموا قليلًا عليها ، ثمّ رجعوا ، فأخبرني بعضهم بغريبة ، وهي أنهم نزلوا على جَرُود وهي بين دمشق وحمص فاصطادوا حُمْر وحش كثيرة ، فذبح رجلُ حمارًا وطبخ لحمه ، فبقي يومًا يوقد لا ينضج لحمُه ولا يتغيَّر ولا قارب النُّضج ، فقام جُنْدي فأخذ الرأس فوجد على أذنه وسمًا ، فقرأه ، فإذا هو بهرام جور . فلمّا أتوا أحضروا تلك الأذن إليَّ ، فوجدت الوسم ظاهرًا وقد رقّ شعْر الأذُن ، وموضع الوسْم أسود ، وهو بالقلم الكوفيّ .

وبهرام جور من ملوك الفُرس كان إذا كثُر عليه الوحش وسَمَه وأطْلقه . وحُمر الوحشْ من الحيوانات المعمّرة ، وهذا لعلَّه عاش ثمانمائة سنة أو أكثر . انتهى قوله .

وفي ربيع الآخر قدِم القاهرةَ الحاكمُ بأمر الله ومعه ولدُه وجماعة ، فأكرمه الملك الظاهر وأنزله بالبُرج الكبير ، وهو أحمد بن أبي عليّ القُبّي ابن عليّ ابن أبي بكر ابن أمير المؤمنين المسترشد بالله ابن المستظهر . وفيها عزل النجيبي عن الأستاذ دارية ووليها عز الدين أيدمر الظاهري الهاشميّ العبّاسي . اختفى وقت أخذ بغداد ونجا ، ثمّ خرج منها وفي صُحبته زين الدّين صالح بن محمد ابن البنّاء الحاكمي ، وأخوه محمد ، ونجم الدّين ابن المُشّاء ، فقصد حسين بن فلاح أمير بني خفاجة ، فأقام عنده مدَّةً ، ثمّ توصّل مع العرب إلى دمشق ، وأقام عند الأمير عيسى بن مُهنّا والد مُهنّا مدّةً ، فطالع به السلطان الملك النّاصر ، فأرسل يطلبه ، فبغته مجيء التّتار .

فلمّا ملك الملك المظفَّر دمشق سيّر أمير قِلِيج البغدادي إلى ناحية العراق وأمره بتطلُّب الحاكم ، فاجتمع به وبايعه على الخلافة ، وتوجّه في خدمته الأمير عيسى والأمير عليّ بن صقر ابن مخلول ، وعمر بن مخلول ، وسائر آل فضل ، سوى أولاد حُذيفة . فافتتح الحاكم بالعرب عانَةَ ، والحديثة ، وهيت ، والأنبار ، وضرب مع القراوول رأسًا بقرب بغداد في أواخر سنة ثمانٍ وخمسين ، فانتصر عليهم ، وقُتل من التّتار خلْقٌ ، ولم يُقتل من أصحابه غير ستّة ، فيقال ، والله أعلم : قُتِل من التّتار نحو ألف وخمسمائة فارس ، منهم ثمانية أمراء . فجاء جيش للتّتار عليهم قرابُغا ، فرد المسلمون على حميّة ، فتبعهم قُرابُغا إلى هيت وردّ .

وأقام الحاكم عند ابن مُهنَّا ، فكاتبه علاء الدّين طيْبرس نائب دمشق يومئذ للملك الظّاهر يستدعيه ، فقدِم دمشقَ في صفر فبعثه إلى السّلطان ، في خدمته الثّلاثة الّذين خرجوا معه من بغداد . وكان المستنصر بالله قد تقدّمه بثلاثة أيّام إلى القاهرة ، فما رأى أن يدخل على إثره خَوفًا من أن يُمسك ، فهرب راجلًا وصُحْبته الزَّين صالح البناّء ، وقصدا دمشق ، ودلّهما بدويٌّ من عرب غَزِية ، فاختفيا بالعُقَيبة ، وحصّلا ما يركبان ، وقصدا سَلَمِية ، وصحبَهما جماعةٌ أتراك ، فوجدوا أهل سَلَمِيَة متحصّنين خوفًا من الأمير آقُش البرلي ، فوقع بينهم مناوشة من حرب ، ونجا الحاكم وصاحبه ، وقصد البرلي فقبّل البرلي يده ، وبايعه هو وكلّ من بحلب ، وتوجّهوا إلى حرّان ، فبايعه الشّيخ شهاب الدّين عبد الحليم ابن تيْميّة والد شيخنا وأهل حرّان . وجمع البرلي للحاكم جمعًا كثيرًا نحو الألف فارس من التُّركمان ، وقصدوا عانَةَ ، فوافاهم الخليفة المستنصر ، فأعمل الحيلة ، وأفسد التُّركمان على الحاكم ، ودخل الحاكم في طاعته وانقاد له ، ووقع الاتّفاق .

فلمّا عُدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرَّحبة ، وجاء إلى عيسى بن مُهنّا ، فكاتب الملك الظّاهر فيه ، فطلبه ، فقدِم إلى القاهرة ، فبايعوه وامتدّت أيّامه ، وكانت خلافته نيِّفاّ وأربعين سنة . قال أبو شامة : وفيها جاء الخبر بالتقاء التَّتر الّذين بالموصل بعسكر البرلي ، وجرت بينهم وقعةٌ قُتل فيها مقتلة عظيمة ، وقُتِل عَلَمُ الدّين سنْجر المعروف بجكم الأشرفيّ ، وابنه ، وبكتوت الحّرانيّ . قال : وفيها وُلّي ولاية دمشق ونظر الجامع والمساجد الأمير الافتخار الحرّانيّ ؛ وكان شيخًا كبيرًا خيّرًا ، ألزم أهل الأسواق بالصّلاة وعاقب عليها ، ومنع جماعة من الأئمة الاستنابة ، ورجع على بعضهم بما تناولهم منهم التّاج الشّحرور ، والجمال الموقانيّ ، والشّمس ابن غانم ، والشّمس ابن عبد السلام .

ونقَّص كثيرا من جامكيّاتهم المقرَّرة . وأمّا أولاد صاحب الموصل فلمّا فارقوا المستنصر في العام الماضي أقاموا بسَنْجار ، وكتب كبيرهم الملك الصّالح إلى الموصل يستشير أهلَها ، فأشاروا عليه بالمجيء ، فقدِم عليهم في العشرين من ذي الحجّة ومعه ثلاثمائة فارس ، وكان في الموصل أربعمائة فارس ، فدخلها ، وترك إخوته بسَنْجار . فلمّا بلغهم قتْل المستنصر ونزول التّتار على الموصل لحصار أخيهم رجعوا ، فأعطاهم الملك الظّاهر أخبازًا ، وأعطى الملك المجاهد إسحاق مبلغًا من المال لخاصّه ، ولعلاء الدّين مبلغًا لخاصّه .

وأمّا التّتار فنازلوا الموصل ومعهم صاحب ماردين ، ونصبوا عليها المجانيق وضايقوها ، ولم يكن بها سلاح ولا قوُتٌ كثير ، فَغَلا السِّعر ، واستنجد الملك الصّالح بالبرلي ، فَنَجَده من حلب ، فسار إلى سنْجار ، فعزمت التّتار على الهرب ، فوصل إليهم الكلب الزَّين الحافظيّ وأخبرهم بأن البرلي في طائفةٍ قليلة ، وشجّعهم ، فسارت إليه التّتار وهم في عشرة آلاف ، والبرلي في ألفٍ من التّركمان والعرب ، فتوقّف في لقائهم ، ثمّ برز إليهم في رابع عشر جمادى الآخرة ، فكسروه وقُتل جماعةٌ من وجوه أصحابه ، وانهزم جريحًا ، وأُسر طائفة من أصحابه بعد أنْ أبْلوا بلاءً حسنًا . ووصل البرلي إلى البيرة ، ففارقه أكثر من معه ، وقصدوا الدّيار المصريّة . وجاءت رُسُل من هولاكو إلى البرلي يطلبه إليه ، فلم يُجِبه إلى ذلك ، وكاتب الملك الظّاهر فأمّنه ، فسار إلى مصر ، فأعطاه السّلطان إمريَّة سبعين فارسًا ، وخلع عليه .

وأمّا التّتار فأخذوا الأسرى فأدخلوهم من النقوب إلى الموصل ليُعرِّفوهم بكسرة البرلي . واستمرَّ الحصار إلى شعبان من سنة ستّين ، ثمّ طلبوا ولد الملك الصّالح ، فأخرجه إليهم ، ثمّ خلّوه أيّامًا ، وكاتبوه بأن يسلّم الموصل وهدّدوه ، فجمع الأكابر وشاورهم ، فأشاروا عليه بالخروج فقال : تُقْتلون لا محالة . فصمّموا على الخروج ، فخرج إليهم يوم نصف شعبان وقد ودّع الناس ، ولبس البياض ، فلمّا وصل إليهم رسَّموا عليه .

وكان الحصار قد طال جدًّا ، وعلى سور البلد ثلاثون منجنيقًا ترمي العدوّ وعلى المغول سنداغو ، وقد خندقوا على نفوسهم ، وبالغوا في الحصار ، حتّى كلَّ الفريقان . ثمّ سلّمت الموصل ، ونوديَ في الموصل بالأمان فاطمأنّ النّاس ، فشرع التّتار في خراب السور . فلمّا طمّنوا الناس دخلوا البلد وبذلوا السيف تسعة أيام إلى أوائل رمضان .

ووسّطوا علاء الملك ولد الملك الصّالح ، وعلَّقوه على باب الجسر ، ثمّ رحلوا في آخر شوّال بالصّالح فقتلوه في الطّريق رحمه الله . وأمّا علاء الدّين والملك المجاهد فاستقلّوا أمراء بمصر . وأمّا ابن صاحب الرّوم عزّ الدّين فإنّه اختلّ أمره وضايقته التَّتر ، فقصد الأشكري وسأله العوْن فقال : إن تنصَّرتَ أعنْتُك .

فهمَّ أن يفعل لينال غرضه من النّصر على أخيه بالتَّنصُّر ، فلامه أصحابه وقالوا : هذا ينفر عنك قلوبَ العسكر . فأمسك ، وتغيّر خاطرُ الأشكري عليه وحبسه بقلعة فأغارت طائفة من عسكر بركة على بعض بلاد الأشكري ، وحاصروا تلك القلعة ، فوقع الاتّفاق على أنّه إنْ سلَّم إليهم السّلطان عزّ الدّين رحلوا . فسلّمه إليهم ، فانطلقوا به إلى الملك بركة .

ووقع الخُلْف بين هولاكو وبركة ، وأظهر بركة عداوته ، وبعث الرُّسُل إلى الملك الظّاهر بالمواددة واجتماع الكلمة ، ويحرّضه على حرب هولاكو ، ثمّ جرى بينهما مصافّ ، كما يأتي إن شاء الله تعالى . وفي شوّال قدِم الدّمياطيّ الأمير والرُّكني علاء الدّين الأعمى الّذي صار بالقدس ، فقبضا على نائب دمشق طيبرس الوزيري ، وحُمل إلى مصر ، وباشر الرُّكنيّ النّيابة إلى أن قدِم النّجيبيّ . وفي ذي الحجة وصل إلى دمشق من التّتار نحو المائتين هاربين إلى المسلمين ، فأُعْطوا أخبازًا .

وهم أوَّل من قفز من التّتار ودخل في الإسلام . وقُتل العماد القزوينيّ ، أحدُ الحكّام بالعراق ، لخيانته . وأُخذ متولّي واسط مجد الدّين صالح بن هُذَيْل وعذِّب وصودِر ، وسُلِّمتْ واسط إلى الملك منوجهر ابن صاحب همذان ، فسار واستصحب معه فخر الدّين مظفَّر ابن الطّرّاح فجعله نائبه في تدبيرها .

وقُتل في العام الآتي شِحْنة بغداد بهادر . وكان مسلمًا سائسًا لا بأس بسيرته . وكان يُصلِّي التّراويح ، ووُلّي بعده قرابوقا شِحْنة .

وفي تاريخ المؤيَّد قال : وفيها في ربيع الآخر ، أعني سنة تسع وخمسين وستمائة ، وردت الأخبار أنّ سبْع جزائر في البحر خُسف بها وبأهلها ، ولبس أهل عكّا السّواد وبكوا وتابوا . وفي آخر يوم من سنة ستّين أثبتوا نَسَبَ الحاكم العبّاسيّ ، وبويع بالخلافة بعد جمعة . وفي سنة ستّين تحزّبت نصارى الرّوم وحشدوا ، وأخذوا مدينة القُسْطنطينية من الفرنج .

وكان الفرنج قد استولوا عليها من سنة ستمائة . أرّخ ذلك الملك المؤيّد .

موقع حَـدِيث