حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

خليل بن قلاوون

خليل بن قلاوون ، السلطان ، الملك ، الأشرف ، صلاح الدين ولد السلطان الملك المنصور سيف الدين ، الصالحي النجمي . جلس على تخت الملك في ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة ، واستفتح الملك بالجهاد وسار ، فنازل عكا ، وافتتحها ونظف الشام كله من الفرنج ، ثم سار في السنة الثانية فنازل قلعة الروم وحاصرها خمسة وعشرين يومًا وافتتحها وفي السنة الثالثة جاءته مفاتيح قلعة بهنسا من غير قتال إلى دمشق ، ولو طالت حياته لأخذ العراق وغيرها ، فإنه كان بطلاً شجاعًا ، مقدامًا ، مهيبًا ، عالي الهمة يملأ العين ويرجف القلب . رأيته مرات وكان ضخمًا ، سمينًا ، كبير الوجه ، بديع الجمال ، مستدير اللحية ، على صورته رونق الحسن وهيبة السلطنة ، وكان إلى جوده وبذله للأموال في أغراضه المنتهى ، وكان مخوف السطوة ، شديد الوطأة ، قوي البطش ، تخافه الملوك في أمصارها والوحوش العادية في آجامها ، أباد جماعة من كبار الدولة ، وكان منهمكًا على اللذات لا يعبأ بالتحرز على نفسه لفرط شجاعته وما أحسبه بلغ ثلاثين سنة ، ولعل الله عز وجل قد عفا عنه وأوجب له الجنة على كثرة ما فرط في جنب الله ، نسأل الله العفو والعافية .

ولما كان في ثالث المحرم توجه من القاهرة هو ووزيره الصاحب الكبير شمس الدين وأمراء دولته ، فلما وصل إلى الطرانة فارقه الوزير إلى الإسكندرية فقدمها وعسف وصادر ، ونزل السلطان بأرض الحمامات للصيد وأقام إلى يوم السبت ثاني عشر المحرم ، فلما كان وقت العصر وهو بتروجة حضر نائب السلطنة بيدرا وجماعة أمراء ، وقد كان السلطان أمره بكرة أن يمضي بالدهليز ويتقدم وبقي هو يتصيد وليعود إلى الدهليز عشية ، فأحاطوا به وليس معه إلا شهاب الدين ابن الأشل أمير شكار ، فابتدره بيدرا فضربه بالسيف قطع يده وضربه حسام الدين لاجين على كتفه حلها وصاح : من يريد الملك هذه تكون ضربته ، يشير إلى بيدرا ، فسقط السلطان ولم يكن معه سيف فيما قيل ، بل كان في وسطه بند مشدود ، ثم جاء سيف الدين بهادر رأس النوبة فأدخل السيف من أسفله فشقه إلى حلقه ، وتركوه طريحًا في البرية والتفوا على بيدرا وحلفوا له ، وساق تحت العصائب يطلب القاهرة وتسمى فيما قيل بالملك الأوحد ، وبات تلك الليلة وأصبح يسير ، فلما ارتفع النهار إذا بطلب كبير قد أقبل ، يقدمه الأميران : زين الدين كتبغا وحسام الدين أستاذ دار يطلبون بيدرا بدم أستاذهم وذلك بالطرانة ، فحملوا عليه ، فتفرق عنه أكثر من معه ، فقتل في الحال وحمل رأسه على رمح وجاؤوا إلى القاهرة فلم يمكنهم الشجاعي من التعدية وكان نائبًا للسلطان في تلك السفرة ، فأمر بالشواني والمراكب كلها ، فربطت إلى الجانب الآخر ، ونزل الجيش على الجانب الغربي ، ثم مشت بينهم الرسل على أن يقيموا في السلطنة أخا السلطان وهو المولى السلطان الملك الناصر ، أيده الله ، فتقرر ذلك ، وأجلسوه على التخت السلطاني في يوم الاثنين رابع عشر المحرم بأن يكون أتابكه كتبغا ووزيره الشجاعي ، واختفى حسام الدين لاجين وغيره ممن شارك في قتل السلطان . قال شمس الدين الجزري في تاريخه : حدثني الأمير سيف الدين أبو بكر ابن المحفدار قال : كان السلطان ، رحمه الله ، قد نفذني بكرة إلى بيدرا بأن يتقدم بالعسكر ، فلما قلت ذلك نفر في وقال : السمع والطاعة ، كم يستعجلني ، ثم إني حملت الزردخاناه والثقل الذي لي وركبت ، فبينما أنا ورفيقي الأمير صارم الدين الفخري وركن الدين أمير جندار عند الغروب سائرين وإذا بنجاب ، فقلنا : أين تركت السلطان ؟ فقال : يطول الله أعماركم فيه ، فبهتنا وإذا بالعصائب قد لاحت ، ثم أقبل الأمراء وفي الدست بيدرا ، فجئنا وسلمنا ، ثم سايره أمير جندار فقال : يا خوند ، هذا الذي تم كان بمشورة الأمراء ؟ قال : نعم ، أنا قتلته بمشورتهم وحضورهم وها هم حضور ، وكان من جملتهم حسام الدين لاجين وبهادر رأس النوبة وشمس الدين قراسنقر وبدر الدين بيسري ، ثم شرع بيدرا يعدد ذنوبه وهناته وإهماله لأمور المسلمين واستهتاره بالأمراء وتوزيره لابن السلعوس ، ثم قال : رأيتم الأمير زين الدين كتبغا ؟ ، قلنا : لا فقال له أمير : يا خوند كان عنده علم من هذه القضية ؟ قال : نعم ، هو أول من أشار بها ، فلما كان من الغد جاء كتبغا في طلب نحو ألفين من الخاصكية وغيرهم والحسام أستاذ الدار ، ثم قوس كتبغا وقصد بيدرا وقال : يا بيدرا أين السلطان ؟ ثم رماه بالنشاب ورموا كلهم بالنشاب فقتلوه وتفرق جمعه وسيروا رأسه إلى القاهرة ، فلما رأينا ذلك التجأنا إلى جبل واختلطنا بالطلب الذي جاء ، فعرفنا بعض أصحابنا فقال لنا : شدوا بالعجلة مناديلكم في رقابكم إلى تحت الإبط ، يعني شعارهم . قال ابن المحفدار : وسألت شهاب الدين ابن الأشل : كيف كان قتل السلطان ؟ قال : جاء إليه بعد رحيل الدهليز الخبر أن بتروجة طير كثير ، فقال لي : امش بنا حتى نسبق الخاصكية ، فركبنا وسرنا ، فرأينا طيرًا كثيرًا ، فرمى بالبندق وصرع كثيرًا ، ثم قال : أنا جيعان ، فهل معك شيء تطعمني ؟ فقلت : ما معي سوى فروجة ورغيف في سولقي ، قال : هاته فناولته فأكله ثم قال : امسك فرسي حتى أبول ، قال : فقلت : ما فيها حيلة أنت راكب حصان وأنا راكب حجرة وما يتفقان ، فقال : انزل أنت واركب خلفي وأركب أنا الحجرة وهي تقف مع الحصان إذا كنت فوقه ، فنزلت وناولته لجامها وركبت خلفه ، ثم نزل هو وجلس يريق الماء وجعل يولع بذكره ويمازحني ، ثم قام وركب حصانه ومسك لي الحجرة حتى ركبت وإذا بغبار عظيم فقال لي : سق واكشف الخبر ، فسقت فإذا بيدرا والأمراء ، فسألتهم عن سبب مجيئهم ، فلم يردوا علي وساقوا إلى السلطان ، فبدأه بيدرا بالضربة فقطع يده وتممه الباقون ، ثم بعد يومين طلع والي تروجة وغسلوه وكفنوه ووضعوه في تابوت ، ثم سيروا من القاهرة الأمير سعد الدين كوجبا الناصري فأحضر التابوت ودفن في تربة والدته ، وكان من أبناء الثلاثين .

موقع حَـدِيث