سنجر علم الدين الشجاعي
سنجر ، الأمير الكبير ، علم الدين الشجاعي ، المنصوري . كان رجلاً طويلاً ، تام الخلقة ، أبيض اللون ، أسود اللحية ، عليه وقار وهيبة وسكون وفي أنفه كبر وفي أخلاقه شراسة وفي طبيعته جبروت وانتقام وظلم ، وله خبرة تامة في السياسة والعمارات والرأي ، ولي شد الديار المصرية ، ثم الوزارة ، ثم ولي نيابة دمشق ، فلطف الله بأهلها وقلل من شره بعض الشيء فوليها سنتين ، ثم صرف بعز الدين الحموي وانتقل إلى مصر عالي الرتبة وافر الحرمة ، ولقد كان يعرض في تجمل وهيبة لا تنبغي إلا لسلطان ، ولما قدم من قلعة الروم كان دخوله عجبًا ، طلب جارنا يونس الحريري وأمره أن يعمل له سناجق أطلس أبيض وفيه عقاب أسود ، فعملها على هيئة سناجق السلطنة ، قال لي يونس : عملناها عرض أربعة أذرع بالجديد ، في طول نحو تسعة أذرع . قلت : كان منها فوق كوساته خمسة صفًا واحدًا ، وهي في غاية الحسن واللمعان ولها طزر مقصوصة محررة ، أظن فيها : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾وتعجب الناس وقالوا : هذه لا تكون إلا لسلطان وكان رنكه قبل ذلك لت أحمر في بياض . .
وكان له من الخيل المسومة والمماليك الترك والزينة والذهب والرخت وغير ذلك شيء كثير وكان شجاعًا ، مهيبًا ، جبارًا ، من رجال العالم ولولا جوره لكان يصلح للملك ، وكان له في الجملة ميل إلى أهل الدين وتعظيم للإسلام وعمل الوزارة في أول الدولة الناصرية أكثر من شهر . ثم قتل شر قتلة ، عصى في القلعة وجرت أمور ، فلما كان يوم الرابع والعشرين من صفر عجز وطلب الأمان ، فلم يعطوه أمانًا وطلع إليه بعض الأمراء وقال : انزل إلى عند السلطان الملك الناصر ، فمشى معهم ، فضربه واحد منهم طير يده ، ثم طير آخر رأسه وعلق رأسه في الحال على سور القلعة ، ودقت البشائر ، ثم طافت المشاعلية برأسه في الأسواق وجبوا عليه والناس يشتمونه لظلمه وعسفه ، فلا قوة إلا بالله ، ومات وقد قارب الخمسين .