61 - حدّثنا محمد بن بشار ، ثنا وهب بن جرير ، نا أبي ، سمعت محمد بن إسحاق يحدّث ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن جابر قال : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن تستقبل القبلة ببول ، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها . ثنا محمد بن بشار ، عن وهب به ، ولفظه : نهاني أن أستقبل القبلة ... الحديث . هذا حديث خرجه ابن خزيمة ، عن ابن بشار شيخ أبي عبد اللّه ، وخرجه أيضا الحاكم ، وزعم أنه صحيح على شرط مسلم ، وليس كما زعم ، فإن أبان بن صالح لم يخرج مسلم له شيئًا ، وخرجه ابن حبان في كتابه الصحيح ، وفيه فائدة تصريح ابن إسحاق بسماعه من أبان ، فقال : ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا عمرو الناقد ، ثنا يعقوب ابن إبراهيم ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني أبان ... فذكره . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . ورواه ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أبي قتادة : أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستقبل القبلة . أنا بذلك قتيبة ، ثنا ابن لهيعة بهذا ، وحديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصح من حديث ابن لهيعة ، ولما رواه البزار في مسنده ، عن محمد بن المثنى ، نا وهب به ، قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإِسناد . وذكر البيهقي في كتاب الخلافيات ، وأبو الحسن الخزرجي في تقريب المدارك ، وعبد الحق الإشبيلي أنّ الترمذي سأل البخاري عن حديث ابن إسحاق هذا ، فقال : هذا حديث صحيح ، كذا ذكروه عنه . والذي في نسختي من كتاب العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : رواه غير واحد ، عن ابن إسحاق فقط ، فلعله سقط منها شيء ، واللّه أعلم . وأما قول ابن حزم حين أراد ردّه : حديث جابر رواه أبان بن صالح ، وليس بالمشهور ، فقول مردود ، لما أسلفنا من توثيقه عند من صحح حديثه ؛ ولقول ابن معين ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، ويعقوب بن شيبة ، والعجلي فيه : ثقة . وقال النسائي : كان حاكما بالمدينة ، وليس به بأس ، روى عنه إبراهيم بن أبي عبلة ، وأسامة بن زيد ، وابن جريج ، وإسحاق بن أبي فروة ، وعقيل ، ومحمد الجندي ، وابن عجلان ، وموسى بن عبيدة ، والحارث بن يعقوب والد عمرو ، وعبد الله بن عامر الأسلمي ، وسعد بن كعب بن عجرة ، وعبيد الله بن أبي جعفر ، وهو قرشي جَدّ مشكدانه ، استشهد به محمد في باب عمرة القضاء من كتاب المغازي ، وقال ابن سعد : ولد سنة ستين ، ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومائة ، زاد يعقوب الفسوي في تاريخه : وهو ابن خمس وخمسين سنة ، فأي شهرة أرفع من هذه وأعلى . وأما قول أبي عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد : ردّ أحمد بن حنبل حديث جابر ، قال أبو عمرو : وليس حديث جابر بصحيح ، فيعرج عليه ؛ لأنّ أبان بن صالح راويه ضعيف ، ففيه نظر من وجهين : الأول : قوله ردّه أحمد : إن أراد رد العمل به فمعروف عنه ، وإن أراد الردّ الصناعي فغير صحيح ؛ لثبوته في مسنده ، لم يضرب عليه ولم ينزعه منه ، كعادته فيما ليس بصحيح عنده أو مردود . بين ذلك أبو موسى المديني عنه . الثاني : تضعيفه الحديث بأبان ، وهو قول لا سلف له فيما أعلم ، وقد عارضه قول من أسلفنا . وقول الترمذي فيه : حسن غريب ، وهما لفظان متغايران ، اللهم إلَّا أن يكون بعض رواته تفرد به ، ولئن كان كذلك فما أظنه غير أبان ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب الطبراني الكبير حديث عمار : ثنا محمد بن الفضل السقطي ، ثنا الحكم بن موسى ، نا عيسى بن يونس ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم عن عمار ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول . ولما ذكر الترمذي الأحاديث التي في الباب أغفل حديث ابن عمر : إنّما نهى عن ذلك في الفضاء ؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود ، وقال فيه الحاكم : صحيح على شرط البخاري . وأما قول ابن حزم : النهي عن ذلك ، يعني عن استقبال القدس لم يصح ، فمردود بما أسلفناه من عند البخاري : فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس . البيت ، جمعه : بيوت ، وأبيات ، وأبابيت عن سيبويه ، مثل قول وأقاويل ، وتصغيره : بييت ، وبييت أيضا بكسر أوله ، والعامة تقول : بويت . قاله الجوهري . وقوله : ظهرت بمعنى علوت ، وفي بعض الروايات : رقيت بمعنى صعدت ، وهو العلو ، قال تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ، وقال : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ أي : يعلون . قال النابغة : بلغنا السماء أبانا وجدودنا وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا وأما اللبن مثل كلم ، فواحده لبنة ، ككلمة ، ويقال : لبنة ولبن مثل لبدة ولبد . قال القزاز : هو المضروب مربعا ، وكل شيء ربعته فقد لبنته ، والملبن : هو الفاعل ، وهو الذي يضرب به . وأما الكنيف : فهو البناء الذي انتزع من الدور لقضاء الحاجة ، وأصله الشيء الساتر ؛ لأنه يستر ويغطي ، أو لأنه كنف في أستر النواحي ؛ ولذلك قالوا للترس كنيفا ، قال لبيد : ولا الحجف الكنيف . ولحظيرة الإِبل كذلك ، وفي حديث : أن أبا بكر - رضي اللّه عنه - أشرف من كنف أي ستر . قال القزاز : ومنه قولهم : اذهب في كنف اللّه ، أي : ستره وحياطته . اختلف الناس في تأويل ما اختلف من الأخبار في استقبال القبلة واستدبارها ؛ فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحاري والأبنية ، وهو مذهب الثوري والكوفي وأحمد وأبي ثور ، واحتجوا بحديث أبي أيوب وغيره من الأحاديث الواردة في النهي ، وفيها كثرة . وقال آخرون : جائز استقبال القبلة وبيت المقدس على كلّ حال ، واستدبارهما في الصحاري والبيوت . قال الخطابي : وذهب ابن عمر إلى أنّ النهي إنّما جاء في الصحاري ، وكذلك قاله الشعبي ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، وقد قيل : إن المعنى في ذلك هو أنَّ الفضاء من الأرض موضع للصلاة ، ومتعبد للملائكة والإنس والجن ؛ ففاعل ذلك مستهدف للأبصار ، وهو في الأبنية مأمون ، وفي قول ابن عمر جمع بين الأخبار ، واللّه أعلم .
الشروح
الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمامالرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري · ص 185 حاشية السندي على بن ماجهبَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ فِي الْكَنِيفِ وَإِبَاحَتِهِ دُونَ الصَّحَارِي · ص 136 325 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، ثَنَا أَبِي ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ، عَنْ ، أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ ؛ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا . قَوْلُهُ : ( فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ مَخْصُوصًا لَا أَنَّ الثَّانِيَ جَاءَ نَاسِخًا لِعُمُومِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا قَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يُبْطِلُ قَوْلَ الْمَانِعِينَ عَنِ الِاسْتِقْبَالِ مُطْلَقًا أَنَّ مَا جَاءَ مَنَ الِاسْتِقْبَالِ يُحْمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ بَعْدَهُ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ وَالنَّهْيُ لِغَيْرِهِ أَوْ كَانَ لِلضَّرُورَةِ وَالنَّهْيُ عِنْدَ عَدَمِهَا ؛ إِذِ الْفِعْلُ لَا عُمُومَ لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .