الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري
حدّثنا محمد بن بشار ، ثنا وهب بن جرير ، نا أبي ، سمعت محمد بن إسحاق يحدّث ، عن أبان بن صالح ، عن مجاهد ، عن جابر قال : نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن تستقبل القبلة ببول ، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها . ثنا محمد بن بشار ، عن وهب به ، ولفظه : نهاني أن أستقبل القبلة .. . الحديث .
هذا حديث خرجه ابن خزيمة ، عن ابن بشار شيخ أبي عبد اللّه ، وخرجه أيضا الحاكم ، وزعم أنه صحيح على شرط مسلم ، وليس كما زعم ، فإن أبان بن صالح لم يخرج مسلم له شيئًا ، وخرجه ابن حبان في كتابه الصحيح ، وفيه فائدة تصريح ابن إسحاق بسماعه من أبان ، فقال : ثنا الحسن بن سفيان ، ثنا عمرو الناقد ، ثنا يعقوب ابن إبراهيم ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني أبان .. . فذكره . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب .
ورواه ابن لهيعة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن أبي قتادة : أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يبول مستقبل القبلة . أنا بذلك قتيبة ، ثنا ابن لهيعة بهذا ، وحديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصح من حديث ابن لهيعة ، ولما رواه البزار في مسنده ، عن محمد بن المثنى ، نا وهب به ، قال : وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ بإسناد أحسن من هذا الإِسناد . وذكر البيهقي في كتاب الخلافيات ، وأبو الحسن الخزرجي في تقريب المدارك ، وعبد الحق الإشبيلي أنّ الترمذي سأل البخاري عن حديث ابن إسحاق هذا ، فقال : هذا حديث صحيح ، كذا ذكروه عنه .
والذي في نسختي من كتاب العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : رواه غير واحد ، عن ابن إسحاق فقط ، فلعله سقط منها شيء ، واللّه أعلم . وأما قول ابن حزم حين أراد ردّه : حديث جابر رواه أبان بن صالح ، وليس بالمشهور ، فقول مردود ، لما أسلفنا من توثيقه عند من صحح حديثه ؛ ولقول ابن معين ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، ويعقوب بن شيبة ، والعجلي فيه : ثقة . وقال النسائي : كان حاكما بالمدينة ، وليس به بأس ، روى عنه إبراهيم بن أبي عبلة ، وأسامة بن زيد ، وابن جريج ، وإسحاق بن أبي فروة ، وعقيل ، ومحمد الجندي ، وابن عجلان ، وموسى بن عبيدة ، والحارث بن يعقوب والد عمرو ، وعبد الله بن عامر الأسلمي ، وسعد بن كعب بن عجرة ، وعبيد الله بن أبي جعفر ، وهو قرشي جَدّ مشكدانه ، استشهد به محمد في باب عمرة القضاء من كتاب المغازي ، وقال ابن سعد : ولد سنة ستين ، ومات بعسقلان سنة بضع عشرة ومائة ، زاد يعقوب الفسوي في تاريخه : وهو ابن خمس وخمسين سنة ، فأي شهرة أرفع من هذه وأعلى .
وأما قول أبي عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد : ردّ أحمد بن حنبل حديث جابر ، قال أبو عمرو : وليس حديث جابر بصحيح ، فيعرج عليه ؛ لأنّ أبان بن صالح راويه ضعيف ، ففيه نظر من وجهين : الأول : قوله ردّه أحمد : إن أراد رد العمل به فمعروف عنه ، وإن أراد الردّ الصناعي فغير صحيح ؛ لثبوته في مسنده ، لم يضرب عليه ولم ينزعه منه ، كعادته فيما ليس بصحيح عنده أو مردود . بين ذلك أبو موسى المديني عنه . الثاني : تضعيفه الحديث بأبان ، وهو قول لا سلف له فيما أعلم ، وقد عارضه قول من أسلفنا .
وقول الترمذي فيه : حسن غريب ، وهما لفظان متغايران ، اللهم إلَّا أن يكون بعض رواته تفرد به ، ولئن كان كذلك فما أظنه غير أبان ، والله تعالى أعلم . وفي كتاب الطبراني الكبير حديث عمار : ثنا محمد بن الفضل السقطي ، ثنا الحكم بن موسى ، نا عيسى بن يونس ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم عن عمار ، قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول . ولما ذكر الترمذي الأحاديث التي في الباب أغفل حديث ابن عمر : إنّما نهى عن ذلك في الفضاء ؛ فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس رواه أبو داود ، وقال فيه الحاكم : صحيح على شرط البخاري .
وأما قول ابن حزم : النهي عن ذلك ، يعني عن استقبال القدس لم يصح ، فمردود بما أسلفناه من عند البخاري : فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس . البيت ، جمعه : بيوت ، وأبيات ، وأبابيت عن سيبويه ، مثل قول وأقاويل ، وتصغيره : بييت ، وبييت أيضا بكسر أوله ، والعامة تقول : بويت . قاله الجوهري .
وقوله : ظهرت بمعنى علوت ، وفي بعض الروايات : رقيت بمعنى صعدت ، وهو العلو ، قال تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ، وقال : وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ أي : يعلون . قال النابغة : بلغنا السماء أبانا وجدودنا وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا وأما اللبن مثل كلم ، فواحده لبنة ، ككلمة ، ويقال : لبنة ولبن مثل لبدة ولبد . قال القزاز : هو المضروب مربعا ، وكل شيء ربعته فقد لبنته ، والملبن : هو الفاعل ، وهو الذي يضرب به .
وأما الكنيف : فهو البناء الذي انتزع من الدور لقضاء الحاجة ، وأصله الشيء الساتر ؛ لأنه يستر ويغطي ، أو لأنه كنف في أستر النواحي ؛ ولذلك قالوا للترس كنيفا ، قال لبيد : ولا الحجف الكنيف . ولحظيرة الإِبل كذلك ، وفي حديث : أن أبا بكر - رضي اللّه عنه - أشرف من كنف أي ستر . قال القزاز : ومنه قولهم : اذهب في كنف اللّه ، أي : ستره وحياطته .
اختلف الناس في تأويل ما اختلف من الأخبار في استقبال القبلة واستدبارها ؛ فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحاري والأبنية ، وهو مذهب الثوري والكوفي وأحمد وأبي ثور ، واحتجوا بحديث أبي أيوب وغيره من الأحاديث الواردة في النهي ، وفيها كثرة . وقال آخرون : جائز استقبال القبلة وبيت المقدس على كلّ حال ، واستدبارهما في الصحاري والبيوت . قال الخطابي : وذهب ابن عمر إلى أنّ النهي إنّما جاء في الصحاري ، وكذلك قاله الشعبي ، وإليه ذهب مالك والشافعي ، وقد قيل : إن المعنى في ذلك هو أنَّ الفضاء من الأرض موضع للصلاة ، ومتعبد للملائكة والإنس والجن ؛ ففاعل ذلك مستهدف للأبصار ، وهو في الأبنية مأمون ، وفي قول ابن عمر جمع بين الأخبار ، واللّه أعلم .