66 - حدثنا محمد بن الصباح ، أنبأ سفيان بن عيينة ، عن ابن عجلان سمع عاصم بن عمر بن قتادة ، وجده بدري يخبر عن محمود بن الربيع ، عن رافع بن خديج أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : أصبحوا بالصبح ، فإنه أعظم للأجر ، أو لأجركم . هذا حديث قال فيه أبو عيسى : إذا رواه من حديث ابن إسحاق عن عاصم : حسن صحيح ، وذكره البستي في صحيحه ، وقال أبو علي الطوسي : يقال : هو حديث حسن صحيح ، وقال البغوي : هو حديث حسن ، ولفظ أبي داود : أسفروا بالصبح ، وصححه الفارسي ، وقال : محمود هو ابن الربيع بن لبيد ، وهذا مردود إجماعا ؛ لأنّ ابن الربيع غير ابن لبيد ، وقال مهنأ : قلت لأبي عبد الله : حدثوني عن محمد بن بكار ، عن حفص بن عمر ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسفروا بالفجر ، فإنه أعظم للأجر ، فقال ليس بصحيح ، إنما هو عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر ، عن رافع بن خديج ، وقال أبو محمد الأزدي : هذا حديث يدور بهذا الإسناد فيما أعلم على عاصم ، وهو ثقة عند أبي زرعة ، وابن معين ، وقد ضعّفه غيرهما ، وقد روي بإسناد آخر إلى رافع ، وحديث عاصم أصح ، وروي عن غير رافع ، وحديث رافع من طريق عاصم أحسن ، قال ابن القطان : أمّا قوله : وضعفه غيرهما فأمر لم أعرفه ، بل هو ثقة كما ذكر عن ابن معين ، وأبي زرعة ، وكذلك قال النسائي وغيره : ولا أعرف أحدا ضعفه ، ولا ذكره في جملة الضعفاء ، وقد ترك أن يبين أنه من رواية ابن إسحاق ، وأن يورده من رواية ابن عجلان بدلا منه من عند أبي داود ، وليس هو معنيه في قوله : وقد روي بإسناد آخر إلى رافع ، وإنما يعني بذلك إسنادا آخر ليس من طريق عاصم ، وأما طريق عاصم هذا فصحيح ، ولم يصححه بقوله : ( أصح ) ، وإنما هو عنده حسن ، فاعلمه . . انتهى ، وممن وثقه أيضا : الشيخان بتخريج حديثه ، وابن سعد بقوله : كان ثقة ، كثير الحديث ، عالما ، وقال البزار : هو ثقة مشهور ، وذكره البستي في كتاب الثقات ، وقد جمع سفيان بين ابن عجلان وابن إسحاق في كتاب الطبراني الكبير ، رواه عن إبراهيم بن نائلة ، ثنا محمد بن المغيرة ، ثنا النعمان ، ثنا سفيان ، عن محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عجلان به ، ورواه عن عاصم أيضا عبد الحميد بن جعفر ، قال الطبراني : نا محمد بن عبدوس بن كامل ، نا إبراهيم بن راشد الأدمي ، ثنا معلى بن عبد الرحمن ، عن عبد الحميد به ، قال : وثنا أبو معن ثابت بن نعيم الهوجي ، ثنا آدم بن أبي إياس ، نا شعبة ، عن أبي داود ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد به ، زاد في الأوسط : لم يروه عن شعبة إلا آدم وبقية ، إلا أن بقية رواه عن شعبة ، عن داود البصري ، وقد قيل : إنه داود بن أبي هند ، ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن هشام بن سعد حدثني زيد بن أسلم ، عن محمود به ، ورواه النسائي فيما ذكره بعضهم عن آدم ، ولم أر هذا ، والذي رأيت أنه قال في الكنى : أبو داود أيوب بن سعيد ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، قاله محمد بن يحيى ، عن آدم ، وفي السنن : ثنا الجوزجاني ، نا ابن أبي مريم ، ثنا أبو غسان محمد بن مطرف ، عن زيد بن أسلم ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رجال من الأنصار أنّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال . . . الحديث ، وهو مما وقع لنا عاليا بدرجتين من كتاب الطبراني لروايته له عن إسحاق بن إبراهيم القطان ، عن سعيد بن أبي مريم ، ورواه ابن عدي في الكامل من جهة رفاعة بن هرير بن عبد الرحمن بن رافع ، عن أبيه ، عن جدّه ، وقال : لا يعرف رفاعة هذا إلا برواية محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عنه ، وقال البخاري : فيه نظر ، وقال عبد الرحمن : سألت أبي عن حديث رواه أبو نعيم ، عن إبراهيم بن مجمع ، عن هرير يعني هذا بزيادة : قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم ، فقال أبي : ثنا هارون بن معروف وغيره عن أبي إسماعيل إبراهيم بن سليمان المؤدب عن هرير ، وهو أشبه ، وقال في موضع آخر : سمعت أبي ، وذكر حديث إبراهيم بن سليمان المؤدب عن هرير ، فقال : روى أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث عن أبي نعيم ، عن ابن مجمع ، وسمعنا كتاب إبراهيم بن إسماعيل كله عن أبي نعيم ، فلم يكن لهذا فيه ذكر ، وقد حدثنا غير واحد عن المؤدب ، قلت لأبي : الخطأ من أبي نعيم ، أو من أبي بكر ؟ قال : أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر ، فعلى هذا الأولى أن الخطأ من أبي نعيم ، أراد أبا إسماعيل المؤدب ، فغلط في نسبته إلى ابن مجمع ، وفيما أوردناه ردّ لما قاله الإشبيلي ، وقد روي بإسناد آخر إلى رافع ، ولتقرير أبي الحسن ، ذلك ، ويشبه أن يكون مستند الإشبيلي في تضعيف عاصم ما قيل : كلّ عاصم في حفظه شيء ، ولئّن كان إيّاه فغير نافع له ؛ لأن العمومات لا يستدل بها ، لأنا رأينا من أطلق كابن معين ، وغيره عاد ، فوثّق الذي عمم فيه القول ، والله تعالى أعلم ، وفي الباب حديث بلال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أسفروا بالفجر ، فإنه أعظم للأجر . رواه البزار في مسنده من طريق أيوب بن سيار القائل فيه ابن معين : ليس بشيء عن محمد بن المنكدر ، عن جابر ، عن أبي بكر عنه ، ورواه الطبراني في مسنده وبلفظ : يا بلال أصبحوا بالصبح ، فإنه خير لكم ، وحديث عبد الله بن مسعود قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أسفروا بصلاة الصبح ، فإنه أعظم للأجر . رواه أبو القاسم من حديث الثوري ، وعن شعبة ، عن زبيد ، عن مرة عنه ، وحديث جابر بن عبد الله قال : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يؤخر الفجر كاسمها ، رواه الطحاوي من طريق يزيد بن سنان ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن ابن عقيل عنه ، وحديث أبي طريف الهذلي : أنه كان يشاهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو محاصر أهل الطائف ، فكان يصلي صلاة الفجر لو أن إنسانا رمى بنبله أبصر مواقع نبله ، ذكره أيضا من حديث ذكره زكريا بن إسحاق ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة ، كذا ذكره ، ويشبه أن يكون وهما ، لما رواه العسكري في معرفة الصحابة ، عن ابن أبي داود ، ثنا محمود بن آدم ، ثنا بشر بن السري ، نا زكريا بلفظ : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي بنا صلاة المغرب . وكذا قال أبو عمر : حديثه في صلاة المغرب ، والله أعلم ، وحديث زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسفروا بصلاة الصبح يغفر لكم ، أخرجه الهروي في معجمه ، ولفظه في الموضوعات : من نور بالفجر نور الله قلبه وقبره وقبلت صلاته . ورده بابي داود النخعي ، وفي كتاب النسائي : سئل عليه السلام عن وقت صلاة الصبح فأمر بلالا حين طلع الفجر فأقام الصلاة ، ثم أسفر الغد حتى أسفر كذا في م ، ثم قال : أين السائل عن وقت صلاة الغداة ؟ ما بين هاتين ، أو هذين وقت . وحديث علي قال : صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر يوما بغلس ، وكان ربما يغلس ويسفر . ، الحديث بطوله ، وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه ، فقال : راويه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي ، وهو ضعيف الحديث جدا ، وكتاب أبي جعفر من طريق علي بن ربيعة قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : يا قنبر أسفر أسفر ، ومن حديث شجاع بن الوليد ، عن داود الأودي ، عن أبيه يزيد قال : كان علي بن أبي طالب يصلي بنا الفجر ، ونحن نتوقى الشّمس مخافة أن تكون قد طلعت ، وفي كتاب أبي نعيم ، نا سعيد بن عبيد الطائي ، عن علي بن ربيعة سمعت عليا يقول : يا ابن التياح : أسفر أسفر بالفجر . وثنا سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن نافع بن جبير بن مطعم قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى أن صلّ الفجر إذا نوّر النور . قال : وكان عمر بن مسلم يقول : كان سويد قال : كان علي يسفر حتى تكاد الشمس تطلع . وكان سويد بن غفلة يسفر بالفجر إسفارا شديدا ، وقال وقاء بن إياس : سمعت سعيد بن جبير يقول لمؤذّنه : نور نور ، ونا سفيان ، عن شيخ قال : كان الربيع بن خيثم يقول لمؤذنه : نور نور ، قال أبو نعيم : ورأيت سفيان يسفر بصلاة الغداة ، ومن حديث زهير بن حرب ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن زيد بن وهب قال : صلى بنا عمر صلاة الصبح ، فقرأ بسورة بني إسرائيل والكهف ، حتى جعلت أنظر إلى جدار المسجد هل طلعت الشمس ؟ . ومن حديث عبد الرحمن بن زيد قال : كنا مع عبد الله بن مسعود ، فكان يسفر بصلاة الصبح . ومن حديث جبير بن نفير قال : صلى بنا معاوية بن أبي سفيان الصبح بغلس . فقال أبو الدرداء : أسفروا بهذه الصلاة ، فإنه أفقه لكم إنّما تريدون أن تخلوا بحوائجكم ، وثنا ابن خزيمة ، عن القعنبي ، عن عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : ما اجتمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على شيء ما اجتمعوا على التنوير ، وحديث أبي شعبة الطحان جار الأعمش ، عن أبي الربيع الحنظلي قال : كنت مع ابن عمر فقلت : يا أبا عبد الرحمن إني أصلي معك الصبح ، ثم ألتفت ، فلا أرى وجه جليسي ، ثم أحيانا تسفر قال : كذلك رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ، وأحببت أن أصليها كما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصليها ، وحديث صفوان بن المعطل لما شكته زوجته إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه ما يصلي الصبح حتى تطلع الشمس ، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إذا استيقظت فصل وهو مخرج في الصحيح ، وسيأتي ، وحديث معاذ قال : بعثني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن ، فقال : إذا كان الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة قدر ما يطيق القوم ، ولا تملّهم ، وإذا كان الصيف فأسفروا بالفجر ، فإن الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوا . رواه البغوي في شرحه من حديث يوسف بن أسباط ، عن المنهال بن جراح ، عن عبادة ، عن ابن غنم عنه ، وفي كتاب الضعفاء لابن حبان : وروى سعيد بن أوس أبو زيد الأنصاري ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة يرفعه : يا بلال أسفر بالصبح فإنه أعظم للأجر ، ثم قال : وليس هذا من حديث ابن عون ، ولا ابن سيرين ، وإنما هذا المتن من حديث رافع فقط ، وسعيد يروي عن ابن عون ما ليس من حديثه . . انتهى كلامه ، وفيه نظر لما أسلفناه ، والله تعالى أعلم ، وحديث أبي الدرداء يرفعه : أسفروا بالفجر تفقهوا . ذكره الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد في مسند أبي الدرداء جمعه عن أبي زرعة ، نا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، نا محمد بن شعيب سمعت سعيد بن سنان يحدّث عن أبي الزاهرية به عنه ، وتقدّم حديث ابن لبيد ، عن رجال من الأنصار ، وحديث ابن عباس ، وحديث أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر ذكره أبو القاسم في الأوسط من حديث عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي سلمة عنه ، وقال : لم يروه عن عبد العزيز إلا حفص بن سليمان ، تفرد به عمرو بن عون ، وسيأتي أيضا حديث أبي برزة الأسلمي . غريبه : قوله : بغلس ، يعني : اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل ، وفي الصحاح : هو ظلمة آخر الليل ، قال الأخطل : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا وقوله : أسفر ، قال أبو عمرو : يعني أضاء ، قال ابن خالويه : وكذلك جشر وابتسم ، وانفجر عمود الصبح وضحك ، وهذه غير مستعملة ، وحكى القزاز ، وابن عديس في كتاب الصواب : سفر بغير ألف ، وحكاه أيضا ابن القطاع بقوله : سفر الصبح وأسفر ، وأبى الأصمعي إلا سفر قاله ابن درستويه ، كل ذلك راجع إلى أصل واحد ، وهو السفر ، يقال : سفرت البيت : إذا كشفْته ، أو كنسته سفرا ، وسفرت الريح السحاب ، وسفرت النّار الظلمة ، وفي الصحاح : معنى : أسفروا بالفجر أي : صلوها مسفرين ، ويقال : طولوها إلى الإسفار ، وأسفر وجهه حسنا ، أي : أشرق ، والإسفار الانحسار ، وحكى ابن القوطية : سفرت الشمس : طلعت والمرأة سفور كشفت وجهها ، وأسفر الشيء : أضاء ، والقوم صاروا في أسفار الصبح ، زاد ابن طريف : وأسفر الليل انقضى وانكشفت ظلمته ، قال بعض الخوارج : إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع وفي الأساس في فصل الحقيقة : وخرجوا في السفر في بياض الفجر ، ورح بنا نسفر ببياض قبل الليل، وبقي عليك سفر من نهار ، وفي المجاز : وجه مسفر ، مشرق سرورا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ وفي الفصيح : وقد سفرت المرأة ، إذا ألقت خمارها عن وجهها ، والرجل عمامته ، وهي سافر وأسفر وجهها إذا أضاء ، وكذلك الصبح ، وفي الغريبين قيل : للكاتب سافر ؛ لأنه يبين الشيء ويوضحه ، ومنه إسفار الصبح ، وفي الكتاب المغيث لأبي موسى : أسفر الصبح انكشف ، ومنه الحديث : أسفروا بالصبح . قال الخطابي : يحتمل أنّه حين أمروا بالتغليس بالفجر كانوا يصلونها عند الفجر الأول رغبة في الأجر ، فقيل أسفروا بها أي : أخروها إلى ما بعد الفجر الثاني ، فإنه أعظم للأجر ، قال أبو موسى : ويدلّ على صحة قول الخطابي حديث هرير بن عبد الرحمن بن رافع ، عن جدّه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لبلال : نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم . ويدل عليه أيضا فعله صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يغلس بها إلا يوما واحدا على ما روي ، فلو كان الإسفار أفضل لما كان يختار التغليس عليه ، قاله الخطابي : فإن قيل : فإن صلاتهم قبل الوقت لا تجزئهم أصلا ، قيل : كذلك هو ، إلا أنّهم لا يفوتهم ثوابهم : كالحاكم إذا اجتهد فأخطأ كان له أجر ، وإن أخطأ . وقيل : إنّ الأمر بالإسفار إنّما جاء في الليالي المقمرة التي لا يبيّن فيها جيدا ؛ فأمروا بزيادة تبيّن فيه ، قاله أبو حاتم بن حبان . والله عزّ وجلّ أعلم . وقد اختلف العلماء في وقت الفجر المختار ، فذهب أبو حنيفة، وسفيان بن سعيد ، وأكثر العراقيين : إلى أنّ الإسفار أفضل ، قالوا : وهو قوة الضوء ، قال في المحيط : إذا كانت السماء مصبحة فالإسفار أفضل إلا للحاج بمزدلفة ، فهناك التغليس أفضل ، وفي المبسوط : الإسفار بالفجر أفضل من التغليس سوى الأوقات كلّها ، قال الطحاوي : إن كان من عزمه التطويل شرع بالتغليس ليخرج في الإسفار ، قال : وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه ، قال : وحديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس ، وقال الدبوسي : لا يدع التأخّر لمن ينام في بيته بعد الفجر ، بل يحضر المسجد لأوّل الوقت ، ثم ينتظر الصلاة ليكون له ثواب المصلي بانتظارها ، ويكف عن الكلام بالكينونة في المسجد ، ثم يصلي لآخر الوقت ، ولو صلى لأوّل الوقت قبل ما يمكنه المكث والمقام إلى طلوع الشّمس ، بل ينتشر بعد الفراغ لحديث الدنيا ، وذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، والليث ، والأوزاعي ، وأبو ثور ، وداود ، ومالك في الصحيح عنه : إلى أنّ التغليس أفضل ، قال ابن المنذر : وقد روينا عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وأبي موسى ، وابن الزبير ، وابن عمر ، وأبي هريرة أخبارا تدل على أنّ التغليس بالصلاة أفضل من تأخيرها . انتهى . وقد ذكرنا عن علي ما يخالف هذا ، وكذلك عن عمر بن الخطاب ، وأما آخر وقتها ، فمذهب الجمهور : أنه طلوع الشمس ، قال القرطبي : وهو المشهور من مذهب مالك ، قال : وعلى هذا لا يكون لها عنده وقت ضرورة ، ولا يؤثم تارك الصلاة إلى ذلك الوقت متعمدا ، وروى ابن القاسم ، وابن عبد الحكم عنه أنّ آخر وقتها الإسفار الأعلى ، فعلى هذا يكون ما بعد الإسفار وقت لأصحاب الأعذار ، ويؤثم من أخرّها إلى ذلك الوقت ، وعن أبي سعيد الإصطخري : من صلاها بعد الإسفار الشديد كان قاضيا لا مؤديا ، وإن لم تطلع الشمس ، وفي الإشراف أجمع أهل العلم على أنّ مصلي الصبح بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه مصليها في وقتها ، وقال في الإقناع : أوّل وقت صلاة الصبح : طلوع الفجر الثاني المعترض المستطير ، وآخر وقتها لغير المعذور : الإسفار . انتهى كلامه ، وفيه نظر ؛ من حيث جعله في الأوّل وقتا مطلقا لغير المعذور ، وللمعذور ، وفي الثاني قيده بالمعذور وجعله إجماعا ، وقد ذكرنا قبل أن لا إجماع ، والله تعالى أعلم . ومن هذا القبيل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنّ للصلاة أولا وآخرا ، وإن أوّل وقت الظهر حين تزول الشّمس ، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر ، وإن أوّل وقت العصر حين يدخل وقتها ، وإن آخر وقتها حين تصفر الشّمس ، وإن أوّل وقت المغرب حين تغرب الشّمس ، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق ، وإن أوّل وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق ، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل ، وإن أوّل وقت الفجر حين يطلع الفجر ، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس رواه الترمذي ، عن هناد ، عن ابن فضيل ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وقال : سمعت محمدا يقول : حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث محمد بن فضيل ، عن الأعمش ، وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل . ثنا هناد ، ثنا أبو أسامة ، عن أبي إسحاق الفزاري ، عن الأعمش ، عن مجاهد قال : كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا ، فذكر نحو حديث محمد بن فضيل ، وحكى عن الأعمش نحوه بمعناه ، وقال في العلل : سألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : وهم ابن فضيل في حديثه ، والصحيح هو حديث الأعمش ، وكذا قال أبو حاتم لما سأله ابنه عنه : هذا خطأ ، وهم فيه ابن فضيل يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش ، عن مجاهد قوله ، وقال الدارقطني : هذا لا يصح مسندا ، وهم في سنده ابن فضيل ، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلا وهو أصح من قول ابن فضيل ، وقال أبو علي الطوسي في أحكامه : يقال : حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت أصح من حديث ابن فضيل . انتهى . ومحمد بن فضيل ممن خرج حديثه في الصحيحين ، فإذا رفع حديثا قبلت زيادته ، لا سيّما مع عدم المخالفة ، ولهذا ، فإن ابن حزم لم يلتفت إلى توهيمه بغير مستند ، بل صححه واستدل به ، وقال ابن القطّان : لا يبعد أن يكون عند الأعمش في هذا عن مجاهد ، أو غيره مثل الحديث المرفوع ، والله أعلم ، وله شاهد في كتاب الدارقطني من حديث إبراهيم بن الفضل ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال عليه السلام : إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأوّل ما هو خير له من أهله وماله . قال ابن الحصار : رجاله كلهم ثقات ، وحديث ابن مسعود ، سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة في أول وقتها . رواه الحافظ أبو بكر بن خزيمة في صحيحه ، عن بندار ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا مالك بن مغول ، عن الوليد بن العيزار ، عن أبي عمرو الشيباني عنه ، وابن حبان في صحيحه ، عن عمر بن محمد الهمداني ، والحسن بن سفيان قالا : ثنا بندار ، وقال : الصلاة في أول وقتها . تفرّد بها عثمان بن عمر وحدثنيه محمد بن أحمد بن زيد ، ثنا الحسن بن مكرم ، ثنا عثمان بن عمر بإسناده مثله ، ولما ذكره ابن حزم صححه واستدّل به ، ولما خرجه الحاكم في مستدركه عن أبي عمرو بن السماك ، ثنا الحسن بن مكرم ، وثنا علي بن عيسى ، ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق ، ثنا الحسن بن مكرم ، ثنا عثمان بن عمر به، قال : هذا حديث يعرف بهذا اللفظ لمحمد بن بشار بندار ، عن عثمان ، وبندار من الحفاظ المتقنين الأثبات ، ثناه علي بن عيسى في آخرين ، قالوا : ثنا أبو بكر بن إسحاق ، ثنا بندار ، فذكره قال : فقد صحّت هذه اللفظة باتفاق المتقنين بندار ، وابن مكرم على روايتهما عن عثمان ، وهو صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، وله شواهد في هذا الباب منها : ما ثناه أبو سعيد إسماعيل بن أحمد الجرجاني ، ثنا محمد بن الحسين بن مكرم ، ثنا حجاج بن الشّاعر ، ثنا علي بن حفص المدائني ، ثنا شعبة ، عن الوليد بن العيزار ، سمعت أبا عمرو ، أنبأ صاحب هذه الدار وأشار إلى دار ابن مسعود قال : سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الصلاة في أول وقتها . ثم قال : قد روى هذا الحديث جماعة ، عن شعبة ، ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج ، عن عليّ بن حفص ، وحجاج حافظ ثقة ، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدائني ، وفي كتاب السنن للدارقطني من حديث حماد بن زيد ، عن الحجاج ، عن سليمان ، وذكر أبو عمرو الشيباني أنه قال : حدثني صاحب هذه الدار بلفظ : الصلاة لميقاتها الأول . قال الحاكم : ومنها ، ثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب ، ثنا الحسن بن علي بن شبيب عن محمد بن مثنى ، نا ابن جعفر ، نا شعبة ، أخبرني عبيد المكتب ، سمعت أبا عمرو الشيباني يحدّث عن رجل من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فذكره ، الرجل هو : ابن مسعود لإجماع الرواة فيه على أبي عمرو الشيباني . ومنها ما أنبأ أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي ، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح السهمي بمصر ، ثنا علي بن معبد ، ثنا يعقوب بن الوليد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال - صلى الله عليه وسلم - : خير الأعمال الصلاة في أول وقتها . يعقوب بن الوليد هذا : شيخ من أهل المدينة سكن بغداد ، وليس من شرط هذا الكتاب ، إلا أن له شاهدا عن عبد الله . حدثني أبو عمرو محمد بن أحمد بن إسحاق العدل النحوي ، ثنا محمد بن علي بن الحسين الرقي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن صدقة العامري في كندة في مجلس الأشج ، ثنا محمد بن حمير الحمصي ، عن عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر بمثله ، ومنها ما ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا الدوري ، ثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي ، ثنا عبد اللّه بن عمر العمري ، عن القاسم بن غنام ، عن جدّته الدنيا ، عن جدّته أم فروة ، وكانت ممن بايع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكانت من المهاجرات الأول ، أنها سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسئل عن أفضل الأعمال ، فقال : الصلاة لأوّل وقتها . هذا حديث رواه الليث بن سعد ، والمعتمر بن سليمان ، وقزعة بن سويد ، ومحمد بن بشر العبدي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن القاسم بن غنام ، أما حديث الليث ، فحدثناه أبو بكر بن داود بن سليمان الزاهد ، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسن المعافري بمصر ، ثنا علي بن عبد الرحمن علان ، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق ، ثنا الليث به ، سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب ، سمعت الدوري ، سمعت يحيى بن معين يقول : قد روى عبد الله بن عمر عن القاسم بن غنام ، ولم يرو عنه أخوه عبيد الله ، وقال أبو عيسى : وحديث أم فروة لا يروى إلا من حديث عبد الله العمري ، وليس هو بالقوي عند أهل الحديث ، واضطربوا في هذا الحديث ، وقال أبو القاسم في الأوسط : لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر إلا قزعة بن سويد ، وفيه نظر لما أسلفناه ، ولما في سنن أبي داود ، ثنا الخزاعي ، والقعنبي عنه ، وأما قول الحاكم : وعلي بن حفص ممن احتج به مسلم ، وكذا قاله في المدخل ، ففيه دلالة على تفرده به دون البخاري ، وليس كذلك ، بل قد احتجا به جميعا فيما ذكره الباجي ، وابن سرور ، وأبو إسحاق الصريفيني ، وأبو إسحاق الحبال ، ومن خطهما نقلته ، وحديث ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام : الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الآخر عفو الله . رواه أبو عيسى من حديث . قال ابن عدي : كذا كان ابن حميد يقول : عن عبيد الله قال : والصواب ما نبأ به ابن صاعد ، وابن أسباط على أنه باطل بهذا الإسناد ، سواء قيل فيه عبد الله ، أو عبيد الله ، ويعقوب هذا عامة ما يرويه من هذا الطراز ، فليست بمحفوظة ، وهو بيّن الأمر في الضعف ، وحديث جرير بن عبد الله قال عليه الصلاة والسلام : أوّل الوقت رضوان الله ، وآخر الوقت عفو الله . رواه أبو الحسن في سننه من حديث الحسين بن حميد بن الربيع وهو متهم بالكذب ، وحديث أبي الدرداء قال صلى الله عليه وسلم : إن تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من صفة الإيمان . رواه ابن وهب في مسنده ، عن الليث ، عن عمر بن شيبة المدني ، عن رجل حدُّثه عن أبي الدرداء به ، وحديث علي مرفوعا : أوّل الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله . ذكره أبو بكر في خبر المدينة من حديث موسى بن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه عنه ، وحديث أنس يرفعه أوّل الوقت رضوان الله ، وآخر الوقت عفو الله . ذكره ابن عدي في الكامل ، وزعم : أنّ بقية تفرد به ، قال : وهو من الأحاديث التي يحدّث بها بقية عن المجهولين ، زاد أبو الفرج في العلل المتناهية ، وفيه مع ذلك عبد الله مولى عثمان ، وعبد العزيز وهما لا يعرفان ، ولفظ الطبراني في الأوسط : من صلى الصلاة لوقتها تقول : حفظك الله كما حفظتني ، ومن صلاها لغير وقتها قالت : ضيعك الله كما ضيعتني . رواه من حديث عباد بن كثير ، عن أبي عبيدة يعني حميد الطويل عنه ، وقال : لم يروه عن حميد إلا عبّاد تفرد به عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون العنسي ، ولفظ إسماعيل بن زياد في مسنده ، عن أبان بن أنس مرفوعا : فضل الوقت الأول من الصلاة على الآخر كفضل الآخرة على الدنيا . وحديث أبي محذورة قال صلى الله عليه وسلم : أول الوقت رضوان الله ، وأوسطه رحمة الله ، وآخره عفو الله ذكره ابن عدي من حديث إبراهيم بن زكريا ، وهو يحدّث عن الثقات بالبواطيل ، والحمل في هذا الحديث عليه ، عن إبراهيم بن محمد بن أبي محذورة ، عن أبيه ، عن جدّه ، وفي كتاب الميموني سمعت أبا عبد الله يقول : لا أعرف شيئا يثبت في أوقات الصلاة : أولها كذا وأوسطها كذا ، يعني مغفرة ورضوانا ، فقال له رجل : ما يروى أول الوقت كذا ، وأوسطها كذا رضوان ومغفرة ، فقال له أبو عبد الله : من يروي هذا ؟ ليس هذا يثبت ، وحديث عياض بن زيد العبدي سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا أيها الناس عليكم بذكر ربكم عز وجل وصلوا صلاتكم في أوّل وقتكم ، فإن الله تعالى يضاعف لكم . رواه أبو موسى في كتاب الصحابة من حديث سليمان بن داود المنقري ، ثنا عثمان بن عمر ، عن النهاس القيسي ، عن أبي الشيخ الهنائي ، عن رجل من عبد القيس اسمه عياض ، فذكره ، ويلتحق به أيضا ما خرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الفجر فجران : فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام . رواه عن محمد بن علي بن محرز ، نبأ أبو أحمد الزبيري ، نا سفيان عنه ، وقال : في هذا الخبر دلالة على أنّ صلاة الفرض لا تجوز قبل دخول وقتها بقوله : فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة يريد صلاة الصبح ، وفجر تحرم فيه الصلاة يريد صلاة الصبح ، ولم يرد أنه لا يجوز أن يتطوع بالصلاة بعد طلوع الفجر الأوّل ، وقوله ويحل فيه الطعام يريد الصيام ، وحديث طلق بن علي أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ليس الفجر بالمستطيل في الأفق ، ولكنه المعترض الأحمر ، حسنه أبو عيسى الترمذي ، وحديث قيلة بنت مخرمة قالت : قدمت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي بالنّاس الغداة ، وقد أقيمت حين شقّ الفجر والنجوم شابكة في السماء والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل . الحديث بطوله ذكره أبو عيسى ، عن عبد بن حميد ، عن عفان بن مسلم ، عن عبد الله بن حسان أنّ جدته صفية ، ودحية حدّثتاه عنها ، وقال : لا يعرف إلا من حديث ابن حسان ، ومرسل محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : الفجر فجران فأمّا الذي يكون في الأفق كذنب السرطان ، فلا يحل الصلاة ، ولا يحرم الطعام ، وأما الذي يذهب مستطيلا في الأفق ، فإنه يحل الصلاة ويحرّم الطعام ، وعن عبادة بن الصامت ، وشداد بن أوس من حديث مكحول عنها فيما ذكره أبو الحسن البغدادي في سننه : الفجر فجران المستطيل والمعترض، فإذا انصدع المعترض حلّت الصلاة ، وقد عبّر عنه الشاعر بقوله فيما أنشده الثقفي : وحاكم من أعدل الحكام من بني سام وأخي حام إذا تبدى فجر عن ابتسام فرق بين الحلّال والحرام . وقال آخر ، وعبّر عن الفجر الصادق والكاذب : قد سمي اثنان بنو شروان ووصفا بالعدل في الزمان والليل ما زال له فجران وإنما الصادق منه الثاني
الشروح
الإعلام بسنته عليه الصلاة والسلام بشرح سنن ابن ماجه الإمامباب وقت صلاة الفجر · ص 245 حاشية السندي على بن ماجهبَاب وَقْتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ · ص 230 672 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ سَمِعَ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَجَدُّهُ بَدْرِيٌّ يُخْبِرُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ أَوْ لِأَجْرِكُمْ . قَوْلُهُ : ( أَصْبَحُوا بِالصُّبْحِ ) أَيْ صَلَّوْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ ، يُقَالُ : أَصْبَحَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي الصُّبْحِ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي دَاوُدَ : قُلْتُ : وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ أَسْفَرُوا بِالْفَجْرِ مَرْوِيَّةٌ بِالْمَعْنَى وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّغْلِيسِ بِهَا لَا عَلَى التَّأْخِيرِ إِلَى الْإِسْفَارِ ا هـ . قُلْتُ : تَعَيَّنَ أَنَّ أَسْفَرُوا مَنْقُولٌ بِالْمَعْنَى مُحْتَاجٌ إِلَى الدَّلِيلِ إِذْ يُمْكِنُ الْعَكْسُ ؛ نَعَمْ قَدْ سَقَطَ اسْتِدْلَالُ مَنْ يَقُولُ بِالْإِسْفَارِ بِلَفْظِ أَسْفَرُوا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، وَالْأَصْلُ أَصْبَحُوا كَمَا اسْتَدَلَّ مَنْ يَقُولُ بِالتَّغْلِيسِ بِلَفْظِ أَصْبَحُوا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ إِلَّا أَنْ يُقَالُ : الْمُوَافِقُ لِأَدِلَّةِ التَّغْلِيسِ لَفْظُ أَصْبَحُوا ، وَتِلْكَ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْإِسْفَارِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ أَسْفَرُوا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَارُضِ ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَصْلَ لَفْظُ أَصْبَحُوا الْمُوَافِقُ لِبَاقِي الْأَدِلَّةِ لَا لَفْظُ أَسْفَرُوا الْمُعَارِضُ ، وَإِنَّمَا جَاءَ لَفْظُ أَسْفَرُوا مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ : أَسْفَرُوا هُوَ الظَّاهِرُ لَا أَصْبَحُوا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصْبَحُوا صَحِيحًا لَكَانَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ أَنَّهُ بِلَا إِصْبَاحٍ تَجُوزُ الصَّلَاةُ ، وَفِيهَا أَجْرٌ دُونَ أَجْرٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَى أَصْبَحُوا تَيَقَّنُوا بِالْإِصْبَاحِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ أَدْنَى وَهْمٍ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَهْمُ غَيْرَ مُنَافٍ لِلْجَوَازِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا قَوِيَ الظَّنُّ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَيُثَابُ عَلَيْهَا لَكِنَّ التَّأْخِيرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَيَنْكَشِفَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى وَهْمٌ ضَعِيفٌ فِيهِ أَوْلَى وَأَحْسَنُ فَأَجْرُهُ أَكْثَرُ ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حُمِلَ الْإِسْفَارُ وَإِنْ صَحَّ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .