باب ما ذكر من دخول الثوري على السلطان
باب ما ذكر من دخول الثوري على السلطان ومناصحته إياه في أمر الأمة حدثنا عبد الرحمن ، نا أبو نشيط محمد بن هارون قال : سمعت الفريابي يقول سمعت سفيان الثوري يقول : أدخلت على أبي جعفر بمنى فقلت له : اتق الله ، فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار ، وأبناؤهم يموتون جوعا ، حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارا ، وكان ينزل تحت الشجر ، فقال لي : فإنما تريد أن أكون مثلك ؟ قال : قلت : لا تكن مثلي ، ولكن كن دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه . فقال لي : اخرج . حدثنا عبد الرحمن قال : سمعت أبا نشيط يقول : فحدثت به بشر بن الحارث فكتبه عني وقال : لقد أبلغ .
حدثنا عبد الرحمن ، نا أحمد بن سنان قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : سمعت سفيان يقول : لما أخذت بمكة وأدخلت على المهدي قال : قلت في نفسي : قد وقعت يا نفس فاستمسكي ، قال عبد الرحمن : قد كنت أحب أن يقول غير هذا - يعني : من التوكل وأشباهه - قال : وإلى جنبه أبو عبيد الله فقال لي أبو عبيد الله : ألست سفيان ؟ قلت : بلى ، قال : إن كتبك لتأتينا أحيانا ، قال : قلت : ما كتبت إليك كتابا قط . قال : فأي شيء دخله . حدثنا عبد الرحمن ، نا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي ، نا حسين بن عبد الرحمن الوراق قال : قال أبو عبيد الله : ما أعلقنا مخالينا هذه في عنق أحد الأقضم منها إلا سفيان الثوري .
حدثنا عبد الرحمن ، نا أبي رضي الله عنه ، حدثني الربيع بن سليمان قال : سمعت الشافعي يقول : دخل سفيان الثوري على أمير المؤمنين فجعل يتجان عليهم ويمسح البساط ، ويقول : ما أحسنه ! ما أحسنه ! بكم أخذتم هذا ؟ ثم قال البول البول - حتى أخرج . قال أبو محمد : قلت : يعني أنه احتال بما فعل ليزهدوا فيه فيتباعد منهم ويسلم من شرهم . حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن مسلم ، حدثني مقاتل بن محمد عن ابن جبر - يعني : محمد بن عصام بن يزيد - عن أبيه قال : قال لي سفيان : احمل كتابي هذا إلى المهدي ، قال : فقلت : يا أبا عبد الله ، إن رأيت أن تعفيني - وجعلت أمتنع - فقال لي : خذ كتابي هذا واحمله ، فإن حولي جماعة لو قلت لهم لبادروا حمله إلى أبي عبيد الله قال : فحملت الكتاب وصرت إلى أبي عبيد الله فقلت : رسول سفيان ؟ قال : فأمر بي فأنزلت وسأل عني في سر وقال لي بكر بالغداة بالدخول على أمير المؤمنين قال : فاستعفيت ، فقال : لا بد ، ثم بكرت فدخلت عليه فإذا مجلس بيت قد لبد فناولته الكتاب ، قال : فجعل ينظر فيه فإذا في الكتاب : إني أظهر على أن لي الأمان ولكل من طولب بسبي ، وعلى أن أحل من بلاد الله حيث أشاء ، فإني أرجو أن يخير الله لي قبل ذلك .
قال : فأعطاني مالا أحمله إليه ، فأبيت ولم أقبله ، وقال : له الأمان ولمن طولب بسببه ، ويحل من بلاد الله حيث شاء ، ولكن يوافيني بالموسم ، وما على أبي عبد الله يضع يده في يدي فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . قال فرجعت إلى سفيان فقلت : قد جاء الله بما تحب قال أمير المؤمنين كيت وكيت فقال : اسكت ، قل له يستعمل ما يعلم حتى إذا استعمل ما علم أتيناه فعلمناه ما لا يعلم . قال : فخار الله له فتوفي قبل ذلك .
حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن سعيد المقرئ قال : سمعت عبد الرحمن بن الحكم يذكر عن مهران عن سفيان أنه أخذ في المسجد الحرام فأدخل على أبي هارون وهو في إزار ورداء والنعلان في يده قال : فلما دخلت سلمت وقعدت فقال أبو عبيد الله : إني أظن أن له رأي سوء - يعني : رأي الخوارج فقلت لأبي هارون : من هذا ؟ قال : هذا معاوية بن عبيد الله ، فقلت له : احذر هذا وأصحابه ، ثم قلت له : كم أنفقت في حجتك هذه ؟ قال : يا أبا عبد الله ، ونحصي كم أنفقنا ؟ قلت : لكن عمر بن الخطاب حج فلم ينفق في مجيئه وذهابه إلا سبعة عشر دينارا . ثم قمت فقال لي : إلى أين ؟ إنا نريد أن نسألك عن أشياء ، قال : قلت : البول البول ، قال : فأين نجدك ؟ قلت : المسجد - وتوارى عنهم وطلب فخرج مع حاج البصرة إلى البصرة فنودي : من جاء به فله ديته ، ومن وجد في منزله فقد برئت منه الذمة . حدثنا عبد الرحمن ، نا أبي ، نا الحسن بن ربيع ، نا يحيى بن أبي غنية قال : ما رأيت رجلا قط أصفق وجها في الله عز وجل من سفيان الثوري .
حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن سعيد ، نا عبد الرحمن بن الحكم ، قال : فأخبرنا عبد العزيز ابن أبي عثمان عن عصام الأصبهاني أنه بعثه إلى أبي هارون وكتب إليه يسأله الأمان وكتب إلى يعقوب بن داود في ذلك قال : فلما صرت إلى يعقوب وثب فدخل قال : فأدخلت بيتا كنا نسمع كلام النساء والصبيان بيتا ليس فيه شيء ، قال : فجاء بكرسي فوضع ، فخرج أبو هارون فجلس عليه قال : وكان في كتابه : اجعل لي الأمان أو يخير الله لي قبل ذلك ، قال : فلما قرأ الكتاب قال : نعم ، بل لك الأمان ، انزل حيث شئت واذهب حيث شئت ، قال : وقل له يوافينا بالموسم ، قال : فلما خرجنا قال لي يعقوب : قل لأبي عبد الله : سبحان الله ، يذهب هذا ؟ مظلمة يردها خير من كذا وكذا ، قال فقلت : لا نعرف سفيان وهو يتكلم في شيء ويسكت عن شيء . قال أبو عبد الله : فمات في نحو من رجب . حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن يحيى قال : نا محمد بن عصام قال : سمعت أبي يقول : أرسلني سفيان إلى المهدي بكتابه بأن نأخذ له الأمان منه ، فدخلت على المهدي فقال لي فيما يقول : لو جاءنا أبو عبد الله لكنا نتزر بإزار ونرتدي بآخر ونضع أيدينا في يده ونخرج إلى السوق فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، فحكيت ذلك لسفيان فقال لي : لو عمل بما يعلم لكان لا يسعنا إلا أن نذهب فنعلمه ما لا يعلم .
حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن مسلم ، حدثني مقاتل بن محمد ، حدثني محمد بن جبر الأصبهاني - وكان أبوه عصام صاحب سفيان - عن أبيه قال : كتب معي سفيان بكتاب أمانه إلى المهدي ، فقلت : يا أبا عبد الله ، إن رأيت أن تعفيني فقال : ترى هؤلاء الذين عندي ما أحد منهم أدفع إليه هذا الكتاب إلا هو يرى أني قد أسديت إليه خيرا ، فانطلق فقل ما تعلم ، واسكت عما لا تعلم . قال : وكتب معي إلى المهدي فحملت الكتاب وصرت إلى أبي عبيد الله وقلت : رسول سفيان ، فأمر بي فأنزلت وسأل عني في سر وقال بكر بالغداة للدخول على أمير المؤمنين فاستعفيت ، قال : لا بد ، ثم بكرت فدخلت عليه ، فإذا مجلس بيت قد لبد فناولته الكتاب فجعل ينظر فيه فإذا في الكتاب : إني أظهر على أن لي الأمان ولكل من طولب بسببي وعلى أن أحل من بلاد الله عز وجل حيث أشاء ، فإني أرجو أن يخير الله لي قبل ذلك ، قال : فأعطاني مالا أحمله إليه فأبيت ولم أقبله ، فقال : له الأمان ولمن طولب بسببه ويحل من بلاد الله حيث يشاء ، ولكن يوافيني بالموسم ، وما على أبي عبد الله أن يضع يده في يدي فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فرجعت إلى سفيان فقلت : قد جاء الله بما تحب قال أمير المؤمنين : كيت وكيت ، قال : اسكت ، قل له يستعمل ما يعلم حتى إذا استعمل ما علم أتيناه ، فعلمناه ما لا يعلم . قال : فخار الله عز وجل له فتوفي قبل ذلك .
حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن مسلم ، حدثني أبو الوليد قال : قال يحيى بن سعيد : أملى علي سفيان إلى المهدي : من سفيان بن سعيد إلى المهدي ، فقلت له : لو بدأت به ، قال : فأبى ، وقال : اكتب كما أقول ، قال أبو الوليد : فاحتججت عليه بكتابه إلى عثمان بن زائدة وأنه بدأ بعثمان فقال : كان عثمان رجلا صالحا . حدثنا عبد الرحمن ، نا أبي ، نا أبو جميل أحمد بن عبد الله بن عياض المكي قال : سمعت عبد الرزاق يقول : قدمنا مكة وقدمها الذي يقال له المهدي فحضرت الثوري وقد خرج من عنده وهو مغضب فقال أدخلت آنفا علي بن أبي جعفر فقال لي : يا أبا عبد الله ، طلبناك فأعجزتنا ، فأمكننا الله منك في أحب المواضع إليه ، فارفع إلينا حوائجك . قال : فقلت : وأي حاجة تكون لي إليك ؟ وأولاد المهاجرين وأولاد الأنصار يموتون خلف بابك جوعا .
فقال لي أبو عبيد الله : يا أبا عبد الله لا تكثر الفضول ، واطلب حوائجك من أمير المؤمنين ، فقلت : ما لي إليه من حاجة ، لقد أخبرني إسماعيل بن أبي خالد أن عمر بن الخطاب حج فقال لصاحب نفقته : كم أنفقنا في حجنا هذا ؟ قال : اثنا عشر دينارا ، قال : أكثرنا ، أكثرنا ، أو قال : أسرفنا أسرفنا ، وعلى أبوابكم أمور لا تقوم لها الجبال الراسيات . قال : فقال لي ابن أبي جعفر : يا أبا عبد الله ، أفرأيت إن لم أقدر أن أوصل إلى كل ذي حق حقه فما أصنع ؟ قال : تفر بدينك وتلزم بيتك وتترك الأمر ومن يقدر أن يوصل إلى كل ذي حق حقه ، قال : فسكت ، وقال لي أبو عبيد الله : أراك تكثر الفضول ، إن كانت لك حاجة فاطلبها وإلا فانصرف ، قال : فانصرفت . حدثنا عبد الرحمن قال : ذكره أبي قال : كتب إلي عبد الله بن خبيق قال : حدثني الهيثم بن جميل قال : حدثني حماد بن زيد ، قال : دخلت على سفيان الثوري وهو مختف بالبصرة فقال : قد ملني أصحابي وما أراني إلا صائرا إليه - يعني : الخليفة - وواضع يدي في يده ، قلت : ماذا أنت قائل له ؟ قال : أقول : اعتزل هذا الأمر فلست من شأنه .
حدثنا عبد الرحمن ، نا أبو سعيد الأشج قال : نا إبراهيم بن أعين البجلي قال : كنت مع سفيان الثوري والأوزاعي وإسحاق بن القاسم الأشعثي بمكة فدخل علينا عبد الصمد بن علي وهو أمير مكة عند المغرب وسفيان يتوضأ وأنا أصب عليه وهو يتوضأ كأنه بطة وهو يقول : لا تنظروا إلي فإني مبتلى ، فيدخل البيت الذي فيه الأوزاعي فسلم ، ثم أتى عبد الصمد بن علي فسمعت الأوزاعي يقول : مرحبا مرحبا ، ثم جاء فسلم على سفيان فقال له سفيان : من أنت ؟ فقال : أنا عبد الصمد ، فقال له : كيف أنت ؟ اتق الله ، اتق الله إذا كبرت فاسمع . حدثنا عبد الرحمن قال : ذكر محمد بن مسلم قال : نا حبان بن موسى قال : ذكر عبد الله - يعني : ابن المبارك - أن سفيان دخل على أبي جعفر فقال : حاجتك ، فقال : حاجتي أن لا تدعوني حتى آتيك . حدثنا عبد الرحمن قال : ذكر محمد بن مسلم قال : وأخبرني عبد الله بن أحمد بن شنبويه قال : وقال أبو رجاء : طلب سفيان حتى أدخل على أبي جعفر ، والمهدي قائم على رأسه ، فدخل سفيان وسلم ، ثم دنا من البساط ، فنحاه برجله وجلس ، قال : فقال المهدي : يا أبا عبد الله ، حدث أمير المؤمنين بشيء ينفعه الله عز وجل به ، قال : إن سألتمونا عن شيء علم ذلك عندنا أخبرناكم ، فأعاد عليه ، فقال : إني لست بقاص ، ثم قال : حدثنا أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار على ناقة صهباء من بطن الوادي بلا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك .
قال : ثم قال المهدي : حدث أمير المؤمنين بشيء ينفعه الله عز وجل به . فقال : أعوذ بالله السمع العليم من الشيطان الرجيم ، ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ﴾قرأ إلى قوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ثم قال بيده على خصره : بي بول بي بول ، ثم قطع . حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن مسلم ، حدثني عبيد الله بن سعيد أبو قدامة ، نا عبد الصمد - يعني : ابن حسان - قال : قال سفيان الثوري : إني أدخلت على المهدي فقلت له : انظر عمر بن الخطاب ، فقال : عمر كان له أصحاب ، فقلت : فعمر بن عبد العزيز فقد كان في فتنة وفي ما كان فيه فما تكلم بشيء إلا صار سنة ، فقال : إن لم أطق ؟ فقلت : اجلس في بيتك .
حدثنا عبد الرحمن ، نا محمد بن مسلم قال : قلت لأبي نعيم : إن الفريابي ذكر أن سفيان دخل على أبي جعفر بمنى فقال : اتق الله ، فإنك إنما أنزلت هذه المنزلة بأسياف المهاجرين والأنصار ، وأبناؤهم يموتون جوعا وهزلا ، حج عمر بن الخطاب فبلغت نفقته ستة عشر دينارا وأنت فيما أنت ، قال : فتأمر أن أكون مثلك ؟ قال : لا تكون دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه ، قال : فأخرجت ، ولم أحفظه عن الفريابي ، حدثنيه محمد بن هارون عنه . فقال لي أبو نعيم : إنما دخل على المهدي في ولاية عهده بمنى لا على أبي جعفر . حدثنا عبد الرحمن قال : ذكره أبي ، نا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب قال : سمعت الفضل - يعني : ابن مقاتل - البلخي قال : سمعت النضر بن زرارة يقول : طلب أبو جعفر الثوري حتى قدم عليه فأدخل عليه ، قال : فأقبل على سفيان بالملامة فقال : تبغضنا وتبغض دعوتنا وتبغض عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : والثوري يقول : سلام سلام ، قال : ثم رفع الثوري رأسه فقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ﴾إِرَمَ إلى قوله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾قال : فنكس أبو جعفر رأسه وجعل ينكت بقضيب في يده الأرض فقال سفيان : الوضوء الوضوء ، ثم قام فخرج عنه .
حدثنا عبد الرحمن قال : ذكره أبي ، ثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب قال : قال عبد الرزاق : كان رجل صحب الثوري يقال له يوسف إلى صنعاء ، فلم يشعر إذ جاءته الولاية من أبي جعفر فقال له الثوري : ويحك يا يوسف شحطوك بغير سكين ، كيف إذا قيل يوم القيامة : أين أبو جعفر وأتباعه قمت فيهم ؟!