أَبُو ذَرٍّ
أَبُو ذَرٍّ ( ع ) جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ ، وَقِيلَ : جُنْدُبُ بْنُ سَكَنٍ . وَقِيلَ : بُرَيْرُ بْنُ جُنَادَةَ . وَقِيلَ : بُرَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ .
وَنَبَّأَنِي الدِّمْيَاطِيُّ : أَنَّهُ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ غِفَارٍ - أَخِي ثَعْلَبَةَ - ابْنَيْ مُلَيْلِ بْنِ ضَمْرَةَ ، أَخِي لَيْثٍ وَالدِّيلِ ، أَوْلَادِ بَكْرٍ ، أَخِي مُرَّةَ ، وَالِدِ مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ ، ابْنَيْ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ . قُلْتُ : أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قِيلَ : كَانَ خَامِسَ خَمْسَةٍ فِي الْإِسْلَامِ .
ثُمَّ إِنَّهُ رُدَّ إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِ ، فَأَقَامَ بِهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِذَلِكَ ، فَلَمَّا أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هَاجَرَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَازَمَهُ ، وَجَاهَدَ مَعَهُ . وَكَانَ يُفْتِي فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ . رَوَى عَنْهُ : حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدُّئَلِيُّ ، وَرِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ ، وَالْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ ، وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ، وَأَبُو سَالِمٍ الْجَيْشَانِيُّ سُفْيَانُ بْنُ هَانِئٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ، وَقَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ ، وَأَبُو مُرَاوِحٍ ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَخَرَشَةُ بْنُ الْحُرِّ ، وَزَيْدُ بْنُ ظَبْيَانَ ، وَصَعْصَعَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَأَبُو السَّلِيلِ ضُرَيْبُ بْنُ نُفَيْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَغُضَيْفُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَعَاصِمُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَعُبَيْدُ بْنُ الْخَشْخَاشِ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْجَذَمِيُّ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيُّ ، وَمُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ شَرِيكٍ التَّيْمِيُّ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ الْمَدَنِيُّ - شَيْخُ الزُّهْرِيِّ - وَأَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ ، وَأَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ ، وَابْنُ الْحَوْتَكِيَّةِ ، وَجَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ .
فَاتَتْهُ بَدْرٌ ، قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَقِيلَ : كَانَ آدَمَ ضَخْمًا جَسِيمًا ، كَثَّ اللِّحْيَةِ . وَكَانَ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ ، وَالصِّدْقِ ، وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، قَوَّالًا بِالْحَقِّ ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، عَلَى حِدَّةٍ فِيهِ .
وَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ عُمَرَ . أَخْبَرَنَا الْخَضِرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ قَالَا : أَخْبَرَنَا زَيْنُ الْأُمَنَاءِ حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُسَيْنِيُّ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُلْوَانَ : أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنْ جِبْرِيلَ ، عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : يَا عِبَادِي ، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا . يَا عِبَادِي ، إِنَّكُمُ الَّذِينَ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنَا الَّذِي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا أُبَالِي ، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ .
يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ . يَا عِبَادِي ، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسْوَتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ . يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ ، وَجِنَّكُمْ ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا .
يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ ، وَجِنَّكُمْ ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ ، لَمْ يَزِدْ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا . يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ ، وَجِنَّكُمْ ، كَانُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا سَأَلَ ، لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ أَنْ يُغْمَسَ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً . يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أَحْفَظُهَا عَلَيْكُمْ ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ .
قَالَ سَعِيدٌ : كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . نَقَلَ الْوَاقِدِيُّ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ حَيَّانَ ، قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فِي مِظَلَّتَيْنِ مِنْ شَعْرٍ بِدِمَشْقَ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْبَرْقِيِّ : أَبُو ذَرٍّ اسْمُهُ : يَزِيدُ بْنُ جُنَادَةَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اسْمُهُ : بُرَيْرٌ . قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ عَامِرِيٍّ ، قَالَ : كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي ، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي نَفْسِي ، فَنُعِتَ لِي أَبُو ذَرٍّ ، فَحَجَجْتُ ، فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ مِنًى ، فَعَرَفْتُهُ ، فَإِذَا شَيْخٌ مَعْرُوقٌ آدَمُ عَلَيْهِ حُلَّةٌ قِطْرِيٌّ .
وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ : حَدَّثَنِي الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلْتُ مَسْجِدَهَا ، فَبَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ طُوَالٌ ، آدَمُ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ ، مَحْلُوقٌ ، يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَاتَّبَعْتُهُ فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : أَبُو ذَرٍّ . سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارَ ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا ، فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا ، فَأَكْرَمَنَا وَأَحْسَنَ ، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ ، فَقَالُوا : إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ يُخَالِفُكَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ ، فَجَاءَ خَالُنَا ، فَذَكَرَ لَنَا مَا قِيلَ لَهُ ، فَقُلْتُ : أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ ، فَقَدْ كَدَّرْتَهُ ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ ، فَقَدَّمْنَا صِرْمَتَنَا فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا ، وَجَعَلَ خَالُنَا يَبْكِي ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا ، فَأَتَيَا الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيْسًا فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا . قَالَ : وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ .
قُلْتُ : لِمَنْ ؟ قَالَ : لِلَّهِ . قُلْتُ : أَيْنَ تَوَجَّهُ ؟ قَالَ : حَيْثُ وَجَّهَنِي اللَّهُ ، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ . فَقَالَ أُنَيْسٌ : إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ ، فَاكْفِنِي ، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ ، [ فَرَاثَ عَلَيَّ ] ثُمَّ جَاءَ ، فَقُلْتُ : مَا صَنَعْتَ ؟ قَالَ : لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ ، يَزْعُمُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ .
قُلْتُ : فَمَا يَقُولُ النَّاسُ ؟ قَالَ : يَقُولُونَ : شَاعِرٌ ، كَاهِنٌ ، سَاحِرٌ . قَالَ : وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ ، فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْوَالِ الشُّعَرَاءِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ أَنَّهُ شِعْرٌ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ! قُلْتُ : فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ ! . فَأَتَيْتُ مَكَّةَ ، فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : الصَّابِئُ .
قَالَ : فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ ، فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ ، فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ ، فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ ، وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا . وَلَقَدْ لَبِثْتُ - يَا ابْنَ أَخِي - ثَلَاثِينَ ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ مَا لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنِي ، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ . فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانٍ جَاءَتِ امْرَأَتَانِ تَطُوفَانِ ، وَتَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا ، فَقُلْتُ : أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْآخَرَ ، فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا فَأَتَتَا عَلَيَّ ، فَقُلْتُ : هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي ، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ ، تَقُولَانِ : لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا ! فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَهُمَا هَابِطَتَانِ ، فَقَالَ : مَا لَكُمَا ؟ قَالَتَا : الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا .
قَالَ : فَمَا قَالُ لَكُمَا ؟ قَالَتَا : إِنَّهُ قَالَ كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ . قَالَ : وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ ، هُوَ وَصَاحِبُهُ ، ثُمَّ صَلَّى . وَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ .
قَالَ : عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : مِنْ غِفَارَ ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ ، وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ . فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : كَرِهَ أَنِّي انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارَ ، فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ ، فَدَفَعَنِي صَاحِبُهُ ، وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي . قَالَ : ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ : مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا ؟ قُلْتُ : مُنْذُ ثَلَاثِينَ مِنْ [ بَيْنِ ] لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ .
قَالَ : فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ ؟ قُلْتُ : مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ ، فَسَمِنْتُ ، وَمَا أَجِدُ عَلَى بَطْنِي سَخْفَةَ جُوعٍ . قَالَ : إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا ، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ : فَكَانَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا .
وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ ، لَا أَرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ ؟ . قَالَ : فَانْطَلَقْتُ ، فَلَقِيتُ أُنَيْسًا ، فَقَالَ : مَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : صَنَعْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ . قَالَ : مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ ، فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ ، فَأَسْلَمَتْ أُمُّنَا ، فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارَ ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ ، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ ، وَكَانَ سَيِّدَهُمْ .
وَقَالَ نِصْفُهُمْ : إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ [ الْمَدِينَةَ ] أَسْلَمْنَا ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي . وَجَاءَتْ أَسْلَمُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِخْوَانُنَا ، نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ ، [ فَأَسْلَمُوا ] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ! وَأَسْلَمُ ، سَالَمَهَا اللَّهُ .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ أَبُو جَمْرَةَ : قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِإِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ ؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا بِمَكَّةَ قَدْ خَرَجَ ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، فَأَرْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ ، فَقُلْتُ : انْطَلِقْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ ، فَكَلِّمْهُ ، فَانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقُلْتُ : مَا عِنْدَكَ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ ، لَقَدْ رَأَيْتُ رُجُلًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ .
قُلْتُ : لَمْ تَشْفِنِي ، فَأَخَذْتُ جِرَابًا وَعَصًا ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ ، فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، وَأَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : هَذَا رَجُلٌ غَرِيبٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ ، لَا أَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ ، وَلَا يُخْبِرُنِي ! فَلَمَّا أَصْبَحَ الْغَدُ ، جِئْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا أَسْأَلُ عَنْهُ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ ، فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ : أَمَا آنَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعُودَ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : مَا أَمْرُكَ ، وَمَا أَقْدَمَكَ ؟ قُلْتُ : إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ ؟ قَالَ : أَفْعَلُ .
قُلْتُ : قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ نَبِيٌّ . قَالَ : أَمَا قَدْ رَشَدْتَ ! هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ ، فَاتَّبِعْنِي وَادْخُلْ حَيْثُ أَدْخَلُ ، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ عَلَيْكَ ، قُمْتُ إِلَى الْحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي ! وَامْضِ أَنْتَ . فَمَضَى ، وَمَضَيْتُ مَعَهُ ، فَدَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ ، فَعَرَضَ عَلَيَّ ، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا ذَرٍّ ، اكْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ ، وَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ ! فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا ، فَأَقْبِلْ ، فَقُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ .
فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، فَقَالُوا : قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ ، فَقَامُوا ، فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ ! فَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ ، وَقَالَ : وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ ، وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَارَ ! فَأَطْلَقُوا عَنِّي ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ، رَجَعْتُ ، فَقُلْتُ مِثْلَمَا قُلْتُ بِالْأَمْسِ ، فَقَالُوا : قُومُوا إِلَى هَذَا الصَّابِئِ ! فَصُنِعَ بِي كَذَلِكَ ، وَأَدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ ، فَأَكَبَّ عَلَيَّ . فَهَذَا أَوَّلُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ . أَخْرَجَهُ : الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ .
ابْنُ سَعْدٍ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ ، عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءَ قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ رَجُلًا يُصِيبُ ، وَكَانَ شُجَاعًا ، يَنْفَرِدُ وَحْدَهُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، وَيُغِيِرُ عَلَى الصِّرَمِ فِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ أَوْ قَدَمَيْهِ ، كَأَنَّهُ السَّبُعُ ، فَيَطْرُقُ الْحَيَّ ، وَيَأْخُذُ مَا أَخَذَ ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ الْإِسْلَامَ ، وَسَمِعَ مَقَالَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو مُخْتَفِيًا ، فَأَقْبَلَ يَسْأَلُ عَنْهُ . وَعَنْ أَبِي مَعْشَرٍ السِّنْدِيِّ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَتَأَلَّهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَيُوَحِّدُ ، وَلَا يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ . النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ : أَخْبَرَنَا أَبُو زُمَيْلٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : كَنْتُ رَابِعَ الْإِسْلَامِ ، أَسْلَمَ قَبْلِي ثَلَاثَةٌ ، فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ ، فَقُلْتُ : سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ .
وَأَسْلَمْتُ ، فَرَأَيْتُ الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِهِ ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ : جُنْدُبٌ ، رَجُلٌ مِنْ غِفَارَ . قَالَ : فَرَأَيْتُهَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَسْرِقُ الْحَاجَّ .
وَعَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ وَعَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ ، كُلٌّ مِنْهُمَا يَقُولُ : أَنَا رُبْعُ الْإِسْلَامِ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : كَانَ حَامِلَ رَايَةِ غِفَارَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَبُو ذَرٍّ . وَكَانَ يَقُولُ : أَبْطَأْتُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، مِنْ عَجَفِ بِعِيرِي .
ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى تَبُوكَ ، جَعَلَ لَا يَزَالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُلُ ، فَيَقُولُونَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَخَلَّفَ فُلَانٌ ، فَيَقُولُ : دَعُوهُ ، إِنْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيَلْحَقُكُمْ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ . حَتَّى قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ . قَالَ : وَتَلَوَّمَ بَعِيرُ أَبِي ذَرٍّ ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ ، فَجَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَخَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَظَرَ نَاظِرٌ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا لَرَجُلٌ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : كُنْ أَبَا ذَرٍّ ، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ الْقَوْمُ ، قَالُوا : هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ ، يَمْشِي وَحْدَهُ ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ .
فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِنْ ضَرْبِهِ وَسُيِّرَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، أَوْصَى امْرَأَتَهُ وَغُلَامَهُ ، فَقَالَ : إِذَا مُتُّ فَاغْسِلَانِي وَكَفِّنَانِي ، وَضَعَانِي عَلَى الطَّرِيقِ ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّونَ بِكُمْ فَقُولَا : هَذَا أَبُو ذَرٍّ . فَلَمَّا مَاتَ فَعَلَا بِهِ ذَلِكَ ، فَاطَّلَعَ رَكْبٌ ، فَمَا عَلِمُوا بِهِ حَتَّى كَادَتْ رَكَائِبُهُمْ تَوَطَّأُ السَّرِيرَ ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قِيلَ : جِنَازَةُ أَبِي ذَرٍّ ، فَاسْتَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ يَبْكِي ، وَقَالَ : صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ ، يَمْشِي وَحْدَهُ ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ . فَنَزَلَ فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ ، حَتَّى أَجَنَّهُ .
شَرِيكٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ كُلَيْبِ بْنِ شِهَابٍ : سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ : مَا تُؤَيِّسُنِي رِقَّةُ عَظْمِي ، وَلَا بَيَاضُ شَعْرِي ، أَنْ أَلْقَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ . وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ : سَأَلْتُ ابْنَ أُخْتٍ لِأَبِي ذَرٍّ : مَا تَرَكَ أَبُو ذَرٍّ ؟ قَالَ : تَرَكَ أَتَانَيْنِ ، وَحِمَارًا ، وَأَعْنُزًا ، وَرَكَائِبَ . يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ : أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ : أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ الْإِمْرَةَ ، فَقَالَ : إِنَّكَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّهَا خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا .
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ ، وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ . فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَتْنِي جَبَلَةُ بِنْتُ مُصَفَّحٍ ، عَنْ حَاطِبٍ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا مِمَّا صَبَّهُ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فِي صَدْرِهِ ، إِلَّا قَدْ صَبَّهُ فِي صَدْرِي ، وَلَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا صَبَّهُ فِي صَدْرِي إِلَّا قَدْ صَبَبْتُهُ فِي صَدْرِ مَالِكِ بْنِ ضَمْرَةَ . هَذَا مُنْكَرٌ .
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ : أَخْبَرَنَا عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ ، عَنِ ابْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَوْصَانِي بِخَمْسٍ : أَرْحَمُ الْمَسَاكِينَ وَأُجَالِسُهُمْ ، وَأَنْظُرُ إِلَى مَنْ تَحْتِي وَلَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ فَوْقِي ، وَأَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ ، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا ، وَأَنْ أَقُولَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . الْأَعْمَشُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ ، وَلَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ . حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ بِلَالِ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِثْلَهُ .
وَجَاءَ نَحْوُهُ لِجَابِرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ . أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ يَعْلَى - وَهُوَ وَاهٍ - عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تَوَاضُعِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ . سَلَامُ بْنُ مِسْكِينٍ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّكُمْ يَلْقَانِي عَلَى الْحَالِ الَّذِي أُفَارِقُهُ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : أَنَا ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ ! مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى زُهْدِ عِيسَى فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ .
حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو حَرْبِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَرَجُلٌ عَنْ زَاذَانَ ، قَالَا : سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ؛ فَقَالَ : وَعَى عِلْمًا عَجَزَ عَنْهُ ، وَكَانَ شَحِيحًا عَلَى دِينِهِ ، حَرِيصًا عَلَى الْعِلْمِ ، يُكْثِرُ السُّؤَالَ ، وَعَجَزَ عَنْ كَشْفِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ . سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ ، قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ فِي رَهْطٍ مِنْ غِفَارَ عَلَى عُثْمَانَ مِنْ بَابٍ لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ مِنْهُ - قَالَ : وَتَخَوَّفَنَا عُثْمَانُ عَلَيْهِ - فَانْتَهَى إِلَيْهِ ، فَسَلَّمَ ، ثُمَّ مَا بَدَأَهُ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ قَالَ : أَحَسِبْتَنِي مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ وَاللَّهِ مَا أَنَا مِنْهُمْ وَلَا أُدْرِكُهُمْ .
ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ إِلَى الرَّبَذَةِ . يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : حَدِّثْنَا عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَدِّثْنَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ . قَالَ : عَلِمَ الْعِلْمَ ، ثُمَّ أَوْكَى ، فَرَبَطَ عَلَيْهِ رِبَاطًا شَدِيدًا ! .
أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ : سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ : أَبُو ذَرٍّ وِعَاءٌ مُلِئَ عِلْمًا ، أَوْكَى عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى قُبِضَ . عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، مُرْسَلًا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي ذَرٍّ وَتُبْ عَلَيْهِ . وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ رُفَقَاءَ وَوُزَرَاءَ ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَسَمَّى فِيهِمْ أَبَا ذَرٍّ .
شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ الْإِيَادِيِّ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ ، وَأَخْبَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ . قُلْتُ : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : عَلِيٌّ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَسَلْمَانُ ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ . قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ : حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ : أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خِدْمَتِهِ ، أَوَى إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَ [ كَانَ ] هُوَ بَيْتَهُ .
[ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَهُ ] مُنْجَدِلًا فِي الْمَسْجِدِ ، فَنَكَتَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِجْلِهِ ، حَتَّى اسْتَوَى جَالِسًا ، فَقَالَ : أَلَا أَرَاكَ نَائِمًا ؟ قَالَ : فَأَيْنَ أَنَامُ ، هَلْ لِي مَنْ بَيْتٍ غَيْرُهُ ؟ فَجَلَسَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ ؟ قَالَ : أَلْحَقُ بِالشَّامِ ؛ فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْهِجْرَةِ ، وَأَرْضُ الْمَحْشَرِ ، وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَكُونُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا . قَالَ لَهُ : كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنَ الشَّامِ ؟ قَالَ : أَرْجِعُ إِلَيْهِ ؛ فَيَكُونُ بَيْتِي وَمَنْزِلِي . قَالَ : فَكَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ الثَّانِيَةَ ؟ قَالَ : آخُذُ إِذًا سَيْفِي فَأُقَاتِلُ حَتَّى أَمُوتَ .
قَالَ : فَكَشَّرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : بَلَى ، بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : تَنْقَادُ لَهُمْ حَيْثُ قَادُوكَ ، حَتَّى تَلْقَانِي وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ .
وَفِي الْمُسْنَدِ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ : أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ ، وَأَبِي الْمُثَنَّى : أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ : بَايَعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا ، وَوَاثَقَنِي سَبْعًا ، وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَلَيَّ سَبْعًا : أَلَّا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . أَبُو الْيَمَانِ ، هُوَ الْهَوْزَنِيُّ . الدَّغُولِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الصَّائِغُ بِمَكَّةَ : أَخْبَرَنَا الْمُقْرِي : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الشَّامِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْخَشْخَاشِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَصْلَيْتَ ؟ قُلْتُ : لَا .
قَالَ : قُمْ فَصَلِّ ، فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . قُلْتُ : وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ! ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةَ ؟ قُلْ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . قُلْتُ : فَمَا الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : خَيْرٌ مَوْضُوعٌ ، فَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ ، وَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ .
قُلْتُ : فَمَا الصِّيَامُ ؟ قَالَ : فَرْضٌ مُجْزِئٌ . قُلْتُ : فَمَا الصَّدَقَةُ ؟ قَالَ : أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَزِيدٌ . قُلْتُ : فَأَيُّهَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ ، أَوْ سِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ .
قُلْتُ : فَأَيُّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾قُلْتُ : فَأَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ ؟ قَالَ : آدَمُ . قُلْتُ : نَبِيًّا كَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مُكَلَّمٌ . قُلْتُ : فَكَمِ الْمُرْسَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا .
هِشَامٌ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ : إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا فَاخْرُجْ مِنْهَا - وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ - وَلَا أَرَى أُمَرَاءَكَ يَدَعُونَكَ ! قَالَ : أَوَلَا أُقَاتِلُ مَنْ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَمْرِكَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : اسْمَعْ وَأَطِعْ ، وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ : إِنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ الشَّامَ ، فَطَلَبَهُ عُثْمَانُ ؛ ثُمَّ بَعَثُوا أَهْلَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَوَجَدُوا عِنْدَهُمْ كِيسًا أَوْ شَيْئًا ؛ فَظَنُّوهُ دَرَاهِمَ ، فَقَالُوا : مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا هِيَ فُلُوسٌ .
فَقَالَ عُثْمَانُ : كُنْ عِنْدِي . قَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِي دُنْيَاكُمْ ؛ ائْذَنْ لِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى الرَّبَذَةِ ، فَأَذِنَ لَهُ ؛ فَخَرَجَ إِلَيْهَا ، وَعَلَيْهَا عَبْدٌ حَبَشِيٌّ لِعُثْمَانَ ، فَتَأَخَّرَ وَقْتَ الصَّلَاةِ - لَمَّا رَأَى أَبَا ذَرٍّ - فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : تَقَدَّمْ فَصَلِّ . سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَيْهِ بَرْذَعَةٌ ، أَوْ قَطِيفَةٌ .
عَفَّانُ : أَخْبَرَنَا سَلَّامٌ أَبُو الْمُنْذِرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ : أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي ، وَأَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا ، وَأَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ ، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا ، وَأَلَّا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَأَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ . الْأَوْزَاعِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ، وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ يَسْتَفْتُونَهُ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَلَمْ يَنْهَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْفُتْيَا ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَقِيبٌ أَنْتَ عَلَيَّ ! لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا . اسْمُ أَبِي كَثِيرٍ : مَرْثَدٌ .
وَعَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ لَا يُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، غَيْرَ أَبِي ذَرٍّ ، وَلَا نَفْسِي . ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ . الْجَرِيرِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنِ الْأَحْنَفِ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَة ، فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَة فِيها مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ ، أَخْشَنُ الْوَجْه ، فَقَامَ عَلَيْهمْ فَقَالَ : بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْه فِي نَارِ جَهنَّمَ ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَة ثَدْي أَحَدِهمْ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِه ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِه حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَة ثَدْيِه يَتَجَلْجَلُ .
قَالَ : فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُؤوسَهمْ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهمْ رَجَعَ إِلَيْه شَيْئًا . فَأَدْبَرَ ، فَتَبِعْتُه حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَة ، فَقُلْتُ : مَا رَأَيْتُ هؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهوا مَا قُلْتَ لَهمْ . قَالَ : إِنَّ هؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ؛ إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ دَعَانِي فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، فَأَجَبْتُه ، فَقَالَ : تَرَى أُحُدًا ؟ فَنَظَرْتُ مَا عَلَي مِنَ الشَّمْسِ - وَأَنَا أَظُنُّه يَبْعَثُنِي فِي حَاجَة - فَقُلْتُ : أَرَاه ، [ فَقَالَ ] : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَه ذَهبًا ، أُنْفِقُه كُلَّه ، إِلَّا ثَلَاثَة دَنَانِيرَ ثُمَّ هؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا ، لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا .
فَقُلْتُ : مَا لَكَ وَلِإِخْوَانِكَ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَا تَعْتَرِيهمْ وَلَا تُصِيبُ مِنْهمْ ؟ قَالَ : لَا وَرَبِّكَ ، مَا أَسْأَلُهمْ دُنْيَا ، [ وَلَا ] أَسْتَفْتِيهمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّه وَرَسُولِه . الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ أَخِيه مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، فَذَكَرَ بَعْضَه . مُوسَى بْنُ عُبَيْدَة : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، قَالَ : قَدِمَ أَبُو ذَرٍّ مِنَ الشَّامِ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَأَنَا جَالِسٌ ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا ، وَأَتَى سَارِيَة ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، تَجَوَّزَ فِيهمَا ثُمَّ قَرَأَ : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْه ، فَقَالُوا : حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : سَمِعْتُ حَبِيبِي رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ يَقُولُ : فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها ، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُها ، وَفِي الْبُرِّ صَدَقَتُه . مَنْ جَمَعَ دِينَارًا ، أَوْ تِبْرًا ، أَوْ فِضَّة ، لَا يَعُدُّه لِغَرِيمٍ ، وَلَا يُنْفِقُه فِي سَبِيلِ اللَّه ، كُوِي بِه . قُلْتُ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، انْظُرْ مَا تُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ ، فَإِنَّ هذِه الْأَمْوَالَ قَدْ فَشَتْ .
قَالَ : مَنْ أَنْتَ ، ابْنُ أَخِي ؟ فَانْتَسَبْتُ لَه . فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُ نَسَبَكَ الْأَكْبَرَ ، مَا تَقْرَأُ : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . مُوسَى - ضُعِّفَ - رَوَاه عَنْه الثِّقَاتُ .
ابْنُ لَهيعَة : حَدَّثَنَا أَبُو قُبَيْلٍ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ عَبْدِ اللَّه الزِّيَادِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَنَّه جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُثْمَانَ ، فَأُذِنَ لَه ، وَبِيَدِه عَصًا ، فَقَالَ عُثْمَانُ : يَا كَعْبُ ، إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّي ، وَتَرَكَ مَالًا ، فَمَا تَرَى ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ فَضَلَ فِيه حَقُّ اللَّه ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْه ، فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاه ، وَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي هذَا الْجَبَلَ ذَهبًا أُنْفِقُه وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي ، أَذَرُ خَلْفِي مِنْه سِتَّة أَوَاقٍ أَنْشُدُكَ اللَّه يَا عُثْمَانُ : أَسَمِعْتَه قَالَ مِرَارًا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : هذَا دَالٌّ عَلَى فَضْلِ إِنْفَاقِه وَكَرَاهيَة جَمْعِه ؛ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمٍ . حُمَيْدُ بْنُ هلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ ، فَلَمَّا دَخَلَ ، حَسَرَ عَنْ رَأْسِه وَقَالَ : وَاللَّه ، مَا أَنَا مِنْهمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - يُرِيدُ الْخَوَارِجَ - قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ : سِيمَاهمُ الْحَلْقُ - قَالَ لَه عُثْمَانُ : صَدَقْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ ! إِنَّمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْكَ لِتُجَاوِرَنَا بِالْمَدِينَة .
قَالَ : لَا حَاجَة لِي فِي ذَلِكَ ، ائْذَنْ لِي إِلَى الرَّبَذَة . قَالَ : نَعَمْ ، وَنَأْمُرُ لَكَ بِنَعَمٍ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَة ، تَغْدُو عَلَيْكَ وَتَرُوحُ . قَالَ : لَا حَاجَة لِي فِي ذَلِكَ ، يَكْفِي أَبَا ذَرٍّ صُرَيْمَتُه فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ : دُونَكُمْ مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ ، دُنْيَاكُمْ فَاعْذِمُوها وَدَعُونَا وَرَبَّنَا .
قَالَ : وَدَخَلَ عَلَيْه وَهوَ يُقَسِّمُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بَيْنَ يَدَيْه ، وَعِنْدَه كَعْبٌ ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ عَلَى كَعْبٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ ، مَا تَقُولُ فِيمَنْ جَمَعَ هذَا الْمَالَ ، فَكَانَ يَتَصَدَّقُ مِنْه وَيَصِلُ الرَّحِمَ ؟ قَالَ كَعْبٌ : إِنِّي لَأَرْجُوَ لَه ، فَغَضِبَ وَرَفَعَ عَلَيْه الْعَصَا ، وَقَالَ : وَمَا تَدْرِي يَا ابْنَ الْيَهودِيَّة ، لَيَوَدَّنَّ صَاحِبُ هذَا الْمَالِ لَوْ كَانَ عَقَارِبَ فِي الدُّنْيَا تَلْسَعُ السُّوَيْدَاءَ مِنْ قَلْبِه . السَّرِي بْنُ يَحْيَى : حَدَّثَنَا غَزْوَانُ أَبُو حَاتِمٍ ، قَالَ : بَيْنَا أَبُو ذَرٍّ عِنْدَ بَابِ عُثْمَانَ لِيُؤْذَنَ لَه ، إِذْ مَرَّ بِه رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، مَا يُجْلِسُكَ هاهنَا ؟ قَالَ : يَأْبَى هؤُلَاءِ أَنْ يَأْذَنُوا لَنَا ، فَدَخَلَ الرَّجُلُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا بَالُ أَبِي ذَرٍّ عَلَى الْبَابِ ! . فَأَذِنَ لَه ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ نَاحِيَة ، وَمِيرَاثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقَسَّمُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِكَعْبٍ : أَرَأَيْتَ الْمَالَ إِذَا أُدِّي زَكَاتُه ، هلْ يَخْشَى عَلَى صَاحِبِه فِيه تَبِعَة ؟ قَالَ : لَا ، فَقَامَ أَبُو ذَرٍّ فَضَرَبَه بِعَصَا بَيْنَ أُذُنَيْه ، ثُمَّ قَالَ : يَا ابْنَ الْيَهودِيَّة ، تَزْعُمُ أَنْ لَيْسَ عَلَيْه حَقٌّ فِي مَالِه ، إِذَا آتَى زَكَاتَه ، وَاللَّه يَقُولُ : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْآيَة .
وَيَقُولُ : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ فَجَعَلَ يَذْكُرُ نَحْوَ هذَا مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِلْقُرَشِي : إِنَّمَا نَكْرَه أَنْ نَأْذَنَ لِأَبِي ذَرٍّ مِنْ أَجْلِ مَا تَرَى . وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو ذَرٍّ يَخْتَلِفُ مِنَ الرَّبَذَة إِلَى الْمَدِينَة مَخَافَة الْأَعْرَابِيَّة فَكَانَ يُحِبُّ الْوَحْدَة فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَه كَعْبٌ . الْحَدِيثَ .
وَفِيه : فَشَجَّ كَعْبًا ! فَاسْتَوْهبَه عُثْمَانُ ، فَوَهبَه لَه ، وَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، اتَّقِ اللَّه وَاكْفُفْ يَدَكَ وَلِسَانَكَ . مُوسَى بْنُ عُبَيْدَة : أَخْبَرَنَا ابْنُ نُفَيْعٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : اسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ ، فَتَغَافَلُوا عَنْه سَاعَة ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هذَا أَبُو ذَرٍّ بِالْبَابِ . قَالَ : ائْذَنْ لَه ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْذِيَنَا وَتُبَرِّحَ بِنَا ، فَأَذِنْتُ لَه ، فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ فَرَجَفَ بِه السَّرِيرُ ، وَكَانَ عَظِيمًا طَوِيلًا ، فَقَالَ عُثْمَانُ : أَمَا إِنَّكَ الزَّاعِمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ! قَالَ : مَا قُلْتُ .
قَالَ : إِنِّي أَنْزِعُ عَلَيْكَ بِالْبَيِّنَة ، قَالَ : وَاللَّه مَا أَدْرِي مَا بَيِّنَتُكَ وَمَا تَأْتِي بِه ؟ ! وَقَدْ عَلِمْتَ مَا قُلْتُ . قَالَ : فَكَيْفَ إِذًا قُلْتَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَي وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي الَّذِي يَلْحَقُ بِي عَلَى الْعَهدِ الَّذِي عَاهدْتُه عَلَيْه وَكُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَأَنَا عَلَى مَا عَاهدْتُه عَلَيْه ، وَعَلَى اللَّه تَمَامُ النِّعْمَة . وَسَأَلَه عَنْ أَشْيَاءَ ، فَأَخْبَرَه بِالَّذِي يَعْلَمُه ، فَأَمَرَه أَنْ يَرْتَحِلَ إِلَى الشَّامِ فَيَلْحَقُ بِمُعَاوِيَة ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِالشَّامِ ، فَاسْتَهوَى قُلُوبَ الرِّجَالِ ، فَكَانَ مُعَاوِيَة يُنْكِرُ بَعْضَ شَأْنِ رَعِيَّتِه ، وَكَانَ يَقُولُ : لَا يَبِيتَنَّ عِنْدَ أَحَدِكُمْ دِينَارٌ وَلَا دِرْهمٌ ، وَلَا تِبْرٌ وَلَا فِضَّة ، إِلَّا شَيْءٌ يُنْفِقُه فِي سَبِيلِ اللَّه ، أَوْ يُعِدُّه لِغَرِيمٍ .
وَإِنَّ مُعَاوِيَة بَعَثَ إِلَيْه بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ فَأَنْفَقَها . فَلَمَّا صَلَّى مُعَاوِيَة الصُّبْحَ ، دَعَا رَسُولَه ، فَقَالَ : اذْهبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ ، فَقُلْ : أَنْقِذْ جَسَدِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَة ، فَإِنِّي أَخْطَأْتُ . قَالَ : يَا بُنَي ، قُلْ لَه : يَقُولُ لَكَ أَبُو ذَرٍّ : وَاللَّه مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْه دِينَارٌ .
وَلَكِنْ أَنْظِرْنَا ثَلَاثًا حَتَّى نَجْمَعَ لَكَ دَنَانِيرَكَ . فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَة أَنَّ قَوْلَه صَدَّقَ فِعْلَه كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنْ كَانَ لَكَ بِالشَّامِ حَاجَة ، أَوْ بِأَهلِه ، فَابْعَثْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ ، فَإِنَّه قَدْ وَغَلَ صُدُورَ النَّاسِ . فَكَتَبَ إِلَيْه عُثْمَانُ : اقْدُمْ عَلَي ، فَقَدِمَ .
ابْنُ لَهيعَة ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَة ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادٍ قال : قال شداد بن أوس : كان أَبُو ذَرٍّ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّه فِيه الشِّدَّة ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى قَوْمِه ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهمْ . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّه يُرَخِّصُ فِيه بَعْدُ ، فَلَمْ يَسْمَعْه أَبُو ذَرٍّ ، فَتَعَلَّقَ أَبُو ذَرٍّ بِالْأَمْرِ الشَّدِيدِ . عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَّة ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهنِي ، قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ ، إِذْ جَاءَ أَبُو ذَرٍّ ، فَلَمَّا رَآه عُثْمَانُ قَالَ : مَرْحَبًا وَأَهلًا بِأَخِي ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : مَرْحَبًا وَأَهلًا بِأَخِي ، لَقَدْ أَغْلَظْتَ عَلَيْنَا فِي الْعَزِيمَة ، وَاللَّه لَوْ عَزَمْتَ عَلَي أَنْ أَحْبُوَ لَحَبَوْتُ مَا اسْتَطَعْتُ .
إِنِّي خَرَجْتُ مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ نَحْوَ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ ، فَقَالَ لِي : وَيْحَكَ بَعْدِي ! فَبَكَيْتُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّه ، وَإِنِّي لَبَاقٍ بَعْدَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْبِنَاءَ عَلَى سَلْعٍ ، فَالْحَقْ بِالْمَغْرِبِ ، أَرْضِ قُضَاعَة . قَالَ عُثْمَانُ : أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْعَلَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ وَخِفْتُ عَلَيْكَ جُهالَ النَّاسِ . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : اسْمَعْ وَأَطِعْ لِمَنْ كَانَ عَلَيْكَ .
جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سِيدَانَ السُّلَمِي ، قَالَ : تَنَاجَى أَبُو ذَرٍّ ، وَعُثْمَانُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهمَا ، ثُمَّ انْصَرَفَ أَبُو ذَرٍّ مُتَبَسِّمًا ، فَقَالُوا : مَا لَكَ وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : سَامِعٌ مُطِيعٌ ، وَلَوْ أَمَرَنِي أَنْ آتِي صَنْعَاءَ أَوْ عَدَنَ [ ثُمَّ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَفْعَلَ ، لَفَعَلْتُ ] وَأَمَرَه أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الرَّبَذَة . مَيْمُونُ بْنُ مِهرَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سِيدَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : لَوْ أَمَرَنِي عُثْمَانُ أَنْ أَمْشِي عَلَى رَأْسِي لَمَشَيْتُ . وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنَي ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ لِعُثْمَانَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، افْتَحِ الْبَابَ ، لَا تَحْسَبَنِّي مِنْ قَوْمٍ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّة .
يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَة ، قَالَا : نَزَلْنَا الرَّبَذَة ، فَمَرَّ بِنَا شَيْخٌ أَشْعَثُ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَة ، فَقَالُوا : هذَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ ، فَاسْتَأْذَنَّاه بِأَنْ نَغْسِلَ رَأْسَه ، فَأَذِنَ لَنَا ، وَاسْتَأْنَسَ بِنَا ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاه نَفَرٌ مِنْ أَهلِ الْعِرَاقِ - حَسِبْتُه قَالَ : مِنْ أَهلِ الْكُوفَة - فَقَالُوا : يَا أَبَا ذَرٍّ ، فَعَلَ بِكَ هذَا الرَّجُلُ وَفَعَلَ ! فَهلْ أَنْتَ نَاصِبٌ لَكَ رَايَة فَنُكَمِّلَكَ بِرِجَالٍ مَا شِئْتَ ؟ فَقَالَ : يَا أَهلَ الْإِسْلَامِ ، لَا تَعْرِضُوا عَلَي ذَاكُمْ وَلَا تُذِلُّوا السُّلْطَانَ ، فَإِنَّه مَنْ أَذَلَّ السُّلْطَانَ ، فَلَا تَوْبَة لَه ، وَاللَّه لَوْ صَلَبَنِي عَلَى أَطْوَلِ خَشَبَة أَوْ حَبْلٍ ، لَسَمِعْتُ وَصَبَرْتُ وَرَأَيْتُ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِي . حُمَيْدُ بْنُ هلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَتْ أُمُّ ذَرٍّ : وَاللَّه مَا سَيَّرَ عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ - تَعْنِي إِلَى الرَّبَذَة - وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا ، فَاخْرُجْ مِنْها . قَالَ غَالِبٌ الْقَطَّانُ لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، أَكَانَ عُثْمَانُ أَخْرَجَ أَبَا ذَرٍّ ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّه .
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ : إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ مَجْلِسًا مِنْ رَسُولِ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَة ، إِنِّي سَمِعْتُه يَقُولُ : إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا مَنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا كَهيْئَتِه بِمَا تَرَكْتُه عَلَيْه وَإِنَّه وَاللَّه مَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ تَشَبَّثَ مِنْها بِشَيْءٍ . قَالَ الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ : نَزَلْنَا الرَّبَذَة ، فَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَيْه بُرُدٌ ، وَعَلَى غُلَامِه مِثْلُه ، فَقُلْنَا : لَوْ عَمِلْتَهمَا حُلَّة لَكَ ، وَاشْتَرَيْتَ لِغُلَامِكَ غَيْرَه ، فَقَالَ : سَأُحَدِّثُكُمْ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبٍ لِي كَلَامٌ ، وَكَانَتْ أُمُّه أَعْجَمِيَّة ، فَنِلْتُ مِنْها ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : سَابَبْتَ فُلَانًا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : ذَكَرْتَ أُمَّه ؟ قُلْتُ : مَنْ سَابَّ الرِّجَالَ ذُكِرَ أَبُوه وَأُمُّه ، فَقَالَ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيه جَاهلِيَّة - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - إِلَى أَنْ قَالَ : إِخْوَانُكُمْ ، جَعَلَهمُ اللَّه تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَخُوه تَحْتَ يَدِه فَلْيُطْعِمْه مِنْ طَعَامِه ، وَلِيُلْبِسْه مِنْ لِبَاسِه ، وَلَا يُكَلِّفْه مَا يَغْلِبُه .
قَتَادَة ، عَنْ أَبِي قِلَابَة ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ ، أَنَّه دَخَلَ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَة ، وَعِنْدَ امْرَأَة لَه سَوْدَاءُ مُشْعَثَة ، لَيْسَ عَلَيْها أَثَرُ الْمَجَاسِدِ وَالْخَلُوقِ ، فَقَالَ : أَلَا تَنْظُرُونَ مَا تَأْمُرُنِي بِه ؟ تَأْمُرُنِي أَنْ آتِي الْعِرَاقَ ، فَإِذَا أَتَيْتُها مَالُوا عَلَي بِدُنْيَاهمْ ، وَإِنَّ خَلِيلِي عَهدَ إِلَي : إِنَّ دُونَ جِسْرِ جَهنَّمَ طَرِيقًا ذَا دَحْضٍ وَمَزَلَّة ، وَإِنَّا أَنْ نَأْتِي عَلَيْه وَفِي أَحْمَالِنَا اقْتِدَارٌ أَحْرَى أَنْ نَنْجُوَ [ مِنْ أَنْ نَأْتِي عَلَيْه وَنَحْنُ مَوَاقِيرُ ] . أَبُو هلَالٍ ، عَنْ قَتَادَة ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ عَطَاؤُه أَرْبَعَة آلَافٍ ، فَكَانَ إِذَا أَخَذَ عَطَاءَه ، دَعَا خَادِمَه ، فَسَأَلَه عَمَّا يَكْفِيه لِلسَّنَة ، فَاشْتَرَاه ، ثُمَّ اشْتَرَى فُلُوسًا بِمَا بَقِي . وَقَالَ : إِنَّه لَيْسَ مِنْ وِعَاءِ ذَهبٍ وَلَا فِضَّة يُوكَى عَلَيْه إِلَّا وَهوَ يَتَلَظَّى عَلَى صَاحِبِه .
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : كَانَ لِأَبِي ذَرٍّ ثَلَاثُونَ فَرَسًا يَحْمِلُ عَلَيْها ، فَكَانَ يَحْمِلُ عَلَى خَمْسَة عَشَرَ مِنْها يَغْزُو عَلَيْها ، وَيُصْلِحُ آلَة بَقِيَّتِها ، فَإِذَا رَجَعَتْ أَخَذَها ، فَأَصْلَحَ آلَتَها ، وَحَمَلَ عَلَى الْأُخْرَى . قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِي : بَنَى أَبُو الدَّرْدَاءِ مَسْكَنًا ، فَمَرَّ عَلَيْه أَبُو ذَرٍّ ، فَقَالَ : مَا هذَا ؟ تُعَمِّرُ دَارًا أَذِنَ اللَّه بِخَرَابِها ، لَأَنْ تَكُونَ رَأَيْتُكَ تَتَمَرَّغُ فِي عَذْرَة أَحَبُّ إِلَي مِنْ أَنْ أَكُونَ رَأَيْتُكَ فِيمَا رَأَيْتُكَ فِيه . حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَة ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى لَقِي أَبَا ذَرٍّ ، فَجَعَلَ أَبُو مُوسَى يُكْرِمُه - وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَصِيرًا خَفِيفَ اللَّحْمِ .
وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ رَجُلًا أَسْوَدَ كَثَّ الشَّعْرِ - فَيَقُولُ أَبُو ذَرٍّ : إِلَيْكَ عَنِّي ! وَيَقُولُ أَبُو مُوسَى : مَرْحَبًا بِأَخِي ، فَيَقُولُ : لَسْتُ بِأَخِيكَ ! إِنَّمَا كُنْتُ أَخَاكَ قَبْلَ أَنْ تَلِي . وَعَنْ أُمِّ طَلْقٍ قَالَتْ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ فَرَأَيْتُه شَعِثًا شَاحِبًا ، بِيَدِه صُوفٌ ، قَدْ جَعَلَ عُودَيْنِ ، وَهوَ يَغْزِلُ بِهمَا ، فَلَمْ أَرَ فِي بَيْتِه شَيْئًا ، فَنَاوَلْتُه شَيْئًا مِنْ دَقِيقٍ وَسَوِيقٍ ، فَقَالَ لِي : أَمَّا ثَوَابُكَ ، فَعَلَى اللَّه . وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا ذَرٍّ خَلَّفَ بِنْتًا لَه ، فَضَمَّها عُثْمَانُ إِلَى عِيَالِه .
قَالَ الْفَلَّاسُ ، وَالْهيْثَمُ بْنُ عَدِي ، وَغَيْرُهمَا : مَاتَ سَنَة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَيُقَالُ : مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّة . وَيُقَالُ : إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ الَّذِي دَفَنَه ، عَاشَ بَعْدَه نَحْوًا مِنْ عَشَرَة أَيَّامٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا . وَقَدْ قَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ - مَعَ قُوَّة أَبِي ذَرٍّ فِي بَدَنِه وَشَجَاعَتِه - : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ .
فَهذَا مَحْمُولٌ عَلَى ضَعْفِ الرَّأْي ؛ فَإِنَّه لَوْ وَلِي مَالَ يَتِيمٍ ، لَأَنْفَقَه كُلَّه فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ ، وَلَتَرَكَ الْيَتِيمَ فَقِيرًا ! فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّه كَانَ لَا يَسْتَجِيزُ ادِّخَارَ النَّقْدَيْنِ . وَالَّذِي يَتَأَمَّرُ عَلَى النَّاسِ ، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فِيه حِلْمٌ وَمُدَارَاة ، وَأَبُو ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه كَانَتْ فِيه حِدَّة - كَمَا ذَكَرْنَاه - فَنَصَحَه النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ . وَلَه مِائَتَا حَدِيثٍ وَأَحَدٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا ، اتَّفَقَا مِنْها عَلَى اثْنَي عَشَرَ حَدِيثًا ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِي بِحَدِيثَيْنِ .
وَمُسْلِمٌ بِتِسْعَة عَشَرَ . ابْنُ سَعْدٍ : أَخْبَرَنَا عَفَّانُ : أَخْبَرَنَا وُهيْبٌ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهدٍ ، عَنْ إِبْرَاهيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَضَرَه الْمَوْتُ بِالرَّبَذَة ، فَبَكَتِ امْرَأَتُه ، فَقَالَ : وَمَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَتْ : أَبْكِي أَنَّه لَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيبِكَ . وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ كَفَنًا .
قَالَ : لَا تَبْكِي ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، وَأَنَا عِنْدُه فِي نَفَرٍ ، يَقُولُ : لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاة تَشْهدُه عِصَابَة مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَكُلُّهمْ مَاتَ فِي جَمَاعَة وَقَرْيَة ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرِي ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ بِالْفَلَاة أَمُوتُ ، فَرَاقِبِي الطَّرِيقَ ، فَإِنَّكِ سَوْفَ تَرَيْنَ مَا أَقُولُ ، مَا كَذَبْتُ ، وَلَا كُذِبْتُ . قَالَتْ : وَأَنَّى ذَلِكَ وَقَدِ انْقَطَعَ الْحَاجُّ ؟ ! . قَالَ : رَاقِبِي [ الطَّرِيقَ ] فَبَيْنَا هي كَذَلِكَ ، إِذْ هي بِالْقَوْمِ [ تَخِبُّ بِهمْ رَوَاحِلُهمْ ] كَأَنَّهمُ الرَّخَمُ فَأَقْبَلُوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَيْها .
قَالُوا : مَا لَكِ ؟ قَالَتْ : رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تُكَفِّنُونَه ، وَتُؤْجَرُونَ فِيه . قَالُوا : وَمَنْ هوَ ؟ قَالَتْ : أَبُو ذَرٍّ ، فَفَدَوْه بِآبَائِهمْ وَأُمَّهاتِهمْ ، وَوَضَعُوا سِيَاطَهمْ فِي نُحُورِها يَبْتَدِرُونَه . فَقَالَ : أَبْشِرُوا ، أَنْتُمُ النَّفَرُ الَّذِينَ قَالَ فِيكُمْ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ مَا قَالَ .
سَمِعْتُه يَقُولُ : مَا مِنَ امْرَأَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هلَكَ بَيْنَهمَا وَلَدَانِ [ أَوْ ثَلَاثَة ] فَاحْتَسَبَا وَصَبَرَا ، فَيَرَيَانِ النَّارَ أَبَدًا . ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ حَيْثُ تَرَوْنَ ، وَلَوْ أَنَّ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِي يَسَعُنِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلَّا فِيه . أَنْشُدُكُمُ اللَّه : أَنْ لَا يُكَفِّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ عَرِيفًا أَوْ بَرِيدًا .
فَكُلُّ الْقَوْمِ كَانَ نَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ : أَنَا صَاحِبُكَ ، ثَوْبَانِ فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي ، وَأَحَدُ ثَوْبَي هذَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَي . قَالَ : أَنْتَ صَاحِبِي ، فَكَفِّنِّي . ثُمَّ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهدٍ ، عَنْ إِبْرَاهيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ ، عَنْ أَبِيه ، أَنَّه لَمَّا حَضَرَ أَبَا ذَرٍّ الْمَوْتُ ، بَكَتِ امْرَأَتُه - فَذَكَرَه وَزَادَ - : فَكَفَّنَه الْأَنْصَارِي فِي النَّفَرِ الَّذِينَ شَهدُوه ، مِنْهمْ : حُجْرُ بْنُ الْأَدْبَرِ ، وَمَالِكُ بْنُ الْأَشْتَرِ .
ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنَا بُرَيْدَة بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِي ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لَمَّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَة ، وَأَصَابَه بِها قَدَرُه ، لَمْ يَكُنْ مَعَه إِلَّا امْرَأَتُه وَغُلَامُه ، فَأَوْصَاهمَا : أَنِ اغْسِلَانِي وَكَفِّنَانِي وَضَعَانِي عَلَى قَارِعَة الطَّرِيقِ ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ قُولُوا : هذَا أَبُو ذَرٍّ ، فَأَعِينُونَا عَلَيْه . فَوَضَعَاه ، وَأَقْبَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهطٍ مِنَ الْعِرَاقِ عُمَّارًا ، فَلَمْ يَرُعْهمْ إِلَّا بِه ، قَدْ كَادَتِ الْإِبِلُ أَنْ تَطَأَه ، فَقَامَ الْغُلَامُ ، فَقَالَ : هذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ . فَاسْتَهلَّ عَبْدُ اللَّه يَبْكِي ، وَيَقُولُ : صَدَقَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : تَمْشِي وَحْدَكَ ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ ! ثُمَّ نَزَلُوا فَوَارَوْه ، ثُمَّ حَدَّثَهمْ عَبْدُ اللَّه حَدِيثَه ، وَمَا قَالَ لَه رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ فِي مَسِيرِه وَحْدَه إِلَى تَبُوكَ .
وَعَنْ عِيسَى بْنِ عُمَيْلَة أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى أَبَا ذَرٍّ يَحْلِبُ غُنَيْمَة لَه ، فَيَبْدَأُ بِجِيرَانِه وَأَضْيَافِه قَبْلَ نَفْسِه . عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهدِي ، قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ يَمِيدُ عَلَى رَاحِلَتِه ، وَهوَ مُسْتَقْبِلٌ مَطْلَعَ الشَّمْسِ ، فَظَنَنْتُه نَائِمًا ، فَدَنَوْتُ وَقُلْتُ : أَنَائِمٌ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ كُنْتُ أُصَلِّي .