وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ
وُهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ ( ع ) ابْنُ كَامِلِ بْنِ سِيجِ بْنِ ذِي كِبَارٍ ، وَهُوَ الْأُسْوَارُ الْإِمَامُ ، الْعَلَّامَةُ الْأَخْبَارِيُّ الْقَصَصِيُّ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَبْنَاوِيُّ ، الْيَمَانِيُّ الذِّمَارِيُّ الصَّنْعَانِيُّ ، أَخُو هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَمَعْقِلِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَغَيْلَانَ بْنِ مُنَبِّهٍ . مَوْلِدُهُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَرَحَلَ وَحَجَّ . وَأَخَذَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - إِنْ صَحَّ - وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - عَلَى خِلَافٍ فِيهِ - وَطَاوُسَ .
حَتَّى إِنَّهُ يَنْزِلُ وَيَرْوِي عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَأَخِيهِ هَمَّامٍ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَفَنَّجَ الْيَمَانِيِّ - وَلَا يُدْرَى مَنْ فَنَّجُ . حَدَّثَ عَنْهُ وَلَدَاهُ : عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعَمْرُو بْنِ دِينَارٍ ، وَسِمَاكُ بْنُ الْفَضْلِ ، وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ ، وَعَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، وَإِسْرَائِيلُ أَبُو مُوسَى ، وَهَمَّامُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَابْنُ أَخِيهِ عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلٍ ، وَابْنُ أَخِيهِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ ، وَسِبْطُهُ إِدْرِيسُ بْنُ سِنَانٍ ، وَصَالِحُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ حَوْرَانَ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ خُلَّجٍ ، وَدَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، وَعِمْرَانُ بْنُ هَرْبَذَ أَبُو الْهُذَيْلِ ، وَعِمْرَانُ بْنُ خَالِدٍ الصَّنْعَانِيُّونَ ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ . وَرِوَايَتُهُ لِلْمُسْنَدِ قَلِيلَةٌ ; وَإِنَّمَا غَزَارَةُ عِلْمِهُ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، وَمِنْ صَحَائِفِ أَهْلِ الْكِتَابِ .
قَالَ أَحْمَدُ : كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ ، لَهُ شَرَفٌ ; قَالَ : وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَهُ ذِي هُوَ شَرِيفٌ ، يُقَالُ : فُلَانٌ لَهُ ذِي ، وَفُلَانٌ لَا ذِي لَهُ . قَالَ الْعِجْلِيُّ : تَابِعِيٌ ثِقَةٌ ، كَانَ عَلَى قَضَاءِ صَنْعَاءَ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَالنَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْأَزْهَرِ : سَمِعْتُ مَسْلَمَةَ بْنَ هَمَّامِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ هَمَّامٍ يَذْكُرُ عَنْ آبَائِهِ : أَنَّ هَمَّامًا وَوَهْبًا وَعَبْدَ اللَّهِ وَمَعْقِلًا وَمَسْلَمَةَ بَنُو مُنَبِّهٍ ، أَصْلُهُمْ مِنْ خُرَاسَانَ ، مِنْ هَرَاةَ ; فَمُنَبِّهٌ مِنْ أَهْلِ هَرَاةَ ، خَرَجَ أَيَّامَ كِسْرَى ، وَكِسْرَى أَخْرَجَهُ مِنْ هَرَاةَ ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ . وَمَسْكَنُهُمْ بِالْيَمَنِ ، وَكَانَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ يَخْتَلِفُ إِلَى هَرَاةَ ، وَيَتَفَقَّدُ أَمْرَ هَرَاةَ . حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَبَّانَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ مَوْلًى لِسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ : سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلَانِ : أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ وَهْبٌ ، يُؤْتِيهِ اللَّهُ الْحُكْمَ ; وَالْآخَرُ يُقَالُ لَهُ غَيْلَانُ ، هُوَ أَشَدُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ سُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنِ ابْنِ زَبَّانَ وَشَيْخِهِ فَقَالَ : لَا أَعْرِفُهُمَا .
الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ - وَاهٍ - عَنْ أَحْوَصَ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا ، نَحْوَهُ . وَقَالَ : أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَهْبٍ قَالَ : يَقُولُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَإِنَّ كَعْبًا أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، أَفَرَأَيْتَ مَنْ جَمَعَ عِلْمَهُمَا ، أَهْوَ أَعْلَمُ أَمْ هُمَا ؟ إِسْنَادُهَا مُظْلِمٌ .
وَعَنْ كَثِيرٍ ، أَنَّهُ سَارَ مَعَ وَهْبٍ ، فَبَاتُوا بِصَعْدَةَ عِنْدَ رَجُلٍ ، فَخَرَجَتْ بِنْتُ الرَّجُلِ فَرَأَتْ مِصْبَاحًا ، فَاطَّلَعَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ صَافًّا قَدَمَيْهِ فِي ضِيَاءٍ كَأَنَّهُ بَيَاضُ الشَّمْسِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : رَأَيْتُكَ اللَّيْلَةَ فِي هَيْئَةٍ . وَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : اكْتُمْ مَا رَأَيْتَ . مُسْلِمٌ الزَّنْجِيُّ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ، قَالَ : لَبِثَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَسُبَّ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ ، وَلَبِثَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الْعَشَاءِ وَالصُّبْحِ وُضُوءًا .
قَالَ : وَقَالَ وَهْبٌ : لَقَدْ قَرَأْتُ ثَلَاثِينَ كِتَابًا نَزَلَتْ عَلَى ثَلَاثِينَ نَبِيًّا . جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ ، قَالَ : صَحِبْتُ عَمِّي وَهْبًا أَشْهُرًا يُصَلِّي الْغَدَاةَ بِوُضُوءِ الْعَشَاءِ . وَقَالَ سَلْمُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخَوَّاصُ ، عَنْ مُسْلِمٍ الزَّنْجِيِّ ، قَالَ : لَبِثَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَرْقُدُ عَلَى فِرَاشٍ ، وَعِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ وَضَوْءًا .
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ وَهْبًا إِذَا قَامَ فِي الْوِتْرِ قَالَ : لَكَ الْحَمْدُ السَّرْمَدُ ، حَمْدًا لَا يُحْصِيهِ الْعَدَدُ ، وَلَا يَقْطَعُهُ الْأَبَدُ ، كَمَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُحْمَدَ ، وَكَمَا أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ ، وَكَمَا هُوَ لَكَ عَلَيْنَا حَقٌّ . وَرَوَى عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ وَهْبٌ يَحْفَظُ كَلَامَهُ كُلَّ يَوْمٍ ، فَإِنْ سَلِمَ أَفْطَرَ ، وَإِلَّا طَوَى . قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ ، قَالَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ : مَا كَلَّمْتُ عَالِمًا قَطُّ إِلَّا غَضِبَ ، وَحَلَّ حَبْوَتَهُ غَيْرَ وَهْبٍ .
مَعْمَرٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرِ ، وَإِلَى جَنْبِهِ وَهْبٌ ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَشَكَوْا عَامِلَهُمْ وَذَكَرُوا مِنْهُ شَيْئًا قَبِيحًا ، فَتَنَاوَلَ وَهْبٌ عَصًا كَانَتْ فِي يَدِ عُرْوَةَ فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْعَامِلِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ ، فَضَحِكَ عُرْوَةُ وَاسْتَلْقَى وَقَالَ : يَعِيبُ عَلَيْنَا وَهْبٌ الْغَضَبَ وَهُوَ يَغْضَبُ ! قَالَ : وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَقَدْ غَضِبَ الَّذِي خَلَقَ الْأَحْلَامَ ، يَقُولُ تَعَالَى : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مَعْقِلٍ ، قِيلَ لَوَهْبٍ : إِنَّكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كُنْتَ تَرَى الرُّؤْيَا ، فَتُحَدِّثُنَا بِهَا فَتَكُونُ حَقًّا ! قَالَ : هَيْهَاتَ ، ذَهَبَ ذَلِكَ عَنِّي مُنْذُ وَلِيتُ الْقَضَاءَ . وَعَنْ وَهْبٍ : الدَّرَاهِمُ خَوَاتِيمُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَنْ ذَهَبَ بِخَاتَمِ اللَّهِ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ . ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى وَهْبٍ دَارَهُ بِصَنْعَاءَ ، فَأَطْعَمَنِي مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : وَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ كَتَبْتَ فِي الْقَدَرِ كِتَابًا .
فَقَالَ : وَأَنَا وَاللَّهِ . أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : حَجَّ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ سَنَةَ مِائَةٍ ، فَحَجَّ وَهْبٌ ، فَلَمَّا صَلَّوُا الْعِشَاءَ أَتَاهُ نَفَرٌ فِيهِمْ عَطَاءٌ وَالْحَسْنٌ ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُذَاكِرُوهُ الْقَدَرَ ، قَالَ : فَافْتَنَّ فِي بَابٍ مِنَ الْحَمْدِ ، فَمَا زَالَ فِيهِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، فَافْتَرَقُوا وَلَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ . قَالَ أَحْمَدُ : اتُّهِمَ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَرَجَعَ .
وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : رَجَعَ . حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ عِيسَى بْنِ سِنَانٍ : سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ : كُنْتُ أَقُولُ بِالْقَدَرِ حَتَّى قَرَأْتُ بِضْعَةً وَسَبْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ ; فِي كُلِّهَا : مِنْ جَعَلَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَشِيئَةِ فَقَدْ كَفَرَ . فَتَرَكْتُ قَوْلِي .
أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ : سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ لِعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : كَانَ الْعُلَمَاءُ قَبْلَنَا قَدِ اسْتَغْنَوْا بِعِلْمِهِمْ عَنْ دُنْيَا غَيْرِهِمْ ، فَكَانُوا لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهَا ، وَكَانَ أَهْلُ الدُّنْيَا يَبْذُلُونَ دُنْيَاهُمْ فِي عِلْمِهِمْ ، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَبْذُلُونَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا عَلِمَهُمْ رَغْبَةً فِي دُنْيَاهُمْ ، وَأَصْبَحَ أَهْلُ الدُّنْيَا قَدْ زَهِدُوا فِي عِلْمِهِمْ لَمَّا رَأَوْا مِنْ سُوءِ مَوْضِعِهِ عِنْدَهُمْ . وَعَنْهُ ، قَالَ : احْفَظُوا عَنِّي ثَلَاثًا : إِيَّاكُمْ وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَقَرِينَ سُوءٍ ، وَإِعْجَابَ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ . وَعَنْهُ : دَعِ الْمِرَاءَ وَالْجَدَلَ ; فَإِنَّهُ لَنْ يَعْجَزَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ : رَجُلٌ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ، فَكَيْفَ تُعَادِي وَتُجَادِلُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ؟ ! وَرَجُلٌ أَنْتَ أَعْلَمُ مِنْهُ ، فَكَيْفَ تُعَادِي وَتُجَادِلُ مَنْ أَنْتَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَلَا يُطِيعُكَ ؟ ! أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَّامٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : الْعِلْمُ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ ، وَالْحِلْمُ وَزِيرُهُ ، وَالْعَقْلُ دَلِيلُهُ ، وَالْعَمَلُ قَيِّمُهُ ، وَالصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ ، وَالرِّفْقُ أَبُوهُ ، وَاللِّينُ أَخُوهُ .
وَعَنْ وَهْبٍ : الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ لِيَعْلَمَ ، وَيَتَكَلَّمُ لِيَفْهَمَ ، وَيَسْكُتُ لِيَسْلَمَ ، وَيَخْلُو لِيَغْنَمَ . الْإِيمَانُ عُرْيَانُ ، وَلِبَاسُهُ التَّقْوَى ، وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ ، وَمَالُهُ الْفِقْهُ . ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَصَابَ الْبِرَّ : السَّخَاءُ ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى ، وَطَيِّبُ الْكَلَامِ .
أَبُو الْيَمَانِ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : اسْتَكْثِرْ مِنَ الْإِخْوَانِ مَا اسْتَطَعْتَ ; فَإِنِ اسْتَغْنَيْتَ عَنْهُمْ لَمْ يَضُرُّوكَ ، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهِمْ نَفَعُوكَ . وَعَنْ وَهْبٍ : إِذَا سَمِعْتَ مَنْ يَمْدَحُكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ ، فَلَا تَأْمَنْهُ أَنْ يَذُمَّكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ . ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَقَالَ : قَدْ حَدَّثْتُ نَفْسِي أَنْ لَا أُخَالِطَ النَّاسَ .
قَالَ : لَا تَفْعَلْ ; إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْكَ ، وَلَهُمْ إِلَيْكَ حَوَائِجُ وَلَكَ نَحْوُهَا ; وَلَكِنْ كُنْ فِيهِمْ أَصَمَّ سَمِيعًا ، أَعْمَى بَصِيرًا ، سَكُوتًا نَطُوقًا . أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلِيلٍ ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُسْتَهْ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، قَالَ : اجْتَمَعَ وَهْبٌ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، فَقَالَ لَهُ عَطَاءٌ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا هَذَا الَّذِي فَشَا عَنْكَ فِي الْقَدَرِ ؟ فَقَالَ : مَا تَكَلَّمْتُ فِي الْقَدَرِ بِشَيْءٍ ، وَلَا أَعْرِفُ هَذَا ، قَرَأْتُ نَيِّفًا وَتِسْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ ، مِنْهَا سَبْعُونَ ظَاهِرَةً فِي الْكَنَائِسِ ، وَمِنْهَا عِشْرُونَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَوَجَدْتُ فِيهَا كُلِّهَا : أَنَّ مَنْ وَكَلَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَشِيئَةِ فَقَدْ كَفَرَ . وَبِهِ ، إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ ، حَدَّثَنَا السِّرَاجُ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ، سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ : رُبَّمَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعَتَمَةِ .
وَعَنْ وَهْبٍ قَالَ : كَانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ أَجْمَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَكَانَ يَلْبَسُ الْبُرْقُعَ ، فَأَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ فِي السَّفِينَةِ ، فَكَانَ نُوحٌ إِذَا تَجَلَّى لَهُمْ بِوَجْهِهِ شَبِعُوا . وَعَنْ وَهْبٍ ، أَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ لِلْحِوَارِيِّينَ : أَشَدُّكُمْ جَزَعًا عَلَى الْمُصِيبَةِ ، أَشَدُّكُمْ حُبًّا لِلدُّنْيَا . وَعَنْ وَهْبٍ قَالَ : الْمُؤْمِنُ يُخَالِطُ لِيَعْلَمَ ، وَيَسْكُتُ لِيَسْلَمَ ، وَيَتَكَلَّمُ لِيَفْهَمَ ، وَيَخْلُو لِيَغْنَمَ .
وَعَنْهُ ، قَرَأْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ : ابْنَ آدَمَ ، لَا خَيْرَ لَكَ فِي أَنْ تَعْلَمَ مَا لَمْ تُعَلِّمْ وَلَمْ تَعْمَلْ بِمَا عَلِمْتَ ; فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَرَجُلٍ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَزَمَ حُزْمَةً ، فَذَهَبَ يَحْمِلُهَا فَعَجَزَ عَنْهَا ، فَضَمَّ إِلَيْهَا أُخْرَى . أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَكَارِمِ اللَّبَّانِ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ كَيْسَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْيَمَانِيِّ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا ، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ أَبُو مُوسَى مَجْهُولٌ . مُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، قَالَ وَهْبٌ : طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عَيْبِ أَخِيهِ ، طُوبِي لِمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ مَسْكَنَةٍ ، طُوبَى لِمَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالٍ جَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، طُوبَى لِأَهْلِ الضُّرِّ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ ، طُوبَى لِمَنْ جَالَسَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ ، طُوبَى لِمَنِ اقْتَدَى بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْخَشْيَةِ ، طُوبَى لِمَنْ وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ فَلَمْ يَعْدُهَا .
عَنْ وَهْبٍ : الْأَحْمَقُ إِذَا تَكَلَّمَ فَضَحَهُ حُمْقُهُ ، وَإِذَا سَكَتَ فَضَحَهُ عِيُّهُ ، وَإِذَا عَمِلَ أَفْسَدَ ، وَإِذَا تَرَكَ أَضَاعَ ; لَا عِلْمُهُ يُعِينُهُ ، وَلَا عِلْمُ غَيْرِهِ يَنْفَعُهُ ، تَوَدُّ أُمُّهُ أَنَّهَا ثَكِلَتْهُ ، وَامْرَأَتُهُ لَوْ عَدِمَتْهُ ، وَيَتَمَنَّى جَارُهُ مِنْهُ الْوَحْدَةَ ، وَيَجِدُ جَلِيسُهُ مِنْهُ الْوَحْشَةَ . عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ : كَانَ لِي صَدِيقٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو شِمْرٍ ذُو خَوْلَانَ ، فَخَرَجْتُ مِنْ صَنْعَاءَ أُرِيدَ قَرْيَتَهُ ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهَا وَجَدْتُ كِتَابًا مَخْتُومًا إِلَى أَبِي شِمْرٍ ، فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مَهْمُومًا حَزِينًا ، فَسَأَلَتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : قَدِمَ رَسُولٌ مِنْ صَنْعَاءَ ، فَذَكَرَ أَنَّ أَصْدِقَاءً لِي كَتَبُوا لِي كِتَابًا فَضَيَّعَهُ الرَّسُولُ ، قُلْتُ : فَهَذَا الْكِتَابُ . فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ; فَفَضَّهُ فَقَرَأَهُ ، فَقُلْتُ : أَقْرِئْنِيهِ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأَسْتَحْدِثُ سِنُّكَ .
قُلْتُ : فَمَا فِيهِ ؟ قَالَ : ضَرْبُ الرِّقَابِ . قُلْتُ : لَعَلَّهُ كَتَبَهُ إِلَيْكَ نَاسٌ حَرُورِيَّةٌ فِي زَكَاةِ مَالِكَ . قَالَ : مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُهُمْ ؟ قُلْتُ : إِنِّي وَأَصْحَابًا لِي نُجَالِسُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، فَيَقُولُ لَنَا : احْذَرُوا أَيُّهَا الْأَحْدَاثُ الْأَغْمَارُ هَؤُلَاءِ الْحَرُورَاءَ لَا يُدْخِلُونَكُمْ فِي رَأْيِهِمُ الْمُخَالِفِ ; فَإِنَّهُمْ عُرَّةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ .
فَدَفَعَ إِلَيَّ الْكِتَابَ فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ : سَلَامٌ عَلَيْكَ ، فَإِنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ ، وَنُوصِيكَ بِتَقْوَاهُ ; فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ رُشْدٌ وَهُدًى ، وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ طَاعَةُ اللَّهِ وَمُخَالَفَةُ مَنْ خَالَفَ سُنَّةَ نَبِيِّهِ ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابُنَا ، فَانْظُرْ أَنْ تُؤَدِّيَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ حَقِّهِ ، تَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ وِلَايَةَ اللَّهِ ، وَوِلَايَةَ أَوْلِيَائِهِ وَالسَّلَامُ . قُلْتُ لَهُ : فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْهُمْ . قَالَ : فَكَيْفَ أَتْبَعُ قَوْلَكَ وَأَتْرُكُ قَوْلَ مَنْ هُوَ أَقْدَمُ مِنْكَ ؟ قُلْتُ : فَتُحِبُّ أَنْ أُدْخِلَكَ عَلَى وَهْبٍ حَتَّى تَسْمَعَ قَوْلَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
فَنَزَلْنَا إِلَى صَنْعَاءَ ، فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى وَهْبٍ - وَمَسْعُودُ بْنُ عَوْفٍ وَالٍ عَلَى الْيَمَنِ مِنْ قِبَلِ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدْنَا عِنْدَ وَهْبٍ - نَفَرًا ، فَقَالَ لِي بَعْضُ النَّفَرِ : مَنْ هَذَا الشَّيْخُ ؟ قُلْتُ : لَهُ حَاجَةٌ ، فَقَامَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ وَهْبٌ : مَا حَاجَتُكَ يَا ذَا خَوْلَانَ ؟ فَهَرَجَ وَجَبُنَ ، فَقَالَ لِي وَهْبٌ : عَبِّرْ عَنْهُ . قُلْتُ : إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاحِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ فَقَالُوا لَهُ : زَكَاتُكَ الَّتِي تُؤَدِّيهَا إِلَى الْأُمَرَاءِ لَا تُجْزِئُ عَنْكَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَضَعُونَهَا فِي مَوَاضِعِهَا فَأَدِّهَا إِلَيْنَا ، وَرَأَيْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ كَلَامَكَ أَشَفَى لَهُ مِنْ كَلَامِي . فَقَالَ : يَا ذَا خَوْلَانَ ، أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْكِبَرِ حَرُورِيًّا تَشْهَدُ عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ بِالضَّلَالَةِ ؟ فَمَاذَا أَنْتَ قَائِلٌ لِلَّهِ غَدًا حِينَ يَقِفُكَ اللَّهُ ؟ وَمَنْ شَهِدْتَ عَلَيْهِ ، فَاللَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْإِيمَانِ ، وَأَنْتَ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْكَفْرِ ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ لَهُ بِالْهُدَى ، وَأَنْتَ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالضَّلَالَةِ ، فَأَيْنَ تَقَعُ إِذَا خَالَفَ رَأْيُكَ أَمْرَ اللَّهِ ، وَشَهَادَتُكَ شَهَادَةَ اللَّهِ ؟ أَخْبَرَنِي يَا ذَا خَوْلَانَ ، مَاذَا يَقُولُونَ لَكَ ؟ فَتَكَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَقَالَ لَوَهْبٍ : إِنَّهُمْ يَأْمُرُونَنِي أَنْ لَا أَتَصَدَّقَ إِلَّا عَلَى مَنْ يَرَى رَأْيَهُمْ وَلَا أَسْتَغْفِرَ إِلَّا لَهُ .
فَقَالَ : صَدَقْتَ ، هَذِهِ مِحْنَتُهُمُ الْكَاذِبَةُ . فَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الصَّدَقَةِ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا أَفَإِنْسَانٌ مِمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ يُوَحِّدُهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ جُوعٍ ، أَوْ هِرَّةٌ ! ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾الْآيَاتِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَا يُسْتَغْفَرُ إِلَّا لِمَنْ يَرَى رَأْيَهُمْ ، أَهَمُّ خَيْرٌ أَمِ الْمَلَائِكَةُ ، وَاللَّهُ يَقُولُ : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ فَوَاللَّهِ مَا فَعَلَتِ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ حَتَّى أُمِرُوا بِهِ : ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾وَجَاءَ مُيَسَّرًا : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَا ذَا خَوْلَانَ ، إِنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ صَدْرَ الْإِسْلَامِ ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتِ الْخَوَارِجُ جَمَاعَةً قَطُّ إِلَّا فَرَّقَهَا اللَّهُ عَلَى شَرِّ حَالَاتِهِمْ ، وَمَا أَظْهَرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَوْلَهُ إِلَّا ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ ، وَلَوْ مَكَّنَ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ رَأْيِهِمْ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ، وَقُطِعَتِ السُّبُلُ وَالْحَجُّ ، وَلِعَادُ أَمْرُ الْإِسْلَامِ جَاهِلِيَّةً ، وَإِذًا لَقَامَ جَمَاعَةٌ ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ الْخِلَافَةَ ، مَعَ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ ، يُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْكُفْرِ ، حَتَّى يُصْبِحَ الْمُؤْمِنُ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ وَدِينِهِ وَدَمِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ ، لَا يَدْرِي مَعَ مَنْ يَكُونُ ، قَالَ تَعَالَى : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَقَالَ : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فَلَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَنُصِرُوا .
وَقَالَ : ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾أَلَا يَسَعُكَ يَا ذَا خَوْلَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مَا وَسِعَ نُوحًا مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ ، إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَقَالَ ذُو خَوْلَانَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : انْظُرْ زَكَاتَكَ فَأَدِّهَا إِلَى مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَجَمَعَهُمْ عَلَيْهِ ; فَإِنَّ الْمُلْكَ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ وَبِيَدِهِ ، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، فَإِذَا أَدَّيْتَهَا إِلَى وَالِيَ الْأَمْرِ بَرِئْتَ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ فَضْلٌ فَصِلْ بِهِ أَرْحَامَكَ وَمَوَالِيَكَ وَجِيرَانَكَ وَالضَّيْفَ . فَقَالَ : اشْهَدْ أَنِّي نَزَلْتُ عَنْ رَأْيِ الْحَرُورِيَّةِ . وَفِي الْعَقْلِ لِابْنِ الْمُحَبَّرِ ذَكَرَ صِفَاتٍ حَمِيدَةً لِلْعَاقِلِ نَحْوًا مِنْ سِتِّينَ سَطْرًا فِيهَا مِائَةُ خَصْلَةٍ .
وَعَنْ وَهْبٍ قَالَ : احْتِمَالُ الذُّلِّ خَيْرٌ مِنَ انْتِصَارٍ يَزِيدُ صَاحِبَهُ قَمْأَةً . وَقَدِ امْتُحِنَ وَهْبٌ وَحُبِسَ وَضُرِبَ ، فَرَوَى حِبَّانُ بْنُ زُهَيْرٍ الْعَدَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الصَّيْدَاءِ صَالِحُ بْنُ طَرِيفٍ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْعِرَاقَ بَكَيْتُ ، وَقُلْتُ : هَذَا الَّذِي ضَرَبَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ حَتَّى قَتَلَهُ . يَعْنِي لَمَّا وَلِيَ إِمْرَةَ الْيَمَنِ ، ثُمَّ نَقَلَهُ الْخَلِيفَةُ هِشَامٌ إِلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ - وَكَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا مَهِيبًا - كَانَ سِمَاطُهُ بِالْعِرَاقِ فِيمَا حَكَى الْمَدَائِنِيُّ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَمِائَةِ مَائِدَةٍ ، أَبْعَدُ الْمَوَائِدِ وَأَقْرَبُهَا سَوَاءٌ فِي الْجَوْدَةِ ، ثُمَّ إِنَّهُ عُزِلَ عَنِ الْعِرَاقِ عِنْدَ مَقْتَلِ الْوَلِيدِ الْفَاسِقِ ، ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ قُلْتُ : لَا شَيْءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنْبَأَنَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ ، أَنْبَأَنَا حَنْبَلٌ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مَالِكٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَخِيهِ ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَيْسَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنِّي إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ; فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ ، وَكُنْتُ لَا أَكْتُبُ .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ ، وَكَاتِبُهُ وَشَبَابٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَعَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ : مَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ . وَقَالَ وَالِدُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ : مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . زَادَ عَبْدُ الصَّمَدِ : فِي الْمُحَرَّمِ .
وَقِيلَ : مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ .