زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ
زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ الْعَنْبَرِيُّ ، الْفَقِيهُ الْمُجْتَهِدُ الرَّبَّانِيُّ ، الْعَلَّامَةُ أَبُو الْهُذَيْلِ بْنُ الْهُذَيْلِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سَلْمٍ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ : كَانَ أَبُوهُ بِأَصْبَهَانَ فِي دَوْلَةِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ : زُفَرُ ، وَهَرْثَمَةُ ، وَكَوْثَرُ . قُلْتُ : وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ وَحَدَّثَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، وَطَبَقَتِهِمْ .
حَدَّثَ عَنْهُ حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْمَانِيُّ ، وَأَكْثَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالِدُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْمُلَائِيُّ ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ التَّيْمِيُّ ، وَالْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَمَالِكُ بْنُ فُدَيْكٍ ، وَعَامَّتُهُمْ مِنْ رُفَقَائِهِ وَأَقْرَانِهِ ، لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَوَانِ الرِّوَايَةِ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْمُلَائِيُّ : كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا ، وَقَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي مِيرَاثٍ لَهُ مِنْ أُخْتِهِ ، فَتَشَبَّثَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِمْ . وَذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، فَقَالَ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ .
قُلْتُ : هُوَ مِنْ بُحُورِ الْفِقْهِ ، وَأَذْكِيَاءِ الْوَقْتِ . تَفَقَّهَ بِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَكْبَرُ تَلَامِذَتِهِ ، وَكَانَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، وَكَانَ يَدْرِي الْحَدِيثَ وَيُتْقِنُهُ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الْفَقِيهِ ، قَالَ : كَانَ زُفَرُ ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ مُتَوَاخِيَيْنِ ، فَأَمَّا دَاوُدُ فَتَرَكَ الْفِقْهَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَأَمَّا زُفَرُ فَجَمَعَهُمَا .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللَّؤْلُؤيُّ : مَا رَأَيْتُ فَقِيهًا يُنَاظِرُ زُفَرَ إِلَّا رَحِمْتُهُ . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى زُفَرَ ، فَيَقُولُ : تَعَالَ حَتَّى أُغَرْبِلَ لَكَ مَا سَمِعْتَ . قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ : قَالَ زُفَرُ : مَنْ قَعَدَ قَبْلَ وَقْتِهِ ، ذَلَّ .
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : كُنْتُ أَعْرِضُ الْأَحَادِيثَ عَلَى زُفَرَ ، فَيَقُولُ : هَذَا نَاسِخٌ ، هَذَا مَنْسُوخٌ ، هَذَا يُؤْخَذُ بِهِ ، هَذَا يُرْفَضُ . قُلْتُ : كَانَ هَذَا الْإِمَامُ مُنْصِفًا فِي الْبَحْثِ مُتَّبِعًا . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ : لَقِيتُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقُلْتُ لَهُ : صِرْتُمْ حَدِيثًا فِي النَّاسِ وَضُحْكَةً .
قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ : تَقُولُونَ : ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ ثُمَّ جِئْتُمْ إِلَى أَعْظَمِ الْحُدُودِ ، فَقُلْتُمْ : تُقَامُ بِالشُّبُهَاتِ . قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قُلْتُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ فَقُلْتُمْ : يُقْتَلُ بِهِ - يَعْنِي بِالذِّمِّيِّ - . قَالَ : فَإِنِّي أُشْهِدُكَ السَّاعَةَ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْهُ .
قُلْتُ : هَكَذَا يَكُونُ الْعَالِمُ وَقَّافًا مَعَ النَّصِّ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : مَاتَ زُفَرُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ . قُلْتُ : قَدْ حَكَمَ لَهُ إِمَامُ الصَّنْعَةِ بِأَنَّهُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ .