الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ
ـ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ ( خ ، م ، د ، س ، ت ) ابْنِ مَسْعُودِ بْنِ بِشْرٍ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ الثَّبْتُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ الْيَرْبُوعِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ ، الْمُجَاوِرُ بِحَرَمِ اللَّهِ . وُلِدَ بِسَمَرْقَنْدَ ، وَنَشَأَ بِأَبِيوَرْدَ ، وَارْتَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ . فَكَتَبَ بِالْكُوفَةِ عَنْ مَنْصُورٍ ، وَالْأَعْمَشِ ، وَبَيَانِ بْنِ بِشْرٍ ، وَحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَلَيْثٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، وَصَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَمُجَالِدٍ ، وَأَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ ، وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، وَخَلْقٍ سِوَاهُمْ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ .
حَدَّثَ عَنْهُ : ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالْأَصْمَعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ بْنِ هِلَالٍ ، شَيْخٌ وَاسِطِيٌّ ، وَحُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ ، وَأَسَدُ السُّنَّةِ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَمُسَدَّدٌ ، وَقُتَيْبَةُ ، وَبِشْرٌ الْحَافِيُّ ، وَالسَّرِيُّ بْنُ مُغَلِّسٍ السَّقْطِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ الْمَكِّيُّ ، وَلُوَيْنٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَدَنِيُّ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ مَرْدَوَيْهِ ، وَعَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْمَرْوَزِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْمِصِّيصِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْمَقَابِرِيُّ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ ، آخِرُهُمْ مَوْتًا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ الْبَلْخِيُّ . وَرَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَجَلُّ شُيُوخِهِ ، وَبَيْنَهُمَا فِي الْمَوْتِ مائَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَامًا . قَالَ أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى ، قَالَ : كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ شَاطِرَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ أَبِيوَرْدَ وَسَرْخَسَ ، وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً ، فَبَيْنَا هُوَ يَرْتَقِي الْجُدْرَانَ إِلَيْهَا ، إِذْ سَمِعَ تَالِيًا يْتُلُو أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ قَدْ آنَ ، فَرَجَعَ ، فَآوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى خَرِبَةٍ فَإِذَا فِيهَا سَابِلَةٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَرْحَلُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : حَتَّى [ نُصْبِحَ ] فَإِنَّ فُضَيْلًا عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا .
قَالَ : فَفَكَّرْتُ ، وَقُلْتُ : أَنَا أَسْعَى بِاللَّيْلِ فِي الْمَعَاصِي ، وَقَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هَا هُنَا ، يَخَافُونِي ، وَمَا أَرَى اللَّهَ سَاقَنِي إِلَيْهِمْ إِلَّا لِأَرْتَدِعَ ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مُجَاوَرَةَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيُّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : فُضَيْلٌ ثِقَةٌ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : فُضَيْلٌ رَجُلٌ صَالِحٌ ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَافِظٍ .
وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : كُوفِيٌّ , ثِقَةٌ مُتَعَبِّدٌ ، رَجُلٌ صَالِحٌ ، سَكَنَ مَكَّةَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ : لَيْتَ فُضَيْلًا كَانَ يُحَدِّثُكَ بِمَا يَعْرِفُ ، قِيلَ لِابْنِ عَمَّارٍ : تَرَى حَدِيثَهُ حُجَّةً ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ ، رَجُلٌ صَالِحٌ .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ثِقَةٌ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : وُلِدَ بِخُرَاسَانَ بِكَوْرَةِ أَبِيوَرْدَ ، وَقَدِمَ الْكُوفَةَ وَهُوَ كَبِيرٌ ، فَسَمِعَ مِنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ تَعَبَّدَ ، وَانْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ وَنَزَلَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمائَةٍ فِي خِلَافَةِ هَارُونَ ، وَكَانَ ثِقَةً نَبِيلًا فَاضِلًا عَابِدًا وَرِعًا ، كَثِيرَ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو وَهْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُزَاحِمٍ : سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ : رَأَيْتُ أَعْبَدَ النَّاسِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي رَوَّادٍ ، وَأَوْرَعَ النَّاسِ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ ، وَأَعْلَمَ النَّاسِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، وَأَفْقَهَ النَّاسِ أَبَا حَنِيفَةَ ، مَا رَأَيْتُ فِي الْفِقْهِ مِثْلَهُ .
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَمَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنَ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ . قَالَ نَصْرُ بْنُ الْمُغِيرَةَ الْبُخَارِيُّ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ شَمَّاسٍ يَقُولُ : رَأَيْتُ أَفْقَهَ النَّاسِ ، وَأَوْرَعَ النَّاسِ ، وَأَحْفَظَ النَّاسِ وَكِيعًا وَالْفُضَيْلَ وَابْنَ الْمُبَارَكِ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ : أَفْضَلُ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْمَشَايِخِ : بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَعَوْنُ بْنُ مَعْمَرٍ ، وَحَمْزَةُ بْنُ نَجِيحٍ .
قُلْتُ : عَوْنٌ وَحَمْزَةُ لَا يَكَادَانِ يُعْرَفَانِ ، وَكَانَا عَابِدَيْنِ . قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : سَمِعْتُ الرَّشِيدَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ فِي الْعُلَمَاءِ أَهْيَبَ مِنْ مَالِكٍ ، وَلَا أَوْرَعَ مِنَ الْفُضَيْلِ . وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ ، سَمِعْتُ شَرِيكًا يَقُولُ : لَمْ يَزَلْ لِكُلِّ قَوْمٍ حُجَّةٌ فِي أَهْلِ زَمَانِهِمْ ، وَإِنَّ فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ حُجَّةٌ لِأَهْلِ زَمَانِهِ ، فَقَامَ فَتًى مِنْ مَجْلِسِ الْهَيْثَمِ ، فَلَمَّا تَوَارَى ، قَالَ الْهَيْثَمُ : إن عَاشَ هَذَا الْفَتَى يَكُونُ حُجَّةً لِأَهْلِ زَمَانِهِ ، قِيلَ : مَنْ كَانَ الْفَتَى ؟ قَالَ : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ مَرْدَوَيْهِ الصَّائِغُ : قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ : إِنَّ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ صَدَقَ اللَّهَ فَأَجْرَى الْحِكْمَةَ عَلَى لِسَانِهِ ، فَالْفُضَيْلُ مِمَّنْ نَفَعَهُ عِلْمُهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَفَّانَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ لِأَبِي مَرْيَمَ الْقَاضِي : مَا بَقِيَ فِي الْحِجَازِ أَحَدٌ مِنَ الْأَبْدَالِ إِلَّا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَابْنُهُ عَلِيٌّ ، وَعَلِيٌّ مُقَدَّمٌ فِي الْخَوْفِ ، وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ فِي بِلَادِ الشَّامِ إِلَّا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ الْأَسْوَدُ ، وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ بِخُرَاسَانَ إِلَّا شَيْخٌ حَائِكٌ يُقَالُ لَهُ : مَعْدَانُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَقَارِيضِيُّ الْمُذَكِّرُ : سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ : عَشْرَةٌ مِمَّنْ كَانُوا يَأْكُلُونَ الْحَلَالَ ، لَا يُدْخِلُونَ بُطُونَهُمْ إِلَّا حَلَالًا , وَلَوِ اسْتَفُّوا التُّرَابَ وَالرَّمَادَ .
قُلْتُ : مَنْ هُمْ يَا أَبَا نَصْرٍ ؟ قَالَ : سُفْيَانُ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَابْنُهُ ، وَسُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ ، وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ نَجِيحٌ الْخَادِمُ ، وَحُذَيْفَةُ الْمَرْعَشِيُّ ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ ، وَوُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ اللَّهُ فِي صَدْرِهِ أَعْظَمَ مِنَ الْفُضَيْلِ ، كَانَ إِذَا ذَكَرَ اللَّهَ ، أَوْ ذُكِرَ عِنْدَهُ ، أَوْ سَمِعَ الْقُرْآنَ ظَهَرَ بِهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ، وَبَكَى حَتَّى يَرْحَمَهُ مَنْ يَحْضُرُهُ ، وَكَانَ دَائِمَ الْحُزْنِ ، شَدِيدَ الْفِكْرَةِ ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا يُرِيدُ اللَّهَ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ ، وَأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ ، وَمَنْعِهِ وَبَذْلِهِ ، وَبُغْضِهِ وَحُبِّهِ ، وَخِصَالِهِ كُلِّهَا غَيْرَهُ . كُنَّا إِذَا خَرَجْنَا مَعَهُ فِي جِنَازَةٍ لَا يَزَالُ يَعِظُ ، وَيُذَكِّرُ وَيَبْكِي كَأَنَّهُ مُوَدِّعٌ أَصْحَابَهَ ، ذَاهِبٌ إِلَى الْآخِرَةِ ، حَتَّى يَبْلُغَ الْمَقَابِرَ ; فَيَجْلِسُ مَكَانَهَ بَيْنَ الْمَوْتَى مِنَ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ ، حَتَّى يَقُومَ وَكَأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْآخِرَةِ يُخْبِرُ عَنْهَا .
وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ مَرْدَوَيْهِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : لَمْ يَتَزَيَّنِ النَّاسُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الصِّدْقِ ، وَطَلَبِ الْحَلَالِ ، فَقَالَ ابْنُهُ عَلِيٌّ : يَا أَبَةِ إِنَّ الْحَلَالَ عَزِيزٌ . قَالَ : يَا بُنَيَّ ، وَإِنَّ قَلِيلَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَثِيرٌ . قَالَ سَرِيُّ بْنُ الْمُغَلِّسِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : مَنْ خَافَ اللَّهَ لَمْ يَضُرَّهُ أَحَدٌ ، وَمَنْ خَافَ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يَنْفَعْهُ أَحَدٌ .
وَقَالَ فَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ ، وَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ : يَا أَبَا عَلِيٍّ , مَا الْخَلَاصُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ؟ قَالَ : أَخْبِرْنِي ، مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ هَلْ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ أَحَدٍ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَنْ يَعْصِي اللَّهَ هَلْ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ أَحَدٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : هُوَ الْخَلَاصُ إِنْ أَرَدْتَ الْخَلَاصَ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : رَهْبَةُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ بِاللَّهِ ، وَزَهَادَتُهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ رَغْبَتِهِ فِي الْآخِرَةِ ، مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ اسْتَغْنَى عَمَّا لَا يَعْلَمُ ، وَمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِمَا لَا يَعْلَمُ ، وَمَنْ سَاءَ خُلُقُهُ شَانَ دِينَهُ وَحَسَبَهُ وَمُرُوءَتَهُ .
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَكْذَبُ النَّاسِ الْعَائِدُ فِي ذَنْبِهِ ، وَأَجْهَلُ النَّاسِ الْمُدِلُّ بِحَسَنَاتِهِ ، وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِاللَّهِ أَخْوَفُهُمْ مِنْهُ ، لَنْ يَكْمُلَ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْثِرَ دِينَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ ، وَلَنْ يَهْلِكَ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَوَيْهِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ عَنْهُمَا . قَالَ سَلْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيُّ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : إِنَّمَا أَمْسِ مَثَلٌ ، وَالْيَوْمَ عَمَلٌ ، وَغَدًا أَمَلٌ .
وَقَالَ فَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَالَ الْفُضَيْلُ : وَاللَّهِ مَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُؤْذِيَ كَلْبًا وَلَا خِنْزِيرًا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَكَيْفَ تُؤْذِي مُسْلِمًا . وَعَنْ فُضَيْلٍ : لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَأْمَنَهُ عَدُوُّهُ . وَعَنْهُ : بِقَدْرِ مَا يَصْغُرُ الذَّنْبُ عِنْدَكَ يَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَبِقَدْرِ مَا يَعْظُمُ عِنْدَكَ يَصْغُرُ عِنْدَ اللَّهِ .
قَالَ مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ : أَتَيْتُ الْفُضَيْلَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ لِي : يَا مُحْرِزُ ، وَأَنْتَ أَيْضًا مَعَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، مَا فَعَلَ الْقُرْآنُ ؟ وَاللَّهِ لَوْ نَزَلَ حَرْفٌ بِالْيَمَنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَذْهَبَ حَتَّى نَسْمَعَهُ ، وَاللَّهِ لَأَنْ تَكُونَ رَاعِيَ الْحُمُرِ وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ ، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الطَّوَافِ وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى مَا يَكْرَهُ اللَّهُ . الْمُفَضَّلُ الْجَنَدِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّبَرِيُّ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَخْوَفَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا أَرْجَى لِلنَّاسِ مِنَ الْفُضَيْلِ . كَانَتْ قِرَاءَتُهُ حَزِينَةً ، شَهِيَّةً ، بَطِيئَةً ، مُتَرَسِّلَةً ، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ إِنْسَانًا ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ يُرَدِّدُ فِيهَا وَسَأَلَ ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ أَكْثَرَ ذَلِكَ قَاعِدًا ، يُلْقَى لَهُ الْحَصِيرُ فِي مَسْجِدِهِ ، فَيُصَلِّي مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ سَاعَةً ، ثُمَّ تَغْلِبُهُ عَيْنُهُ ، فَيُلْقِي نَفْسَهُ عَلَى الْحَصِيرِ ، فَيَنَامُ قَلِيلًا ، ثُمَّ يَقُومُ ، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ نَامَ ، ثُمَّ يَقُومُ ، هَكَذَا حَتَّى يُصْبِحَ .
وَكَانَ دَأْبُهُ إِذَا نَعَسَ أَنْ يَنَامَ ، وَيُقَالُ : أَشَدُّ الْعِبَادَةِ مَا كَانَ هَكَذَا . وَكَانَ صَحِيحَ الْحَدِيثِ ، صَدُوقَ اللِّسَانِ ، شَدِيدَ الْهَيْبَةِ لِلْحَدِيثِ إِذَا حَدَّثَ ، وَكَانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ جِدًّا ، وَرُبَّمَا قَالَ لِي : لَوْ أَنَّكَ طَلَبْتَ مِنِّي الدَّنَانِيرَ كَانَ أَيْسَرَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ تَطْلُبَ مِنِّي الْحَدِيثَ . فَقُلْتُ : لَوْ حَدَّثْتَنِي بِأَحَادِيثَ فَوَائِدَ لَيْسَتْ عِنْدِي ، كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَهَبَ لِي عَدَدَهَا دَنَانِيرَ .
قَالَ : إِنَّكَ مَفْتُونٌ ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ عَمِلْتَ بِمَا سَمِعْتَ ، لَكَانَ لَكَ فِي ذَلِكَ شُغْلٌ عَمَّا لَمْ تَسْمَعْ ، سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ مِهْرَانَ يَقُولُ : إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْكَ طَعَامٌ تَأْكُلُهُ ، فَتَأْخُذُ اللُّقْمَةَ ، فَتَرْمِي بِهَا خَلْفَ ظَهْرِكَ , مَتَى تَشْبَعُ ؟ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَكَارِمِ التَّيْمِيِّ ، أَخْبَرَنَا الْحَدَّادُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْجَرْمِيُّ النَّحْوِيُّ ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - يَعْنِي هَارُونَ - فَقَالَ لِي : وَيْحَكَ ! قَدْ حَكَّ فِي نَفْسِي شَيْءٌ ، فَانْظُرْ لِي رَجُلًا أَسْأَلُهُ . فَقُلْتُ : هَا هُنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، فَقَالَ : امْضِ بِنَا إِلَيْهِ ، فَأَتَيْنَاهُ ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ ، فَقَالَ : مَنْ ذَا ؟ فَقُلْتُ : أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ أَتَيْتُكَ . فَقَالَ : خُذْ لِمَا جِئْتُكَ لَهُ ، فَحَدَّثَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : عَلَيْكَ دَيْنٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَ لِي : اقْضِ دَيْنَهُ ، فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ : مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا . قُلْتُ : هَاهُنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ . قَالَ : امْضِ بِنَا إِلَيْهِ ، فَأَتَيْنَاهُ ، فَقَرَعْتُ الْبَابَ فَخَرَجَ ، وَحَادَثَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : عَلَيْكَ دَيْنٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : أَبَا عَبَّاسٍ ، اقْضِ دَيْنَهُ . فَلَمَّا [ خَرَجْنَا ] قَالَ : مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكُ شَيْئًا ، انْظُرْ لِي رِجْلًا أَسْأَلُهُ ، قُلْتُ : هَاهُنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، قَالَ : امْضِ بِنَا إِلَيْهِ ، فَأَتَيْنَاهُ ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي ، يَتْلُو آيَةً يُرَدِّدُهَا ، فَقَالَ : اقْرَعِ الْبَابَ ، فَقَرَعْتُ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ : أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ : مَالِي وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قُلْتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَمَا عَلَيْكَ طَاعَةٌ ، فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ ، ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى الْغُرْفَةِ ، فَأَطْفَأَ السِّرَاجَ ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى زَاوِيَةٍ ، فَدَخَلْنَا ، فَجَعَلْنَا نَجُولُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ قَبْلِي إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا لَهَا مِنْ كَفٍّ مَا أَلْيَنَهَا إِنْ نَجَتْ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : لَيُكَلِّمَنَّهُ اللَّيْلَةَ بِكَلَامٍ نَقِيٍّ مِنْ قَلْبٍ تَقِيٍّ ، فَقَالَ لَهُ : خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - فَقَالَ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ ، وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ ، فَقَالَ لَهُمْ : إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْبَلَاءِ ، فَأَشِيرُوا عَلِيَّ .
فَعَدَّ الْخِلَافَةَ بَلَاءً ، وَعَدَدْتَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ نِعْمَةً . فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ : إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ ، فَصُمِ الدُّنْيَا وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ مِنْهَا الْمَوْتَ . وَقَالَ لَهُ ابْنُ كَعْبٍ : إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، فَلْيَكُنْ كَبِيرُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَكَ أَبًا ، وَأَوْسَطُهُمْ أَخًا ، وَأَصْغَرُهُمْ وَلَدًا ، فَوَقِّرْ أَبَاكَ ، وَأَكْرِمْ أَخَاكَ ، وَتَحَنَّنْ عَلَى وَلَدِكَ .
وَقَالَ لَهُ رَجَاءٌ : إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ ، وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ ، ثُمَّ مُتْ إِذَا شِئْتَ ، وَإِنِّي أَقُولُ لَكَ هَذَا ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الْخَوْفِ يَوْمًا تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ ، فَهَلْ مَعَكَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - مَنْ يُشِيرُ عَلَيْكَ بِمِثْلِ هَذَا . فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ . فَقُلْتُ لَهُ : ارْفُقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ الرَّبِيعِ تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ ، وَأَرْفُقُ بِهِ أَنَا ؟ ! ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ لَهُ : زِدْنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - قُلْتُ : بَلَغَنِي أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ شُكِيَ إِلَيْهِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : يَا أَخِي , أُذَكِّرُكَ طُولَ سَهَرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ الْأَبَدِ ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَيَكُونُ آخِرَ الْعَهْدِ وَانْقِطَاعَ الرَّجَاءِ ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلَادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا أَقْدَمَكَ ؟ قَالَ : خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ ، لَا أَعُودُ إِلَى وِلَايَةٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ ، فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَمِّرْنِي ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ الْإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَكُونَ أَمِيرًا فَافْعَلْ .
فَبَكَى هَارُونُ ، وَقَالَ : زِدْنِي . قَالَ : يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ ، فَافْعَلْ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَفِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَصْبَحَ لَهُمْ غَاشًّا لَمْ يَرُحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ . فَبَكَى هَارُونُ وَقَالَ لَهُ : عَلَيْكَ دَيْنٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، دَيْنٌ لِرَبِّي ، لَمْ يُحَاسِبْنِي عَلَيْهِ .
فَالْوَيْلُ لِي إِنْ سَاءَلَنِي ، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ نَاقَشَنِي ، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ لَمْ أُلْهَمْ حُجَّتِي . قَالَ : إِنَّمَا أَعْنِي مِنْ دَيْنِ الْعِبَادِ . قَالَ : إِنَّ رَبِّي لَمْ يَأْمُرْنِي بِهَذَا ، أَمَرَنِي أَنْ أَصْدُقَ وَعْدَهُ ، وَأُطِيعَ أَمْرَهُ ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ﴾الْآيَاتِ .
فَقَالَ : هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ خُذْهَا ، فَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكِ ، وَتَقَوَّ بِهَا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ ، وَأَنْتَ تُكَافِئُنِي بِمِثْلِ هَذَا . سَلَّمَكَ اللَّهُ ، وَوَفَّقَكَ . ثُمَّ صَمَتَ ، فَلَمْ يُكَلِّمْنَا ، فَخَرَجْنَا ، فَقَالَ هَارُونُ : أَبَا عَبَّاسٍ ، إِذَا دَلَلْتَنِي ، فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلِ هَذَا ، هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ .
فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ فَقَالَتْ : قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ ، فَلَوْ قَبِلْتَ هَذَا الْمَالَ . قَالَ : إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ لَهُمْ بَعِيرٌ يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِ ، فَلَمَّا كَبُرَ نَحَرُوهُ ، فَأَكَلُوا لَحْمَهُ ، فَلَمَّا سَمِعَ هَارُونُ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ : نَدْخُلُ فَعَسَى أَنْ يَقْبَلَ الْمَالَ ، فَلَمَّا عَلِمَ الْفُضَيْلُ ، خَرَجَ فَجَلَسَ فِي السَّطْحِ عَلَى بَابِ الْغُرْفَةِ ، فَجَاءَ هَارُونُ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَلَا يُجِيبُهُ ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : يَا هَذَا ، قَدْ آذَيْتَ الشَّيْخَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ ، فَانْصَرِفْ فَانْصَرَفْنَا . حِكَايَةٌ عَجِيبَةٌ ، وَالْغَلَابِيُّ غَيْرُ ثِقَةٍ ، وَقَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ .
أَخْبَرَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ عِيسَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ رَاجِحٍ ، أَخْبَرَنَا السِّلَفِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْعَلَّافُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَمَّامِيُّ ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاحِ بِالْمَوْصِلِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ النَّحْوِيُّ ، هُوَ الْجَرْمِيُّ ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ ، بِهَا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَقِيقٍ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ : قَالَ الْفُضَيْلُ : لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَعِيشَ كَلْبًا وَأَمُوتَ كَلْبًا ، وَلَا أَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَاخْتَرْتُ ذَلِكَ . وَقَالَ فَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ تُرَابًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِ أَفْضَلِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَمَا يَسُرُّنِي أَنْ أَعْرِفَ الْأَمْرَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ، إِذًا لَطَاشَ عَقْلِي .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّبَرِيُّ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : لَوْ قُلْتُ : إِنَّكَ تَخَافُ الْمَوْتَ مَا قَبِلْتُ مِنْكَ ، لَوْ خِفْتَ الْمَوْتَ مَا نَفَعَكَ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ ، وَلَا شَيْءٌ ، مَا يَسُرُّنِي أَنْ أَعْرِفَ الْأَمْرَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ إِذًا لَطَاشَ عَقْلِي ، وَلَمْ أَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ . عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : لَا تَجْعَلِ الرِّجَالَ أَوْصِيَاءَكَ ، كَيْفَ تَلُومُهُمْ أَنْ يُضَيِّعُوا وَصِيَّتَكَ ، وَأَنْتَ قَدْ ضَيَّعْتَهَا فِي حَيَاتِكَ . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ، أَكْثَرَ غَمَّهُ ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا ، وَسَّعَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُذْكَرَ لَمْ يُذْكَرْ ، وَمَنْ كَرِهَ أَنْ يُذْكَرَ ذُكِرَ . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : وَعِزَّتِهِ ، لَوْ أَدْخَلَنِي النَّارَ مَا أَيِسْتُ . وَسَمِعْتُهُ - وَقَدْ أَفَضْنَا مِنْ عَرَفَاتٍ - يَقُولُ : وَاسَوْأَتَاهْ - وَاللَّهِ مِنْكَ - وَإِنْ عَفَوْتَ .
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : الْخَوْفُ أَفْضَلُ مِنَ الرَّجَاءِ مَا دَامَ الرَّجُلُ صَحِيحًا ، فَإِذَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَالرَّجَاءُ أَفْضَلُ . قُلْتُ : وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ . رَوَى أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : بَلَغَ الْفُضَيْلَ أَنَّ حَرِيزًا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَهُ ، فَأَقْفَلَ الْبَابَ مِنْ خَارِجٍ ، فَجَاءَ فَرَأَى الْبَابَ مُقْفَلًا ، فَرَجَعَ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ : حَرِيزٌ ، قَالَ : مَا يَصْنَعُ بِي ، يُظْهِرُ لِي مَحَاسِنَ كَلَامِهِ ، وَأُظْهِرُ لَهُ مَحَاسِنَ كَلَامِي ، فَلَا يَتَزَيَّنُ لِي ، وَلَا أَتَزَيَّنُ لَهُ ، خَيْرٌ لَهُ .
ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ : مَا رَأَيْتُ أَنْصَحَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا أَخْوَفَ مِنْهُ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ قَائِمًا عَلَى صُنْدُوقٍ يُعْطِي الْمَصَاحِفَ ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ ، فِيهِمْ : سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَهَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَمَا رَأَيْتُهُ يُوَدِّعُ أَحَدًا ، فَيَقْدِرُ أَنْ يَتِمَّ وَدَاعَهُ . قَالَ فَيْضُ بْنُ وَثِيقٍ سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَكُونَ مُحَدِّثًا وَلَا قَارِئًا ، وَلَا مُتَكَلِّمًا ، إِنْ كُنْتَ بَلِيغًا قَالُوا : مَا أَبْلَغَهُ ! وَأَحْسَنَ حَدِيثَهُ ! وَأَحْسَنَ صَوْتَهُ ! فَيُعْجِبُكَ ذَلِكَ ، فَتَنْتَفِخُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَلِيغًا ، وَلَا حَسَنَ الصَّوْتِ قَالُوا : لَيْسَ يُحْسِنُ يُحَدِّثُ ، وَلَيْسَ صَوْتُهُ بِحَسَنٍ ، أَحْزَنَكَ ذَلِكَ ، وَشَقَّ عَلَيْكَ ، فَتَكُونُ مُرَائِيًا ، وَإِذَا جَلَسْتَ ، فَتَكَلَّمْتَ ، فَلَمْ تُبَالِ مَنْ ذَمَّكَ وَمَنْ مَدَحَكَ ، فَتَكَلَّمْ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ : قَالَ الْفُضَيْلُ : لَا يَسْلَمُ لَكَ قَلْبُكَ حَتَّى لَا تُبَالِيَ مَنْ أَكَلَ الدُّنْيَا .
وَقِيلَ لَهُ : مَا الزُّهْدُ ؟ قَالَ : الْقُنُوعُ ، قِيلَ : مَا الْوَرَعُ ؟ قَالَ : اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ . قِيلَ : مَا الْعِبَادَةُ ؟ قَالَ : أَدَاءُ الْفَرَائِضِ . قِيلَ : مَا التَّوَاضُعُ ؟ قَالَ : أَنْ تَخْضَعَ لِلْحَقِّ .
وَقَالَ : أَشَدُّ الْوَرَعِ فِي اللِّسَانِ . قُلْتُ : هَكَذَا هُوَ ، فَقَدْ تَرَى الرَّجُلَ وَرِعًا فِي مَأْكَلِهِ وَمَلْبَسِهِ وَمُعَامَلَتِهِ ، وَإِذَا تَحَدَّثَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الدَّاخِلُ مِنْ حَدِيثِهِ ، فَإِمَّا أَنْ يَتَحَرَّى الصِّدْقَ ، فَلَا يُكْمِلُ الصِّدْقَ ، وَإِمَّا أَنْ يَصْدُقَ ، فَيُنَمِّقُ حَدِيثَهُ لِيُمْدَحَ عَلَى الْفَصَاحَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يُظْهِرَ أَحْسَنَ مَا عِنْدَهُ لِيُعَظَّمَ ، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُتَ فِي مَوْضِعِ الْكَلَامِ ، لِيُثْنَى عَلَيْهِ . وَدَوَاءُ ذَلِكَ كُلُّهُ الِانْقِطَاعُ عَنِ النَّاسِ إِلَّا مِنَ الْجَمَاعَةِ .
قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً مَا جَعَلْتُهَا إِلَّا فِي إِمَامٍ ، فَصَلَاحُ الْإِمَامِ صَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّمَا هُمَا عَالِمَانِ ؛ فَعَالِمُ الدُّنْيَا عِلْمُهُ مَنْشُورٌ ، وَعَالِمُ الْآخِرَةِ عِلْمُهُ مَسْتُورٌ , احْذَرُوا عَالِمَ الدُّنْيَا ، لَا يَضُرَّكُمْ بِسُكْرِهِ ، الْعُلَمَاءُ كَثِيرٌ ، وَالْحُكَمَاءُ قَلِيلٌ . وَعَنْهُ : لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعُدَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً ، وَالرَّخَاءَ مُصِيبَةً ، وَحَتَّى لَا يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ .
قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ الْمَرْوَزِيُّ : سَمِعْتُ فُضَيْلًا يَقُولُ : لَوْ حَلَفْتُ أَنِّي مُرَاءٍ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ أَنِّي لَسْتُ بِمُرَاءٍ ، وَلَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ لَقُلْتُ : هَذَا مَجْنُونٌ ، مَنَ الَّذِي اجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ ، لَا يُحِبُّ أَنْ يُجَوِّدَ كَلَامَهُ لَهُمْ ؟ فَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ : سَمِعْتُ فُضَيْلًا يَقُولُ : لَيْسَتِ الدُّنْيَا دَارَ إِقَامَةٍ ، وَإِنَّمَا آدَمُ [ أُهْبِطَ ] إِلَيْهَا عُقُوبَةً ، أَلَا تَرَى كَيْفَ يَزْوِيهَا عَنْهُ ، وَيُمَرِّرُهَا عَلَيْهِ بِالْجُوعِ ، بِالْعُرْيِ ، بِالْحَاجَةِ ، كَمَا تَصْنَعُ الْوَالِدَةُ الشَّفِيقَةُ بِوَلَدِهَا ، تَسْقِيهِ مَرَّةً حُضَضًا وَمَرَّةً صَبْرًا ، وَإِنَّمَا تُرِيدُ بِذَلِكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ . وَعَنِ الْفُضَيْلِ : حَرَامٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ أَنْ تُصِيبَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَزْهَدُوا فِي الدُّنْيَا . وَعَنْهُ : إِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَصِيَامِ النَّهَارِ ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَحْرُومٌ ، كَبَّلَتْكَ خَطِيئَتُكَ .
وَعَنْ فُضَيْلٍ ، وَرَأَى قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَمْرَحُونَ وَيَضْحَكُونَ ، فَنَادَاهُمْ : مَهْلًا يَا وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ ، مَهْلًا ثَلَاثًا ، إِنَّكُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِكُمْ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ : يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْبًا مَا لَا يُغْفَرُ لِلْعَالِمِ ذَنْبٌ وَاحِدٌ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْحَذَّاءُ ، سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : أَخَذْتُ بِيَدِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْوَادِي ، فَقُلْتُ : إِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَرٌّ مِنِّي وَمِنْكَ ، فَبِئْسَ مَا تَظُنُّ .
قَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ مَرْدَوَيْهِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : مَنْ أَحَبَّ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ ، وَأَخْرَجَ نُورَ الْإِسْلَامِ مِنْ قَلْبِهِ ، لَا يَرْتَفِعُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ إِلَى اللَّهِ عَمَلٌ ، نَظَرُ الْمُؤْمِنِ إِلَى الْمُؤْمِنِ يَجْلُو الْقَلْبَ ، وَنَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ يُورِثُ الْعَمَى ، مَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الْحِكْمَةَ . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ : حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الزَّمِّيُّ ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ : لَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتُ : يَا حَسَنَ الْوَجْهِ ، لَقَدْ كُلِّفْتَ أَمْرًا عَظِيمًا ، أَمَا إِنِّي مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْكَ ، فَإِنْ قَدِرْتَ أَنْ لَا تُسَوِّدَ هَذَا الْوَجْهَ بِلَفْحَةٍ مِنَ النَّارِ فَافْعَلْ . قَالَ : عِظْنِي .
قُلْتُ : بِمَاذَا أَعِظُكَ ؟ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ ، انْظُرْ مَاذَا عَمِلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ ، وَمَاذَا عَمِلَ بِمَنْ عَصَاهُ ، إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَغُوصُونَ عَلَى النَّارِ غَوْصًا شَدِيدًا ، وَيَطْلُبُونَهَا طَلَبًا حَثِيثًا ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ طَلَبُوا الْجَنَّةَ بِمِثْلِهَا أَوْ أَيْسَرَ لَنَالُوهَا ، وَقَالَ : عُدْ إِلَيَّ ، فَقَالَ : إِلَيَّ لَمْ آتِكَ ، وَإِنِ انْتَفَعْتَ بِمَا سَمِعْتَ ، عُدْتُ إِلَيْكَ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ : ارْحَمْنِي بِحُبِّي إِيَّاكَ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكَ . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ يَشْتَكِي : مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَنِ اسْتَوْحَشَ مِنَ الْوَحْدَةِ ، وَاسْتَأْنَسَ بِالنَّاسِ ، لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الرِّيَاءِ ، لَا حَجَّ وَلَا جِهَادَ أَشَدُّ مِنْ حَبْسِ اللِّسَانِ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَشَدَّ غَمًّا مِمَّنْ سُجِنَ لِسَانُهُ .
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ كَثِيرًا يَقُولُ : احْفَظْ لِسَانَكَ ، وَأَقْبِلْ عَلَى شَأْنِكَ ، وَاعْرِفْ زَمَانَكَ ، وَأَخْفِ مَكَانَكَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ : حَدَّثَنَا الْفَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ ، سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : وَدِدْتُ أَنَّهُ طَارَ فِي النَّاسِ أَنِّي مُتُّ حَتَّى لَا أُذْكَرَ , إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، فَيَأْخُذُنِي الْبَوْلُ فَرَقًا مِنْهُمْ . وَقَالَ الدَّوْرَقِيُّ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ ، سَمِعْتُ فُضَيْلًا يَقُولُ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ : لِمَ تُكْرِهُونِي عَلَى أَمْرٍ تَعْلَمُونَ أَنِّي كَارِهٌ لَهُ - يَعْنِي الرِّوَايَةَ - ؟ لَوْ كُنْتُ عَبْدًا لَكُمْ ، فَكَرِهْتُكُمْ كَانَ نَوْلِي أَنْ تَبِيعُونِي ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِذَا دَفَعْتُ رِدَائِي هَذَا إِلَيْكُمْ ذَهَبْتُمْ عَنِّي لَفَعَلْتُ .
الدَّوْرَقِيُّ : وَسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ : مَا أَرَاهُ أَخْرَجَكَ مِنَ الْحِلِّ فَدَسَّكَ فِي الْحَرَمِ إِلَّا لِيُضْعِفَ عَلَيْكَ الذَّنْبَ ، أَمَا تَسْتَحِي تَذْكُرُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ ، وَأَنْتَ حَوْلَ الْبَيْتِ ، إِنَّمَا كَانَ يَأْتِيهِ التَّائِبُ وَالْمُسْتَجِيرُ . وَعَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ : الْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ وَلَا يَحْسُدُ ، الْغِبْطَةُ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَالْحَسَدُ مِنَ النِّفَاقِ . قُلْتُ : هَذَا يُفَسِّرُ لَكَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ - : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ؛ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ .
فَالْحَسَدُ هُنَا مَعْنَاهُ : الْغِبْطَةُ ، أَنْ تَحْسُدَ أَخَاكَ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ ، لَا أَنَّكَ تَحْسُدُهُ ، بِمَعْنَى أَنَّكَ تَوَدُّ زَوَالَ ذَلِكَ عَنْهُ ، فَهَذَا بَغْيٌ وَخُبْثٌ . وَعَنِ الْفُضَيْلِ قَالَ : مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَسْكَرِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي أَبِي زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى قَالَ : كَانَ الْفُضَيْلُ شَاطِرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَذَكَرَ الْحِكَايَةَ - وَقَدْ مَضَتْ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ اللَّيْثِ : حَدَّثَنَا الْمُحَدِّثُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِ الْفُضَيْلِ مِنْ أَبِيوَرْدَ ، قَالَ : كَانَ الْفُضَيْلُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَحْدَهُ ، فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، وَقَدِ انْتَهَتْ إِلَيْهِ الْقَافِلَةُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ : اعْدِلُوا بِنَا إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ ، فَإِنَّ الْفُضَيْلَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ . فَسَمِعَ ذَلِكَ ، فَأُرْعِدَ ، فَقَالَ : يَا قَوْمُ جُوزُوا ، وَاللَّهِ لَأَجْتَهِدَنَّ أَنْ لَا أَعْصِيَ اللَّهَ . وَرُوِيَ نَحْوُهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، لَكِنَّهُ فِي الْإِسْنَادِ ابْنَ جَهْضَمٍ ، وَهُوَ هَالِكٌ .
وَبِكُلِّ حَالٍ : فَالشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَقَدْ تَابَ مِنَ الشِّرْكِ خَلْقٌ صَارُوا أَفْضَلَ الْأُمَّةِ . فَنَوَاصِي الْعِبَادِ بِيَدِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُوَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ لِي الْمَأْمُونُ ، قَالَ لِي الرَّشِيدُ : مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لِي : فَرِّغْ قَلْبَكَ لِلْحُزْنِ وَلِلْخَوْفِ حَتَّى يَسْكُنَاهُ ، فَيَقْطَعَاكَ عَنِ الْمَعَاصِي ، وَيُبَاعِدَاكَ مِنَ النَّارِ . وَعَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ قَالَ : مَا رَأَيْتُ بَعْدَ الْفُضَيْلِ أَعْبَدَ مِنْ وَكِيعٍ .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ : رَأَيْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُقَبِّلُ يَدَ الْفُضَيْلِ مَرَّتَيْنِ . وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : إِذَا نَظَرْتُ إِلَى الْفُضَيْلِ ، جَدَّدَ لِي الْحُزْنَ ، وَمَقَتُّ نَفْسِي ، ثُمَّ بَكَى . قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ : دَخَلْتُ مَعَ زَافِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَلَى الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، فَإِذَا مَعَهُ شَيْخٌ ، فَدَخَلَ زَافِرٌ وَأَقْعَدَنِي عَلَى الْبَابِ .
قَالَ زَافِرٌ : فَجَعَلَ الْفُضَيْلُ يَنْظُرُ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثُونَ يُعْجِبُهُمْ قُرْبُ الْإِسْنَادِ ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِسْنَادٍ لَا شَكَّ فِيهِ : رَسُولُ اللَّهِ ، عَنْ جِبْرِيلَ ، عَنِ اللَّهِ : نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ فَأَنَا وَأَنْتَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ مِنَ النَّاسِ ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ وَعَلَى الشَّيْخِ ، وَجَعَلَ زَافِرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا ، ثُمَّ خَرَجَ الْفُضَيْلُ ، وَقُمْنَا وَالشَّيْخُ مَغْشِيٌّ عَلَيْهِ . قَالَ سَهْلُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : قُلْتُ لِابْنِ عُيَيْنَةَ : أَلَا تَرَى إِلَى الْفُضَيْلِ لَا تَكَادُ تَجِفُّ لَهُ دَمْعَةٌ . قَالَ : إِذَا قَرِحَ الْقَلْبُ ، نَدِيَتِ الْعَيْنَانِ .
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : نَظَرَ الْفُضَيْلُ إِلَى رَجُلٍ يَشْكُو إِلَى رَجُلٍ ، فَقَالَ : يَا هَذَا ، تَشْكُو مَنْ يَرْحَمُكَ إِلَى مَنْ لَا يَرْحَمُكَ ! قَالَ أَحْمَدُ بْنُ [ أَبِي ] الْحَوَارِيِّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْطَاكِيُّ قَالَ : اجْتَمَعَ الْفُضَيْلُ وَالثَّوْرِيُّ ، فَتَذَاكَرَا ، فَرَقَّ سُفْيَانُ وَبَكَى ، ثُمَّ قَالَ : أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَجْلِسُ عَلَيْنَا رَحْمَةً وَبَرَكَةً . فَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ : لَكِنِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أَخَافُ أَنْ لَا [ يَكُونَ ] أَضَرَّ عَلَيْنَا مِنْهُ ؛ أَلَسْتَ تَخَلَّصْتَ إِلَى أَحْسَنِ حَدِيثِكَ ، وَتَخَلَّصْتُ أَنَا إِلَى أَحْسَنِ حَدِيثِي ، فَتَزَيَّنْتَ لِي وَتَزَيَّنْتُ لَكَ ؟ فَبَكَى سُفْيَانُ وَقَالَ : أَحْيَيْتَنِي أَحْيَاكَ اللَّهُ . وَقَالَ الْفَيْضُ : قَالَ لِي الْفُضَيْلُ : لَوْ قِيلَ لَكَ : يَا مُرَائِي ، غَضِبْتَ ، وَشَقَّ عَلَيْكَ ، وَعَسَى مَا قِيلَ لَكَ حَقٌّ ، تَزَيَّنْتَ لِلدُّنْيَا وَتَصَنَّعْتَ ، وَقَصَّرْتَ ثِيَابَكَ ، وَحَسَّنْتَ سَمْتَكَ ، وَكَفَفْتَ أَذَاكَ حَتَّى يُقَالَ : أَبُو فُلَانٍ عَابِدٌ ، مَا أَحْسَنَ سَمْتَهُ ! فَيُكْرِمُونَكَ ، وَيَنْظُرُونَكَ ، وَيَقْصِدُونَكَ وَيَهْدُونَ إِلَيْكَ ، مِثْلَ الدِّرْهَمِ السُّتُّوقِ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَإِذَا قُشِرَ قُشِرَ عَنْ نُحَاسٍ .
إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ الْعُلَمَاءَ فِيمَا مَضَى كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَمِلُوا ، وَإِذَا عَمِلُوا شُغِلُوا ، وَإِذَا شُغِلُوا فُقِدُوا ، وَإِذَا فُقِدُوا طُلِبُوا ، فَإِذَا طُلِبُوا هَرَبُوا . وَعَنْهُ قَالَ : كَفَى بِاللَّهِ مُحَبًّا وَبِالْقُرْآنِ مُؤْنِسًا ، وَبِالْمَوْتِ وَاعِظًا ، وَبِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا ، وَبِالِاغْتِرَارِ جَهْلًا . وَعَنْهُ : خَصْلَتَانِ تُقَسِّيَانِ الْقَلْبَ ؛ كَثْرَةُ الْكَلَامِ ، وَكَثْرَةُ الْأَكْلِ .
وَعَنْهُ : كَيْفَ تَرَى حَالَ مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ ، وَضَعُفَ عِلْمُهُ ، وَفَنِيَ عُمْرُهُ ، وَلَمْ يَتَزَوَّدْ لِمَعَادِهِ . وَعَنْهُ : يَا مِسْكِينُ ! أَنْتَ مُسِيءٌ وَتَرَى أَنَّكَ مُحْسِنٌ ، وَأَنْتَ جَاهِلٌ وَتَرَى أَنَّكَ عَالِمٌ ، وَتَبْخَلُ وَتَرَى أَنَّكَ كَرِيمٌ ، وَأَحْمَقُ وَتَرَى أَنَّكَ عَاقِلٌ ، أَجَلُكَ قَصِيرٌ ، وَأَمَلُكَ طَوِيلٌ . قُلْتُ : إِي وَاللَّهِ صَدَقَ ، وَأَنْتَ ظَالِمٌ وَتَرَى أَنَّكَ مَظْلُومٌ ، وَآكِلٌ لِلْحَرَامِ وَتَرَى أَنَّكَ مُتَوَرِّعٌ ، وَفَاسِقٌ وَتَعْتَقِدُ أَنَّكَ عَدْلٌ ، وَطَالِبُ الْعِلْمِ لِلدُّنْيَا وَتَرَى أَنَّكَ تَطْلُبُهُ لِلَّهِ .
عَبَّاسُ الدُّورِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْبَارِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ فُضَيْلًا يَقُولُ : لَمَّا قَدِمَ هَارُونُ الرَّشِيدُ إِلَى مَكَّةَ قَعَدَ فِي الْحِجْرِ هُوَ وَوَلَدُهُ ، وَقَوْمٌ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ ، وَأَحْضَرُوا الْمَشَايِخَ ، فَبَعَثُوا إِلَيَّ فَأَرَدْتُ أَنْ لَا أَذْهَبُ ، فَاسْتَشَرْتُ جَارِي ، فَقَالَ : اذْهَبْ لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ تَعِظَهُ ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْحِجْرِ ، قُلْتُ لِأَدْنَاهُمْ : أَيُّكُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَرَدَّ عَلَيَّ وَقَالَ : اقْعُدْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا دَعَوْنَاكَ لِتُحَدِّثَنَا بِشَيْءٍ ، وَتَعِظَنَا ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا حَسَنَ الْوَجْهِ ، حِسَابُ الْخَلْقِ كُلُّهُمْ عَلَيْكَ ، فَجَعْلَ يَبْكِي وَيَشْهَقُ ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَبْكِي ، حَتَّى جَاءَ الْخَادِمُ فَحَمَلُونِي وَأَخْرَجُونِي ، وَقَالَ : اذْهَبْ بِسَلَامٍ . وَقَالَ مُحْرِزُ بْنُ عَوْنٍ : كُنْتُ عِنْدَ الْفُضَيْلِ ، فَأَتَى هَارُونُ وَمَعَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ ، وَوَلَدُهُ جَعْفَرٌ ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى : يَا أَبَا عَلِيٍّ ، هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ . قَالَ : أَيُّكُمْ هُوَ ؟ قَالُوا : هَذَا ، فَقَالَ : يَا حَسَنَ الْوَجْهِ ، لَقَدْ طُوِّقْتَ أَمْرًا عَظِيمًا ، وَكَرَّرَهَا ، ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدٌ الْمُكْتِبُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ قَالَ : الْأَوْصَالُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا .
وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَيْهِمْ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ : قَالَ الْفُضَيْلُ : تَبَاعَدْ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَحَبُّوكَ مَدَحُوكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ ، وَإِنْ غَضِبُوا شَهِدُوا عَلَيْكَ ، وَقُبِلَ مِنْهُمْ . قَالَ قُطْبَةُ بْنُ الْعَلَاءِ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ : آفَةُ الْقُرَّاءِ الْعُجْبُ .
وَلِلْفُضَيْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ مَوَاعِظُ ، وَقَدَمٌ فِي التَّقْوَى رَاسِخٌ ، وَلَهُ تَرْجَمَةٌ فِي كِتَابِ الْحِلْيَةِ وَفِي تَارِيخِ أَبِي الْقَاسِمِ ابْنِ عَسَاكِرَ . وَكَانَ يَعِيشُ مِنْ صِلَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ جَوَائِزِ الْمُلُوكِ . قَالَ بَعْضُهُمْ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، فَقُلْنَا لَهُ : كَمْ سِنُّكَ ؟ فَقَالَ : بَلَغْتُ الثَّمَانِينَ أَوْ جُزْتُهَا فَمَاذَا أُؤْمِّلُ أَوْ أَنْتَظِرْ عَلَتْنِي السُّنُونَ فَأَبْلَيْنَنِي فَدَقَّ الْعِظَامُ وَكَلَّ الْبَصَرْ قُلْتُ : هُوَ مِنْ أَقْرَانِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْمَوْلِدِ , وَلَكِنَّهُ مَاتَ قَبْلَهُ بِسَنَوَاتٍ .
وَكَانَ ابْنُهُ :