الْبَيَّانِيُّ
الْبَيَّانِيُّ الْإِمَامُ ، الْمُجْتَهِدُ ، الْحَافِظُ ، عَالِمُ الْأَنْدَلُسِ أَبُو مُحَمَّدٍ ، الْقَاسِمُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ ، مَوْلَى الْخَلِيفَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، الْأُمَوِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الْبَيَّانِيُّ ، أَحَدُ الْأَعْلَامِ . غَطَّى مَعْرِفَتَهُ بِالْحَدِيثِ بَرَاعَتُهُ فِي الْفِقْهِ وَالْمَسَائِلِ ، وَفَاقَ أَهْلَ الْعَصْرِ ، وَضُرِبَ بِإِمَامَتِهِ الْمَثَلُ ، وَصَارَ إِمَامًا مُجْتَهِدًا ، لَا يُقَلِّدُ أَحَدًا ، مَعَ قُوَّةِ مَيْلِهِ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَبَصَرِهِ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَازَمَ التَّفَقُّهَ عَلَى الْإِمَامَيْنِ : أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ . مَوْلِدُهُ بَعْدَ سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ فِيمَا أَرَى .
وَرَوَى عَنْ : إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ ، وَالْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينَ ، وَيُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَالْمُزْنِيِّ وَالرَّبِيعِ ، وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَخَلْقٍ . وَأَدْرَكَ بَقَايَا أَصْحَابِ اللَّيْثِ ، وَمَالِكٍ . تَفَقَّهَ بِهِ عُلَمَاءُ قُرْطُبَةَ .
وَحَدَّثَ عَنْهُ : سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ بْنِ الْجَبَّابِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ ، وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ، وَآخَرُونَ . قَالَ ابْنُ الْفَرَضِيِّ فِي تَارِيخِهِ : لَزِمَ قَاسِمٌ الْبَيَّانِيُّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ ، لِلتَّفَقُّهِ وَالْمُنَاظَرَةِ ، وَصَحِبَهُ ، وَتَحَقَّقَ بِهِ وَبِالْمُزَنِيِّ . وَكَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الْحُجَّةِ وَالنَّظَرِ ، وَتَرَكَ التَّقْلِيدَ ، وَيَمِيلُ إِلَى فِقْهِ الشَّافِعِيِّ .
لَمْ يَكُنْ بِالْأَنْدَلُسِ أَحَدٌ مِثْلَهُ فِي حُسْنِ النَّظَرِ ، وَالْبَصَرِ بِالْحُجَّةِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْجَبَّابِ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قَاسِمٍ فِي الْفِقْهِ مِمَّنْ دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ مِنْ أَهْلِ الرِّحَلِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَاسِمٍ الزَّاهِدُ : سَمِعْتُ بَقِيَّ بْنَ مَخْلَدٍ يَقُولُ : قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَعْلَمُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ .
قَالَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ : لَمْ يَقْدِمْ عَلَيْنَا مِنَ الْأَنْدَلُسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَلَقَدْ عَاتَبْتُهُ حِينَ رُجُوعِهِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ ، قُلْتُ : أَقِمْ عِنْدَنَا ، فَإِنَّكَ تَعْتَقِدُ هُنَا رِئَاسَةً ، وَيَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْكَ ، فَقَالَ : لَا بُدَّ مِنَ الْوَطَنِ . قَالَ ابْنُ الْفَرَضِيِّ : أَلَّفَ قَاسِمٌ فِي الرَّدِّ عَلَى يَحْيَى بْنِ مُزَيَّنٍ ، وَالْعَتَبِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ كِتَابًا نَبِيلًا ، يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ . قَالَ : وَلَهُ كِتَابٌ شَرِيفٌ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَكَانَ يَلِي وَثَائِقَ الْأَمِيرِ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي مَلِكَ الْأَنْدَلُسِ - طُولَ أَيَّامِهِ .
قُلْتُ : وَصَنَّفَ كِتَابَ الْإِيضَاحِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُقَلِّدِينَ ، وَكَانَ مَيَّالًا إِلَى الْآثَارِ . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ يَقُولُ : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بِبَلَدِنَا أَفْقَهَ مِنْ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ الْجَبَّابِ . مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ هُوَ وَبَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ فِي عَامٍ ، وَمَا خَلَّفَا مِثْلَهُمَا .