الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ
الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ابْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَطَاءٍ ، الْإِمَامُ الْحَافِظُ الثَّبْتُ أَبُو الْعَبَّاسِ الشَّيْبَانِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ النَّسَوِيُّ ، صَاحِبُ الْمُسْنَدِ . وُلِدَ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ أَسَنُّ مِنْ بَلَدِيِّهِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ ، وَمَاتَا مَعًا فِي عَامٍ . ارْتَحَلَ إِلَى الْآفَاقِ ، وَرَوَى عَنْ : أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ الْبَلْخِيِّ ، وَقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ ، وَهُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَّامٍ الْجُمَحِيِّ ، وَسَهْلِ بْنِ عُثْمَانَ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَسَعْدِ بْنِ يَزِيدَ الْفَرَّاءِ ، وَحِبَّانَ بْنِ مُوسَى ، وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَصَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ ، وَعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَجَّاجِ السَّامِيِّ ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ غِيَاثٍ ، وَأَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ ، وَسُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ .
وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ أَبِي يَعْلَى ; وَلَكِنْ أَبُو يَعْلَى أَعْلَى إِسْنَادًا مِنْهُ ، وَأَقْدَمُ لِقَاءً ، فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَسَنُ تَصَانِيفَ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْهُ ، وَسَمِعَ السُّنَنَ مِنْ أَبِي ثَوْرٍ الْفَقِيهِ ، وَتَفَقَّهَ بِهِ ، وَلَازَمَهُ ، وَبَرَعَ ، وَكَانَ يُفْتِي بِمَذْهَبِهِ . حَدَّثَ عَنْهُ : إِمَامُ الْأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ الْمُقْرِئُ ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمِ ابْنُ حِبَّانَ ، وَحَفِيدُهُ إِسْحَاقُ بْنُ سَعْدٍ النَّسَوِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّسْوِيُّ ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ ، رَحَلُوا إِلَيْهِ وَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبُسْتِيُّ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ : لَوْلَا اشْتِغَالِي بِحِبَّانَ بْنِ مُوسَى لَجِئْتُكُمْ بِأَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ - يَعْنِي أَنَّهُ تَعَوَّقَ بِإِكْبَابِهِ عَلَى تَصَانِيفِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عِنْدَ حِبَّانَ .
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا فَاتَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بِالْوَالِدَةِ ; لَمْ تَدَعْنِي أَخْرُجْ إِلَيْهِ . قَالَ : فَعَوَّضَنِيَ اللَّهُ بِأَبِي خَالِدٍ الْفَرَّاءِ ، وَكَانَ أَسْنَدَ مِنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى . قَالَ الْحَاكِمُ : كَانَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ - مُحَدِّثُ خُرَاسَانَ ، فِي عَصْرِهِ - مُقَدَّمًا فِي الثَّبْتِ ، وَالْكَثْرَةِ ، وَالْفَهْمِ ، وَالْفِقْهِ ، وَالْأَدَبِ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ : كَانَ الْحَسَنُ مِمَّنْ رَحَلَ ، وَصَنَّفَ ، وَحَدَّثَ ، عَلَى تَيَقُّظٍ مَعَ صِحَّةِ الدِّيَانَةِ ، وَالصَّلَابَةِ فِي السُّنَّةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ : لَيْسَ لِلْحَسَنِ فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ . قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ يَقُولُ : كُنَّا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، فَدَخَلَ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ ، وَهُمْ مُتَوَجِّهُونَ إِلَى فُرَاوَةَ فَقَالَ الرَّازِيُّ : كَتَبْتُ هَذَا الطَّبَقَ مِنْ حَدِيثِكَ .
قَالَ : هَاتِ . فَقَرَأَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ إِسْنَادًا فِي إِسْنَادٍ ، فَرَدَّهُ الْحَسَنُ ، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَرَدَّهُ الْحَسَنُ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ لَهُ الْحَسَنُ : مَا هَذَا ؟ ! قَدِ احْتَمَلْتُكَ مَرَّتَيْنِ وَأَنَا ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي الْمَشَايِخِ ، فَرُبَّمَا اسْتُجِيبَتْ فِيكَ دَعْوَةٌ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ : مَهْ ! لَا تُؤْذِ الشَّيْخَ .
قَالَ : إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يَعْرِفُ حَدِيثَهُ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ سَمِعَ حِبَّانَ بْنَ مُوسَى ، وَقُتَيْبَةَ ، وَابْنَ أَبِي شَيْبَةَ ، كَتَبَ إِلَيَّ وَهُوَ صَدُوقٌ . قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدٍ : كَانَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ أَدِيبًا فَقِيهًا ، أَخَذَ الْأَدَبَ عَنْ أَصْحَابِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، وَالْفِقْهَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَكَانَ يُفْتِي بِمَذْهَبِهِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : سَمِعَ الْحَسَنُ مِنِ ابْنِ رَاهَوَيْهِ أَكْثَرَ مُسْنَدِهِ ، وَسَمِعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيِّ تَفْسِيرَهُ . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : حَضَرْتُ دَفْنَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِ مِائَةٍ مَاتَ بِقَرْيَتِهِ بَالُوزٍ ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَدِينَةِ نَسَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ تَاجِ الْأُمَنَاءِ بِأَرْبَعِينَ الْحَسَنِ سَمَاعًا ، عَنِ الْمُؤَيَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيِّ ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ الشِّعْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَتْنَا أَمُّ الْخَيْرِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ زَعْبَلٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِ مِائَةٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتْرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، فَوَافَقْنَاهُمْ بِعُلُوٍّ . وَبِهِ : إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ السُّكَّرِيُّ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، فَوَافَقْنَاهُ بِعُلُوٍّ . رَوَى بِشْرَوَيْهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُغَفَّلِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصَّفَّارُ الْفَقِيهُ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ ، ارْتَحَلُوا إِلَيْهِ ، فَخَرَجَ يَوْمًا فَقَالَ : اسْمَعُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ قَبْلَ الْإِمْلَاءِ : قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكُمْ مِنْ أَبْنَاءِ النِّعَمِ ، هَجَرْتُمُ الْوَطَنَ ، فَلَا يَخْطُرَنَّ بِبَالِكُمْ أَنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِهَذَا التَّجَشُّمِ لِلْعِلْمِ حَقًّا ، فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ بِبَعْضِ مَا تَحَمَّلْتُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ : ارْتَحَلْتُ مِنْ وَطَنِي ، فَاتَّفَقَ حُصُولِي بِمِصْرَ فِي تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِي طَلَبَةِ الْعِلْمِ ، وَكُنَّا نَخْتَلِفُ إِلَى شَيْخٍ أَرْفَعِ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي الْعِلْمِ مَنْزِلَةً ، فَكَانَ يُمْلِي عَلَيْنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا ، حَتَّى خَفَّتِ النَّفَقَةُ ، وَبِعْنَا أَثَاثَنَا ، فَطَوَيْنَا ثَلَاثًا ، وَأَصْبَحْنَا لَا حَرَاكَ بِنَا ، فَأَحْوَجَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى كَشْفِ قِنَاعِ الْحِشْمَةِ وَبَذْلِ الْوَجْهِ ، فَلَمْ تَسْمَحْ أَنْفُسُنَا ، فَوَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى قُرْعَةٍ ، فَوَقَعَتْ عَلَيَّ ، فَتَحَيَّرْتُ وَعَدَلْتُ ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ، وَدَعَوْتُ ، فَلَمْ أَفْرُغْ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ شَابٌّ مَعَهُ خَادِمٌ ، فَقَالَ : مَنْ مِنْكُمُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ؟ قُلْتُ : أَنَا ، قَالَ : إِنَّ الْأَمِيرَ طُولُونَ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَيَعْتَذِرُ مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْ تَفَقُّدِ أَحْوَالِكُمْ ، وَقَدْ بَعَثَ بِهَذَا ، وَهُوَ زَائِرُكُمْ غَدًا .
وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِائَةَ دِينَارٍ ، فَتَعَجَّبْنَا وَقُلْنَا : مَا الْقِصَّةُ ؟ . قَالَ : دَخَلْتُ عَلَيْهِ بُكْرَةً فَقَالَ : أُحِبُّ أَنْ أَخْلُوَ الْيَوْمَ . فَانْصَرَفْنَا ، فَبَعْدَ سَاعَةٍ طَلَبَنِي ، فَأَتَيْتُهُ ، فَإِذَا بِهِ يَدُهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ لِوَجَعٍ مُمِضٍّ اعْتَرَاهُ ، فَقَالَ لِي : تَعْرِفُ الْحَسَنَ بْنَ سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ ؟ قُلْتُ : لَا .
قَالَ : اقْصِدِ الْمَسْجِدَ الْفُلَانِيَّ ، وَاحْمِلْ هَذِهِ الصُّرَرَ إِلَيْهِمْ ; فَإِنَّهُمْ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ جِيَاعٌ ، وَمَهِّدْ عُذْرِي لَدَيْهِمْ . فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ : انْفَرَدْتُ فَنِمْتُ ، فَرَأَيْتُ فَارِسًا فِي الْهَوَاءِ فِي يَدِهِ رُمْحٌ ، فَنَزَلَ إِلَى بَابِ هَذَا الْبَيْتِ ، وَوَضَعَ سَافِلَةَ رُمْحِهِ عَلَى خَاصِرَتِي وَقَالَ : قُمْ فَأَدْرِكِ الْحَسَنَ بْنَ سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ ، قُمْ فَأَدْرِكْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ مُنْذُ ثَلَاثٍ جِيَاعٌ فِي الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ . فَقُلْتُ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا رِضْوَانُ صَاحِبُ الْجَنَّةِ .
فَمُنْذُ أَصَابَ رُمْحُهُ خَاصِرَتِي أَصَابَنِي وَجَعٌ شَدِيدٌ ، فَعَجِّلْ إِيصَالَ هَذَا الْمَالِ إِلَيْهِمْ لِيَزُولَ هَذَا الْوَجَعُ عَنِّي . قَالَ الْحَسَنُ : فَعَجِبْنَا وَشَكَرْنَا اللَّهَ ، وَخَرَجْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ مِصْرَ لِئَلَّا نَشْتَهِرُ ، وَأَصْبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا وَاحِدَ عَصْرِهِ ، وَقَرِيعَ دَهْرِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ . قَالَ : فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَمِيرُ طُولُونُ فَأَحَسَّ بِخُرُوجِنَا ، أَمَرَ بِابْتِيَاعِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ ، وَوَقَفَهَا عَلَى الْمَسْجِدِ ، وَعَلَى مَنْ يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْغُرَبَاءِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ ، نَفَقَةً لَهُمْ ، لِئَلَّا تَخْتَلَّ أُمُورُهُمْ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ قُوَّةِ الدِّينِ وَصَفَاءِ الْعَقِيدَةِ .
رَوَاهَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي الرَّابِعِ مِنَ الْحِكَايَاتِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ إِذْنًا ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيِّ ، عَنْ بِشْرَوَيْهِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا . وَلَمْ يَلِ طُولُونُ مِصْرَ ، وَأَمَّا ابْنُهُ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ فَيَصْغُرُ عَنِ الْحِكَايَةِ ، وَلَا أَعْرِفُ نَاقِلَهَا ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ .