الْمُتَنَبِّي
الْمُتَنَبِّي شَاعِرُ الزَّمَانِ أَبُو الطَّيِّبِ أَحْمَدُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ الْأَدِيبُ الشَّهِيرُ بِالْمُتَنَبِّي . وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَأَقَامَ بِالْبَادِيَةِ ، يَقْتَبِسُ اللُّغَةَ وَالْأَخْبَارَ ، وَكَانَ مِنْ أَذْكِيَاءِ عَصْرِهِ . بَلَغَ الذُّرْوَةَ فِي النَّظْمِ ، وَأَرْبَى عَلَى الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَسَارَ دِيوَانُهُ فِي الْآفَاقِ .
وَمَدَحَ سَيْفَ الدَّوْلَةِ مَلِكَ الشَّامِ ، وَالْخَادِمَ كَافُورًا صَاحِبَ مِصْرَ ، وَعَضُدَ الدَّوْلَةِ مَلِكَ فَارِسَ وَالْعِرَاقِ . وَكَانَ يَرْكَبُ الْخَيْلَ بِزِيِّ الْعَرَبِ ، وَلَهُ شَارَةٌ وَغِلْمَانٌ وَهَيْئَةٌ . وَكَانَ أَبُوهُ سَقَّاءً بِالْكُوفَةِ ، يُعْرَفُ بِعَبْدَانَ .
رَوَى عَنْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحَامِلِيُّ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَيُّوبَ الْقُمِّيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَاكَوَيْهِ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حُبَيْشٍ ، وَكَامِلٌ الْعَزَائِمِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ مِنْ نَظْمِهِ . قِيلَ : إِنَّهُ جَلَسَ عِنْدَ كُتُبٍ ، فَطَوَّلَ الْمُطَالَعَةَ فِي كِتَابٍ لِلْأَصْمَعِيِّ ، فَقَالَ صَاحِبُهُ : يَا هَذَا أَتُرِيدُ أَنْ تَحْفَظَهُ ؟ فَقَالَ : فَإِنْ كُنْتُ قَدْ حَفِظْتُهُ ؟ قَالَ : أَهَبُهُ لَكَ ، قَالَ : فَأَخَذَ يَقْرَؤُهُ حَتَّى فَرَغَهُ ، وَكَانَ ثَلَاثِينَ وَرَقَةً . قَالَ التَّنُوخِيُّ : خَرَجَ الْمُتَنَبِّي إِلَى بَنِي كَلْبٍ ، وَأَقَامَ فِيهِمْ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَلَوِيٌّ ، ثُمَّ تَنَبَّأَ ، فَافْتُضِحَ وَحُبِسَ دَهْرًا ، وَأَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ ، ثُمَّ تَابَ .
وَقِيلَ : تَنَبَّأَ بِبَادِيَةِ السَّمَاوَةِ ، فَأَسَرَهُ لُؤْلُؤٌ أَمِيرُ حِمْصَ بَعْدَ أَنْ حَارَبَ . وَقَدْ نَالَ بِالشِّعْرِ مَالًا جَلِيلًا ، يُقَالُ : وَصَلَ إِلَيْهِ مِنِ ابْنِ الْعَمِيدِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ . وَنَالَهُ مِنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ مِثْلُهَا .
أُخِذَ عِنْدَ النُّعْمَانِيَّةِ فَقَاتَلَ ، فَقُتِلَ هُوَ وَوَلَدُهُ مُحَسَّدٌ . وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَكَانَ يَبْخَلُ .
وَقَدْ طَوَّلَتُ أَمْرَهُ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ . وَهُوَ الْقَائِلُ لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمُ الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ وَلَهُ هَكَذَا عِدَّةُ أَبْيَاتٍ فَائِقَةٌ ، يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ . وَكَانَ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ ، كَثِيرَ الْبَأْوِ وَالتِّيهِ ، فَمُقِتَ لِذَلِكَ .