الْمُعَافَى
الْمُعَافَى ابْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ ، الْعَلَّامَةُ ، الْفَقِيهُ الْحَافِظُ الْقَاضِي الْمُتَفَنِّنُ ، عَالِمُ عَصْرِهِ أَبُو الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيُّ الْجَرِيرِيُّ ، نِسْبَةٌ إِلَى رَأْيِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ ، وَيُقَالُ لَهُ : ابْنُ طَرَارَا . سَمِعَ أَبَا الْقَاسِمِ الْبَغَوِيَّ ، وَأَبَا مُحَمَّدِ بْنَ صَاعِدٍ ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُدَ ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْعَدَوِيَّ ، وَأَبَا حَامِدٍ الْحَضْرَمِيَّ ، وَالْقَاضِي الْمَحَامِلِيَّ ، وَخَلْقًا كَثِيرًا . وَتَلَا عَلَى ابْنِ شَنَبُوذَ ، وَأَبِي مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيِّ .
قَرَأَ عَلَيْهِ : الْقَاضِي أَبُو تَغْلِبَ الْمَلْحَمِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَسْرُورٍ الْخَبَّازُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ النُّهَاوَنْدِيُّ ، وَطَائِفَةٌ . وَحَدَّثَ عَنْهُ : أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَزْهَرِيُّ ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبٍ الطَّبَرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ التَّوَّزِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَوْحٍ ، وَأَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَسْنُونَ النَّرْسِيُّ ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ . قَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ فِي وَقْتِهِ بِالْفِقْهِ ، وَالنَّحْوِ ، وَاللُّغَةِ ، وَأَصْنَافِ الْأَدَبِ ، وَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَابِ الطَّاقِ ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَافِيِّ الْفَقِيهِ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا حَضَرَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ فَقَدْ حَضَرَتِ الْعُلُومُ كُلُّهَا .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَحَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الدَّلْوِيُّ ، قَالَ : كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَافِيُّ ، يَقُولُ : لَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِثُلُثِ مَالِهِ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى أَعْلَمِ النَّاسِ لَوَجَبَ أَنْ يُدْفَعَ إِلَى الْمُعَافَى بْنِ زَكَرِيَّا . قَالَ الْخَطِيبُ : سَأَلْتُ الْبَرْقَانِيَّ عَنِ الْمُعَافَى ، فَقَالَ : كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ ، وَكَانَ ثِقَةً ، لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ . وَحَكَى أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ ، قَالَ : رَأَيْتُ الْمُعَافَى بْنَ زَكَرِيَّا قَدْ نَامَ مُسْتَدْبِرَ الشَّمْسِ فِي جَامِعِ الرُّصَافَةِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ ، وَبِهِ مِنْ أَثَرِ الضُّرِّ وَالْفَقْرِ وَالْبُؤْسِ أَمْرٌ عَظِيمٌ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ : قَرَأْتُ بِخَطِّ الْمُعَافَى بْنِ زَكَرِيَّا ، قَالَ : حَجَجْتُ وَكُنْتُ بِمِنًى ، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي : يَا أَبَا الْفَرَجِ الْمُعَافَى ، قُلْتُ : مَنْ يُرِيدُنِي ؟ وَهَمَمْتُ أَنْ أُجِيبَهُ ثُمَّ نَادَى : يَا أَبَا الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنَ زَكَرِيَّا النَّهْرَوَانِيَّ ، فَقُلْتُ : هَا أَنَا ذَا ، مَا تُرِيدُ ؟ فَقَالَ : لَعَلَّكَ مِنْ نَهْرَوَانِ الْعِرَاقِ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : نَحْنُ نُرِيدُ نَهْرَوَانَ الْغَرْبِ ، قَالَ : فَعَجِبْتُ مِنْ هَذَا الِاتِّفَاقِ ، وَعَلِمْتُ أَنَّ بِالْمَغْرِبِ مَكَانًا يُسَمَّى النَهْرَوَانُ . مَاتَ الْمُعَافَى بِالنَّهْرَوَانِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَلَهُ خَمْس وَثَمَانُونَ سَنَةً . وَلَهُ تَفْسِيرٌ كَبِيرٌ فِي سِتِّ مُجَلَّدَاتٍ جَمُّ الْفَوَائِدِ ، وَلَهُ كِتَابُ الْجَلِيسِ وَالْأَنِيسِ فِي مُجَلَّدَيْنِ .
وَكَانَ مِنْ بُحُورِ الْعِلْمِ . أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيُمْنِ الْكِنْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ النَّرْسِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى ، حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ شَيْئًا إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو حَفْصٍ الْكَتَّانِيُّ ، وَأَمَةُ السَّلَامِ بِنْتُ الْقَاضِي أَحْمَدَ بْنِ كَامِلٍ ، وَنَائِبُ دِمَشْقَ حُبَيْشُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَمْصَامٍ الْبَرْبَرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ رُهَيْلٍ ، وَأَبُو زُرْعَةَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكَشِّيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَخِي مِيمِيِّ الدَّقَّاقُ .