ابْنُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ
ابْنُ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْخَطِيبُ ، الْمُحَدِّثُ الْحُجَّةُ ، مُسْنِدُ الْعِرَاقِ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَاثِقِ هَارُونَ بْنِ الْمُعْتَصِمِ ، الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ الْبَغْدَادِيُّ ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْغَرِيقِ ، سَيِّدُ بَنِي هَاشِمٍ فِي عَصْرِهِ . وُلِدَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَسَمِعَ الدَّارَقُطْنِيَّ ، وَعُمَرَ بْنَ شَاهِينَ ، فَكَانَ آخِرَ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُمَا ، وَعَلِيَّ بْنَ عُمَرَ السُّكَّرِيَّ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ بْنِ دُوسْتَ ، وَأَبَا الْفَتْحِ يُوسُفَ الْقَوَّاسَ ، وَأَبَا الْقَاسِمِ بْنَ حَبَابَةَ ، وَأَبَا الطَّيِّبِ عُثْمَانَ بْنَ مُنْتَابٍ ، وَأَبَا حَفْصٍ الْكَتَّانِيَّ ، وَالْمُخَلِّصَ ، وَعِيسَى بْنَ الْوَزِيرِ ، وَإِدْرِيسَ بْنَ عَلِيٍّ ، وَعَلِيَّ بْنَ عُمَرَ الْمَالِكِيَّ الْقَصَّارَ ، وَعِدَّةً .
وَمَشْيَخَتُهُ فِي جُزْئَيْنِ مَرْوِيَّةٌ . حَدَّثَ عَنْهُ : الْخَطِيبُ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، وَشُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرْخَانَ التُّرْكِيُّ ، وَالْمُفْتِي يُوسُفُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَارِقِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْفَرَضِيُّ ، وَيُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ الْهَمَذَانِيُّ ، وَالْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَرْمَوِيُّ ، وَأَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . قَالَ الْخَطِيبُ كَانَ ثِقَةً نَبِيلًا ، وَلِيَ الْقَضَاءَ بِمَدِينَةِ الْمَنْصُورِ ، وَهُوَ مِمَّنْ شَاعَ أَمْرُهُ بِالْعِبَادَةِ وَالصَّلَاحِ ، حَتَّى كَانَ يُقَالُ لَهُ : رَاهِبُ بَنِي هَاشِمٍ ، كَتَبْتُ عَنْهُ .
وَقَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ : حَازَ أَبُو الْحُسَيْنِ قَصَبَ السَّبْقِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ ، عَقْلًا وَعِلْمًا وَدِينًا ، وَحَزْمًا وَوَرَعًا وَرَأْيًا ، وَقَفَ عَلَيْهِ عُلُوُّ الرِّوَايَةِ ، وَرَحَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ ، ثَقُلَ سَمْعُهُ بِأَخَرَةٍ ، فَكَانَ يَتَوَلَّى الْقِرَاءَةَ بِنَفْسِهِ مَعَ عُلُوِّ سِنِّهِ ، وَكَانَ ثِقَةً حُجَّةً ، نَبِيلًا ، مُكْثِرًا . وَقَالَ أُبَيٌّ النَّرْسِيُّ : كَانَ ثِقَةً يَقْرَأُ لِلنَّاسِ ، وَكَانَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ ذَاهِبَةً . وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَيْرُونَ : كَانَ صَائِمَ الدَّهْرِ زَاهِدًا ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنِ دُوسْتَ ، وَهُوَ ضَابِطٌ مُتَحَرٍّ ، أَكْثَرُ سَمَاعَاتِهِ بِخَطِّهِ ، مَا اجْتَمَعَ فِي أَحَدٍ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ، قَضَى سِتًّا وَخَمْسِينَ سَنَةً ، وَخَطَبَ سِتًّا وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمْ تُعْرَفْ لَهُ زَلَّةٌ ، وَكَانَتْ تِلَاوَتُهُ أَحْسَنَ شَيْءٍ .
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْخَاضِبَةِ : رَأَيْتُ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ ، وَكَأَنَّ مَنْ يَقُولُ : أَيْنَ ابْنُ الْخَاضِبَةِ ؟ فَقِيلَ لِي : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ، فَلَمَّا دَخَلْتُ اسْتَلْقَيْتُ عَلَى قَفَايَ ، وَوَضَعْتُ إِحْدَى رِجْلَيَّ عَلَى الْأُخْرَى ، وَقُلْتُ : آهْ ! اسْتَرَحْتُ وَاللَّهِ مِنَ النَّسْخِ . فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا بِبَغْلَةٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ فِي يَدِ غُلَامٍ ، فَقُلْتُ : لِمَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : لِلشَّرِيفِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْغَرِيقِ . فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، نُعِيَ إِلَيْنَا أَبُو الْحُسَيْنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ الزَّاهِدُ يُوسُفُ الْهَمَذَانِيُّ : انْطَرَشَ أَبُو الْحُسَيْنِ ، فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا ، وَكَانَ دَائِمَ الْعِبَادَةِ ، قَرَأَ عَلَيْنَا حَدِيثَ الْمَلَكَيْنِ فَبَكَى بُكَاءً عَظِيمًا ، وَأَبْكَى الْحَاضِرِينَ . قَالَ ابْنُ خَيْرُونَ : مَاتَ فِي أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . وَفِيهَا مَاتَ السُّلْطَانُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ أَبُو شُجَاعٍ آرْسَلَانُ بْنُ جَغْرِيبَكَ ، وَاسْمُ جَغْرِيبَكَ : دَاوُدُ بْنُ مِيكَالَ بْنِ سَلْجُوقَ بْنِ تُقَاقَ بْنِ سَلْجُوقَ التُّرْكِيُّ الْمَلِكُ الْعَادِلُ ، وَجَدُّهُمْ تُقَاقُ تَفْسِيرُهُ : قَوْسٌ حَدِيدٌ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ التُّرْكِ مِنَ السَّلْجُوقِيَّةِ ، لَهُ مَمَالِكُ وَاسِعَةٌ ، وَمَوَاقِفُ مَشْهُودَةٌ ، وَتَرْجَمَتُهُ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ .
وَفِيهَا مَاتَ الْمَلِكُ مَلِكُ الْأُمَرَاءِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ أَحَدُ الْأَبْطَالِ ، جَرَتْ لَهُ حُرُوبٌ وَعَجَائِبُ ، وَأَظْهَرَ بِمِصْرَ السُّنَّةَ ، وَكَانَ عَمَّالًا عَلَى إِقَامَةِ الدَّوْلَةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ ، وَقَهَرَ الْعُبَيْدِيَّةَ ، وَتَهَيَّأَتْ لَهُ الْأَسْبَابُ ، وَتَرَكَ الْمُسْتَنْصِرَ عَلَى بَرْدِ الدِّيَارِ ، وَأَبَادَ الْكِبَارَ ، إِلَى أَنْ وَثْبَ عَلَيْهِ أَتْرَاكٌ ، فَقَتَلُوهُ ، وَقَدْ وَلِيَ نِيَابَةَ دِمَشْقَ مَرَّةً ، وَأَبُوهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ .