حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

الصَّالِحُ

الصَّالِحُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ عِمَادُ الدِّينِ أَبُو الْخِيَشِ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ شَاذِي صَاحِبُ دِمَشْقَ . حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ بِالسَّابِعِ مِنَ الْمَحَامِلِيَّاتِ قَرَأَهُ عَلَيْهِ السَّيْفُ ابْنُ الْمَجْدِ ، وَكَانَ لَهُ مَيْلٌ إِلَى الْمُقَادَسَةِ وَإِحْسَانٌ . تَمَلَّكَ بُصْرَى وَبِعْلَبَكَّ ، وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ وَاسْتَوْلَى عَلَى دِمَشْقَ أَعْوَامًا ، فَحَارَبَهُ صَاحِبُ مِصْرَ ابْنُ أَخِيهِ ، وَجَرَتْ لَهُ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ ، مَا بَيْنَ ارْتِفَاعٍ وَانْخِفَاضٍ .

وَكَانَ قَلِيلَ الْبَخْتِ بَطَلًا شُجَاعًا مَهِيبًا شَدِيدَ الْبَطْشِ ، مَلِيحَ الشَّكْلِ ، كَانَ فِي خِدْمَةِ أَخِيهِ الْأَشْرَفِ ، فَلَمَّا مَاتَ الْأَشْرَفُ تَوَثَّبَ عَلَى دِمَشْقَ ، وَتَمَلَّكَ ، فَجَاءَ أَخُوهُ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ الْكَامِلُ ، وَحَاصَرَهُ ، وَأَخَذَ مِنْهُ دِمَشْقَ ، وَرَدَّهُ إِلَى بَعْلِبَكَّ . فَلَمَّا مَاتَ الْكَامِلُ ، وَتَمَلَّكَ الْجَوَّادُ ثُمَّ الصَّالِحُ نَجْمُ الدِّينِ ، وَسَارَ نَجْمُ الدِّينِ يَقْصِدُ مِصْرَ ، هَجَمَ الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ بِإِعَانَةِ صَاحِبِ حِمْصَ الْمُجَاهِدِ ، فَتَمَلَّكَ دِمَشْقَ ثَانِيًا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ فَبَقِيَ بِهَا إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ . وَحَارَبَهُ الصَّالِحُ بِالْخُوَارَزْمِيَّةِ ، وَاسْتَعَانَ هُوَ بِالْفِرِنْجِ وَبَذَلَ لَهُمُ الشَّقَيفَ وَغَيْرَهَا فَمُقِتَ لِذَلِكَ ، وَكَانَ فِيهِ جَوْرٌ .

وَاسْتَقْضَى عَلَى النَّاسِ الرَّفِيعَ الْجِيلِيَّ ، وَتَضَرَّرَ الرَّعِيَّةُ بِدِمَشْقَ فِي حِصَارِ الْخُوَارَزْمِيَّةِ حَتَّى أُبِيعَ الْخُبْزُ رِطْلٌ بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ ، وَالْجُبْنُ وَاللَّحْمُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ ، وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ ، وَوَقَعَ فِيهِمْ وَبَاءٌ شَدِيدٌ . قَالَ الْمُؤَيَّدُ فِي تَارِيخِهِ : سَارَ الصَّالِحُ نَجْمُ الدِّينِ مِنْ دِمَشْقَ لِيَأْخُذَ مِصْرَ ، فَفَرَّ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ ، وَكَانَ اسْتَنَابَ بِدِمَشْقَ وَلَدَهُ الْمُغِيثَ عُمَرَ ، وَكَاتَبَ عَمَّهُ إِسْمَاعِيلَ يَسْتَدْعِيهِ مِنْ بَعْلَبَكَّ ، فَاعْتَذَرَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مَعَهُ ، وَهُوَ عَمَّالٌ فِي السِّرِّ عَلَى دِمَشْقَ ، وَفَهِمَ ذَلِكَ نَجْمُ الدِّينِ أَيُّوبُ ، فَبَعَثَ طَبِيبَهُ سَعْدَ الدِّينِ إِلَى بِعْلَبَكَّ مُتَفَرِّجًا ، وَبَعَثَ مَعَهُ قَفَصَ حَمَامٍ نَابُلُسِيٍّ ، لِيُبْطِقَ إِلَيْهِ بِأَخْبَارِ إِسْمَاعِيلَ فَعَلِمَ إِسْمَاعِيلُ بِمَجِيئِهِ ، فَاسْتَحْضَرَهُ وَاحْتَرَمَهُ ، وَاخْتَلَسَ الْحَمَامَ مِنَ الْقَفَصِ ، وَوَضَعَ مَكَانَهَا مِنْ حَمَامِ بَعْلَبَكَّ ، ثُمَّ صَارَ الطَّبِيبُ يُبْطِقُ : إِنَّ عَمَّكَ قَدْ جَمَعَ وَعَزَمَ عَلَى قَصْدِ دِمَشْقَ ، فَيُرْسِلُ الطَّيْرَ ، فَيَقَعُ فِي الْحَالِ بِالْقَلْعَةِ ، وَيَقْرَأُ ذَلِكَ إِسْمَاعِيلُ ، ثُمَّ يَكْتُبُ عَلَى لِسَانِ الطَّبِيبِ : إِنَّ عَمَّكَ قَدْ جَمَعَ لِيُعَاضِدَكَ وَهُوَ قَادِمٌ إِلَيْكَ ، وَيُرْسِلُ ذَلِكَ مَعَ طَيْرٍ نَابُلُسِيٍّ فَيَفْرَحُ نَجْمُ الدِّينِ ، وَيُعْرِضُ عَنْ مَا يَسْمَعُ ، إِلَى أَنْ رَاحَتْ مِنْهُ دِمَشْقُ . وَأَمَّا الصَّالِحُ إِسْمَاعِيلُ فَتَرَكَ دِمَشْقَ بَعْدَ ذَاكَ الْحِصَارِ الطَّوِيلِ ، وَقَنِعَ بِبَعْلَبَكَّ .

وَفِي مُعْجَمِ الْقُوصِيِّ فِي تَرْجَمَةِ الْأَشْرَافِ : فَأَخُوهُ إِسْمَاعِيلُ نَصَرَ الْكَافِرِينَ ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِمُ الْقِلَاعَ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى دِمَشْقَ سَرِقَةً ، وَحَنَثَ فِي يَمِينِهِ ، وَقَتَلَ مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ مَنْ كَانَ يَنْفَعُ فِي الْجِهَادِ ، وَصَادَرَ عَلَى يَدِ قُضَاتِهِ الْعِبَادَ ، وَخَرَّبَ الْأَمْلَاكَ ، وَطَوَّلَ ذَيْلَ الظُّلْمِ ، وَقَصَّرَ ذَيَّلَ الْعَدْلِ ، وَظَنَّ أَنَّ الْفَلَكَ لَهُ مُسْتَمِرٌّ ، فَسَقَطَ الدَّهْرُ لِغَفْلَتِهِ ، وَأَرَاهُ بَلَايَا . وَطَوَّلَ الْقُوصِيُّ . ثُمَّ ذَهَبَتْ مِنْهُ بَعْلَبَكَّ وَبُصَرَى ، وَتَلَاشَى أَمْرُهُ ، فَمَضَى إِلَى حَلَبَ ، وَافِدًا عَلَى ابْنِ ابْنِ أُخْتِهِ ، وَصَارَ مِنْ أُمَرَائِهِ ، وَأَتَى بِهِ فَتَمَلَّكُوا دِمَشْقَ ، فَلَمَّا سَارُوا لِيَأْخُذُوا مِصْرَ غُلِبَ الشَّامِيُّونَ ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ ، فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ ، فَسُجِنَ بِالْقَاهِرَةِ ، وَمَرُّوا بِهِ عَلَى تُرْبَةِ السُّلْطَانِ نَجْمِ الدِّينِ أَيُّوبَ فَصَاحَتِ الْبَحْرِيَّةُ يَا خُونْدُ أَيْنَ عَيْنُكَ تَنْظُرُ إِلَى عُدُوِّكَ ؟ ! قَالَ الْخَضِرُ بْنُ حَمَّوَيْهِ : وَفِي سَلْخِ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ أَخْرَجُوا الصَّالِحَ لَيْلًا ، وَمَضَوْا بِهِ إِلَى الْجَبَلِ فَقَتَلُوهُ وَعُفِّيَ أَثَرُهُ .

قُلْتُ : كُفِّرَ عَنْهُ بِالْقَتْلِ . قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ : لَمَّا أَتَوْا بِالصَّالِحِ بُكْرَةَ الْوَاقِعَةِ أُوقِفَ إِلَى جَانِبِ الْمُعِزِّ فَقَالَ لِحُسَامِ الدِّينِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ : يَا خُونْدُ أَمَا تُسَلِّمُ عَلَى الْمَوْلَى الْمَلِكِ الصَّالِحِ ؟ ! قَالَ : فَدَنَوْتُ مِنْهُ ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ : رَأَيْتُ الصَّالِحَ يَوْمَ دُخُولِ الْجَيْشِ مَنْصُورِينَ وَهُوَ بَيْنُ يَدَيِّ الْمُعِزِّ ، فَحَكَى لِيَ ابْنُ أَبِي عَلِيٍّ قَالَ : قُلْتُ لِلصَّالِحِ : هَلْ رَأَيْتَ الْقَاهِرَةَ قَبْلَ الْيَوْمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَأَنَا صَبِيٌّ .

ثُمَّ اعْتَقَلُوهُ أَيَّامًا ، فَقِيلَ : خَنَقُوهُ كَمَا خَنَقَ الْجَوَّادَ . وَكَانَ مَلِكًا شَهْمًا ، مُحْسِنًا إِلَى جُنْدِهِ ، كَثِيرَ التَّجَمُّلِ ، وَكَانَ أَبُوهُ الْعَادِلُ يُحِبُّ أُمَّ هَذَا ، وَلَهَا تُرْبَةٌ وَمَدْرَسَةٌ بِدِمَشْقَ . وَمِنْ أَوْلَادِهِ : الْمَلِكُ الْمَنْصُورُ مَحْمُودٌ الَّذِي سَلْطَنَهُ أَبُوهُ بِدِمَشْقَ ، وَالْمَلِكُ السَّعِيدُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَالِدُ الْمَلِكِ الْكَامِلِ .

وَالْمَلِكُ الْمَسْعُودُ وَالِدُ صَاحِبِنَا نَاصِرِ الدِّينِ . وَوَزَرَ لَهُ أَمِينُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ غَزَالٍ السَّامِرِيُّ ثُمَّ الْمُسْلِمَانِيُّ الطَّبِيبُ وَاقِفُ أَمِينِيَّةِ بَعْلَبَكَّ ، وَكَانَ رَقِيقَ الدِّينِ ظَلُومًا يَتَفَلْسَفُ ، شُنِقَ بِمِصْرَ فِي هَذِهِ الْفِتْنَةِ ، وَتَرَكَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً ، وَمِنَ الْكُتُبِ نَحْوَ عَشَرَةِ آلَافِ مُجَلَّدٍ .

موقع حَـدِيث