حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

بَقِيَّةُ أَحَادِيثِ غَزْوَةِ بَدْرٍ

غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى

مِنَ السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ ، رِوَايَةُ الْبَكَّائِيِّ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ قَدْ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ وَتِجَارَةٍ عَظِيمَةٍ ، فِيهَا ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ ، مِنْهُمْ : مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنَفِّلُكُمُوهَا . فَانْتَدَبَ النَّاسُ ، فَخَفَّ بَعْضُهُمْ ، وَثَقُلَ بَعْضٌ ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْقَى حَرْبًا . وَاسْتَشْعَرَ أَبُو سُفْيَانَ فَجَهَّزَ مُنْذِرًا إِلَى قُرَيْشٍ يَسْتَنْفِرُهُمْ إِلَى أَمْوَالِهِمْ . فَأَسْرَعُوا الْخُرُوجَ ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهِمْ أَحَدٌ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا لَهَبٍ قَدْ بَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ أَخَا أَبِي جَهْلٍ . وَلَمْ يُخْرَجْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ . وَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ شَيْخًا جَسِيمًا فَأَجْمَعَ الْقُعُودَ . فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بِمِجْمَرَةٍ وَبَخُورٍ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ : أَبَا عَلِيٍّ ، اسْتَجْمِرْ ! فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ . قَالَ : قَبَّحَكَ اللَّهُ ، ثُمَّ تَجَهَّزَ وَخَرَجَ مَعَهُمْ . وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَامِنِ رَمَضَانَ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَمْرَو ابْنَ أَمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الصَّلَاةِ . ثُمَّ رَدَّ أَبَا لُبَابَةَ مِنَ الرَّوْحَاءِ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ . وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ . وَكَانَ أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَايَتَانِ سَوْدَاوَانِ ؛ إِحْدَاهُمَا مَعَ عَلِيٍّ ، وَالْأُخْرَى مَعَ رَجُلٍ أَنْصَارِيٍّ . وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ .

[26/302]

فَكَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ بَعِيرًا يَعْتَقِبُونَهَا ، وَكَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلِيٌّ وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا . وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا . فَلَمَّا قَرُبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّفْرَاءِ بَعَثَ اثْنَيْنِ يَتَجَسَّسَانِ أَمْرَ أَبِي سُفْيَانَ . وَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِخُرُوجِ نَفِيرِ قُرَيْشٍ . فَاسْتَشَارَ النَّاسَ ، فَقَالُوا خَيْرًا . وَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغَمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ حَتَّى تَبْلُغَهُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ .

وَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ . فَسَّرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ وَقَالَ : سِيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنَّ رَبِّي قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ؛ إِمَّا الْعِيرُ وَإِمَّا النَّفِيرُ .

وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ . فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فِي نَفَرٍ إِلَى بَدْرٍ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ . فَأَصَابُوا رَاوِيَةً لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَسْلَمُ وَأَبُو يَسَارٍ مِنْ مَوَالِيهِمْ ، فَأَتَوْا بِهِمَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَسَأَلُوهُمَا فَقَالَا : نَحْنُ سُقَاةٌ لِقُرَيْشٍ . فَكَرِهَ الصَّحَابَةُ هَذَا الْخَبَرَ وَرَجَوْا أَنْ يَكُونُوا سُقَاةً لِلْعِيرِ . فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُمَا ، فَإِذَا آلَمَهُمَا الضَّرْبُ قَالَا : نَحْنُ مِنْ عِيرِ أَبِي سُفْيَانَ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إِذَا صَدَقَا ضَرَبْتُمُوهُمَا ، وَإِذَا كَذِبَا تَرَكْتُمُوهُمَا . ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ ؟ قَالَا : هُمْ وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ . فَسَأَلَهُمَا : كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ ؟ قَالَا : عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ أَوْ تِسْعًا : فَقَالَ : الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ .

وَأَمَّا اللَّذَانِ بَعَثَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَجَسَّسَانِ ، فَأَنَاخَا بِقُرْبِ مَاءِ بَدْرٍ وَاسْتَقَيَا فِي شَنِّهِمَا ، وَمَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو بِقُرْبِهِمَا لَمْ يَفْطِنَا بِهِ ، فَسَمِعَا

[26/303]

جَارِيَتَيْنِ مِنْ جِوَارِي الْحَيِّ تَقُولُ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى : إِنَّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ ، فَأَعْمَلُ لَهُمْ ثُمَّ أَقَضِيكِ . فَصَرَفَهُمَا مَجْدِيٌّ ، وَكَانَ عَيْنًا لِأَبِي سُفْيَانَ . فَرَجَعَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ . وَلَمَّا قَرُبَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ بَدْرٍ تَقَدَّمَ وَحْدَهُ حَتَّى أَتَى مَاءَ بَدْرٍ فَقَالَ لِمَجْدِيٍّ : هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا ؟ فَذَكَرَ لَهُ الرَّاكِبَيْنِ ، فَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ مُنَاخَهُمَا ، فَأَخَذَ مِنْ أَبْعَارِ بَعِيرَيْهِمَا فَفَتَّهُ ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى ، فَقَالَ : هَذِهِ وَاللَّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ . فَرَجَعَ سَرِيعًا فَصَرَفَ الْعِيرَ عَنْ طَرِيقِهَا ، وَأَخَذَ طَرِيقَ السَّاحِلِ فَنَجَا ، وَأَرْسَلَ يُخْبِرُ قُرَيْشًا أَنَّهُ قَدْ نَجَا فَارْجِعُوا . فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ مَاءَ بَدْرٍ ، وَنُقِيمَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَتَهَابُنَا الْعَرَبُ أَبَدًا .

وَرَجَعَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ بِبَنِي زُهْرَةَ كُلِّهِمْ ، وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا . ثُمَّ نَزَلَتْ قُرَيْشٌ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوَادِي .

وَسَبَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ وَمَنَعَ قُرَيْشًا مِنَ السَّبْقِ إِلَى الْمَاءِ مَطَرٌ عَظِيمٌ لَمْ يُصِبِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ إِلَّا مَا لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ . فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَدْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ . فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ ، أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ أَوْ نَتَأَخَّرَ عَنْهُ ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ فَقَالَ : بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ بِمَنْزِلٍ ، فَانْهَضْ بِنَا حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ الْقَوْمِ فَنَنْزِلَهُ وَنُغَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقُلُبِ ، ثُمَّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَأَهُ مَاءً ، فَنَشْرَبَ وَلَا يَشْرَبُونَ . فَاسْتَحْسَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِ ، وَفَعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ ، وَأَمَرَ بِالْقُلُبِ فَغُوِّرَتْ ، وَبَنَى حَوْضًا وَمَلَأَهُ مَاءً . وَبُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرِيشٌ يَكُونُ فِيهِ ، وَمَشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ ، فَأَرَى أَصْحَابَهُ مَصَارِعَ قُرَيْشٍ ، يَقُولُ : هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ . قَالَ : فَمَا عَدَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَصْرَعَهُ ذَلِكَ .

[26/304]

ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ فَحَزَرُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ فِيهِمْ فَارِسَانِ : الْمِقْدَادُ ، وَالزُّبَيْرُ . وَأَرَادَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قُرَيْشًا عَلَى الرُّجُوعِ فَأَبَوْا ، وَكَانَ الَّذِي صَمَّمَ عَلَى الْقِتَالِ أَبُو جَهْلٍ . فَارْتَحَلُوا مِنَ الْغَدِ قَاصِدِينَ نَحْوَ الْمَاءِ ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلِينَ قَالَ : اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتَكَذِّبُ رَسُولَكَ ، اللَّهُمَّ فَنَصْرَكَ الَّذِي وَعَدْتِنِي ، اللَّهُمَّ أَحَتِفْهِمُ الْغَدَاةَ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَأَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ : إِنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ ، إِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا .

وَكَانَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءِ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ بَعْثَ إِلَى قُرَيْشٍ حِينَ مَرُّوا بِهِ ، ابْنًا بِجَزَائِرَ هَدِيَّةً ، وَقَالَ : إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نُمِدَّكُمْ بِسِلَاحٍ وَرِجَالٍ فَعَلْنَا . فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ : أَنْ وَصْلَتْكَ رَحِمٌ ، قَدْ قَضَيْتَ الَّذِي يَنْبَغِي ، فَلَعَمْرِي لَئِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ فَمَا بِنَا ضَعْفٌ ، وَإِنْ كُنَّا إِنَّمَا نُقَاتِلُ اللَّهَ ، كَمَا يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ، مَا لِأَحَدٍ بِاللَّهِ مِنْ طَاقَةٍ .

فَلَمَّا نَزَلَ النَّاسُ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُمْ . فَمَا شَرِبَ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا قُتِلَ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَكَانَ إِذَا اجْتَهَدَ فِي يَمِينِهِ قَالَ : لَا وَالَّذِي نَجَّانِي يَوْمَ بَدْرٍ .

ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيَّ لِيُحْرِزَ الْمُسْلِمِينَ ، فَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْعَسْكَرِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : هُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَهُ ، وَلَكِنْ أَمْهِلُونِي حَتَّى أَنْظُرَ لِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ وَضَرَبَ فِي الْوَادِي ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا . فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا ، وَلَكِنِّي قَدْ رَأَيْتُ - يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ

[26/305]

الْمَوْتَ النَّاقِعَ ، قَوْمٌ لَيْسَ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إِلَّا سُيُوفُهُمْ ، وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ ، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَرَوْا رَأْيَكُمْ . فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ جِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى فِي النَّاسِ ، فَأَتَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فَقَالَ : يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا وَالْمُطَاعُ فِيهَا ، هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ لَا تَزَالَ تُذْكَرُ بِخَيْرٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ؟ قَالَ : وَمَا ذَاكَ يَا حَكِيمُ ؟ قَالَ : تَرْجِعُ بِالنَّاسِ ، وَتَحْمِلُ أَمْرَ حَلِيفِكَ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ . قَالَ : قَدْ فَعَلْتُ ، أَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ ، إِنَّمَا هُوَ حَلِيفِي فَعَلَيَّ عَقْلُهُ وَمَا أُصِيبَ مِنْ مَالِهِ ، فَأْتِ ابْنَ الْحَنْظَلِيَّةِ ، - وَالْحَنْظَلِيَّةُ أَمُّ أَبِي جَهْلٍ - فَإِنِّي لَا أَخْشَى أَنْ يَشْجُرَ أَمْرَ النَّاسِ غَيْرُهُ . ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ خَطِيبًا فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّكُمْ وَاللَّهِ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تَلْقَوْا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ شَيْئًا ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَبْتُمُوهُ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ الرَّجُلِ يَكْرَهُ النَّظَرَ إِلَيْهِ ، قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ وَابْنَ خَالِهِ أَوْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهِ ، فَارْجِعُوا وَخَلُّوا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَإِنْ أَصَابُوهُ فَذَاكَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ أَلْفَاكُمْ وَلَمْ تُعْرِّضُوا مِنْهُ مَا تُرِيدُونَ .

قَالَ حَكِيمٌ : فَأَتَيْتُ أَبَا جَهْلٍ فَوَجَدْتُهُ قَدْ شَدَّ دِرْعًا مِنْ جِرَابِهَا فَهُوَ يُهَيِّؤُهَا فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا الْحَكَمِ ، إِنَّ عُتْبَةَ قَدْ أَرْسَلَنِي بِكَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : انْتَفَخَ وَاللَّهِ سِحْرُهُ حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . كَلَّا ، وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ، وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَكَلَةَ جَزُورٍ ، وَفِيهِمُ ابْنُهُ قَدْ تَخَوَّفَكُمْ عَلَيْهِ . ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ : هَذَا حَلِيفُكَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّاسِ ، وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ ، فَقُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ وَمَقْتَلَ أَخِيكَ . فَقَامَ عَامِرٌ فَكَشَفَ رَأَسَهُ وَصَرَخَ : وَاعُمْرَاهُ ، وَاعُمْرَاهُ . فَحَمِيَتِ الْحَرْبُ وَحَقِبَ أَمْرُ النَّاسِ وَاسْتَوْسَقُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ ، وَأَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ رَأْيَ عُتْبَةَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ .

[26/306]

فَلَمَّا بَلَغَ عُتْبَةَ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ : انْتَفَخَ وَاللَّهِ سِحْرُهُ ، قَالَ : سَيَعْلَمُ مُصَفِّرُ اسْتِهِ مَنِ انْتَفَخَ سِحْرُهُ . ثُمَّ الْتَمَسَ عُتْبَةُ بَيْضَةً لِرَأْسِهِ ، فَمَا وَجَدَ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةً تَسَعُهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ ، فَاعْتَجَرَ عَلَى رَأْسِهِ بِبُرْدٍ لَهُ .

وَخَرَجَ الْأَسُودُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ وَكَانَ شَرِسًا سَيِّئَ الْخُلُقِ فَقَالَ : أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَشْرَبَنَّ مِنْ حَوْضِهِمْ أَوْ لَأَهْدِمَنَّهُ أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَهُ . وَأَتَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَالْتَقَيَا فَضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَقَطَعَ سَاقَهَ ، وَهُوَ دُونُ الْحَوْضِ ، فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخُبُ رِجْلُهُ دَمًا . ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْحَوْضِ حَتَّى اقْتَحَمَ فِيهِ لِيَبِرَّ يَمِينَهُ ، وَاتَّبَعَهُ حَمْزَةُ فَقَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ . ثُمَّ إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ خَرَجَ لِلْمُبَارَزِةِ بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ ، وَابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَدَعَوْا لِلْمُبَارَزَةِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَوْفٌ وَمُعَوِّذُ ابْنَا عَفْرَاءَ وَآخَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ . فَقَالُوا : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : مِنَ الْأَنْصَارِ . قَالُوا : مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ ، لِيَخْرُجْ إِلَيْنَا أَكْفَاؤُنَا مِنْ قَوْمِنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَيَا حَمْزَةُ ، وَيَا عَلِيُّ . فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُمْ ، قَالُوا : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَتَسَمَّوْا لَهُمْ . فَقَالَ : أَكْفَاءٌ كِرَامٌ . فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ وَكَانَ أَسَنَّ الْقَوْمِ عُتْبَةَ ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ . فَأَمَّا حَمْزَةُ فَلَمْ يُمْهِلْ شَيْبَةَ أَنْ قَتَلَهُ . وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يُمْهِلِ الْوَلِيدَ أَنْ قَتَلَهُ . وَاخْتَلَفَ عُتْبَةُ وَعُبَيْدَةُ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَيْنِ : كِلَاهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ . وَكَرَّ عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ عَلَى عُتْبَةَ فَدَفَّفَا عَلَيْهِ . وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ إِلَى أَصْحَابِهِمَا .

وَالصَّحِيحُ كَمَا سَيَأْتِي إِنَّمَا بَارَزَ حَمْزَةُ عُتْبَةَ ، وَعَلِيٌّ شَيْبَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ثُمَّ تَزَاحَفَ الْجَمْعَانِ . وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَحْمِلُوا حَتَّى

[26/307]

يَأْمُرَهُمْ وَقَالَ : انْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ . وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَرِيشِ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ رَمَضَانَ .

قَالَ سُفْيَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ : إِنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ . وَقَالَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ : سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يُعَظِّمُ سَابِعَ عَشْرَةَ وَيَقُولُ : هِيَ وَقْعَةُ بَدْرٍ . وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ فِي تَارِيخِ يَوْمِ بَدْرٍ ، وَقَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : كَانَتْ صَبِيحَةُ بَدْرٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ ، لَكِنْ رَوَى قُتَيْبَةُ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ : تَحَرُّوهَا لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِينَ ، صَبِيحَتُهَا يَوْمَ بَدْرٍ ، كَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْمَشْهُورُ مَا قَبْلَهُ .

ثُمَّ عَدَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّفُوفَ بِنَفْسِهِ ، وَرَجَعَ إِلَى الْعَرِيشِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَطْ ، فَجَعَلَ يُنَاشِدُ رَبَّهُ وَيَقُولُ : يَا رَبِّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ . وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، بَعْضَ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ . ثُمَّ خَفَقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْتَبَهَ ، وَقَالَ : أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَتَاكَ النَّصْرُ ، هَذَا جِبْرِيلُ آَخَذ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ .

فَرُمِيَ مِهْجَعُ مَوْلَى عُمَرَ بِسَهْمٍ ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . ثُمَّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ النَّجَّارِيُّ بِسَهْمٍ وَهُوَ يَشْرَبُ مِنَ الْحَوْضِ ، فَقُتِلَ .

ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّاسِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ ، فَقَاتَلَ

[26/308]

عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ حَتَّى قُتِلَ ، ثُمَّ قَاتَلَ عَوْفُ بْنُ عَفْرَاءَ - وَهِيَ أُمُّهُ - حَتَّى قُتِلَ .

ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى الْمُشْرِكِينَ بِحَفْنَةٍ مِنَ الْحَصْبَاءِ وَقَالَ : شَاهَتِ الْوُجُوهُ ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : شُدُّوا عَلِيْهِمْ . فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ ، وَقَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفْرِ : فَقُتِلَ سَبْعُونَ وَأُسِرَ مِثْلُهُمْ .

وَرَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْعَرِيشِ ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى الْبَابِ بِالسَّيْفِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، يَخَافُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَّةَ الْعَدُوِّ .

ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا ، فَمَنْ لَقِيَ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ فَلَا يَقْتُلْهُ ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ فَلَا يَقْتُلْهُ ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ مُسْتَكْرَهًا . فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ : أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ ، وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْجِمَنَّهُ بِالسَّيْفِ . فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِعُمَرَ : يَا أَبَا حَفْضٍ ، أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ : مَا أَنَا آمَنُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ يَوْمَئِذٍ ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا ، إِلَّا أَنْ تُكَفِّرَهَا عَنِّي الشَّهَادَةُ . فَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ .

وَكَانَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ أَكَفَّ الْقَوْمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ ، فَلَقِيَهُ الْمُجَذَّرَ بْنَ ذِيَادٍ الْبَلَوِيُّ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَانَا عَنْ قَتْلِكَ . فَقَالَ : وَزَمِيلِي جُنَادَةُ اللَّيْثِيُّ ؟ فَقَالَ الْمُجَذَّرُ : لَا وَاللَّهِ مَا أَمَرَنَا إِلَّا بِكَ وَحْدَكَ . فَقَالَ : لَأَمُوتَنَّ أَنَا وَهُوَ ، لَا يَتَحَدَّثُ عَنِّي نِسَاءُ مَكَّةَ أَنِّي تَرَكْتُ زَمِيلِي حِرْصًا عَلَى الْحَيَاةِ . فَاقْتَتَلَا ،

[26/309]

فَقَتَلَهُ الْمُجَذَّرُ . ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ جَهِدْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْسِرَ ، فَآتِيكَ بِهِ ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَنِي .

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ صَدِيقًا لِي بِمَكَّةَ ، قَالَ : فَمَرَرْتُ بِهِ وَمَعِي أَدْرَاعٌ قَدِ اسْتَلَبْتُهَا ، فَقَالَ لِي : هَلْ لَكَ فِيَّ ، فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأَدْرَاعِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، هَا اللَّهِ إِذًا . وَطَرَحْتُ الْأَدْرَاعَ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ . أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللَّبَنِ ؟ يَعْنِي : مَنْ أَسَرَنِي افْتَدَيْتُ مِنْهُ بِإِبِلٍ كَثِيرَةِ اللَّبَنِ . ثُمَّ جِئْتُ أَمْشِي بِهِمَا ، فَقَالَ لِي أُمَيَّةُ : مَنِ الرَّجُلُ الْمُعَلَّمُ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ ؟ قُلْتُ : حَمْزَةُ . قَالَ : ذَاكَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ . فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَقُودُهُمَا ، إِذْ رَآهُ بِلَالٌ ؛ وَكَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : رَأَسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا . قُلْتُ : أَيْ بِلَالُ ، أَبِأَسِيرَيَّ ؟ قَالَ : لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا . قَالَ : أَتَسْمَعُ يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ مَا تَقُولُ ؟ ثُمَّ صَرَخَ بِلَالٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : يَا أَنْصَارَ اللَّهِ ، رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا . قَالَ : فَأَحَاطُوا بِنَا ، وَأَنَا أَذُبُّ عَنْهُ . فَأَخْلَفَ رَجُلٌ السَّيْفَ ، فَضَرَبَ رِجْلَ ابْنِهِ فَوَقَعَ ، فَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً عَظِيمَةً ، فَقُلْتُ : انْجُ بِنَفْسِكَ ، وَلَا نَجَاءَ ، فَوَاللَّهِ مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . فَهَبَرُوهُمَا بِأَسْيَافِهِمْ ، فَكَانَ يَقُولُ : رَحِمَ اللَّهُ بِلَالًا ، ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي ، وَفَجَعَنِي بِأَسِيرَيَّ .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ غِفَارٍ ، قَالَ : أَقْبَلْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي حَتَّى أَصْعَدْنَا فِي جَبَلٍ يُشْرِفُ بِنَا عَلَى بَدْرٍ ، وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ ، نَنْتَظِرُ الدَّائِرَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ ، فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ . فَبَيْنَا نَحْنُ فِي الْجَبَلِ ، إِذَا دَنَتْ مِنَّا سَحَابَةٌ ، فَسَمِعْتُ فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، فَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ ، وَأَمَّا أَنَا

[26/310]

فَكِدْتُ أَهْلِكُ ، ثُمَّ تَمَاسَكْتُ .

رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَرَوَى الَّذِي بَعْدَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : لَوْ كَانَ مَعِي بَصَرِي وَكُنْتُ بِبَدْرٍ لَأَرَيْتُكُمُ الشّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ رِجَالٍ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيِّ ، قَالَ : إِنِّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ لِأَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ ، إِذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَتَلَهُ غَيْرِي .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ .

وَأَمَّا أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَاحْتَمَى فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ ، وَبَقِيَ أَصْحَابُهُ يَقُولُونَ : أَبُو الْحَكَمِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ . قَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ : فَلَمَّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي ، فَصَمَدْتُ نَحْوَهُ ، فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطَنَّتْ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ . فَوَاللَّهِ مَا أُشَبِّهُهَا حِينَ طَاحَتْ إِلَّا بِالنَّوَاةِ تَطِيحُ مِنْ تَحْتِ مِرْضَخَةِ النَّوَى حِينَ يُضْرَبُ بِهَا . فَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي فَطَرَحَ يَدِي ، فَتَعَلَّقَتْ بِجِلْدَةٍ مِنْ جَنْبِي ، وأجهضني القتال عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي ، فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلِيْهَا قَدَمِي ، ثُمَّ تَمَطَّيْتُ بِهَا عَلِيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا . قَالَ : ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ .

ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أَثْبَتَهُ ، وَتَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ ، وَقَاتَلَ مُعَوِّذٌ حَتَّى قُتِلَ ، وَقُتِلَ أَخُوهُ عَوْفٌ قَبْلَهُ . وَاسْمُ أَبِيهِمَا : الْحَارِثُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ الزُّرَقِيُّ .

[26/311]

ثُمَّ مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي جَهْلٍ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْتِمَاسِهِ ، وَقَالَ فِيمَا بَلَغَنَا : إِنْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ فِي الْقَتْلَى فَانْظُرُوا إِلَى أَثَرِ جُرْحٍ فِي رُكْبَتِهِ ، فَإِنِّي ازْدَحَمْتُ أَنَا وَهُوَ يَوْمًا عَلَى مَأْدُبَةٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ ، وَنَحْنُ غُلَامَانِ ؛ وَكُنْتُ أَشَفُّ مِنْهُ بِيَسِيرٍ ، فَدَفَعْتُهُ ، فَوَقَعَ عَلَى رُكْبَتِهِ فَجُحِشَ فِيهَا . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : فَوَجَدْتُهُ بِآخِرِ رَمَقٍ ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ . وَقَدْ كَانَ ضَبَثَ بِي مَرَّةً بِمَكَّةَ ، فَآذَانِي وَلَكَزَنِي . فَقُلْتُ لَهُ : هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَبِمَاذَا أَخْزَانِي ، وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ ؟ أَخْبِرْنِي لِمَنِ الدَّائِرَةُ الْيَوْمَ ؟ قُلْتُ : لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، ثُمَّ قَالَ : لَقَدِ ارْتَقَيْتَ ، يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ مُرْتَقًى صَعْبًا . قَالَ : فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ وَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَهْلٍ . قَالَ : آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . وَأَلْقَيْتُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ثُمَّ أَمَرَ بِالْقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي قَلِيبٍ هُنَاكَ . فَطُرِحُوا فِيهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، فَإِنَّهُ انْتَفَخَ فِي دِرْعِهِ فَمَلَأَهَا ، فَذَهَبُوا لِيُخْرِجُوهُ فَتَزَايَلَ ، فَأَقَرُّوهُ بِهِ ، وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ فَغَيَّبُوهُ .

فَلَمَّا أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ ، وَقَفَ عَلِيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا " . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا ؟ فَقَالَ : " مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا " .

[26/312]

وَفِي رِوَايَةٍ : فَنَادَاهُمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ : يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ . فَعَدَّدَ مَنْ كَانَ فِي الْقَلِيبِ .

زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ ، بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ ؛ كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَقَنِي النَّاسُ ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ .

وَعَنْ أَنَسٍ : لَمَّا سُحِبَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ إِلَى الْقَلِيبِ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ ابْنِهِ ، فَإِذَا هُوَ كَئِيبٌ مُتَغَيِّرٌ . فَقَالَ : لَعَلَّكَ قَدْ دَخَلَكَ مِنْ شَأْنِ أَبِيكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ مَا شَكَكْتُ فِي أَبِي وَلَا فِي مَصْرَعِهِ ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَعْرِفُ مِنْهُ رَأْيًا وَحِلْمًا ، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أَصَابَهُ وَمَا مَاتَ عَلَيْهِ أَحْزَنَنِي ذَلِكَ . فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ خَيْرًا .

وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَدْ أَسْلَمُوا ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ وَعَشَائِرُهُمْ ، وَفَتَنُوهُمْ عَنِ الدِّينِ فَافْتَتَنُوا - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدِّينِ - ثُمَّ سَارُوا مَعَ قَوْمِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا . وَفِيهِمْ نَزَلَتْ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ( 97 ) ) الْآيَةَ .

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : فِينَا أَهْلَ بَدْرٍ نَزَلَتِ الْأَنْفَالُ حِينَ تَنَازَعْنَا فِي الْغَنِيمَةِ وَسَاءَتْ فِيهَا أَخْلَاقُنَا ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِهِ ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى السَّوَاءِ .

ثُمَّ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، بَشِيرَيْنِ إِلَى

[26/313]

الْمَدِينَةِ . قَالَ أُسَامَةُ : أَتَانَا الْخَبَرُ حِينَ سَوَّيْنَا عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَهَا ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَنِي عَلِيْهَا مَعَ عُثْمَانَ .

ثُمَّ قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ الْأُسَارَى ؛ فِيهِمْ : عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ . فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ مَضِيقِ الصَّفْرَاءِ قَسَّمَ النَّفْلَ ، فَلَمَّا أَتَى الرَّوْحَاءَ لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ يُهَنِّئُونَهُ بِالْفَتْحِ ، فَقَالَ لَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ : مَا الَّذِي تُهَنِّئُونَا بِهِ ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ لَقِينَا إِلَّا عَجَائِزَ ضُلَّعًا كَالْبُدْنِ الْمُعَقَّلَةِ فَنَحَرْنَاهَا . فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أَيِ ابْنَ أَخِي ، أُولَئِكَ الْمَلَأُ . يَعْنِي الْأَشْرَافَ وَالرُّؤَسَاءَ .

ثُمَّ قَتَلَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَبْدَرِيَّ بِالصَّفْرَاءِ ، وَقَتَلَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، فَقَالَ عُقْبَةُ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ : فَمَنْ لِلصِّبْيَةِ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : النَّارُ . فَقَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ ، وَقِيلَ : عَلِيٌّ .

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ عُقْبَةَ قَالَ : أَتَقْتُلُنِي يَا مُحَمَّدُ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَتُدْرُونَ مَا صَنَعَ هَذَا بِي ؟ جَاءَ وَأَنَا سَاجِدٌ خَلْفَ الْمَقَامِ فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي وَغَمَزَهَا ، فَمَا رَفَعَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ عَيْنَيَّ سَتَنْدُرَانِ ، وَجَاءَ مَرَّةً أُخْرَى بِسَلى شَاةٍ فَأَلْقَاهُ عَلَى رَأْسِي وَأَنَا سَاجِدٌ ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَغَسَلَتْهُ عَنْ رَأْسِي .

موقع حَـدِيث