غَنَائِمُ بَدْرٍ وَالْأَسْرَى
) ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ( 5 ) ) . يَقُولُ : فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ . فَكَذَلِكَ أَيْضًا : أَطِيعُونِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِعَاقِبَةِ هَذَا مِنْكُمْ .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ . وَقَالَ : فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّوَاءِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ يُونُسَ : حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فَدِيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ قُلْتُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ ، وَلَكِنْ أَرَى أَنَّ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ; فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنِي مِنْ فُلَانٍ ; نَسِيبٍ لِعُمَرَ ; فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا . فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ . فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَبْكِيَانِ .
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بِكَيْتُ ، وَإِلَّا تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا . فَقَالَ : أَبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَى أَصْحَابِكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ( 67 ) ) إِلَى قَوْلِهِ : ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا ( 69 ) ) ، فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الْغَنِيمَةَ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : أَنْتَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْحَطَبِ فَأَضْرِمْ نَارًا ثُمَّ أَلْقِهِمْ فِيهَا . فَقَالَ الْعَبَّاسُ : قَطَّعَ اللَّهُ رَحِمَكَ . فَقَالَ عُمَرُ : قَادَتْهُمْ وَرُؤُوسُهُمْ قَاتَلُوكَ وَكَذَّبُوكَ ، فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَشِيرَتُكَ وَقَوْمُكَ . ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ .
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ ؟ إِنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ كَمَثَلِ إِخْوَةٍ لَهُمْ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ; قَالَ نُوحٌ : ( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ( 26 ) ) ، وَقَالَ مُوسَى : ( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ( 88 ) ) ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : ( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) ) ، وَقَالَ عِيسَى : ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ( 118 ) ) الْآيَةَ . وَأَنْتُمْ قَوْمٌ بِكُمْ عَيْلَةٌ ، فَلَا يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ بِضَرْبَةِ عُنُقٍ . فَقُلْتُ : إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ ، قَدْ سَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِالْإِسْلَامِ .
فَسَكَتَ . فَمَا كَانَ يَوْمٌ أَخْوَفَ عِنْدِي أَنْ يُلْقِيَ اللَّهُ عَلَيَّ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ يَوْمِي ذَلِكَ ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْعَبَّاسِ قَدْ أَسَرَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : لَيْسَ هَذَا أَسَرَنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ آزَرَكَ اللَّهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسَ أَبُو الْيَسَرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَسَرْتَهُ ؟ فَقَالَ : لَقَدْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مَا رَأَيْتُهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ، هَيْئَتُهُ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : لَقَدْ أَعَانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ . وَقَالَ لِلْعَبَّاسِ : افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ .
فَأَبَى وَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا وَإِنَّمَا اسْتَكْرَهُونِي . قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا ، فَافْدِ نَفْسَكَ . وَكَانَ قَدْ أُخِذَ مَعَهُ عِشْرُونَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ احْسِبْهَا لِي مِنْ فِدَائِي .
قَالَ : لَا ، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَا اللَّهُ مِنْكَ . وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ الزُّهْرِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي الْيَسَرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : نَظَرْتُ إِلَى الْعَبَّاسِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّهُ صَنَمٌ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ، فَقُلْتُ : جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ شَرًّا ، تُقَاتِلُ ابْنَ أَخِيكَ مَعَ عَدُوِّهِ ؟ قَالَ : مَا فَعَلَ ، أَقُتِلَ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ أَعَزُّ لَهُ وَأَنْصَرُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : مَا تُرِيدُ إِلَيَّ ؟ قُلْتُ : إِسَارٌ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِكَ .
قَالَ : لَيْسَتْ بِأَوَّلِ صِلَتِهِ . فَأَسَرْتُهُ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ .
وَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا . فَنَزَلَ فِيهِ ( إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ( 70 ) ) ، قَالَ الْعَبَّاسُ : فَأَعْطَانِي اللَّهُ مَكَانَ الْعِشْرِينَ أُوقِيَّةً عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ ، مَعَ مَا أَرْجُو مِنَ الْمَغْفِرَةِ . وَقَالَ أَزْهَرُ السَّمَّانُ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَبَعْضُهُمْ يُرْسِلُهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ : إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ ، وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ .
وَكَانَ آخِرَ السَّبْعِينَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ . هَذَا الْحَدِيثُ دَاخِلٌ فِي مُعْجِزَاتِهِ ، وَإِخْبَارِهِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ فِيمَنْ يُسْتَشْهَدُ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ . وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ الْعَبْدَرِيُّ ، قَالَ : لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأُسَارَى فَرَّقَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ : اسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا .
قَالَ نُبَيْهٌ : فَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ عَنْ أَبِي عَزِيزٍ ، قَالَ : كُنْتُ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا . فَإِنْ كَانَ لَيُقَدَّمُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ فَمَا تَقَعُ بِيَدِ أَحَدِهِمْ كَسْرَةٌ إِلَّا رَمَى بِهَا إِلَى أَسِيرِهِ ، وَيَأْكُلُونَ التَّمْرَ . فَكُنْتُ أَسْتَحْيِي فَآخِذُ الْكِسْرَةَ فَأَرْمِي بِهَا إِلَى الَّذِي رَمَى بِهَا إِلَيَّ ، فَيَرْمِي بِهَا إِلَيَّ .
أَبُو عَزِيزٍ هُوَ أَخُو مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، يُقَالُ : إِنَّهُ أَسْلَمَ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرُهُ : إِنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعَمِائَةٍ .
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْهُ . وَقَالَ أَسْبَاطٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ : كَانَ فِدَاءُ أَهْلِ بَدْرٍ : الْعَبَّاسِ ، وَعَقِيلٍ ابْنِ أَخِيهِ ، وَنَوْفَلٍ ، كُلُّ رَجُلٍ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ . وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كَرْهًا ، لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا ، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ فَلَا يَقْتُلْهُ ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ فَلَا يَقْتُلْهُ ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ فَلَا يَقْتُلْهُ ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا .
فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ : : أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ ؟ وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لِأُلْحِمَنَّهُ بِالسَّيْفِ . فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : يَا أَبَا حَفْصٍ ، أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَافَقَ . فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بَعْدُ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا آمَنُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا ، إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَهَا اللَّهُ عَنِّي بِشَهَادَةٍ .
فَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ أَكَفَّ الْقَوْمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ . وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَ الْأَسْرَى فِدَاءً لِكَوْنِهِ مُوسِرًا ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ ذَهَبٍ .
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا فِدَاءَهُ . فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا تَذَرُنَّ دِرْهَمًا . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ ، عَلَيْكَ بِالْعِيرِ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ . فَقَالَ الْعَبَّاسُ وَهُوَ فِي وِثَاقِهِ : لَا يَصْلُحُ . قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَقَدْ أَعْطَاكَ مَا وَعَدَكَ .
وَقَدْ ذَكَرَ إِرْسَالَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِلَادَتِهَا فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ زَوْجِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْهَادِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ خَرَجَتِ ابْنَتُهُ زَيْنَبُ مِنْ مَكَّةَ مَعَ كِنَانَةَ أَوِ ابْنِ كِنَانَةَ فَخَرَجُوا فِي أَثَرِهَا . فَأَدْرَكَهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُ بَعِيرَهَا بِرُمْحِهِ حَتَّى صَرَعَهَا ، وَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا وَأُهْرِيقَتْ دَمًا .
فَتَحَمَّلَتْ . فَاشْتَجَرَ فِيهَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو أُمَيَّةَ . فَقَالَتْ بَنُو أُمَيَّةَ : نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا .
وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْعَاصِ ، فَكَانَتْ عِنْدَ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهَا هِنْدُ : هَذَا مِنْ سَبَبِ أَبِيكِ . قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ : أَلَا تَنْطَلِقُ فَتَأْتِي بِزَيْنَبَ ! فَقَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَخُذْ خَاتَمِي فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ .
فَانْطَلَقَ زَيْدٌ ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَلَطَّفُ حَتَّى لَقِيَ رَاعِيًا فَقَالَ لَهُ : لِمَنْ تَرْعَى ؟ قَالَ : لِأَبِي الْعَاصِ . قَالَ : فَلِمَنْ هَذِهِ الْغَنَمُ ؟ قَالَ : لِزَيْنَبَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ . فَسَارَ مَعَهُ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لَهُ : هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا تُعْطِيهَا إِيَّاهُ ، وَلَا تَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
فَأَعْطَاهُ الْخَاتَمَ . وَانْطَلَقَ الرَّاعِي حَتَّى دَخَلَ فَأَدْخَلَ غَنَمَهُ وَأَعْطَاهَا الْخَاتَمَ ، فَعَرَفَتْهُ ، فَقَالَتْ : مَنْ أَعْطَاكَ هَذَا ؟ قَالَ : رَجُلٌ . قَالَتْ : فَأَيْنَ تَرَكْتَهُ ؟ قَالَ : بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا .
فَسَكَتَتْ ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَتْ إِلَيْهِ ، فَقَالَ لَهَا : ارْكَبِي بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى بَعِيرِهِ . فَقَالَتْ : لَا ، وَلَكِنِ ارْكَبْ أَنْتَ بَيْنَ يَدَيَّ . وَرَكِبَتْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَتَتِ الْمَدِينَةَ .
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي ، أُصِيبَتْ فِيَّ . قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ، فَانْطَلَقَ إِلَى عُرْوَةَ فَقَالَ : مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ تَتَنَقِصُ بِهِ فَاطِمَةَ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَأَنِّي أَتَنَقَّصُ فَاطِمَةَ حَقًّا هُوَ لَهَا ، وَأَمَّا بَعْدُ فَلَكَ أَنْ لَا أُحَدِّثَهُ أَبَدًا .