حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

ذِكْرُ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ

) ) ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَّبِعُونَ . فَقَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ . فَلَمَّا رَأَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ كَثْرَةَ اسْتِشَارَتِهِ ظَنَّ سَعْدٌ أَنَّهُ يَسْتَنْطِقُ الْأَنْصَارَ شَفَقًا أَنْ لَا يَسْتَحْوِذُوا مَعَهُ ، أَوْ قَالَ : أَنْ لَا يَسْتَجْلِبُوا مَعَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ ، فَقَالَ : لَعَلَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْشَى أَنْ لَا تَكُونَ الْأَنْصَارُ يُرِيدُونَ مُوَاسَاتَكَ ، وَلَا يَرَوْنَهَا حَقًّا عَلِيْهِمْ ، إِلَّا بِأَنْ يَرَوْا عَدُوًّا فِي بُيُوتِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، وَإِنِّي أَقُولُ عَنِ الْأَنْصَارِ وَأُجِيبُ عَنْهُمْ ، فَاظْعَنْ حَيْثُ شِئْتَ ، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ ، وَأَعْطِنَا مَا شِئْتَ ، وَمَا أَخَذْتَهُ مِنَّا أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَهُ عَلِيْنَا ، فَوَاللَّهِ لَوْ سِرْتَ حَتَّى تَبْلُغَ الْبَرْكَ مِنْ غِمْدِ ذِي يَمَنٍ لِسِرْنَا مَعَكَ .

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنِّي قَدْ أرَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ . فَعَمَدَ لِبَدْرٍ . وَخَفْضَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَصِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ ، وَأَحْرَزَ مَا مَعَهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِالْجُحْفَةِ .

فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَقْدَمَ بَدْرًا فَنُقِيمَ بِهَا . فَكَرِهَ ذَلِكَ الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ وَأَشَارَ بِالرَّجْعَةِ ، فَأَبَوْا وَعَصَوْهُ ، فَرَجَعَ بِبَنِي زُهْرَةَ فَلَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَدْرًا . وَأَرَادَتْ بَنُو هَاشِمٍ الرُّجُوعَ فَمَنَعَهُمْ أَبُو جَهْلٍ .

وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ بَدْرٍ ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَجَمَاعَةً يَكْشِفُونَ الْخَبَرَ ، فَوَجَدُوا وَارِدَ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْقَلِيبِ ، فَوَجَدُوا غُلَامَيْنِ فَأَخَذُوهُمَا فَسَأَلُوهُمَا عَنِ الْعِيرِ ، فَطَفِقَا يُحَدِّثَانِهِمْ عَنْ قُرَيْشٍ ، فَضَرَبُوهُمَا . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْمَنْزِلِ . فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ السُّلَمِيُّ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَالِمٌ بِهَا وَبِقُلُبِهَا ; إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى قَلِيبٍ مِنْهَا قَدْ عَرَفْتُهَا كَثِيرَةَ الْمَاءِ عَذْبَةً ، فَتَنْزِلَ عَلِيْهَا وَتَسْبِقَ الْقَوْمَ إِلَيْهَا وَنُغَوِّرَ مَا سِوَاهَا .

فَقَالَ : سِيرُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَكُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ . فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ نَاسٍ كَثِيرٍ الْخَوْفُ . فَتَسَارَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ إِلَى الْمَاءِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَطَرًا وَاحِدًا ; فَكَانَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بَلَاءً شَدِيدًا مَنْعَهُمُ أَنْ يَسِيرُوا ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِيمَةً خَفِيفَةً لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ ، فَسَبَقُوا إِلَى الْمَاءِ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ شِطْرَ اللَّيْلِ ، فَاقْتَحَمَ الْقَوْمُ فِي الْقَلِيبِ فَمَاحُوهَا حَتَّى كَثُرَ مَاؤُهَا ، وَصَنَعُوا حَوْضًا عَظِيمًا ، ثُمَّ غَوَّرُوا مَا سِوَاهُ مِنَ الْمِيَاهِ .

وَيُقَالُ : كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسَانِ ; عَلَى أَحَدِهِمَا : مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَعَلَى الْآخَرِ : سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ . وَمَرَّةً الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ، وَالْمِقْدَادُ . ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحِيَاضِ ، فَلَمَّا طَلَعَ الْمُشْرِكُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا زَعَمُوا : اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ .

وَاسْتَنْصَرَ الْمُسْلِمُونَ اللَّهَ وَاسْتَغَاثُوهُ ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُمْ . فَنَزَلَ الْمُشْرِكُونَ وَتَعَبَّأوا لِلْقِتَالِ ، وَمَعَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ الْمُدْلِجِيِّ يُحَدِّثُهُمْ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ وَرَاءَهُ قَدْ أَقْبَلُوا لِنَصْرِهِمْ . قَالَ : فَسَعَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَ : هَلْ لَكَ أَنْ تَكُونَ سَيِّدَ قُرَيْشٍ مَا عِشْتَ ؟ قَالَ : فَأَفْعَلُ مَاذَا ؟ قَالَ : تُجِيرُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَحْمِلُ دِيَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، وَبِمَا أَصَابَ مُحَمَّدٌ فِي تِلْكَ الْعِيرِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ هَذَا .

قَالَ عُتْبَةُ : نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ ، وَنِعَمَّا قُلْتَ ، فَاسْعَ فِي عَشِيرَتِكَ فَأَنَا أَتَحَمَّلُ بِهَا . فَسَعَى حَكِيمٌ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ . وَرَكِبَ عُتْبَةُ جَمَلًا لَهُ ، فَسَارَ عَلَيْهِ فِي صُفُوفِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي وَدَعُوا هَذَا الرَّجُلَ ; فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا وَلِيَ قَتْلَهُ غَيْرُكُمْ مِنَ الْعَرَبِ فَإِنَّ فِيهِمْ رِجَالًا لَكُمْ فِيهِمْ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تَقْتُلُوهُمْ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ أَخِيهِ أَوِ ابْنِهِ أَوِ ابْنِ أَخِيهِ أَوِ ابْنِ عَمِّهِ ، فَيُورِثُ ذَلِكَ فِيكُمْ إِحَنًا وَضَغَائِنَ .

وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا كُنْتُمْ فِي مُلْكِ أَخِيكُمْ . وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ تَقْتُلُوا النَّبِيَّ فَتُسَبُّوا بِهِ . وَلَنْ تَخْلُصُوا إِلَيْهِمْ حَتَّى يُصِيبُوا أَعْدَادَكُمْ ، وَلَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدَّبَرَةُ عَلَيْكُمْ .

فَحَسَدَهُ أَبُو جَهْلٍ عَلَى مَقَالَتِهِ : وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُنَفِّذَ أَمْرَهُ ، وَعُتْبَةُ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْمُشْرِكِينَ . فَعَمَدَ أَبُو جَهْلٍ إِلَى ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَهُوَ أَخُو الْمَقْتُولِ فَقَالَ : هَذَا عُتْبَةُ يُخَذِّلُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَقَدْ تَحَمَّلَ بِدِيَةِ أَخِيكَ ، يَزْعُمُ أَنَّكَ قَابِلُهَا ، أَفَلَا تَسْتَحْيُونَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقْبَلُوا الدِّيَةَ ؟ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ : إِنَّ عُتْبَةَ قَدْ عَلِمَ أَنَّكُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَمَنْ مَعَهُ ، وَفِيهِمُ ابْنُهُ وَبَنُو عَمِّهِ ، وَهُوَ يَكْرَهُ صَلَاحَكُمْ . وَقَالَ لِعُتْبَةَ : انْتَفَخَ سِحْرُكَ .

وَأَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يُعَوِّلْنَ عَمْرًا ، فَقُمْنَ يَصِحْنَ : وَاعَمْرَاهُ وَاعَمْرَاهُ ; تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ . وَقَامَ رِجَالٌ فَتَكَشَّفُوا ; يُعَيِّرُونَ بِذَلِكَ قُرَيْشًا ، فَأَخَذَتْ قُرَيْشٌ مَصَافَّهَا لِلْقِتَالِ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَأُسِرَ نَفَرٌ مِمَّنْ أَوْصَى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَقْتُلُوهُمْ إِلَّا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ ، فَإِنَّهُ أَبَى أَنْ يَسْتَأْسِرَ ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوهُ إِنِ اسْتَأْسَرَ ، فَأَبَى .

وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ أَبَا الْيَسَرِ قَتَلَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ ، وَيَأْبَى عِظَمُ النَّاسِ إِلَّا أَنَّ الْمُجَذَّرَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ . بَلْ قَتَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيُّ . قَالَ : وَوَجَدَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَبَا جَهْلٍ مَصْرُوعًا ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْرَكَةِ غَيْرُ كَثِيرٍ ، مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ وَاضِعًا سَيْفَهُ عَلَى فَخِذَيْهِ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَرِّكَ مِنْهُ عُضْوًا ، وَهُوَ مُنْكَبٌّ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ .

فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أَطَافَ حَوْلَهُ لِيَقْتُلَهُ وَهُوَ خَائِفٌ أَنْ يَثُورَ إِلَيْهِ ، وَأَبُو جَهْلٍ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ لَا يَتَحَرَّكُ ظَنَّ أَنَّهُ مُثْبَتٌ جِرَاحًا ، فَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَيْفِهِ ، فَخَشِيَ أَنْ لَا يُغْنِي سَيْفُهُ شَيْئًا ، فَأَتَاهُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَتَنَاوَلَ قَائِمَ سَيْفِهِ فَاسْتَلَّهُ وَهُوَ مُنَكَّبٌ ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ سَابِغَةَ الْبَيْضَةِ عَنْ قَفَاهُ فَضَرَبَهُ ، فَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ سَلَبَهُ . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ إِذَا هُوَ لَيْسَ بِهِ جِرَاحٌ ، وَأَبْصَرَ فِي عُنُقِهِ خِدْرًا ، وَفِي يَدَيْهِ وَفِي كَتِفَيْهِ كَهَيْئَةِ آثَارِ السِّيَاطِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَلِكَ ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ . قَالَ : وَأَذَلَّ اللَّهُ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ رِقَابَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ، فَلَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ مُنَافِقٌ وَلَا يَهُودِيٌّ إِلَّا وَهُوَ خَاضِعٌ عُنُقَهُ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ .

وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْفَرْقَانِ ; يَوْمَ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْإِيمَانِ . وَقَالَتِ الْيَهُودُ : تَيَقَّنَّا أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَاللَّهِ لَا يَرْفَعُ رَايَةً بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَّا ظَهَرَتْ . وَأَقَامَ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى قَتْلَاهُمُ النَّوْحَ بِمَكَّةَ شَهْرًا .

ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَدَخَلَ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ . وَنَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ فِيمَا كَرِهُوا مِنْ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْرٍ ، فَقَالَ : ( ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ( 5 ) ) ، وَثَلَاثَ آيَاتٍ مَعَهَا . ثُمَّ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَآخِرِهَا .

وَقَالَ رِجَالٌ مِمَّنْ أُسِرَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا مُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا أُخْرِجْنَا كُرْهًا ، فَعَلَامَ يُؤْخَذُ مِنَّا الْفِدَاءُ ؟ فَنَزَلَتْ : ( قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ( 70 ) ) . حَذَفْتُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَثِيرًا مِمَّا سَلَفَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ اسْتِغْنَاءً بِمَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِنَحْوِ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا دَاوُدَ الْمَازِنِيَّ فِي قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، وَزَادَ يَسِيرًا .

وَقَالَ هُوَ وَابْنُ عُقْبَةَ : إِنَّ عَدَدَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ . وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا ، وَأُسِرَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا . كَذَا قَالَا .

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : اسْتُشْهِدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَسَبْعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ . وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِضْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، وَكَانَتِ الْأُسَارَى أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ أَسِيرًا . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ : هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى سَبْعِينَ ، وَأُسِرَ مِثْلُ ذَلِكَ .

وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ الْبَرَاءِ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ ، قَالَ : أَصَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً ; سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا ، وَأَصَابُوا مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَ عُثْمَانَ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَى بِنْتِهِ رُقَيَّةَ أَيَّامَ بَدْرٍ . فَجَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَلَى الْعَضْبَاءِ ، نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبِشَارَةِ .

قَالَ أُسَامَةُ : فَسَمِعْتُ الْهَيْعَةَ ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا أَبِي قَدْ جَاءَ بِالْبِشَارَةِ ، فَوَاللَّهِ مَا صَدَّقْتُ حَتَّى رَأَيْنَا الْأُسَارَى ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ بِسَهْمِهِ . وَقَالَ عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَالَ : أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ ، عَلَيْهِ خُلْقَانٌ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ . قَالَ جَعْفَرٌ : فَأَشْفَقْنَا مِنْهُ حِينَ رَأَيْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ .

فَقَالَ : أُبَشِّرُكُمْ بِمَا يَسُرُّكُمْ ; إِنَّهُ جَاءَنِي مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمْ عَيْنٌ لِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلَكَ عَدُّوَهُ ، وَأُسِرَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، الْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ ، كَثِيرُ الْأَرَاكِ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، كُنْتُ أَرْعَى بِهِ لِسَيِّدِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ إِبِلَهُ . فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ : مَا بَالُكَ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ ، لَيْسَ تَحْتَكَ بِسَاطٌ ، وَعَلَيْكَ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ ؟ قَالَ : إِنَّا نَجِدُ فِيمَا أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ حَقًّا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُحْدِثُوا تَوَاضُعًا عِنْدَمَا أَحْدَثَ لَهُمْ مَنْ نِعْمَتِهِ . فَلَمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لِي نَصْرَ نَبِيِّهِ أَحْدَثْتُ لَهُ هَذَا التَّوَاضُعَ .

ذَكَرَ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الْوَاقِدِيُّ فِي مَغَازِيهِ بِلَا سَنَدٍ .

موقع حَـدِيث