عُمَرَ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
سِيرَةُ عُمَرَ الْفَارُوقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عُمَرُ الْفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، أَبُو حَفْصٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ ، الْفَارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . اسْتُشْهِدَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَأُمُّهُ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّةُ أُخْتُ أَبِي جَهْلٍ ، أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَلَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً . رَوَى عَنْهُ : عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ ، وَمَوْلَاهُ أَسْلَمُ ، وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ أَبِي أَبْيَضَ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ ، طُوَالًا ، أَصْلَعَ ، أَشْيَبَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ أَمْهَقَ ، طُوَالًا ، أَصْلَعَ ، آدَمَ ، أَعْسَرَ يَسَرَ . وَقَالَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ : كَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا ، شَدِيدَ الصَّلَعِ ، شَدِيدَ الْحُمْرَةِ ، فِي عَارِضَيْهِ خِفَّةٌ ، وَسَبَلَتُهُ كَبِيرَةٌ ، وَفِي أَطْرَافِهَا صُهْبَةٌ ، إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَتَلَهَا .
وَقَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ : كَانَ عُمَرُ أَرْوَحَ ، كَأَنَّهُ رَاكِبٌ وَالنَّاسُ يَمْشُونَ ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي سَدُوسٍ . وَالْأَرْوَحُ : الَّذِي يَتَدَانَى قَدَمَاهُ إِذَا مَشَى . وَقَالَ أَنَسٌ : كَانَ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ .
وَقَالَ سِمَاكٌ : كَانَ عُمَرُ يُسْرِعُ فِي مِشْيَتِهِ . وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى أُذُنَهُ الْيُسْرَى وَيَثِبُ عَلَى فَرَسِهِ فَكَأَنَّمَا خُلِقَ عَلَى ظَهْرِهِ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهٍ جَيِّدَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامِ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْلَامَهُ فِي التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : لَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ فِي اخْتِفَاءٍ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ نَزَلَتْ فِي عُمَرَ خَاصَّةً . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ .
وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ : إِنَّ النَّاسَ يَزِيدُهُمْ حِرْصًا عَلَى الْإِسْلَامِ أَنْ يَرَوْا عَلَيْكَ زِيًّا حَسَنًا مِنَ الدُّنْيَا . فَقَالَ : أَفْعَلُ ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّكُمَا تَتَّفِقَانِ لِي عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ مَا عَصَيْتُكُمَا فِي مَشُورَةٍ أَبَدًا . وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِي وَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، وَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَسَنٌ .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ . وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ يَرْفَعُهُ : إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وَزِيرَيْنِ ، وَوَزِيرَايَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي أَرْوَى الْدَوْسِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَيَّدَنِي بِكُمَا .
تَفَرَّدَ بِهِ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَقَدْ مَرَّ فِي تَرْجَمَةِ الصِّدِّيقِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُقْبِلَيْنِ ، فَقَالَ : هَذَانَ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا ، فَقَالَ : هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَقَالَ زَائِدَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . وَرَوَاهُ سَالِمٌ أَبُو الْعَلَاءِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ .
وَحَدِيثُ زَائِدَةَ حَسَنٌ . وَرَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ طَلَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَقَالَ : هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ . وَيُرْوَى نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَقْرِئْ عُمَرَ السَّلَامَ ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ غَضَبَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرِضَاهُ حُكْمٌ . الْمُرْسَلُ أَصَحُّ ، وَبَعْضُهُمْ يَصِلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ .
وَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفْرَقُ مِنْ عُمَرَ . رَوَاهُ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ . وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي زَفْنِ الْحَبَشَةِ لَمَّا أَتَى عُمَرُ : إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَقَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ .
صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَقَالَ حُسَيْنُ بْنُ وَاقَدٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَمَةً سَوْدَاءَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَجَعَ مِنْ غَزَاةٍ ، فَقَالَتْ : إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ عِنْدَكَ بِالدُّفِّ ، قَالَ : إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي فَضَرَبَتْ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَجَعَلَتْ دُفَّهَا خَلْفَهَا وَهِيَ مُقْعِيَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَفْرَقُ مِنْكَ يَا عُمَرُ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَبْطَأَ خَبَرُ عُمَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، فَأَتَى امْرَأَةً فِي بَطْنِهَا شَيْطَانٌ فَسَأَلَهَا عَنْهُ ، فَقَالَتْ : حَتَّى يَجِيءَ شَيْطَانِي ، فَجَاءَ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : تَرَكْتُهُ مُؤْتَزِرًا ، وَذَاكَ رَجُلٌ لَا يَرَاهُ شَيْطَانٌ إِلَّا خَرَّ لِمَنْخَرَيْهِ ، الْمَلَكُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَرُوحُ الْقُدُسِ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ .
وَقَالَ زِرٌّ : كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ وَيَقُولُ : إِنِّي لَأَحْسِبُ الشَّيْطَانَ يَفْرَقُ مِنْ عُمَرَ أَنْ يُحْدِثَ حَدَثًا فَيَرُدُّهُ ، وَإِنِّي لَأَحْسَبُ عُمَرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ وَيُقَوِّمُهُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ . رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْهُ . وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ . وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ عُمَرُ : وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ : فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ، وَفِي الْحِجَابِ ، وَفِي قَوْلِهِ : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ وَقَالَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ مِشْرَحٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ . وَجَاءَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ بَاهَى بِأَهْلِ عَرَفَةَ عَامَّةً ، وَبَاهَى بِعُمَرَ خَاصَّةً .
وَيُرْوَى مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . وَقَالَ مَعْنٌ الْقَزَّازُ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ اللَّيْثِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْحَقُّ بَعْدِي مَعَ عُمَرَ حَيْثُ كَانَ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي ، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ .
قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْعِلْمُ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ ، وَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ . قَالُوا : مَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الدِّينُ .
وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ ، وَأَشُدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ . وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ : لِمَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ : لِشَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ ، فَقِيلَ : لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِثْلُهُ .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ ، فَقُلْتُ : لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ ؟ قَالُوا : لِعُمَرَ ، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا . قَالَ : فَبَكَى عُمَرُ ، وَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ ؟ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ طَلَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَقَالَ : هَذَانَ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ . هَذَا الْحَدِيثُ سَمِعَهُ الشَّعْبِيُّ مِنَ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، وَلَهُ طُرُقٌ حَسَنَةٌ عَنْ عَلِيٍّ مِنْهَا : عَاصِمٌ ، عَنْ زِرٍّ .
وَأَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ : وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قُلْتُ : وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَجَابِرٍ .
وَقَالَ مُجَالِدٌ ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ عَطِيَّةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا لَيَرَوْنَ مَنْ فَوْقَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا . وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَعَنْ يَمِينِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَسَارِهِ عُمَرُ ، فَقَالَ : هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأُمَوِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْكُوفَةِ عَلَى مِنْبَرِهَا فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ أَيَّامَ خِلَافَتِهِ : خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَخَيْرُهَا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ الثَّالِثَ لَسَمَّيْتُهُ . وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَبَّحَ اللَّهُ الرَّافِضَةَ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْقَاسِمِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ قَيْسٍ الْخَارِفِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ : سَبَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ ، وَثَلَّثَ عُمَرُ ، ثُمَّ خَبَطَتْنَا فِتْنَةٌ فَكَانَ مَا شَاءَ اللَّهُ .
وَرَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ الْوَاسِطِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَكَانَ سُفْيَانُ رُبَّمَا دَلَّسَهُ ، وَأَسْقَطَ مِنْهُ زَائِدَةَ ، وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ هِلَالٍ مَوْلَى رِبْعِيٍّ ، عَنْ رِبْعِيٍّ .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : دَخَلَ نَاسٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ ، فَقَالُوا : يَسَعُكَ أَنْ تُوَلِّيَ عَلَيْنَا عُمَرَ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّكَ ، فَمَاذَا تَقُولُ لَهُ ؟ قَالَ : أَقُولُ : وَلَيَّتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَوَّلُ مَنْ حَيَّا عُمَرَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ .
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : قَالَ عُمَرُ : لِيَعْلَمْ مَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِي أَنْ سَيُرِيدُهُ عَنْهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، إِنِّي لَأُقَاتِلُ النَّاسَ عَنْ نَفْسِي قِتَالًا ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا أَقْوَى عَلَيْهِ مِنِّي لَكُنْتُ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي أَحَبَّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَلِيَهُ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قِيلَ لَهُ : لَقَدْ كَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يُحِيدَ هَذَا الْأَمْرَ عَنْكَ ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَظٌّ غَلِيظٌ ، قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَلَأَ قَلْبِي لَهُمْ رُحْمًا ، وَمَلَأَ قُلُوبَهُمْ لِي رُعْبًا . وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ : سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِعُمَرَ مِنْ مَالِ اللَّهِ إِلَّا حُلَّتَيْنِ : حُلَّةٌ لِلشِّتَاءِ ، وَحُلَّةٌ لِلصَّيْفِ ، وَمَا حَجَّ بِهِ وَاعْتَمَرَ ، وَقُوتُ أَهْلِي كَرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَيْسَ بِأَغْنَاهُمْ ، ثُمَّ أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَالَ عُرْوَةُ : حَجَّ عُمَرُ بِالنَّاسِ إِمَارَتَهُ كُلَّهَا . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِينِ قُبِضَ أَجَدَّ وَلَا أَجْوَدَ مِنْ عُمَرَ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : فَتَحَ اللَّهُ الشَّامَ كُلَّهُ عَلَى عُمَرَ ، وَالْجَزِيرَةَ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقَ كُلَّهُ ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِعَامٍ ، وَقَسَّمَ عَلَى النَّاسِ فَيْئَهُمْ .
وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلًا كَتَبَ لَهُ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْكَبَ بِرْذَوْنًا ، وَلَا يَأْكُلَ نَقِيًّا ، وَلَا يَلْبَسَ رَقِيقًا ، وَلَا يُغْلِقَ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَاتِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ . وَقَالَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ : إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُحَدِّثُ عُمَرَ بِالْحَدِيثِ فَيُكْذِبُهُ الْكَذْبَةَ ، فَيَقُولُ : احْبِسْ هَذِهِ ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُ بِالْحَدِيثِ فَيَقُولُ : احْبِسْ هَذِهِ ، فَيَقُولُ لَهُ : كُلُّ مَا حَدَّثْتُكَ حَقٌّ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي أَنْ أَحْبِسَهُ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيْهَلًا بِعُمْرَ ، إِنَّ عُمَرَ كَانَ أَعْلَمَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَفْقَهَنَا فِي دِينِ اللَّهِ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَوُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ بِعِلْمِهِمْ . وَقَالَ شِمْرٌ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : كَأَنَّ عِلْمَ النَّاسِ كَانَ مَدْسُوسًا فِي جُحْرٍ مَعَ عُمَرَ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : تَعَلَّمَ عُمَرُ الْبَقَرَةَ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَلَمَّا تَعَلَّمَهَا نَحَرَ جَزُورًا .
وَقَالَ الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ : قَالَ مُعَاوِيَةُ : أَمَّا أَبُو بَكْرٍ فِلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا وَلَمْ تُرِدْهُ ، وَأَمَّا عُمَرُ فَأَرَادَتْهُ الدُّنْيَا وَلَمْ يُرِدْهَا ، وَأَمَّا نَحْنُ فَتَمَرَّغْنَا فِيهَا ظَهْرًا لِبَطْنٍ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ وَغَيْرُهُ : إِنَّ حَفْصَةَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ ، وَغَيْرَهُمَا كَلَّمُوا عُمَرَ ، فَقَالُوا : لَوْ أَكَلْتَ طَعَامًا طَيِّبًا كَانَ أَقْوَى لَكَ عَلَى الْحَقِّ . قَالَ : أَكُلُّكُمْ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .
قَالَ : قَدْ عَلِمْتُ نُصْحَكُمْ ، وَلَكَنِّي تَرَكْتُ صَاحِبَيَّ عَلَى جَادَّةٍ ، فَإِنْ تَرَكْتُ جَادَّتَهُمَا لَمْ أُدْرِكْهُمَا فِي الْمَنْزِلِ . قَالَ : وَأَصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ فَمَا أَكَلَ عَامَئِذٍ سَمْنًا وَلَا سَمِينًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : كَلَّمَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ عُمَرَ فِي طَعَامِهِ ، فَقَالَ : وَيْحَكَ آكُلُ طَيِّبَاتِي فِي حَيَاتِي الدُّنْيَا وَأَسْتَمْتِعُ بِهَا ؟ .
وَقَالَ مُبَارَكٌ ، عَنِ الْحَسَنِ : دَخَلَ عُمَرُ عَلَى ابْنِهِ عَاصِمٍ وَهُوَ يَأْكُلُ لَحْمًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : قَرِمْنَا إِلَيْهِ ، قَالَ : أَوَكُلَّمَا قَرِمْتَ إِلَى شَيْءٍ أَكَلْتَهُ ؟ كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفًا أَنْ يَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَى . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ عُمَرُ : لَقَدْ خَطَرَ عَلَى قَلْبِي شَهْوَةُ السَّمَكِ الطَّرِيِّ ، قَالَ : وَرَحَّلَ يَرْفَأُ رَاحِلَتَهُ وَسَارَ أَرْبَعًا مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا ، وَاشْتَرَى مِكْتَلًا فَجَاءَ بِهِ ، وَعَمَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَغَسَلَهَا ، فَأَتَى عُمَرُ ، فَقَالَ : انْطَلِقْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرَّاحِلَةِ ، فَنَظَرَ وَقَالَ : نَسِيتَ أَنْ تَغْسِلَ هَذَا الْعَرَقَ الَّذِي تَحْتَ أُذُنِهَا ، عَذَّبْتَ بَهِيمَةً فِي شَهْوَةِ عُمَرَ ، لَا وَاللَّهِ لَا يَذُوقُ عُمَرُ مِكْتَلَكَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ عُمَرُ يَلْبَسُ ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ ، جُبَّةً مِنْ صُوفٍ مَرْقُوعَةً بَعْضُهَا بِأَدَمٍ ، وَيَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ عَلَى عَاتِقِهِ الدِّرَّةُ يُؤَدِّبُ النَّاسَ بِهَا ، وَيَمُرُّ بِالنِّكْثِ وَالنَّوَى فَيَلْقُطُهُ وَيُلْقِيهِ فِي مَنَازِلِ النَّاسِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ .
قَالَ أَنَسٌ : رَأَيْتُ بَيْنَ كَتِفَيْ عُمَرَ أَرْبَعَ رِقَاعٍ فِي قَمِيصِهِ . وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ : رَأَيْتُ عَلَى عُمَرَ إِزَارًا مَرْقُوعًا بِأَدَمٍ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ : حَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ : فَمَا ضَرَبَ فُسْطَاطًا وَلَا خِبَاءً ، كَانَ يُلْقِي الْكِسَاءَ وَالنِّطْعَ عَلَى الشَّجَرَةِ وَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي الْغَادِيَةِ الشَّامِيِّ ، قَالَ : قَدِمَ عُمَرُ الْجَابِيَةَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ تُلُوحُ صَلْعَتُهُ بِالشَّمْسِ ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ وَلَا عِمَامَةٌ ، قَدْ طَبَّقَ رِجْلَيْهِ بَيْنَ شُعْبَتَيِ الرَّحْلِ بِلَا رِكَابٍ ، وَوِطَاؤُهُ كِسَاءٌ أَنْبِجَانِيٌّ مِنْ صُوفٍ ، وَهُوَ فِرَاشُهُ إِذَا نَزَلَ ، وَحَقِيبَتُهُ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا ، وَهِيَ إِذَا نَزَلَ وِسَادُهُ ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كَرَابِيسَ قَدْ دَسِمَ وَتَخَرَّقَ جَيْبُهُ ، فَقَالَ : ادْعُوا لِي رَأَسَ الْقَرْيَةِ ، فَدَعَوْهُ لَهُ ، فَقَالَ : اغْسِلُوا قَمِيصِي وَخَيِّطُوهُ وَأَعِيرُونِي قَمِيصًا ، فَأُتِيَ بِقَمِيصِ كَتَّانٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قِيلَ : كَتَّانٌ ، قَالَ : وَمَا الْكَتَّانُ ؟ فَأَخْبَرُوهُ ، فَنَزَعَ قَمِيصَهُ فَغَسَلُوهُ وَرَقَّعُوهُ وَلَبِسَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَأْسُ الْقَرْيَةِ : أَنْتَ مَلِكُ الْعَرَبِ ، وَهَذِهِ بِلَادٌ لَا تَصْلُحُ فِيهَا الْإِبِلُ ، فَأُتِيَ بِبِرْذَوْنٍ فَطَرَحَ عَلَيْهِ قَطِيفَةً بِلَا سَرْجٍ وَلَا رَحْلٍ ، فَلَمَّا سَارَ هُنَيْهَةً قَالَ : احْبِسُوا ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ النَّاسَ يَرْكَبُونَ الشَّيْطَانَ ، هَاتُوا جَمَلِي . وَقَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى : كَانَ فِي وَجْهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ . وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بِالْآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ فَيَسْقُطُ حَتَّى يُعَادَ مِنْهَا أَيَّامًا .
وَقَالَ أَنَسٌ : خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَدَخَلَ حَائِطًا فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارٌ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَخٍ ، وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ بُنَيَّ الْخَطَّابِ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ : رَأَيْتُ عُمَرَ أَخَذَ تَبْنَةً مِنَ الْأَرْضِ ، فَقَالَ : يَا لَيْتَنِي هَذِهِ التَّبْنَةُ ، لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا ، لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلَدْنِي . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ قِرْبَةً عَلَى عُنُقِهِ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّ نَفْسِي أَعْجَبَتْنِي فَأَرَدْتُ أَنْ أُذِلَّهَا .
وَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ بَهْرَامَ ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : شَهِدْتُ جَلُولَاءَ فَابْتَعْتُ مِنَ الْمَغْنَمِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ ، قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ عُرِضْتُ عَلَى النَّارِ فَقِيلَ لَكَ : افْتَدِهِ ، أَكَنْتَ مُفْتَدِيَّ بِهِ ؟ قُلْتُ : وَاللَّهِ مَا مِنْ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ إِلَّا كُنْتُ مُفْتَدِيَكَ مِنْهُ ، قَالَ : كَأَنِّي شَاهِدُ النَّاسِ حِينَ تَبَايَعُوا فَقَالُوا : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ ، وَأَنْتَ كَذَلِكَ ، فَكَانَ أَنْ يَرْخَصُوا عَلَيْكَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَغْلُوا عَلَيْكَ ، وَإِنِّي قَاسِمٌ مَسْؤُولٌ وَأَنَا مُعْطِيكَ أَكْثَرَ مَا رَبِحَ تَاجِرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَكَ رِبْحُ الدِّرْهَمِ دِرْهَمٌ ، قَالَ : ثُمَّ دَعَا التُّجَّارَ فَابْتَاعُوهُ مِنْهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَدَفْعَ إِلَيَّ ثَمَانِينَ أَلْفًا وَبَعَثَ بِالْبَاقِي إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِيُقَسِّمَهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : رَأَى عُمَرُ جَارِيَةً تَطِيشُ هُزَالًا ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : هَذِهِ إِحْدَى بَنَاتِكَ ، قَالَ : وَأَيُّ بَنَاتِي هَذِهِ ؟ قَالَ : بِنْتِي . قَالَ : مَا بَلَغَ بِهَا مَا أَرَى ؟ قَالَ : عَمَلُكَ ، لَا تُنْفِقُ عَلَيْهَا ، قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعُولُ وَلَدَكَ ، فَاسْعَ عَلَيْهِمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : قَدِمَ صِهْرٌ لِعُمَرَ عَلَيْهِ ، فَطَلَبَ أَنْ يُعْطِيَهُ عُمَرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ ، وَقَالَ : أَرَدْتَ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ مَلِكًا خَائِنًا ؟ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْطَاهُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ . قَالَ حُذَيْفَةُ : وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ إِلَّا عُمَرَ . وَقَالَ حُذَيْفَةُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ ؟ قُلْتُ : أَنَا ، قَالَ : إِنَّكَ لِجَرِيءٌ ، قُلْتُ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، قَالَ : لَيْسَ عَنْهَا أَسْأَلُكَ ، وَلَكِنَّ الْفِتْنَةَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ ، قَلُتْ : لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا .
قَالَ : أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ ؟ قُلْتُ : بَلْ يُكْسَرُ ، قَالَ : إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا . قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ : أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ . فَسَأَلَهُ مَسْرُوقٌ : مَنِ الْبَابُ ؟ قَالَ : الْبَابُ عُمَرُ .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أُتِيَ عُمَرُ بِكُنُوزِ كِسْرَى ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ : أَتَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى تُقَسِّمَهَا ؟ فَقَالَ عُمَرُ : لَا وَاللَّهِ لَا آوِيهَا إِلَى سَقْفٍ حَتَّى أُمْضِيَهَا ، فَوَضَعَهَا فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ وَبَاتُوا يَحْرُسُونَهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ كَشَفَ عَنْهَا فَرَأَى مِنَ الْحَمْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ مَا يَكَادُ يَتَلَأْلَأُ ، فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ أُبَيٌّ : مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَيَوْمُ شُكْرٍ وَيَوْمُ سُرُورٍ ، فَقَالَ : وَيْحَكَ ، إِنَّ هَذَا لَمْ يُعْطَهُ قَوْمٌ إِلَّا أُلْقِيتْ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ . وَقَالَ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ مَوْلًى لَهُ عَلَى الْحِمَى ، فَقَالَ : يَا هُنَيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُسْتَجَابَةٌ ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانٍ ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى زَرْعٍ وَنَخْلٍ ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيتُهُمَا يَأْتِينِي بِبَنِيهِ ، فَيَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَكَ ؟ فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيَسُرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ ، إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ : دَوَّنَ عُمَرُ الدِّيوَانَ ، وَفَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ ، وَلِلْأَنْصَارِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، وَلِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : كَانَ عُمَرُ يَتَّجِرُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ : عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ مَالِكِ الدَّارِ ، قَالَ : أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَانِ عُمَرَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتَسْقِ اللَّهَ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ ، وَقَالَ : ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِهِ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّهُمْ مُسْقَوْنَ وَقُلْ لَهُ : عَلَيْكَ الْكِيسَ الْكِيسَ ، فَأَتَى الرَّجُلُ فَأَخْبَرَ عُمَرَ فَبَكَى ، وَقَالَ : يَا رَبِّ مَا آلُو مَا عَجَزْتُ عَنْهُ . وَقَالَ أَنَسٌ : تَقَرْقَرَ بَطْنُ عُمَرَ مِنْ أَكْلِ الزَّيْتِ عَامَ الرَّمَادَةِ كَانَ قَدْ حَرَمَ نَفْسَهُ السَّمْنَ قَالَ : فَنَقَرَ بَطْنَهُ بِإِصْبَعِهِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا غَيْرُهُ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ عَامُ الرَّمَادَةِ جَاءَتِ الْعَرَبُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ ، فَكَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَ رِجَالًا يَقُومُونَ بِمَصَالِحِهِمْ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَيْلَةً : أَحْصُوا مَنْ يَتَعَشَّى عِنْدَنَا ، فَأَحْصَوْهُمْ مِنَ الْقَابِلَةِ فَوَجَدُوهُمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَجُلٍ ، وَأَحْصَوُا الرِّجَالَ الْمَرْضَى وَالْعِيَالَاتِ فَكَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا .
ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ بَلَغَ الرِّجَالُ وَالْعِيَالُ سِتِّينَ أَلْفًا ، فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أَرْسَلَ اللَّهُ السَّمَاءَ ، فَلَمَّا مَطَرَتْ رَأَيْتُ عُمَرَ قَدْ وَكَلَ بِهِمْ يُخْرِجُونَهُمْ إِلَى الْبَادِيَةِ وَيُعْطُونَهُمْ قُوتًا وَحِمْلَانَا إِلَى بَادِيَتِهِمْ ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ فِيهِمُ الْمَوْتُ فَأَرَاهُ مَاتَ ثُلُثَاهُمْ ، وَكَانَتْ قُدُورُ عُمَرَ يَقُومُ إِلَيْهَا الْعُمَّالُ مِنَ السَّحَرِ يَعْمَلُونَ الْكُرْكُورَ وَيَعْمَلُونَ الْعَصَائِدَ . وَعَنْ أَسْلَمَ ، قَالَ : كُنَّا نَقُولُ : لَوْ لَمْ يَرْفَعِ اللَّهُ الْمَحْلَ عَامَ الرَّمَادَةِ لَظَنَّنَا أَنَّ عُمَرَ يَمُوتُ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَدْ خَطَّأَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ .
وَقَالَ شَرِيكٌ : لَيْسَ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ . وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ : تَدْرُونَ مَنْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ؟ هُمَا أَبَوَا الْإِسْلَامِ وَأُمُّهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ : سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ يَقُولُ : أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا بِخَيْرٍ .
ذِكْرُ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ مَظْعُونٍ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَحَفْصَةَ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ . وَتَزَوَّجَ مُلَيْكَةَ الْخُزَاعِيَّةَ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ ، وَقِيلَ : أَمُّهُ وَأُمُّ زَيْدٍ الْأَصْغَرِ أُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ جَرْوَلٍ . وَتَزَوَّجَ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ الْمَخْزُومِيَّةَ ، فَوَلَدَتْ لَهُ فَاطِمَةَ .
وَتَزَوَّجَ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَاصِمًا . وَتَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا وَرُقْيَّةَ . وَتَزَوَّجَ لُهَيَّةَ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَمَنِ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَصْغَرِ .
وَتَزَوَّجَ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ الزُّبَيْرُ . [ الْفُتُوحُ فِي عَهْدِهِ ] وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ ، ثُمَّ كَانَ الْيَرْمُوكُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، ثُمَّ كَانَتِ الْجَابِيَةُ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ ، ثُمَّ كَانَتْ إِيلِيَاءُ وَسَرْغُ لِسَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ ، ثُمَّ كَانَتِ الرَّمَادَةُ وَطَاعُونُ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ ، ثُمَّ كَانَتْ جَلُولَاءُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ، ثُمَّ كَانَ فَتْحُ بَابِ لِيُونَ وَقَيْسَارِيَّةَ بِالشَّامِ ، وَمَوْتُ هِرَقْلَ سَنَةَ عِشْرِينَ ، وَفِيهَا فُتِحَتْ مِصْرُ ، وَسَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فُتِحَتْ نَهَاوَنْدُ ، وَفُتِحَتِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَفِيهَا فُتِحَتْ إِصْطَخْرُ وَهَمَذَانُ ، ثُمَّ غَزَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَطَرَابُلُسَ الْمَغْرِبِ ، وَغَزْوَةَ عَمُورِيَّةَ ، وَأَمِيرُ مِصْرَ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ الْجُمَحِيُّ ، وَأَمِيرُ أَهْلِ الشَّامِ أَبُو الْأَعْوَرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ . ثُمَّ قُتِلَ عُمَرُ مَصْدَرَ الْحَاجِّ فِي آخِرِ السَّنَةِ .
قَالَ خَلِيفَةُ : وَقْعَةُ جَلُولَاءَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ . اسْتِشْهَادُهُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : إِنَّ عُمَرَ لَمَّا نَفَرَ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطُحِ ، ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً مِنْ بَطْحَاءَ ، وَاسْتَلْقَى وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفْرِّطٍ فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى طُعِنَ فَمَاتَ . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ : قَالَ كَعْبٌ لِعُمَرَ : أَجِدُكَ فِي التَّوْرَاةِ تُقْتَلُ شَهِيدًا ، قَالَ : وَأَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ وَأَنَا بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ؟ وَقَالَ أَسْلَمُ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيُّ : خَطَبَ عُمَرُ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ وَأَبَا بَكْرٍ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ ، وَإِنِّي لَا أَرَاهُ إِلَّا لَحُضُورَ أَجَلِي ، وَإِنَّ قَوْمًا يَأْمُرُونِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضِيعَ دِينَهُ وَلَا خِلَافَتَهُ ، فَإِنْ عَجَلَ بِي أَمْرٌ فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ عُمَرُ لَا يَأْذَنُ لِسَبْيٍّ قَدِ احْتَلَمَ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ يَذْكُرُ لَهُ غُلَامًا عِنْدَهُ صِنَعًا وَيَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ ، وَيَقُولَ : إِنَّ عِنْدَهُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً فِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ : إِنَّهُ حَدَّادٌ نَقَّاشٌ نَجَّارٌ ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَ بِهِ ، وَضَرَبَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ ، فَجَاءَ إِلَى عُمَرَ يَشْتَكِي شِدَّةَ الْخَرَاجِ ، قَالَ : مَا خَرَاجُكَ بِكَثِيرٍ ، فَانْصَرَفَ سَاخِطًا يَتَذَمَّرُ ، فَلَبِثَ عُمَرُ لَيَالِيَ ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ : أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُولُ : لَوْ أَشَاءُ لَصَنَعْتُ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ ؟ فَالْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ عَابِسًا ، وَقَالَ : لَأَصْنَعَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَا ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ عُمَرُ لِأَصْحَابِهِ : أَوَعَدَنِي الْعَبْدُ آنِفًا .
ثُمَّ اشْتَمَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عَلَى خِنْجَرٍ ذِي رَأْسَيْنِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ ، فَكَمَنَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ فِي الْغَلَسِ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ : إِنَّ أَبَا لُؤْلُؤَةَ عَبْدَ الْمُغِيرَةِ طَعَنَ عُمَرَ بِخِنْجَرٍ لَهُ رَأْسَانِ ، وَطَعَنَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، مَاتَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ثَوْبًا ، فَلَمَّا اغْتَمَّ فِيهِ قَتَلَ نَفْسَهُ . وَقَالَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جِئْتُ مِنَ السُّوقِ وَعُمَرُ يَتَوَكَّأُ عَلَيَّ ، فَمَرَّ بِنَا أَبُو لُؤْلُؤَةَ ، فَنَظَرَ إِلَى عُمَرَ نَظْرَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَوْلَا مَكَانِي بَطَشَ بِهِ ، فَجِئْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْفَجْرَ فَإِنِّي لَبَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ، إِذْ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : قَتَلَنِي الْكَلْبُ ، فَمَاجَ النَّاسُ سَاعَةً ، ثُمَّ إِذَا قِرَاءَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ .
وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ : كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ يَصْنَعُ الْأَرْحَاءَ ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَسْتَغِلُّهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، فَلَقِيَ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ الْمُغِيرَةَ قَدْ أَثْقَلَ عَلَيَّ فَكَلِّمْهُ ، فَقَالَ : أَحْسِنْ إِلَى مَوْلَاكَ ، وَمِنْ نِيَّةِ عُمَرَ أَنْ يُكَلِّمَ الْمُغِيرَةَ فِيهِ ، فَغَضِبَ وَقَالَ : يَسَعُ النَّاسَ كُلَّهَمْ عَدَلُهُ غَيْرِي ، وَأَضْمَرَ قَتْلَهُ ، وَاتَّخَذَ خِنْجَرًا وَشَحَذَهُ وَسَمَّهُ ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ، فَجَاءَ فَقَامَ حِذَاءَهُ فِي الصَّفِّ وَضَرْبَهُ فِي كَتِفِهِ وَفِي خَاصِرَتِهِ ، فَسَقَطَ عُمَرُ ، وَطَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَعَهُ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ ، وَحُمِلَ عُمَرُ إِلَى أَهْلِهِ وَكَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ ، فَصَلَّى ابْنُ عَوْفٍ بِالنَّاسِ بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ ، وَأُتِيَ عُمَرُ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مَنْ جُرْحِهِ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ ، فَسَقَوْهُ لَبَنًا فَخَرَجَ مَنْ جُرْحِهِ ، فَقَالُوا : لَا بَأْسَ عَلَيْكَ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُنْ بِالْقَتْلِ بَأْسٌ فَقَدْ قُتِلْتُ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثْنُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ : كُنْتَ وَكُنْتَ ، فَقَالَ : أَمَا وَاللَّهِ وَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْهَا كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي وَأَنَّ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلِمَتْ لِي . وَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ ، وَقَدْ جَعَلْتُهَا شُورَى فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ . وَأَمَرَ صُهَيْبًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، وَأَجَّلَ السِّتَّةَ ثَلَاثًا .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ . ثُمَّ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : كُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ تُحِبَّانِ أَنْ يَكْثُرَ الْعُلُوجُ بِالْمَدِينَةِ . وَكَانَ الْعَبَّاسُ أَكْثَرَهُمْ رَقِيقًا .
ثُمَّ قَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ فَحَسَبُوهُ فَوجدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهَا ، فَقَالَ : إِنْ وَفَّى مَالُ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَإِلَّا فَاسْأَلْ فِي بَنِي عَدِيٍّ ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قُرَيْشٍ . اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَقُلْ : يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ ، فَذَهَبَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ : كُنْتُ أُرِيدُهُ - تَعْنِي الْمَكَانَ - لِنَفْسِي وَلَأُؤثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي . قَالَ : فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ ، فَقَالَ : قَدْ أَذِنَتْ لَكَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ .
ثُمَّ جَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّسَاءُ يَسْتُرْنَهَا ، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ فَوَلَجَتْ دَاخِلًا ثُمَّ سَمِعْنَا بُكَاءَهَا ، وَقِيلَ لَهُ : أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتَخْلِفْ . قَالَ : مَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ، فَسَمَّى السِّتَّةَ ، وَقَالَ : يَشْهَدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ - كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةَ لَهُ - فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أَمَرَ ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : أوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَأُوصِيهِ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَأُوصِيهِ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ خَيْرًا ، فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْوَصِيَّةِ . فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَرَجْنَا بِهِ نَمْشِي ، فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَقَالَ : عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَدْخِلُوهُ ، فَأُدْخِلَ فَوُضِعَ هُنَاكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ .
فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ دَفْنِهِ وَرَجَعُوا ، اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ . فَقَالَ الزُّبَيْرُ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ ، وَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَالَ طَلْحَةُ : قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ ، قَالَ : فَخَلَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : أَنَا لَا أُرِيدُهَا فَأَيُّكُمَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ ، لَيُنْظِرَنَّ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ وَلَيَحْرِصَنَّ عَلَى صَلَاحِ الْأُمَّةِ . قَالَ : فَسَكَتَ الشَّيْخَانِ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : اجْعَلُوهُ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ عَلَيَّ لَا آلُو عَنْ أَفْضَلِكُمْ ، قَالَا : نَعَمْ .
فَخَلَا بَعَلِيٍّ وَقَالَ : لَكَ مِنَ الْقِدَمِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقَرَابَةِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ، اللَّهَ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عَلَيْكَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ ، قَالَ : ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ كَذَلِكَ ، فَلَمَّا أَخَذَ مِيثَاقَهُمَا بَايَعَ عُثْمَانَ وَبَايَعَهُ عَلِيٌّ . وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ : لَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ بِالصَّلَاةِ مِنَ الْغَدِ ، وَهُوَ مَطْعُونٌ ، فَزِعُوهُ فَقَالُوا : الصَّلَاةَ ، فَفَزِعَ وَقَالَ : نَعَمْ ؛ وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ . فَصَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا .
وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَاءَ كَعْبٌ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَئِنْ دَعَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ وَلَيَرْفَعَنَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ حَتَّى يَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا ، حَتَّى ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ فِيمَنْ ذَكَرَ ، قَالَ : قُلْتُ : أُبَلِّغُهُ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ تُبَلِّغَهُ ، فَقُمْتُ وَتَخَطَّيْتُ النَّاسَ حَتَّى جَلَسْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقُلْتُ : إِنَّ كَعْبًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ دَعَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِيُبْقِينَّهُ اللَّهُ وَلَيَرْفَعَنَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، قَالَ : ادْعُوا كَعْبًا فَدَعَوْهُ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا أَدْعُو اللَّهَ ، وَلَكِنْ شَقِيَ عُمَرُ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ . قَالَ : وَجَاءَ صُهَيْبٌ ، فَقَالَ : وَاصَفِيَّاهُ ، وَاخَلِيلَاهُ ، وَاعُمَرَاهُ ، فَقَالَ : مَهْلًا يَا صُهَيْبُ ، أَوْ مَا بَلَغَكَ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ مَجُوسِيًّا .
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا عَلَيْكَ لَوْ أَجْهَدْتَ نَفْسَكَ ، ثُمَّ أَمَّرْتَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا ؟ فَقَالَ عُمَرُ : أَقْعِدُونِي ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَتَمَنَّيْتُ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ عَرْضَ الْمَدِينَةِ فَرَقًا مِنْهُ حِينَ قَالَ : أَقْعِدُونِي ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ أَمَّرْتُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ؟ قُلْتُ : فُلَانًا ، قَالَ : إِنْ تُؤَمِّرُوهُ فَإِنَّهُ ذُو شَيْبَتِكُمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَرَأَيْتَ الْوَلِيدَ يَنْشَأُ مَعَ الْوَلِيدِ وَلِيدًا وَيَنْشَأُ مَعَهُ كَهْلًا ، أَتَرَاهُ يَعْرِفُ مَنْ خَلَقَهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ؛ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَمَا أَنَا قَائِلٌ لِلَّهِ إِذَا سَأَلَنِي عَمَّنْ أَمَّرْتُ عَلَيْهِمْ فَقُلْتُ : فُلَانًا ، وَأَنَا أَعْلَمُ مِنْهُ مَا أَعْلَمُ ، فَلَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُرَدُدَنَّهَا إِلَى الَّذِي دَفَعَهَا إِلَيَّ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي لَا يَنْقُصُنِي ذَلِكَ مِمَّا أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا . وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : دَخَلَ عَلَى عُمَرَ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَابْنُ عَوْفٍ ، وَسَعْدٌ وَكَانَ طَلْحَةُ غَائِبًا فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ : إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ لَكُمْ فِي أَمْرِ النَّاسِ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَ النَّاسِ شِقَاقًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ قَوْمَكُمْ إِنَّمَا يُؤَمِّرُونَ أَحَدَكُمْ أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ ، فَإِنْ كُنْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ يَا عُثْمَانُ فَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ يَا عبد الرحمن فَلَا تَحْمِلَنَّ أقاربك على رقاب الناس ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ يَا عَلِيُّ فَلَا تَحْمِلَنَّ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا وَأَمِّرُوا أَحَدَكُمْ ، فَقَامُوا يَتَشَاوَرُونَ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَدَعَانِي عُثْمَانُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ لِيُدْخِلَنِي فِي الْأَمْرِ وَلَمْ يُسَمِّنِي عُمَرُ ، وَلَا وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُمْ عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا قَالَ أَبِي ، وَاللَّهِ لَقَلَّ مَا سَمِعْتُهُ حَوْلَ شَفَتَيْهِ بِشَيْءٍ قَطُّ إِلَّا كَانَ حَقًّا ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُثْمَانُ دُعَائِي قُلْتُ : أَلَا تَعْقِلُونَ ؟ تُؤَمِّرُونَ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَيٌّ ؟ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا أَيْقَظْتُهُمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَمْهِلُوا ، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ صُهَيْبٌ ثَلَاثًا ثُمَّ اجْمَعُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَشْرَافَ النَّاسِ وَأُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ فَأَمِّرُوا أَحَدَكُمْ ، فَمَنْ تَأْمَّرَ عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : كَانَ رَأْسُ عُمَرَ فِي حِجْرِي ، فَقَالَ : ضَعْ خَدِّي عَلَى الْأَرْضِ ، فَوَضَعْتُهُ ، فَقَالَ : وَيْلٌ لِي ، وَوَيْلُ أُمِّي إِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي . وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، قَالَ : لَمَّا مَاتَ عُمَرُ وَوُضِعَ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ أَقْبَلَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ أَيُّهُمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى الْإِمَارَةِ ، لَقَدْ عَلِمْتُمَا مَا هَذَا إِلَيْكُمَا وَلَقَدْ أَمَرَ بِهِ غَيْرَكُمَا ، تَقَدَّمْ يَا صُهَيْبُ فَصَلِّ عَلَيْهِ . فَصَلَّى عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : وُضِعَ عُمَرُ بَيِّنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ ، فَجَاءَ عَلِيٌّ حَتَّى قَامَ بَيْنَ الصُّفُوفِ ، فَقَالَ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ مَا مِنْ خَلْقٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهُ بِصَحِيفَتِهِ بَعْدَ صَحِيفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْمُسَجَّى عَلَيْهِ ثَوْبُهُ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ عَنْ عَلِيٍّ . وَقَالَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ : أُصِيبَ عُمَرُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ .
وَكَذَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : إِنَّهُ دُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : تُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً .
كَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ . وَقَالَ أَيُّوبُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَاتَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً . وَكَذَا قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ يَتِيمُ عُرْوَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ .
وَرَوَى أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْتُ عُمَرَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِعَامَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمِا يَقُولُ : أَنَا ابْنُ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ . تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو عَاصِمٍ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ : تُوُفِّيَ عُمَرُ وَلَهُ سِتُّونَ سَنَةً .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ : هَذَا أَثْبَتُ الْأَقَاوِيلِ ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ . وَقَالَ قَتَادَةُ : قُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً . وَقَالَ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ الْبَجَلِيُّ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ : مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَهُمَا ابْنَا ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : قُبِضَ عُمَرُ وَقَدِ اسْتَكْمَلَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ . قَدْ تَقَدَّمَ لِابْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلٌ آخَرُ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مِثْلَ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ .
وَأَكْثَرُ مَا قِيلَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قُبِضَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْحَوَادِثُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ الْفَارُوقِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِيهَا فُتِحَتْ دِمَشْقُ ، وَحِمْصُ ، وَبَعْلَبَكَّ ، وَالْبَصْرَةُ ، وَالْأُبُلَّةُ ، وَوَقْعَةُ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ بِأَرْضِ نَجْرَانَ ، وَوَقْعَةُ فِحْلَ بِالشَّامِ ، فِي قَوْلِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ . فَأَمَّا دِمَشْقُ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : كَانَ خَالِدٌ عَلَى النَّاسِ فَصَالَحَ أَهْلَ دِمَشْقَ ، فَلَمْ يَفْرُغْ مِنَ الصُّلْحِ حَتَّى عُزِلَ وَوُلِّيَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَأَمْضَى صُلْحَ خَالِدٍ وَلَمْ يُغَيِّرِ الْكِتَابَ .
وَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ عَزَلَ خَالِدًا حِينَ وُلِّيَ . قَالَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ ، وَقَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى أَنْصَافِ كَنَائِسِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ ، وَأَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ أَعْيَادِهِمْ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : كَانَ الصُّلْحُ يَوْمَ الْأَحَدِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، صَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : صَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي رَجَبٍ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى دِمَشْقَ ، وَخَالِدٌ عَلَى مُقَدِّمَةِ النَّاسِ ، وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَاهَانَ بِدِمَشْقَ ، وَكَانَ عُمَرُ عَزَلَ خَالِدًا وَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَالْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ فِيمَا حَوْلَ دِمَشْقَ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، ثُمَّ هَزَمَ اللَّهُ الرُّومَ ، وَدَخَلُوا دِمَشْقَ وَغَلَّقُوا أَبْوَابَهَا ، وَنَازَلَهَا الْمُسْلِمُونَ حَتَّى فُتِحَتْ ، وَأُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، وَكَانَ قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِإِمَارَتِهِ وَعَزْلِ خَالِدٍ ، فَاسْتَحْيَا أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يُقْرِئَ خَالِدًا الْكِتَابَ حَتَّى فُتِحَتْ دِمَشْقُ وَجَرَى الصُّلْحُ عَلَى يَدَيْ خَالِدٍ ، وَكَتَبَ الْكِتَابَ بِاسْمِهِ ، فَلَمَّا صَالَحَتْ دِمَشْقُ لَحِقَ بَاهَانُ بِصَاحِبِ الرُّومِ هِرَقْلَ ، وَقِيلَ : كَانَ حِصَارُ دِمَشْقَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : إِنَّ عُمَرَ كَانَ وَاجِدًا عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِقَتْلِهِ ابْنَ نُوَيْرَةَ ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنِ انْزِعْ عَمَامَتَهُ وَقَاسِمْهُ مَالَهُ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ ، قَالَ : مَا أَنَا بِالَّذِي أَعْصِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ ، فَقَاسَمَهُ حَتَّى أَخَذَ نَعْلَهُ الْوَاحِدَةَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : كَانَ أَوَّلَ مَحْصُورٍ بِالشَّامِ أَهْلُ فِحْلَ ثُمَّ أَهْلُ دِمَشْقَ ، وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَا الْكُلَاعِ حَتَّى كَانَ بَيْنَ دِمَشْقَ وَحِمْصَ رِدْءًا ، وَحَصَرُوا دِمَشْقَ ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى نَاحِيَةٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى نَاحِيَةٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى نَاحِيَةٍ ، وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ عَلَى حِمْصَ ، فَحَاصَرُوا أَهْلَ دِمَشْقَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ لَيْلَةً حِصَارًا شَدِيدًا بِالْمَجَانِيقِ ، وَجَاءَتْ جُنُودُ هِرَقْلَ نَجْدَةً لِدِمَشْقَ ، فَشَغَلَتْهَا الْجُنُودُ الَّتِي مَعَ ذِي الْكُلَاعِ ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَهْلُ دِمَشْقَ أَنَّ الْأَمْدَادَ لَا تَصِلُ إِلَيْهِمْ فَشِلُوا وَوَهَنُوا . وَكَانَ صَاحِبُ دِمَشْقَ قَدْ جَاءَهُ مَوْلُودٌ فَصَنَعَ طَعَامًا وَاشْتَغَلَ يَوْمَئِذٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَا يَنَامُ وَلَا يُنِيمُ قَدْ هَيَّأَ حِبَالًا كَهَيْئَةِ السَّلَالِمِ ، فَلَمَّا أَمْسَى هَيَّأَ أَصْحَابَهُ وَتَقَدَّمَ هُوَ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمَذْعُورُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَمْثَالُهُمْ وَقَالُوا : إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرُنَا عَلَى السُّورِ فَارْقُوا إِلَيْنَا وَانْهَدُوا الْبَابَ ، قَالَ : فَلَمَّا انْتَهَى خَالِدٌ وَرُفَقَاؤُهُ إِلَى الْخَنْدَقِ رَمَوْا بِالْحِبَالِ إِلَى الشُّرَفِ ، وَعَلَى ظُهُورِهِمُ الْقِرَبُ الَّتِي سَبَحُوا بِهَا فِي الْخَنْدَقِ . وَتَسَلَّقَ الْقَعْقَاعُ وَمَذْعُورٌ فَلَمْ يَدَعَا أُحْبُولَةً إِلَّا أَثْبَتَاهَا فِي الشُّرَفِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ أَحْصَنَ مَكَانٍ بِدِمَشْقَ ، فَاسْتَوَى عَلَى السُّورِ خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ كَبَّرُوا ، وَانْحَدَرَ خَالِدٌ إِلَى الْبَابِ فَقَتَلَ الْبَوَّابِينَ ، وَثَارَ أَهْلُ الْبَلَدِ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ لَا يَدْرُونَ مَا الشَّأْنُ ، فَتَشَاغَلَ أَهْلُ كُلِّ جِهَةٍ بِمَا يَلِيهِمْ ، وَفَتَحَ خَالِدٌ الْبَابَ وَدَخَلَ أَصْحَابُهُ عَنْوَةً ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْهُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَالْمُشَاطَرَةِ فَأَبَوْا ، فَلَمَّا رَأَوُا الْبَلَاءَ بَذَلُوا الصُّلْحَ ، فَأَجَابَهُمْ مَنْ يَلِيهِمْ ، وَقَبِلُوا ، فَقَالُوا : ادْخُلُوا وَامْنَعُونَا مِنْ أَهْلِ ذَاكَ الْبَابِ ، فَدَخَلَ أَهْلُ كُلُّ بَابٍ بِصُلْحِ مَا يَلِيهِمْ ، فَالْتَقَى خَالِدٌ وَالْأُمَرَاءُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ ، هَذَا اسْتِعْرَاضًا وَنَهْبًا ، وَهَؤُلَاءِ صُلْحًا ، فَأَجْرَوْا نَاحِيَةَ خَالِدٍ عَلَى الصُّلْحِ بِالْمُقَاسِمَةِ .
وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ . وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا إِلَى الْعِرَاقِ نَجْدَةً لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَجَهَّزَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ عَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ ، وَبَقِيَ بِدِمَشْقَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَمْدَادِ الْيَمَنِ ، فَبَعَثَ يَزِيدُ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ فِي خَيْلٍ إِلَى تَدْمُرَ ، وَأَبَا الْأَزْهَرِ إِلَى الْبَثَنِيَّةِ وَحَوْرَانَ فَصَالَحَهُمْ ، وَسَارَ طَائِفَةٌ إِلَى بَيْسَانَ فَصَالَحُوا . وَفِيهَا كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِيمَا وَرَدَ إِلَيْنَا عَلَى صَدَقَاتِ هَوَازِنَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِانْتِخَابِ ذِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ مِمَّنْ لَهُ سِلَاحٌ أَوْ فَرَسٌ ، فَجَاءَهُ كِتَابُ سَعْدٍ : إِنِّي قَدِ انْتَخَبْتُ لَكَ أَلْفَ فَارِسٍ ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ فَأَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ ، وَجَهَّزَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ ، فَأَبِى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ إِلَّا الْمَسِيرَ إِلَى الشَّامِ ، فَجَهَّزَهُمْ عُمَرُ إِلَى الشَّامِ .
ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ أَمَدَّ سَعْدًا بَعْدَ مَسِيرِهِ بِأَلْفَيْ نَجْدِيٍّ وَأَلْفَيْ يَمَانِيٍّ فَشَتَا سَعْدٌ بِزَرُودَ ، وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ مِنَ الْعِرَاقِ ، فَمَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ الَّتِي جُرِحَهَا يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ ، فَاسْتَخْلَفَ الْمُثَنَّى عَلَى النَّاسِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيةِ ، وَسَعْدٌ يَوْمَئِذٍ بِزَرُودَ ، وَمَعَ بَشِيرٍ وُفُودُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، ثُمَّ سَارَ سَعْدٌ إِلَى الْعِرَاقِ ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي أَلْفٍ وَسَبْعِمِائَةٍ مِنَ الْيَمَانِيِّينَ . وَقْعَةُ الْجِسْرِ كَانَ عُمَرُ قَدْ بَعَثَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ جَيْشًا ، عَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَقِيَ جَابَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَقِيلَ : فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْقَادِسِيَّةِ . فَهَزَمَ اللَّهُ الْمَجُوسَ ، وَأُسِرَ جَابَانُ ، وَقُتِلَ مَرْدَانْشَاهْ ، ثُمَّ إِنَّ جَابَانَ فَدَى نَفْسَهُ بِغُلَامَيْنِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ الْمُقَدَّمُ ، ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَى كَسْكَرَ فَالْتَقَى هُوَ وَنَرْسِيٌّ فَهَزَمَهُ ، ثُمَّ لَقِيَ جَالِينُوسَ فَهَزَمَهُ .
ثُمَّ إِنَّ كِسْرَى بَعَثَ ذَا الْحَاجِبِ ، وَعَقَدَ لَهُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ سِلَاحًا عَظِيمًا ، وَالْفِيلَ الْأَبْيَضَ ، فَبَلَغَ أَبَا عُبَيْدٍ مَسِيرُهُمْ ، فَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَيْهِمْ وَقَطَعَ الْجِسْرَ ، فَنَزَلَ ذُو الْحَاجِبِ قَسَّ النَّاطِفِ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي عُبَيْدٍ الْفُرَاتُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ : إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ نَعْبُرَ إِلَيْكَ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ ، فَعَقَدَ لَهُ ابْنُ صَلُوبَا الْجِسْرَ ، وَعَبَرَ فَالْتَقَوْا فِي مَضِيقٍ فِي شَوَّالٍ . وَقَدَّمَ ذُو الْحَاجِبِ جَالِينُوسَ مَعه الْفِيلِ ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ ، وَضَرَبَ أَبُو عُبَيْدٍ مِشْفَرَ الْفِيلِ ، وَضَرَبَ أَبُو مِحْجَنٍ عُرْقُوبَهُ . وَيُقَالُ : إِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ لَمَّا رَأَى الْفِيلَ قَالَ : يَا لَكَ مِنْ ذِي أَرْبَعٍ مَا أَكْبَرَكَ لَأَضْرِبَنَّ بِالْحُسَامِ مِشْفَرَكَ وَقَالَ : إِنْ قُتِلْتُ فَعَلَيْكُمُ ابْنِي جَبْرٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْكُمْ حَبِيبُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو أَبِي مِحْجَنٍ ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْكُمْ أَخِي عَبْدُ اللَّهِ .
فَقُتِلَ جَمِيعُ الْأُمَرَاءِ ، وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَطَلَبُوا الْجِسْرَ . وَأَخَذَ الرَّايَةَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَحَمَاهُمْ فِي جَمَاعَةٍ ثَبَتُوا مَعَهُ . وَسَبَقَهُمْ إِلَى الْجِسْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ فَقَطَعَهُ ، وَقَالَ : قَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ ، فَاقْتَحَمَ النَّاسُ الْفُرَاتَ ، فَغَرِقَ نَاسٌ كَثِيرٌ ، ثُمَّ عَقَدَ الْمُثَنَّى الْجِسْرَ وَعَبَرَهُ النَّاسُ .
وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ فِيمَا قَالَ خَلِيفَةُ : أَلْفٌ وَثَمَانُمِائَةٍ ، وَقَالَ سَيْفٌ : أَرْبَعَةُ آلَافٍ مَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَغَرِيقٍ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : قُتِلَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي ثَمَانِمِائَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : بَقِيَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ جَرِيحٌ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ ابْنَ الْخَصَاصِيةِ كَمَا ذَكَرْنَا .
حِمْصُ وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ، قَالَ : سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حِمْصَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، مِنْهُمْ مَنِ السَّكُونِ سِتَّةُ آلَافٍ فَافْتَتَحَهَا . وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ الصَّنْعَانِيِّ ، قَالَ : لَمَّا فَتَحْنَا دِمَشْقَ خَرَجْنَا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْلَحَةِ بَرْزَةَ ، ثُمَّ تَقَدَّمْنَا مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ بِنَا حِمْصَ . وَوَرَدَ أَنَّ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ فُتِحَتَا صُلْحًا فِي أَوَاخِرَ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَهَرَبَ هِرَقْلُ عَظِيمُ الرُّومِ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ .
وَقِيلَ : إِنَّ حِمْصَ فُتِحْتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ . الْبَصْرَةُ وَقَالَ عَلِيٌّ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ : بَعَثَ عُمَرُ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَيْحَ بْنَ عَامِرٍ أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ إِلَى الْبَصْرَةِ ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَسَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَقُتِلَ بِدَارِسَ ، فَبَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ الْمَازِنِيَّ فِي السَّنَةِ ، فَمَكَثَ أَشْهُرًا لَا يَغْزُو . وَقَالَ خَالِدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْعَدَوِيُّ : غَزَوْنَا مَعَ عُتْبَةَ الْأُبُلَّةَ فَافْتَتَحْنَاهَا ثُمَّ عَبَرْنَا إِلَى الْفُرَاتِ ، ثُمَّ مَرَّ عُتْبَةُ بِمَوْضِعِ الْمِرْبَدِ ، فَوَجَدَ الْكَذَّانَ الْغَلِيظَ ، فَقَالَ : هَذِهِ الْبَصْرَةُ انْزِلُوهَا بِاسْمِ اللَّهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : افْتَتَحَ عُتْبَةُ الْأُبُلَّةَ ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ رَجُلًا فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِ الْأُبُلَّةِ ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَى الْفُرَاتِ فَأَخَذَهَا عَنْوَةً . وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بِالْخُرَيْبَةِ . وَفِيهَا أَمَرَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ مِحْجَنَ بْنَ الْأَدْرَعِ فَخَطَّ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ الْأَعْظَمَ وَبَنَاهُ بِالْقَصَبِ ، ثُمَّ خَرَجَ عُتْبَةُ حَاجًّا وَخَلَّفَ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ وَأَمَرَهُ بِالْغَزْوِ ، وَأَمَرَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حَتَّى يَقْدَمَ مُجَاشِعٌ ، فَمَاتَ عُتْبَةُ فِي الطَّرِيقِ .
وَأَمَّرَ عُمَرُ الْمُغِيرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ ، وَبَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى السَّوَادِ ، فَلَقِيَ جَرِيرٌ مِهْرَانَ ، فَقَتَلَ مِهْرَانَ ، ثُمَّ بَعَثَ عُمَرُ سَعْدًا فَأَمَرَ جَرِيرًا أَنْ يُطِيعَهُ . وَفِيهَا وُلِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ . وَفِيهَا اسْتُشْهِدَ جَمَاعَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَمَاتَ طَائِفَةٌ ، مِنْهُمْ : أَوْسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَلَى يَوْمَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ نَجْرَانَ .
بَشِيرُ بْنُ عَنْبَسِ بْنِ يَزِيدَ الظَّفْرِيُّ ، شَهِدَ أُحُدًا ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، وَكَانَ يُعْرَفُ بِفَارِسِ الْحَوَّاءِ وَهُوَ اسْمُ فَرَسِهِ ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ . ثَابِتُ بْنُ عَتِيكٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ ، أَنْصَارِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ . ثَعْلَبَةُ بْنُ عُمَرو بْنِ مِحْصَنٍ ، قُتِلَ يَوْمَ الْجِسْرِ ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
الْحَارِثُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ النُّعْمَانِ أَبُو أَخْزَمَ ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ، شَهِدَ أُحُدًا ، وَهُوَ أَخُو سَهْلٍ الَّذِي شَهِدَ بَدْرًا . الْحَارِثُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَبْدَةَ ، لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ . الْحَارِثُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ مَالِكٍ ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ ، وَقَدْ شَهِدَ أُحُدًا ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ .
خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ ، قِيلَ : اسْتُشْهِدَ يَوْمَ مَرْجِ الصُّفَّرِ ، وَأَنَّ يَوْمَ مَرْجِ الصُّفَّرِ كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَقَدْ ذُكِرَ . خُزَيْمَةُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَشْهَلِيُّ ، يَوْمَ الْجِسْرِ . رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَّخَهُ ابْنُ قَانِعٍ .
زَيْدُ بْنُ سُرَاقَةَ يَوْمَ الْجِسْرِ . سَعْدُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ الْأَشْهَلِيُّ . سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ يُقَالُ : مَاتَ فِيهَا .
سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ ، يَوْمَ الْجِسْرِ . سَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ ، يَوْمَ مَرْجِ الصُّفَّرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . سَلِيطُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ ، يَوْمَ الْجِسْرِ .
ضَمْرَةُ بْنُ غَزِيَّةَ ، يَوْمَ الْجِسْرِ . عَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعَبَّادٌ بَنُو مِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيِّ بْنِ عَمْرٍو ، قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ . عُقْبَةُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، ابْنَا قَيْظِيِّ بْنِ قَيْسٍ حَضَرَا مَعَ أَبِيهِمَا يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقُتِلَا يَوْمَئِذٍ .
عُمَرُ بْنُ أَبِي الْيَسَرِ ، يَوْمَ الْجِسْرِ . قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَعُورَاءِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدَبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ ، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ شَهِدَ بَدْرًا ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدِ فِيمَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ : هُوَ أَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلِيلُهُ قَوْلُ أَنَسٍ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : أَحَدُ عُمُومَتِي ، وَكِلَاهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي حَرَامٍ .
وَكَذَا سَاقَ الْكَلْبِيُّ نَسَبَ أَبِي زَيْدٍ ، لَكِنَّهُ جَعَلَ عِوَضَ زَعُورَاءَ زَيْدًا ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآنَ أَبُو زَيْدٍ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَوْسِيُّ ، فَإِنَّ قَوْلَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَحَدُ عُمُومَتِي يَنْفِي قَوْلَ مَنْ قَالَ : هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ ؛ لِكَوْنِهِ أَوْسِيًّا . وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : افْتَخَرَ الْحَيَّانِ ، الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ، فَقَالَت الْأَوْسُ : مِنَّا غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ ، وَمِنَّا الَّذِي حَمَتْهُ الدَّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَمِنَّا الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ الْعَرْشُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَمِنَّا مَنْ أُجِيزَتْ شَهَادَتُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَقَالَت الْخَزْرَجُ : مِنَّا أَرْبَعَةٌ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَيٌّ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو زَيْدٍ . الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ الَّذِي أَخَذَ الرَّايَةَ وَتَحَيَّزَ بِالْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْجِسْرِ .
نَافِعُ بْنُ غَيْلَانَ ، يَوْمَئِذٍ . نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ ، يُقَالُ : تُوُفِّيَ فِيهَا ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ . وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، يَوْمَ .
هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، أَمُّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، تُوُفِّيَتْ فِي أَوَّلِ الْعَامِ . يَزِيدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - الْأَنْصَارِيُّ الظَّفَرِيُّ . صَحَابِيٌّ شَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ ، وَجُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ ، وَأَبُوهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْكِبَارِ ، قُتِلَ يَزِيدُ يَوْمَ الْجِسْرِ .
أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ ، وَالِدُ الْمُخْتَارِ وَصْفِيَّةَ زَوْجَةِ ابْنِ عُمَرَ . أَسْلَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرَ وَسَيَّرَهُ عَلَى جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى الْعِرَاقِ ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ جِسْرُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ عِنْدَ هَذَا الْجِسْرِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ أَبُو عُبَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْجِسْرُ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْحِيرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ فِي الصَّحَابَةِ إِلَّا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رُؤْيَةٌ وَإِسْلَامٌ . أَبُو قُحَافَةَ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرٍ التَّيْمِيُّ فِي الْمُحَرَّمِ عَنْ بِضْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ، وَقَدْ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَأَتَى بِهِ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَقُودُهُ لِكِبَرِهِ وَضَرَرِهِ وَرَأْسُهُ كَالثُّغَامَةِ فَأَسْلَمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ حَتَّى نَأْتِيَهُ إِكْرَامًا لِأَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ : غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَعْصَعَةَ بْنِ وَهْبٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَقُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ ، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ . سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ فِي أَوَّلِهَا فَتَحَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ الْأُرْدُنَّ كُلَّهَا عَنْوَةً ، إِلَّا طَبَرِيَّةَ فَإِنَّهُمْ صَالَحُوهُ ، وَذَلِكَ بِأَمْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ . يَوْمُ الْيَرْمُوكِ كَانَتْ وَقْعَةً مَشْهُودَةً ، نَزَلَتِ الرُّومُ الْيَرْمُوكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرَاهُ وَهْمًا ، فَكَانُوا فِي أَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثينَ أَلْفًا ، وَأُمَرَاءُ الْإِسْلَامِ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَمَعَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ ، وَكَانَتِ الرُّومُ قَدْ سَلْسَلُوا أَنْفُسَهُمُ الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ فِي السِّلْسِلَةِ لِئَلَّا يَفِرُّوا ، فَلَمَّا هَزَمَهُمُ اللَّهُ جَعَلَ الْوَاحِدُ يَقَعُ فِي وَادِي الْيَرْمُوكِ فَيَجْذِبُ مَنْ مَعَهُ فِي السِّلْسِلَةِ حَتَّى رَدَمُوا الْوَادِيَ ، وَاسْتَوَوْا فِيمَا قِيلَ بِحَافَّتَيْهِ ، فَدَاسَتْهُمُ الْخَيْلُ ، وَهَلَكَ خَلْقٌ لَا يُحْصَوْنَ .
وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : نَزَلَتِ الرُّومُ الْيَرْمُوكَ وَهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ ، عَلَيْهِمُ السِّقْلَابُ ، خَصِيٌّ لِهِرَقْلَ . وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : كَانَتِ الرُّومُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ ، عَلَيْهِمْ مَاهَانُ ، رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ تَنَصَّرَ وَلَحِقَ بِالرُّومِ ، قَالَ : وَضَمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِ أَطْرَافَهُ ، وَأَمَدَّهُ عُمَرُ بِسَعِيدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ فِي خَامِسِ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدَ الْعَزِيزِ : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي يَوْمَ الْيَرْمُوكِ كَانُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، وَعَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَالرُّومُ عِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفٍ ، عَلَيْهِ بَاهَانُ وَسِقْلَابُ . إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَمَدَتِ الْأَصْوَاتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ، وَالْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ الرُّومَ إِلَّا صَوْتَ رَجُلٍ يَقُولُ : يَا نَصْرَ اللَّهِ اقْتَرِبْ ، يَا نَصْرَ اللَّهِ اقْتَرِبْ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ تَحْتَ رَايَةِ ابْنِهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، قَالَ : حَضَرْتُ الْيَرْمُوكَ فَلَا أَسْمَعُ إِلَّا نَقْفَ الْحَدِيدِ ، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ صَائِحًا يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ ، أَبْلُوا اللَّهَ فِيهِ بَلَاءً حَسَنًا ، فَإِذَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ تَحْتَ رَايَةِ ابْنِهِ .
قَالَ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ ، قَالَ : لَمَّا هَزَمْنَا الْعَدُوَّ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَصَبْنَا يَلَامِقَ دِيبَاجٍ فَلَبَسْنَاهَا ، فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ ، فَاسْتَقْبَلْنَاهُ وَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، فَشَتَمَنَا وَرَجَمَنَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى سَبَقْنَاهُ نَعْدُو ، فَقَالَ بَعْضُنَا : لَقَدْ بَلَغَهُ عَنْكُمْ شَرٌّ ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : لَعَلَّهُ فِي زِيِّكُمْ هَذَا ، فَضَعُوهُ ، فَوَضَعْنَا تِلْكَ الثِّيَابَ وَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، فَرَحَّبَ وَسَاءَلَنَا ، وَقَالَ : إِنَّكُمْ جِئْتُمْ فِي زِيِّ أَهْلِ الْكُفْرِ ، وَإِنَّكُمُ الْآنَ فِي زِيِّ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، وَإِنَّهُ لَا يَصْلَحُ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا ، وَأَشَارَ بِأَرْبَعِ أَصَابِعِهِ . وَعَنْ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَشْرَفَ مِنْ رَجُلٍ رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ، إِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهِ عِلْجٌ فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ انْهَزَمُوا وَتَبِعَهُمْ وَتَبِعْتُهُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى خِبَاءٍ عَظِيمٍ لَهُ فَنَزَلَ ، فَدَعَا بِالْجِفَانِ وَدَعَا مَنْ حَوْلَهُ ، قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ . وَعَنْ عُرْوَةَ : قُتِلَ يَوْمَئِذٍ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْعَبْدَرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : قُتِلَ يَوْمَئِذٍ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ الْعَدُوِيُّ . قُلْتُ : وَقَدْ ذُكِرَ . وَقِيلَ : كَانَ عَلَى مَجَنْبَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ يَوْمَئِذٍ قُبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ الْكِنَانِيُّ اللَّيْثِيُّ .
وَيُقَالُ : قُتِلَ يَوْمَئِذٍ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَوَّامِ ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ . وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ بِالْعِرَاقِ فِي آخِرِ السَّنَةِ فِيمَا بَلَغَنَا ، وَكَانَ عَلَى النَّاسِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ رُسْتُمُ وَمَعَهُ الْجَالِينُوسُ وَذُو الْحَاجِبِ . قَالَ أَبُو وَائِلٍ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ مَا بَيْنَ السَّبْعَةِ إِلَى الثَّمَانِيَةِ آلَافٍ ، وَرُسْتُمُ فِي سِتِّينَ أَلْفًا ، وَقِيلَ : كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، وَكَانَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ فِيلًا .
وَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ أَنَّهُمُ اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي آخِرِ شَوَّالٍ ، وَقِيلَ : فِي رَمَضَانَ ، فَقُتِلَ رُسْتُمُ وَانْهَزَمُوا ، وَقِيلَ : إِنَّ رُسْتُمَ مَاتَ عَطَشًا ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَقُتِلَ جَالِينُوسُ وَذُو الْحَاجِبِ ، وَقَتَلُوهُمْ مَا بَيْنَ الْخَرَّارِ إِلَى السَّيْلَحِينَ إِلَى النَّجَفِ ، حَتَّى أَلْجَؤُوهُمْ إِلَى الْمَدَائِنِ ، فَحَصَرُوهُمْ بِهَا حَتَّى أَكَلُوا الْكِلَابَ ، ثُمَّ خَرَجُوا عَلَى حَامِيَةٍ بِعِيَالِهِمْ ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا جَلُولَاءَ . قَالَ أَبُو وَائِلٍ : اتَّبَعْنَاهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ، وَاتَّبَعْنَاهُمْ إِلَى الصَّرَاةِ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ، فَأَلْجَأْنَاهُمْ إِلَى الْمَدَائِنِ . وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : رَأَيْتُنِي أَعْبُرُ الْخَنْدَقَ مَشْيًا عَلَى الرِّجَالِ ، قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ صَهْبَانَ قَالَ : أَصَبْنَا يَوْمَئِذٍ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ : صَفْرَاءُ بِبَيْضَاءَ ، يَعْنِي ذَهَبًا بِفِضَّةٍ . وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ : ثُمَّ سَارَ سَعْدٌ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ يَتْبَعُهُمْ . فَأَتَاهُ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَقَالُوا : نَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا .
وَأَتَاهُ بِسْطَامٌ فَصَالَحَهُ ، وَقَطَعَ سَعْدٌ الْفُرَاتَ ، فَلَقِيَ جَمْعًا عَلَيْهِمْ بَصْبَهْرَا ، فَقَتَلَهُ زَهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعًا بِكُوثَا عَلَيْهِمُ الْفَيْرَزَانُ فَهَزَمُوهُمْ ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعًا كَثِيرًا بِدَيْرِ كَعْبٍ عَلَيْهِمُ الْفَرُّخَانُ فَهَزَمُوهُمْ ، ثُمَّ سَارَ سَعْدٌ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ الْمَدَائِنَ فَافْتَتَحَهَا . وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْقَادِسِيَّةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَذَكَرَ أَنَّ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَصَّرَ سَعْدٌ الْكُوفَةَ ، وَأَنَّ فِيهَا فَرَضَ عُمَرُ الْفُرُوضَ وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ ، وَأَعْطَى الْعَطَاءَ عَلَى السَّابِقَةِ . قَالَ : وَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ غَنَائِمَ رُسْتُمَ ، وَقَدِمَتْ عَلَى عُمَرَ الْفُتُوحُ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ جَمَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : مَا يَحِلُّ لِلْوَالِي مِنْ هَذَا الْمَالِ ؟ قَالُوا : أَمَّا لِخَاصَّتِهِ فَقُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ ، وَكِسْوَتُهُ وَكِسْوَتُهُمْ ، وَدَابَّتَانِ لِجِهَادِهِ وَحَوَائِجِهِ ، وَحَمَّالَتُهُ إِلَى حِجِّهِ وَعُمْرَتِهِ ، وَالْقَسْمُ بِالسَّوِيَّةِ أَنْ يُعْطِيَ أَهْلَ الْبَلَاءِ عَلَى قَدْرِ بَلَائِهِمْ ، وَيَرُمَّ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَعَاهَدَهُمْ ، وَفِي الْقَوْمِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَاكِتٌ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ : مَا أَصْلَحَكَ وَأَصْلَحَ عِيَالَكَ بِالْمَعْرُوفِ .
وَقِيلَ : إِنَّ عُمَرَ قَعَدَ عَلَى رِزْقِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُزِيدُوهُ فَأَبَى عَلَيْهِمْ . وَكَانَ عُمَّالَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ : عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ ، كَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَوْتَ عَتَّابٍ ، قَالَ : وَعَلَى الطَّائِفِ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سَعْدٌ ، وَعَلَى قَضَائِهَا أَبُو قُرَّةَ ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ، وَعَلَى ثُغُورِ الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ . الْمُتَوَفَّوْنَ فِيهَا : سَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ ، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ .
أَحَدُ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتُشْهِدَ بِوَقْعَةِ الْقَادِسِيَّةِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ وَالِدُ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الزَّاهِدِ أَمِيرِ حِمْصَ لِعُمَرَ ، شَهِدَ سَعْدٌ بَدْرًا وَغَيْرَهَا ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : سَعْدٌ الْقَارِئُ . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ الْقَادِسِيَّةَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ ، وَأَنَّهُ قُتِلَ بِهَا وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً . وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ خَطَبَهُمْ ، فَقَالَ : إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا وَإِنَّا مُسْتَشْهَدُونَ غَدًا ، فَلَا تَغْسِلُوا عَنَّا دَمًا وَلَا نُكَفَّنُ إِلَّا فِي ثَوْبٍ كَانَ عَلَيْنَا .
سَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ ، هُوَ وَإِخْوَتُهُ : الْحَجَّاجُ ، وَمَعْبَدٌ ، وَتَمِيمٌ ، وَأَبُو قَيْسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَالسَّائِبُ ، كُلُّهُمْ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ . اسْتُشْهِدَ أَكْثَرُهُمْ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ وَيَوْمَ أَجْنَادَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ .
هَذَا ابْنُ أَخِي أَبِي سَلَمَةِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ ، لَهُ صُحْبَةٌ وَهِجْرَةٌ إِلَى الْحَبَشَةِ وَرِوَايَةٌ ، رَوَى عَنْهُ : عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مُنْقَطِعًا ، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَرْمُوكِ . عَمْرُو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الضَّرِيرُ . كَانَ مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ غَزْوَةٍ ، قِيلَ : كَانَ اللِّوَاءُ مَعَهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ .
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْقَادِسِيَّةِ ، وَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ بَعْدَ عُمَرَ . قُلْتُ : رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو رَزِينٍ الْأَسَدِيُّ ، وَلَهُ تَرْجَمَةٌ طَوِيلَةٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَعْدٍ . عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ طَرِيفٍ ، قُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ .
عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عَمْرِو بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيُّ ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي سَمَّاهُ فِي الْقُنُوتِ وَدَعَا لَهُ بِالنَّجَاةِ . رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ أَخُو أَبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ ، كُنْيَتُهُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ . فِرَاسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، يُقَالُ : اسْتُشْهِدَ بِالْيَرْمُوكِ .
قَيْسُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ ، قُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ . قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ . شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا ، وَوَرَدَ لَهُ حَدِيثٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْهُ ، قُلْتُ : فِي كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : فِي خَمْسَ عَشْرَةَ ، قُلْتُ : أَجِدُنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ . وَكَانَ أَحَدَ أُمَرَاءِ الْكَرَادِيسِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ . نَضِيرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ الْعَبْدَرِيُّ الْقُرَشِيُّ .
مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَمِنْ حُلَمَاءِ قُرَيْشٍ ، وَقِيلَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ ، تَأَلَّفَهُ بِذَلِكَ . فَتَوَقَّفَ فِي أَخْذِهَا وَقَالَ : لَا أَرْتَشِي عَلَى الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ مَا طَلَبْتُهَا وَلَا سَأَلْتُهَا وَهِيَ عَطِيَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهَا ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ ، وَأَخُوهُ النَّضْرُ قُتِلَ كَافِرًا فِي نَوْبَةِ بَدْرٍ . سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ قِيلَ : كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ فِي أَوَّلِهَا ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِائَتَانِ ، وَقِيلَ : عِشْرُونَ وَمِائَةُ رَجُلٍ .
قَالَ خَلِيفَةُ : فِيهَا فُتِحْتَ الْأَهْوَازُ ثُمَّ كَفَرُوا ، فَحَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : سَارَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَصَالَحَهُ الْبَيْرَوَانُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَثَمَانِي مِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ غَزَاهُمُ الْأَشْعَرِيُّ بَعْدَهُ . وَقَالَ الطَّبَرَيُّ : فِيهَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ مَدِينَةَ بَهُرَشِيرَ وَافْتَتَحُوا الْمَدَائِنَ ، فَهَرَبَ مِنْهَا يَزْدَجِرْدُ بْنُ شَهْرَيَارَ . فَلَمَّا نَزَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بَهُرَشِيرَ - وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِيهَا مَنْزِلُ كِسْرَى - طَلَبَ السُّفُنَ لِيَعَبُرَ بِالنَّاسِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْقُصْوَى ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا ، وَجَدَهُمْ قَدْ ضَمُّوا السُّفُنَ ، فَبَقِيَ أَيَّامًا حَتَّى أَتَاهُ أَعْلَاجٌ فَدَلُّوهُ عَلَى مَخَاضَةٍ ، فَأَبَى ، ثُمَّ إِنَّهُ عَزَمَ لَهُ أَنْ يَقْتَحِمَ دِجْلَةَ ، فَاقْتَحَمَهَا الْمُسْلِمُونَ وَهِيَ زَائِدَةٌ تَرْمِي بِالزَّبَدِ ، فَفَجِئَ أَهْلَ فَارِسٍ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي حِسَابٍ ، فَقَاتَلُوا سَاعَةً ثُمَّ انْهَزَمُوا وَتَرَكُوا جُمْهُورَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، ثُمَّ أَتَوْا إِلَى الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ ، وَبِهِ قَوْمٌ قَدْ تَحَصَّنُوا ثُمَّ صَالَحُوا .
وَقِيلَ : إِنَّ الْفُرْسَ لَمَّا رَأَوُا اقْتِحَامَ الْمُسْلِمِينَ الْمَاءَ تَحَيَّرُوا ، وَقَالُوا : وَاللَّهِ مَا نُقَاتِلُ الْإِنْسَ وَلَا نُقَاتِلُ إِلَّا الْجِنَّ ، فَانْهَزَمُوا . وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ ، وَاتَّخَذَ الْإِيوَانَ مُصَلًّى ، وَإِنَّ فِيهِ لَتَمَاثِيلَ جَصٍّ فَمَا حَرَّكَهَا . وَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَكَانِ كِسْرَى أَخَذَ يَقْرَأُ : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾وَزُرُوعٍ الْآيَةَ .
قَالُوا : وَأَتَمَّ سَعْدٌ الصَّلَاةَ يَوْمَ دَخَلَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ الْمُقَامَ بِهَا ، وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِعَتْ بِالْعِرَاقِ ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : قَسَّمَ سَعْدٌ الْفَيْءَ بَعْدَمَا خَمَّسَهُ ، فَأَصَابَ الْفَارِسَ اثْنَا عَشْرَ أَلْفًا ، وَكُلُّ الْجَيْشِ كَانُوا فُرْسَانًا . وَقَسَّمَ سَعْدٌ دُورَ الْمَدَائِنِ بَيْنَ النَّاسِ وَأُوطِنُوهَا ، وَجَمَعَ سَعْدٌ الْخُمْسَ وَأَدْخَلَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِ كِسْرَى وَحُلِيِّهِ وَسَيْفِهِ ، وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ : هَلْ لَكَمَ أَنْ تَطِيبَ أَنْفُسُكُمْ عَنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ هَذَا الْقَطْفِ فَنَبْعَثُ بِهِ إِلَى عُمَرَ ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ يَرَى وَيَقَعُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَوْقِعًا ؟ قَالُوا : نَعَمْ .
فَبَعَثَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ . وَكَانَ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا بِسَاطًا وَاحِدًا مِقْدَارَ جَرِيبٍ ، فِيهِ طُرُقٌ كَالصُّوَرِ ، وَفُصُوصٌ كَالْأَنْهَارِ ، وَخِلَالٌ ذَلِكَ كَالدُّرِّ ، وَفِي حَافَّاتِهِ كَالْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ ، وَالْأَرْضِ كَالْمُبْقِلَةِ بِالنَّبَاتِ فِي الرَّبِيعِ مِنَ الْحَرِيرِ عَلَى قَصَبَاتِ الذَّهَبِ ، وَنَوَّارُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهُ ، فَقَطَّعَهُ عُمَرُ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَأَصَابَ عَلِيًّا قِطْعَةً مِنْهُ فَبَاعَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا . وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ عَلَى كُرْسِيِّ مَمْلَكَةِ كِسْرَى ، وَعَلَى كُرْسِيِّ مَمْلَكَةِ قَيْصَرَ ، وَعَلَى أُمَّيْ بِلَادِهِمَا .
وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا قَطُّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ وَالْحَرِيرِ وَالرَّقِيقِ وَالْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ الْفَتَّاحِ . وَكَانَ لِكِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَنْ قَبْلَهُمَا مِنَ الْمُلُوكِ فِي دَوْلَتِهِمْ دَهْرٌ طَوِيلٌ ، فَأَمَّا الْأَكَاسِرَةُ وَالْفُرْسُ وَهُمُ الْمَجُوسُ فَمَلَكُوا الْعِرَاقَ وَالْعَجَمَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، فَأَوَّلُ مُلُوكِهِمْ دَارًا ، وَطَالَ عُمْرُهُ فَيُقَالُ إِنَّهُ بَقِيَ فِي الْمُلْكِ مِائَتَيْ سَنَةٍ ، وَعِدَّةُ مُلُوكِهِمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَفْسًا ، مِنْهُمُ امْرَأَتَانِ ، وَكَانَ آخِرَ الْقَوْمِ يَزْدَجِرْدُ الَّذِي هَلَكَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ، وَمِمَّنْ مَلَكَ مِنْهُمْ ذُو الْأَكْتَافِ سَابُورُ ، عُقِدَ لَهُ بِالْأَمْرِ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَهَذَا حَمْلٌ ، فَقَالَ الْكُهَّانُ : هَذَا يَمْلِكُ الْأَرْضَ ، فَوُضِعَ التَّاجُ عَلَى بَطْنِ الْأُمِّ ، وَكُتِبَ مِنْهُ إِلَى الْآفَاقِ وَهُوَ بَعْدُ جَنِينٍ ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ قَطُّ ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِذِي الْأَكْتَافِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْزِعُ أَكْتَافَ مَنْ غَضَبِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْإِيوَانَ الْأَعْظَمَ وَبَنَى نَيْسَابُورَ وَبَنَى سِجِسْتَانَ . وَمِنْ مُتَأَخَّرِي مُلُوكِهِمْ أَنُوشَرْوَانَ ، وَكَانَ حَازِمًا عَاقِلًا ، كَانَ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أَلْفَ امْرَأَةٍ وَسُرِّيَّةٍ ، وَخَمْسُونَ أَلْفَ دَابَّةٍ ، وَأَلْفَ فِيلٍ إِلَّا وَاحِدًا ، وَوُلِدَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَانِهِ ، ثُمَّ مَاتَ أَنَوْشَرْوَانُ وَقْتَ مَوْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَلَمَّا اسْتَوْلَى الصَّحَابَةُ عَلَى الْإِيوَانِ أَحْرَقُوا سُتُرَهُ ، فَطَلَعَ مِنْهُ أَلْفَ أَلْفَ مِثْقَالٍ ذَهَبًا .
وَقْعَةُ جَلُولَاءَ في هَذِهِ السَّنَةِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : فَقَتَلَ اللَّهُ مِنَ الْفُرْسِ مِائَةَ أَلْفٍ ، جَلَّلَتِ الْقَتْلَى الْمَجَالَ وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلَفْهُ ، فَسُمِّيَتْ جَلُولَاءَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَتْ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ . وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : سُمِّيَتْ جَلُولَاءُ لِمَا تَجَلَّلَهَا مِنَ الشَّرِّ ، وَقَالَ سَيْفٌ : كَانَتْ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ . وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ : هَرَبَ يَزْدَجِرْدُ بْنُ كِسْرَى مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى حُلْوَانَ ، فَكَتَبَ إِلَى الْجِبَالِ ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَوَجَّهَهُمْ إِلَى جَلُولَاءَ ، فَاجْتَمَعَ لَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ ، عَلَيْهِمْ خُرَّزَادُ بْنُ جَرْمَهَرَ ، فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُهُ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَقِمْ مَكَانَكَ وَوَجِّهْ إِلَيْهِمْ جَيْشًا ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ وَمُتَمِّمُ وَعْدِهِ ، فَعَقَدَ لِابْنِ أَخِيهِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَالْتَقَوْا ، فَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً ، ثُمَّ هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً ، وَحَوَى الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَهُمْ وَأَصَابُوا أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَسَبَايَا ، فَبَلَغَتِ الْغَنَائِمُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ .
وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ فَيْءَ جَلُولَاءَ قُسِّمَ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ . وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ : سُمِّيَتْ جَلُولَاءُ فَتْحَ الْفُتُوحِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : أَقَامَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بِجَلُولَاءَ ، وَخَرَجَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي آثَارِ الْقَوْمِ إِلَى خَانِقِينَ ، فَقَتَلَ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ ، وَقُتِلَ مِهْرَانُ ، وَأَفْلَتَ الْفَيْرُزَانُ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ يَزْدَجِرْدَ تَقَهْقَرَ إِلَى الرَّيِّ .
وَفِيهَا جَهَّزَ سَعْدٌ جُنْدًا فَافْتَتَحُوا تَكْرِيتَ وَاقْتَسَمُوهَا ، وَخَمَّسُوا الْغَنَائِمَ ، فَأَصَابَ الْفَارِسُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ . وَفِيهَا سَارَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الشَّامِ وَافْتَتَحَ الْبَيْتَ الْمُقَدَّسِ ، وَقَدِمَ إِلَى الْجَابِيَةِ وَهِيَ قَصَبَةُ حَوْرَانَ فَخَطَبَ بِهَا خُطْبَةً مَشْهُورَةً مُتَوَاتِرَةً عَنْهُ ، قَالَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْغَادِيَةِ الْمُزَنِيَّ ، قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا عُمَرُ الْجَابِيَةَ ، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ ، تَلُوحُ صَلْعَتُهُ لِلشَّمْسِ ، لَيْسَ عَلَيْهِ عَمَامَةٌ وَلَا قَلَنْسُوَةٌ ، بَيْنَ عُودَيْنِ ، وِطَاؤُهُ فَرْوُ كَبْشٍ نَجْدِيٍّ ، وَهُوَ فِرَاشُهُ إِذَا نَزَلَ ، وَحَقِيبَتُهُ شَمْلَةٌ أَوْ نَمِرَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا وَهِيَ وِسَادَتُهُ ، عَلَيْهِ قَمِيصٌ قَدِ انْخَرَقَ بَعْضُهُ وَدُسِمَ جَيْبُهُ . رَوَاهُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الشَّامِيِّ .
قِنَّسْرِينَ وَفِيهَا بَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْيَرْمُوكِ إِلَى قِنَّسْرِينَ ، فَصَالَحَ أَهْلَ حَلَبَ وَمَنْبَجَ وَأَنْطَاكِيَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ ، وَفَتَحَ سَائِرَ بِلَادِ قِنَّسْرِينَ عَنْوَةً . وَفِيهَا افْتُتِحَتْ سَرُوجُ وَالرَّهَا عَلَى يَدَيْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ . وَفِيهَا ، قَالَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَحَاصَرَ أَهْلَ إِيلِيَاءَ ، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يَكُونَ عُمَرُ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ وَيَكْتُبُ لَهُمْ أَمَانًا ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَدِمَ عُمَرُ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَصَالَحَهُمْ وَأَقَامَ أَيَّامًا ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْمَدِينَةِ .
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ قِرْقِيسْيَاءَ ، وَحَاصَرَهَا الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الْعَامِرِيُّ ، وَفُتِحَتْ صُلْحًا . وَفِيهَا كُتِبَ التَّارِيخُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، فَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ التَّارِيخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ خِلَافَتِهِ ، فَكَتَبَ لَسْتَّ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ بِمَشُورَةِ عَلِيٍّ ؛ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَفِيهَا نُدِبَ لِحَرْبِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الْأَفْكَلِ .
سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ يُقَالُ : كَانَتْ فِيهَا وَقْعَةُ جَلُولَاءَ الْمَذْكُورَةُ . وَفِيهَا خَرَجَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى سَرْغَ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَوَجَدَ الطَّاعُونَ بِالشَّامِ ، فَرَجَعَ لَمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ الطَّاعُونِ . وَفِيهَا زَادَ عُمَرُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمِلَهُ كَمَا كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِيهَا كَانَ الْقَحْطُ بِالْحِجَازِ ، وَسُمِّيَ عَامُ الرَّمَادَةِ ، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ لِلنَّاسِ بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهَا كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بِإِمْرَةِ الْبَصْرَةِ ، وَبِأَنْ يَسِيرَ إِلَى كُوَرِ الْأَهْوَازِ ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ، فَافْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَهْوَازَ صُلْحًا وَعَنْوَةً ، فَوَظَّفَ عُمَرُ عَلَيْهَا عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ ، وَجَهِدَ زِيَادٌ فِي إِمْرَتِهِ أَنْ يَخَلِّصَ الْعَنْوَةَ مِنَ الصُّلْحِ فَمَا قَدِرَ . قَالَ خَلِيفَةُ : وَفِيهَا شَهِدَ أَبُو بَكَرَةَ ، وَنَافِعٌ ابْنَا الْحَارِثِ ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَزِيَادٌ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى ثُمَّ نَكَلَ بَعْضُهُمْ ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوَلَّاهَا أَبَا مُوسَى .
وَقَالَ خَلِيفَةُ : حَدَّثَنَا رَيْحَانُ بْنُ عِصْمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ أَبِي فَرْقَدٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بِالْأَهْوَازِ وَعَلَى خَيْلِهِ تَجَافِيفُ الدِّيبَاجِ . وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ بِأُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِيمَا قِيلَ . سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ فِيهَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : اسْتَسْقَى عُمَرُ لِلنَّاسِ وَخَرَجَ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِيكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ .
وَفِيهَا افْتَتَحَ أَبُو مُوسَى جُنْدَيْسَابُورَ وَالسُّوسَ صُلْحًا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْأَهْوَازِ . وَفِيهَا وَجَّهَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ إِلَى حُلْوَانَ بَعْدَ جَلُولَاءَ ، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً ، وَيُقَالُ : بَلْ وَجَّهَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ ، ثُمَّ انْتَقَضُوا حَتَّى سَارُوا إِلَى نَهَاوَنْدَ ، ثُمَّ سَارَ هَاشِمٌ إِلَى مَاهٍ فَأَجْلَاهُمْ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ ، ثُمَّ صَالَحُوا . وَيُقَالُ : فِيهَا افْتَتَحَ أَبُو مُوسَى رَامَهُرْمُزَ ، ثُمَّ سَارَ إِلَى تُسْتَرَ فَنَازَلَهَا .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْمُثَنَّى : فِيهَا حَاصَرَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ أَهْلَ دَسْتَ هِرَّ ، فَرَأَى مَلِكُهُمُ امْرَأَةً تَأْكُلُ وَلَدَهَا مِنَ الْجُوعِ ، فَقَالَ : الْآنَ أُصَالِحُ الْعَرَبَ ، فَصَالَحَ هَرِمًا عَلَى أَنْ خَلَّى لَهُمُ الْمَدِينَةَ . وَفِيهَا نَزَلَ النَّاسُ الْكُوفَةَ ، وَبَنَاهَا سَعْدٌ بِاللَّبِنِ ، وَكَانُوا بَنَوْهَا بِالْقَصَبِ فَوَقَعَ بِهَا حَرِيقٌ هَائِلٌ . وَفِيهِ كَانَ طَاعُونُ عَمَوَاسُ بِنَاحِيةِ الْأُرْدُنِّ ، فَاسْتُشْهِدَ فِيهِ خَلْقٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِمَكَّةَ وَلَا بِالْمَدِينَةِ طَاعُونٌ .
وَفِيهَا : افْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الرُّهَا وَسُمَيْسَاطَ عَنْوَةً . وَفِي أَوَائِلِهَا : وَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ الْفِهْرِيَّ إِلَى الْجَزِيرَةِ ، فَوَافَقَ أَبَا مُوسَى قَدْ قَدِمَ مِنَ الْبَصْرَةِ ، فَمَضَيَا فَافْتَتَحَا حَرَّانَ وَنَصِيبِينَ وَطَائِفَةً مِنَ الْجَزِيرَةِ عَنْوَةً ، وَقِيلَ : صُلْحًا . وَفِيهَا : سَارَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ إِلَى الْمَوْصِلِ فَافْتَتَحَهَا وَنَوَاحِيهَا عَنْوَةً .
وَفِيهَا : بَنَى سَعْدٌ جَامِعَ الْكُوفَةِ . سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ قَالَ خَلِيفَةُ : فِيهَا فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ ، وَأَمِيرُ الْعَسْكَرِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَسَعْدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ ، كُلُّ أَمِيرٍ عَلَى جُنْدِهِ ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةٍ ، وَرَّخَهَا ابْنُ الْكَلْبِيِّ . وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ : سَنَةَ عِشْرِينَ .
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ صُهَابَ بِأَرْضِ فَارِسَ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، فَقَتَلَ سَهْرَكَ مُقَدَّمَ الْمُشْرِكِينَ . قَالَ خَلِيفَةُ : وَفِيهَا أَسَرَتِ الرُّومُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ . وَقِيلَ : فِيهَا فُتِحَتْ تَكْرِيتُ .
وَيُقَالُ : فِيهَا كَانَتْ جَلُولَاءُ ، وَهِيَ وَقْعَةٌ أُخْرَى كَانَتْ بِالْعَجَمِ أَوْ بِفَارِسَ . وَفِيهَا وَجَّهَ عُمَرُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ إِلَى إِرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ ، فَكَانَ عِنْدَهَا شَيْءٌ مِنْ قِتَالٍ ، أُصِيبَ فِيهِ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ بْنِ رَحْضَةَ السُّلَمِيُّ الذَّكْوَانِيُّ . وَفِيهَا : تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي قَوْلٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
سَنَةَ عِشْرِينَ [ فَتْحُ مِصْرَ ] فِيهَا فُتِحَتْ مِصْرُ رَوَى خَلِيفَةُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ فِيهَا كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مِصْرَ ، فَسَارَ وَبَعَثَ عُمَرُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ مَدَدًا لَهُ ، وَمَعَهُ بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ الْعَدَوِيُّ ، حَتَّى أَتَى بَابَ أَلِيُونَ فَتَحَصَّنُوا ، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً وَصَالَحَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ أَوَّلَ مَنِ ارْتَقَى سُورَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ تَبِعَهُ النَّاسُ ، فَكَلَّمَ الزُّبَيْرُ عَمْرًا أَنْ يُقَسِّمَهَا بَيْنَ مَنِ افْتَتَحَهَا ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ ، فَكَتَبَ عُمَرُ : أَكْلَةٌ ، وَأَكْلَاتٌ خَيْرٌ مِنْ أَكْلَةٍ ، أَقِرُّوهَا . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : لَقَدْ قَعَدْتُ مَقْعَدِي هَذَا وَمَا لِأَحَدٍ مِنْ قِبْطِ مِصْرَ عَلَيَّ عَهْدٌ وَلَا عَقْدٌ ، إِنْ شِئْتُ قَتَلْتُ ، وَإِنْ شِئْتُ بِعْتُ ، وَإِنْ شِئْتُ خَمَّسْتُ إِلَّا أَهْلَ أَنْطَابُلُسَ فَإِنَّ لَهُمْ عَهْدًا نَفِي بِهِ . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، قَالَ : الْمَغْرِبُ كُلُّهُ عَنْوَةٌ .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : افْتُتِحَتْ مِصْرُ بِغَيْرِ عَهْدٍ . وَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ . وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ : مِصْرُ كُلُّهَا صُلْحٌ إِلَّا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ .
غَزْوَةُ تُسْتَرَ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْقَحْذَمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ أَنَّ أَبَا مُوسَى لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَهْوَازِ ، وَنَهَرِ تِيرَى ، وَجُنْدَيْسَابُورَ ، وَرَامَهُرْمُزَ ، تَوَجَّهَ إِلَى تُسْتَرَ فَنَزَلَ بَابَ الشَّرْقِيِّ ، وَكَتَبَ يَسْتَمِدُّ عُمَرَ ، فَكَتَبَ إِلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنْ أَمِدَّهُ ، فَكَتَبَ إِلَى جَرِيرٍ وَهُوَ بِحُلْوَانَ أَنْ سِرْ إِلَى أَبِي مُوسَى ، فَسَارَ فِي أَلْفٍ فَأَقَامُوا شَهْرًا ، ثُمَّ كَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ : إِنَّهُمْ لَمْ يُغْنُوا شَيْئًا . فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَمَّارٍ أَنْ سِرْ بِنَفْسِكَ ، وَأَمَدَّهُ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : أَقَامُوا سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ تُسْتَرَ فَقَالَ لِأَبِي مُوسَى : أَسْأَلُكَ أَنْ تَحْقِنَ دَمِي وَأَهْلَ بَيْتِي وَمَالِي ، عَلَى أَنْ أَدُلَّكَ عَلَى الْمَدْخَلِ ، فَأَعْطَاهُ ، قَالَ : فَابْغِنِي إِنْسَانًا سَابِحًا ذَا عَقْلٍ يَأْتِيكَ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ مَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ السَّدُوسِيَّ ، فَأُدْخِلَ مِنْ مَدْخَلِ الْمَاءِ يَنْبَطِحُ عَلَى بَطْنِهِ أَحْيَانًا وَيَحْبُو حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَعَرَفَ طُرُقَهَا ، وَأَرَاهُ الْعِلْجُ الْهُرْمُزَانَ صَاحِبَهَا ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي مُوسَى : لَا تَسْبِقَنِي بِأَمْرٍ وَرَجَعَ إِلَى أَبِي مُوسَى ، ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا كَأَنَّهُمُ الْبَطُّ يَسْبَحُونَ ، وَطَلَعُوا إِلَى السُّورِ وَكَبَّرُوا ، وَاقْتَتَلُوا هُمْ وَمَنْ عِنْدِهِمْ عَلَى السُّورِ ، فَقُتِلَ مَجْزَأَةُ وَفَتَحَ أُولَئِكَ الْبَلَدَ ، فَتَحَصَّنَ الْهُرْمُزَانُ فِي بُرْجٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : عَنْ أَنَسٍ : لَمْ نُصَلِّ يَوْمَئِذٍ الْغَدَاةَ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ فَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا كُلَّهَا . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : قُتِلَ يَوْمَئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ تُسْتَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ .
وَعَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حُوصِرَتْ تُسْتَرُ سَنَتَيْنِ . وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : حَاصَرَهُمْ أَبُو مُوسَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ نَزَلَ الْهُرْمُزَانُ عَلَى حُكْمِ عُمَرَ . فَقَالَ حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ : نَزَلَ الْهُرْمُزَانُ عَلَى حُكْمِ عُمَرَ .
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ - يَعْنِي إِلَى عُمَرَ - بِالْهُرْمُزَانِ قَالَ : تَكَلَّمْ ، قَالَ : كَلَامَ حَيٍّ أَوْ كَلَامَ مَيِّتٍ ؟ قَالَ : تَكَلَّمْ فَلَا بَأْسَ ، قَالَ : إِنَّا وَإِيَّاكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ مَا خَلَّى اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، كُنَّا نَغْصِبُكُمْ وَنَقْتُلُكُمْ وَنَفْعَلُ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَكُمْ لَمْ تَكُنْ لَنَا بِكُمْ يَدَانِ . قَالَ : يَا أَنَسُ مَا تَقُولُ ؟ قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَرَكْتُ بَعْدِي عَدَدًا كَثِيرًا وَشَوْكَةً شَدِيدَةً ، فَإِنْ تَقْتُلْهُ يَيْأَسِ الْقَوْمُ مِنَ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ أَشَدَّ لِشَوْكَتِهِمْ ، قَالَ : فَأَنَا أَسْتَحْيِي قَاتِلَ الْبَرَاءِ وَمَجْزَأَةَ بْنِ ثَوْرٍ ؟ فَلَمَّا أَحْسَسْتُ بِقَتْلِهِ قُلْتُ : لَيْسَ إِلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ ، قَدْ قُلْتَ لَهُ : تَكَلَّمْ فَلَا بَأْسَ ، قَالَ : لَتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشْهَدُ بِهِ غَيْرُكُ ، فَلَقِيتُ الزُّبَيْرَ فَشَهِدَ مَعِي ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ عُمَرُ ، وَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ ، وَفَرَضَ لَهُ عُمَرُ ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ . وَفِيهَا هَلَكَ هِرَقْلُ عَظِيمُ الرُّومِ ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينَ .
وَفِيهَا قَسَّمَ عُمَرُ خَيْبَرَ وَأَجْلَى عَنْهَا الْيَهُودَ ، وَقَسَّمَ وَادِي الْقُرَى ، وَأَجْلَى يَهُودَ نَجْرَانَ إِلَى الْكُوفَةِ . قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ قِيلَ : فَتَحَ فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ ، وَقَدْ مَرَّتْ .
وَفِيهَا شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَتَعَنَّتُوهُ ، فَصَرَفَهُ عُمَرُ وَوَلَّى عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مِسَاحَةِ أَرْضِ السَّوَادِ . وَفِيهَا سَارَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَنَزَلَ تَوَّجَ وَمَصَّرَهَا . وَبَعَثَ سَوَّارَ بْنَ الْمُثَنَّى الْعَبْدِيَّ إِلَى سَابُورَ ، فَاسْتُشْهِدَ فَأَغَارَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى سِيفِ الْبَحْرِ وَالسَّوَاحِلِ ، وَبَعَثَ الْجَارُودَ بْنَ الْمُعَلَّى فَقُتِلَ الْجَارُودُ أَيْضًا .
عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةِ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيِّ ، وَعَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ عَمْرًا سَارَ مِنْ فِلَسْطِينَ بِالْجَيْشِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ عُمَرَ إِلَى مِصْرَ فَافْتَتَحَهَا ، فَعَتَبَ عُمَرُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يُعْلِمْهُ ، فَكَتَبَ يَسْتَأْذِنُ عُمَرَ بِمُنَاهَضَةِ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، فَسَارَ عَمْرٌو فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَخَلَّفَ عَلَى الْفُسْطَاطِ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ الْعَدَوِيَّ ، فَالْتَقَى الْقِبْطُ فَهَزَمَهُمْ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ ، ثُمَّ الْتَقَاهُمْ عِنْدَ الْكِرْيَوْنِ فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، ثُمَّ انْتَهَى إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ يَطْلُبُ الصُّلْحَ وَالْهُدْنَةَ مِنْهُ ، فَأَبَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَدَّ فِي الْقِتَالِ حَتَّى دَخَلَهَا بِالسَّيْفِ ، وَغَنِمَ مَا فِيهَا مِنَ الرُّومِ ، وَجَعَلَ فِيهَا عَسْكَرَا عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ، وَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ قُسْطَنْطِينَ بْنَ هِرَقْلَ فَبَعَثَ خَصِيًّا لَهُ يُقَالُ لَهُ مِنْوِيلُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ مَرْكَبٍ حَتَّى دَخَلُوا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ ، فَقَتَلُوا بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَنَجَا مَنْ هَرَبَ ، وَنَقَضَ أَهْلُهَا ، فَزَحَفَ إِلَيْهَا عَمْرٌو فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا ، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ ، وَجَدَّ فِي الْقِتَالِ حَتَّى فَتَحَهَا عَنْوَةً ، وَخَرَّبَ جُدُرَهَا ، رُؤِيَ عَمْرٌو يُخَرِّبُ بِيَدِهِ . رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ . نَهَاوَنْدُ وَقَالَ النَّهَّاسُ بْنُ قَهْمٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ الْأَقْرَعِ ، قَالَ : زَحَفَ لِلْمُسْلِمِينَ زَحْفٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ ، زَحَفَ لَهُمْ أَهْلُ مَاهَ وَأَهْلُ أَصْبَهَانَ وَأَهْلُ هَمَذَانَ وَالرَّيِّ وَقُومِسَ وَنَهَاوَنْدَ وَأَذْرَبِيجَانَ ، قَالَ : فَبَلَغَ ذلك عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَاوَرَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنْتَ أَفْضَلُنَا رَأْيًا وَأَعْلَمُنَا بِأَهْلِكَ .
فَقَالَ : لَأَسْتَعْمِلَنَّ عَلَى النَّاسِ رَجُلًا يَكُونُ لِأَوَّلِ أَسِنَّةٍ يَلْقَاهَا ، يَا سَائِبُ اذْهَبْ بِكِتَابِيِ هَذَا إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ ، فَليَسِرْ بِثُلُثَيْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَلِيَبْعَثْ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَأَنْتَ عَلَى مَا أَصَابُوا مِنْ غَنِيمَةٍ ، فَإِنْ قُتِلَ النُّعْمَانُ فَحُذَيْفَةُ الْأَمِيرُ ، فَإِنْ قُتِلَ حُذَيْفَةُ فَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنْ قُتِلَ ذَلِكَ الْجَيْشُ فَلَا أَرَاكَ . وَرَوَى عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ شَاوَرَ الْهُرْمُزَانَ فِي أَصْبَهَانَ وَفَارِسَ وَأَذْرَبِيجَانَ فَأَيَّتَهُنَّ يَبْدَأُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَصْبَهَانُ الرَّأْسُ ، وَفَارِسُ وَأَذْرَبِيجَانُ الْجَنَاحَانِ ، فَإِنْ قَطَعْتَ أَحَدَ الْجَنَاحَيْنِ مَالَ الرَّأْسُ بِالْجَنَاحِ الْآخَرِ ، وَإِنْ قَطَعْتَ الرَّأْسَ وَقَعَ الْجَنَاحَانِ ، فَدَخَلَ عُمَرُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ يُصَلِّي فَسَرَّحَهُ وَسَرَّحَ مَعَهُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ، وَعَمْرَو بْنَ مَعْدِ يَكْرِبَ ، وَالْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى نَهَاوَنْدَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ النُّعْمَانُ لَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ : إِنْ قُتِلْتُ فَلَا يَلْوِي عَلَيَّ أَحَدٌ ، وَإِنِّي دَاعِيَ اللَّهَ بِدَعْوَةٍ فَأَمِّنُوا ، ثُمَّ دَعَا : اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ بِنَصْرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْفَتْحَ عَلَيْهِمْ ، فَأَمَّنَ الْقَوْمُ ، وَحَمَلُوا فَكَانَ النُّعْمَانُ أَوَّلَ صَرِيعٍ . وَرَوَى خَلِيفَةُ بِإِسْنَادٍ ، قَالَ : الْتَقَوْا بِنَهَاوَنْدَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَانْكَشَفَتْ مُجَنَّبَةُ الْمُسْلِمِينَ الْيُمْنَى شَيْئًا ، ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمَ الْخَمِيسِ فَثَبَتَتِ الْمَيْمَنَةُ وَانْكَشَفَ أَهْلُ الْمَيْسَرَةِ ، ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَقْبَلَ النُّعْمَانُ يَخْطُبُهُمْ وَيَحُضُّهُمْ عَلَى الْحَمْلَةِ ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ زِيَادٌ الْأَعْجَمِ : قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو مُوسَى بِكِتَابِ عُمَرَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ : أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنِّي قَدْ أَمْدَدْتُكَ بِأَبِي مُوسَى ، وَأَنْتَ الْأَمِيرُ فَتَطَاوَعَا وَالسَّلَامُ . فَلَمَّا طَالَ حِصَارُ إِصْطَخْرَ بَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ عِدَّةَ أُمَرَاءَ فَأَغَارُوا عَلَى الرَّسَاتِيقِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ : لَمَّا انْتَهَى النُّعْمَانُ إِلَى نَهَاوَنْدَ فِي جَيْشِهِ طَرَحُوا لَهُ حَسَكَ الْحَدِيدِ ، فَبَعَثَ عُيُونًا فَسَارُوا لَا يَعْلَمُونَ ، فَزَجَرَ بَعْضُهُمْ فَرَسَهُ وَقَدْ دَخَلَ فِي حَافِرِهِ حَسَكَةٌ ، فَلَمْ يَبْرَحْ ، فَنَزَلَ فَإِذَا الْحَسَكُ ، فَأَقْبَلَ بِهَا ، وَأَخْبَرَ النُّعْمَانَ ، فَقَالَ النُّعْمَانُ : مَا تَرَوْنَ ؟ فَقَالُوا : تَقَهْقَرْ حَتَّى يَرَوْا أَنَّكَ هَارِبٌ فَيَخْرُجُوا فِي طَلَبِكَ ، فَتَأَخَّرَ النُّعْمَانُ ، وَكَنَسَتِ الْأَعَاجِمُ الْحَسَكَ وَخَرَجُوا ، فَعَطَفَ عَلَيْهِمُ النُّعْمَانُ وَعَبَّأَ كَتَائِبَهُ وَخَطَّبَ النَّاسَ ، وَقَالَ : إِنْ أُصِبْتُ فَعَلَيْكُمْ حُذَيْفَةُ ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَلَيْكُمْ جَرِيرٌ الْبَجَلِيُّ ، وَإِنْ أُصِيبَ فَعَلَيْكُمْ قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ ، فَوَجَدَ الْمُغِيرَةُ فِي نَفْسِهِ إِذْ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ ، قَالَ : وَخَرَجْتِ الْأَعَاجِمُ وَقَدْ شَدُّوا أَنْفُسَهُمْ فِي السَّلَاسِلِ لِئَلَّا يَفِرُّوا ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَرُمِيَ النُّعْمَانُ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ ، وَلَفَّهُ أَخُوهُ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرَّنٍ فِي ثَوْبِهِ وَكَتَمَ قَتْلَهُ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَى حُذَيْفَةَ .
وَقَتَلَ اللَّهُ ذَا الْحَاجِبِ ، يَعْنِي مُقَدِّمَهُمْ ، وَافْتُتِحَتْ نَهَاوَنْدُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَعَاجِمِ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ . وَبَعَثَ عُمَرُ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ مَوْلَى ثَقِيفٍ - وَكَانَ كَاتِبًا حَاسِبًا - فَقَالَ : إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ فَاقْسِمْ عَلَيْهِمْ فَيْئَهُمْ وَاعْزِلِ الْخُمْسَ ، قَالَ السَّائِبُ : فَإِنِّي لَأَقْسِمُ بَيْنَ النَّاسِ إِذْ جَاءَنِي أَعْجَمِيٌّ ، فَقَالَ : أَتُؤَمِّنُنِي عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكَ عَلَى كَنْزِ يَزْدَجِرْدَ يَكُونُ لَكَ وَلِصَاحِبِكَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . وَبَعَثْتُ مَعَهُ رَجُلًا ، فَأَتَى بِسَفَطَيْنِ عَظِيمَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا إِلَّا الدُّرُّ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَوَاقِيتُ ، قَالَ : فَاحْتَمَلْتُهُمَا مَعِي ، وَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بِهِمَا ، فَقَالَ : أَدْخِلْهُمَا بَيْتَ الْمَالِ ، فَفَعَلْتُ وَرَجَعْتُ إِلَى الْكُوفَةِ سَرِيعًا ، فَمَا أَدْرَكَنِي رَسُولُ عُمَرَ إِلَّا بِالْكُوفَةِ ، أَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى عُرْقُوبِ بَعِيرِي ، فَقَالَ : الْحَقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَرَجَعْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : مَا لِي وَلِابْنِ أُمِّ السَّائِبِ ، وَمَا لِابْنِ أُمِّ السَّائِبِ وَلِي ، قُلْتُ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ نِمْتُ ، فَبَاتَتْ مَلَائِكَةٌ تَسْحَبُنِي إِلَى ذَيْنِكِ السَّفَطَيْنِ يَشْتَعِلَانِ نَارًا ، يَقُولُونَ : لَنَكْوِيَنَّكَ بِهِمَا ، فَأَقُولُ : إِنِّي سَأُقَسِّمُهُمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَخُذْهُمَا عَنِّي لَا أَبَا لَكَ فَالْحَقْ بِهِمَا فَبِعْهُمَا فِي أَعْطِيَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِهِمْ ، قَالَ : فَخَرَجْتُ بِهِمَا حَتَّى وَضَعَتْهُمَا فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ ، وَغَشِيَنِي التُّجَّارُ ، فَابْتَاعَهُمَا مِنِّي عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا إِلَى أَرْضِ الْعَجَمِ فَبَاعُهُمَا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ أَلْفٍ ، فَمَا زَالَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَالًا .
وَفِيهَا سَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى بَرْقَةَ فَافْتَتَحَهَا ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ . وَفِيهَا صَالَحَ أَبُو هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ وَمَلْقِيَّةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ . وَأَبُو هَاشِمٍ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، حَسُنَ إِسْلَامَهُ ، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهَا ، رَوَى عَنْهُ : أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَسُمُرَةُ بْنُ سَهْمٍ ، وَهُوَ خَالُ مُعَاوِيَةَ ، شَهِدَ فُتُوحَ الشَّامِ .
سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فِيهَا فُتِحَتْ أَذْرَبِيجَانُ عَلَى يَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَه ابْنُ إِسْحَاقَ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَى ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : افْتَتَحَهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرَيُّ بِأَهْلِ الشَّامِ عَنْوَةً ، وَمَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ ، فَافْتَتَحَهَا بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ . فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِيهَا غَزَا حُذَيْفَةُ مَدِينَةَ الدِّينَوَرِ فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً ، وَقَدْ كَانَتْ فُتِحَتْ لِسَعْدٍ ثُمَّ انْتَقَضَتْ . ثُمَّ غَزَا حُذَيْفَةُ مَاهَ سَنْدَانَ فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً ، عَلَى خُلْفٍ فِي مَاهَ ، وَقِيلَ : افْتَتَحَهَا سَعْدٌ فَانْتَقَضُوا . وَقَالَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ : غَزَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ مَاهَ فَأَمَدَّهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، عَلَيْهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُشْرَكُوا فِي الْغَنَائِمِ ، فَأَبَى أَهْلُ الْبَصْرَةِ ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ : الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : ثُمَّ غَزَا حُذَيْفَةُ هَمَذَانَ ، فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً وَلَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ . وَإِلَيْهَا انْتَهَى فُتُوحُ حُذَيْفَةَ . وَكُلُّ هَذَا فِي سَنَةَ اثْنَتَيْنِ .
قَالَ : وَيُقَالُ هَمَذَانُ افْتَتَحَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ، وَيُقَالُ : افْتَتَحَهَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِأَمْرِ الْمُغِيرَةِ . وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ : فِيهَا افْتَتَحَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَطْرَابُلُسَ الْمَغْرِبِ ، وَيُقَالُ : فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا . وَفِيهَا عُزِلَ عَمَّارٌ عَنِ الْكُوفَةِ .
وَفِيهَا افْتُتِحَتْ جُرْجَانُ . وَفِيهَا فَتَحَ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ الرَّيَّ ، ثُمَّ عَسْكَرَ وَسَارَ إِلَى قُومِسَ فَافْتَتَحَهَا . وَوُلِدَ فِيهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ : إِنَّ عُمَرَ أَقَرَّ عَلَى فَرَجِ الْبَابِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ وَأَمَرَهُ بِغَزْوِ التُّرْكِ ، فَسَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى قَطَعَ الْبَابَ ، فَقَالَ لَهُ شَهْرَيَرَانُ : مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ ؟ قَالَ : أُنَاجِزُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ ، وَبِاللَّهِ إِنَّ مَعِي لَأَقْوَامًا لَوْ يَأْذَنُ لَنَا أَمِيرُنَا فِي الْإِمْعَانِ لَبَلَغْتُ بِهِمُ السُّدَّ . وَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى التُّرْكِ حَالَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : مَا اجْتَرَأَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا وَمَعَهُمُ الْمَلَائِكَةُ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ هَرَبُوا وَتَحَصَّنُوا ، فَرَجَعَ بِالظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ . ثُمَّ إِنَّهُ غَزَاهُمْ مَرَّتَيْنِ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَيَسْلَمُ وَيَغْنَمُ ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ فَاسْتُشْهِدَ - أَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَخَذَ أَخُوهُ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الرَّايَةَ ، وَتَحَيَّزَ بِالنَّاسِ ، قَالَ : فَهُمْ - يَعْنِي التُّرْكَ - يَسْتَسْقُونَ بِجَسَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَتَّى الْآنَ .
خَبَرُ السُّدِّ الْوَلِيدُ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ ، عَنْ أَبِي بَكَرَةَ الثَّقَفِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ السُّدَّ ، قَالَ : كَيْفَ رَأَيْتَهُ ؟ قَالَ : رَأَيْتُهُ كَالْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا ، وَزَادَ : طَرِيقَةً سَوْدَاءُ وَطَرِيقَةً حَمْرَاءُ ، قَالَ : قَدْ رَأَيْتُهُ ، قُلْتُ : يُرِيدُ حُمْرَةَ النُّحَاسِ وَسَوَادَ الْحَدِيدِ . سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَهُ كُلُّ يَوْمٍ ، حَتَّى إِذَا كَادُوا أَنْ يَرَوْا شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ : ارْجِعُوا ، فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا ، فَيُعِيدُهُ اللَّهُ كَأَشَدَّ مَا كَانَ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتَهُمْ حَفَرُوا ، حَتَّى إِذَا كَادُوا أَنْ يَرَوُا الشَّمْسَ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ : ارْجِعُوا ، فَسَتَحْفِرُونَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا ، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَحْفِرُونَهُ ، فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ فِيهَا كَهَيْئَةِ الدِّمَاءِ ، فَيَقُولُونَ : قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ نَغْفًا فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا .
ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مِعْدِ يَكْرِبَ عَنْ مَطَرِ بْنِ بَلْجٍ التَّمِيمِيِّ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ بِالْبَابِ وَشَهْرُيرَانَ عِنْدَهُ ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ شُحُوبَةٌ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَجَلَسَ إِلَى شَهْرِيرَانَ ، وَكَانَ عَلَى مَطَرٍ قَبَاءُ بُرْدٍ يَمَنِيٌّ أَرْضُهُ حَمْرَاءُ وَوَشْيُهُ أَسْوَدُ . فَتَسَاءَلَا ، ثُمَّ إِنَّ شَهْرِيرَانَ ، قَالَ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، أَتُدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الرَّجُلُ ؟ هَذَا رَجُلٌ بِعَثْتُهُ نَحْوَ السُّدِّ مُنْذُ سَنَتَيْنِ يَنْظُرُ مَا حَالَهُ وَمَنْ دُونَهُ ، وَزَوَّدْتُهُ مَالًا عَظِيمًا ، وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى مَنْ يَلِينِي ، وَأَهْدَيْتُ لَهُ ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إِلَى مَنْ وَرَاءَهُ ، وَزَوَّدْتُهُ لِكُلِّ مَلِكٍ هَدِيَّةٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِكُلِّ مَلِكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذَلِكَ السُّدِّ فِي ظَهْرِهِ ، فَكَتَبَ لَهُ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَأَتَاهُ ، فَبَعَثَ مَعَهُ بَازِيَارَهُ وَمَعَهُ عُقَابُهُ وَأَعْطَاهُ حَرِيرَةً ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِذَا جَبَلَانِ ، بَيْنَهُمَا سُدٌّ مَسْدُودٌ حَتَّى ارْتَفَعَ عَلَى الْجَبَلَيْنِ ، وَإِنَّ دُونَ السَّدِّ خَنْدَقًا أَشَدُّ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ لِبُعْدِهِ ، فَنَظَرْتُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَتَفَرَّسْتُ فِيهِ ، ثُمَّ ذَهَبْتُ لِأَنْصَرِفَ ، فَقَالَ لِي الْبَازَيَارُ : عَلَى رِسْلِكَ أُكَافِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي مَلِكٌ بَعْدَ مَلِكٍ إِلَّا تَقَرِّبَ إِلَى اللَّهِ بِأَفْضَلِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الدُّنْيَا ، فَيَرْمِي بِهِ هَذَا اللَّهَبِ ، قَالَ : فَشَرَّحَ بِضْعَةَ لَحْمٍ مَعَهُ وَأَلْقَهَا فِي ذَلِكَ الْهَوَاءِ ، وَانْقَضَّتْ عَلَيْهَا الْعُقَابُ ، وَقَالَ : إِنْ أَدْرَكَتْهَا قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فَلَا شَيْءَ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعُقَابُ بِاللَّحْمِ فِي مَخَالِيبهِ ، فَإِذَا قَدْ لَصِقَ فِيهِ يَاقُوتَةٌ ، فَأَعْطَانِيهَا ، وَهَا هِي ذِهْ ، فَتَنَاوَلَهَا شَهْرِيرَانُ فَرَآهَا حَمْرَاءُ ، فَتَنَاوَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ رَدَّهَا ، فَقَالَ شَهْرِيرَانُ : إِنَّ هَذِهِ لَخَيْرٌ مِنْ هَذَا - يَعْنِي الْبَابَ - وَايْمُ اللَّهِ لَأَنْتَمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مَلَكَةً مِنْ آلِ كِسْرَى ، وَلَوْ كُنْتُ فِي سُلْطَانِهِمْ ثُمَّ بَلَغَهُمْ خَبَرُهَا لَانْتَزَعُوهَا مِنِّي ، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَقُومُ لَكُمْ شَيْءٌ مَا وُفِيتُمْ ، أَوْ وَفَى مَلِكُكُمُ الْأَكْبَرُ . فَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الرَّسُولِ ، وَقَالَ : مَا حَالُ السُّدِّ وَمَا شَبَهُهُ ؟ فَقَالَ : مِثْلُ هَذَا الثَّوْبِ الَّذِي عَلَى مَطَرٍ ، فَقَالَ مَطَرٌ : صَدَقَ وَاللَّهِ الرَّجُلُ ، لَقَدْ بَعَّدَ وَرَأَى وَوَصَفَ صِفَةَ الْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ .
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِشَهْرِيرَانَ : كَمْ كَانَتْ قِيمَةُ هَاتِيكَ ؟ قَالَ : مِائَةُ أَلْفٍ فِي بِلَادِي هَذِهِ ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفٍ فِي تِلْكَ الْبُلْدَانِ . وَحَدَّثَ سَلَّامٌ التُّرْجُمَانُ ، قَالَ : لَمَّا رَأَى الْوَاثِقُ بِاللَّهِ كَأَنَّ السُّدَّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ قَدْ فُتِحَ وَجَّهَنِي ، وَقَالَ لِي : عَايِنْهُ وَجِئْنِي بِخَبَرِهِ ، وَضَمَّ إِلَيَّ خَمْسِينَ رَجُلًا ، وَزَوَّدَنَا ، وَأَعْطَانَا مِائَتَيْ بَغْلٍ تَحْمِلُ الزَّادَ ، فَشَخِصْنَا مِنْ سَامِرَّاءَ بِكِتَابِهِ إِلَى إِسْحَاقَ وَهُوَ بِتَفْلِيسَ ، فَكَتَبَ لَنَا إِسْحَاقُ إِلَى صَاحِبِ السَّرِيرِ ، وَكَتَبَ لَنَا صَاحِبُ السَّرِيرِ إِلَى مَلِكِ الْلَانِ ، وَكَتَبَ لَنَا مَلِكُ الْلَانِ إِلَى فِيلَانْشَاهْ ، وَكَتَبَ لَنَا إِلَى مَلِكِ الْخَزَرِ ، فَوَجَّهَ مَعَنَا خَمْسَةَ أَدِلَّاءَ ، فَسِرْنَا مِنْ عِنْدِهِ سِتَّةَ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ سَوْدَاءَ مُنْتِنَةٍ ، فَكُنَّا نَشْتَمُّ الْخَلَّ ، فَسِرْنَا فِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى مَدَائِنَ خَرَابٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ، فَسِرْنَا فِيهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، فَسَأَلْنَا الْأَدِلَّاءَ عَنْ تِلْكَ الْمُدُنِ ، فَقَالُوا : هِيَ الَّتِي كَانَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ يَطْرُقُونَهَا فَأَخْرَبُوهَا . ثُمَّ صِرْنَا إِلَى حُصُونٍ عِنْدَ السُّدِّ ، بِهَا قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ مُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ، لَهُمْ مَسَاجِدُ وَكَتَاتِيبُ ، فَسَأَلُونَا ، فَقُلْنَا : نَحْنُ رُسُلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَقْبَلُوا يَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ! فَنَقُولُ : نَعَمْ ، فَقَالُوا : أَشِيخٌ هُوَ أَمْ شَابٌّ ؟ قُلْنَا : شَابٌّ ، فَقَالُوا : أَيْنَ يَكُونُ ؟ فَقُلْنَا : بِالْعِرَاقِ بِمَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا سُرَّ مَنْ رَأَى ، فَقَالُوا : مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ .
ثُمَّ صِرْنَا إِلَى جَبَلٍ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ خَضْرَاءُ ، وَإِذَا جَبَلٌ مَقْطُوعٌ بِوَادٍ عَرْضُهُ مِائَةَ ذِرَاعٍ ، فَرَأَيْنَا عِضَادَتَيْنِ مَبْنِيَّتَيْنِ مِمَّا يَلِي الْجَبَلَ مِنْ جَنَبَتَيِ الْوَادِي ، عَرْضُ كُلُّ عِضَادَةٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، الظَّاهِرُ مِنْ تَحْتِهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ خَارِجَ الْبَابِ ، وَكُلُّهُ بِنَاءٌ بِلَبِنٍ مِنْ حَدِيدٍ مُغَيَّبٍ فِي نُحَاسٍ ، فِي سُمْكِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا ، قَدْ رُكِّبَ عَلَى الْعِضَادَتَيْنِ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمِقْدَارِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ خَمْسَةٍ ، وَفَوْقَ الْدَرْوَنْدَ بِنَاءٌ بِذَلِكَ اللَّبَنِ الْحَدِيدِ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ ، وَارْتِفَاعُهُ مَدَى الْبَصَرِ ، وَفَوْقَ ذَلِكَ شُرَفُ حَدِيدٍ لَهَا قَرْنَانِ يَلِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ ، وَإِذَا بَابٌ حَدِيدٌ لَهُ مِصْرَاعَانِ مُغْلَقَانِ عَرْضُهُمَا مِائَةُ ذِرَاعٍ فِي طُولِمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي ثَخَانَةِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ ، وَعَلَيْهِ قُفْلٌ طُولُهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فِي غِلَظِ بَاعٍ ، وَفَوْقَهُ بِنَحْوِ قَامَتَيْنِ غَلْقٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِ الْقُفْلِ ، وَقَفِيزَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذِرَاعَانِ ، وَعَلَى الْغَلْقِ مِفْتَاحُ مُعَلَّقٌ طُولُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ ، فِي سِلْسِلَةٍ طُولُهَا ثَمَانِيَةَ أَذْرُعٍ ، وَهِيَ فِي حَلْقَةٍ كَحَلْقَةِ الْمَنْجَنِيقِ . وَرَئِيسِ تِلْكَ الْحُصُونِ يَرْكَبُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ ، مَعَ كُلِّ فَارِسٍ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَيَضْرِبُونَ الْقُفْلَ بِتِلْكَ الْمَرَازِبِ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ ، يُسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الضَّرْبُ ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ هُنَاكَ حَفَظَةً ، وَيَعْلَمُ هَؤُلَاءِ أَنَّ أُولَئِكَ لَمْ يُحْدِثُوا فِي الْبَابِ حَدَثًا ، وَإِذَا ضَرَبُوا الْقُفْلَ وَضَعُوا آذَانَهُمْ يَتَسَمَّعُونَ ، فَيَسْمَعُونَ دَوِيًّا كَالرَّعْدِ . وَبِالْقُرْبِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ حِصْنٌ كَبِيرٌ ، وَمَعَ الْبَابِ حِصْنَانِ يَكُونُ مِقْدَارُ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَتَا ذِرَاعٍ ، فِي مِائَتَيْ ذِرَاعٍ ، وَعَلَى بَابِ كَلِّ حِصْنٍ شَجَرَةٌ ، وَبَيْنَ الْحِصْنَيْنِ عَيْنٌ عَذْبَةٌ ، وَفِي أَحَدِ الْحِصْنَيْنِ آلَةُ بِنَاءِ السُّدِّ مِنْ قُدُورٍ وَمَغَارِفَ وَفَضْلَةُ اللَّبِنِ ، قَدِ الْتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنَ الصَّدَأِ ، وَطُولُ اللَّبِنَةِ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ فِي مِثْلِهِ فِي سُمْكِ شِبْرٍ ، فَسَأَلْنَا أَهْلَ الْمَوْضِعِ ؛ هَلْ رَأَوْا أَحَدًا مَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا مَرَّةً أَعْدَادًا مِنْهُمْ فَوْقَ الشُّرَفِ ، فَهَبَّتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ فَأَلْقَتْهُمْ إِلَى جَانِبِهِمْ ، وَكَانَ مِقْدَارُ الرَّجُلِ مِنْهُمْ شِبْرًا وَنِصْفًا ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَخَذَ بِنَا الْأَدِلَّاءُ إِلَى نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ ، فَسِرْنَا إِلَيْهَا حَتَّى خَرَجْنَا خَلْفَ سَمَرْقَنْدَ بِتِسْعَةِ فَرَاسِخَ ، وَكَانَ أَصْحَابُ الْحُصُونِ زَوَّدُونَا مَا كَفَانَا .
ثُمَّ صِرْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ ، قَالَ سَلَّامٌ التُّرْجُمَانُ : فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَنَا ، فَوَصَلَنِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَوَصَلَ كُلَّ رَجُلٍ مَعِي بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَوَصَلْنَا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى بَعْدَ خُرُوجِنَا مِنْهَا بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا . قَالَ مُصَنِّفُ كِتَابِ الْمَسَالِكِ وَالْمَمَالِكِ : هَكَذَا أَمْلَى عَلَيَّ سَلَّامٌ التُّرْجُمَانُ . سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِيهَا : بَيْنَمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْطُبُ إِذْ قَالَ : يَا سَارِيَةُ ، الْجَبَلَ ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ بْنَ زُنَيْمٍ الدُّئِلِيَّ إِلَى فَسَا وَدَارَابَجِرْدِ ، فَحَاصَرَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا وَجَاؤوهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ ، وَكَانَ إِلَى جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ جَبَلٌ لَوِ اسْتَنَدُوا إِلَيْهِ لَمْ يُؤْتُوا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، فَلَجَؤوا إِلَى الْجَبَلِ ، ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ ، وَأَصَابَ سَارِيَةُ الْغَنَائِمَ ، فَكَانَ مِنْهَا سَفَطُ جَوْهَرٍ ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ فَرَدَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَأَلَ النَّجَّابَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنِ الْفَتْحِ وَهَلْ سَمِعُوا شَيْئًا ، فَقَالَ : نَعَمْ يَا سَارِيَةُ ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ ، وَقَدْ كِدْنَا نَهْلِكُ ، فَلَجَأْنَا إِلَى الْجَبَلِ ، فَكَانَ النَّصْرُ .
وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُئِلَ فِيمَا بَعْدُ عَنْ كَلَامِهِ : يَا سَارِيَةُ ، الْجَبَلَ ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ . وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ كِرْمَانَ ، وَكَانَ أَمِيرَهَا سُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ . وَفِيهَا فُتِحَتْ سِجِسْتَانُ ، وَأَمِيرُهَا عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو .
وَفِيهَا فُتِحَتْ مُكَّرَانُ ، وَأَمِيرُهَا الْحَكَمُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ . وَفِيهَا رَجَعَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ مِنْ أَصْبَهَانَ ، وَقَدِ افْتَتَحَ بِلَادَهَا . وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الصَّائِفَةَ حَتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّةَ .
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُجْمَلًا الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ الْمُجَاشِعِيُّ . أَحَدُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَأَحَدُ الْأَشْرَافِ ، أَقْطَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ، لَهُ وَلِعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ ، فَعَطَّلَ عَلَيْهِمَا عُمَرُ وَمَحَا الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، وَكَانَا مِنْ كِبَارِ قَوْمِهِمَا ، وَشَهِدَ الْأَقْرَعُ مَعَ خَالِدٍ حَرْبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ . وَقِيلَ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى جَيْشٍ سَيَّرَهُ إِلَى خُرَاسَانَ ، فَأُصِيبَ هُوَ وَالْجَيْشُ بِالْجُوزَجَانِ ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ .
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : اسْمُهُ فِرَاسُ بْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ ، وَلُقِّبَ الْأَقْرَعُ لِقَرَعٍ بِرَأْسِهِ . الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ ، أَبُو عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ ، أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدٍ ، وَقِيلَ : كُنْيَتُهُ أَبُو عُمَرَ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الرَّأْيِ . أَشَارَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى آخِرِ مَاءٍ بِبَدْرٍ لِيَبْقَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ يَوْمَ سَقِيفَةَ بَنِي سَاعِدَةَ : أَنَا جَذِيلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعَذِيقُهَا الْمُرْجَّبُ ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ .
وَالْجَذَلُ : هُوَ عُودٌ يُنْصَبُ لِلْإِبِلِ الْجَرْبَى لِتَحْتَكَّ بِهِ . وَالْعَذْقُ : النَّخْلَةُ ، وَالْمُرْجَّبُ : أَنْ تُدَعِّمَ النَّخْلَةُ الْكَرِيمَةُ بِبِنَاءٍ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ خَشَبٍ إِذَا خِيفَ عَلَيْهَا لِكَثْرَةِ حَمْلِهَا أَنْ تَقَعَ ، يُقَالُ : رَجَّبْتُهَا فَهِيَ مُرْجَّبَةٌ . رَوَى عَنْهُ : أَبُو الطُّفَيْلِ ، وَتُوفِيَ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ .
عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفٍ الْعَامِرِيُّ الْكِلَابِيُّ ، مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ . أَسْلَمَ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ ، وَكَانَ يَكُونُ بِتِهَامَةَ ، وَقَدْ قَدِمَ دِمَشْقَ قَبْلَ فَتْحِهَا فِي طَلَبِ مِيرَاثٍ لَهُ ، وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ . رَوَى عَنْهُ : أَنَسٌ .
عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزِ بْنِ الْأَعْوَرِ الْمُدْلِجِيُّ . اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعْضِ جُيُوشِهِ ، وَوَلَّاهُ الصِّدِّيقُ حَرْبَ فِلَسْطِينَ ، وَحَضَرَ الْجَابِيَةَ مَعَ عُمَرَ ، ثُمَّ سَيَّرَهُ عُمَرُ فِي جَيْشٍ إِلَى الْحَبَشَةِ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ ، فَغَرِقُوا كُلُّهُمْ ، وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَأَبُوهُ مُجَزِّزٌ هُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْقِيَافَةِ . عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ ، حَلِيفُ بَنِي عَامِرٍ مِنْ لُؤَيٍّ ، مِنْ مُوَلَّدِي مَكَّةَ ، سَمَّاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَمْرًا ، وَسَمَّاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عُمَيْرًا .
شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا . وَرَوَى عَنْهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ حَدِيثَ قُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مَنِ الْبَحْرَيْنِ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، أَخُو خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَا كَانَ بِالْحَبَشَةِ ، وَصَنَعَ النَّجَاشِيُّ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ مَا صَنَعَ وَأَمَرَ السَّوَاحِرَ فَنَفَخْنَ فِي إِحْلِيلِهِ ، فَهَامَ مَعَ الْوَحْشِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ابْنُ عَمِّهِ فَرَصَدَهُ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ كَانَ يَرِدُهُ ، فَأَقْبَلَ فِي حُمُرِ الْوَحْشِ ، فَلَمَّا وَجَدَ رِيحَ الْإِنْسِ هَرَبَ ، حَتَّى إِذَا جَهِدَهُ الْعَطَشُ وَرَدَ فَشَرِبَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَالْتَزَمْتُهُ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا بُحَيْرُ ، أَرْسِلْنِي ، إِنِّي أَمُوتُ إِنْ أَمْسَكُونِي . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُسَمَّى بُحَيْرًا ، قَالَ : فَضَبَطْتُهُ ، فَمَاتَ فِي يَدِي مَكَانَهُ ، فَوَارَيْتُهُ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَكَانَ شَعَرُهُ قَدْ غَطَّى كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ .
غِيلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ . لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ وَتَحْتُهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ . وَكَانَ شَاعِرًا مُحَسِّنًا ، وَفَدَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى كِسْرَى ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَبْنِي لَهُ حِصْنًا فِي الطَّائِفِ ، أَسْلَمَ زَمَنَ الْفَتْحِ ، رَوَى عَنْهُ : ابْنُهُ عُرْوَةُ ، وَبِشْرُ بْنُ عَاصِمٍ .
مَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ ، أَخُو حَاطِبٍ وَخَطَّابٍ ، وَأُمُّهُمْ قَيْلَةُ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ . أَسْلَمَ مَعْمَرٌ قَبَلَ دُخُولِ دَارِ الْأَرْقَمِ ، وَهَاجَرَ ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، وَشَهِدَ بَدْرًا . مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَنْسِيُّ شَيْخٌ صَالِحٌ ، يُقَالُ : لَهُ صُحْبَةٌ ، شَهِدَ الْيَرْمُوكَ ، وَرَوَى عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ .
وَعَنْهُ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ . وَدَخَلَ الرُّومَ أَمِيرًا عَلَى سِتَّةِ آلَافٍ ، فَوَغَلَ فِيهَا ، وَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ ، فَجَمَعَتْ لَهُ الرُّومُ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ ، ، فَوَاقَعَهُمْ ، وَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ . الْهُرْمُزَانُ صَاحِبُ تُسْتَرَ .
قَدْ مَرَّ مِنْ شَأْنِهِ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَحْتَ يَدِ يَزْدَجِرْدَ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : بَعَثَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى عُمَرَ وَمَعَهُ اثْنَا عَشَرَ نَفْسًا مِنَ الْعَجَمِ ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الدِّيبَاجِ وَمَنَاطِقُ الذَّهَبِ وَأَسَاوِرِةُ الذَّهَبِ ، فَقَدِمُوا بِهِمُ الْمَدِينَةَ ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ هَيْئَتِهِمْ ، فَدَخَلُوا فَوَجَدُوا عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ نَائِمًا مُتَوَسِّدًا رِدَاءَهُ ، فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ : هَذَا مَلِكُكُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَا لَهُ حَاجِبٌ وَلَا حَارِسٌ ؟ ! قَالُوا : اللَّهُ حَارِسُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ ، قَالَ : هَذَا الْمُلْكُ الْهَنِيُّ . فَقَالَ عُمَرُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَلَّ هَذَا وَشِيعَتَهُ بِالْإِسْلَامِ ، ثُمَّ قَالَ لِلْوَفْدِ : تَكَلَّمُوا .
فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَأَعَزَّ دِينَهُ وَخَذَلَ مَنْ حَادَّهُ ، وَأَوْرَثَنَا أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ ، وَأَفَاءَ عَلَيْنَا أَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، فَبَكَى عُمَرُ ، ثُمَّ قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ : كَيْفَ رَأَيْتَ صَنِيعَ اللَّهِ بِكُمْ ؟ فَلَمْ يَجُبْهُ ، قَالَ : مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ ؟ قَالَ : أَكَلَامُ حَيٍّ أَمْ كَلَامُ مَيِّتٍ ؟ قَالَ : أَوَلَسْتَ حَيًّا ؟ ! فَاسْتَسْقَى الْهُرْمُزَانُ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا يُجْمَعُ عَلَيْكَ الْقَتَلُ وَالْعَطَشُ ، فَأَتَوْهُ بِمَاءٍ فَأَمْسَكَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : اشْرَبْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ ، فَرَمَى بِالْإِنَاءِ ، وَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ ، كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينٍ نَتَعَبَّدَكُمْ وَنَقْتُلُكُمْ ، وَكُنْتُمْ أَسْوَأَ الْأُمَمِ عِنْدَنَا حَالًا ، فَلَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بِاللَّهِ طَاقَةٌ ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ ، فَقَالَ : أَوْلَمَ تُؤْمِّنِّي ؟ ! قَالَ : كَيْفَ ؟ قَالَ : قُلْتَ لِي : تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ ، وَقُلْتَ : اشْرَبْ ، لَا أَقْتُلُكَ حَتَّى تَشْرَبَهُ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَأَنَسٌ : صَدَقَ ، فَقَالَ عُمَرُ : قَاتَلَهُ اللَّهُ ! أَخَذَ أَمَانًا وَأَنَا لَا أَشْعُرُ ، فَنَزَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ لِسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ ، وَكَانَ أَسْوَدَ نَحِيفًا : الْبَسْ سِوَارَيِ الْهُرْمُزَانِ ، فَلَبَسَهُمَا ، وَلَبِسَ كِسْوَتَهُ . فَقَالَ عُمَرُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَبَ كِسْرَى وَقَوْمَهُ حُلِيَّهُمْ وَكِسْوَتَهُمْ وَأَلْبَسَهَا سُرَاقَةَ ، ثُمَّ دَعَا الْهُرْمُزَانَ إِلَى الإسلام فَأَبَى ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَرِّقْ بَيْنَ هَؤُلَاءِ . فَحَمَلَ عُمَرُ الْهُرْمُزَانَ وَجُفَيْنَةَ وَغَيْرَهُمَا فِي الْبَحْرِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْسِرْ بِهِمْ ، وَأَرَادَ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الشَّامِ فَكَسَرَ بِهِمْ وَلَمْ يَغْرَقُوا ، فَرَجَعُوا فَأَسْلَمُوا ، وَفَرَضَ لَهُمْ عُمَرُ فِي أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ ، وَسَمَّى الْهُرْمُزَانَ عُرْفُطَةَ .
قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ : رَأَيْتُ الْهُرْمُزَانَ بِالرَّوْحَاءِ مُهِلًّا بِالْحَجِّ مَعَ عُمَرَ . وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ الْهُرْمُزَانَ مُهِلًّا بِالْحَجِّ مَعَ عُمَرَ ، وَعَلَيْهِ حِلَّةٌ حَبِرَةٌ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخْمَصُ بَطْنًا وَلَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ مِنَ الْهُرْمُزَانِ .
عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ - وَلَمْ تُجَرَّبْ عَلَيْهِ كِذْبَةٌ قَطُّ - قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَى الْهُرْمُزَانِ وَجُفَيْنَةَ وَأَبِي لُؤْلُؤَةَ وَهُمْ نِجِيٌّ ، فَتَبِعْتُهُمْ ، وَسَقَطَ مِنْ بَيْنِهِمْ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَانْظُرُوا بِمَا قُتِلَ عُمَرُ ، فَنَظَرُوا بِمَا قُتِلَ عُمَرُ ، فَنَظَرُوا فَوَجَدُوهُ خِنْجَرًا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ، فَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُشْتَمِلًا عَلَى السَّيْفِ حَتَّى أَتَى الْهُرْمُزَانَ ، فَقَالَ : اصْحَبْنِي نَنْظُرُ فَرَسًا لِي - وَكَانَ بَصِيرًا بِالْخَيْلِ - فَخَرَجَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَعْلَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالسَّيْفِ ، فَلَمَّا وَجَدَ حَدَّ السَّيْفِ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَتَلَهُ . ثُمَّ أَتَى جُفَيْنَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُ ، عَلَاهُ بِالسَّيْفِ فَصَلَّبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ . ثُمَّ أَتَى بِنْتَ أَبِي لُؤْلَؤَةَ جَارِيَةً صَغِيرَةً تَدَّعِي الْإِسْلَامَ ، فَقَتَلَهَا ، وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَهْلِهَا ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِالسَّيْفِ صَلْتًا فِي يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَتْرُكُ فِي الْمَدِينَةِ سَبْيًا إِلَّا قَتَلْتُهُ وَغَيْرَهُمْ ، كَأَنَّهُ يُعْرِّضُ بِنَاسٍ مَنِ الْمُهَاجِرِينَ ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ : أَلْقِ السَّيْفَ ، فَأَبَى ، وَيَهَابُونَهُ أَنْ يَقْرُبُوا مِنْهُ ، حَتَّى أَتَاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، فَقَالَ : أَعْطِنِي السَّيْفَ يَا ابْنَ أَخِي .
فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ . ثُمَّ ثَارَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ ، فَتَنَاصَيَا حَتَّى حَجَزَ النَّاسَ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا وُلِيَّ عُثْمَانُ ، قَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الَّذِي فَتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مَا فَتَقَ ، فَأَشَارَ الْمُهَاجِرُونَ بِقَتْلِهِ ، وَقَالَ جَمَاعَةُ النَّاسِ : قُتِلَ عُمَرُ بِالْأَمْسِ وَيُتْبِعُونَهُ ابْنَهُ الْيَوْمَ ! أَبْعَدَ اللَّهُ الْهُرْمُزَانَ وَجُفَيْنَةَ ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْفَاكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْأَمْرُ فِي وِلَايَتِكَ ، فَاصْفَحْ عَنْهُ ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَلَى قَوْلِ عَمْرٍو ، وَوَدَى عُثْمَانُ الرَّجُلَيْنِ وَالْجَارِيَةَ . رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَزَادَ فِيهِ : كَانَ جُفَيْنَةُ مِنْ نَصَارَى الْحِيرَةِ وَكَانَ ظِئْرًا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَطَّ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ فِيهِ : وَمَا أَحْسِبُ عَمْرًا كَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ ، بَلْ بِمِصْرَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ ، قَالَ : وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ ، فَعَظُمَ ذَلِكَ فِي النُّفُوسِ ، وَأَشْفَقُوا أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً .
وَعَنْ أَبِي وَجْزَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّهُ لَيُنَاصِيَ عُثْمَانَ ، وَعُثْمَانُ يَقُولُ لَهُ : قَاتَلَكَ اللَّهُ ، قَتَلْتَ رَجُلًا يُصَلِّي وَصَبِيَّةً صَغِيرَةً وَآخَرَ لَهُ ذِمَّةٌ ، مَا فِي الْحَقِّ تَرْكُكَ . وَبَقِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَقُتِلَ يَوْمَ صِفِّينِ مَعَ مُعَاوِيَةَ . مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ حَفْصَةَ ، إِنْ كَانَتْ لَمَنْ شَيَّعَ عُبَيْدَ اللَّهِ عَلَى قَتْلِ الْهُرْمُزَانِ وُجُفَيْنَةَ .
قَالَ مَعْمَرٌ : بَلَغَنَا أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ : أَنَا وَلِيُّ الْهُرْمُزَانِ وَجُفَيْنَةَ وَالْجَارِيَةِ ، وَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهَا دِيَةً . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادِ لَهُ أَنَّ عُثْمَانَ أَقَادَ وَلَدَ الْهُرْمُزَانِ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَعَفَا وَلَدُ الْهُرْمُزَانِ عَنْهُ . هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْعَبْشَمِيَّةُ ، أُمُّ مُعَاوِيَةَ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ .
أَسْلَمَتْ زَمَنَ الْفَتْحِ ، وَشَهِدَتِ الْيَرْمُوكَ . وَهِيَ الْقَائِلَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، لَا يُعْطَى مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي ، قَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدِكِ بِالْمَعْرُوفِ . وَكَانَ زَوْجَهَا قَبْلَ أَبِي سُفْيَانَ حَفْصُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَمُّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَكَانَ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَكَانَتْ هِنْدٌ مِنْ أَحْسَنِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَأَعْقَلِهِنَّ ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ طَلَّقَهَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ ، فَاسْتَقْرَضَتْ مِنْ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَخَرَجَتْ إِلَى بِلَادِ كَلْبٍ فَاشْتَرَتْ وَبَاعَتْ . وَأَتَتِ ابْنَهَا مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الشَّامِ لِعُمَرَ ، فَقَالَتْ : أَيْ بُنَيَّ ، إِنَّهُ عُمَرُ ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِلَّهِ . ولَهَا شِعْرٌ جَيِّدٌ .
وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَزِيزٍ الْحَنْظَلِيُّ الْيَرْبُوعِيُّ ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، أَسْلَمَ قَبْلَ دَارِ الْأَرْقَمِ ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ، وَكَانَ وَاقِدٌ فِي سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إِلَى نَخْلَةَ ، فَقَتَلَ وَاقِدٌ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ ، فَكَانَا أَوَّلَ قَاتِلٍ وَمَقْتُولٍ فِي الْإِسْلَامِ . وَتُوُفِّيَ وَاقِدٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ . أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ ، اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ مُرَّةَ ، مِنْ بَنِي قِرْدِ بْنِ عَمْرٍو الْهُذَلِيِّ .
وَكَانَ أَبُو خِرَاشٍ مِمَّنْ يَعْدُو عَلَى قَدَمَيْهِ فَيَسْبِقُ الْخَيْلَ ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ فُتَّاكِ الْعَرَبِ ثُمَّ أَسْلَمَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَبْقَ عَرَبِيٌّ بَعْدَ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ إِلَّا أَسْلَمَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ ، وَأَسْلَمَ أَبُو خِرَاشٍ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَتُوُفِّيَ زَمَنَ عُمَرَ ، أَتَاهُ حُجَّاجٌ فَمَشَى إِلَى الْمَاءِ لِيَمْلَأَ لَهُمْ ، فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ ، فَأَقْبَلَ مُسْرِعًا فَأَعْطَاهُمُ الْمَاءَ وَشَاةً وَقِدْرًا ، وَلَمْ يُعْلِمْهُمْ بِمَا تَمَّ لَهُ ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ ، فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى دَفَنُوهُ . أَبُو لَيْلَى الْمَازِنِيُّ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو .
شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَكَانَ أَحَدَ الْبَكَّائِينَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ : تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ [ التَّوْبَةِ ] . أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ . فِي اسْمِهِ أَقْوَالٌ .
قَدِمَ مَعَ وَفْدِ ثَقِيفٍ فَأَسْلَمَ ، وَلَا رِوَايَةَ لَهُ ، وَكَانَ فَارِسَ ثَقِيفٍ فِي زَمَانِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُدْمِنُ الْخَمْرَ زَمَانًا ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْتَعِينُ بِهِ ، وَقَدْ جُلِدَ مِرَارًا ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ نَفَاهُ إِلَى جَزِيرَةٍ ، فَهَرَبَ وَلَحِقَ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِالْقَادِسِيَّةِ ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ فَحَبَسَهُ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ قُسِّ النَّاطِفِ ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ سَأَلَ أَبُو مِحْجَنٍ مِنِ امْرَأَةِ سَعْدٍ أَنْ تَحُلَّ قَيْدَهُ وَتُعْطِيَهِ فَرَسًا لِسَعْدٍ ، وَعَاهَدَهَا إِنْ سَلِمَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْقَيْدِ ، فَحَلَّتْهُ وَأَعْطَتْهُ فَرَسًا ، فَقَاتَلَ وَأَبْلَى بَلَاءً جَمِيلًا ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قَيْدِهِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنِي أَنَّهُ حُدَّ فِي الْخَمْرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ .
وَقَالَ أَيُّوبُ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : كَانَ أَبُو مِحْجَنٍ لَا يَزَالُ يُجْلَدُ فِي الْخَمْرِ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ سَجَنُوهُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقَادِسِيَّةِ رَآهُمْ فَكَلَّمَ أَمَّ وَلَدِ سَعْدٍ فَأَطْلَقَتْهُ وَأَعْطَتْهُ فَرَسًا وَسِلَاحًا ، فَجَعَلَ لَا يَزَالُ يَحْمِلُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ وَيَدُقُّ صُلْبَهُ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدٌ فَبَقِيَ يَتَعَجَّبُ ، وَيَقُولُ : مَنِ الْفَارِسُ ؟ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ هَزَمَهُمْ ، وَرَجَعَ أَبُو مِحْجَنٍ وَتَقَيَّدَ ، فَجَاءَ سَعْدٌ وَجَعَلَ يُخْبِرُ الْمَرْأَةَ ، وَيَقُولُ : لَقِينَا وَلَقِينَا ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ لَوْلَا أَنِّي تَرَكْتُ أَبَا مِحْجَنٍ فِي الْقُيُودِ لَظَنَنْتُ أَنَّهَا بَعْضُ شَمَائِلِهِ . قَالَتْ : وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَبُو مِحْجَنٍ ، وَحَكَتْ لَهُ ، فَدَعَا بِهِ وَحَلَّ قُيُودَهُ ، وَقَالَ : لَا نَجْلِدُكَ عَلَى خَمْرٍ أَبَدًا ، فَقَالَ : وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا ، كُنْتُ آنَفُ أَنْ أَدَعَهَا لَجَلْدِكُمْ ، فَلَمْ يَشْرَبْهَا بَعْدُ . رَوَى نَحْوَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقَادِسِيَّةِ أُتِيَ بِأَبِي مِحْجَنٍ سَكْرَانَ ، فَقَيَّدَهُ سَعْدٌ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَنَقَلَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَبَا مِحْجَنٍ هُوَ الْقَائِلُ : إِذَا مُتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبٍ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَلَّا أَذُوقَهَا فَزَعَمَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ رَأَى قَبْرَ أَبِي مِحْجَنٍ بِأَذْرَبِيجَانَ - أَوْ قَالَ : فِي نَوَاحِي جُرْجَانَ وَقَدْ نَبَتَتْ عَلَيْهِ كَرْمَةٌ وَظَلَّلَتْ وَأَثْمَرَتْ ، فَعَجِبَ الرَّجُلُ وَتَذَكَّرَ شِعْرَهُ .