حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

أَبِو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ - وَيُقَالُ : عَتِيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَى عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقُدَمَاءِ التَّابِعِينَ ، مِنْ آخِرِهِمْ : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَطَارِقُ بْنُ شِهَابٍ ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَمُرَّةُ الطَّيِّبُ . قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَغَيْرُهُ ، إِنَّمَا كَانَ عَتِيقٌ لَقَبًا لَهُ . وَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : اسْمُهُ الَّذِي سَمَّاهُ أَهْلُهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ عَتِيقٌ .

وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَقَبُهُ عَتِيقٌ ؛ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ جَمِيلًا ، وَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا . وَقِيلَ : كَانَ أَبْيَضَ ، نَحِيفًا ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ ، نَاتِئَ الْجَبْهَةِ ، يَخَضَبُ شَيْبَهُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ .

وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ مِنَ الرِّجَالِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ قَدْ بَلَغَ النِّهَايَةَ فِي الْجَوْدَةِ : عَتِيقٌ . وَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا أَسْلَمَ أَبُوا أَحَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ .

وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَبْيَضَ أَصْفَرَ لَطِيفًا جَعْدًا مُسْتَرِقَّ الْوَرِكَيْنِ ، لَا يَثْبُتُ إِزَارُهُ عَلَى وَرِكَيْهِ . وَجَاءَ أَنَّهُ اتَّجَرَ إِلَى بُصْرَى غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَأَنَّهُ أَنْفَقَ أَمْوَالَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا نَفَعَنِي مَالٌ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ . وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَ أَسْلَمَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ .

وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الرِّجَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ . وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُبْغِضُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يُحِبُّهُمَا مُنَافِقٌ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ : هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ وُجُوهٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، وَهَرِمٍ ، عَنْ عَلِيٍّ .

وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .

ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَقَّرِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَصِحَّ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا . رَوَى مِثْلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَزَادَ : وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي فِي اللَّهِ ، سُدُّوا كُلَّ خَوْخةٍ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ .

هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وأحبنا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَصَحَّحَ مِنْ حَدِيثِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ أَيُّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْرٍ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : عُمَرُ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : أَبُو عُبَيْدَةَ ، قُلْتُ : ثُمَّ مَنْ ؟ فَسَكَتَتْ . مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَدَيْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا ، قَالَ : فَعَجِبْنَا ، فَقَالَ النَّاسُ : انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا ، قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ .

وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْمُعَلَّى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَأْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا ، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَكَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَنْتَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ ، وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ .

وَرَوَى عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ تَفَرَّدَ بِهِ عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ : أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ ، فَقَالَتْ : أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ أَجِدْكَ ؟ قَالَ : إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : لَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، وَإِنِّي لَشَاهِدٌ وَمَا بِي مَرَضٌ ، فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا .

وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ : ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ ، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ نَافِعُ بْنُ عُمَرَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ : ادْعُوَا لِي أَبَا بَكْرٍ وَابْنَهُ فَلْيَكْتُبْ ، لِكَيْلَا يَطْمَعَ فِي أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ طَامِعٌ وَلَا يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ ثُمَّ قَالَ : يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ تَابَعَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، مِنْهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَلَفْظُهُ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُؤْمِنُونَ فِي أَبِي بَكْرٍ .

وَقَالَ زَائِدَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَأَتَاهُمْ عُمَرُ فَقَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَأَمَّ النَّاسَ ، فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالُوا : نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ : كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا ، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَنَحْنُ عِنْدَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ . قَالَ : وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ .

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي ؟ إِنِّي قُلْتُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ، فَقُلْتُمْ : كَذَبْتَ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقْتَ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو خَالِدٍ مَوْلَى جَعْدَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخَذَ بِيَدِي ، فَأَرَانِي الْبَابَ الَّذِي تَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ ، قَالَ : أَمَّا إِنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَبُو خَالِدٍ مَوْلَى جَعْدَةَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُمَيْعٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ : ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنْتَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَقَالَ : مَا كُنْتُ لَأَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَؤُمَّنَا ، فَأَمَّنَّا حَتَّى مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ فِي الْقُرْآنِ فِي الْمُهَاجِرِينَ : أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فَمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ صَادِقًا لَمْ يَكْذِبْ ، هُمْ سَمَّوْهُ ، وَقَالُوا : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، قَالَ : لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْبَحَ وَعَلَى سَاعِدِهِ أَبْرَادٌ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : يَعْنِي لِي عِيَالٌ ، فَقَالَ : انْطَلِقْ يَفْرِضُ لَكَ أَبُو عُبَيْدَةَ . فَانْطَلَقْنَا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ، فَقَالَ : أَفْرِضُ لَكَ قُوتَ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَكِسْوَتَهُ ، وَلَكَ ظَهْرُكَ إِلَى الْبَيْتِ .

وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ أَلْقَى كُلَّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عِنْدَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَقَالَ : قَدْ كُنْتُ أَتَّجِرُ فِيهِ وَأَلْتَمِسُ بِهِ ، فَلَمَّا وُلِّيتُهُمْ شَغَلُونِي . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ : لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ أَصْبَحَ وَعَلَى رَقَبَتِهِ أَثْوَابٌ يَتَّجِرُ فِيهَا ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَكَلَّمَاهُ ، فَقَالَ : فَمِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي ؟ قَالَا : انْطَلِقْ حَتَّى نَفْرِضَ لَكَ . قَالَ : فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ شَطْرَ شَاةٍ ، وَمَاكَسُوهُ فِي الرَّأْسِ وَالْبَطْنِ .

وَقَالَ عُمَرُ : إِلَيَّ الْقَضَاءُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : إِلَيَّ الْفَيْءُ . فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَيَّ الشَّهْرُ مَا يَخْتَصِمُ إِلَيَّ فِيهِ اثْنَانِ . وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ : جَعَلُوا لَهُ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْبَرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِرُؤْيَا بَعْدَ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ ، قَالَ : خُطَبَاءُ الصَّحَابَةِ : أَبُو بَكْرٍ ، وَعَلِيٌّ . وَقَالَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ ، وَقَالَتْ : وَاللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ شِعْرًا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ ، وَلَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَانُ شُرْبَ الْخَمْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ .

وَقَالَ كَثِيرٌ النَّوَّاءُ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ : وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا الْآيَةَ . وَقَالَ حُصَيْنٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عُمَرَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا فَهُوَ مُفْتَرٍ ، عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُفْتَرِي . وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَجَمَاعَةٌ : حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كُنَّا نَقُولُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ اسْتَوَى النَّاسُ ، فَيَبْلُغُ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُنْكِرُهُ .

وَقَالَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ . هَذَا وَاللَّهِ الْعَظِيمِ قَالَهُ عَلِيٌّ ، وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ ، فَلَعَنَ اللَّهُ الرَّافِضَةَ مَا أَجْهَلَهُمْ . وَقَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الْمَصَاحِفِ أَبُو بَكْرٍ ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ .

إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَقَالَ عُقَيْلٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَالْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ كَانَا يَأْكُلَانِ خَزِيرَةً أُهْدِيْتْ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ الْحَارِثُ : ارْفَعْ يَدَكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَاللَّهِ إِنَّ فِيهَا لَسُمَّ سَنَةٍ ، وَأَنَا وَأَنْتَ نَمَوْتُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : فَلَمْ يَزَالَا عَلِيلَيْنِ حَتَّى مَاتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِنْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ . وَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : أَوَّلُ مَا بُدِئَ مَرَضُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اغْتَسَلَ ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَخْرُجُ إِلَى صَلَاةٍ ، وَكَانَ يَأْمُرُ عُمَرَ بِالصَّلَاةِ ، وَكَانُوا يَعُودُونَهُ ، وَكَانَ عُثْمَانُ أَلْزَمَهُمْ لَهُ فِي مَرَضِهِ .

وَتُوُفِّيَ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ . وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَمِائَةَ يَوْمٍ . وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ : سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا أَرْبَعَ لَيَالٍ ، عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً .

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا بَرْدَانُ بْنُ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ . وَأَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا ثَقُلَ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، فَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ ، فَقَالَ : مَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَمْرٍ إِلَّا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، قَالَ : وَإِنْ ، فَقَالَ : هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ .

ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ فَسَأَلَهُ عَنْ عُمَرَ ، فَقَالَ : عِلْمِي فِيهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ . فَقَالَ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، وَاللَّهِ لَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُكَ ، وَشَاوَرَ مَعَهُمَا سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ ، وَأُسِيدَ بْنَ الْحُضَيْرِ وَغَيْرَهُمَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : مَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا سَأَلَكَ عَنِ اسْتِخْلَافِكَ عُمَرَ وَقَدْ تَرَى غِلْظَتَهُ ؟ فَقَالَ : أَجْلِسُونِي ، أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُونِي ؟ أَقُولُ : اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ . ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ ، فَقَالَ : اكْتُبْ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ فِي آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا ، وَعِنْدَ أَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ دَاخِلًا فِيهَا ، حَيْثُ يُؤْمِنُ الْكَافِرُ ، وَيُوقِنُ الْفَاجِرُ ، وَيَصْدُقُ الْكَاذِبُ ، إِنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ، وَإِنِّي لَمْ آلُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَدِينَهُ وَنَفْسِي وَإِيَّاكُمْ خَيْرًا ، فَإِنَّ عَدَلَ فَذَلِكَ ظَنِّي بِهِ وَعِلْمِي فِيهِ ، وَإِنَّ بَدَّلَ فَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ ، وَالْخَيْرُ أَرَدْتُ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ : لَمَّا أَنْ كَتَبَ عُثْمَانُ الْكِتَابَ أُغْمِيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ اسْمَ عُمَرَ ، فَلَمَّا أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : اقْرَأْ مَا كَتَبْتَ ، فَقَرَأَ ، فَلَمَّا ذَكَرَ عُمَرَ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : أَرَاكَ خِفْتَ إِنِ افْتُلِتَتْ نَفْسِي الِاخْتِلَافَ ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا ، وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ لَهَا أَهْلًا .

وَقَالَ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُلْوَانَ ، عَنْ صَالِحٍ نَفْسِهِ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ ؟ فَقَالَ : بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا ، أَمَّا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغْلًا مَعَ وَجَعِي ، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا بَعْدِي ، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي ، فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ . ثُمَّ قَالَ : أَمَّا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ ، وَثَلَاثٍ لَمْ أَفْعَلْهُنَّ ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ : وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ وَإِنْ أُغْلِقَ عَلَى الْخَرِبِ ، وَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ كُنْتُ قَذَفْتُ الْأَمْرَ فِي عُنُقِ عُمَرَ أَوْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَأَقَمْتُ بِذِي الْقَصَّةِ ، فَإِنْ ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ وَإِلَّا كُنْتُ لَهُمْ مَدَدًا وَرِدْءًا ، وَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْأَشْعَثِ أَسِيرًا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ ، فَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَرٌّ إِلَّا طَارَ إِلَيْهِ ، وَوَدِدْتُ أَنِّي يَوْمَ أُتِيتُ بِالْفُجَاءَةِ السُّلَمِيِّ لَمْ أَكُنْ حَرَّقْتُهُ وَقَتَلْتُهُ أَوْ أَطْلَقْتُهُ ، وَوَدِدْتُ أَنِّي حَيْثُ وَجَّهْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الشَّامِ وَجَّهْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى الْعِرَاقِ ، فَأَكُونُ قَدْ بَسَطْتُ يَمِينِي وَشِمَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ .

وَوَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْ هَذَا الْأَمْرُ وَلَا يُنَازِعُهُ أَهْلُهُ ، وَأَنِّي سَأَلْتُهُ هَلْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الْأَمْرِ شَيْءٌ ؟ وَأَنِّي كُنْتُ سَأَلْتُهُ عَنِ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ الْأَخِ ، فَإِنَّ فِي نَفْسِي مِنْهَا حَاجَةً . رَوَاهُ هَكَذَا ، وَأَطْوَلَ مِنْ هَذَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ ابْنُ عَائِذٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : حَضَرْتُ أَبِي وَهُوَ يَمُوتُ فَأَخَذَتْهُ غَشْيَةٌ فَتَمَثَّلْتُ : مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مَرَّةً مَدْفُوقُ فَرَفْعَ رَأْسَهُ وَقَالَ : يَا بُنْيَةَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ .

وَقَالَ مُوسَى الْجُهَنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ تَمَثَّلَتْ لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو بَكْرٍ : لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ فَقَالَ : لَيْسَ كَذَاكَ ، وَلَكِنْ : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ إِنِّي قَدْ نَحَلْتُكِ حَائِطًا وَإِنَّ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا فَرُدِّيهِ عَلَى الْمِيرَاثِ ، قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : أَمَّا إِنَّا مُنْذُ وَلِينَا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ نَأْكُلْ لَهُمْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَكِنَّا أَكَلْنَا مِنْ جَرِيشِ طَعَامِهِمْ فِي بُطُونِنَا ، وَلَبِسْنَا مَنْ خَشِنِ ثِيَابِهِمْ عَلَى ظُهُورِنَا ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ إِلَّا هَذَا الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ وَهَذَا الْبَعِيرَ النَّاضِحَ وَجَرْدَ هَذِهِ الْقَطِيفَةِ ، فَإِذَا مِتُّ فَابْعَثِي بِهِنَّ إِلَى عُمَرَ ، فَفَعَلَتْ . وَقَالَ الْقَاسِمُ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ : إِنِّي لَا أَعْلَمُ عِنْدَ آلِ أَبِي بَكْرٍ غَيْرَ هَذِهِ اللِّقْحَةِ وَغَيْرَ هَذَا الْغُلَامِ الصَّيْقَلِ ، كَانَ يَعْمَلُ سُيُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْدِمُنَا ، فَإِذَا مِتُّ فَادْفَعِيهِ إِلَى عُمَرَ ، فَلَمَّا دَفَعَتْهُ إِلَى عُمَرَ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطَعِ اسْتَعَانَتْ بِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .

وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدُ بْنُ أَيْمَنَ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، قَالَ : دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَمَا سُجِّيَ ، فَقَالَ : مَا أَحَدٌ أَلْقَى اللَّهُ بِصَحِيفَتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذَا الْمُسَجَّى . وَعَنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُدْفَنَ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ فَحُفِرَ لَهُ ، وَجَعَلَ رَأْسَهُ عِنْدَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : رَأْسُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَسُ عُمَرَ عِنْدَ حَقْوَيْ أَبِي بَكْرٍ .

وَقَالَتْ عَائِشَةُ : مَاتَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كُلِّمَ أَبُو قُحَافَةَ فِي مِيرَاثِهِ مِنِ ابْنِهِ ، فَقَالَ : قَدْ رَدَدْتُ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَعِشْ بَعْدَهُ إِلَّا سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا . وَجَاءَ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَبُوهُ وَزَوْجَتَاهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، وَحَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ وَالِدَةُ أُمِّ كُلْثُومَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَعَائِشَةُ ، وَأَسْمَاءُ ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ .

وَيُقَالُ : إِنَّ الْيَهُودَ سَمَّتْهُ فِي أَرُزَّةٍ فَمَاتَ بَعْدَ سَنَةٍ ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ . ذِكْرُ عُمَّالِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَعْمَلَ أَبَاهُ أَنَسًا عَلَى الْبَحْرَيْنِ . وَقَالَ خَلِيفَةُ : وَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ زِيَادَ بْنَ‌ لَبِيدٍ عَلَى الْيَمَنِ أَوِ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَاسْتَعْمَلَ الْآخَرَ عَلَى كِدَامٍ ، وَأَقَرَّ عَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ .

وَلَمَّا حَجَّ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ . وَكَانَ كَاتِبَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَحَاجِبَهُ سُدَيْدٌ مَوْلَاهُ . وَيُقَالُ : كَتَبَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَكَانَ وَزِيرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَكَانَ أَيْضًا عَلَى قَضَائِهِ ، وَكَانَ مُؤَذِّنَهُ سَعْدٌ الْقَرَظُ مَوْلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ .

خِلَافَةُ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ . قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوفِي وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسي إِلَّا ذَاكَ ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَيَقْطَعُ أَيْدِيَ رِجَالِ وَأَرْجُلَهُمْ . فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ ، وَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ مَوْتَتَيْنِ أَبَدًا .

ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ . فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، وَقَالَ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ الْآيَةَ . فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ، وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَقَالُوا : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ .

فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَسَكَّتَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يُبْلِغَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَكَلَّمَ فَأَبْلَغَ ، فَقَالَ فِي كَلَامِهِ : نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ . فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ : لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ أَبَدًا ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا ، وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ ، قُرَيْشٌ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا ، وَأَعَزُّهُمْ أَحْسَابًا ، فَبَايِعُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ .

فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ نُبَايِعُكَ ، أَنْتَ خَيْرُنَا وَسَيِّدُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ ، فَقَالَ قَائِلٌ : قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ . فَقَالَ عُمَرُ : قَتَلَهُ اللَّهُ . رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْهُ ، وَهُوَ صَحِيحُ السَّنَدِ .

وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ : وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا يَقُولُ : لَوْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا ، فَلَا يَغْتَرّنُ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ : كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً ، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ خَيْرِنَا ، حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ ، وَتَخَلَّفَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَخَلَّفَتِ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ . فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ ، فَلَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَا : لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَأْتُوهُمْ وَأَبْرِمُوا أَمْرَكُمْ ، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهُمْ ، فَأَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ مُزَّمِّلٍ بِالثِّيَابِ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَرِيضٌ . فَجَلَسْنَا ، وَقَامَ خَطِيبُهُمْ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ؛ فَنَحْنُ الْأَنْصَارُ وَكَتِيبَةُ الْإِيمَانِ ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا ، وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْكُمْ دَافَّةٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا مِنْ أَصْلِنَا وَيَحْضُنُونَا مِنَ الْأَمْرِ .

قَالَ عُمَرُ : فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِمَقَالَةٍ قَدْ كَانَتْ أَعْجَبَتْنِي بَيْنَ يَدِي أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَلَى رِسْلِكَ . وَكُنْتُ أَعْرِفُ مِنْهُ الْحَدَّ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ ، وَهُوَ كَانَ خَيْرًا مِنِّي وَأَوْفَقَ وَأَوْقَرَ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً أَعْجَبَتْنِي إِلَّا قَدْ قَالَهَا وَأَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ؛ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَهُوَ فِيكُمْ مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ وَأَفْضَلُ مِنْهُ ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا ، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَّرَاحِ . قَالَ : فَمَا كَرِهْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا ، كَانَ وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لَا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ إِلَى إِثْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأْمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ نَفْسِي عِنْدَ الْمَوْتِ .

فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ . قَالَ : وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ حَتَّى خَشِيتُ الِاخْتِلَافَ ، فَقُلْتُ : ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ . فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَبَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ ، وَنَزَوْا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : قَتَلْتُمْ سَعْدًا .

فَقُلْتُ : قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا . قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا أَمْرًا أَوْفَقُ مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ، خَشِينَا إِنْ نَحْنُ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةً أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً ، فَإِمَّا بَايَعْنَاهَم عَلَى مَا لَا نَرْضَى ، وَإِمَّا خَالَفْنَاهُمْ فَيَكُونُ فَسَادٌ . رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِطُولِهِ ، فَزَادَ فِيهِ : قَالَ عُمَرُ : فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَتَمَّتْ ، فَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهًا ، فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُتَابِعُ هُوَ وَلَا الَّذِي بَايَعَهُ تَغِرَّةً أَنْ يُقْتَلَا مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ .

وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتِ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ . فَأَتَاهُمْ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ أَمَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَأَيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ ؟ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ . رَوَاهُ النَّاسُ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْهُ .

وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عُمَرُ أَبَا عُبَيْدَةَ ، فَقَالَ : ابْسُطْ يَدَكَ لِأُبَايِعَكَ ، فَإِنَّكَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِعُمَرَ : مَا رَأَيْتُ لَكَ فَهَّةً قَبْلَهَا مُنْذُ أَسْلَمْتَ ، أَتُبَايِعُنِي وَفِيكُمُ الصِّدِّيقُ وَثَانِي اثْنَيْنِ ؟ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعُ لَكَ . فَقَالَ عُمَرُ : أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي .

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنْتَ أَقْوَى مِنِّي . قَالَ : إِنَّ قُوَّتِي لَكَ مَعَ فَضْلِكَ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تُوُفِّيَ اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدٍ ، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ ، فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا ، فَقَالَ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ .

وَقَالَ وُهَيْبٌ : حَدَّثَنَا دُوَادُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ ، فَجَعَلَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا ، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ مِنَّا وَمِنْكُمْ . قَالَ : وَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِمَامُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ ، كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ حَيٍّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ ، أَمَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ . ثُمَّ أَخَذَ زَيْدٌ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايِعُوهُ .

قَالَ : فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَامَ نَاسٌ مَنِ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنَهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ : لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَبَايَعَهُ ، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ ، فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاؤوا بِهِ ، فَقَالَ : ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِوَارَيَّهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ : لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَبَايَعَاهُ . رَوَى مِنْهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ إِلَى قَوْلِهِ : لَمَا صَالَحْنَاكُمْ عَنْ عَفَّانَ ، عَنْ وُهَيْبٍ . وَرَوَاهُ بِتَمَامِهِ ثِقَةٌ ، عَنْ عَفَّانَ .

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ عُمَرُ فِي خُطْبَتِهِ : وَإِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا ، وَتَخَلَّفَتِ الْأَنْصَارُ عَنَّا بِأَسْرِهَا ، فَاجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ : اخْرُجْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَخَرَجْتُ ، فَقَالَ : إِنَّ الْأَنْصَارَ قَدِ اجْتَمَعُوا فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِيهِ حَرْبٌ ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ : وَتَابَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : قَتَلْتُمْ سَعْدًا . قَالَ عُمَرُ : فَقُلْتُ وَأَنَا مُغْضَبٌ : قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا فَإِنَّهُ صَاحِبُ فِتْنَةٍ وَشَرٍّ . وَهَذَا مِنْ حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ مَالِكٍ .

وَرَوَى مِثْلَهُ الزُّبَيْرُ ابْنُ بَكَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ، وَابْنِ الْكَوَّاءِ ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ مَسِيرَهُ وَبَيْعَةَ الْمُهَاجِرِينَ أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ فُجَاءَةً ، مَرَضَ لَيَالِيَ ، يَأْتِيهِ بِلَالٌ فَيُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ ، فَيَقُولُ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ فَأَرَادَتِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ أَنْ تَصْرِفَهُ إِلَى غَيْرِهِ فَغَضِبَ ، وَقَالَ : إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَرْنَا وَاخْتَارَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْمُسْلِمُونَ لِدُنْيَاهُمْ مَنِ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِدِينِهِمْ ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ عُظْمَ الْأَمْرَ وَقِوَامَ الدِّينِ . وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ خُطْبَةَ عُمَرَ الْآخِرَةَ ، قَالَ : حِينَ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدًا مِنْ مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَشْهَّدَ عُمَرُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَمْسِ مَقَالَةً ، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَمَا قُلْتُ ، وَمَا وَجَدْتُ فِي الْمَقَالَةِ الَّتِي قَلْتُ لَكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي عَهْدِ عَهْدِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَدْبُرَنَا يَقُولُ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، آخِرَنَا فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَا عِنْدَهُ عَلَى الَّذِي عِنْدَكُمْ ، فَإِنْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ مَاتَ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي هَدَى بِهِ مُحَمَّدًا ، فَاعْتَصِمُوا بِهِ تَهْتَدُوا بِمَا هَدَى بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَانِي اثْنَيْنِ ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِأَمْرِهِمْ ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ ، وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ بَيْعَةُ الْعَامَّةِ .

صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مَعَ عُمَرَ ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ ، ثُمَّ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَاعْتَذَرَ إِلَى النَّاسِ ، وَقَالَ : وَاللَّهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً ، وَلَا سَأَلْتُهَا اللَّهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مَقَالَتَهُ . وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ : مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَخَيْرَهُ ، وَلقَدْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ .

وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمَادَى عَنِ الْمُبَايَعَةِ مُدَّةً ، فَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : لَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ اجْتَمَعَ إِلَى عَلِيٍّ أَهْلُ بَيْتِهِ ، فَبَعَثُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ : ائْتِنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا وَاللَّهِ لَا تَأْتِهِمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُمْ ، وَمَا تَخَافُ عَلَيَّ مِنْهُمْ ؟ فَجَاءَهُمْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ رَأْيَكُمْ ، قَدْ وَجَدْتُمْ عَلَيَّ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ الَّتِي وَلَّيْتُ عَلَيْكُمْ ، وَوَاللَّهِ مَا صَنَعْتُ ذَاكَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَكِلَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ أَرَى أَثَرَهُ فِيهِ وَعَمَلَهُ إِلَى غَيْرِي حَتَّى أَسْلُكَ بِهِ سَبِيلَهُ وَأُنَفِّذَهُ فِيمَا جَعَلَهُ اللَّهُ ، وَوَاللَّهِ لَأَنْ أَصِلَكُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَصِلَ أَهْلَ قَرَابَتِي لِقَرَابَتِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِعَظِيمِ حَقِّهِ . ثُمَّ تَشْهَّدَ عَلِيٌّ ، وَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ وَاللَّهِ مَا نَفِسْنَا عَلَيْكَ خَيْرًا جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ أَنْ لَا تَكُونَ أَهْلًا لِمَا أُسْنِدَ إِلَيْكَ ، وَلَكِنَّا كُنَّا مِنَ الْأَمْرِ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ ، فَتَفَوَّتَّ بِهِ عَلَيْنَا ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُبَايِعَ وَأَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ، وَإِذَا كَانَتِ الْعَشِيَّةُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ الظَّهْرَ ، وَاجْلِسْ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى آتِيَكَ فَأُبَايِعَكَ . فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظَّهْرَ رَكِبَ الْمِنْبَرَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَرَ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ ، وَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ وَالْبَيْعَةِ ، وَهَا هُوَ ذَا فَاسْمَعُوا مِنْهُ ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ وَفَضْلَهُ وَسِنَّهُ ، وَأَنَّهُ أَهْلٌ لِمَا سَاقَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ .

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ : وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ . قِصَّةُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ : حَدَّثَنَا الْمُسْتَنِيرُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَوَّلُ رِدَّةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَدِ عَبْهَلَةَ بْنِ كَعْبٍ ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ ، فِي عَامَّةِ مَذْحِجٍ : خَرَجَ بَعْدَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَكَانَ شِعْبَاذًا يُرِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ ، وَيَسْبِي قُلُوبَ مَنْ يَسْمَعُ مَنْطِقَهُ ، فَوَثَبَ هُوَ وَمَذْحِجٌ بِنَجْرَانَ إِلَى أَنْ سَارَ إِلَى صَنْعَاءَ فَأَخَذَهَا ، وَلَحِقَ بِفَرْوَةَ مَنْ تَمَّ عَلَى إِسْلَامِهِ ، وَلَمْ يُكَاتِبِ الْأَسْوَدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ يُشَاغِبُهُ ، وَصَفَا لَهُ مُلْكُ الْيَمَنِ . فَرَوَى سَيْفٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ صَخْرٍ ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ بِالْجَنَدِ قَدْ أَقَمْنَاهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي ، وَكَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْكُتُبَ ، إِذْ جَاءَنَا كِتَابٌ مِنَ الْأَسْوَدِ أَنْ أَمْسِكُوا عَلَيْنَا مَا أَخَذْتُمْ مِنْ أَرْضِنَا ، وَوَفِّرُوا مَا جَمَعْتُمْ فَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ ، وَأَنْتُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا إِذْ قِيلَ : هَذَا الْأَسْوَدُ بِشَعُوبٍ ، وَقَدْ خَرَجَ إِلَيْهِ شَهْرُ بْنُ بَاذَامَ ، ثُمَّ أَتَانَا الْخَبَرُ أَنَّهُ قَتَلَ شَهْرًا وَهَزَمَ الْأَبْنَاءَ ، وَغَلَبَ عَلَى صَنْعَاءَ بَعْدَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَخَرَجَ مُعَاذٌ هَارِبًا حَتَّى مَرَّ بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بِمَأْرِبٍ ، فَاقْتَحَمَا حَضْرَمَوْتَ .

وَغَلَبَ الْأَسْوَدُ عَلَى مَا بَيْنَ أَعْمَالِ الطَّائِفِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَجَعَلَ يَسْتَطِيرُ اسْتِطَارَةَ الْحَرِيقِ ، وَكَانَ مَعَهُ سَبْعُمِائَةِ فَارِسٍ يَوْمَ لَقِيَ شَهْرًا ، وَكَانَ قُوَّادَهُ : قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَيَزِيدُ بْنُ مَخْزُومٍ ، وَفُلَانٌ ، وَفُلَانٌ ، وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُ وَغَلَبَ عَلَى أَكْثَرِ الْيَمَنِ ، وَارْتَدَّ مَعَهُ خَلْقٌ ، وَعَامَلَهُ الْمُسْلِمُونَ بِالتَّقِيَّةِ . وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي مَذْحِجٍ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ ، وَأَسْنَدَ أَمْرَ جُنْدِهِ إِلَى قَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَأَمْرَ الْأَبْنَاءِ إِلَى فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ ، وَذَادَوَيْهِ . فَلَمَّا أَثْخَنَ فِي الْأَرْضِ اسْتَخَفَّ بِهَؤُلَاءِ ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ شَهْرٍ ، وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ فَيْرُوزٍ ، قَالَ : فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ بِحَضْرَمَوْتَ وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا الْأَسْوَدُ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مُعَاذُ فِي السَّكُونِ ، إِذْ جَاءَتْنَا كُتُبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا فِيهَا أَنْ نَبْعَثَ الرِّجَالَ لِمُجَاوَلَتِهِ وَمُصَاوَلَتِهِ ، فَقَامَ مُعَاذٌ فِي ذَلِكَ ، فَعَرَفْنَا الْقُوَّةَ وَوَثِقْنَا بِالنَّصْرِ .

وَقَالَ سَيْفٌ : حَدَّثَنَا الْمُسْتَنِيرُ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزٍ ، عَنْ جِشْنِسَ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ ، قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا وَبَرُ بْنُ يُحْنَّسَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنَا فِيهِ بِالنُّهُوضِ فِي أَمْرِ الْأَسْوَدِ ، فَرَأَيْنَا أَمْرًا كَثِيفًا ، وَرَأَيْنَا الْأَسْوَدَ قَدْ تَغَيَّرَ لِقَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، فَأَخْبَرْنَا قَيْسًا وَأَبْلَغْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَأَنَّمَا وَقَعْنَا عَلَيْهِ ، فَأَجَابَنَا وَجَاءَ وَبَرُ ، وَكَاتَبْنَا النَّاسَ وَدَعَوْنَاهُمْ ، فَأَخْبَرَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانُهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَيْسٍ ، فَقَالَ : مَا يَقُولُ الْمَلَكُ ؟ قَالَ : يَقُولُ : عَمَدْتَ إِلَى قَيْسٍ فَأَكْرَمْتَهُ ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنْكَ كُلَّ مَدْخَلٍ مَالَ مَيْلَ عَدْوِّكَ . فَحَلَفَ لَهُ وَتَنَصَّلَ ، فَقَالَ : أَتُكَذِّبُ الْمَلَكَ ؟ قَدْ صَدَقَ وَعَرَفْتُ أَنَّكَ تَائِبٌ . قَالَ : فَأَتَانَا قَيْسٌ وَأَخْبَرَنَا ، فَقُلْنَا : كُنْ عَلَى حَذَرٍ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا الْأَسْوَدُ : أَلَمْ أُشَرِّفْكُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ ، أَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْكُمْ ؟ فَقُلْنَا : أَقِلْنَا مَرَّتَنَا هَذِهِ ، فَقَالَ : فَلَا يَبْلُغُنِي عَنْكُمْ فَأَقْتُلَكُمْ .

فَنَجَوْنَا وَلَمْ نَكَدْ ، وَهُوَ فِي ارْتِيَابٍ مِنْ أَمْرِنَا . قَالَ : فَكَاتَبَنَا عَامِرُ بْنُ شَهْرٍ ، وَذُو الْكَلَاعِ ، وَذُو ظُلَيْمٍ ، فَأَمَرْنَاهُمْ أَنْ لَا يَتَحَرَّكُوا بِشَيْءٍ ، قَالَ : فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِهِ آزَادَ ، فَقُلْتُ : يَا ابْنَةَ عَمِّ قَدْ عَرَفْتِ بَلَاءَ هَذَا الرَّجُلِ ، وَقَتَلَ زَوْجَكِ وَقَوْمَكِ وَفَضَحَ النِّسَاءَ ، فَهَلْ مِنْ مُمَالَأةٍ عَلَيْهِ ؟ قَالَتْ : مَا خَلَقَ اللَّهُ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ ، مَا يَقُومُ لِلَّهِ عَلَى حَقٍّ ، وَلَا يَنْتَهِي عَنْ حُرْمَةٍ . فَخَرَجْتُ فَإِذَا فَيْرُوزٌ وَزَادَوَيْهِ يَنْتَظِرَانِي ، وَجَاءَ قَيْسٌ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُنَاهِضَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ : الْمَلِكُ يَدْعُوكَ .

فَدَخَلَ فِي عَشَرَةٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ مَعَهُمْ ، وَقَالَ : أَنَا عَبْهَلَةُ أَمِنِّي تَتَحَصَّنُ بِالرِّجَالِ ؟ أَلَمْ أُخْبِرْكَ الْحَقَّ وَتُخْبِرْنِي الْكَذِبَ ، تُرِيدُ قَتْلِي فَقَالَ : كَيْفَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَمُرْنِي بِمَا أَحْبَبْتَ ، فَأَمَّا الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ فَأَنَا فِيهِمَا فَاقْتُلْنِي وَأَرِحْنِي . فَرَقَّ لَهُ وَأَخْرَجَهُ ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا ، وَقَالَ : اعْمَلُوا عَمَلَكُمْ . وَخَرَجَ عَلَيْنَا الْأَسْوَدُ فِي جَمْعٍ ، فَقُمْنَا لَهُ ، وَبِالْبَابِ مِائَةُ بَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ فَنَحَرَهَا ، ثُمَّ قَالَ : أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ ، لَقَدْ هَمَمْتُ بِقَتْلِكَ .

فَقَالَ : اخْتَرْتَنَا لِصِهْرِكَ وَفَضَّلْتَنَا عَلَى الْأَبْنَاءِ ، وَقَدْ جُمِعَ لَنَا أَمْرُ آخِرَةٍ وَدُنْيَا ، فَلَا تَقْبَلَنَّ عَلَيْنَا أَمْثَالَ مَا يَبْلُغُكَ . فَقَالَ : اقْسِمْ هَذِهِ . فَجَعَلْتُ آمُرُ لِلرَّهْطِ بِالْجَزُورِ وَلِأَهْلِ الْبَيْتِ بِالْبَقَرَةِ .

ثُمَّ اجْتَمَعَ بِالْمَرْأَةِ ، فَقَالَتْ : هُوَ مُتَحَرِّزٌ ، وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِالْقَصْرِ سِوَى هَذَا الْبَابِ فَانْقُبُوا عَلَيْهِ ، وَهَيَّأَتْ لَنَا سِرَاجًا . وَخَرَجْتُ فَتَلَقَّانِي الْأَسْوَدُ خَارِجًا مِنَ الْقَصْرِ ، فَقَالَ : مَا أَدْخَلَكَ ؟ وَوَجَأَ رَأْسِي فَسَقَطْتُ ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ وَقَالَتْ : ابْنُ عَمِّي زَارَنِي . فَقَالَ : اسْكُتِي لَا أَبَا لَكِ ، فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكِ .

فَأَتَيْتُ أَصْحَابِي وَقُلْتُ : النَّجَاءَ ، وَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَبَرَ ، فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذَ جَاءَنِي رَسُولُهَا : لَا تَدَعَنَّ مَا فَارَقْتُكَ عَلَيْهِ . فَقُلْنَا لِفَيْرُوزٍ : ائْتِهَا وَأَتْقِنْ أَمْرَنَا ، وَجِئْنَا بِاللَّيْلِ وَدَخَلْنَا ، فَإِذَا سِرَاجٌ تَحْتَ جَفْنَةٍ ، فَاتَّقَيْنَا بِفَيْرُوزٍ وَكَانَ أَنْجَدَنَا ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْبَيْتِ سَمِعَ غَطِيطًا شَدِيدًا ، وَإِذَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ ، فَلَمَّا قَامَ فَيْرُوزٌ عَلَى الْبَابِ أَجْلَسَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانُهُ وَكَلَّمَهُ ، فَقَالَ : وَأَيْضًا فَمَا لِي وَلَكَ يَا فَيْرُوزُ ؟ فَخَشِيَ إِنْ رَجَعَ أَنْ يَهْلِكَ هُوَ وَالْمَرْأَةُ ، فَعَالَجَهُ وَخَالَطَهُ وَهُوَ مِثْلُ الْجَمَلِ ، فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَدَقَّ عُنُقَهُ وَقَتَلَهُ ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِثَوْبِهِ تُنَاشِدُهُ ، فَقَالَ : أُخْبِرُ أَصْحَابِي بِقَتْلِهِ . فَأَتَانَا فَقُمْنَا مَعَهُ ، فَأَرَدْنَا حَزَّ رَأْسِهِ فَحَرَّكَهُ الشَّيْطَانُ وَاضْطَّرَبَ ، فَلَمْ نَضْبِطْهُ ، فَقَالَ : اجْلِسُوا عَلَى صَدْرِهِ .

فَجَلَسَ اثْنَانِ وَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِشَعْرِهِ ، وَسَمْعِنَا بَرْبَرَةً فَأَلْجَمَتْهُ بِمُلَاءَةٍ . وَأَمَرَّ الشَّفْرَةَ عَلَى حَلْقِهِ ، فَخَارَ كَأَشَدِّ خُوَارِ ثَوْرٍ ، فَابْتَدَرَ الْحَرَسُ الْبَابَ : مَا هَذَا ؟ مَا هَذَا ؟ قَالَتْ : النَّبِيُّ يُوحَى إِلَيْهِ . قَالَ : وَسَمَرْنَا لَيْلَتَنَا كَيْفَ نُخْبِرُ أَشْيَاعَنَا ، فَأَجْمَعْنَا عَلَى النِّدَاءِ بِشِعَارِنَا ثُمَّ بِالْأَذَانِ ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى دَاذَوَيْهِ بِالشِّعَارِ ، فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ ، وَاجْتَمَعَ الْحَرَسُ فَأَحَاطُوا بِنَا ، ثُمَّ نَادَيْتُ بِالْأَذَانِ ، وَتَوَافَتْ خُيُولُهُمْ إِلَى الْحَرَسِ ، فَنَادَيْتُهُمْ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّ عَبْهَلَةَ كَذَّابٌ ، وَأَلْقَيْنَا إِلَيْهِمُ الرَّأْسَ ، وَأَقَامَ وَبَرٌ الصَّلَاةَ ، وَشَنَّهَا الْقَوْمُ غَارَةً ، وَنَادَيْنَا : يَا أَهْلَ صَنْعَاءَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فَتَعَلَّقُوا بِهِ ، فَكَثُرَ النَّهْبُ وَالسَّبْيُ ، وَخَلُصَتْ صَنْعَاءُ وَالْجَنَدُ ، وَأَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ ، وَتَنَافَسْنَا الْإِمَارَةُ ، وَتَرَاجَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاصْطَلَحْنَا عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا ، وَكَتَبْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرَ فَقَدِمَتْ رُسُلُنَا ، وَقَدْ قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبِيحَتَئِذٍ فَأَجَابَنَا أَبُو بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ رِجَالِهِ ، قَالَ : بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَتَلَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ ، هُوَ وَفَيْرُوزٌ الدَّيْلَمِيُّ . وَلِقَيْسٍ هَذَا أَخْبَارٌ ، وَقَدِ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ ، فَعَفَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ . جَيْشُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ : أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ الْجُرُفَ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بْنُت قَيْسٍ تَقُولُ : لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَقِيلٌ ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قُبِضَ رَجَعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي وَأَنَا عَلَى غَيْرِ حَالِكُمْ هَذِهِ ، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تَكْفُرَ الْعَرَبُ ، وَإِنْ كَفَرَتْ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ نُقَاتِلُ ، وَإِنْ لَمْ تَكْفُرْ مَضَيْتُ ، فَإِنَّ مَعِي سَرَوَاتُ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ ، قَالَ : فَخَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لِأَنْ تَخَطَّفَنِي الطَّيْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبْدَأَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَاسْتَأْذَنَ لِعُمَرَ أَنْ يَتْرُكَهُ عِنْدَهُ ، وَأَمَرَ أَنْ يَجْزُرَ فِي الْقَوْمِ ، أَنْ يَقْطَعَ الْأَيْدِي ، وَالْأَرْجُلَ وَالْأَوْسَاطَ فِي الْقِتَالِ ، قَالَ : فَمَضَى حَتَّى أَغَارَ ، ثُمَّ رَجَعُوا وَقَدْ غَنِمُوا وَسَلِمُوا .

فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : مَا كُنْتُ لِأُحَيِّيَ أَحَدًا بِالْإِمَارَةِ غَيْرَ أُسَامَةَ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ وَهُوَ أَمِيرٌ ، قَالَ : فَسَارَ ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الشَّامِ أَصَابَتْهُمْ ضَبَابَةٌ شَدِيدَةٌ فَسَتَرَتْهُمْ ، حَتَّى أَغَارُوا وَأَصَابُوا حَاجَتَهُمْ ، قَالَ : فَقَدِمَ بِنَعْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هِرَقْلَ وَإِغَارَةِ أُسَامَةَ فِي نَاحِيَةِ أَرْضِهِ خَبَرًا وَاحِدًا ، فَقَالَتِ الرُّومُ : مَا بَالُ هَؤُلَاءِ ، يَمُوتُ صَاحِبُهُمْ وَأَغَارُوا عَلَى أَرْضِنَا ؟ ! وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : سَارَ أُسَامَةُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حَتَّى بَلَغَ أَرْضَ الشَّامِ وَانْصَرَفَ ، فَكَانَ مِسِيرُهُ ذَاهِبًا وَقَافِلًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا . وَقِيلَ كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْبَيْعَةِ ، وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : امْضِ لِوَجْهِكَ .

فَكَلَّمَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَالُوا : أَمْسِكْ أُسَامَةَ وَبَعْثَهُ ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ تَمِيلَ عَلَيْنَا الْعَرَبُ إِذَا سَمِعُوا بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَنَا أَحْبِسُ جَيْشًا بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدِ اجْتَرَأْتُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ تَمِيلَ عَلَيَّ الْعَرَبُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْبِسَ جَيْشًا بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْضِ يَا أُسَامَةُ فِي جَيْشِكَ لِلْوَجْهِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ ، ثُمَّ اغْزُ حَيْثُ أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَاحِيَةِ فِلَسْطِينَ ، وَعَلَى أَهْلِ مُؤْتَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَكْفِي مَا تَرَكْتَ ، وَلَكِنْ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِعُمَرَ فَأَسْتَشِيرُهُ وَأَسْتَعِينُ بِهِ فَافْعَلْ ، فَفَعَلَ أُسَامَةُ . وَرَجَعَ عَامَّةُ الْعَرَبِ عَنْ دِينِهِمْ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَغَطَفَانُ وَأَسَدٌ وَعَامَّةُ أَشْجَعَ ، وَتَمَسَّكَتْ طَيِّئ بِالْإِسْلَامِ . شَأْنُ أَبِي بَكْرٍ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَغَضِبَتْ وَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَتْ .

وَأَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا رَدَدْتُهُنَّ ، فَقُلْتُ لَهُنَّ : أَلَّا تَتَّقِينَ اللَّهَ ؟ أَلَمْ تَسْمَعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ . وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ - وَهُوَ مَتْرُوكٌ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، أَنَّ فَاطِمَةَ دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَتْ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَرَأَيْتَ لَوْ مِتَّ الْيَوْمَ مَنْ كَانَ يَرِثُكَ ؟ قَالَ : أَهْلِي وَوَلَدِي .

فَقَالَتْ : مَالَكَ تَرِثُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ دُونِ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ ؟ فَقَالَ : مَا فَعَلْتُ يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ . قَالَتْ : بَلَى ؛ قَدْ عَمَدْتَ إِلَى فَدَكٍ وَكَانَتْ صَافِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذْتَهَا ، وَعَمَدْتَ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتَهُ مِنَّا ، فَقَالَ : لَمْ أَفْعَلْ ، حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ يُطْعِمُ النَّبِيَّ الطُّعْمَةَ مَا كَانَ حَيًّا فَإِذَا قَبَضَهُ رَفَعَهَا . قَالَتْ : أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ ، مَا أَنَا بِسَائِلَتِكَ بَعْدَ مَجْلِسِي هَذَا .

ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ : أَنْتَ وَرِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ أَهْلُهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، بَلْ أَهْلُهُ . قَالَتْ : فَأَيْنَ سَهْمُهُ ؟ قَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً ثُمَّ قَبَضَهُ جَعْلَهَا لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . قَالَتْ : أَنْتَ وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ .

رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَهُوَ مُنْكَرٌ ، وَأَنْكَرَ مَا فِيهِ قَوْلُهُ : لَا ، بَلْ أَهْلُهُ . وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ : حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَتْ : قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي خُلَّفَنَا عَنْهُ مِنَ الصَّدَقَاتِ أَهْلَ الْبَيْتِ . ثُمَّ قَرَأَتْ عَلَيْهِ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ لَهَا : بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتِ وَوَالِدُكِ وَوَلَدُكِ ، وَعَلَيَّ السَّمْعُ وَالصَّبْرُ ، كِتَابُ اللَّهِ وَحَقُّ رَسُولِهِ وَحَقُّ قَرَابَتِهِ ، أَنَا أَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مِثْلَ الَّذِي تَقْرَئِينَ ، وَلَا يَبْلُغُ عِلْمِي فِيهِ أَنَّ أَرَى لِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا السَّهْمُ كُلَّهُ مِنَ الْخُمْسِ يَجْرِي بِجَمَاعَتِهِ عَلَيْهِمْ ، قَالَتْ : أَفَلَكَ هُوَ وَلِقَرَابَتِكَ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْتِ عِنْدِي أَمِينَةٌ مُصَدَّقَةٌ ، فَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيْكِ فِي ذَلِكَ عَهْدًا ، وَوَعْدَكِ مَوْعِدًا ، أَوْجَبَهُ لَكِ حَقًّا ، صَدَّقْتُكِ وَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكِ ، قَالَتْ : لَا ؛ إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَالَ : أَبْشِرُوا آلَ مُحَمَّدٍ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْغِنَى ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقْتِ فَلَكِ الْغِنَى ، وَلَمْ يَبْلُغْ عِلْمِي فِيهِ وَلَا بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ يُسَلَّمَ هَذَا السَّهْمُ كُلُّهُ كَامِلًا ، وَلَكِنْ لَكُمُ الْغِنَى الَّذِي يُغْنِيكُمْ ، وَيَفْضُلُ عَنْكُمْ ، فَانْظُرِي هَلْ يُوَافِقُكِ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، فَانْصَرَفَتْ إِلَى عُمَرَ فَذَكَرَتْ لَهُ كَمَا ذَكَرَتْ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ الَّذِي رَاجَعَهَا بِهِ أَبُو بَكْرٍ ، فَعَجِبَتْ وَظَنَّتْ أَنَّهُمَا قَدْ تَذَاكَرَا ذَلِكَ وَاجْتَمَعَا عَلَيْهِ .

وَبِالْإِسْنَادِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - مِنْ دُونِ ذِكْرِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا أَنْ يُعْطِيَنَا مِنَ الْفَيْءِ بِحَقِّ مَا يَرَى أَنَّهُ لَنَا مِنَ الْحَقِّ ، فَرَغِبْنَا عَنْ ذَلِكَ ، وَقُلْنَا : لَنَا مَا سَمَّى اللَّهُ مِنْ حَقِّ ذِي الْقُرْبَى ، وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَيْسَ لَكُمْ مَا تَدَّعُونَ لَكُمْ حَقٌّ ، إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْخُمُسَ لِأَصْنَافٍ سَمَّاهُمْ ، فَأَسْعَدَهُمْ فِيهِ حَظًّا أَشَدُّهُمْ فَاقَةً وَأَكْثَرُهُمْ عِيَالًا . قَالَ : فَكَانَ عُمَرُ يُعْطِي مَنْ قَبِلَ مِنَّا مِنَ الْخُمْسِ وَالْفَيْءِ نَحْوَ مَا يَرَى أَنَّهُ لَنَا ، فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنَّا نَاسٌ وَتَرَكَهُ نَاسٌ . وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّاصِرِيَّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لِي : يَا مَالِكُ ، إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبِيَّاتٍ ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ ، قُلْتُ : لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي ، قَالَ : اقْبِضْهُ أَيُّهَا الْمَرْءُ ، قَالَ : وَأَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .

فَدَخَلُوا وَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا ، ثُمَّ لَبِثَ يَرْفَأُ قَلِيلًا ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ : هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ فَلَمَّا دَخَلَا سَلَّمَا فَجَلَسَا ، فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ الْفَاجِرِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ ، فَاسْتَبَّا ، فَقَالَ عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ ، فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ قَالَا : قَدْ قَالَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ : إِنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطَهُ غَيْرُهُ ، فَقَالَ تَعَالَى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَاللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ . أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَضَهَا وَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، وَأَنْتُمَا تَزْعُمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهَا كَاذِبٌ فَاجِرٌ غَادِرٌ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ ، ثُمَّ تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، فَقَلْتُ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي ، أَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِهِ ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ يَزْعُمُونَ أَنِّي فِيهَا كَاذِبٌ فَاجِرٌ غَادِرٌ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ ، فَجِئْتَنِي تَسْأَلُنِي عَنْ نَصِيبِكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ، وَجَاءَنِي هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ نَصِيبِ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا ، فَقُلْتُ لَكُمَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكُمَا قُلْتُ : إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَإِلَّا فَلَا تُكَلِّمَانِي ، فَقُلْتُمَا : ادْفَعْهَا إِلَيْنَا بِذَلِكَ ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا ، أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ ؟ قَالَ الرَّهْطُ : نَعَمْ ؛ فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ ؟ قَالَا : نَعَمْ .

قَالَ : أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَوَالَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ أَكْفِيكُمَاهَا . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَحَدَّثَنِي الْأَعْرَجُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي شَيْئًا مِمَّا تَرَكْتُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ غَلَبَ عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ ، وَكَانَتْ فِيهَا خُصُومَتُهُمَا ، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يُقَسِّمَهَا بَيْنَهُمَا حَتَّى أَعْرَضَ عَنْهَا عَبَّاسٌ غَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ ، ثُمَّ كَانَتْ عَلَى يَدَيِ الْحَسَنِ ، ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ الْحُسَيْنِ ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَالْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ ، كِلَاهُمَا يَتَدَاوَلَانِهَا ، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدٍ ، وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا . خَبَرُ الرِّدَّةِ لَمَّا اشْتُهِرَتْ وَفَاةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالنَّوَاحِي ، ارْتَدَّ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعَرَبِ عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ ، فَنَهَضَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِقِتَالِهِمْ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَغَيْرُهُ أَنْ يَفْتُرَ عَنْ قِتَالِهِمْ .

فَقَالَ : وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا أَوْ عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَمَنْ قَالَهَا عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَدَمَهُ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ، وَقَدْ قَالَ : إِلَّا بِحَقِّهَا قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ . فَعَنْ عُرْوَةَ ، وَغَيْرِهِ ، قَالَ : فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ حَتَّى بَلَغَ نَقْعًا حِذَاءَ نَجْدٍ ، وَهَرَبَتِ الْأَعْرَابُ بِذَرَارِيِّهِمْ ، فَكَلَمَّ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ، وَقَالُوا : ارْجِعْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ وَأَمِّرْ رَجُلًا عَلَى الْجَيْشِ ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى رَجَعَ وَأَمَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَقَالَ لَهُ : إِذَا أَسْلَمُوا وَأَعْطَوُا الصَّدَقَةَ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَرْجِعْ ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ مَسِيرُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فَبَلَغَ ذَا الْقَصَّةِ ، وَهِيَ عَلَى بَرِيدَيْنِ وَأَمْيَالٍ مِنْ نَاحِيَةِ طَرِيقِ الْعِرَاقِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِنَانًا الضَّمْرِيَّ ، وَعَلَى حِفْظِ أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ .

وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ اللَّيْثِيِّ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَ خَالِدًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ النَّاسَ عَلَى خَمْسٍ ، مَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ قَاتَلَهُ كَمَا يُقَاتِلُ مَنْ تَرَكَ الْخَمْسَ جَمِيعًا : عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ . وَقَالَ عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ : لَوْ نَزَلَ بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ مَا نَزَلَ بِأَبِي لَهَاضَهَا ، اشْرَأَبَّ النِّفَاقُ بِالْمَدِينَةِ ، وَارْتَدَتِ الْعَرَبُ ، فَوَاللَّهِ مَا اخْتَلَفُوا فِي نُقْطَةٍ إِلَّا طَارَ أَبِي بِحَظِّهَا مِنَ الْإِسْلَامِ . وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ أَنَّ النَّاسَ قَالُوا لَهُ : إِنَّكَ لَا تَصْنَعُ بِالْمَسِيرِ بِنَفْسِكَ شَيْئًا ، وَلَا تَدْرِي لِمَنْ تَقْصِدُ ، فَأَمِّرْ مَنْ تَثِقُ بِهِ وَارْجِعْ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّكَ تَرَكْتَ بِهَا النِّفَاقَ يَغْلِي ، فَعَقَدَ لِخَالِدٍ عَلَى النَّاسِ ، وَأَمَّرَ عَلَى الْأَنْصَارِ خَاصَّةً ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، وَأَمَّرَ خَالِدًا أَنْ يَصْمُدَ لِطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ .

وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : سَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ ذِي الْقَصَّةِ فِي أَلْفَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ إِلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، يُرِيدُ طُلَيْحَةَ ، وَوَجَّهَ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّ حَلِيفَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَانْتَهَوْا إِلَى قَطَنٍ فَصَادَفُوا فِيهَا حِبَالًا مُتَوَجِّهًا إِلَى طُلَيْحَةَ بِثِقَلِهِ ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ ، فَسَاقَ وَرَاءَهُمْ طُلَيْحَةُ وَأَخُوهُ سَلَمَةَ فَقَتْلَا عُكَّاشَةَ وَثَابِتًا . وَقَالَ الْوَلِيدُ الْمُوَقَّرِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : فَسَارَ خَالِدٌ فَقَاتَلَ طُلَيْحَةَ الْكَذَّابَ فَهَزَمَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ قَدْ بَايَعَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ ، فَلَمَّا رَأَى طُلَيْحَةُ كَثْرَةَ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِ قَالَ : مَا يُهْزِمُكُمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا أُحَدِّثُكَ ، لَيْسَ مِنَّا رَجُلٌ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ صَاحِبُهُ قَبْلَهُ ، وَإِنَّا نَلْقَى قَوْمًا كُلَّهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَكَانَ طُلَيْحَةُ رَجُلًا شَدِيدَ الْبَأْسِ فِي الْقِتَالِ ، فَقَتَلَ طُلَيْحَةُ يَوْمَئِذٍ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ وَثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ . وَقَالَ طُلَيْحَةُ : عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيًا وَعُكَّاشَةَ الْغَنَمِيَّ تَحْتَ مَجَالِي أَقَمْتُ لَهُمْ صَدْرَ الْحِمَالَةِ إِنَّهَا مُعَاوِدَةُ قَتْلَ الْكُمَاةِ نِزَالِي فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجَلَالِ مَصُونَةً وَيَوْمًا تَرَاهَا فِي ظِلَالِ عَوَالِ فَمَا ظَنَّكُمْ بِالْقَوْمِ إِذْ تَقْتُلُونَهُمْ أَلَيْسُوا وَإِنْ لَمْ يَسْلَمُوا بِرِجَالِ فَإِنْ يَكْ ذَا وُدٍّ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ فَلَمْ تَرْهَبُوا فَرْغًا بِقَتْلِ حِبَالِ فَلَمَّا غَلَبَ الْحَقُّ طُلَيْحَةَ تَرَجَّلَ .

ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَهَّلَ بِعُمْرَةٍ ، فَرَكِبَ يَسِيرُ فِي النَّاسِ آمِنًا ، حَتَّى مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ فَقَضَى عُمْرَتَهُ ، ثُمَّ حَسُنَ إِسْلَامُهُ . وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ خَالِدًا لَقِيَ طُلَيْحَةَ بِبُزَاخَةَ ، وَمَعَ طُلَيْحَةَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ، وَقُرَّةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْقُشَيْرِيُّ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، ثُمَّ هَرَبَ طُلَيْحَةُ وَأُسِرَ عُيَيْنَةُ وَقُرَّةُ ، وَبُعِثَ بِهِمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَحَقَنَ دِمَاءَهُمَا . وَذُكِرَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ أَحَدَ مَنْ قَتَلَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ ارْتَدَّ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَسْوَدِ ، وَخَافَهُ أَهْلُ صَنْعَاءَ ، وَأَتَى قَيْسٌ إِلَى فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ ، وَذَادَوَيْهِ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي شَأْنِ أَصْحَابِ الْأَسْوَدِ خَدِيعَةً مِنْهُ ، فَاطْمَأَنَّا إِلَيْهِ ، وَصَنَعَ لَهُمَا مِنَ الْغَدِ طَعَامًا ، فَأَتَاهُ ذَادَوَيْهِ فَقَتَلَهُ .

ثُمَّ أَتَاهُ فَيْرُوزٌ فَفَطِنَ بِالْأَمْرِ فَهَرَبَ ، وَلَقِيَهُ جُشَيْشُ بْنُ شَهْرٍ وَمَضَى مَعَهُ إِلَى جِبَالِ خَوْلَانَ ، وَمَلَكَ قَيْسٌ صَنْعَاءَ ، فَكَتَبَ فَيْرُوزٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْتَمِدُّهُ . فَأَمَدَّهُ ، فَلَقُوا قَيْسًا فَهَزَمُوهُ ثُمَّ أَسَرُوهُ وَحَمَلُوهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَبَّخَهُ ، فَأَنْكَرَ الرِّدَّةَ ، فَعَفَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : فَسَارَ خَالِدٌ - وَكَانَ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ - فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى نَزَلَ بِبُزَاخَةَ ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ طَيِّئ : إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقَدَمَ عَلَيْنَا فَإِنَّا سَامِعُونَ مُطِيعُونَ ، وَإِنْ شِئْتَ ، نَسِيرُ إِلَيْكَ ؟ قَالَ خَالِدٌ : بَلْ أَنَا ظَاعِنٌ إِلَيْكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمْ يَزَلْ بِبُزَاخَةَ ، وَجَمَعَ لَهُ هُنَاكَ الْعَدُوُّ بَنُو أَسَدٍ وَغَطَفَانُ فَاقْتَتَلُوا ، حَتَّى قُتِلَ مِنَ الْعَدُوِّ خَلْقٌ وَأُسِرَ مِنْهُمْ أَسَارَى ، فَأَمَرَ خَالِدٌ بِالْحُظَرِ أَنْ تُبْنَى ، ثُمَّ أَوْقَدَ فِيهَا النِّيرَانَ وَأَلْقَى الْأَسَارَى فِيهَا ، ثُمَّ ظَعَنَ يُرِيدُ طَيِّئًا ، فَأَقْبَلَتْ بَنُو عَامِرٍ وَغَطَفَانُ وَالنَّاسُ مُسْلِمُينَ مُقِرُّينَ بِأَدَاءِ الْحَقِّ ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ خَالِدٌ .

وَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيُّ فِي رِجَالٍ مَعَهُ مِنْ تَمِيمٍ ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : نَحْنُ رَاجِعُونَ ، قَدْ أَقَرَّتِ الْعَرَبُ بِالَّذِي كَانَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ : قَدْ لَعَمْرِي آذَنُ لَكُمْ ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَمِيرُكُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ بْنِ ثُمَامَةَ الْكَذَّابِ ، وَلَا نَرَى أَنْ تَفَرَّقُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَسَنٍ ، وَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ فَارَقَ أَمِيرَهُ وَهُوَ أَشَدُّ مَا كَانَ إِلَيْهِ حَاجَةً ، فَأَبَتِ الْأَنْصَارُ إِلَّا الرُّجُوعَ ، وَعَزَمَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ ، وَتَخَلَّفَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ ، وَنَدِمُوا وَقَالُوا : مَا لَكَمَ وَاللَّهِ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِنْ أُصِيبَ هَذَا الطَّرَفُ وَقَدْ خَذَلْنَاهُمْ ، فَأَسْرَعُوا نَحْوَ خَالِدٍ وَلَحِقُوا بِهِ ، فَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ ، وَكَانَ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ سَيِّدُ بَنِي حَنِيفَةَ خَرَجَ فِي ثَلَاثَةِ وَعِشْرِينَ فَارِسًا يَطْلُبُ دَمًا فِي بَنِي عَامِرٍ ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَتَلَ أَصْحَابَ مُجَّاعَةَ وَأَوْثَقَهُ . وَقَالَ الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ : حَدَّثَنِي أَخِي عَبْدُ اللَّهِ عَنْ بَعْضِ آلِ عَدِيٍّ ، عَنْ وَحْشِيٍّ ، قَالَ : خَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا طُلَيْحَةَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ، فَقَالَ خَالِدٌ : لَا أَرْجِعُ حَتَّى آتِيَ مُسَيْلِمَةَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، فَقَالَ لَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ : إِنَّمَا بُعِثْنَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَقَدْ كَفَى اللَّهُ مَؤونَتَهُمْ ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَسَارَ ، ثُمَّ تَبِعَهُ ثَابِتٌ بَعْدَ يَوْمٍ فِي الْأَنْصَارِ . مَقْتَلُ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيِّ الْحَنْظَلِيِّ الْيَرْبُوعِيِّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : أَتي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي حَنْظَلَةَ ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ ، وَسَارَ فِي أَرْضِ تَمِيمٍ ، فَلَمَّا غَشَوْا قَوْمًا مِنْهُمْ أَخَذُوا السِّلَاحَ ، وَقَالُوا : نَحْنُ مُسْلِمُونَ ، فَقِيلَ لَهُمْ : ضَعُوا السِّلَاحَ ، فَوَضَعُوهُ ، ثُمَّ صَلَّى الْمُسْلِمُونَ وَصَلُّوا .

فَرَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَدِمَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ وَأَصْحَابِهِ ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ ، ثُمَّ وَدَى مَالِكًا وَرَدَّ السَّبْيَ وَالْمَالَ . وَرُوِيَ أَنَّ مَالِكًا كَانَ فَارِسًا شُجَاعًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ وَفِيهِ خُيَلَاءُ ، كَانَ يُقَالُ لَهُ الْجَفُولُ . قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمَ فَوَلَّاهُ صَدَقَةَ قَوْمِهِ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ، فَلَمَّا نَازَلَهُ خَالِدٌ قَالَ : أَنَا آتِي بِالصَّلَاةِ دُونَ الزَّكَاةِ .

فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ مَعًا ؟ لَا تُقْبَلُ وَاحِدَةٌ دُونَ الْأُخْرَى ؟ فَقَالَ : قَدْ كَانَ صَاحِبُكَ يَقُولُ ذَلِكَ ، قَالَ خَالِدٌ : وَمَا تَرَاهُ لَكَ صَاحِبًا ! وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَكَ ، ثُمَّ تَحَاوَرَا طَوِيلًا فَصَمَّمَ عَلَى قَتْلِهِ : فَكَلَّمَهُ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ عُمَرَ ، فَكَرِهَ كَلَامَهُمَا ، وَقَالَ لِضِرَارِ بْنِ الْأَزْوَرِ : اضْرِبْ عُنُقَهُ ، فَالْتَفَتَ مَالِكٌ إِلَى زَوْجَتِهِ وَقَالَ : هَذِهِ الَّتِي قَتَلَتْنِي ، وَكَانَتْ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ ، قَالَ خَالِدٌ : بَلِ اللَّهُ قَتَلَكَ بِرُجُوعِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : أَنَا عَلَى الْإِسْلَامِ . فَقَالَ : اضْرِبْ عُنُقَهُ ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، وَجَعَلَ رَأْسَهُ أَحَدَ أَثَافِيِّ قِدْرٍ طُبِخَ فِيهَا طَعَامٌ ، ثُمَّ تَزَوَّجَ خَالِدٌ بِالْمَرْأَةِ ، فَقَالَ أَبُو زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ مِنْ أَبْيَاتٍ : قَضَى خَالِدٌ بَغْيًا عَلَيْهِ لِعُرْسِهِ وَكَانَ لَهُ فِيهَا هَوَىً قَبْلَ ذَلِكَا وَذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كَامِلِهِ وَفِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ ، قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَارْتَدْتِ الْعَرَبُ وَظَهَرَتْ سَجَاحٌ وَادَّعَتِ النُّبُوَّةَ صَالَحَهَا مَالِكٌ ، وَلَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِدَّةً ، وَأَقَامَ بِالْبِطَاحِ ، فَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ سَارَ إِلَى مَالِكٍ وَبَثَّ سَرَايَا ، فَأُتِيَ بِمَالِكٍ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ قَالَ عُمَرُ : يَا عَدُوَّ اللَّهِ قَتَلْتَ‌ امْرَأً مُسْلِمًا ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ ، لَأَرْجُمُنَّكَ .

وَفِيهِ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ شَهِدَ أَنَّهُمْ أَذَّنُوا وَصَلَّوْا . وَقَالَ الْمُوَقَّرِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَبَعَثَ خَالِدٌ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ سَرِيَّةً فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ ، فَسَارُوا يَوْمَهُمْ سِرَاعًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَحَلَّةِ الْحَيِّ ، فَخَرَجَ مَالِكٌ فِي رَهْطِهِ ، فَقَالَ : مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ ، فَزَعَمَ أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْمُسْلِمُ ، قَالَ : فَضَعِ السِّلَاحَ ، فَوَضَعَهُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، فَلَمَّا وَضَعُوا السِّلَاحَ رَبَطَهُمْ أَمِيرُ تِلْكَ السَّرِيَّةِ وَانْطَلَقَ بِهِمْ أُسَارَى ، وَسَارَ مَعَهُمُ السَّبْيُ حَتَّى أَتَوْا بِهِمْ خَالِدًا ، فَحَدَّثَ أَبُو قَتَادَةَ خَالِدًا أَنَّ لَهُمْ أَمَانًا وَأَنَّهُمْ قَدِ ادَّعَوْا إِسْلَامًا ، وَخَالَفَ أَبَا قَتَادَةَ جَمَاعَةُ السَّرِيَّةِ فَأَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ ، وَإِنَّمَا أُسِرُوا قَسْرًا ، فَأَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ فَقُتِلُوا وَقَبَضَ سَبْيَهُمْ ، فَرَكِبَ أَبُو قَتَادَةَ فَرَسَهُ وَسَارَ قِبَلَ أَبِي بَكْرٍ . فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ : تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ عَهْدٌ وَأَنَّهُ ادَّعَى إِسْلَامًا ، وَإِنِّي نَهَيْتُ خَالِدًا فَتَرَكَ قَوْلِي ، وَأَخَذَ بِشَهَادَاتِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْغَنَائِمَ .

فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ فِي سَيْفِ خَالِدٍ رَهَقًا ، وَإِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ حَقًّا ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَيْكَ أَنْ تَقِيدَهُ ، فَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ . وَمَضَى خَالِدٌ قِبَلَ الْيَمَامَةِ ، وَقَدِمَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ فَأَنْشَدَ أَبَا بَكْرٍ مَنْدَبَةً نَدَبَ بِهَا أَخَاهُ ، وَنَاشَدَهُ فِي دَمِ أَخِيهِ وَفِي سَبْيِهِمْ ، فَرَدَّ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ السَّبْيَ ، وَقَالَ لِعُمَرَ وَهُوَ يُنَاشِدُ فِي الْقَوْدِ : لَيْسَ عَلَى خَالِدٍ مَا تَقُولُ ، هَبْهُ تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ . قُلْتُ : وَمِنَ الْمَنْدَبَةِ : وَكُنَّا كَنَدْمَانَي جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بُزَاخَةَ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ ، خَيَّرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ أَوْ خُطَّةٍ مُخْزِيَةٍ ، فَقَالُوا : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَمَّا الْحَرْبُ فَقَدْ عَرَفْنَاهَا ، فَمَا الْخُطَّةُ الْمُخْزِيَةُ ؟ قَالَ : يُؤْخَذُ مِنْكُمُ الْحَلْقَةُ وَالْكُرَاعُ ، وَتُتْرَكُونَ أَقْوَامًا تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهَ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَالْمُؤْمِنَيْنِ أَمَرًا يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ ، وَتُؤَدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا ، وَلَا نُؤَدِّي مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ ، وَتَشْهَدُونَ أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ ، وَتَدُونُ قَتْلَانَا وَلَا نِدِي قَتْلَاكُمْ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَمَّا قَوْلُكَ : تَدُونُ قَتْلَانَا ، فَإِنَّ قَتْلَانَا قُتِلُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا دِيَاتِ لَهُمْ ، فَاتَّبَعَ عُمَرُ ، وَقَالَ عمر فِي الْبَاقِي : نَعِمَ مَا رَأَيْتَ .

قِتَالُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : سَارَ خَالِدٌ إِلَى الْيَمَامَةِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ ، وَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ بِجُمُوعِهِ فَنَزَلُوا بِعَفْرَا ، فَحَلَّ بِهَا خَالِدٌ عَلَيْهِمْ وَهِيَ طَرَفُ الْيَمَامَةِ ، وَجَعَلُوا الْأَمْوَالَ خَلْفَهَا كُلَّهَا وَرِيفَ الْيَمَامَةِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ . وَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَلَمَةَ : يَا بَنِي حَنِيفَةَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْغَيْرَةِ ، الْيَوْمُ إِنْ هُزِمْتُمْ سَتُرْدَفُ النِّسَاءُ سَبِيَّاتٍ وَيُنْكَحْنَ غَيْرَ حَظِيَّاتٍ ، فَقَاتِلُوا عَنْ أَحِسَابِكُمْ . فَاقْتَتَلُوا بِعَفْرَا قِتَالًا شَدِيدًا ، فَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً ، وَدَخَلَ نَاسٌ مَنْ بَنِي حَنِيفَةَ فُسْطَاطَ خَالِدٍ ، وَفِيهِ مُجَّاعَةُ أَسِيرٌ وَأُمُّ تَمِيمٍ امْرَأَةُ خَالِدٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهَا فَقَالَ مُجَّاعَةُ : أَنَا لَهَا جَارٌ ، وَدَفَعَ عَنْهَا ، وَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ حِينَ رَأَى الْمُسْلِمِينَ مُدْبِرِينَ : أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْمَلُونَ ، وَكْرَّ الْمُسْلِمُونَ فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ ، وَدَخَلَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فُسْطَاطَ خَالِدٍ فَأَرَادُوا قَتْلَ مُجَّاعَةَ ، فَقَالَتْ أُمُّ تَمِيمٍ : وَاللَّهِ لَا يُقْتَلُ ، وَأَجَارَتْهُ .

وَانْهَزَمَ أَعْدَاءُ اللَّهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا عِنْدَ حَدِيقَةِ الْمَوْتِ اقْتَتَلُوا عِنْدَهَا ، أَشَدَّ الْقِتَالِ . وَقَالَ مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ : يَا بَنِي حَنِيفَةَ ادْخُلُوا الْحَدِيقَةَ فَإِنِّي سَأَمْنَعُ أَدْبَارَكُمْ ، فَقَاتَلَ دُونَهُمْ سَاعَةً وَقُتِلَ ، وَقَالَ مُسَيْلِمَةُ : يَا قَوْمُ قَاتِلُوا عَنْ أَحِسَابِكُمْ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، وَقَتَلَ مُسَيْلِمَةَ وَحْشِيٌّ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلَ . وَقَالَ الْمُوَقَّرِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : قَاتَلَ خَالِدٌ مُسَيْلِمَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرُ الْعَرَبِ عَدَدًا وَأَشَدُّهُ شَوْكَةً ، فَاسْتُشْهِدَ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَهَزَمَ اللَّهُ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ ، قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ بِحَرْبَةٍ .

وَكَانَ يُقَالُ : قَتَلَ وَحْشِيٌّ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّ أَهْلِ الْأَرْضِ . وَعَنْ وَحْشِيِّ ، قَالَ : لَمْ أَرَ قَطُّ أَصْبَرَ عَلَى الْمَوْتِ مِنْ أَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ شَارَكَ فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ . وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ دَخَلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فَتَحَنَّطَ ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الصَّفَّ وَالنَّاسُ مُنْهَزِمُونَ ، فَقَالَ هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا ، فَضَارَبَ الْقَوْمَ ، ثُمَّ قَالَ : بِئْسَمَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ ، مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتُشْهِدَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَقَالَ الْمُوَقَّرِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : ثُمَّ تَحَصَّنَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ سِتَّةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ فِي حِصْنِهِمْ ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ خَالِدٍ فَاسْتَحْيَاهُمْ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : وَعَمَدَتْ بَنُو حَنِيفَةَ حِينَ انْهَزَمُوا إِلَى الْحُصُونِ فَدَخَلُوهَا ، فَأَرَادَ خَالِدٌ أَنْ يَنْهَدَ إِلَيْهِمُ الْكَتَائِبَ ، فَلَمْ يَزَلْ مُجَّاعَةُ حَتَّى صَالَحَة عَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْحَلْقَةِ وَالْكُرَاعِ وَعَلَى نِصْفِ الرَّقِيقِ ، وَعَلَى حَائِطٍ مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ فَتَقَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ سَلَامَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ : يَا بَنِي حَنِيفَةَ قَاتِلُوا وَلَا تُقَاضُوا خَالِدًا عَلَى شَيْءٍ ، فَإِنَّ الْحِصْنَ حَصِينٌ ، وَالطَّعَامُ كَثِيرٌ ، وَقَدْ حَضَرَ الشِّتَاءُ .

فَقَالَ مُجَّاعَةُ : لَا تُطِيعُوهُ فَإِنَّهُ مَشْؤُومٌ . فَأَطَاعُوا مُجَّاعَةَ ، وَقَاضَاهُمْ . ثُمَّ إِنَّ خَالِدًا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْبَرَاءَةِ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ، فَأَسْلَمَ سَائِرُهُمْ .

وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : إِنَّ خَالِدًا قَالَ : يَا بَنِي حَنِيفَةَ مَا تَقُولُونَ ؟ قَالُوا : مِنَّا نَبِيٌّ وَمِنْكُمْ نَبِيٌّ ، فَعَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ ، يَعْنِي الْعِشْرِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ مُجَّاعَةَ بْنِ مُرَارَةَ ، وَأَوْثَقَهُ هُوَ فِي الْحَدِيدِ ، ثُمَّ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ كُشِفَ النَّاسُ : لَا نَجَوْتُ بَعْدَ الرِّحَالِ ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ أَبَا مَرْيَمَ الْحَنَفِيَّ قَتَلَ زَيْدًا . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : رَمَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَكِّمَ الْيَمَامَةِ ابْنَ طُفَيْلٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ .

قُلْتُ : وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ مَتَّى كَانَتْ ، فَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ : كَانَتْ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ . قَالَ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ : كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ . وقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ : كَانَتِ الْيَمَامَةُ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ .

فَجَمِيعُ مَنْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلًا . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : كَانَتْ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ ، وَغَيْرُهُمْ . قُلْتُ : وَلَعَلَّ مَبْدَأَ وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ كَانَ فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ كَمَا قَالَ ابْنُ قَانِعٍ ، وَمُنْتَهَاهَا فِي أَوَائِلِ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، فَإِنَّهَا بَقِيَتْ أَيَّامًا لِمَكَانِ الْحِصَارِ .

وَسَأُعِيدُ ذِكْرَهَا وَالشُّهَدَاءَ بِهَا فِي أَوَّلِ سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ . وَفَاةُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، كُنْيَتُهَا فِيمَا بَلَغَنَا : أَمُّ أَبِيهَا . دَخَلَ بِهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَقَدِ اسْتَكْمَلَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ .

رَوَى عَنْهَا : ابْنُهَا الْحُسَيْنُ ، وَعَائِشَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَأَنَسٌ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرَّ إِلَيْهَا فِي مَرَضِهِ ، وَقَالَتْ لِأَنَسٍ : كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا التُّرَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَلَهَا مَنَاقِبُ مَشْهُورَةٌ ، وَقَدْ جَمَعَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ . وَكَانَتْ أَصْغَرَ مِنْ زَيْنَبَ وَرُقْيَّةَ ، وَانْقَطَعَ نَسَبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْهَا ؛ لِأَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ تَزَوَّجَتْ بَعَلِيٍّ ، ثُمَّ بَعْدَهُ بِالْمُغِيرَةِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَجَاءَهَا مِنْهُمَا أَوْلَادٌ .

قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : انْقَرَضَ عَقِبُ زَيْنَبَ . وَصَحَّ عَنِ الْمِسْوَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا . وَفِي فَاطِمَةَ وَزَوْجِهَا وَبَنِيهَا نَزَلَتْ : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا فَجَلَّلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِكِسَاءٍ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي .

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قِيلَ لَهَا : أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : فَاطِمَةُ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ ، وَمِنَ الرِّجَالِ زَوْجُهَا ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا . وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَابْنَيْهِمَا : أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتُمْ ، سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ . وَقَدْ أَخْبَرَهَا أَبُوهَا أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي مَرَضِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .

وَخَلَّفَتْ مِنَ الْأَوْلَادِ : الْحَسَنَ ، وَالْحُسَيْنَ ، وَزَيْنَبَ ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ . فَأَمَّا زَيْنَبُ فَتَزَوَّجَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ، فَتُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ وَوَلَدَتْ لَهُ عَوْنًا وَعَلِيًّا . وَأَمَّا أُمُّ كُلْثُومٍ فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ عَوْنُ بْنُ جَعْفَرٍ فَمَاتَ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْتَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا أَخُوهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، فَمَاتَتْ عِنْدَهُ .

قَالَهُ الزُّهْرِيُّ . وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ لِأُمِّهِ : اكْفِي فَاطِمَةَ الْخِدْمَةَ خَارِجًا ، وَتَكْفِيكِ الْعَمَلَ فِي الْبَيْتِ وَالْعَجْنَ وَالْخَبْزَ وَالطَّحْنَ . أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ ، عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ فَاطِمَةَ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَقَالَ لَهَا : كَيْفَ تَجِدِينَكِ ؟ قَالَتْ : إِنِّي وَجِعَةٌ ، وَإِنَّهُ لَيَزِيدُنِي أَنِّي مَا لِي طَعَامٌ آكُلُهُ ، قَالَ : يَا بُنْيَّةُ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ .

قَالَتْ : فَأَيْنَ مَرْيَمُ ؟ قَالَ : تِلْكَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا ، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِكِ ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ زَوَّجْتُكِ سَيِّدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَأَيْضًا فَقَدْ سَقَطَ بَيْنَ كَثِيرٍ وَعِمْرَانَ رَجُلٌ . وَقَالَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَمَرْيَمُ ، وَآسِيَةُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، مِثْلَهُ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ : خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ .

وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ : حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ ، فَذَكَرَهُنَّ . وَيُرْوَى نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِ . وَقَالَ مَيْسَرَةُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ كَلَامَا وَحَدِيثًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَةَ ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَرَحَّبَ بِهَا كَمَا كَانَتْ هِيَ تَصْنَعُ بِهِ ، وَقَدْ شَبَّهَتْ عَائِشَةُ مِشْيَتَهَا بِمِشْيَةِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَقَدْ كَانَتْ وَجَدَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ حِينَ طَلَبَتْ سَهْمَهَا مِنْ فَدَكٍ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَمَّا مَرِضَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا فَاطِمَةُ هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكِ ، فَقَالَتْ : أَتُحِبُّ أَنْ آذَنَ لَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَتْ لَهُ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَتَرَضَّاهَا ، وَقَالَ : وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ الدَّارَ وَالْمَالَ وَالْأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ إِلَّا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَرْضَاتِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ، ثُمَّ تَرَّضَاهَا حَتَّى رَضِيَتْ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ فَاطِمَةَ عَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَدُفِنَتْ لَيْلًا .

وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : هَذَا أَثْبُتُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدَنَا . قَالَ : وَصَلَّى عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهَا هُوَ وَعَلِيٌّ ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ : مَاتَتْ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ نَحْوَهَا ، وَدُفِنَتْ لَيْلًا .

وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : مَكَثَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهِيَ تَذُوبُ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ : مَاتَتْ بَعْدَ أَبِيهَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ . وروي عن الزهري أنه توفيت بعده بثلاثة أشهر .

وَرُوِي عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَبِيهَا شَهْرَانِ . وَهَذَا غَرِيبٌ . قُلْتُ : وَالصَّحِيحُ أَنَّ عُمُرَهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً ؛ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهَا .

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِنْتَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، كَانَ مَوْلِدُهَا وَقُرَيْشٌ تَبْنِي الْكَعْبَةَ ، وَغَسَّلَهَا عَلِيٌّ . قَالَ قُتَيْبَةُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عَوْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ جَعْفَرٍ ، وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ أُمِّ جَعْفَرٍ ، أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ : إِنِّي أَسْتَقْبِحُ مَا يُصْنَعُ بِالنِّسَاءِ : يُطْرَحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الثَّوْبُ فَيَصِفُهَا ، فَقَالَتْ : يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلَا أُرِيكِ شَيْئًا رَأَيْتُهُ بِالْحَبَشَةِ ؟ فَدَعَتْ بِجَرَائِدٍ رَطْبَةٍ فَحَنَّتْهَا ، ثُمَّ طَرَحَتْ عَلَيْهَا ثَوْبًا ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ ، إِذَا أَنَا مِتُّ فَغَسِّلِينِي أَنْتِ وَعَلِيٌّ ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ عَلَيَّ . فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ جَاءَتْ عَائِشَةُ تَدْخُلُ ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ : لَا تَدْخُلِي ، فَشَكَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى الْبَابِ فَكَلَّمَ أَسْمَاءَ ، فَقَالَتْ : هِيَ أَمَرَتْنِي : قَالَ : فَاصْنَعِي مَا أَمَرَتْكِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ .

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فَهِيَ أَوَّلُ مَنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ . وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قِيلَ : إِنَّهُ أَسْلَمَ قَدِيمًا ، لَكِنْ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِمَشْهَدٍ ، جُرِحَ يَوْمَ الطَّائِفِ ، رَمَاهُ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمِ أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَأَلَّمُ مِنْهُ ، ثُمَّ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ، ثُمَّ إِنَّهُ انْتُقِضَ عَلَيْهِ ، وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَنَزَلَ فِي حُفْرَتِهِ عُمَرُ ، وَطَلْحَةُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَخُوهُ . ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ .

وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِي بِالطَّعَامِ وَبِأَخْبَارِ قُرَيْشٍ إِلَى الْغَارِ تِلْكَ اللَّيَالِيَ الثَّلَاثِ . سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ . [ وَقْعَةُ الْيَمَامَةِ ] فِي أَوَائِلِهَا عَلَى الْأَشْهَرِ وَقْعَةُ الْيَمَامَةِ ، وَأَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَرَأْسُ الْكُفْرِ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ ، وَاسْتُشْهِدَ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ : أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ ، قِيلَ : اسْمُهُ مِهْشَمٌ .

سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ قَالَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ : مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَفَرَ لِنَفْسِهِ حُفْرَةً ، فَقَامَ فِيهَا وَمَعَهُ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَئِذٍ ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . شُجَاعُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيُّ ، أَبُو وَهْبٍ ، مُهَاجِرِيٌّ بَدْرِيٌّ ، اسْتُشْهِدَ عَنْ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً . زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ أَسُنَّ مِنْ عُمَرَ ، وَأَسْلَمَ قَبْلَهُ .

وَجَاءَ أَنَّ رَايَةَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ كَانَتْ مَعَ زَيْدٍ ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَقَدَّمُ بِهَا فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ . وَكَانَ زَيْدٌ يَقُولُ وَيَصِيحُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ فِرَارِ أَصْحَابِي ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ وَمُحْكَمُ بْنُ الطُّفَيْلِ . حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيُّ ، جَدُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَقِيلَ : يَوْمَ بُزَاخَةَ .

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ ، أَبُو سُهَيْلٍ ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ وَلَهُ ثَمَانٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً . مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو ، حَلِيفُ بَنِي غَنْمٍ ، مُهَاجِرِيٌّ بَدْرِيٌّ ، اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ ؛ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ الْأَزْدِيُّ ، كَانَ يُسَمَّى ذَا الطُّفْيَتَيْنِ .

يَزِيدُ بْنُ رُقَيْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيُّ . شَهِدَ بَدْرًا ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ . وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ : الْحَكَمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ .

وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَهُوَ شَابٌّ أَصَابَهُ سَهْمٌ . وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَخُو زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . وَمَخْرَمَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ .

وَجُبَيْرُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَمَّهُ بُحَيْنَةُ ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ مِنَ الْأَزْدِ ، وَهُمْ حُلَفَاءُ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ . وَالسَّائِبُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ ، أَخُو الزُّبَيْرِ . وَوَهْبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ عَمُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَخُوهُ حَكِيمٌ ، وَأَخُوهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَزْنٍ ، وَأَبُوهُمْ وَقَدْ ذُكِرَ .

وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ ، وَهُوَ أَحَدُ مِنْ شَهِدَ بَدْرًا . وَمَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ . وَأَبُو أُمَيَّةَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَخُوهُ مَالِكٌ الْمُتَقَدِّمُ .

وَيَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ . وَحُيَيُّ وَقِيلَ مُعَلَّى بْنُ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ . وَحَبِيبُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ .

وَالْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ بُجْرَةَ الْعَدَوِيُّ . وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ أَخُوهُ ، وَهُمَا مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ .

وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرٍ الْعَامِرِيُّ ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ ، كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَعَاشَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ . وَعَمْرُو بْنُ أُوَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ ، وَسَلِيطُ بْنُ سَلِيطِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي خَرَشَةَ الْعَامِرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رَحَضَةَ ؛ مِنْ بَنِي عَامِرٍ . وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ ، وَأَمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةُ بِنْتِ ضَعِيفَةَ بِنْتِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، أَصَابَهُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَهْمٌ فَمَاتَ مِنْهُ .

وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْأَنْصَارِ : عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشِ بْنِ زُغْبَةَ بْنِ زَعُورَاءَ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْأَوْسِيُّ الْبَدْرِيُّ ، أَبُو الرَبِيعٍ ، مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ، عَاشَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً . فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ . مَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجِدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ الْأَنْصَارِيُّ ، أَحَدُ حُلَفَاءُ بَنِي مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ .

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْحُبْلى لِعِظَمِ بَطْنِهِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ سَلُولٍ ، وَهِيَ أُمُّ أُبَيِّ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ خُزَاعِيَّةً ، وَأَبُوهُ الْمُنَافِقُ الْمَشْهُورُ ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحُبَابُ ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَبُوهُ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهُ . ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ ، مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا ، وَكَانَ أَمِيرَ الْأَنْصَارِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : قَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ : بِئْسَمَا عَوَّدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، وَزَحَفَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى أَلْجَؤوهُمْ إِلَى الْحَدِيقَةِ وَفِيهَا مُسَيْلِمَةُ عَدُوُّ اللَّهِ ، فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَلْقُونِي عَلَيْهِمْ ، فَاحْتَمَلَ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الْجِدَارِ اقْتَحَمَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى فَتْحَ الْحَدِيقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ . أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ بْنِ لُوذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، وَهُوَ مِمَّنْ شَرَكَ فِي قَتْلِ مُسَيْلِمَةَ ، وَقَالَ ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ أَبَا دُجَانَةَ رَمَى بِنَفْسِهِ إِلَى دَاخِلِ الْحَدِيقَةِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلَهُ ، فَقَاتَلَ وَهُوَ مَكْسُورُ الرِّجْلِ حَتَّى قُتِلَ .

عُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لُوذَانِ ، مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ، وَهُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ . شَهِدَ عُمَارَةُ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَلَمْ يُعْقِبْ . عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ السُّلَمِيُّ ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُوْلَى ، وَيُجْعَلُ فِي السِّتَّةِ النَّفَرِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ أَوَّلُ الْأَنْصَارِ ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ ، وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ .

ثَابِتُ بْنُ هَزَّالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ . شَهِدَ بَدْرًا فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ . أَبُو عُقَيْلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، مِنْ بَنِي جَحْجَبَا ، اسْمُهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ .

شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا ، وَكَانَ مِنْ سَادَةِ الْأَنْصَارِ ، أَصَابَهُ سَهْمٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَنَزَعَهُ ، وَتَحَزَّمَ وَأَخَذَ السَّيْفَ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، فَوُجِدَ بِهِ جِرَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ . وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَنْصَارِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ ، وَرَافِعُ بْنُ سَهْلٍ ، وَحَاجِبُ بْنُ يَزِيدَ الْأَشْهَلِيُّ ، وَسَهْلُ بْنُ عَدِيٍّ ، وَمَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ ، وَعُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ أَخُوهُ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُتْبَةَ مِنْ بَنِي جَحْجَبَا ، وَرَبَاحٌ مَوْلَى الْحَارِثِ ، وَمَعْبَدُ بْنُ عَدِيٍّ الْعَجْلَانِيُّ بِخُلْفٍ ، وَجَرْوُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي جَحْجَبَا وَقِيلَ : جَزْءٌ بِالزَّايِ وَوَدَقَةُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ عَمْرٍو الْخَزْرَجِيُّ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَجَرْوَلُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَعَامِرُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَزْرَجِيُّ ، وَكُلَيْبُ بْنُ تَمِيمٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِتَبَانَ ، وَإِيَاسُ بْنُ وَدِيعَةَ ، وَأُسِيدُ بْنُ يَرْبُوعٍ ، وَسَعْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، وَسَهْلُ بْنُ حَمَّانَ ، وَمَخَاشِنُ مِنْ حِمَيْرَ ، وَسَلَمَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَقِيلَ : مَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ وَضَمْرَةُ بْنُ عِيَاضٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ، وَأَبُو حَبَّةَ بْنُ غَزِيَّةَ الْمَازِنِيُّ ، وَحَبِيبُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مِحْصِنٍ ، وَثَابِتُ بْنُ خَالِدٍ ، وَفَرْوَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَعَائِذُ بْنُ مَاعِصٍ . قَالَ خَلِيفَةُ : فَجَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ثَمَانِيَةُ وَخَمْسُونَ رَجُلًا ، يَعْنِي يَوْمَ الْيَمَامَةِ .

وَقِيلَ : إِنَّ مُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُ اللَّهُ قُتِلَ عَنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ، وَكَانَ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، وَتَسَمَّى بِرَحْمَانَ الْيَمَامَةِ فِيمَا قِيلَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُرْآنُ مُسَيْلِمَةَ ضُحْكَةٌ لِلسَّامِعِينَ . وَقْعَةُ جُوَاثَا بَعَثَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَكَانُوا قَدِ ارْتَدُّوا إِلَّا نَفَرًا ثَبَتُوا مَعَ الْجَارُودِ فَالْتَقَوْا بِجُوَاثَا فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَاصَرَهُمُ الْعَلَاءُ بِجُوَاثَا حَتَّى كَادَ الْمُسْلِمُونَ يَهْلِكُونَ مِنَ الْجَهْدِ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَكِرُوا لَيْلَةً فِي حِصْنِهِ ، فَبَيَّتَهُمُ الْعَلَاءُ ، فَقِيلَ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ جُوَاثَا لَا يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، شَهِدَ بَدْرًا .

وَفِيهَا بَعَثَ الصِّدِّيقُ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ إِلَى عُمَانَ ، وَكَانُوا ارْتَدُّوا ، وَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّ إِلَى أَهْلِ الْنُجَيْرِ ، وَكَانُوا ارْتَدُّوا ، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدِ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْمُرْتَدَّةِ ، فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ زِيَادًا بَيَّتَهُمْ ، فَقَتَلَ مُلُوكًا أَرْبَعَةً : جَمْدًا ، وَمِخْوَصًا ، وَمِشْرَحًا ، وَأَبْضَعَةَ . وَفِيهَا أَقَامَ الْحَجَّ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ . وَفِيهَا بَعْدَ فَرَاغِ قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِ الْبَصْرَةِ ، وَكَانَتْ تُسَمَّى أَرْضُ الْهِنْدِ ، فَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى أَرْضِ الْبَصْرَةِ ، فَغَزَا الْأُبُلَّةَ فَافْتَتَحَهَا ، وَدَخَلَ مَيْسَانَ فَغَنِمَ وَسَبَى مِنَ الْقُرَى ، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ السَّوَادِ ، فَأَخَذَ عَلَى أَرْضِ كَسْكَرَ وَزَنْدَوَرْدَ بَعْدَ أَنِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ قُطْبَةَ بْنَ قَتَادَةَ السَّدُوسِيَّ ، وَصَالَحَ خَالِدٌ أَهْلَ أُللَّيْسَ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ ، ثُمَّ افْتَتَحَ نَهَرَ الْمَلِكِ ، وَصَالَحَهُ ابْنُ بُقَيْلَةَ صَاحِبُ الْحِيرَةِ عَلَى تِسْعِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ سَارَ نَحْوَ أَهْلِ الْأَنْبَارِ فَصَالَحُوهُ .

ثُمَّ حَاصَرَ عَيْنَ التَّمْرِ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ ، فَقَتَلَ وَسَبَى . وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِعَيْنِ التَّمْرِ : بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَبُو النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْأَنْصَارِ ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْعَقَبَةَ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَفِيهَا لَمَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ بِكِتَابَةِ الْقُرْآنِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَأَخَذَ يَتَتَبَّعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللَّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ ، حَتَّى جَمَعَهُ زَيْدٌ فِي صُحُفٍ .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : وَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ فُتُوحِ مَدَائِنِ كِسْرَى الَّتِي بِالْعِرَاقِ صُلْحًا وَحَرْبًا خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مُكْتَتِمًا بِحِجَّتِهِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ يَعْتَسِفُ الْبِلَادَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ ، فَتَأَتَّى لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَأَتَّ لِدَلِيلٍ ، فَسَارَ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْحِيرَةِ لَمْ يُرَ قَطُّ أَعْجَبُ مِنْهُ وَلَا أَصْعَبُ ، فَكَانَتْ غَيْبَتُهُ عَنِ الْجُنْدِ يَسِيرَةٌ ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِحَجِّهِ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ أَفْضَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو بَكْرٍ بِحَجِّهِ عَتَبَهُ وَعَنَّفَهُ وَعَاقَبَهُ بِأَنْ صَرْفَهُ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا وَافَاهُ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجِّهِ بِالْحِيرَةِ يَأْمُرُهُ بِانْصِرَافِهِ إِلَى الشَّامِ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ بِهَا مِنْ جُمُوعِ الْمُسْلِمِينَ بِالْيَرْمُوكِ ، وَيَقُولُ لَهُ : إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمَثَلِهَا . قُلْتُ : وَإِنَّمَا جَاءَ الْكِتَابُ بِأَنْ يَسِيرَ إِلَى الشَّامِ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ . قُلْتُ : سَارَ خَالِدٌ بِجَيْشِهِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ فِي الْبَرِيَّةِ ، وَكَادُوا يَهْلِكُونَ عَطَشًا .

قَالَ الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنِ اكْتُبْ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَسِيرُ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَدَدًا لَهُ ، فَلَمَّا أَتَى كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ خَالِدًا ، قَالَ : هَذَا عَمَلُ عُمَرُ حَسَدَنِي عَلَى فَتْحِ الْعِرَاقِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى يَدَيْ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَنِي مَدَدًا لِعَمْرٍو ، فَإِنْ كَانَ فَتْحٌ كَانَ ذِكْرُهُ لَهُ دُونِي . سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : لَمَّا قَفَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْحَجِّ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قِبَلَ فِلَسْطِينَ ، وَيَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْلُكُوا عَلَى الْبَلْقَاءِ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : قَالُوا : لَمَّا وَجَّهَ أَبُو بَكْرٍ الْجُنُودَ إِلَى الشَّامِ أَوَّلَ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، فَأَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ لِوَاءُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، ثُمَّ عَزَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ خَالِدٌ ، وَقِيلَ : بَلْ عَزَلَهُ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ مَسِيرِهِ ، وَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ فَسَارَ إِلَى الشَّامِ ، فَأَغَارَ عَلَى غَسَّانَ بِمَرَجِ رَاهِطٍ ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ عَلَى قَنَاةِ بُصْرَى ، وَقِدَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَصَاحِبَاهُ فَصَالَحُوا أَهْلَ بُصْرَى ، فَكَانَتْ أَوَّلُ مَا فُتِحَ مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ ، وَصَالَحَ خَالِدٌ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ أَهْلَ تَدْمُرَ .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ سَارُوا جَمِيعًا قِبَلَ فِلَسْطِينَ ، فَالْتَقَوْا بِأَجْنَادَيْنَ بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ جِبْرِينَ ، وَالْأُمَرَاءُ كُلٌّ عَلَى جُنْدِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّ عَمْرًا كَانَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، وَعَلَى الرُّومِ الْقُيْقُلَانُ ، فَقُتِلَ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، فَاسْتُشْهِدَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّحَّامِ ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : الثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ أَجْنَادَيْنَ كَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى ، وَبُشِّرَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أَجْنَادَيْنَ عَمْرٌو ، وَأَبَانُ ، وَخَالِدٌ : بَنُو سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَالطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّانِ ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَمُّ عِكْرِمَةَ ، وَهَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ الْمَخْزُومِيُّ ، وَنُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ ، وَصَخْرُ بْنُ نَصْرٍ الْعَدَوَيَّانِ ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ السَّهْمِيُّ ، وَتَمِيمٌ وَسَعِيدُ ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : قُتِلَ يَوْمَئِذٍ طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَأُمُّهُ أَرَوَى هِيَ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ ، قَالَ : بَرَزَ يَوْمَ أَجْنَادَيْنَ بِطْرِيقٌ ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ ، ثُمَّ بَرَزَ بَطْرِيقٌ آخَرَ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ مُحَارَبَةٍ طَوِيلَةٍ ، فَعَزَمَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنْ لَا يُبَارِزَ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي أَصْبِرُ ، فَلَمَّا اخْتَلَطَتِ السُّيُوفُ وُجِدَ مَقْتُولًا . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : عَاشَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَلَا نَعْلَمُهُ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : قُتِلَ يَوْمَ أَجْنَادَيْنَ : الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ . كَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ . وَقْعَةُ مَرْجُ الصُّفَّرِ قَالَ خَلِيفَةُ : كَانَتْ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى ، وَالْأَمِيرُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ قُلْقُطُ ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَانْهَزَمُوا . وَرَوَى خَلِيفَةُ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : اسْتُشْهِدَ يَوْمَ مَرْجِ الصُّفَّرِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، وَيُقَالُ : أَخُوهُ عَمْرٌو قُتِلَ أَيْضًا ، وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ يَوْمَئِذٍ بِخُلْفٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قُتِلَ يَوْمَئِذٍ نُمَيْلَةُ بْنُ عُثْمَانَ اللَّيْثِيُّ ، وَسَعْدُ بْنُ سَلَامَةَ الْأَشْهَلِيُّ ، وَسَلْمُ بْنُ أَسْلَمَ الْأَشْهَلِيُّ .

وَقِيلَ : إِنَّ وَقْعَةَ مَرْجِ الصُّفَّرِ كَانَتْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الْتَقَوْا عَلَى النَّهَرِ عِنْدَ الطَّاحُونَةِ ، فَقُتِلَتِ الرُّومُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَرَى النَّهَرُ وَطَحَنَتْ طَاحُونَتُهَا بِدِمَائِهِمْ فَأُنْزِلَ النَّصْرُ ، وَقَتَلَتْ يَوْمَئِذٍ أُمُّ حَكِيمٍ سَبْعَةً مِنَ الرُّومِ بِعَمُودِ فُسْطَاطِهَا ، وَكَانَتْ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ : فَلَمْ يُقِمْ مَعَهَا إِلَّا سَبْعَةَ أَيَّامٍ عِنْدَ قَنْطَرَةِ أُمِّ حَكِيمٍ بِالصُّفَّرِ ، وَهِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِيمَا قِيلَ عُمَرُ .

وَقْعَةُ فِحْلَ قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : كَانَتْ وَقْعَةُ فِحْلَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : شَهِدْنَا أَجْنَادَيْنَ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ أَلْفًا ، وَعَلَيْنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ، فَفَاءَتْ فِئَةٌ إِلَى فِحْلَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَمْرٌو فِي الْجَيْشِ فَنَفَاهُمْ عَنْ فِحْلَ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ، وَعَهِدَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ إِلَى عُمَرَ ، وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا .

فَأَوَّلُ مَا فَعَلَ عُمَرُ عَزَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَنْ إِمْرَةِ أُمَرَاءِ الشَّامِ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِعَهْدِهِ ، ثُمَّ بَعَثَ جَيْشًا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْعِرَاقِ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ ، وَالِدُ الْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ، فَالْتَقَى مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَمَا سَيَأْتِي .

موقع حَـدِيث