حكم القهقهة في الصلاة والأحاديث في ذلك
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ جَمِيعًا قُلْتُ : فِيهِ أَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ ، وَأَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ . أَمَّا الْمُسْنَدَةُ فَرُوِيَتْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَأَبِي الْمَلِيحِ .
أَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ، فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ التُّسْتَرِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ الْوَاسِطِيُّ ، ثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ - وَكَانَ فِي بَصَرِهِ ضَرَرٌ - فَضَحِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْقَوْمِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْن أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا قَهْقَهَ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ انْتَهَى .
قَالَ : وَعَبْدُ الْعَزِيزِ ضَعِيفٌ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ مَتْرُوكٌ مَعَ مَا يُقَالُ فِيهِ مِنْ الِانْقِطَاعِ بَيْنَ الْحَسَنِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَالْبَلَاءُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ ، انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ ، ثَنَا أَبِي ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْسكُونيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْعِلَل الْمُتَنَاهِيَةِ " هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ بَقِيَّةَ مِنْ عَادَتِهِ التَّدْلِيسُ ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ الضُّعَفَاءِ فَحَذَفَ اسْمَهُ ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ بَقِيَّةَ صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ ، وَالْمُدَلِّسُ إذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ - وَكَانَ صَدُوقًا - زَالَتْ تُهْمَةُ التَّدْلِيسِ ، وَبَقِيَّةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهِ : عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو ، انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عن دَاوُد بْنِ الْمُحَبَّرِ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خُوطٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا ، فَجَاءَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ بمَثِّلُ الْأَوَّلَ ، ثُمَّ قَالَ : دَاوُد بْنُ الْمُحَبَّرِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَأَيُّوبُ ضَعِيفٌ ، وَالصَّوَابُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ ، ثَنَا سَلَّامٍ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ أَعْمَى تَرَدَّى فَذَكَرَه ، وَقَالَ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ سَلَّامٍ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ يَضَعُ الْأَحَادِيثَ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ ، وَقَالَ : وَسُفْيَانُ هَذَا سَيِّئُ الْحَالِ .
وَأَحْسَنُ حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ وَهِمَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَمَّدَهُ " أَعْنِي قَوْلَهُ فِيهِ : عَنْ أَنَسٍ " فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ : مِنْهُمْ خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ ، وَمُوهِبُ بْنُ يَزِيدَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، بَلْ أَرْسَلُوهُ عَنْ الْحَسَنِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ أَحَادِيثَهُمْ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا وُضُوءَ فِي الْقَهْقَهَةِ . قَالَ : فَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا عِنْد الزُّهْرِيِّ لَمَا أَفْتَى بِخِلَافِهِ انْتَهَى .
وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ فِي " تَارِيخِ جُرْجَانَ " فَقَالَ : حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ شِهَابِ بْنِ طَارِقٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، ثَنَا
أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ فُورَكٍ ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْأَشْعَرِيُّ ، ثَنَا عَمَّارُ بْنُ يَزِيدَ الْبَصْرِيُّ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ هِلَالٍ ، ثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَهْقَهَ فِي الصَّلَاةِ قَهْقَهَةً شَدِيدَةً فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْن سِنَانٍ ، ثَنَا أَبِي ، ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ انْتَهَى ، ثُمَّ قَالَ : يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ضَعِيفٌ ، وَيُكَنَّى بِأَبِي فَرْوَةَ الرَّهَاوِيِّ ، وَابْنُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، وَقَدْ وَهِمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : فِي رَفْعِهِ إيَّاهُ ، وَالْآخَرُ : فِي لَفْظِهِ ، وَالصَّحِيحُ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ كَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْ الْأَعْمَشِ جَمَاعَةٌ مِنْ الرِّفْعَةِ الثِّقَاتِ : مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ، وَوَكِيعٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد الْخُرَيْبِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ . ثُمَّ أَخْرَجَ أَحَادِيثَهُمْ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ وَزَادَ فِي لَفْظِ : إنَّمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ حِينَ ضَحِكُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ قَرْقَرَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ قَالَ : وَعُمَرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَكِّيُّ الْمَعْرُوفُ " بِسَنْدَلٍ " ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ، قِيلَ فِيهِ : إنَّهُ كَذَّابٌ .
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ بِهِ ، وَلِابْنِ عَدِيٍّ فِيهِ طَرِيقٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ بَقِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِرَجُلٍ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ : أَعِدْ وُضُوءَك انْتَهَى .
قَالَ : وَمُحَمَّدٌ الْخُزَاعِيُّ مِنْ مَجْهُولِي مَشَايِخِ بَقِيَّةَ . قَالَ : وَيُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنُ رَاشِدِ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ - بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ - قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ ، مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ . وَابْنُ عُمَارَةَ
ضَعِيفَانِ وَكِلَاهُمَا أَخْطَأَ فِي الْإِسْنَادِ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُنْقِرِيُّ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا ، وَكَانَ الْحَسَنُ كَثِيرًا مَا يَرْوِيهِ مُرْسَلًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ فَوَهْمٌ قَبِيحٌ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ النَّبِيِّ مُرْسَلًا ، رَوَاهُ عَنْهُ كَذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَهُشَيْمٌ ، وَوَهْبٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَدْ اضْطَرَبَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ " عَنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ " هَذَا الْحَدِيثَ فَمَرَّةٌ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَمَرَّةٌ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقَتَادَةُ إنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا كَذَلِكَ ، رَوَاهُ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَمُسْلِمُ بْنُ أَبِي الذيَالِ ، وَمَعْمَرٌ ، وَأَبُو عَوَانَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، ثُمَّ ذَكَر أَحَادِيثَهُمْ الْخَمْسَةَ ، ثُمَّ قَالَ : فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ ثِقَاتٌ رَوَوْهُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا ، وَأَيُّوبُ بْنُ خُوطٍ ، وَدَاوُد بْنُ الْمُحَبَّرِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ ، كُلُّهُمْ مَتْرُوكُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُخَالِفٌ ، فَكَيْف ! وَقَدْ خَالَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ ثِقَاتُ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ابْن إِسْحَاقَ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَهُ ، وَفِيهِ : فَضَحِكَ نَاسٌ مِنْ خَلْفِهِ وَقَالَ : الْحَسَنُ بْنُ دِينَارٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ الصَّوَابِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ ، انْتَهَى .
وَأَمَّا الْمَرَاسِيلُ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ : أَشْهُرُهَا مُرْسَلُ أَبِي الْعَالِيَةِ .
وَالثَّانِي : مُرْسَلُ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ .
وَالثَّالِثُ : مُرْسَلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ .
وَالرَّابِعُ : مُرْسَلُ الْحَسَنِ .
أَمَّا مُرْسَلُ أَبِي الْعَالِيَةِ ، فَلَهُ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : رِوَايَتُهُ عَنْ نَفْسِهِ مُرْسَلًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَاءَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ قَتَادَةَ ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، وَأَبِي هَاشِمٍ الزِّمَّانِيِّ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَمِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، وَأَبِي عَوَانَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ ، فَحَدِيثُ مَعْمَرٍ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي " مُصَنَّفِهِ " عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ أَنَّ أَعْمَى تَرَدَّى فِي بِئْرٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ ، فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِسَنَدِهِ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، فَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَبَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَنْ قَتَادَةَ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا .
وَأَمَّا حَدِيثُ حَفْصَةَ ، فَمِنْ جِهَةِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَمَطَرٍ الْوَرَّاقِ ، وَحَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، أَخْرَجَهَا كُلَّهَا الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هَاشِمٍ الزِّمَّانِيِّ ، فَمِنْ جِهَةِ شَرِيكٍ ، وَمَنْصُورٍ أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ
جِهَةِ شَرِيكٍ فقط ، وَأَبُو دَاوُد رَوَاهُ فِي مَرَاسِيلِهِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : رِوَايَتُهُ مُرْسَلًا عَنْ غَيْرِهِ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ جِهَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي ، فَمَرَّ رَجُلٌ فِي بَصَرِهِ سُوءٌ ، فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ ، فَضَحِكَ طَوَائِفُ مِنْ الْقَوْمِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَكَذَا رَوَاهُ خَالِدٌ ، وَلَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ ، وَلَا ذَكَرَ أَلَهُ صُحْبَةٌ أَمْ لَا ؟ وَلَمْ يَصْنَعْ خَالِدٌ شَيْئًا ، وَقَدْ خَالَفَهُ خَمْسَةٌ أثبات ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ ، وَقَوْلُهُمْ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، انْتَهَى .
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : زِيَادَةُ خَالِدٍ - هَذَا الرَّجُلَ الْأَنْصَارِيَّ - زِيَادَةُ عَدْلٍ لَا يُعَارِضُهَا نَقْضُ مَنْ نَقَضَهَا ، ثُمَّ أَسْنَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا تَأْخُذُوا بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ ، وَلَا أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمَا حَدَّثْتُمُونِي فَلَا تُحَدِّثُونِي عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالْحَسَنِ ، فَإِنَّهُمَا كَانَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا حَدِيثَهُمَا . وَأَسْنَدَ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : أَرْبَعَةٌ يُصَدِّقُونَ مَنْ حَدَّثَهُمْ ، فَلَا يُبَالُونَ مِمَّنْ يَسْمَعُونَ : الْحَسَنُ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَحُمَيْدَ بْنُ هِلَالٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّابِعَ .
وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ فَسَمَّاهُ " أَنَسَ بْنَ سِيرِينَ " .
وَأَمَّا مُرْسَلُ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ الْوَاسِطِيِّ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ إذْ أَقْبَلَ أَعْمَى يُرِيدُ الصَّلَاةَ ، فَوَقَعَ فِي زُبْيَةٍ ، فَاسْتَضْحَكَ الْقَوْمُ حَتَّى قَهْقَهُوا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَهْقَهَ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهِمَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ عَلَى مَنْصُورٍ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ مَعْبَدٍ ، وَمَعْبَدٌ هَذَا لَا صُحْبَةَ لَهُ . وَيُقَالُ : إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ مِنْ التَّابِعِينَ ، حَدَّثَ بِهِ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، غَيْلَانُ بْنُ جَامِعٍ ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَهُمَا أَحْفَظُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْإِسْنَادِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَمْ يَقُلْ فِي إسْنَادِهِ : عَنْ مَعْبَدٍ إلَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَخْطَأَ فِيهِ ، قَالَ لَنَا ابْنُ حَمَّادٍ : " وَكَانَ يَمِيلُ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ " هُوَ مَعْبَدُ بْنُ هَوْذةَ ، قَالَ : وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ ; لِأَنَّ مَعْبَدَ بْنَ هَوْذةَ أَنْصَارِيٌّ ، وَهَذَا جُهَنِيٌّ ، انْتَهَى .
وَأَمَّا مُرْسَلُ النَّخَعِيّ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ،
قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ إبْرَاهِيمُ مُرْسَلًا ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي شَرِيكٌ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ قَالَ : أَنَا حَدَّثْتُ بِهِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قَالَ : فَرَجَعَ حَدِيثُ إبْرَاهِيمَ هَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ إلَى أَبِي الْعَالِيَةِ ; لِأَنَّ أَبَا هَاشِمٍ ذَكَرَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْهُ ، انْتَهَى .
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " بِحُرُوفِهِ ، وَأَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : مَرَاسِيلُ إبْرَاهِيمَ صَحِيحَةٌ إلَّا حَدِيثَ : تَاجِرِ الْبَحْرَيْنِ ، وَحَدِيثَ الْقَهْقَهَةِ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : أَمَّا حَدِيثُ الْقَهْقَهَةِ فَقَدْ عُرِفَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ تَاجِرِ الْبَحْرَيْنِ ، فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " مُصَنَّفِهِ " وَكِيعٌ ، ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ أَخْتَلِفُ إلَى الْبَحْرَيْنِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ " يَعْنِي الْقَصْرَ " انْتَهَى .
وَأَمَّا مُرْسَلُ الْحَسَنِ ، فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، فَذَكَرَهُ ، وَعِلَتُهُ رِوَايَةُ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ " أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ " يَعْنِي يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ " ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى تَوَسُّطِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ بَيْنَ ابْنِ شِهَابٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مَتْرُوكٌ تَعَلَّلَ ، انْتَهَى .
وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي " كِتَابِ الْآثَارِ " أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ، ثَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ ، عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، فَذَكَرَهُ . وَأَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، قَالَ : قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ " وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ " : إنَّهُ كُلَّهُ يَدُورُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ ، فَقُلْتُ لَهُ : إنَّ الْحَسَنَ يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ حفص بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : أَنَا حَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قُلْتُ لَهُ : فَقَدْ رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، قَالَ : أَنَا حَدَّثْتُ بِهِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قُلْتُ لَهُ : فَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : قَرَأْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي " كِتَابِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ " عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ أَوْ الْحَسَنِ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَمَا اسْتَجَازَ الْقَوْلَ بِخِلَافِهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ وُضُوءًا .
وَعَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَغَيْرِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ
قَالَ : مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ تُعَادُ الصَّلَاةُ وَلَا يُعَادُ الْوُضُوءُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَسَانِيدَ مَوْصُولَةٍ ، إلَّا أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَحَادِيثُهَا فِي " الْخِلَافِيَّاتِ " انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ ، وَالزُّهْرِيُّ مُرْسَلًا ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا ، وَمَدَارُ الْكُلِّ يَرْجِعُ إلَى أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالْحَدِيثُ لَهُ ، وَبِهِ يُعْرَفُ ، وَمِنْ أَجَلِهِ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ ، وَلَكِنْ سَائِرُ أَحَادِيثِهِ مُسْتَقِيمَةٌ صَالِحَةٌ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي " كِتَابِ مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ " : قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْبَارُ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ رِيَاحٌ ، قَالَ : وَهُوَ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ حَدِيثَ الْقَهْقَهَةِ فَقَطْ ، فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ مَرَّةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَمَرَّةً عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ . وَمَرَّةً يُرْسِلُهُ ، فَيَقُولُ : عَنْ رَجُلٍ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَاسْمُهُ " رُفَيْعٌ " مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ الْمُجْمَعِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ " : وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : أَخْبَارُ الرِّيَاحِيِّ رِيَاحٌ ، يُرِيدُ بِهِ مَا يُرْسِلُهُ ، فَأَمَّا مَا يُوَصِّلُهُ فَهُوَ فِيهِ حُجَّةٌ ، انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " فِي تَرْجَمَةِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ : بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : كَذُوبٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَنَقَلَ عَنْ آخَرِينَ أَنَّهُمْ رَمَوْهُ بِحُبِّ الشَّبَابِ ، وَلَهُ حِكَايَاتٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ نَاظَرَ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَذَفَ مُحْصَنًا فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ، قَالَ : فَوُضُوؤهُ ؟ قَالَ : وُضُوؤهُ عَلَى حَالِهِ ، قَالَ : فَلَوْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَوُضُوءهُ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فَيَكُونُ الضَّحِكُ فِي الصَّلَاةِ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ قَذْفِ الْمُحْصَنِ ، فَأَفْحَمَهُ ، انْتَهَى .
وَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْقَهْقَهَةِ مِنْ الْخَصَائِصِ ، بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ وُضُوءٌ ، إنَّمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ حِينَ ضَحِكُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى . وَهَذَا لَا يَصِحُّ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : الْمُسَيِّبُ لَيْسَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ : تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْفَلَّاسُ .
وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الضَّحِكُ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ انْتَهَى .
وَأَبُو شَيْبَةَ اسْمُهُ " إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ " ، قَالَ أَحْمَدُ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَيَزِيدُ أَيْضًا قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ : لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إذَا انْفَرَدَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رَوَى هَذَا أَبُو شَيْبَةَ ، فَرَفَعَهُ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَالصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ ، انْتَهَى .
وَمَعَ ضَعْفِ هَذَا الْإِسْنَادِ اضْطَرَبَ فِي مَتْنِهِ ، فَرُوِيَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ " الْكَلَامُ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا .
وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ به عَلَى أَنَّ التَّبَسُّمَ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلصَّلَاةِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ " وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ " وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ الْوَازِعِ بْنِ نَافِعٍ الْعُقَيْلِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا جَابِرٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ الْعَصْرَ ، فَتَبَسَّمَ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَبَسَّمْتَ وَأَنْتَ تُصَلِّي ؟ فَقَالَ : إنَّهُ مَرَّ مِيكَائِيلُ وَعَلَى جَنَاحِهِ غُبَارٌ فَضَحِكَ إلَيَّ فَتَبَسَّمْتُ إلَيْهِ وَهُوَ رَاجِعٌ مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ انْتَهَى .
وَسَكَتَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ ، وَالْوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَوَجَدْتُهُ فِي " مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ " جَبْرَئِيلَ عِوَضَ مِيكَائِيلَ . وَالسُّهَيْلِيُّ فِي " الرَّوْضِ الْأُنُفِ " ذَكَرَهُ مِنْ جِهَةِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَبَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهُ مِيكَائِيلُ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " كِتَاب الضُّعَفَاءِ " وَأَعَلَّهُ بِالْوَازِعِ ، وَقَالَ : إنَّهُ كَثِيرُ الْوَهْمِ ، فَيَبْطُلُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ " عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدِ ، ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَشَرُ ، وَلَكِنْ يَقْطَعُهَا الْقَهْقَهَةُ انْتَهَى .
وَقَالَ : لَمْ يَرْفَعْهُ عَنْ سُفْيَانَ إلَّا ثَابِتٌ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهِ مَوْقُوفًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " الْكَامِلِ " وَلَفْظُهُ : وَلَكِنْ يَقْطَعُهَا الْقَرْقَرَةُ . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا أَعْلَمُهُ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، فَشُبِّهَ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " كِتَابِ الضُّعَفَاءِ " مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا إذَا ضَحِكَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ ، وَإِذَا تَبَسَّمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى .