أَحَادِيثُ الحنفية في عدم النقض بالمس
أَحَادِيثُ أَصْحَابِنَا وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ النَّقْضِ : حَدِيثُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَهُوَ أَمْثَلُهَا ، وَلَهُ أَرْبَعُ طُرُقٍ :
أَحَدُهَا : عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : هَلْ هُوَ إلَّا
بَضْعَةٌ مِنْك انتهى .
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَيْءٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَأَيُّوبُ ، وَمُحَمَّدٌ تَكَلَّمَ فِيهِمَا بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو أَصَحُّ وَأَحْسَنُ ، انْتَهَى .
الطَّرِيقُ الثَّانِي : أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ بِهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ : ضَعِيفٌ . قَالَ الْفَلَّاسُ : مَتْرُوكٌ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ .
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ : عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعِجْلِيّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ بِهِ . وَهِيَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ : ضَعَّفَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْعِجْلِيُّ : ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ .
الطَّرِيقُ الرَّابِعُ : عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَاميِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَهِيَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَأَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ ، وَبِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ : رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي " شَرْحِ الْآثَارِ " ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ مُسْتَقِيمُ الْإِسْنَادِ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ فِي إسْنَادِهِ وَلَا مَتْنِهِ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ ، انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " : وَهَذَا حَدِيثٌ أَوْهَمَ عَالَمًا مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ بُسْرَةَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، فَإِنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ قُدُومُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْهِجْرَةِ حَيْثُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَبْنُونَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : بَنَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ يَقُولُ : قَدِّمُوا الْيَمَامِيَّ مِنْ الطِّينِ فَإِنَّهُ مِنْ أَحْسَنِكُمْ لَهُ مَسَّا انْتَهَى .
قَالَ : وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ إيجَابَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، ثُمَّ سَاقَهُ كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ : وَأَبُو هُرَيْرَةَ إسْلَامُهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، فَكَانَ خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ خَبَرِ طَلْقٍ لِسَبْعِ سِنِينَ ، وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْنَا وَفْدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سِتَّةَ نَفَرٍ : خَمْسَةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَرَجُلًا مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَايَعْنَاهُ ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيْعَةً لَنَا ، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهَذَا الْمَاءِ ، فَإِذَا قَدِمْتُمْ بَلَدَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ ، ثُمَّ انْضَحُوا مَكَانَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ ، وَاِتَّخِذُوا مَكَانَهَا مَسْجِدًا ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْبَلَدُ بَعِيدٌ ، وَالْمَاءُ يَنْشُفُ ، قَالَ : فَأَمِدُّوهُ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا طِيبًا ، فَخَرَجْنَا ، فَتَشَاحَحنا عَلَى حَمْلِ
الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا ، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا ، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا ، فَعَمِلْنَا الَّذِي أَمَرَنَا ، وَرَاهِبُ أُولَئِكَ الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ طيئ ، فَنَادَيْنَا بِالصَّلَاةِ ، فَقَالَ الرَّاهِبُ : دَعْوَةُ حَقٍّ ، ثُمَّ هَرَبَ فَلَمْ يُرَ بَعْدُ انْتَهَى .
قَالَ : فَهَذَا بَيَانٌ وَاضِحٌ : أَنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ قَدْمَتِهِ تِلْكَ ، ثُمَّ لَا يُعْلَمُ لَهُ رُجُوعٌ إلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَلْيُثْبِتْهُ بِسُنَّةٍ مُصَرِّحَةٍ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ ، انْتَهَى .
وَذَكَرِ عَبْدُ الْحَقِّ فِي " أَحْكَامِهِ " حَدِيثَ طَلْقٍ هَذَا ، وَسَكَتَ عَنْهُ ، فَهُوَ صَحِيحٌ عِنْدَهُ عَلَى عَادَتِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " كِتَابِهِ " فَقَالَ : إنَّمَا يَرْوِيهِ قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَاهُ وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَا : قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ لَيْسَ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ . وَوَهَّنَاهُ وَلَمْ يُثْبِتَاهُ . قَالَ : وَالْحَدِيثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ : حَسَنٌ ، وَلَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " حَدِيثَ طَلْقٍ مِنْ رِوَايَةِ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو ، ثُمَّ قَالَ : وَمُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو فِيهِ نَظَرٌ ، قال : وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ الْيَمَاميُّ ، وَأَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، قَالَ : وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ .
قَالَ : وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ قَيْسٍ أَنَّ طَلْقًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَهُ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ أَمْثَلُ مَنْ رَوَاهُ ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي تَعْدِيلِهِ ، فَغَمَزَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ جِدًّا ، وَقَيْسٌ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : سَأَلْنَا عَنْهُ فَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ بِمَا يَكُونُ لَنَا قَبُولُ خَبَرِهِ ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَنْ عَرَفْنَا ثِقَتَهُ وَثَبْتَهُ فِي الْحَدِيثِ . ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَأَبِي حَاتِمٍ ، وَأَبِي زُرْعَةَ قَالُوا : لَا نَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَإِنْ صَحَّ ، فَنَقُولُ : إنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْهِجْرَةِ ، وَسَمَاعُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ طَلْقًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْنِي مَسْجِدَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ لِي : اخْلِطْ الطِّينَ ، فَإِنَّك أَعْلَمُ بِخَلْطِهِ ، فَسَأَلْتُهُ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلُ يَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ مَسَّ ذَكَرَهُ ؟ فَقَالَ : إنَّمَا هُوَ مِنْك انْتَهَى .
قَالَ : وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مَسَّهُ بِظَهْرِ كَفِّهِ ، ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى طَلْقٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي إذْ ذَهَبْتُ أَحُكُّ فَخْذِي ، فَأَصَابَتْ يَدِي ذَكَرِي ، فَسَأَلْتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : إنَّمَا هُوَ مِنْك .
قَالَ : وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ مَنْ يَحُكُّ فَخْذَهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ بِظُهْرِ كَفِّهِ ، انْتَهَى .