أَحَادِيثُ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهِمَا فِي الطَّهَارَتَيْنِ
الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ قُلْتُ : رَوَاهُ مُسْلِمٌ ،
وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ انْتَهَى .
وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي قِصَّةٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إلَى قُبَاءَ ، حَتَّى إذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ فَصَرَخَ بِهِ ، فَخَرَجَ يَجُرُّ إزَارَهُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ ، فَقَالَ عِتْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنْ امْرَأَتِهِ ، وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ انْتَهَى .
وَهَذَا السِّيَاقُ يَدْفَعُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ إنَّمَا كَانَ فِي الِاحْتِلَامِ ، رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ فِي " كِتَابِهِ " فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٌ ، نا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ ، انْتَهَى .
وَأَسْنَدَ عَنْ وَكِيعٍ ، قَالَ : لَمْ نَجِد هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا عِنْدَ شَرِيكٍ ، وَاسْمُ أَبِي الْجَحَّافِ " دَاوُد بْنُ أَبِي عَوْفٍ " قَالَ الثَّوْرِيُّ : كَانَ مُرْجِئًا ، انْتَهَى .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ " ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْجَحَّافِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ فِي الِاحْتِلَامِ انْتَهَى .
الْكَلَامُ عَلَى نَسْخِ هَذَا الْحَدِيثِ : اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ ; لِأَنَّ مَفْهُومَهُ عَدَمُ الْغُسْلِ مِنْ الْإِكْسَالِ ، بَلْ وَرَدَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " صَرِيحًا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، أَمَّا حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوبَ عَنْهُ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، ثُمَّ يَكْسُلُ ، فَقَالَ : يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي . انْتَهَى .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ذَكْوَانَ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ ، فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً ، فَقَالَ : لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : إذَا عُجِّلْتَ أَوْ أقُحِطَتْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْكَ ، وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ انْتَهَى .
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَلِلنَّاسِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَسْخِهَا طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : بِالْأَحَادِيثِ .
وَالثَّانِي : رُجُوعُ مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمِ الْأَوَّلَ .
أَمَّا الْأَحَادِيثُ : فَمِنْهَا مَا ذُكِرَ فِيهَا النَّسْخُ ، وَمِنْهَا مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا . فَاَلَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا النَّسْخُ ، بَلْ فِيهَا الْغُسْلُ فَقَطْ ، حَدِيثَانِ :
أَحَدُهُمَا : مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْآخِرُ : مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى ،
فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا جَلَسَ الرَّجُلُ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ . زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ : وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ - قَبْلَ ذِكْرِهِ - حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، انْتَهَى .
وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْهُ ، قَالَ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ : لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا مِنْ الدَّفْق ، أَوْ مِنْ الْمَاءِ ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : بَلْ إذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : أَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ ، فَقُمْتُ وَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَأُذِنَ لِي ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا أُمَّاهُ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَأَنِّي أَسْتَحْيِيكِ ، فَقَالَتْ : لَا تَسْتَحِ أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْك ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ ، قُلْتُ : فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ؟ قَالَتْ : عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ انْتَهَى .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي صُرِّحَ فِيهَا بِالنَّسْخِ ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ :
أَحَدُهَا : مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : إنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا ، انْتَهَى .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " الْإِمَامِ " ، وَأُعِلَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا بَيْنَ الزُّهْرِيِّ ، وَسَهْلٍ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ ، قَالَ : قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ : فَلَمْ يَذْكُرْ الْإِخْبَارَ ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَرْضَى : أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ سَهْلٍ ، وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ ، فَقَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَسْمَعْهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ سَهْلٍ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ سَهْلٍ ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَبَا حَازِمِ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ ; لِأَنَّ مُبَشِّرَ بْنَ إسْمَاعِيلَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ الشَّيْخُ : قُلْتُ : قَدْ رَوَاهُ
بِهَذَا السَّنَدِ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْجَمَّالِ ، عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَلَفْظُهُ : عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يُفْتُونَ : " أَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ " كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ ، انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ، وَقَالَ قَبْلَ إخْرَاجِهِ : وَقَدْ رَوَيْنَاهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ صَحِيحٍ مَوْصُولٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ . ثُمَّ ذَكَرَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ أَحَادِيثَ : الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ فَقَالَ : كُلُّهَا مَنْسُوخَةٌ بِحَدِيثٍ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ الشَّيْخُ : وَقَدْ وَقَعَ لِي رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ مِنْ جِهَةِ أَبِي مُوسَى عَنْهُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَفِيهَا قَالَ : أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، فَعَلَيْك بِالْبَحْثِ عَنْهَا ، فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عِمْرَانَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : سَأَلْت عُرْوَةَ فِي الَّذِي يُجَامِعُ وَلَا يُنْزِلُ ، قَالَ : عَلَى النَّاسِ أَنْ يَأْخُذُوا بِالْآخِرِ ، فَالْآخِرُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَغْتَسِلُ ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَهُ الْحَازِمِيُّ فِي " كِتَابِهِ " مِنْ جِهَةِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ قَدْ حَكَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِصِحَّتِهِ ، غَيْرَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عِمْرَانَ كَثِيرًا مَا يَأْتِي عَنْ الزُّهْرِيِّ بِالْمَنَاكِيرِ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ .
وَعَلَى الْجُمْلَةِ ، فَالْحَدِيثُ بِهَذَا السِّيَاقِ فِيهِ مَا فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ فِي الِاسْتِشْهَادِ قَالَ الشَّيْخُ : الَّذِي وَجَدْته فِي " كِتَابِ الضُّعَفَاءِ لِلْعُقَيْلِيِّ " أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ، ثُمَّ أَعَلَّهُ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عِمْرَانَ ، وَقَالَ : لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ ، وَلَا يُعْلَمُ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ عَائِشَةَ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، انْتَهَى .
وَذَكَر الْعُقَيْلِيُّ ، عَنْ آدَمَ بْنِ مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ : حُسَيْنُ بْنُ عِمْرَانَ الْجُهَنِيِّ لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو الْعَرَبِ الْقَرَوِيُّ عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، قَالَ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي حُسَيْنِ بْنِ عِمْرَانَ ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ قَوْلِ الْحَازِمِيِّ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، بَلْ لَوْ قِيلَ : لَيْسَ فِيهِ جَزْمٌ بِالتَّضْعِيفِ لَمْ يَبْعُدْ ذَلِكَ ، انْتَهَى .
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ ، عَنْ بَعْضِ وَلَدِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِي فَقُمْت ، وَلَمْ أُنْزِلْ ، فَاغْتَسَلْتُ وَخَرَجْتُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا عَلَيْكَ ،
إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ قَالَ رَافِعٌ : ثُمَّ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْغُسْلِ انْتَهَى .
وَذَكَرَهُ الْحَازِمِيُّ فِي " كِتَابِهِ " وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، انْتَهَى . وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ فِيهِ رِشْدِينَ بْنَ سَعْدٍ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى ضَعْفِهِ ،
وَبَعْضُ وَلَدِ رَافِعٍ مَجْهُولُ الْعَيْنِ وَالْحَالِ ، وَحَدِيثٌ يَشْتَمِلُ سَنَدُهُ عَلَى ضَعِيفٍ وَمَجْهُولٍ كَيْفَ يَكُونُ حَسَنًا ؟ ! قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : وَقَدْ وَقَعَ لِي تَسْمِيَةُ وَلَدِ رَافِعٍ فِي أَصْلِ سَمَاعِ الْحَافِظِ السَّلَفِيِّ ، وَسَاقَ الشَّيْخُ سَنَدَهُ إلَى رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، فَذَكَرَهُ .
الطَّرِيقُ الثَّانِي : فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى النَّسْخِ ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ أَفْتَى بِوُجُوبِ الْغُسْلِ ، أَوْ رَجَعَ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ ، ثُمَّ يَكْسُلُ وَلَا يُنْزِلُ ، فَقَالَ زَيْدٌ : يَغْتَسِلُ ، فَقَالَ لَهُ مَحْمُودٌ : إنَّ أُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ لَا يَرَى الْغُسْلَ ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : إنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَحْسَبُهُ تَرَكَهُ ، إلَّا أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْدَهُ مَا نَسَخَهُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ
ثُمَّ نُزُوعُهُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ يدل عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَعْدَهُ مَا نَسَخَهُ ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقُولُونَ : " إذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى .
الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَغَابَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ قُلْتُ : رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ فِي " مُسْنَدِهِ " ، أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ ، مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ؟ فَقَالَ : إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَغَابَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ انْتَهَى .
وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي " أَحْكَامِهِ " مِنْ جِهَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ : وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا ، انْتَهَى .
وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى الْحَارِثِ بْنِ نَبْهَانَ ، وَأَوْرَدَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ ، كَمَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ ، صَاحِبُ الْمُدَوَّنَةِ ، مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي " كِتَابِهِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَجَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ : وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوُهُ ، وَفِيهِ
وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي " مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ " أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ التُّسْتَرِيُّ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَزِيعٍ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُوجِبُ الْمَاءَ إلَّا الْمَاءُ ؟ فَقَالَ : إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَغُيِّبْتِ الْحَشَفَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ انْتَهَى .