أَحَادِيثُ اشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ
أَحَادِيثُ اشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ، اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ : مِنْهَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ : دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ ، وَلَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ الْمَسْحِ إلَّا بَعْدَ غَسْلِ الرِّجْلِ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ :
إحْدَاهُمَا : إذَا أَحْدَثَ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ أَكْمَلَ وُضُوءَهُ .
الثَّانِيَةُ : إذَا أَحْدَثَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ، فَلَمَّا غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفَّ ، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى ، ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفَّ ، فَإِنَّ هَذَا الْمَسْحَ عِنْدَنَا جَائِزٌ فِي الصُّورَتَيْنِ ، خِلَافًا لَهُمْ . هَذَا تَحْرِيرُ مَذْهَبِنَا ، وَهُمْ يُطْلِقُونَ النَّقْلَ عَنْ مَذْهَبِنَا ، وَيَقُولُونَ : الْحَنَفِيَّةُ لَا يَشْتَرِطُونَ كَمَالَ الطَّهَارَةِ فِي الْمَسْحِ ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ; لِأَنَّ الْحَدَثَ بَاقٍ فِي الْقَدَمِ ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْكِتَابِ " وَأَقْرَبُ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ الْمُهَاجِرِ بْنِ مَخْلَدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا انْتَهَى .
قَالُوا : وَوَجْهُ الْحُجَّةِ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ ، وَالطَّهَارَةُ إذَا أُطْلِقَتْ إنَّمَا يُرَادُ بِهَا الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ ، وَجَوَابُنَا أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي " مُهَاجِرِ بْنِ مَخْلَدٍ " قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْت أَبِي عَنْهُ ، فَقَالَ : لَيِّنُ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِذَلِكَ ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ رُوِيَ - بِالْوَاوِ - وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى طَهَارَةِ الرِّجْلَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عِنْدَنَا : فَقِيلَ : مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ ، وَقِيلَ : مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ ، وَقِيلَ : مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " الْإِمَامِ " : أَمَّا مَنْ اعْتَبَرَهَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ ، فَقَدْ اسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ - أَوْ سَفْرًا - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ الثَّلَاثَ مُدَّةَ اللُّبْسِ .
وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَهَا مِنْ وَقْتِ الْمَسْحِ فَبِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ أَقْوَاهَا فِي مُرَادِهِمْ مَا عُلِّقَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْمَسْحِ ، كَالرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَفِيهَا : فَأَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ : ثَلَاثًا إذَا سَافَرْنَا ، يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا أَقَمْنَا انْتَهَى .
قُلْت : وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي " مُسْنَدِهِ " أَمَرَنَا أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ : ثَلَاثًا إذَا سَافَرْنَا ، وَلَيْلَةً إذَا أَقَمْنَا وَفِي لَفْظٍ لَهُ : وَقَالَ : لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ إذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ عَلَى طُهُورٍ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .