الْآثَارُ فِي الْجَهْر بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاة
الْآثَارُ فِي ذَلِكَ : فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْخِلَافِيَّاتِ " . وَالطَّحَاوِيُّ فِي " كِتَابِهِ " مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَجَهَرَ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" ، وَكَانَ أَبِي يَجْهَرُ بِهَا ، انْتَهَى .
وَهَذَا الْأَثَرُ مُخَالِفٌ لِلصَّحِيحِ الثَّابِتِ عَنْ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْهَرُ ، كَمَا رَوَاهُ أَنَسٌ ، وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَيْضًا عَدَمَ الْجَهْرِ ، وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ . وَعَلِيٌّ لَا يَجْهَرَانِ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ مَرَّةً ، أَوْ بَعْضَ أَحْيَانٍ ، لِأَحَدِ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيًّا كَانُوا يَجْهَرُونَ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" انْتَهَى .
وَهَذَا بَاطِلٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْوَقَّاصِيُّ ، أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْت أَبِي عَنْهُ ، فَقَالَ : كَذَّابٌ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَرْوِي عَنْ الثِّقَاتِ الْأَشْيَاءَ الْمَوْضُوعَاتِ لَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ .
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَجْهَرُونَ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" وَهَذَا أَيْضًا لَا يَثْبُتُ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ لَمْ يَلْحَقْ عَلِيًّا ، وَلَا صَلَّى خَلْفَهُ قَطُّ ، وَالْحَمْلُ فِيهِ عَلَى ابْنِهِ يَعْقُوبَ ، فَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ . وَابْنُ مَعِينٍ : ضَعِيفٌ ، وَمَشَّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، فَقَالَ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَأَمَّا شَيْخُ الْخَطِيبِ فِيهِ ، فَهُوَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ الْأَهْوَازِيُّ ، وَيُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي عَلِيٍّ ، فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يُرَكِّبُ الْأَسَانِيدَ ، وَنَقَلَ الْخَطِيبُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْجَصَّاصِ ، قَالَ : كُنَّا نُسَمِّي ابْنَ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ " جِرَابَ الْكَذِبِ " .
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَالِحِ بْنِ نَبْهَانَ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وأبي قتادة ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَثْبُتُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ هُوَ الْعَرَنيُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَهُوَ شِيعِيٌّ ضَعِيفٌ ، أَوْ هُوَ حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَشْقَرُ ، وَانْقَلَبَ اسْمُهُ ، وَهُوَ أَيْضًا شِيعِيٌّ ضَعِيفٌ ، أَوْ هُوَ مَجْهُولٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى فَقَدْ رُمِيَ بِالرَّفْضِ وَالْكَذِبِ ، وَصَالِحُ بْنُ نَبْهَانَ مَوْلَى التَّوْءمَةِ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ مَالِكٌ . وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَفِي إدْرَاكِهِ لِلصَّلَاةِ خَلْفَ أَبِي قَتَادَةَ نَظَرٌ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، وَإِنَّمَا كَثُرَ الْكَذِبُ فِي أَحَادِيثِ الْجَهْرِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، لِأَنَّ الشِّيعَةَ تَرَى الْجَهْرَ ، وَهُمْ أَكْذَبُ الطَّوَائِفِ ، فَوَضَعُوا فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ ، وَكَانَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَحَدُ أَعْيَانِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَرَى تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا ، وَيَقُولُ : الْجَهْرُ بِهَا صَارَ مِنْ شِعَارِ الرَّوَافِضِ ، وَغَالِبُ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ نَجِدُ فِي رِوَاتِهَا مَنْ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى التَّشَيُّعِ .
وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ ثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَكَانَ يَجْهَرُ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" ، وَقَالَ : مَا يَمْنَعُ أُمَرَاءَكُمْ أَنْ يَجْهَرُوا بِهَا إلَّا الْكِبْرُ انْتَهَى .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، لَكِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِعْلَامِ بِأَنَّ قِرَاءَتَهَا سُنَّةٌ ، فَإِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا يُسِرُّونَ بِهَا ، فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ قِرَاءَتَهَا بِدْعَةٌ ، فَجَهَرَ بِهَا مَنْ جَهَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ لِيُعْلِمُوا النَّاسَ أَنَّ قِرَاءَتَهَا سُنَّةٌ ، لَا أَنَّهُ فِعْلُهُ دَائِمًا ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ تَرْكَ الْجَهْرِ ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَمَّا أَقْوَالُ التَّابِعِينَ فِي ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِحُجَّةٍ ،
مَعَ أَنَّهَا قَدْ اخْتَلَفَتْ ، فَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْجَهْرُ ، وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَرْكُهُ ، وَفِي بَعْضِ الْأَسَانِيدِ إلَيْهِمْ الضَّعْفَ وَالِاضْطِرَابُ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ جَهْرِ مَنْ جَهَرَ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَالْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الرُّجُوعُ إلَى الدَّلِيلِ ، لَا إلَى الْأَقْوَالِ ، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ مَنْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْجَهْرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ غَيْرُهُ ، كَمَا نَقَلَ الْخَطِيبُ الْجَهْرَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةِ وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلَي والْمَشْهُورِ عَنْهُمْ تَرْكُهُ ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَرْكِ الْجَهْرِ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ : مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَغَيْرُهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي الْجَهْرِ بِهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ إنْ اُخْتُلِفَ فِي الْجَهْرِ بِهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْخَطِيبُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَدَمَ الْجَهْرِ ، وَكَذَلِكَ رَوَى الطَّحَاوِيُّ ، وَالْخَطِيبُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَدَمَ الْجَهْرِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَدَمَ الْجَهْرِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْخَطِيبُ عَنْ عمار بن ياسر الْجَهْرَ ، وَذَكَرَ ابن المنذر عنه عدمه ، وذكر البيهقي وابن عبد البر والخطيب عن عكرمة الجهر ، وذكر الْأَثْرَمُ عَنْهُ عَدَمَهُ ، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ ، وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ الْجَهْرَ ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا تَرْكَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَدْرَكْت أَحَدًا يَجْهَرُ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" وَالْجَهْرُ بِهَا بِدْعَةٌ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بـ " ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾" ، وَقَالَ وَكِيعٌ : كَانَ الْأَعْمَشُ ، وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَسُفْيَانُ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ ، وَمَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ مَشْيَخَتِنَا لَا يَجْهَرُونَ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" .
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " سُنَنِهِ " حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : كَانُوا يُسِرُّونَ الْبَسْمَلَةَ وَالتَّعَوُّذَ فِي الصَّلَاةِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ أَنَّ الْحَسَنَ سُئِلَ عَنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، فَقَالَ : إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْأَعْرَابُ ، حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ، ثَنَا خَصِيفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : إذَا صَلَّيْت فَلَا تَجْهَرْ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" وَاجْهَرْ بـ " ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ﴾" .
مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ " التَّنْقِيحِ " ، ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الشَّافِعِيَّةُ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الْجُمْلَةِ لَا يحَسَّنُ بِمَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالنَّقْلِ أَنْ يُعَارِضَ بِهَا الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، وَلَوْلَا أَنْ يَعْرِضَ لِلمتَّفَقُّهِ شُبْهَةٌ عِنْدَ سَمَاعِهَا فَيَظُنَّهَا صَحِيحَةً لَكَانَ الْإِضْرَابُ عَنْ ذِكْرِهَا أَوْلَى ، وَيَكْفِي فِي ضَعْفِهَا إعْرَاضُ الْمُصَنِّفِينَ لِلْمَسَانِيدِ ، وَالسُّنَنِ عَنْ جُمْهُورِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهَا طَرَفًا فِي " سُنَنِهِ " فَبَيَّنَ
ضَعْفَ بَعْضِهَا وَسَكَتَ عَنْ بَعْضِهَا ، وَقَدْ حَكَى لَنَا مَشَايِخُنَا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ لَمَّا وَرَدَ مِصْرَ سَأَلَهُ بَعْضُ أَهْلِهَا تَصْنِيفَ شَيْءٍ فِي الْجَهْرِ ، فَصَنَّفَ فِيهِ جُزْءًا ، فَأَتَاهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَهْرِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَأَمَّا عَنْ الصَّحَابَةِ : فَمِنْهُ صَحِيحٌ ، وَضَعِيفٌ ، ثُمَّ تَجَرَّدَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ لِجَمْعِ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ ، فَأَزْرَى عَلَى عِلْمِهِ بِتَغْطِيَةِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَنْكَشِفُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَلَهَا وَخَلَلَهَا ، ثُمَّ إنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَحْمِلُ أَحَادِيثَهُمْ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ جَهَرَ بِهَا لِلتَّعْلِيمِ ، أَوْ جَهَرَ بِهَا جَهْرًا يَسِيرًا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ ، وَالْمَأْمُومُ إذَا قَرُبَ من الْإِمَامَ أَوْ حَاذَاهُ سَمِعَ مَا يُخَافِتُهُ وَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ جَهْرًا ، كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ الظُّهْرَ فَيُسْمِعُهُمْ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَحْيَانَا . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِتَرْكِ الْجَهْرِ ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْهَرُ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ يُدْعَى - رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ - فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ : إنَّمَا يَدْعُو إلَهَ الْيَمَامَةِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِإِخْفَائِهَا ، فَمَا جَهَرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْجَهْرِ ، قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَ الْبَحْثِ وَالتَّأْوِيلِ ، فَقَالَ : إنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ تُقَدَّمُ عَلَى أَحَادِيثِ الْإِخْفَاءِ بِأَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ ، فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْإِخْفَاءِ رَوَاهَا اثْنَانِ مِنْ الصَّحَابَةِ : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ رَوَاهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا . وَالثَّانِي : أَنَّ أَحَادِيثَ الْإِخْفَاءِ شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيٍ ، وَأَحَادِيثَ الْجَهْرِ شَهَادَةٌ عَلَى إثْبَاتٍ ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ ، كَمَا قَدَّمَ قَوْلُ بِلَالٍ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ عَلَى قَوْلِ أُسَامَةَ . وَغَيْرِهِ : إنَّهُ لَمْ يُصَلِّ ، قَالُوا : وَبِأَنَّ أَنَسًا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ إنْكَارُ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ ، فَرَوَى أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي مَسْلَمَةً ، قَالَ : سَأَلْت أَنَسًا أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" ، أَوْ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾؟ " ، قَالَ : إنَّك لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، أَوْ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَك ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ قُلْنَا : أَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى كَثْرَةِ الرُّوَاةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ صِحَّةِ الدَّلِيلَيْنِ ، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ لَيْسَ فِيهَا صَحِيحٌ صَرِيحٌ ، بِخِلَافِ حَدِيثُ الْإِخْفَاءِ ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ صَرِيحٌ ثَابِتٌ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ ، وَالْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ ، مَعَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَرَوْنَ التَّرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ ; لِبُعْدِ احْتِمَالِ الْغَلَطِ عَلَى الْعَدَدِ الْأَكْثَرِ ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا أَرْبَعَةً ; لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْحُدُودِ ، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ ، وَإِنْ كَثُرَتْ رُوَاتُهَا لَكِنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ كَثُرَتْ رُوَاتُهُ وَتَعَدَّدَتْ
طُرُقُهُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ؟ كَحَدِيثِ : الطَّيْرِ ، وَحَدِيثِ : الْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ . وَحَدِيثِ : مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ ، فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ، بَلْ قَدْ لَا يُزِيدُ الْحَدِيثَ كَثْرَةُ الطُّرُقِ إلَّا ضَعْفًا ، وَإِنَّمَا يرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ إذَا كَانَتْ الرُّوَاةُ مُحْتَجًّا بِهِمْ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، كَتَرْجِيحِ الْأَئِمَّةِ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدِيث : الْمُجَامِعِ ، وَذِكْرِهِمْ التَّرْتِيبَ ، وَتَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْجِمَاعِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّخْيِيرَ ، وَتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى مُجَرَّدِ الْفِطْرِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْجِمَاعِ ، وَأَحَادِيثُ الْجَهْرِ لَيْسَتْ مُخَرَّجَةً فِي الصِّحَاحِ ، وَلَا الْمَسَانِيدِ الْمَشْهُورَةِ ، وَلَمْ يَرْوِهَا إلَّا الْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، فَالْحَاكِمُ عُرِفَ تَسَاهُلُهُ وَتَصْحِيحُهُ لِلْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ ، بَلْ الْمَوْضُوعَةِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فَقَدْ مَلَأ كِتَابَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْغَرِيبَةِ ، وَالشَّاذَّةِ ، وَالْمُعَلَّلَةِ ، وَكَمْ فِيهِ مِنْ حَدِيثٍ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ فَهِيَ وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي صُورَةِ النَّفْيِ ، فَمَعْنَاهَا الْإِثْبَاتُ ، بِخِلَافِ حَدِيثِ بِلَالٍ مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَقْدِيمِ الْإِثْبَاتِ قَالُوا : لِأَنَّ الْمُثْبِتَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ ، وَأَيْضًا فَالنَّفْيُ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لِدَلِيلِ الْأَصْلِ ، وَالْإِثْبَاتُ يُفِيدُ التَّأْسِيسَ ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى . الثَّانِي : أَنَّهُمَا سَوَاءٌ ، قَالُوا : لِأَنَّ النَّافِيَ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ ، وَأَيْضًا ، فَالظَّاهِرُ تَأْخِيرُ النَّافِي عَنْ الْمُثْبِتِ ، إذْ لَوْ قُدِّرَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ لَكَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْكِيدَ ، لِدَلِيلِ الْأَصْلِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَأْخِيرِهِ يَكُونُ تَأْسِيسًا ، فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى . الْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ النَّافِيَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُثْبِتِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْآمِدِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ قَدَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُذَّاقِ : مِنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ النَّفْيَ عَلَى الْإِثْبَاتِ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى عَلَيْهِ ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَقَالُوا فِيهِ : وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَمَّا جَمْعُهُمْ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهُ لَمْ
يَسْمَعْهُ لِبُعْدِهِ ، وَأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا يَوْمئِذٍ ، فَمَرْدُودٌ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَسٍ يَوْمئِذٍ عَشْرُ سِنِينَ ، وَمَاتَ ، وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ عَشْرَ سِنِينَ ، فَلَا يَسْمَعُهُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ يَجْهَرُ ؟ هَذَا بَعِيدٌ ، بَلْ مُسْتَحِيلٌ ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ هَذَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ ! وَهُوَ رَجُلٌ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَكَهْلٌ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ ، مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي زَمَانِهِمْ ، وَرِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ ؟ ، وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الْخُلَاصَةِ " إسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ إنْكَارِ أَنَسٍ ، فَلَا يُقَاوِمُ مَا ثْبُتُ عَنْهُ خِلَافُهُ فِي الصَّحِيحِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ نَسِيَ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، لِكِبَرِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرًا ، كَمَا سُئِلَ يَوْمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ ، فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْحَسَنِ فَاسْأَلُوهُ ، فَإِنَّهُ حَفِظَ ، وَنَسِينَا ، وَكَمْ مِمَّنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنما سَأَلَهُ عَنْ ذِكْرِهَا فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا ، لَا عَنْ الْجَهْرِ بِهَا وَإِخْفَائِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ الْحَازِمِيُّ فِي " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْبَسْمَلَةِ ، هَلْ يُجْهَرُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ لَا ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى الْجَهْرِ بِهَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالُوا : يُسَرُّ بِهَا وَلَا يُجْهَرُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَقْرَأهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْإِخْفَاءِ بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ ، وَأَكْثَرُهَا نُصُوصٌ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ ، وَهِيَ وَإِنْ عَارَضَهَا أَحَادِيثُ أُخْرَى ، فَأَحَادِيثُ الْإِسْرَارِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : ثُبُوتُهَا وَصِحَّةُ سَنَدِهَا وَلَا خَفَاءَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ لَا تُوَازِيهَا فِي الصِّحَّةِ وَالثُّبُوتِ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ ، بِمَا أَخْبَرْنَا ، وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى ، ثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" بِمَكَّةَ ، قَالَ : وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَدْعُونَ مُسَيْلِمَةَ - الرَّحْمَنَ - فَقَالُوا : إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إلَى إلَهِ الْيَمَامَةِ ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْفَاهَا فَمَا جَهَرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ انْتَهَى ، وَهَذَا مُرْسَلٌ يَتَقَوَّى بِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِأَوَاخِرِ الْأُمُورِ ، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى الْجَهْرِ ، فَقَالَ : لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ وُرُودِ الْأَحَادِيثِ فِي الْجَانِبَيْنِ ، وَكُتُبُ السُّنَنِ ، وَالْمَسَانِيدُ نَاطِقَةٌ بِذَلِكَ ، ثُمَّ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ الْجَهْرِ آثَارُ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ
بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا ، إلَى عَصْرِ الْأُئمَّةِ ، وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا أَخْبَرَنَا ، وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَزَّارُ ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ بْنِ عَمْرٍو الْكُوفِيُّ ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَكِّيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ ، يَجْهَرُ فِي السُّورَتَيْنِ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" حَتَّى قُبِضَ انْتَهَى . قَالَ : وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنْ يُقَالَ : أَمَّا ادِّعَاءُ النَّسْخِ فِي كَلَا الْمَذْهَبَيْنِ فَمُتَعَذِّرٌ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتُ وَالصِّحَّةُ ، وَقَدْ فَقَدْنَاهَا هَهُنَا ، فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْإِخْفَاءِ ، فَهِيَ أَمْتَنُ ، غَيْرَ أَنَّ هُنَا شَيْئًا ، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَأْثُورَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْ شَوَائِبِ الْجَرْحِ ، كَمَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ ، وَالِاعْتِمَادُ فِي الْبَابِ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ; لِأَنَّهَا أَصَحُّ وَأَشْهَرُ ، ثُمَّ الرِّوَايَةُ قَدْ اخْتَلَفَتْ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بـ " ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾" وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَنَسٍ ، رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ، وَيَحْيَى بْنُ السَّكَنِ وَأَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ عَنْ قَتَادَةَ : مِنْهُمْ هِشَامُ الدَّسْتُوَائِيُّ . وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَحُمَيْدَ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَهَمَّامٌ ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُمَا فِي لَفْظِهِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ عَلَى إخْرَاجِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِسَلَامَتِهَا مِنْ الِاضْطِرَابِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ السُّورَةِ ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" ، الوجه الثَّانِي : رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾رَوَاهُ كَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَقُرَادُ أَبُو نُوحٍ . وَآدَمُ بْنُ أَبِي إيَاسٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، وَخَالِدُ بْنُ أبي يَزِيدَ الْمَزْرَفِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَأَكْثَرُهُمْ اضْطَرَبُوا فِيهِ ، فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ الْبُخَارِيُّ مِنْ إخْرَاجِهِ ، وَهُوَ مِنْ مَفَارِيدِ مُسْلِمٍ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ ، وَجُريْرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ، قَالَ : كَانَتْ مَدًّا ، ثُمَّ قَرأ : " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" يَمُدُّ " بِسْمِ اللَّهِ " وَيَمُدُّ " بِالرَّحْمَنِ " وَيَمُدُّ " بِالرَّحِيمِ " وَقَالَ : وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ ، أَخْرَجَهُ
الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : رُوِيَ عَنْهُ مَا أَخْبَرَنَا ، وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبَزَّارُ ، ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ ، ثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ ، ثَنَا أَبُو مسَلَمَةَ سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِحُ بـ " ﴿الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، أَوْ بِ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" ؟ ، فَقَالَ إنَّك لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَك ، قُلْت : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ انْتَهَى .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ مُخَرَّجَةٌ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ ، كَمَا تَرَى ، وَغَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ وُقُوعُ الِاخْتِلَافِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ يَتَغَافَلُ عَنْ أَمْرٍ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ ، حَتَّى لَا يُلْقِي إلَيْهِ بَالًا أَلْبَتَّةَ ، وَيَتَنَبَّهُ لِأَمْرٍ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِهِ . وَيُلْقِي إلَيْهِ بَالَهُ بِكُلِّيَّتِهِ ، وَمِنْ أَعْجَبْ مَا اتَّفَقَ لِي أَنِّي دَخَلْت جَامِعًا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ ، لِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْحَدِيثِ ، فَحَضَرَ إلَيَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُمْ مِنْ الْمُوَاظِبِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْجَامِعِ ، وَكَانَ إمَامُهُمْ صَيِّتًا يَمْلَأُ الْجَامِعَ صَوْتُهُ ، فَسَأَلْتهمْ عَنْهُ ، هَلْ يَجْهَرُ بـ " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾" أَوْ يُخْفِيهَا ؟ فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجْهَرُ بِهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُخْفِيهَا ، وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ ، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَيِّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِالسُّنَّةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .