الْأَحَادِيثُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْخَطِيبُ عَلَى الْجَهْر بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاة
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : مَوْقُوفٌ ، وَلَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : صَلَّى مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ صَلَاةً فَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، فَبَدَأَ بـ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " لِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يُكَبِّرْ حِينَ يَهْوِي ، حَتَّى قَضَى تِلْكَ الصَّلَاةَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ مَنْ سَمِعَ ذَاكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْأَنْصَارِ ، مَنْ كَل مَكَانِ : يَا مُعَاوِيَةُ ، أَسَرَقْت الصَّلَاةَ ، أَمْ نَسِيتَ ؟ أَيْنَ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ، وَأَيْنَ التَّكْبِيرُ إذَا خَفَضْت ، وَإِذَا رَفَعْتَ ؟ فَلَمَّا صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ قَرَأَ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ ، وَكَبَّرَ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا انْتَهَى .
قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ،
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَ : رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ،
وَقَدْ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ هَذَا فِي إثْبَاتِ الْجَهْرِ،
وَقَالَ الْخَطِيبُ : هُوَ أَجْوَدُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ لَكِنَّهُ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ ، أَسْنَدَ ابْنُ عَدِيٍّ إلَى ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : أَحَادِيثُهُ غَيْرُ قَوِيَّةٍ وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيِّنُ الْحَدِيثِ ، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِيهِ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ضَعِيفٌ لَيَّنُوهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَا يُقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ ،
مَعَ أَنَّهُ قَدْ اضْطَرَبَ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الضَّعْفِ ، أَمَّا فِي " إسْنَادِهِ " فَإِنَّ ابْنَ خُثَيْمِ تَارَةً يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَنَسٍ ، ج١ / ص٣٥٤وَتَارَةً يَرْوِيه عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ.
وَقَدْ رَجَّحَ الْأُولَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ " لِجَلَالَةِ رَاوِيهَا ، وَهُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ " وَمَالَ الشَّافِعِيُّ إلَى تَرْجِيحِ الثَّانِيَةِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُثَيْمِ أَيْضًا عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، فَزَادَ ذِكْرَ الْجَدِّ كَذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَهِيَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْأُولَى عِنْده . وَعِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا " الِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ " فَتَارَةً يَقُولُ : صَلَّى ، فَبَدَأَ بـ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " لِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَتَارَةً يَقُولُ : فَلَمْ يَقْرَأْ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" حِينَ افْتَتَحَ الْقُرْآنَ ، وَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَتَارَةً يَقُولُ : فَلَمْ يَقْرَأْ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" لِأُمِّ الْقُرْآنِ وَلَا لِلسُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ،
وَمِثْلُ هَذَا الِاضْطِرَابِ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ مِمَّا يُوجِبُ ضَعْفَ الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ ضَبْطِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ شَرْطَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاذًّا ، وَلَا مُعَلَّلًا ، وَهَذَا شَاذٌّ مُعَلَّلٌ ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ عَنْ أَنَسٍ ، وَكَيْفَ يَرْوِي أَنَسٌ مِثْلَ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ هَذَا مُحْتَجًّا بِهِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ أَنَسٍ الْمَعْرُوفِينَ بِصُحْبَتِهِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَمِمَّا يَرُدُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا أَنَّ أَنَسًا كَانَ مُقِيمًا بِالْبَصْرَةِ ، وَمُعَاوِيَةُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ عَلِمْنَاهُ أَنَّ أَنَسًا كَانَ مَعَهُ ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا تَرْكُ الْجَهْرِ بِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا أَصْلًا ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ : أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بـ " الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ : مَا سَمِعْت الْقَاسِمَ يَقْرَأُ بِهَا ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ : أَدْرَكْت الْأَئِمَّةَ وَمَا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ إلَّا بـ " الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهَا إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ ، وَلَهُ مَحْمَلٌ ، وَهَذَا عَمَلُهُمْ يَتَوَارَثُهُ آخِرُهُمْ عَنْ أَوَّلِهِمْ ، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَا هُوَ شَبَهُهُمْ ؟ هَذَا بَاطِلٌ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَوْ رَجَعَ إلَى الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، كَمَا نَقَلُوهُ ، لَكَانَ هَذَا مَعْرُوفًا مِنْ أَمْرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، بَلْ الشَّامِيُّونَ كُلُّهُمْ خُلَفَاءَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ ، كَانَ مَذْهَبُهُمْ تَرْكَ الْجَهْرِ بِهَا ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ الْجَهْرِ بِهَا فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ . وَالْأَوْزَاعِيُّ إمَامُ الشَّامِ ، وَمَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، لَا يَقْرَأهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، وَمِنْ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ يَكُونَ هَذَا حَالَ مُعَاوِيَةَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ لَمَا تَرَكَهَا حَتَّى يُنْكِرَ عَلَيْهِ رَعِيَّتُهُ أَنَّهُ ج١ / ص٣٥٥لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَنْ تَدَبَّرَهَا عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ هَذَا بَاطِلٌ ، أَوْ مُغَيَّرٌ عَنْ وَجْهِهِ ، وَقَدْ يُتَمَحَّلُ فِيهِ ، وَيُقَالُ : إنْ كَانَ هَذَا الْإِنْكَارُ ، عَلَى مُعَاوِيَةَ مَحْفُوظًا ، فَإِنَّمَا هُوَ إنْكَارٌ لِتَرْكِ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ ، لَا لِتَرْكِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَرْكَ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ كَانَ مَذْهَبَ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَأُمَرَائِهِمْ عَلَى الْبِلَادِ ، حَتَّى إنَّهُ كَانَ مَذْهَبَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْبِيرِ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَحِينَ يَسْجُدُ بَعْدَ الْقُعُودِ ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ تَرْكَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْضًا .
وَبِالْجُمْلَةِ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا صَرِيحٌ صَحِيحٌ ، بَلْ فِيهَا عَدَمُهُمَا ، أَوْ عَدَمُ أَحَدِهِمَا ، وَكَيْفَ تَكُونُ صَحِيحَةً ، وَلَيْسَتْ مُخَرَّجَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّحِيحِ ، وَلَا الْمَسَانِيدِ ، وَلَا السُّنَنِ ، الْمَشْهُورَةِ ؟ وَفِي رِوَايَتِهَا الْكَذَّابُونَ ، وَالضُّعَفَاءُ ، وَالْمَجَاهِيلُ الَّذِينَ لَا يُوجَدُونَ فِي التَّوَارِيخِ ، وَلَا فِي كُتُبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، كَعَمْرِو بْنِ شِمْرٍ ، وَجَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، وَحُصَيْنِ بْنِ مُخَارِقٍ ، وَعَمْرِ بْنِ حَفْصٍ الْمَكِّيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَّانَ ، وَأَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ ، وَابْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ ، الْمُلَقَّبِ " بِجِرَابِ الْكَذِبِ " ، وَعُمَرَ بْنِ هَارُونَ الْبَلْخِيّ ، وَعِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ الْمَدَنِيِّ ، وَآخَرُونَ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهِمْ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يعَارَضَ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ ، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَثْبَاتِ : وَمِنْهُمْ قَتَادَةُ الَّذِي كَانَ أَحْفَظَ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَيَرْوِيهِ عَنْهُ شُعْبَةُ الْمُلَقَّبُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ، وَتَلَقَّاهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَحَدٌ بِحُجَّةٍ إلَّا مَنْ رَكِبَ هَوَاهُ ، وَحَمَلَهُ فَرْطُ التَّعَصُّبِ عَلَى أَنْ عَلَّلَهُ ، وَرَدَّه بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُخْتَلِفَةً ، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، كَمَا بَيَّنَّا ، وَعَارَضَهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ
الْمَوْضُوعِ، أَوْ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ
الضَّعِيفِ، وَمَتَى وَصَلَ الْأَمْرُ إلَى مِثْلِ هَذَا ، فَجُعِلَ الصَّحِيحُ ضَعِيفًا ، وَالضَّعِيفُ صَحِيحًا ، وَالْمُعَلَّلُ سَالِمًا مِنْ التَّعْلِيلِ ، وَالسَّالِمُ مِنْ التَّعْلِيلِ مُعَلَّلًا سَقَطَ الْكَلَامُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَدْلٍ ، وَاَللَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ، وَمَا تَحَلَّى طَالِبُ الْعِلْمِ بِأَحْسَنَ مِنْ الْإِنْصَافِ وَتَرْكِ التَّعَصُّبِ ، وَيَكْفِينَا فِي تَضْعِيفِ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ إعْرَاضُ أَصْحَابِ الْجَوَامِعِ الصَّحِيحَةِ ، وَالسُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَالْمَسَانِيدِ الْمَشْهُورَةِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا فِي حُجَجِ الْعِلْمِ ، وَمَسَائِلِ الدِّينِ . فَالْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعَ شِدَّةِ تَعَصُّبِهِ وَفَرْطِ تَحَامُلِهِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لَمْ يُودِعْ صَحِيحَهُ مِنْهَا حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَلَا كَذَلِكَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا حَدِيثَ أَنَسٍ الدَّالِّ عَلَى الْإِخْفَاءِ ، وَلَا يُقَالُ فِي دَفْعِ ذَلِكَ : إنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا أَنْ يُودِعَا فِي " صَحِيحَيْهِمَا " كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ ، يَعْنِي فَيَكُونَانِ قَدْ تَرَكَا أَحَادِيثَ الْجَهْرِ فِي جُمْلَةِ مَا تَرَكَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا سَخِيفٌ أَوْ مُكَابِرٌ ، فَإِنَّ مَسْأَلَةَ ج١ / ص٣٥٦الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ أَعْلَامِ الْمَسَائِلِ وَمُعْضِلَاتِ الْفِقْهِ ، وَمِنْ أَكْثَرِهَا دَوَرَانًا فِي الْمُنَاظَرَةِ وَجَوَلَانًا فِي " الْمُصَنَّفَاتِ " ، وَالْبُخَارِيُّ كَثِيرُ التَّتَبُّعِ لِمَا يَرُدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ السُّنَّةِ ، فَيَذْكُرُ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ يُعَرِّضُ بِذِكْرِهِ ، فَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَا وَكَذَا ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : كَذَا وَكَذَا ، يُشِيرُ بِبَعْضِ النَّاسِ إلَيْهِ ، وَيُشَنِّعُ لِمُخَالَفَةِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ ، وَكَيْفَ يُخْلِي كِتَابَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَهُوَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ : " بَابُ الصَّلَاةِ مِنْ الْإِيمَانِ " ، ثُمَّ يَسُوقُ أَحَادِيثَ الْبَابِ ، وَيَقْصِدُ الرَّدَّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ في قَوْلَهُ : إنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ ، مَعَ غُمُوضِ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَمَسْأَلَةُ الْجَهْرِ يَعْرِفُهَا عَوَامُّ النَّاسِ وَرُعَاعُهُمْ ، هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ ، بَلْ يَسْتَحِيلُ ، وَأَنَا أَحْلِفُ بِاَللَّهِ ، وَتاَللَّهِ لَوْ اطَّلَعَ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثٍ مِنْهَا مُوَافِقٍ لشَرْطِهِ ، أَوْ قَرِيبً مِنْ شَرْطِهِ لَمْ يُخْلِ مِنْهُ كِتَابَهُ ، وَلَا كَذَلِكَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَهَذَا أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مَعَ اشْتِمَالِ كُتُبِهِمْ عَلَى الْأَحَادِيثِ السَّقِيمَةِ ، وَالْأَسَانِيدِ الضَّعِيفَةِ لَمْ يُخَرِّجُوا مِنْهَا شَيْئًا ، فَلَوْلَا أَنَّهَا عِنْدَهُمْ وَاهِيَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَمَا تَرَكُوهَا ، وَقَدْ تَفَرَّدَ النَّسَائِيّ مِنْهَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ أَقْوَى مَا فِيهَا عِنْدَهُمْ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ ، وَالْجَوَابَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْهَا : حَدِيثَ عَلِيٍّ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَقَدْ عُرِفَ تَسَاهُلُهُ ، وَبَاقِيهَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي " سُنَنِهِ " الَّتِي هِيَ مَجْمَعُ الْأَحَادِيثِ الْمَعْلُولَةِ ، وَمَنْبَعُ الْأَحَادِيثِ الْغَرِيبَةِ ، وقَدْ بَيَّنَّاهَا حَدِيثًا حَدِيثًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .