مخالفة الإمام الشافعي الجمهور في القول بفرضية الصلاة وإنكار الأكابر من الشافعية وغيرهم على ذلك
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ السَّبَّاقِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا ، وَآلَ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْت ، وَبَارَكْت ، وَتَرَحَّمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ ، وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " وَقَالَ :
إسْنَادُهُ صَحِيحٌ مُتصلٌ، انْتَهَى .
وَهَذَا فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الشِّفَا " ، وَقَدْ شَذَّ الشَّافِعِيُّ ، فَقَالَ : مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَا سُنَّةَ يَتَّبِعُهَا ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ جَمَاعَةٌ وَشَنَّعُوا عَلَيْهِ : مِنْهُمْ الطَّبَرِيُّ .
وَالْقُشَيْرِيُّ ، وَخَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ الْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ لَهُ فِيهَا قُدْوَةً ، وَقَدْ شَنَّعَ النَّاسُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ جِدًّا ، فَهَذَا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ ، لَيْسَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، كَمَا يُعَلِّمُونَ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ ، وَعَلَّمَهُ أَيْضًا عَلَى الْمِنْبَرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَمَّا مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَحَدِيثٌ
ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : مَعْنَاهُ كَامِلَةً ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ مَرَّةً فِي عُمْرِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ج١ / ص٤٢٨ابْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فِيهَا ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِي لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ انْتَهَى . وَرَأَيْت فِي بَعْضِ تَصَانِيفِ الْحَنَابِلَةِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا ، وَقَالَ : بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ : ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ : أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، انْتَهَى ، وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ .
قَوْلُهُ : وَالْفَرْضُ الْمَرْوِيُّ فِي التَّشَهُّدِ ، هُوَ التَّقْدِيرُ ، قُلْت : رَوَى النَّسَائِيّ فِي " بَابِ إيجَابِ التَّشَهُّدِ مِنْ سُنَنِهِ " أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، وَمَنْصُورُ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَى جَبْرَائِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُولُوا هَكَذَا ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ السَّلَامُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَوَاتُ ، وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا ، وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ بِلَفْظِ : يُفْرَضُ إلَّا النَّسَائِيّ ، فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ : كُنَّا إذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ ، قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد : كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ ، وَرِوَايَةٌ لِلنِّسَائِيِّ : كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، الْحَدِيثَ ، وَبِلَفْظِ النَّسَائِيّ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِمَا " ، وَقَالَا :
إسْنَادُهَا صَحِيحٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الْخُلَاصَةِ " : وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ فَرْضٌ ، انْتَهَى .