أَحَادِيثُ الْخُصُومِ في ذلك وتحقيقها والجواب عنها
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ لَهُمْ : حَدِيثُ إذَا صَلَّى جَالِسًا ، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَبَاقِي السِّتَّةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ : فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ ، قَالَ : إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، إلَى أَنْ قَالَ : وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا ،
فَصَلُّوا قُعُودًا وَأَخْرَجَاه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ الْحَدِيثَ . لَيْسَ فِيهِ قِصَّةُ الْفَرَسِ ، وَأَخْرَجَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُونَهُ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا ، فَصَلُّوا بِصَلَاتِهِ قِيَامًا . فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا ، فَجَلَسُوا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا . انْتَهَى .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، سَوَاءً ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " حَدِيثَ أَنَسٍ الْمَذْكُورَ ، مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْهُ ، مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ . وَلَفْظُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَجُحِشَتْ سَاقُهُ ، أَوْ كَتِفُهُ ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا ، فَجَلَسَ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا ، وَهُمْ قِيَامٌ ، فَلَمَّا سَلَّمَ : قَالَ : إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك آلَيْتَ شَهْرًا ؟ فَقَالَ : إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ . انْتَهَى .
ذَكَرَهُ فِي " أَوَائِلِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ " مُنْفَرِدًا بِهِ ، دُونَ الْبَاقِينَ ، وَتَكَلَّفَ الْقُرْطُبِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، فَقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ : صَلُّوا قِيَامًا . وَالْبَعْضُ صَلُّوا جُلُوسًا ، فَأَخْبَرَ أَنَسُ بِالْحَالَتَيْنِ ، وَهَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّعَسُّفِ ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ مَا يُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ صَلُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا . فَلَمَّا شَعَرَ بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ ، فَجَلَسُوا ، فَرَآهُمْ أَنَسٌ عَلَى الْحَالَتَيْنِ ، فَأَخْبَرَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، مُخْتَصِرًا لِلْأُخْرَى ، لَمْ يَذْكُرْ الْقِصَّةَ بِتَمَامِهَا ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمَانِ . الثَّانِي : وَهُوَ الْأَظْهَرُ : أَنَّهُمَا كَانَا فِي وَقْتَيْنِ ، وَإِنَّمَا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي إحْدَى الْوَاقِعَتَيْنِ عَلَى قِيَامِهِمْ خَلْفَهُ ، لِأَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَانَتْ تَطَوُّعًا ، وَالتَّطَوُّعَاتُ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْفَرَائِض .
وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ ، فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْمِ نَخْلَةٍ ، فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ ، فَأَتَيْنَاهُ نَعُودُهُ ، فَوَجَدْنَاهُ فِي مَشْرَبَةٍ لِعَائِشَةَ ، يُسَبِّحُ جَالِسًا ، قَالَ : فَقُمْنَا خَلْفَهُ ، فَسَكَتَ عَنَّا ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى نَعُودُهُ ، فَصَلَّى الْمَكْتُوبَةَ جَالِسًا ، فَقُمْنَا
خَلْفَهُ ، فَأَشَارَ إلَيْنَا فَقَعَدْنَا ، قَالَ : فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ ، قَالَ : إذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا ، فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَلَا تَفْعَلُوا ، كَمَا تَفْعَلُ فَارِسُ بِعُظَمَائِهَا انْتَهَى .
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " كَذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : وَفِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا وَهُمْ قِيَامٌ ، أَنَّهُ إنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ سُبْحَةً ، فَلَمَّا حَضَرَتْ الْفَرِيضَةُ أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ ، فَجَلَسُوا ، فَكَانَ أَمْرَ فَرِيضَةٍ لَا فَضِيلَةٍ . انْتَهَى . قُلْت : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّطَوُّعَاتِ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْفَرَائِضِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إيَّاكِ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ ، فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ انْتَهَى . وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ انْتَهَى .
وَأَصْحَابُنَا يَجْعَلُونَ أَحَادِيثَ : إذَا صَلَّى جَالِسًا ، فَصَلُّوا جُلُوسًا مَنْسُوخَةً بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمَ : أَنَّهُ صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ ، وَبِحَدِيثِ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ ، لَكِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَقَعَ فِيهِ اضْطِرَابٌ لَا يَقْدَحُ فِيهِ ، فَاَلَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إمَامًا ، وَأَبُو بَكْرٍ مَأْمُوم ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ الْعَكْسُ ، كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا انْتَهَى .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْقَوْمِ ، صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ انْتَهَى .
وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَارِضُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ ، مَعَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " : وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَامًا هِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، يَوْمَ السَّبْتِ . أَوْ الْأَحَدِ ، وَاَلَّتِي كَانَ فِيهَا مَأْمُومًا هِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ ، مِنْ يَوْمِ الِإثْنَيْنِ ،
وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ الدُّنْيَا ، قَالَ : وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا يَثْبُتُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ فِي صَلَاتِهِمْ يَوْمَ الِإثْنَيْنِ ، وَكَشْفِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ السِّتْرَ ، ثُمَّ إرْخَائِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ فَأَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي " الْمَغَازِي " عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْلَعَ عَنْهُ الْوَعْكُ لَيْلَةَ الِإثْنَيْنِ ، فَغَدَا إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، وَغُلَامٍ لَهُ ، وَقَدْ سَجَدَ النَّاسُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، حَتَّى قَامَ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبِهِ ، فَقَدَّمَهُ فِي مُصَلَّاهُ فَصَفَّا جَمِيعًا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ يَقْرَأُ ، فَرَكَعَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ ، ثُمَّ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قَضَى سُجُودَهُ ، فَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَةَ الْأُخْرَى ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ فَذَكَر الْقِصَّةَ فِي دُعَائِهِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، وَعَهْدِهِ إلَيْهِ فِيمَا بَعَثَهُ فِيهِ ، ثُمَّ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ ، أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، فَذَكَرَهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَالصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّاهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَهُوَ مَأْمُومٌ ، هِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، وَهِيَ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا بَيْنَ الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيٍّ ، وَاَلَّتِي كَانَ فِيهَا إمَامًا ، هِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ ، وَهِيَ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا بَيْنَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ . وَغُلَامٍ لَهُ ، وَفِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ . قُلْت : وَحَدِيثُ كَشْفِ السِّتَارَةِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " ، وَلَيْسَ فِيهِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، أَخْرَجَاهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ الِإثْنَيْنِ ،
وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ ، كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ ، فَنَظَرَ إلَيْنَا ، وَهُوَ قَائِمٌ ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا ، قَالَ : فَبُهِتْنَا ، وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ فَرَحًا بِرَسُولِ اللَّهِ ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَارِجٌ لِلصَّلَاةِ ، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ ، ثُمَّ دَخَلَ ، وَأَرْخَى السِّتْرَ ، وَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ .
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ
عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ زَائِدَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ الصَّحِيحَيْنِ ،
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ بِهِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّفِّ خَلْفَهُ . انْتَهَى .
قَالَ : فَهَذَا شُعْبَةُ قَدْ خَالَفَ زَائِدَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، وَهُمَا ثَبْتَانِ حَافِظَانِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : أَصلّى النَّاس ؟ قُلْنَا : لَا ، الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ : فَخَرَجَ بَيْنَ ثُوَيْبَةَ وَبَرِيرَةَ ، فَأَجْلَسَتَاهُ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، وَهُوَ جَالِسٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمٌ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ خَالَفَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، عَاصِمَ بْنَ أَبِي النَّجُودِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا . قَالَ : وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ ، وَنُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ حَافِظَانِ ثِقَتَان .
قَالَ : وَأَقُولُ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ : إنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ ، لَيْسَ فِيهَا تَعَارُضٌ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ صَلَاتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ : فِي إحْدَاهُمَا كَانَ إمَامًا ، وَفِي الْأُخْرَى كَانَ مَأْمُومًا ، قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي خَبَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ : الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيٍّ وَفِي خَبَرِ مَسْرُوقٍ عَنْهُمَا : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ بَيْنَ : بَرِيرَةَ
وَثُوَيْبَةَ انْتَهَى .
وَفِي كَلَامِ الْبُخَارِيِّ مَا يَقْتَضِي الْمَيْلَ إلَى أَنَّ حَدِيثَ : إذَا صَلَّى جَالِسًا ، فَصَلُّوا جُلُوسًا مَنْسُوخٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ : قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ آخِرُ مَا صَلَّى صَلَّى قَاعِدًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ ، فَالْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . انْتَهَى .
ذَكَرَهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، وَابْنُ حِبَّانَ لَمْ يَرَ بِالنَّسْخِ ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ فِي " صَحِيحِهِ " : وَفِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا ، كَانَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا ، وَأَفْتَى بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَقَيْسُ بْنُ قهْدٍ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا ، بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَالْإِجْمَاعُ عِنْدَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ أَفْتَى بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ خِلَافُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَلَا وَاهٍ ، فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْ التَّابِعِينَ أَيْضًا .
وَأَوَّلُ مَنْ أَبْطَلَ ذَلِكَ فِي الْأُمَّةِ : الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ ، وَأَخَذَه عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَنْ حَمَّادٍ أَبُو حَنِيفَةَ ، ثُمَّ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، وَأَعْلَى حَدِيثٍ احْتَجُّوا بِهِ ، حَدِيثٌ رَوَاهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا وَهَذَا لَوْ صَحَّ إسْنَادُهُ لَكَانَ مُرْسَلًا ، وَالْمُرْسَلُ عِنْدَنَا . وَمَا لَمْ يُرْوَ سِيَّانِ ، لِأَنَّا لَوْ قَبِلْنَا إرْسَالَ تَابِعِيٍّ ، وَإِنْ كَانَ ثِقَةً ، للَزِمَنَا قَبُولُ مِثْلِهِ عَنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، وَإِذَا قبلنَا لَزِمَنَا قَبُولُهُ مِنْ أَتْبَاعِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى أَنْ يُقْبَلَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، إذَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا نَقْضُ الشَّرِيعَةِ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجَرِّحُ جَابِرًا الْجُعْفِيِّ وَيُكَذِّبُهُ ، ثُمَّ لَمَّا اضطَرَهُ الْأَمْرُ جَعَلَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَنَا بِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْقَطَّانُ بِالرَّقَّةِ ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ سَمِعْت أَبَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ سَمِعْت أَبَا حَنِيفَةَ ، يَقُولُ : مَا رَأَيْت فِيمَنْ لَقِيت أَفْضَلَ مِنْ عَطَاءٍ ، وَلَا لَقِيت فِيمَنْ لَقِيت أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، مَا أَتَيْته بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي قَطُّ إلَّا جَاءَنِي فِيهِ بِحَدِيثٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَةَ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ فِي " كِتَابِ الضُّعَفَاءِ " ، انْتَهَى كَلَامُه .
وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ هَذَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِمَا " عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ :
لَمْ يَرْوِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ غَيْرُ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ . انْتَهَى .
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي " أَحْكَامِهِ " : وَرَوَاهُ عَنْ الْجُعْفِيِّ مُجَالِدٌ ، وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ . انْتَهَى .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَعْرِفَةِ " : الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي رِوَايَتِهِ مَذْمُومٌ فِي رَأْيِهِ ، ثُمَّ قَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْهُ عَنْ الْحَكَمِ ، قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ جَالِسًا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا مُرْسَلٌ مَوْقُوفٌ ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ صَلَّى ، وَهُوَ مَرِيضٌ جَالِسًا ، وَصَلَّى النَّاسُ خَلْفَهُ جُلُوسًا .
وَأَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَسِيد بْنَ حُضَيْرٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنَّمَا فَعَلَا مِثْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْلَمَا بِالنَّاسِخِ ، وَكَذَلِكَ مَا حُكِيَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَمُّوا جَالِسِينَ ، وَمَنْ خَلْفَهُمْ جُلُوسٌ ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ النَّسْخُ ، وَعِلْمُ الْخَاصَّةِ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضٍ ، وَيَعْزُبُ عَنْ بَعْضٍ . انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي " كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي " الْإِمَامِ " يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا مِنْ مَرَضٍ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُصَلُّونَ قُعُودًا ، اقْتِدَاءً بِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ . وَحَدِيثِ أَنَسٍ : وَإِذَا صَلَى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ ، وَقَدْ فَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَقَيْسُ بْنُ قهْدٍ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُصَلُّونَ قِيَامًا : وَلَا يُتَابِعُونَهُ فِي الْجُلُوس .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَادَّعَوْا نَسْخَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ بِأَحَادِيثَ أُخْرَى : مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى بِالنَّاسِ جَالِسًا ، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ قَائِمٌ يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إمَامًا حَقِيقَةً ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِإِمَامَيْنِ ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْإِمَامَ ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ يُبَلِّغُ النَّاسَ ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ إمَامًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى كَلَامُه .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَقْوَى الِاحْتِجَاجُ عَلَى أَحْمَدَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى جَالِسًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ بَلْ وَلَا يَصْلُحُ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ صَلَاةُ الْقَائِمِ خَلْفَ مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاتِهِ قَائِمًا ، ثُمَّ قَعَدَ لِعُذْرٍ ، وَيَجْعَلُونَ هَذَا مِنْهُ ، سِيَّمَا ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " . وَأَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ
فِي " كِتَابِهِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ " : وَهِيَ رِوَايَةٌ مُرْسَلَةٌ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذَلِكَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " بِسَنَدٍ فِيهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ مَثَالِبَ فِي دِينِه .
قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَثِيرًا مَا يُرْسِلُ ، وَلَا يَذْكُرُ مَنْ حَدَّثَهُ ، حَتَّى قَالُوا : إنَّ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا ، وَقِيلَ : أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، جَمَعَهَا الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ ، هُوَ أَنْ يُحْمَلَ أَحَادِيثُهُ كُلُّهَا عَلَى السَّمَاعِ الْمُتَّصِلِ ، حَتَّى يَظْهَرَ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ بِوَاسِطَةٍ ، فَيُقَالُ حِينَئِذٍ : إنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَذَلِكَ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ . انْتَهَى .
وَحَدِيثُ الْعَبَّاسِ هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ حَدِيثِ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، عَنْ أَرَقْمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الْعَبَّاسِ ، قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَقَرَأَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ انْتَهَى .
قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُ هَذَا الْكَلَامَ يُرْوَى إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . انْتَهَى . قُلْت : رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ قَيْسٍ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَرْقَمِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ ، إلَى أَنْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ كَانَ بَلَغَ أَبُو بَكْرٍ .
قَالَ وَكِيعٌ : وَكَذَا السُّنَّةُ ، مُخْتَصَرٌ .