الأحاديث في خطبة الجمعة وكونها خطبتين
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ بِدُونِ الْخُطْبَةِ قُلْت : ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " التَّحْقِيقِ " عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ بِهَذَا ، مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي .
قَوْلُهُ : وَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ قَالَ : بِهِ وَرَدَتْ السُّنَّةُ " يَعْنِي الْخُطْبَةَ " ، قُلْت : يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ، وَكَثُرَ النَّاسُ أَمَرَ بِالْأَذَانِ الثَّانِي ، عَلَى الزَّوْرَاءِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَذَانَ لَا يَكُونُ إلَّا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا كَانَ الْأَذَانُ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ لِلْخُطْبَةِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ ، وَيُؤْخَذُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ : أَسَمِعْت أَبَاك يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيَانِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : قُلْت : نَعَمْ ، سَمِعْته يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَاةَ ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ : يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَرِ انْتَهَى .
قَوْلُهُ : وَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِقَعْدَةٍ ، بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ ، قُلْت : فِيهِ أَحَادِيثُ ، فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ ، يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا : كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ، ثُمَّ يَقْعُدُ ، ثُمَّ يَقُومُ ، كَمَا يَفْعَلُونَ الْآنَ انْتَهَى .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ، ثُمَّ يَجْلِسُ ، ثُمَّ يَقُومُ ، فَيَخْطُب قَائِمًا ، فَمَنْ حَدَّثَك أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا ، فَقَدْ كَذَبَ ، فقَدْ وَاَللَّهِ صَلَّيْت مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ انْتَهَى .
حَدِيثٌ آخَرُ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ،
قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ ، كَانَ يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ أراه الْمُؤَذِّنِ ، ثُمَّ يَقُومُ ، فَيَخْطُبُ ، ثُمَّ يَجْلِسُ ، فَلَا يَتَكَلَّمُ ، ثم يَقُومُ ، فَيَخْطُبُ انْتَهَى وَالْعُمَرِيُّ فِيهِ مَقَال .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) مُرْسَلٌ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي " مَرَاسِيلِهِ " مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْدَأُ ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ ، قَامَ ، فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى ، ثُمَّ جَلَسَ شَيْئًا يَسِيرًا ، ثُمَّ قَامَ ، فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ ، حَتَّى إذَا قَضَاهَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ، ثُمَّ نَزَلَ ، فَصَلَّى . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ إذَا قَامَ أَخَذَ عَصَا ، فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَفِي هَذَا الْمُرْسَلِ ، وَفِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمَا ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُقَوِّي الْآخَرَ .
قَوْله : وَيَخْطُبُ قَائِمًا عَلَى الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِيهَا مُتَوَارَثٌ ، قُلْت : تَقَدَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ .
قَوْلُهُ : عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَارْتُجَّ عَلَيْهِ ، فَنَزَلَ ، وَصَلَّى ، قُلْت : غَرِيبٌ ، وَاشْتُهِرَ فِي الْكُتُبِ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَارْتُجَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَكَان مَقَالًا ، فَإِنَّكُمْ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ ، أَحْوَجُ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ ، وَسَتَأْتِي الْخُطْبَةُ بَعْدَ هَذَا ، وَالسَّلَامُ ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْقَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ السَّرَقُسْطِيُّ فِي " كِتَابِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ " مِنْ غَيْرِ سَنَدٍ ، فَقَالَ : رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَارْتُجَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، إنَّ أَوَّلَ كُلِّ مَرْكَبٍ صَعْبٌ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا ، وَأَنْتُمْ إلَى إمَامٍ عَادِلٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَائِلٍ ، وَإِنْ أَعِشْ تَأْتِكُمْ الْخُطْبَةُ عَلَى وَجْهِهَا ، وَيَعْلَمُ اللَّهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : يُقَالُ اُرْتُجَّ عَلَى فُلَانٍ ، إذَا أَرَادَ قَوْلًا ، فَلَمْ يَصِلْ إلَى إتْمَامِهِ . انْتَهَى .