جواز الاستظلال بالبيت وغيره للمحرم
قَوْلُهُ : رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُضْرَبُ لَهُ فُسْطَاطٌ فِي إحْرَامِهِ ، قُلْت : غَرِيبٌ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا الصَّلْتُ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ ، قَالَ : رَأَيْت عُثْمَانَ بِالْأَبْطَحِ ، وَأَنَّ فُسْطَاطَه مَضْرُوبٌ ، وَسَيْفَهُ مُعَلَّقٌ بِالشَّجَرَةِ ، انْتَهَى . ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمُحْرِمِ يَحْمِلُ السِّلَاحَ ، وَالْمُصَنِّفُ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْأَثَرِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِالْبَيْتِ ، وَالْفُسْطَاطِ ، وَالْمَحْمِلِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَوَافَقَ هُنَا الشَّافِعِيَّ فِي ذَلِكَ ، وَمَنَعَهُ أَحْمَدُ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ ، وَاسْتَدَلَّ لِمَذْهَبِنَا بِحَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَتْ : حَجَجْت مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْت أُسَامَةَ ، وَبِلَالًا ، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا كَثِيرًا ، ثُمَّ سَمِعْته يَقُولُ : إنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتهَا قَالَتْ : أَسْوَدُ - يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ : رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ الشَّمْسِ ، الْحَدِيثَ ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ : فَقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا رَفَعَ الثَّوْبَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمْسِ ، لَا أَنَّهُ رَفَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَظَلَّلَهُ بِهِ ، قَالَ فِي التَّنْقِيحِ : وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ ، فَإِنَّ التَّظْلِيلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَالشَّمْسُ فِي الصَّيْفِ عَلَى الرُّءُوسِ ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ التَّظْلِيلُ عَلَى رَأْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَأَنَّهُ ذَهَلَ عَنْ لَفْظِ مُسْلِمٍ ، وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُظِلُّهُ مِنْ الشَّمْسِ ، وَرَأَيْته فِي غَيْرِ كِتَابِ التَّنْقِيحِ ، نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : لَا حُجَّةَ فِيهِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّمْيُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ : حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، وَقَعَ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ ، أَمَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، أَوْ الثَّالِثِ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ إحْرَامِهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ أَلْفَاظُهُ ، فَإِنْ وَرَدَ : حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، صَحَّ الِاحْتِجَاجُ ، لَكِنَّهُ يَبْعُدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّظْلِيلِ مِنْ الْحَرِّ أَوْ الشَّمْسِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ فِي الْإِمَامِ لذَلِكَ بِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ ، فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ ، الْحَدِيثَ ، وَنَمِرَةُ : بِفَتْحِ النُّونِ ، وَكَسْرِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : خَرَجْت مَعَ عُمَرَ ، فَكَانَ يَطْرَحُ النِّطَعَ عَلَى الشَّجَرَةِ فَيَسْتَظِلُّ بِهِ - يَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ - انْتَهَى .