تحقيق اختلاف الأئمة في الاستعانة بالمشركين ولا خلاف بين أحاديث الجواز والمنع والأمر مفوض للإمام
قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي " كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " : وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى مَنْعِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْمُشْرِكِينَ ، وَمِنْهُمْ أَحْمَدُ مُطْلَقًا ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَقَالُوا : إنَّ مَا يُعَارِضُهُ لَا يُوَازِيهِ فِي الصِّحَّةِ ، فَتَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَغْزُوا مَعَهُ ، وَيَسْتَعِينَ بِهِمْ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ قِلَّةً بِحَيْثُ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ، وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي رَوَى مَالِكٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ مُشْرِكًا أَوْ مُشْرِكَيْنِ ، وَأَبَى أَنْ يَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ ، كَانَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَعَانَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ بِيَهُودِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَاسْتَعَانَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانٍ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَهُوَ مُشْرِكٌ فَالرَّدُّ الَّذِي فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : إنْ كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ ، كَمَا لَهُ رَدُّ الْمُسْلِمِ لِمَعْنًى يَخَافُهُ ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مُخَالِفًا لِلْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُشْرِكٌ فَقَدْ نَسَخَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ اسْتِعَانَتِهِ بِالْمُشْرِكِينَ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ، إذَا خَرَجُوا طَوْعًا ، وَيُرْضَخُ لَهُمْ ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهُمْ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا رَدَّ الْمُشْرِكَ الَّذِي رَدَّهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ ، رَجَاءَ إسْلَامِهِ ، قَالَ : وَذَلِكَ وَاسِعٌ لِلْإِمَامِ ، أَنْ يَرُدَّ الْمُشْرِكَ ، وَيَأْذَنَ لَهُ ، انْتَهَى . وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ كُلُّهُ نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ .