تفضيل الأراضي العشرية وأنها أربعة أنواع
فَائِدَةٌ : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي " كِتَابِ الْأَمْوَالِ " : الْأَرَاضِي الْعُشْرِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَرْضِ خَرَاجٍ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ :
أَحَدُهَا : أَرْضٌ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا ، فَهُمْ مَالِكُونَ لَهَا كَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ ، وَالْيَمَنِ ، وَالْبَحْرَيْنِ ،
وَكَذَلِكَ مَكَّةُ ، إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يُعَرِّضْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُمْ ، قَالَ : وَحَدَّثْت عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَكَّةَ : لَا تَحِلُّ غَنِيمَتُهَا .
وَالنَّوْعُ الثَّانِي : كُلُّ أَرْضٍ أُخِذَتْ عَنْوَةً ، ثُمَّ إنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَرَ أَنْ يَجْعَلَهَا فَيْئًا مَوْقُوفًا ، وَلَكِنَّهُ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهَا غَنِيمَةً فَخَمَّسَهَا ، وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا خَاصَّةً ، كَفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ ، فَهِيَ أَيْضًا مِلْكُهُمْ ، لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ الْعُشْرِ ، وَكَذَلِكَ الثُّغُورُ كُلُّهَا إذَا قُسِمَتْ بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا خَاصَّةً ، وَعَزَلَ عَنْهَا الْخُمُسَ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ .
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ : كُلُّ أَرْضٍ عَادِيَةٍ لَا رَبَّ لَهَا ، وَلَا عَامِرَ ، أَقْطَعَهَا الْإِمَامُ رَجُلًا إقْطَاعًا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَوْ غَيْرِهَا ، كَفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ ، فِيمَا أَقَطَعُوا مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ ، وَالْيَمَامَةِ ، وَالْبَصْرَةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا .
وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ : كُلُّ أَرْضٍ مَيِّتَةٍ اسْتَخْرَجَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَحْيَاهَا بِالنَّبَاتِ وَالْمَاءِ .
فَهَذِهِ الْأَرْضُونَ الَّتِي جَاءَتْ فِيهَا السُّنَّةُ بِالْعُشْرِ ، أَوْ نِصْفِ الْعُشْرِ ، وَكُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ ، فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ ; إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا ، كَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ ، وَالصَّامِتُ يُوضَعُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي " سُورَةِ بَرَاءَةٌ " خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ ، وَمَا سِوَى هَذِهِ مِنْ الْبِلَادِ ، فَلَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ أَرْضَ عَنْوَةٍ صُيِّرَتْ فَيْئًا كَأَرْضِ السَّوَادِ ، وَالْجِبَالِ ، وَالْأَهْوَازِ ، وَفَارِسَ ، وَكَرْمَانَ ، وَأَصْبَهَانَ ، وَالرَّيِّ ، وَأَرْضِ الشَّامِ ، سِوَى مُدُنِهَا ، وَمِصْرَ ، وَالْمَغْرِبِ ; أَوْ تكُونَ أَرْضَ صُلْحٍ ، مِثْلُ : نَجْرَانَ ، وَأَيْلَةَ ، وَأَذْرَحَ ، وَدُومَةَ الْجَنْدَلِ ، وَفَدَكَ ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، مِمَّا صَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُلْحًا ، أَوْ فَعَلَتْهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ ، وَكَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ ، وَبَعْضِ أَرْمِينِيَةَ ، وَكَثِيرٍ مِنْ كُوَرِ خُرَاسَانَ ، فَهَذَانِ النَّوْعَانِ مِنْ الْأَرَضِينَ ، الصُّلْحُ ، وَالْعَنْوَةُ الَّتِي تَصِيرُ فَيْئًا يَكُونَانِ عَامًّا لِلنَّاسِ فِي الْأَعْطِيَةِ ، وَأَرْزَاقِ الذُّرِّيَّةِ ، وَمَا يَنُوبُ الْإِمَامُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : الْأَرْاضُي الْمُفْتَتَحَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا : الْأَرَاضِي الَّتِي أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ لَهُمْ مِلْكٌ ، وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُ ، وَأَرْضٌ اُفْتُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى خَرَاجٍ مَعْلُومٍ ، فَهُمْ عَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ ، لَا يَلْزَمُهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ ، وَأَرْضٌ أُخِذَتْ عَنْوَةً فَهِيَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهَا ، فَقِيلَ : سَبِيلُهَا سَبِيلُ الْغَنِيمَةِ ، تُخَمَّسُ ، وَتُقْسَمُ ، فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، وَالْخُمُسُ الْبَاقِي لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ; وَقِيلَ : النَّظَرُ فِيهَا لِلْإِمَامِ إنْ شَاءَ جَعَلَهَا غَنِيمَةً ، فَيُخَمِّسُهَا وَيَقْسِمُهَا ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا بَقُوا ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِالسَّوَادِ . انْتَهَى كَلَامُهُ مُحَرَّرًا .