بيان تواتر الأحاديث وانعقاد الإجماع على تحريم الخمر
قَوْلُهُ : وَقَدْ جَاءَتْ السَّنَةُ مُتَوَاتِرَةً أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ الْخَمْرَ ، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ ; قُلْت : الْأَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَمَا شَرَابُهُمْ إلَّا الْفَضِيخُ : الْبُسْرُ ، وَالتَّمْرُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي ، فَقَالَ : اُخْرُجْ ، فَانْظُرْ ، فَخَرَجْتُ ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي : أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : اُخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا ، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي " التَّقَصِّي " : هَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ مَرْفُوعٌ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِثْلَهُ ، مِمَّا شُوهِدَ فِيهِ نُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى .
وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي : أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ذَكَرَهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ ، قَالَ :
سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ الْخَمْرِ ، فَقَالَ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ ، أَوْ مِنْ دَوْسٍ ، فَلَقِيَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ بِرَاوِيَةِ خَمْرٍ يُهْدِيهَا إلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا فُلَانُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا ؟ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ ، فَقَالَ : اذْهَبْ فَبِعْهَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا فُلَانُ بِمَاذَا أَمَرْتَهُ ؟ قَالَ : أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا ، فَقَالَ : إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي الْبَطْحَاءِ ، انْتَهَى .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ ، وَالْمَيْسِرَ ، وَالْكُوبَةَ ، وَالْغُبَيْرَاءَ .
حَدِيثٌ آخَرُ : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ ، قَالَ : فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ ، وَفِيهَا زِقَاقُ الْخَمْرِ ، فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ ، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي ، وَيُعَاوِنُونِي ، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا ، فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إلَّا شَقَقْتُهُ ، فَفَعَلْتُ ، فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إلَّا شَقَقْتُهُ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِقِصَّةٍ فِيهِ ، وَقَالَ فِيهِ : ثُمَّ دَعَا بِسِكِّينٍ ، فَقَالَ : اشْحَذُوهَا ، فَفَعَلُوا ، ثُمَّ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَخَرَّقَ بِهَا الزِّقَاقَ ، فَقَالَ النَّاسُ : فِي هَذِهِ الزِّقَاقِ مَنْفَعَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَجَلْ ، وَلَكِنِّي إنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ غَضَبًا لِلَّهِ ، لِمَا فِيهَا مِنْ سَخَطِهِ ، وَبَقِيَّةُ السَّنَدِ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، فَذَكَرَهُ .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) :
رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِهِ " ذَمُّ الْمُسْكِرِ " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ ، عَنْ الْفضيلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النّميرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ ، إنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلَا قَبْلَكُمْ يَتَعَبَّدُ ، وَيَعْتَزِلُ النَّاسَ ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأَةٌ غَوِيَّةٌ ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ جَارِيَتَهَا ، فَقَالَتْ : إنَّا نَدْعُوَك لِشَهَادَةٍ ، فَدَخَلَ مَعَهَا ، فَطَفِقَتْ كُلَّمَا دَخَلَ بَابًا أَغْلَقَتْهُ دُونَهَا ، حَتَّى أَفْضَى إلَى امْرَأَةٍ وَضِيئَةٍ ، عِنْدَهَا غُلَامٌ وَبَاطِيَةُ خَمْرٍ ، فَقَالَتْ : إنِّي وَاَللَّهِ مَا دَعَوْتُك لِشَهَادَةٍ ، وَلَكِنْ دَعَوْتُك لِتَقَعَ عَلَيَّ ، أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ ، أَوْ تَشْرَبَ هَذَا الْخَمْرَ ، فَسَقَتْهُ كَأْسًا ، فَقَالَ : زِيدُونِي ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَقَتَلَ النَّفْسَ ، فَاجْتَنِبُوا الْخَمْرَ ، فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ هِيَ وَالْإِيمَانُ أَبَدًا إلَّا أَوْشَكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ " انْتَهَى .
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " مَوْقُوفًا عَلَى عُثْمَانَ ، وَهُوَ أَصَحُّ .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْخَمْرَ مِنْ خَيْبَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَيَبِيعُهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَحَمَلَ مِنْهَا بِمَالٍ ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، فَوَضَعَهَا حَيْثُ انْتَهَى عَلَى تَلٍّ ، وَسَجَّاهَا بِأَكْسِيَةٍ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلَغَنِي أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ، قَالَ : أَجَلْ ، قَالَ : هَلْ لِي أَنْ أَرُدَّهَا عَلَى مَنْ ابْتَعْتُهَا مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَفَأُهْدِيهَا إلَى مَنْ يُكَافِئُنِي مِنْهَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنَّ فِيهَا مَالًا لِيَتَامَى فِي حِجْرِي ، قَالَ : إذَا أَتَانَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ فَأْتِنَا ، نُعَوِّضُ أَيْتَامَك مِنْ مَالِهِمْ ، ثُمَّ نَادَى بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَوْعِيَةُ يُنْتَفَعُ بِهَا ؟ قَالَ : فَحَلُّوا أَوْكِيَتَهَا ، فَانْصَبَّتْ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ فِي بَطْنِ الْوَادِي انْتَهَى .
وَبَقِيَّةُ السَّنَدِ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ ، ثَنَا يَعْقُوبُ الْعَمِّيُّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَذَكَرَهُ .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) :
حَدِيثُ : لُعِنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةٌ ، تَقَدَّمَ فِي " الْكَرَاهِيَةِ " بِجَمِيعِ طُرُقِهِ .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُدْمِنُ خَمْرٍ كَعَابِدِ وَثَنٍ " انْتَهَى .
وَفِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا : شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ انْتَهَى .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ ، انْتَهَى .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) :
أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ خَبَّابُ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إيَّاكَ وَالْخَمْرَ ، فَإِنَّ خَطِيئَتَهَا تُفَرِّعُ الْخَطَايَا ، كَمَا أَنَّ شَجَرَتَهَا تُفَرِّعُ الشَّجَرَ انْتَهَى .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) :
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ،
فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبْ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ ، قِيلَ : يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَمَا نَهْرُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : نَهْرٌ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ انْتَهَى . وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ نَحْوُهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ .
قَوْلُهُ : وَالشَّافِعِيُّ يُعَدِّيهِ إلَيْهَا ، وَهُوَ بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ ; قُلْت : كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى حَدِيثِ : حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .