أَحَادِيثُ الْبَابِ مُسْنَدَةٌ ومرسلة
أَحَادِيثُ الْبَابِ : فِيهِ أَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ ، وَأَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ . فَالْمُسْنَدَةُ : مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الدِّيَاتِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحُدُودِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبْرَزَ سَرِيرَهُ يَوْمًا لِلنَّاسِ ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ ؟ قَالُوا : الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ ، الْحَدِيثُ بِطُولِهِ ، إلَى أَنْ قَالَ - يَعْنِي الْأَنْصَارَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَاحِبُنَا كَانَ يَتَحَدَّثُ مَعَنَا ، فَخَرَجَ بَيْنَ أَيْدِينَا ، فَإِذَا نَحْنُ بِهِ يَتَشَحَّطُ فِي الدَّمِ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بِمَنْ تَظُنُّونَ ؟ قَالُوا : نَرَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْهُ ، فَأَرْسَلَ إلَى الْيَهُودِ ، فَدَعَاهُمْ ، فَقَالَ : أَأَنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذَا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : أَتَرْضَوْنَ نَفَلَ خَمْسِينَ مِنْ الْيَهُودِ مَا قَتَلُوهُ ؟ فَقَالُوا : مَا يُبَالُونَ أَنْ يَقْتُلُونَا أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ يَنْتَفِلُونَ ، قَالَ : أَفَتَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا : مَا كُنَّا لِنَحْلِفَ ، فَوَدَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، مِنْ عِنْدِهِ مُخْتَصَرٌ . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الدِّيَاتِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ ، عَنْ بُشَيْرٍ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا ، فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا ، وَقَالُوا لِلَّذِينَ وُجِدَ فِيهِمْ : قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا ؟ قَالُوا : مَا قَتَلْنَا ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا ، فَانْطَلَقُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ انْطَلَقْنَا إلَى خَيْبَرَ ، فَوَجَدْنَا أَحَدَنَا قَتِيلًا ، فَقَالَ لَهُمْ : تَأْتُونِي بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ؟ قَالُوا : مَا لَنَا بَيِّنَةٌ ، قَالَ : فَيَحْلِفُونَ ؟ قَالُوا : لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَلَّ دَمُهُ ، فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ انْتَهَى .
وَفِيهِ نَظَرٌ - أَعْنِي أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ - . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ ، وَبَدَأَ بِهِمْ : يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا ، فَأَبَوْا ، فَقَالَ للْأَنْصَارُ : اسْتَحقوا ؟ قَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةً عَلَى يَهُودَ ، لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ : مَا مَنَعَك عَلَى أَنْ تَأْخُذَ بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ ؟ قَالَ : مُرْسَلٌ ، وَالْقَتِيلُ أَنْصَارِيٌّ ، والأنصاريون بِالْعِنَايَةِ أَوْلَى بِالْعِلْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، انْتَهَى .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ يَهُودَ قَتَلَتْ مُحَيِّصَةُ ، فَأَنْكَرَتْ الْيَهُودُ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ لِقَسَامَتِهِمْ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا خَمْسِينَ رَجُلًا ، أَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنْ قَتْلِهِ ، فَنَكَلَتْ يَهُودُ عَنْ الْأَيْمَانِ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي حَارِثَةَ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا خَمْسِينَ رَجُلًا أَنَّ يَهُودَ قَتَلَتْهُ غِيلَةً ، وَيَسْتَحِقُّونَ بِذَلِكَ الَّذِي يَزْعُمُونَ ، فَنَكَلَتْ بَنُو حَارِثَةَ عَنْ الْأَيْمَانِ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِعَقْلِهِ عَلَى يَهُودَ ، لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَفِي دِيَارِهِمْ انْتَهَى . وَفِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَيَأْتِيَانِ فِي حَدِيثِ الْجَمْعِ بَيْنَ الدِّيَةِ ، وَالْقَسَامَةِ . الْمَرَاسِيلُ : فِيهِ عَنْ ابن الْمُسَيِّبِ ، وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَحَدِيثُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ : تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَسَنِ : فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِيَهُودِ ، فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا ، فَرَدَّ الْقَسَامَةَ عَلَى الْأَنْصَارِ ، فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَقْلَ عَلَى يَهُودَ ، انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ دِيَارٍ ، أَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ نَكَلُوا حلفَ الْمُدَّعُونَ ، وَاسْتَحَقُّوا ، فَإِنْ نَكَلَ الْفَرِيقَانِ ، كَانَتْ الدِّيَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ انْتَهَى . أَثَرٌ : رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بَدَأَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي الْقَسَامَةِ بِالْأَيْمَانِ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَغَيْرُهُ .
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ : تُبْرِئُكُمْ الْيَهُودُ بِأَيْمَانِهَا ; قُلْت : تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَهْلٍ ، رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ السِّتَّةُ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَمَعَ بَيْنَ الدِّيَةِ ، وَالْقَسَامَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ سَهْلٍ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ زِيَادٍ قُلْت : حَدِيثُ ابْنِ سَهْلٍ لَيْسَ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الدِّيَةِ ، وَالْقَسَامَةِ ; وَحَدِيثُ ابْنِ زِيَادٍ غَرِيبٌ ; وَرَوَى الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٌ ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَامِينَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَتْ الْقَسَامَةُ فِي الدَّمِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُقِدَ تَحْتَ اللَّيْلِ ، فَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ ، فَقَالُوا : إنَّ صَاحِبَنَا يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ ، فَقَالَ : أَتَعْرِفُونَ قَاتِلَهُ ؟ قَالُوا : لَا ، إلَّا أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا ، فَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ، ثُمَّ خُذُوا الدِّيَةَ مِنْهُمْ ، فَفَعَلُوا انْتَهَى . وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ إلَّا مِنْ أَبِي كُرَيْبٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَامِينَ هَذَا ، فَقَدْ رَوَى عَنْهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْر ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، انْتَهَى .
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وُجِدَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ قَتِيلًا فِي دَالِيَةِ نَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِهِمْ ، فَاسْتَحْلَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُ ، وَلَا عَلِمْت قَاتِلًا ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ ، فَقَالُوا : لَقَدْ قَضَى بِمَا فِي نَامُوسِ مُوسَى ، انْتَهَى . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : الْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِالْكَلْبِيِّ ، وَقَدْ خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ هَذِهِ رِوَايَةَ الثِّقَاتِ ، انْتَهَى .