فَصْلٌ فِيمَا عَارَضَ ذَلِكَ
( 49 ) - حَدِيثُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ : ( شَكَوْنَا إلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا ، وَأَكُفِّنَا ، فَلَمْ يُشْكِنَا ) . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْأَرْبَعِينَ لَهُ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خُزَيْمَةَ ، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ الْأَصْفَاطِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْهُ بِهَذَا . وَقَالَ : رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُس ، يُرِيدُ أَصْلَ الْحَدِيثِ وَهُوَ كَذَلِكَ ; إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ : فِي جِبَاهِنَا ، وَأَكُفِّنَا ، وَلَا فِيهِ لَفْظُ : ( حَرُّ ) .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ هُوَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ نَحْوَ لَفْظِ مُسْلِمٍ ، وَزَادَ وَقَالَ : ( إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلُّوا ) ، وَكَذَا زَادَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَلَفْظُهُ : فَمَا أَشْكَانَا . أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا ، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ : ( إذَا زَالَتْ ) إلَى آخِرِهِ مَدْرَجَةٌ بَيَّنَ ذَلِكَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ خَبَّابٍ . وَأَعَلَّهُ أَبُو زُرْعَةَ بِأَنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ إنَّمَا هُوَ لِمَتْنِ : ( كُنَّا نَعْرِفُ قِرَاءَتُهُ بِاضْطِرَابٍ لِحْيَتِهِ ) .
وَإِنَّمَا رَوَى الْأَعْمَشُ حَدِيثَ الرَّمْضَاءِ عَنْ أبي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ خَبَّابٍ ، وَهَمَ فِيهِ وَكِيعٌ فَقَالَ : عَنْ حَارِثَةَ بَدَلَ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ . ( فَائِدَة ) احْتَجَّ الرَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ كَشْفِ الْجَبْهَةِ فِي السُّجُودِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِحَدِيثِ أَنَسٍ : ( فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ ) . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ يُبَاشِرُونَ الْأَرْضَ بِالْجِبَاهِ ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ كَالْحَرِّ يَتَّقُونَ بِالْحَائِلِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَطْلُوبُهُمْ السُّجُودَ عَلَى الْحَائِلِ لَأَذِنَ لَهُمْ فِي اتِّخَاذِ مَا يَسْجُدُونَ عَلَيْهِ مُنْفَصِلًا عَنْهُمْ ، فَقَدْ ثَبَتَ : ( أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ ، وَعَلَى الْفِرَاشِ ) .
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ الْحَائِلُ ، وَإِنَّمَا طَلَبُوا مِنْهُ تَأْخِيرَهَا زِيَادَةً عَلَى مَا كَانَ يُؤَخِّرُهَا وَيُبَرِّدُ بِهَا فَلَمْ يُجِبْهُمْ ، وَاَللَّهُ أَعَلْمُ . وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْهُ ، وَصَحَّحَ الْبُخَارِيُّ وَقْفَهُ ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ ، وَالْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ ، وَأَعَلَّهُ بِبلهط رَاوِيهِ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَقَالَ : مَجْهُولٌ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، وَقَالَ : إنَّهُ لَمْ يَرْوِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ . ( فَائِدَة ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَحَادِيثُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ ، يَعْنِي مَرْفُوعًا .
وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ عَمَائِمُ الْقَوْمِ صِغَارًا لَيِّنَةً ، وَكَانَ السُّجُودُ عَلَى كَوْرِهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْجَبْهَةِ إلَى الْأَرْضِ . وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ . وَيَسْجُدُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى عِمَامَتِهِ .
عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا أَصَحُّ مَا فِي السُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ مَوْقُوفًا عَلَى الصَّحَابَة ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَيْوَانَ السَّبائي : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسْجُدُ إلَى جَنْبِهِ وَقَدْ اعْتَمَّ عَلَى جَبْهَتِهِ فَحَسَرَ عَنْ جَبْهَتِهِ ) ، وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : ( رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ ارْفَعْ عِمَامَتَكَ )وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْبَيْهَقِيُّ فَوَرَدَتْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَفِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي أَوْفَى : فَفِي الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ وَفِيهِ فَائِد أَبُو الْوَرْقَاءِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَمَّا جَابِرٌ : فَفِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، وَهُمَا مَتْرُوكَانِ وَأَمَّا أَنَسٌ : فَفِي عِلَلِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَفِيهِ حَسَّانُ بْنُ سِيَاهٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا عَنْ زَيْدِ بْنِ الْأَصَمِّ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ )قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . حَدِيثُ : ( الْزَقْ جَبْهَتَكَ بِالْأَرْضِ ) تَقَدَّمَ قَرِيبًا .