كِتَابُ الصِّيَامِ
( 14 ) - حَدِيثُ ( أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) . الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، دُونَ قَوْلِهِ : فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَإِنَّا لَمْ نَرَهَا صَرِيحَةً فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، لَكِنَّ لَفْظَ الْبُخَارِيِّ : ( احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ) . وَلَهُ طُرُقٌ عِنْدَ النَّسَائِيّ غَيْرُ هَذِهِ وَهَّاهَا وَأَعَلَّهَا ، وَاسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ من شَأْنُهُ التَّطَوُّعَ بِالصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا إلَّا وَهُوَ مُسَافِرٌ ، وَلَمْ يُسَافِرْ فِي رَمَضَانَ إلَى جِهَةِ الْإِحْرَامِ إلَّا فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا ، قُلْت : وَفِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى نَظَرٌ ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ فَعَلَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تَرِدُ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الذِّكْرِ ، فَأَوْهَمَ أَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا ، وَالْأَصْوَبُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ : احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ .
فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَعَ فِي حَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ ، وَهَذَا لَا مَانِعَ ، مِنْهُ ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ مُسَافِرٌ . وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ : وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ . وَيُقَوِّي ذَلِكَ : أَنَّ غَالِبَ الْأَحَادِيثِ وَرَدَ مُفَصَّلًا .
قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رُوِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، الثَّانِي : احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، الثَّالِثُ : احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، الرَّابِعُ : احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ ، فَالْأَوَّلُ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ، وَفِي النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَجَابِرٍ ، وَالثَّانِي رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ عَنْهُ ، لَكِنْ أُعِلَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَسْمُوعِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : فَلِذَلِكَ كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لَلصَّائِمِ . وَالْحَجَّاجُ ضَعِيفٌ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : فَغَشِيَ عَلَيْهِ .
وَالثَّالِثُ : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَالرَّابِعُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْهُ ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ مُهَنَّأ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ صَائِمٌ إنَّمَا هُوَ مُحْرِمٌ ، قُلْت : مَنْ ذَكَرَهُ ؟ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَرَوْحٌ عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ طَاوُسٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَذْكُرُونَ صِيَامًا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ ( النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ ) . فَقَالَ : هَذَا خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ شَرِيكٌ ، إنَّمَا هُوَ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ كَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ عَاصِمٍ ، وَحَدَّثَ بِهِ شَرِيكٌ مِنْ حِفْظِهِ ، وَكَانَ سَاءَ حِفْظُهُ فَغَلِطَ فِيهِ : وَرَوَى قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : هَذَا رِبحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا مُحْرِمًا لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا . ( تَنْبِيهٌ ) : تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي زَادَهُ الرَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : لَمْ أَرَهُ صَرِيحًا فِي طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْطِرًا ، كَمَا صَحَّ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ أَرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ .
وَعَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : هَذَا الْخَبَرُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ فِي سَفَرٍ لَا فِي حَضَرٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا مُقِيمًا بِبَلَدٍ ، قَالَ : وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ نَوَى الصَّوْمَ وَمَضَى عَلَيْهِ بَعْضُ النَّهَارِ ، خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ ، ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ ، لَكِنْ تَعَقَّبَ عَلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ : وَهُوَ صَائِمٌ ، دَالٌّ عَلَى بَقَاءِ الصَّوْمِ ، قُلْت : وَلَا مَانِعَ مِنْ إطْلَاقِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ حَالَةَ الِاحْتِجَامِ ; لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إنَّمَا أَفْطَرَ بِالِاحْتِجَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .