خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَاجِبَاتِ النِّكَاحِ
( 8 ) - قَوْلُهُ : وَمِمَّا عُدَّ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْخَطُّ وَالشِّعْرُ ، وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهِمَا مِمَّنْ يَقُولُ : إنَّهُ كَانَ يُحْسِنُهُمَا ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) وَبِقَوْلِهِ : ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْأُولَى عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحِ بِلَفْظِ : ( إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ ) . الْحَدِيثَ . وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ : قِيلَ : كَانَ يُحْسِنُ الْخَطَّ وَلَا يَكْتُبُ ، وَيُحْسِنُ الشِّعْرَ وَلَا يَقُولُهُ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَانَ لَا يُحْسِنُهُمَا ، وَلَكِنْ كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ جَيِّدِ الشِّعْرِ وَرَدِيئِهِ .
انْتَهَى . وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ صَارَ يَعْلَمُ الْكِتَابَةَ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَعْلَمُهَا ، وَأَنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِ كَانَ بِسَبَبِ الْمُعْجِزَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِك إذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾) فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ ، وَاشْتَهَرَ الْإِسْلَامُ ، وَكَثُرَ الْمُسْلِمُونَ ، وَظَهَرَتْ الْمُعْجِزَةُ ، وَأُمِنَ الِارْتِيَابُ فِي ذَلِكَ ، عَرَفَ حِينَئِذٍ الْكِتَابَةَ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأَ .
قَالَ مُجَالِدٌ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ : صَدَقَ ، قَدْ سَمِعْت أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ . انْتَهَى . قَالَ : وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا : الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَ ) . قَالَ : وَالْقُدْرَةُ عَلَى قِرَاءَةِ الْمَكْتُوبِ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْكِتَابَةِ ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ إقْدَارِ اللَّهِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ تَقَدُّمَةِ مَعْرِفَةِ الْكِتَابَةِ ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَالتَّقْدِيرُ فَسَأَلْتُ عَنْ الْمَكْتُوبِ فَقِيلَ لِي : هُوَ كَذَا . وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَكْتُبَ لِلْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، قَالَ عُيَيْنَةُ : أَتَرَانِي أَذْهَبُ إلَى قَوْمِي بِصَحِيفَةٍ كَصَحِيفَةِ الْمُلْتَمِسِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيفَةَ فَنَظَرَ فِيهَا ، فَقَالَ : قَدْ كَتَبَ لَك بِمَا أُمِرَ فِيهَا ) .
قَالَ يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ أَحَدُ رُوَاتِهِ : فَيَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . وَمِنْ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ ظَاهِرا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ : ( فَأَخَذَ الْكِتَابَ فَكَتَبَ : هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) الْحَدِيثَ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ : صَارَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كَتَبَ ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ ، وَأَبُو الْفَتْحِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ، وَصَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا ، قَالَ : وَسَبَقَ إلَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْكِتَابِ لَهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : ( كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ) . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِهِ : لَمَّا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ ذَلِكَ طَعَنُوا عَلَيْهِ وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ ، وَكَانَ الْأَمِيرُ مُتَثَبِّتًا فَأَحْضَرَهُمْ لِلْمُنَاظَرَةِ ، فَاسْتَظْهَرَ الْبَاجِيُّ بِبَعْضِ الْحُجَّةِ ، وَطَعَنَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ ، وَنَسَبَهُمْ إلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ ، وَقَالَ : اُكْتُبْ إلَى الْعُلَمَاءِ بِالْآفَاقِ فَكَتَبَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ ، وَصِقِلِّيَةَ وَغَيْرِهِمَا ، فَجَاءَتْ الْأَجْوِبَةُ بِمُوَافَقَةِ الْبَاجِيِّ . وَمُحَصَّلُ مَا تَوَارَدُوا عَلَيْهِ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ الْكِتَابَةَ بَعْدَ أُمِّيَّتِهِ لَا يُنَافِي الْمُعْجِزَةَ ، بَلْ تَكُونُ مُعْجِزَةً أُخْرَى ؛ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقُوا أُمِّيَّتَهُ وَعَرَفُوا مُعْجِزَتَهُ بِذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ تُنَزَّلُ الْآيَةُ السَّابِقَةُ ، صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُ الْكِتَابَةَ بِغَيْرِ تَقَدُّمِ تَعْلِيمٍ ، فَكَانَتْ مُعْجِزَةً أُخْرَى ، وَعَلَيْهِ يُنَزَّلُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ .
انْتَهَى . وَقَدْ رَدَّ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُعْوَرٍ عَلَى أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ ، وَبَيَّنَ خَطَأَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَصْنِيفٍ مُفْرَدٍ ، وَوَقَعَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْهَوَّارِيِّ مَعَهُ قِصَّةٌ فِي مَنَامٍ رَآهُ ، مُلَخَّصُهُ : أَنَّهُ كَانَ يَرَى مِمَّا قَالَ الْبَاجِيُّ ، فَرَأَى فِي النَّوْمِ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْشَقُّ وَيَمِيدُ وَلَا يَسْتَقِرُّ ، فَانْدَهَشَ لِذَلِكَ ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ : لَعَلَّ هَذَا بِسَبَبِ اعْتِقَادِي ، ثُمَّ عَقَدْت التَّوْبَةَ مَعَ نَفْسِي فَسَكَنَ وَاسْتَقَرَّ . فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَصَّ الرُّؤْيَا عَلَى ابْنِ مُعْوَرٍ فَعَبَّرَهَا لَهُ كَذَلِكَ ، وَاسْتَظْهَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴾) الْآيَاتِ .
وَمُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْبَاجِيُّ عَنْ ظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَالْكَاتِبَ فِيهَا كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَيْضًا بِلَفْظِ : ( لَمَّا صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، كَتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ كِتَابًا ، فَكَتَبَ : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) . فَتُحْمَلُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَكَتَبَ ، أَيْ فَأَمَرَ الْكَاتِبَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمِسْوَرِ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، فَفِيهَا : ( وَاَللَّهِ وَإِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي ، اُكْتُبْ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) . وَقَدْ وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ إطْلَاقُ لَفْظِ كَتَبَ بِمَعْنَى أَمَرَ .
مِنْهَا : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ( النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ ) . وَحَدِيثُهُ : ( كَتَبَ إلَى النَّجَاشِيِّ ) . وَحَدِيثُهُ : ( كَتَبَ إلَى كَسْرَى ) .
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ . وَغَيْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الْكَاتِبَ ، وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ هُنَا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ لَمَّا ( امْتَنَعَ الْكَاتِبُ أَنْ يَمْحُوَ لَفْظَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرِنِي فَمَحَاهُ ) . فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ لَمَا احْتَاجَ إلَى قَوْلِهِ : ( أَرِنِي ) فَكَأَنَّهُ أَرَاهُ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَبَى أَنْ يَمْحُوَهُ ، فَمَحَاهُ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ لِعَلِيٍّ فَكَتَبَ بِأَمْرِهِ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، بَدَلَ : رَسُولُ اللَّهِ .
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، أَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْكِتَابَةِ ، وَلَا بِتَمْيِيزِ حُرُوفِهَا ، لَكِنَّهُ أَخَذَ الْقَلَمَ بِيَدِهِ فَخَطَّ بِهِ ، فَإِذَا هُوَ كِتَابَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى حَسْبِ الْمُرَادِ . وَذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ السَّمْنَانِيُّ ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهَذَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكْتُبَهُ الْأُمِّيُّ كَمَا يَكْتُبُ الْمُلُوكُ عَلَامَتَهُمْ وَهُمْ أُمِّيُّونَ .