المؤلف: عمر بن على بن أحمد بن محمد بن عبد الله السراج الأنصاري الأندلسي التكروري
عدد الأحاديث: 2٬920
فصل وَأما شَرط أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي سنَنه ، فَقَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ - كَمَا أَفَادَهُ ابْن طَاهِر - : إنَّ شَرطه إِخْرَاج أَحَادِيث أَقوام لم يُجْمَع عَلَى تَركهم ، إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الإِسناد ، من غير قطع ، وَلَا إرْسَال . قَالَ ابْن طَاهِر : سَأَلت الإِمام أَبَا الْقَاسِم سعد بن عَلّي الزَّنْجَانيّ عَن حالِ رجلٍ من الروَاة فَوَثَّقَه ، قُلْتُ : إنَّ أَبَا عبدَ الرَّحْمَن النَّسَائِيّ ضَعَّفَه . فَقَالَ لي : لأبي عبد الرَّحْمَن فِي الرِّجَال (شرطٌ) أَشد من شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وَقَالَ أَبُو طَالب أَحْمد بن نصر الْحَافِظ : من يصبر عَلَى مَا يصبر عَلَيْهِ النَّسَائِيّ ؟ كَانَ عِنْده حَدِيث ابْن لَهِيعَة تَرْجَمَة تَرْجَمَة ، فَمَا حدَّث بهَا . وَقَالَ أَحْمد بن مَحْبُوب الرَّمْلي : سَمِعت أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ يَقُول : لما عَزَمْتُ عَلَى جَمْع كتاب السّنَن استخرت الله - تَعَالَى - فِي الرِّوَايَة عَن شُيُوخ كَانَ فِي الْقلب مِنْهُم بعض الشَّيْء ، فَوَقَعت الْخيرَة عَلَى تَركهم ، فَنَزَلْتُ فِي جملَة من الْأَحَادِيث كنت أعلو فِيهَا عَنْهُم . وَقَالَ أَبُو الْحسن [ الْمعَافِرِي ] الْفَقِيه : إِذا التُفِت إِلَى مَا يُخرجهُ أهل الحَدِيث ، فَمَا خرجه النَّسَائِيّ أقرب إِلَى الصِّحَّة مِمَّا خَرَّجه غَيره . بل من النَّاس من يعده من أهل الصَّحِيح ؛ لِأَنَّهُ يبيِّن عَن علل الْأَسَانِيد ، وإنْ أدخلها فِي كِتَابه . وَقد حُدِّثْنا عَنهُ أَنه قَالَ : لم أُخْرِج فِي كتابي (السّنَن) من يُتَّفَق عَلَى تَركه ، فإنْ أَخْرَج مِنْهُ أحدا بَيَّنه ، وَهَذِه رُتْبَة شريفة . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : الَّذين أخرجُوا الصَّحِيح ، وميِّزوا الثَّابِت من الْمَعْلُول ، وَالْخَطَأ من الصَّوَاب أَرْبَعَة : البُخَارِيّ ، وَمُسلم ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ . وَقَالَ أَبُو بكر البرقاني الْحَافِظ : ذكرت لأبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ أَبَا عبيد (بن حربويه) ، فَذكر من جلالته ، وفضله ، وَقَالَ : حدَّث عَنهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي الصَّحِيح ، وَلَعَلَّه مَاتَ قبله بِعشْرين سنة . قَالَ ابْن طَاهِر : فالدارقطني سمَّى كتاب السّنَن صَحِيحا ، مَعَ فَضله ، وتحقيقه فِي هَذَا الشَّأْن . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ [ الْمصْرِيّ ] : سَمِعت أَبَا عَلّي الْحسن بن خضر (السُّيُوطِيّ) يَقُول : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النّوم ، وَبَين يَدَيْهِ كُتب كَثِيرَة ، مِنْهَا كتاب السّنَن لأبي عبد الرَّحْمَن ، فَقَالَ لي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِلَى مَتى وَإِلَى كَمْ ؟ هَذَا يَكْفِي . وَأخذ بِيَدِهِ الْجُزْء الأول من كتاب الطَّهَارَة من السّنَن لأبي عبد الرَّحْمَن ، فَوَقع فِي روعي أَنه يَعْنِي كتاب السّنَن لأبي عبد الرَّحْمَن . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : قَوَاعِد الإِسلام أَرْبَعَة : الصحيحان ، وكتابَيْ أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، فَارْجِعُوا إِلَيْهَا . قُلْتُ : وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر (السلَفِي) : إِنَّه اتّفق عَلَى صِحَّته عُلَمَاء الْمشرق وَالْمغْرب ، وَلَا يَخْلُو من نزاع .
بسمِ اللهِ الرَّحْمَن الرحيمِ ( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) الْحَمد لله رَافع منار الْأَحْكَام ، ومظهر دينه بأقوى (عُرًى) وإحكام ، ومُشَيِّده بحفاظ جَهَابِذَة أَعْلَام ، مستمرين مدى الدهور والأعوام . نحمده عَلَى ذَلِكَ كُله وَعَلَى سَائِر الإنعام ، ونشكره عَلَى أَن جعلنَا مِمَّن تَصَدَّى لجمع السّنَن الْكِرَام . ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، شَهَادَة مستمرة عَلَى الدَّوَام ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أفضل الْأَنَام ، صلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آله وأصحابِه وأزواجِه وذرِّيَّاتِه وَأَتْبَاعه الغُرِّ الْكِرَام . وبعدُ : فَإِن أولَى الْعُلُوم - بعد معرفَة كتاب الله - سنة الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ إِذْ هِيَ مبينَة للْكتاب الْعَزِيز ، الَّذِي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) . وَلذَلِك أدلةٌ ظَاهِرَة ، وبراهينُ متظاهرة : قَالَ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) . وَقَالَ : ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) . وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ فِي حَدِيث طَوِيل : إنَّ مَا حَرَّم رسُولُ اللهِ كَمَا حَرَّم اللهُ - عزَّ وجلَّ . حَدِيث صَحِيح من غير شكّ وَلَا مرية ، أودعهُ الْأَئِمَّة : التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وحسَّنه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وصحَّحه ، وَالْبَيْهَقِيّ وَقَالَ : إِسْنَاده صَحِيح . هَذَا مَعَ اتِّفَاق أهل الْحل وَالْعقد عَلَى أَن من شَرط الْمُجْتَهد - من القَاضِي والمفتي - أَن يكون عالِمًا بِأَحَادِيث الْأَحْكَام ، ليعرف بهَا الْحَلَال من الْحَرَام ، وَالْخَاص من الْعَام ، وَالْمُطلق من الْمُقَيد ، والناسخ من الْمَنْسُوخ ، وَشبه ذَلِكَ . وَقد نَدَبَ الشَّارِع - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - إِلَى نقلهَا ، وحَثَّهم عَلَى حفظهَا ، وتبليغها (من) لم يشهدها ، فَقَالَ فِي خطبَته (حجَّة) الْوَدَاع : هَلْ بَلَّغْتُ ؟ قَالُوا : نعم . قَالَ : فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغَّائِبَ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سامع . حَدِيث صَحِيح بِاتِّفَاق (الْأَئِمَّة) ، أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) . وَقَالَ ( أَيْضا : نَضَّرَ اللهُ امْرأ سمع مَقَالَتي ، فَحَفِظَهَا ، وَوَعَاهَا ، فأَدَّاها إِلَى مَنْ (لَمْ) يَسْمَعْهَا ، فَرُبَّ حاملِ فقه غيرِ فَقِيه ، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ : (بَلِّغُوا) عَنِّي وَلَو آيَة . رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه . وَقَالَ : تَسْمَعُون وَيُسْمَع مِنْكُم ، وَيُسْمَعُ مِمَّن (يسمع) مِنْكُم . رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . فامتثلت الصَّحَابَة حينئذٍ - الَّذين هم خير قُرُون هَذِه الْأمة ، بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - فحفظوا عَنهُ أَحْوَاله (وأقواله) وأفعاله ، امتثالًا لأَمره ، وابتغاء ثَوَابه وأَجره . ثمَّ فعل ذَلِكَ بعدهمْ التابعون وتابعوهم ، قبيلًا بعد قبيل ، وجِيلًا بعد جيل ، تلقوا ذَلِكَ عَنْهُم ، واستفادوه مِنْهُم - رَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وعنهم . لَكِن دخل فِي ذَلِكَ قوم لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن ، وَلَا جَرْيَ لَهُم فِي هَذَا الميدان ، فأخطئوا فِيمَا نقلوا وحَرَّفوا ، وَرُبمَا وضعُوا ، فَدخلت الآفة من هَذَا الْوَجْه ، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالسقيم ، والمجروح بالسليم ، فَحِينَئِذٍ أَقَامَ الله سُبْحَانَهُ - وَله الْحَمد والمِنَّة - طَائِفَة كَبِيرَة من هَذِه الْأمة ، هم نُجُوم للدِّين وعَلَمٌ للمسترشدين ، فدوَّنوا التصانيف (المبتكرة) ، المبسوطة والمختصرة ، ونظروا فِي رجالها - جرحا وتعديلًا ، وانقطاعًا ووصلًا - بِالنّظرِ التَّام ، وبذلوا وسعهم فِي ذَلِكَ ، وَقَامُوا بِهِ أحسن قيام ، أعظم الله أَجرهم ، وَلَا خَيَّب سعينا وسعيهم . وهم (مستمرون) عَلَى ذَلِكَ مدى الدهور والأعوام ، من زَمَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا والذهاب ، بإخباره عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام حَيْثُ قَالَ : لَا تَزَالُ طائفةٌ من أُمَّتي ظاهِرينَ عَلَى الحقِّ ، لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم ، حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ . فَكَانَت هَذِه الطَّائِفَة كَمَا وَصفهم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْخَبَر الْمَرْوِيّ عَنهُ ، (مُرْسلا من جِهَة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري ) ، وَمُسْندًا من جِهَة أبي هُرَيْرَة ، وَعبد الله بن عَمْرو - كَمَا رَوَاهُمَا الْعقيلِيّ . قَالَ عبد الْحق : وَالْأول أحسن . ونَازَعَه ابْن الْقطَّان ، وَفِيه وَقْفَة ، فقد سُئل أَحْمد عَنهُ ، فَقَالَ صَحِيح : يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه ، يَنْفُون عَنْه تَحْرِيف الغالين ، وانْتِحَالَ المُبْطِلِيْن ، وَتَأْوِيل الجاهِلِيْن . وَمَنَّ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَى هَذِه الطَّائِفَة بِالْحِفْظِ الوافر ، كالبحر الزاخر . وهاك نبذة من حَالهم ، لتعرف قدرهم ، واجتهادهم ومحلهم : قَالَ أَبُو زرْعَة : حُزِرَتْ كُتبُ الإِمام أَحْمد يَوْم مَاتَ ، فبلغت [ اثْنَي ] عشر حملا و [ عدلا ] ، كل ذَلِكَ كَانَ يحفظه عَن ظهر قلب . قَالَ : كَانَ يحفظُ ألفَ ألفَ حَدِيث . فَقيل لَهُ : وَمَا يدْريك ؟ قَالَ : ذَاكَرْتُه فأخذتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَاب . وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل : قَالَ لي أبي : خُذ أَي كتاب شِئْت من كتب وَكِيع ، من المُصَنّف ، فَإِن شِئْت تَسْأَلنِي عَن الْكَلَام حتَّى أخْبرك بِالْإِسْنَادِ ، وَإِن شِئْت تَسْأَلنِي عَن الإِسناد حتَّى أخْبرك بالْكلَام . وَحفظ الإِمَام الشَّافِعِي الْمُوَطَّأ فِي ثَلَاثَة أَيَّام ، وَالْقُرْآن فِي سَبْعَة أَيَّام ، كَمَا نقل (عَن) الإِمام فَخر الدَّين الرَّازِيّ . وَكَانَ يَحْيَى بن معِين (يَقُول) عَن الْأَثْرَم الْحَافِظ : إِن أحد أَبَوَيْهِ كَانَ جِنِّيًّا . يَعْنِي لقُوَّة حفظه . وَهُوَ أحفظ من أبي زرْعَة ، وأتقن . كَمَا قَالَه إِبْرَاهِيم الْأَصْفَهَانِي . وَكَانَ أَحْمد بن نصر الخَفَّاف يذاكر بِمِائَة ألف حَدِيث . وَكَانَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يملي سبعينَ ألف حديثٍ حفظا ، وأملى مرّة أحد عشر ألف حديثٍ من حفظه ، ثمَّ قَرَأَهَا مرّة أُخْرَى ، فَمَا زَاد حرفا وَلَا نقص حرفا ، وَقَالَ مرّة : أحفظ مَكَان مائَة ألف حَدِيث كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا ، وأحفظ مِنْهَا سبعين ألف حَدِيث من ظهر قلبِي (صَحِيحَة) ، وأحفظ أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث مزوَّرة . فَقيل لَهُ فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : لأجل إِذا مرَّ بِي مِنْهَا حَدِيث فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، فَلَيْتُهُ مِنْهَا فَلْيًا . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ : مَا استَوْدَعْتُ أُذُنِي شَيْئا إلَّا حفظته ، حتَّى أَمُرَّ بِكَلِمَة كَذَا - قَالَهَا - فأسد أُذُنِي ، مَخَافَة أَن أحفظها . وَفِي رِوَايَة عَنهُ : حتَّى أَمُرَّ بالحائك . يَعْنِي : فأسدّ أُذُنِي . وَكَانَ أَبُو زرْعَة يحفظ سِتّمائَة ألف حَدِيث ، كَمَا شهد لَهُ بذلك الإِمام أَحْمد ، وَقَالَ فِي حَقه : مَا جَاوز الجسر أفضل مِنْهُ . وَحلف رجل بِالطَّلَاق أنَّ أَبَا زرْعَة يحفظ مِائَتي ألف حَدِيث ، فَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا يَحْنَث . وَقَالَ مرّة : أحفظ مِائَتي ألف حَدِيث كَمَا يحفظ الْإِنْسَان (قل هُوَ الله أحد ) ، وَفِي المذاكرة ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث . وَقَالَ أَيْضا : فِي بَيْتِي مَا كتبته مُنْذُ (خمسين) سنة ، وَلم أطالعه مُنْذُ كتبته ، وَإِنِّي أعلم فِي أَي كتاب هُوَ ، وَأي ورقة ، وَأي (صفحة) ، وَفِي أَي سطر هُوَ ، وَمَا سُمع أَو تُلي شَيْء من الْعلم إلَّا وَعَاه قلبِي ، وَإِنِّي كنت أَمْشِي فِي سوق بَغْدَاد ، فَأَسْمع من الغرف الْمُغَنِّيَات ، فأضع أُصْبُعِي فِي أُذُنِي مَخَافَة أَن يَعِيَه قلبِي . وَقَالَ البُخَارِيّ : أحفظ مائَة ألف حَدِيث صَحِيح ، وأحفظ مِائَتي ألف حَدِيث غير صَحِيح . وَقَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي : سَمِعت عدَّة مَشَايِخ يحكون : أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد ، فَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث ، واجتمعوا وعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث ، فقلبوا متونها وأسانيدها ، وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر ، وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر ، ودفعوها إِلَى عشرَة أنفس ، فابْتَدَرَ رجل من الْعشْرَة ، فَسَأَلَهُ عَن حَدِيث من تِلْكَ الْأَحَادِيث ، فقَالَ : لَا أعرفهُ . فَسَأَلَهُ عَن آخر ، فَقَالَ : لَا أعرفهُ . فَمَا زَالَ يلقِي عَلَيْهِ وَاحِدًا بعد واحدٍ حتَّى فرغ ، وَالْبُخَارِيّ يَقُول : لَا أعرفهُ . وَكَانَ بعض الْفُقَهَاء يَقُول : الرجل فهم . وَبَعْضهمْ يقْضِي عَلَيْهِ بِالْعَجزِ . ثمَّ انْتُدِبَ رجل آخر ، فَسَأَلَهُ عَن الْأَحَادِيث وَهُوَ يَقُول فِي كل حَدِيث : لَا أعرفهُ . حتَّى فرغ من عشرته ، ثمَّ الثَّالِث ، ثمَّ الرَّابِع إِلَى تَمام الْعشرَة ، وَالْبُخَارِيّ لَا يزيدهم عَلَى : لَا أعرفهُ . فَلَمَّا فرغوا الْتفت البُخَارِيّ إِلَى الأول فَقَالَ : أما حَدِيثك الأول فَهُوَ كَذَا ، و [ حَدِيثك ] الثَّانِي كَذَا ، وَالثَّالِث كَذَا ، وَالرَّابِع كَذَا ، حتَّى أَتَى عَلَى تَمام الْعشْرَة ، فَرد كل متنٍ إِلَى إسنادٍ ، وكل إِسْنَاد إِلَى متنٍ ، وَفعل بِالْآخرِ مثل ذَلِك ، فَأَقرَّ النَّاس لَهُ بِالْحِفْظِ ، وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ . وَكَانَ البُخَارِيّ يخْتَلف إِلَى مَشَايِخ الْبَصْرَة وَلَا يكْتب ، فَسَأَلُوهُ : لِمَ لَا تكْتب ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِم جَمِيع مَا سمع من حفظه ، وَكَانَ يزِيد عَلَى خَمْسَة عشر ألف حَدِيث . وَأخرج مُسلم الصَّحِيح من ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث مسموعة ، كَمَا أقَرَّ بِهِ هُوَ فِيمَا نَقله ابْن نقطة عَنهُ بِإِسْنَادِهِ . وَحفظ أَبُو دَاوُد - يَعْنِي : الطَّيَالِسِيّ - أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث ، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي عشرَة آلَاف ، وَكَانَا شربا البَلاَذُر لأجل الْحِفْظ ، فجَذِمَ أَبُو دَاوُد ، وبَرِصَ عبد الرَّحْمَن . وَقَالَ عمر بن شَبَّة : كتبُوا عَن أبي دَاوُد - يَعْنِي الطَّيَالِسِيّ - أَرْبَعِينَ ألف حديثٍ ، وَلَيْسَ مَعَه كتاب . وَقَالَ أَبُو دَاوُد - (يَعْنِي) - السجسْتانِي : كتبت عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسمِائَة ألف حَدِيث ، انتخبت مِنْهَا مَا تضمنته السّنَن ، جمعت (فِيهِ) أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حَدِيث . وَكَانَ عبد الله ابْنه من الْحفاظ ، أَمْلَى ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث من حفظه ، فَإِنَّهُ لَمَّا خرج إِلَى سجستان ، اجْتمع إِلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث ، وسألوه أَن يُحَدِّثَهم فَأَبَى ، وَقَالَ : لَيْسَ معي كتاب . فَقَالُوا : ابْن أبي دَاوُد وَكتاب ! فأثاروه ، فأملى عَلَيْهِم هَذَا الْقدر ، ولَمَّا قَدِم بَغْدَاد قَالَ البغداديون : مَضَى يلْعَب بِالنَّاسِ ، ثمَّ فَيَّجُوا فَيْجًا ، (اكتروه) بِسِتَّة (دَنَانِير) إِلَى سجستان ، فَكَتَبُوا بِهِ نُسْخَة ، فَخَطَّئوه فِي سِتَّة أَحَادِيث ، مِنْهَا ثَلَاثَة حَدَّث بهَا كَمَا حُدِّث ، وَثَلَاثَة أخطأَ هُوَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . ولمَّا مَاتَ صُلِّي عَلَيْهِ ثَمَانُون مرّة ، فحُزِر الْجمع ، فَزَاد عَلَى ثَلَاثمِائَة ألف . وَقَالَ مَعْمَر : اجْتمعت أَنا وَشعْبَة وَالثَّوْري وَابْن جريج ، فَقدم علينا شيخ ، فأملى علينا أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث عَن ظهر قلب ، فَمَا أَخطَأ إلَّا فِي موضِعين ، لم يكن الْخَطَأ مِنَّا وَلَا مِنْهُ ، إنَّما الْخَطَأ مِمَّن فَوْقه . وَكَانَ الرجل : طَلْحَة بن عَمْرو الْحَافِظ . وَكَانَ عبد الله بن مُوسَى القَاضِي الْمَعْرُوف بعَبْدَان ، يحفظ مائَة ألف حَدِيث ، كَمَا قَالَ أَبُو عَلّي الْحَافِظ . وَقَالَ الشَّعْبي : مَا كتبتُ سَوْدَاء فِي بَيْضَاء إلَّا وَأَنا أحفظها ، وَلَا حدَّثني رجلٌ بحديثٍ فأحببتُ أَن يُعِيْدَه عليَّ . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : مَا استعدت حَدِيثا ، وَلَا شَككت فِي حديثٍ ، إلَّا حَدِيثا وَاحِدًا ، فَسَأَلت صَاحِبي ، فَإِذا هُوَ كَمَا حفظت . وَقَالَ عبيد الله بن عمر القَوَارِيري : أَمْلَى عليَّ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عشْرين ألف حديثٍ حفظا . وحدَّث أَبُو عبد الله عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الله [ الخُتُّلي ] بِخَمْسِينَ ألف حديثٍ من حفظه . ولَمَّا أَمْلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد الفِرْيَابِي - الْحَافِظ الَّذِي طَاف الْبِلَاد شرقًا وغربًا - بِبَغْدَاد : كَانَ عدد المستملين ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة عشر ، وحُزِرَ الْجمع فَكَانُوا ثَلَاثِينَ ألفا ، وَكَانَ الَّذين يَكْتُبُونَ (عَنهُ) نَحْو عشرَة آلَاف . وَقَالَ هشيم : كنت أحفظ فِي الْمجْلس مائَة حَدِيث ، وَلَو سُئلت عَنْهَا أجبْت . وَقَالَ هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ - صَاحب النَّسَب - : حفظت مَا لَمْ يحفظه أحد ، و (نسيت) مَا لَمْ (ينسه) أحد : كَانَ لي عمّ يعاتبني عَلَى حفظ الْقُرْآن ، فَدخلت بَيْتا ، وَحلفت أَنِّي لَا أخرج مِنْهُ حتَّى أحفظ الْقُرْآن ، فحفظته فِي ثَلَاثَة أَيَّام ، وَنظرت يَوْمًا فِي الْمرْآة ، فقبضت عَلَى لحيتي لآخذ مَا دون القبضة ، فَأخذت مَا فَوق القبضة . وَقَالَ يزِيد بن هَارُون : أحفظ ثَلَاثَة وَعشْرين ألف حَدِيث . وحدَّث بِبَغْدَاد ، فَحُزِر مَجْلِسه تسعين ألفا . وَقَالَ أَحْمد بن أبي الطّيب : سَمِعت يزِيد بن هَارُون الْحَافِظ وَقيل لَهُ : إِن هَارُون الْمُسْتَمْلِي يُرِيد أَن يُدخل عَلَيْك فِي حَدِيثك ، فَدخل هَارُون ، فَقَالَ : يَا هَارُون ، بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ (أَن) تدخل عليَّ فِي حَدِيثي ، (فاجهد) جهدك ، لَا رَعَى الله عَلَيْك إِن رَعيْت ، أحفظ ثَلَاثَة وَعشْرين ألف حديثٍ ، لَا أقامني الله إِن كنت لَا أقوم بحديثي . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد ، الْمَعْرُوف بِابْن عقدَة - الَّذِي قَالَ فِي حَقه الدَّارَقُطْنِيّ : أجمع أهل الْكُوفَة أَنه لم يُرَ من زمن عبد الله بن مَسْعُود إِلَى زَمَنه أحفظ مِنْهُ - : أَنا (أُجِيب) فِي ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث ، و (أذاكر) بِالْأَسَانِيدِ ، وَبَعض الْمُتُون ، والمراسيل ، والمقاطيع . قَالَ ابْن عقدَة : وَدخل [ البَرْدِيجي ] الْكُوفَة ، فَزعم أَنه أحفظ مِنَّا ، فَقلت : لَا تُطَوِّل ، نَتَقَدَّم إِلَى دكان وراق ، وَنَضَع القَبَّان ، ونزن من الْكتب مَا شئتَ ، ثمَّ تُلْقَى (علينا) فنذكرها . فَبَقِيَ . ولَمَّا انْتقل ابْن عقدَة إِلَى مَكَان آخر كَانَت كتبه سِتّمائَة حمل . وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن يُوسُف الدَّيْلَمي يحفظ أَرْبَعِينَ ألف حَدِيث ، ويذاكر بسبعين ألف حَدِيث . وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ : قَالَ لي الأزْهَري : كنت أحضر عِنْد أبي عبد الله الْحُسَيْن بن أَحْمد بن (بكير) ، وَبَين يَدَيْهِ أَجزَاء (كبار) ، فَأنْظر بَعْضهَا ، فَيَقُول لي : أَيّمَا أحبّ إِلَيْك ، تذكر لي متن مَا تُرِيدُ من هَذِه الْأَحَادِيث حتَّى أخْبرك بِإِسْنَادِهِ ؟ أَو تذكر لي إِسْنَاده حتَّى أخْبرك بمتنه ؟ فَكنت أذكر لَهُ الْمُتُون فيخبرني بِالْأَسَانِيدِ من حفظه ، وَفعلت هَذَا مرَارًا كَثِيرَة . قَالَ : وحُبِّب إليَّ الحَدِيث ، حتَّى رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النّوم ، فَلم أقل : ادْع الله لي . وَإِنَّمَا قُلْتُ : يَا رَسُول الله ، أَيّمَا أثبت فِي الحَدِيث ، مَنْصُور أَو الْأَعْمَش ؟ فَقَالَ : مَنْصُور . مَنْصُور . وَقَالَ أَبُو حَفْص بن شاهين : صَلَّيْتُ خَلفه مرّة ، فَافْتتحَ الصَّلَاة ، ثمَّ قَالَ : نَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان لُوَيْن . فَقيل لَهُ : سُبْحَانَ الله ! فَقَالَ : نَا شَيبَان بن فروخ (الأُبُلِّي) . فَقيل لَهُ : سُبْحَانَ الله ! فَقَالَ : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم . وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ : أَنا [ بشرى ] بن عبد الله الرُّومِي ، قَالَ : سَمِعت أَبَا بكر أَحْمد بن جَعْفَر بن (سَلْم) يَقُول : لَمَّا قَدِم علينا أَبُو مُسلم (الكَجِّي) أَمْلَى الحَدِيث فِي رحبة غَسَّان ، وَكَانَ فِي مَجْلِسه (سَبْعَة) مستملين ، يُبَلِّغ كل وَاحِد مِنْهُم صَاحبه الَّذِي يَلِيهِ ، وَكتب النَّاس (عَنهُ) قِيَامًا بِأَيْدِيهِم المحابر ، ثمَّ مُسِحَت الرَّحْبَة ، وَحسب من حضر بمحبرة ، فَبلغ ذَلِكَ نَيِّفًا وَأَرْبَعين ألف محبرة ، سُوَى النَّظَّارة . قَالَ ابْن (سَلْم) : وَبَلغنِي أَن أَبَا مُسلم كَانَ نَذَرَ أَن يتصدَّق إِذا حَدَّث بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم . وَقَالَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان البَاغَنْدِي : أحفظُ ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث من حَدِيث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْحَافِظ أَبُو (الْحُسَيْن) عَاصِم بن عَلّي الوَاسِطِيّ يجلس عَلَى سطح المسقطات ، ويركب مستمليه نَخْلَة ، يستملي عَلَيْهَا . فَقَالَ يَوْمًا : نَا اللَّيْث بن (سعد) ، فَأَعَادَ أَربع عشرَة مرّة ، وَالنَّاس لَا يسمعُونَ ، فحزر الْجمع ، فَكَانُوا مائَة ألف وَعشْرين [ ألفا ] . وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُسلم الجِعَابي : دخلت الرَّقَّة ، وَكَانَ لي ثَمَّ قمطران كتب فأنفَذُت غلامي إِلَى ذَلِكَ الرجل الَّذِي كُتبي عِنْده ، فَرجع الْغُلَام مغمومًا ، فَقَالَ : ضَاعَت الْكتب . فَقلت : يَا بنيَّ ، لَا تغتم ، فَإِن فِيهَا (مِائَتي) ألف حديثٍ ، لَا يُشْكَلُ عليَّ مِنْهَا حديثٌ ، لَا إِسْنَادًا وَلَا متْنا . وَكَانَ يُقَال : إِنَّه يحفظ مِائَتي ألف حَدِيث ، ويجيب فِي مثلهَا . وَقَالَ مرّة عَن نَفسه : أحفظ أَرْبَعمِائَة ألف حَدِيث ، وأذاكر بستمائة ألف حَدِيث . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي : سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس جَعْفَر بن مُحَمَّد الْحَافِظ يَقُول : مَا رَأَيْت أحفظ من أبي عبد الله بن مَنْدَه ، سَأَلته يَوْمًا : كم يكون سَماع (الشَّيْخ) ؟ فَقَالَ : يكون خَمْسَة آلَاف مَنًّا . وَقَالَ الجعابي : كنت بليد الْحِفْظ ، فَقَالَ لي الْأَطِبَّاء : كُلِ الخَبزَ بالجُلَّاب . فأكلته أَرْبَعِينَ يَوْمًا بالغديات والعشيات ، لَا آكل غَيره ، فصفا ذهني ، وصرت حَافِظًا ، حتَّى صرت أحفظ فِي كل يَوْم (ثَلَاثمِائَة) حَدِيث . وَقَالَ الْأَزْهَرِي : بَلغنِي أَن الدَّارَقُطْنِيّ حضر فِي حداثته مجْلِس إِسْمَاعِيل الصَفَّار ، فَجعل ينْسَخ جُزْءا كَانَ مَعَه ، وَإِسْمَاعِيل يملي ، فَقَالَ (لَهُ) بعض الْحَاضِرين : لَا يصحّ سماعك وَأَنت تنسخ . فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : فهمي للإِملاء غير فهمك . ثمَّ قَالَ : تحفظ كم أَمْلَى الشَّيْخ من حَدِيث إِلَى الْآن ؟ فَقَالَ : لَا . فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : أَمْلَى ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا . فَعُدَّت الْأَحَادِيث فَكَانَ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، ثمَّ قَالَ : الحَدِيث الأول عَن فلَان عَن فلَان ، وَمَتنه كَذَا ، و (الحَدِيث) الثَّانِي عَن فلَان عَن فلَان ، وَمَتنه كَذَا . فَلم (يزل) يذكر أَسَانِيد الْأَحَادِيث ومتونها عَلَى ترتيبها فِي الإِملاء حتَّى أَتَى عَلَى آخرهَا ؛ فتعجب النَّاس مِنْهُ . وَقَالَ أَحْمد بن مَنْصُور : خرجت مَعَ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بن معِين ، فَقَالَ يَحْيَى لِأَحْمَد : أُرِيد أختبر أَبَا نعيم . فَقَالَ : لَا تُرِد ، الرجل ثِقَة . فَقَالَ : لَا بدّ لي . فَأخذ ورقة فَكتب فِيهَا ثَلَاثِينَ حَدِيثا من حَدِيث أبي نعيم ، وَجعل عَلَى رَأس كل عشرَة مِنْهَا حَدِيثا لَيْسَ من حَدِيثه ، ثمَّ جَاءُوا إِلَى أبي نعيم ، فَقَرَأَ يَحْيَى عَلَيْهِ عشرَة ، وَأَبُو نعيم سَاكِت ، ثمَّ قَرَأَ الْحَادِي عشر ، فَقَالَ أَبُو نعيم : لَيْسَ من حَدِيثي ، اضْرِب عَلَيْهِ . ثمَّ قَرَأَ الْعشْرَة الثَّانِيَة ، وَأَبُو نعيم سَاكِت ، فَقَرَأَ الحَدِيث الثَّانِي ، فَقَالَ : لَيْسَ من حَدِيثي ، اضْرِب عَلَيْهِ . ثمَّ قَرَأَ الْعشْرَة الثَّالِثَة ، وَأَبُو نعيم سَاكِت ، ثمَّ قَرَأَ الحَدِيث الثَّالِث ، فَتَغَيَّر أَبُو نعيم ، وانقلبت عَيناهُ ، وَأَقْبل عَلَى يَحْيَى فَقَالَ : أما هَذَا - وذراع أَحْمد بِيَدِهِ - فأورع من أَن يعْمل هَذَا ، وَأما هَذَا - يُرِيدنِي - فَأَقل من أَن يفعل هَذَا ، وَلَكِن هَذَا من فعلك يَا فَاعل ، ثمَّ أخرج رجله ، فرفس يَحْيَى ، فَرَمَى بِهِ . فَقَالَ يَحْيَى : وَالله لرفسته أحبّ إليَّ من سَفَرِي . وَكَانَ قَتَادَة بن دِعامة السَّدُوسي يسْأَل سعيد بن الْمسيب فيكثر ، فَقَالَ لَهُ سعيد : كل مَا سَأَلتنِي عَنهُ تحفظ ؟ فقَالَ : نعم ، سَأَلتك عَن كَذَا وَكَذَا ، فَقلت : كَذَا وَكَذَا . قَالَ سعيد : مَا ظَنَنْت أَن الله خلق مثلك . وَكَانَ يَقُول : مَا سَمِعَتْ أذناي شَيْئا قطّ إلَّا وَعَاهُ قلبِي ، وَمَا قُلْتُ لمحدثٍ قطّ : أَعِدْ عليَّ ؛ فإنَّ إِعَادَة الحَدِيث تَذْهَبُ بنوره . وَقَالَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ - أحد الْأَئِمَّة الحفَّاظ ، العارفين بعلل الحَدِيث ، وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل - : أَحْصَيْتُ أَنِّي مشيتُ عَلَى قَدَمَيَّ زِيَادَة عَلَى ألف فَرْسَخ . وَقلت عَلَى بَاب أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ : من أَغْرَبَ عليَّ حَدِيْثًا مُسْندًا صَحِيحا ، لم أسمع بِهِ ؛ فَلهُ عليَّ (دِرْهَم) - وَقد حضر أَبُو زرْعَة ، وَإِنَّمَا كَانَ مرادي أَن يُلْقي إِلَيّ مَا لم أسمع ، ليقول هُوَ عِنْد فلانٍ ، فَأذْهب أسمع ، ومرادي أَن أستخرج مِنْهُم مَا لَيْسَ عِنْدِي - (فَمَا تهَيَّأ) لأحد أَن يُغربَ عليَّ حَدِيثا . وَكَانَ أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم القَاضِي يحضر مجْلِس الحَدِيث فيحفظ خمسين وَسِتِّينَ حَدِيثا ، فَيقوم فيمليها عَلَى النَّاس . وَقَالَ ابْن الْأَخْضَر القَاضِي : سَمِعت أَبَا حَفْص بن شاهين - صَاحب النَّاسِخ والمنسوخ فِي الحَدِيث - يَوْمًا يَقُول : حسبت مَا اشتريتُ بِهِ الحبر إِلَى هَذَا الْوَقْت ، فَكَانَ سَبْعمِائة دِرْهَم . قَالَ القَاضِي : وَكُنَّا نشتري الحبر أَرْبَعَة أَرْطَال بدرهم . قَالَ القَاضِي : وَقد مكث ابْن شاهين بعد ذَلِكَ يكْتب زَمنا . وَجَاء عَن مُحَمَّد بن الْمسيب الأَرْغِيَاني أَنه قَالَ : كنت أَمْشِي بِمصْر وَفِي كُمي مائَة جُزْء ، فِي كل جُزْء ألف حَدِيث .
فصل وَأما الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم أبي عبد الله، فشرطه كَمَا قَالَ هُوَ فِي خطْبَة كِتَابه : سَأَلَني - جمَاعَة من أَعْيَان (أهل) الْعلم بِهَذِهِ الْمَدِينَة ، (وَغَيرهَا) أَن أجمع كتابا يشْتَمل عَلَى الْأَحَادِيث المروية بأسانيد يحْتَج مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَمُسلم بن الْحجَّاج بِمِثْلِهَا ، إِذْ لَا سَبِيل إِلَى إِخْرَاج مَا لَا علَّة لَهُ ، فإنَّهما - رحمهمَا الله - لم يدعيا ذَلِكَ لأنفسهما . وَقد خَرَّج جمَاعَة من عُلَمَاء [ عصرهما ] ، وَمن بعدهمَا عَلَيْهِمَا أَحَادِيث قد أَخْرَجَاهَا وَهِي معلولة ، وَقد (جهدت) فِي الذَّبِّ عَنْهُمَا فِي الْمدْخل إِلَى الصَّحِيح بِمَا رضيه أهل الصَّنْعَة . وَأَنا أستعينُ الله عَلَى إِخْرَاج أَحَادِيث رواتها ثِقَات ، قد احْتج بِمِثْلِهَا الشَّيْخَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَو أَحدهمَا ، وَهَذَا شَرط الصَّحِيح عِنْد كَافَّة فُقَهَاء الإِسلام : أَن الزِّيَادَة فِي الْأَسَانِيد والمتون من الثِّقَات مَقْبُولَة . هَذَا لفظ الْحَاكِم برمتِهِ ، وَهُوَ صَرِيح فِي أَن مُرَاده بقوله : عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا : أَن رجال إِسْنَاده احتجا بمثلهم ، لَا أنَّ نَفْس رِجَاله احتجا [ بهم ] . نعم ، خَالف هَذَا الِاصْطِلَاح فِي كِتَابه فَاعْترضَ (عَلَيْهِ) من هَذَا الْوَجْه : الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح ، والنواوي ، وتقي الدَّين بن دَقِيق الْعِيد ، والحافظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي اختصاره للمستدرك) ، (فَيَقُولُونَ عقيب) قَوْله : إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا : فِيهِ فلَان ، وَلم يخرج لَهُ مَنْ صَححهُ عَلَى شَرطه . ثمَّ فِي تَسْمِيَة هَذَا (المُصَنّف) ب الْمُسْتَدْرك أَولا نظرٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لم يلتزما اسْتِيعَاب الصَّحِيح بإقرارهما - كَمَا قدَّمناه عَنْهُمَا - فَكيف يسْتَدرك عَلَيْهِمَا ؟ ! فتركنا وسَلَّمنا التَّسْمِيَة الْمَذْكُورَة ، فَكل حَدِيث لَهُ إِسْنَاد صَحِيح ، احتجَّ الشَّيْخَانِ بِمثلِهِ (فَهُوَ عَلَى شَرطهمَا ، كَمَا قرَّره ، وكل حَدِيث إِسْنَاده صَحِيح ، وَلم يحْتَج الشَّيْخَانِ بِمثلِهِ) ، كَيفَ يَصح استدراكه ، مَعَ الْتِزَام الشَّيْخَيْنِ عدم اسْتِيعَاب الصَّحِيح ؟ مَعَ أَن الْحَاكِم عَلَيْهِ مناقشة فِي كلا الْقسمَيْنِ ، قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي أول الموضوعات : لَو نُوقِشَ فِيهِ بَانَ غلطه . وَقَالَ الشَّيْخ (تَقِيّ الدَّين) بن الصّلاح فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث : اعتنى الْحَاكِم أَبُو عبد الله بِالزِّيَادَةِ فِي عدد الحَدِيث الصَّحِيح الزَّائِد عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَجمع ذَلِكَ فِي كتاب سمَّاه الْمُسْتَدْرك أودعهُ مَا لَيْسَ فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ ، مِمَّا رَآهُ عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، قد (أخرجَا) عَن رُوَاته فِي كِتَابَيْهِمَا ، أَو عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَحده ، أَو عَلَى (شَرط) مُسلم وَحده ، وَمَا أَدَّى اجْتِهَاده إِلَى (تَصْحِيحه) ، وإنْ لم يكن عَلَى شَرط وَاحِد مِنْهُمَا . وَهُوَ وَاسع الخطو فِي شَرط (الصَّحِيح) ، متساهلٌ فِي الْقَضَاء بِهِ ، فَالْأَوْلَى أَن (نتوسط) فِي أمره فَنَقُول : مَا حكم بِصِحَّتِهِ ، وَلم نجد ذَلِكَ فِيهِ لغيره من الْأَئِمَّة ، إنْ لم يكن من قبيل الصَّحِيح ، فَهُوَ من قبيل الْحسن يُحتج ويُعمل بِهِ ، إلَّا أَن تظهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه . قَالَ : ويقاربه فِي حكمه صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان البستي . وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الشاذياخي : كُنَّا فِي مجْلِس السَّيِّد أبي الْحسن ، فسُئِلَ الْحَاكِم عَن حَدِيث الطير ، فَقَالَ : لَا يَصح ، وَلَو صَحَّ لما كَانَ أحدٌ أفضل من عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ ابْن طَاهِر (فِي) حَدِيث الطير الْمَشْهُور ، الْمَرْوِيّ من (نَحْو) عشْرين طَرِيقا - عائبًا عَلَى إِخْرَاج الْحَاكِم لَهُ فِي (مُسْتَدْركه) - : هَذَا حَدِيث مَوْضُوع ، كل طرقه بَاطِلَة معلولة ، إنَّما يَجِيء عَن سقاط أهل الْكُوفَة والمجاهيل عَن أنس وَغَيره . قَالَ : وصنَّف الْحَاكِم فِي جمع طرقه جُزْءا . قَالَ : وَلَا يَخْلُو الْحَاكِم من أحد أَمريْن : إمَّا الْجَهْل بِالصَّحِيحِ ، فَلَا يعْتَمد عَلَى قَوْله ؛ وإمَّا الْعلم بِهِ ، وَيَقُول بِخِلَافِهِ ، فَيكون معاندًا كَذَّابًا . قَالَ : وَله دسائس . قَالَ : وَبلغ الدَّارَقُطْنِيّ أَن الْحَاكِم أَدخل حَدِيث الطير فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، فَقَالَ : يسْتَدرك عَلَيْهِمَا حَدِيث الطير ؟ ! فَبلغ الْحَاكِم ، فَأخْرجهُ من الْكتاب . وَكَانَ (يُتَّهم) بالتعصبِ للرافضة . وَكَانَ يَقُول : هُوَ حَدِيث صَحِيح ، وَلم يُخَرَّجْ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . قُلْتُ : حَدِيث الطير مَوْجُود فِي نسخ (الْمُسْتَدْرك) (الَّتِي) بِأَيْدِينَا الْآن بِمصْر وَالشَّام . قَالَ الْخَطِيب : وحَدَّثَنَي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (الأرموي) بنيسابور - وَكَانَ شَيخا ، فَاضلا ، صَالحا ، عَالما - (قَالَ) : جمع الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَحَادِيث ، زَعَمَ أَنَّهَا صِحاح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، يلْزمهُمَا إخْرَاجهَا فِي صَحِيحَيْهِمَا ، مِنْهَا : حَدِيث الطير ، و من كنت مَوْلَاهُ فعليّ مَوْلَاهُ فأنكرها عَلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث ، وَلم يلتفتوا إِلَى قَوْله ، وَلَا صوَّبُوه فِي فعله . وَقَالَ ابْن القَطَّان فِي علله : هُوَ حَافظ ، وَقد ينْسب إِلَى غَفلَة . وَقَالَ ابْن طَاهِر : وَسمعت المظفر بن حَمْزَة بجرجان يَقُول : سَمِعت أَبَا سعد الْمَالِينِي يَقُول : طالعت كتاب الْمُسْتَدْرك عَلَى الشَّيْخَيْنِ الَّذِي صنفه الْحَاكِم من أَوله إِلَى آخِره ، فَلم أر فِيهِ حَدِيثا عَلَى شَرطهمَا . قُلْتُ : هَذَا الْكَلَام أستبعد صِحَّته عَن هَذَا الْحَافِظ ؛ لِأَن الْمُشَاهدَة تَدْفَعهُ ، و (قد) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي عُلُوم الحَدِيث : كتاب الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ للْحَاكِم أبي عبد الله كتاب كَبِير ، (يشْتَمل مِمَّا) فاتهما عَلَى شَيْء كثير ، وإنْ يكن عَلَيْهِ فِي بعضه مقَال ، فَإِنَّهُ يصفو لَهُ مِنْهُ صَحِيح كثير . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ - عقب الْمقَالة الْمُتَقَدّمَة - : هَذَا إِسْرَاف وغلو من الْمَالِينِي ، وإلَّا فَفِي (الْمُسْتَدْرك) جملَة وافرة عَلَى شَرطهمَا ، وَجُمْلَة كَبِيرَة عَلَى شَرط أَحدهمَا ، لَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِكَ نَحْو نصف الْكتاب ، وَفِيه نَحْو الرّبع مِمَّا صَحَّ سَنَده ، وَفِيه بعض الشَّيْء أَو لَهُ [ عِلّة ] ، وَمَا بَقِي - [ وَهُوَ ] نَحْو الرّبع - فَهُوَ مَنَاكِير وواهيات لَا تصحّ ، وَفِي بعض ذَلِكَ مَوْضُوعَات . قُلْتُ : وَقد أفردت مَا ردَّ بِهِ الذَّهَبِيّ عَلَى الْحَاكِم أبي عبد الله ، فِي (تلخيصه لمستدركه) ، بِزِيَادَات ظَفرت بهَا ، فَجَاءَت سَبْعَة كراريس ، وَذَلِكَ قريب من مقَالَته الْمُتَقَدّمَة . وَاعْلَم أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْكتاب إِذا رَأَيْتنَا نقلنا عَن الْحَاكِم تَصْحِيحا لحَدِيث ، وسكتنا عَلَيْهِ فَشُدَّ عَلَى ذَلِكَ يَديك ، (فَإنَّا سبرنا) إِسْنَاده ، وَيكون الْأَمر كَمَا قَالَه . وَمَا لم يكن كَذَلِك ، فإنَّا نشفعه بالاعتراض عَلَيْهِ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى .
فصل فَهَذِهِ نبذةٌ من أحوالِ هَؤُلَاءِ الْحفاظ ، الَّذين تتنزل الرَّحْمَة بذكرهم ، وَهِي مختصرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَرَكْنَاهُ . ذكرتها لَك مَجْمُوعَة أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْموضع ؛ لتعرف مَنَازِلهمْ ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَكَيف حَالهم فِي اجتهادهم فِي هَذَا الْعلم ، والإِكباب عَلَيْهِ . فَلَعَلَّ ذَلِكَ يكون محركًا فِي المسارعة إِلَى تتبع أَثَرهم ، وَالسير إِلَيْهِ ، لَعَلَّك تصل إِلَى بعض بعض مَا وصلوا إِلَيْهِ ، أَو إِلَى كلّه ، ففضل الله وعطاؤه وَاسع ، لَا زَالَ مُنْهَلًّا لَدَيْهِ . ثمَّ وفَّق الله الْعَظِيم - وَله المِنَّة - هَؤُلَاءِ الحفَّاظ ، الْأَئِمَّة النقَّاد إِلَى وُصُول مَا حفظوه إِلَيْنَا ، وتقريب مَا تقلَّدوه علينا ، فصنَّفوا فِي ذَلِكَ مصنفات مبتكرة ، مُطَوَّلَة ومختصرة . وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أول من صنَّف الْكتب عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحدهَا : عبد الْملك بن جريج . ثَانِيهَا : الرّبيع بن صَبِيح . ثَالِثهَا : (سعيد) بن أبي عرُوبَة . حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد . وَاخْتلف فِي ذَلِكَ مقاصدهم ، وتشعَّبت آراؤهم ، وَكلهَا مَقَاصِد حَسَنَة ، وأفعال مستحسنة . فَمنهمْ من رَأَى أَن تدوينه عَلَى مسانيد الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أقرب إِلَى ضَبطه ، فرتَّبه كَذَلِك ، كالإِمام أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده ، ونظرائه . (قَالَ الْحَاكِم : أول من صنَّف الْمسند عَلَى [ تراجم الرِّجَال ] : عبيد الله بن مُوسَى العَبْسي ، وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ) . وَمِنْهُم من رَأَى أَن تدوينه عَلَى تَرْتِيب أَبْوَاب الْفِقْه أسْرع لتنَاوله ، فرتَّبه كَذَلِك . وَقيل : أول من فعل ذَلِكَ الرّبيع بن صبِيح . وَقيل : مَالك بن أنس فِي موطئِهِ وَبِه جزم الإِمام الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ . ثمَّ مِنْ بعدهمْ جمع كَبِير ، وجمٌّ غفير ، كَعبد الرَّزَّاق ، وَابْن أبي شيبَة ، وَغَيرهمَا . وهلم جرًّا إِلَى زمن الإِمامين ، الحافظين ، الناقدين : أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ ، وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن (الْحجَّاج) الْقشيرِي ، فصنفا كِتَابَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ ، والتزما ألَّا يوردا فيهمَا إلَّا حَدِيثا صَحِيحا ، وتلقَّتهما الْأمة بِالْقبُولِ . ثمَّ ألَّف جمَاعَة فِي زمنهما كتبا أُخر عَلَى الْأَبْوَاب ، من غير الْتِزَام فِيهَا مَا التزماه ، فَلم تلتحق بهَا ، كسنن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي ، وجامع أبي عِيسَى مُحَمَّد بن سَوْرة التِّرْمِذِيّ (الضَّرِير) ، وَسنَن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ ، وَسنَن أبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي . وألَّف جمَاعَة أُخر كتبا كَذَلِك : فبعضهم شَرط أَن يكون مُصَنفه مُخرَّجًا عَلَى أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا ، ككتاب أبي نعيم ، وَالْبرْقَانِي ، والإسماعيلي ، وَأبي عَوَانَة . وَبَعْضهمْ شَرط أَن يسْتَدرك مَا أهمله الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، كَمَا فعل الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْكتاب الَّذِي سَمَّاه ب الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ . وَبَعْضهمْ شَرط فِي مُصَنفه الصِّحَّة مُطلقًا ، لَا عَلَى رأيٍ ، بل عَلَى رَأْيهمْ ، كصحيح إِمَام الْأَئِمَّة ، أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وصحيح أبي حَاتِم بن حبَان ، الْمُسَمَّى ب التقاسيم والأنواع ، وَهَذَا لم يرتبه مُصَنفه عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور ، وَإِنَّمَا رتَّبه عَلَى ترتيبٍ خَاص بديع . (وَبَعْضهمْ لم يَشْتَرِطْ) شَرْطًا ، وإنَّما أودعا فِي تصانيفهما الصَّحِيح والضعيف ، مبينين ذَلِكَ ، ك سنَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ) ، و السّنَن الْكَبِير لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ ، المرتَّب عَلَى تَرْتِيب الْمَبْسُوط الَّذِي صنَّفه عَلَى تَرْتِيب (مُخْتَصر) الْمُزنِيّ . هَذَا كُله كَانَ (عَلَى) رَأْي السّلف الأول ، يذكرُونَ الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ فِي هَذِه التصانيف ، إذْ عَلَيْهِ المُعَوَّل . وَأما الْمُتَأَخّرُونَ ، فاقتصروا عَلَى إِيرَاد الْأَحَادِيث فِي تصانيفهم بِدُونِ الْإِسْنَاد ، مقتصرين عَلَى الْعزو إِلَى الْأَئِمَّة الأُوَل - [ إلاّ أفرادًا ] من ذَلِكَ وآحادًا - : كأحكام عبد الْحق الْكُبْرَى ، و الصُّغْرَى و الْوُسْطَى . وَعَلَى الْوُسْطَى اعتراضات لِلْحَافِظِ أبي الْحسن بن الْقطَّان ، وَمَا أَكثر نَفعه . وَعَن بَعْضهَا أجوبة لبَعض الْمُتَأَخِّرين . وَأَحْكَام (الْحَافِظ) أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ، الْمَعْرُوف ب الضياء الْمَقْدِسِي ، وَلم يتمم كِتَابه ، وصل فِيهِ إِلَى أثْنَاء الْجِهَاد ، وَهُوَ أكثرها نفعا . وَأَحْكَام الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي : الْكُبْرَى ، و الصُّغْرَى . وَأَحْكَام الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية ، الْمُسَمَّى ب المُنْتَقَى ، وَهُوَ كاسمه ، وَمَا أحْسنه ، لَوْلَا إِطْلَاقه فِي كثير من الْأَحَادِيث الْعزو إِلَى (كتب) الْأَئِمَّة دون التحسين والتضعيف ، يَقُول مثلا : (رَوَاهُ أَحْمد) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَيكون الحَدِيث ضَعِيفا ، وَأَشد من ذَلِكَ : كَون الحَدِيث فِي جَامع التِّرْمِذِيّ مُبَيَّنًا ضعفه ، فيعزيه إِلَيْهِ من غير بَيَان ضعفه . وَيَنْبَغِي لِلْحَافِظِ جمع هَذِه الْمَوَاضِع ، وكتبها عَلَى حَوَاشِي هَذَا الْكتاب ، أَو جمعهَا فِي مُصَنف لتكمل فَائِدَة الْكتاب الْمَذْكُور . وَقد شَرَعْتُ فِي كَتْبِ ذَلِكَ عَلَى حَوَاشِي نُسْخَتي ، وَأَرْجُو إِتْمَامه . وَأَحْكَام الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ - نزيل مَكَّة ، شرَّفها الله تَعَالَى - وَهُوَ أبسطها وأطولها . وَأَحْكَام بَقِيَّة الْمُجْتَهدين فِي هَذَا الْفَنّ : تَقِيّ الدَّين أبي الْفَتْح الْقشيرِي ، الْمُسَمَّى ب الْإِلْمَام ، وشَرَطَ فِيهِ - كَمَا قَالَ فِي خطبَته - أَن لَا يُخرج إلَّا حَدِيثا قد صحَّحه أحدٌ من الْأَئِمَّة ، أَو زَكَّى (رُواته) واحدٌ مِنْهُم ، وإنْ كَانَ غَيره قد ضعَّفه . وَأما كِتَابه الإِمام : فَهُوَ للْمُسلمين إِمَام ، وَلِهَذَا الْفَنّ زِمَام ، لَا نَظِير لَهُ ، لَو تمَّ جَاءَ فِي خَمْسَة وَعشْرين مجلدًا ، كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه سير النبلاء . وَهُوَ حقيق بذلك ؛ فقد رَأَيْت من أوَّلِه إِلَى أثْنَاء كتاب الصَّلَاة فِي الْكَلَام عَلَى رفع الْيَدَيْنِ فِي ثَلَاث مجلداتٍ ضخماتٍ ، وَنقل (الذَّهَبِيّ) فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، عَن شَيخنَا قطب الدَّين (عبد الْكَرِيم) الْحلَبِي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - أنَّه كَمَّل تسويد هَذَا الْكتاب . وَكَذَلِكَ سمعته من بعض مَشَايِخنَا ، يَحْكِي عَن الهمذاني عَن المُصَنّف أَنه أكمله . وَالْمَوْجُود بِأَيْدِينَا مِنْهُ متواليًا مَا قَدَّمْتُه ، وَقطعَة من الْحَج وَالزَّكَاة . وَلَو بُيِّض هَذَا الْكتاب ، وَخرج إِلَى النَّاس ، لاستغني بِهِ عَن كل كتاب صُنِّف فِي نَوعه ، أَو بقيت مسودته . وَيُقَال : إِن بَعضهم أَفْسَدَ قِطْعَة مِنْهُ حسدًا . فَلَا حول وَلَا قُوَّة إلَّا بِاللَّه العليّ الْعَظِيم . هَذَا كَلَامهم فِيمَا يتَعَلَّق بمتن الحَدِيث . وَأما متعلقاته : فَأمر غَرِيبه : أفرده بالتصنيف : أَبُو عُبَيْدَة معمر بن المثنَّى ، وتلميذه أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام ، وَالنضْر بن شُمَيْل ، والهروي ، وَابْن الْأَثِير ، وَغَيرهم . وَأمر أَسمَاء رُوَاته جرحا وتعديلًا : وَأول من تكلَّم فِي ذَلِكَ : شُعْبَة ، ثمَّ تبعه يَحْيَى بن سعيد القطَّان ، ثمَّ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بن معِين . كَمَا قَالَه صَالح بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ - فأفرده بالتصنيف : يَحْيَى بن معِين - وَهُوَ أول من وضع كتابا فِي ذَلِكَ - ثمَّ البُخَارِيّ ، ثمَّ أَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم ، وَالنَّسَائِيّ . وَمن بعدهمْ : كالعُقَيْلي ، والأزدي ، وَابْن حبَان . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الاقتراح : أَعْرَاض الْمُسلمين حُفْرَة من حفر النَّار ، وَقَفَ عَلَى شَفِيْرِها طَائِفَتَانِ من النَّاس : المحدثون والحكام . قَالَ : وَكَانَ شيخ شُيُوخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي يَقُول فِي الرجل الَّذِي يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيح : هَذَا جَازَ القنطرة . يَعْنِي بذلك : أَنه لَا (يلْتَفت) إِلَى مَا قيل فِيهِ . قَالَ الشَّيْخ : وَهَكَذَا (نعتقد ، و) بِهِ نقُول ، وَلَا نخرج عَنهُ إلَّا ببيانٍ (شافٍ) ، وَحجَّة ظَاهِرَة . وَأمر صحابته أفرده بالتصنيف : أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان ، وَابْن قَانِع ، وَابْن عبد الْبر ، وَابْن الْأَثِير ، وَغَيرهم . وَكَذَلِكَ فعلوا - قَدَّس الله أَرْوَاحهم ، ونَوَّر ضرائحهم - بباقي أَنْوَاعه ، وفنونه الزَّائِدَة عَلَى السِّتين نوعا ، أَنْجَحَ الله قصدهم ، وَلَا خَيَّبَ سعينا وسعيهم ، فَلَقَد بذلوا جهدهمْ فِيمَا صنَّفوه ، وأتعبوا فِكْرَهُم فِيمَا وضعوه وحرَّروه ، وَلم يبْق هِمَّةُ أكثرِ الْفُضَلَاء (من) الْمُتَأَخِّرين إلَّا النّظر فِيمَا هَذَّبُوه ، والاقتباس مِمَّا قَيَّدوه وضبطوه ، ولعمري إنَّ ذَلِكَ (الْيَوْم) لمن أشرفِ المطالب ، وأعظمِ الْمَقَاصِد . وَكنت مِمَّن أَنعمَ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَيْهِ محبَّة الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ، خُصُوصا هَذَا الْعلم الشريف ، فَكنت أُعلِّق فَوَائده ، وأَضبط شوارده ، وأُقيِّد أوابده ، وأَسمع عاليه ونازله ، كاشفًا عَن فنونه ، باحثًا عَن علومه ، (أَعنِي) : صَحِيحه ، وَحسنه ، وضعيفه ، ومتصله ، ومرسله ، ومنقطعه ، ومعضله ، ومقلوبه ، ومشهوره ، وغريبه ، وعزيزه ، ومنكره ، و (معروفه) ، وآحاده ، ومتواتره ، وأفراده ، وشاذه ، ومعلله ، ومدرجه ، ومبينه ، ومختلفه ، وموضوعه ، إِلَى غير ذَلِكَ من معرفَة حَال أسانيده جرحا وتعديلًا ، وأنسابًا وتاريخًا ، وصدقًا وتدليسًا ، واعتبارًا ومتابعةً ، ووصلًا وإرسالًا ، ووقفًا وانقطاعًا ، وَزِيَادَة الثِّقَات ، وَمَا خُولف فِيهِ الْأَثْبَات ، وَمَعْرِفَة الصَّحَابَة وتابعيهم وتابعي التَّابِعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أَجْمَعِينَ . ويَسَّر الله - تَعَالَى - لنا - سُبْحَانَهُ ، وَله الْحَمد والْمنَّة - من الْكتب الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا طَالب هَذَا الْفَنّ : زِيَادَة عَلَى مائَة تأليف ، كَمَا سأعدها لَك فِي آخر الْخطْبَة . وأحببت أَن أشتغل بِكِتَابَة الحَدِيث النَّبَوِيّ - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ، وَأعظم التَّحِيَّة والإِكرام - رَجَاء شَفَاعَته (فيَّ) يَوْم الْقِيَامَة ، يَوْم الهول والملامة ، وثواب الله الْكَرِيم ، وفضله العميم ، وَقد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِيمَا (روينَا عَنهُ) : اغْدُ عَالما أَو مُتَعَلِّمًا ، وَلَا تَغْدُ الثَّالِثَة فَتَهْلِك . وَفِي المعجم الْكَبِير للطبراني من حَدِيث عَطاء بن مُسلم ، عَن خَالِد الحَذَّاء ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي [ بكرَة ] ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : اغْدُ عَالما ، أَو مُتَعَلِّمًا ، أَو مستمعًا ، أَو مُحِبًّا ، وَلَا تكن الْخَامِسَة فتهلك ، قَالَ : يَعْنِي بالخامسة : المُبْغِض . ورجاءَ وُصُول هَذَا (الْعلم) الشريف إِلَى ذهني الركود ، وقريحتي الَّتِي قَلَّ أَن تجود ، وامتثالًا لقَوْل الْعلمَاء أولي الْفضل والتفضيل : التصنيف أحد (طريقَي) التَّحْصِيل . وَلَا شكّ وَلَا مرية أَن أهم أَنْوَاعه - قبل الْخَوْض فِي فهمه - : معرفَة صَحِيحه من سقيمه ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الاقتراح : نَحن نرَى أَن [ من ] أهم عُلُوم الحَدِيث : مَا يُؤَدِّي إِلَى معرفَة صَحِيح الحَدِيث . فَبَقيت زَمنا مُتَحَيِّرًا فِيمَ أكتبه ، وَمَا أعلِّقه وأصنِّفه ، إِلَى أَن خار الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - والخيرة بِيَدِهِ ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابه : ( مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) ، وَله الْحَمد والمنَّة - بتأليف كتاب نَفِيس ، لم أُسْبَقْ إِلَى وَضعه ، وَلم يُنسج عَلَى منواله وَجمعه ، وَأهل زَمَاننَا وَغَيرهم (شديدو) الْحَاجة إِلَيْهِ ، وكل الْمذَاهب تعتمد فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ ، وَهُوَ : أَن أتكلَّم عَلَى الْأَحَادِيث (والْآثَار الْوَاقِعَة) فِي الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز ، وَهُوَ الشَّرْح الْكَبِير الَّذِي صنَّفه إِمَام الملَّة والدِّين ، أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم ابْن الإِمام أبي الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ ، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه ، فَإِنَّهُ كتاب لم يصنف فِي الْمَذْهَب عَلَى مثل أسلوبه ، وَلم يجمع أحد سلف كجمعه ، فِي ترتيبه وتنقيحه وتهذيبه ، ومرجع فقهائنا فِي كل الأقطار - الْيَوْم - فِي الْفَتْوَى ، والتدريس ، والتصنيف إِلَيْهِ ، واعتمادهم فِي هَذِه الْأُمُور عَلَيْهِ . لكنه - أَجْزَل الله مثوبته - مَشَى فِي هَذَا الشَّرْح الْمَذْكُور عَلَى طَريقَة الْفُقَهَاء الخُلَّص ، فِي ذكر الْأَحَادِيث الضعيفة والموضوعات ، والمنكرة والواهيات ، وَالَّتِي لَا تعرف أصلا فِي كتاب حَدِيث ، لَا قديم وَلَا حَدِيث ، فِي معرض الِاسْتِدْلَال ، من غير بَيَان ضَعِيف من صَحِيح ، وسليم من جريح . وَهُوَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِمَام فِي الْفَنّ الْمَذْكُور ، وَأحد فرسانه ، كَمَا سَيَأْتِي إيضاحه فِي تَرْجَمته . فتوكلت - حينئذٍ - عَلَى الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي ذَلِكَ ، وسَأَلْتُه التوفيقَ فِي القولِ والعملِ ، والعصمة من الْخَطَأ والخَطَل . وَكنت عزمت عَلَى أَن أرتِّب أَحَادِيث وآثار الْكتاب الْمَذْكُور عَلَى مسانيد الصَّحَابَة ، فأذكر الصَّحَابِيّ وعدة مَا رَوَى من الْأَحَادِيث ، وَمَا لَهُ من الْآثَار ، فثنيت الْعَنَان عَن ذَلِكَ ، لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَن الإِمام الرَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي كثير من المواطن لَا يذكر إلَّا نَفْس الحَدِيث ، ويحذف الرَّاوِي ، إذْ هُوَ مَوضِع الْحَاجة ، فَلَا يَهْتَدِي طَالب الحَدِيث إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف مظنته . الثَّانِي : أَن ذَلِكَ يعسر عَلَى الْفَقِيه ، فإنَّه يَسْتَدْعِي معرفَة جَمِيع الْأَحَادِيث والْآثَار الْوَاقِعَة فِي شرح الرَّافِعِيّ ، واستحضارها - وَهِي زَائِدَة عَلَى أَرْبَعَة آلَاف بمكررها - وَرُبمَا عسر ذَلِكَ عَلَيْهِم . فرتبته عَلَى تَرْتِيب شرح الرَّافِعِيّ ، لَا أُغَيِّر مِنْهُ شَيْئا بِتَقْدِيم وَلَا بِتَأْخِير ، فأَذكر كل بَاب وَمَا تضمَّنه من الْأَحَادِيث والْآثَار . فَمَتَى طلب الطَّالِب حَدِيثا أَو أثرا فِي كتاب الطَّهَارَة مِنْهُ ، فَزِعَ إِلَى كتاب الطَّهَارَة من هَذَا التَّأْلِيف ، أَو فِي كتاب الصَّلَاة فَزِعَ إِلَى كتاب الصَّلَاة مِنْهُ ، وَهَكَذَا أَولا فَأول ، عَلَى التَّرْتِيب وَالْوَلَاء ، إِلَى آخر الْكتاب - إِن شَاءَ الله تَعَالَى ذَلِكَ وقَدَّره - مُعْزِيًا إِلَى الْأُصُول الْمخْرج مِنْهَا : فَإِن كَانَ الحَدِيث أَو الْأَثر فِي صحيحي الإِمامين : أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج القُشَيْري ، أَو أحدِهِما : اكتفيت بعزوه إِلَيْهِمَا ، أَو إِلَيْهِ ، وَلَا أُعَرِّجُ عَلَى من رَوَاهُ غَيرهمَا من بَاقِي (أَصْحَاب) الْكتب الستَّة ، وَالْمَسَانِيد ، والصحاح ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الإِطالة بذلك - وَإِن كَانَ الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية اعْتمد ذَلِكَ فِي أَحْكَامه - لِأَن الْغَرَض الِاخْتِصَار ، وَذَلِكَ عِنْدِي - بِحَمْد الله - من أيسر شَيْء . اللَّهُمَّ إلَّا أَن يكون فِي الحَدِيث زِيَادَة (عِنْد غَيرهمَا) ، وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَى ذَلِكَ ، فَأُشْفِعُه (بالعزو) إِلَيْهِم . وَإِن لم يكن الحَدِيث فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ ، (عزوته) إِلَى من أخرجه من الْأَئِمَّة : كمالك فِي موطئِهِ ، وَالشَّافِعِيّ فِي (الْأُم) ، و مُسْنده الَّذِي جُمع من حَدِيثه ، و سنَنه الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَنهُ ، و سنَنه الَّتِي رَوَاهَا أَبُو عبد الله ، مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم عَنهُ ، وَأحمد فِي مُسْنده ، وَعبد الله بن وهب فِي موطئِهِ ، وَأبي دَاوُد فِي سنَنه ، وَأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَأبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكَبِير المُسَمَّى ب المجتنى ، و الصَّغِير المُسَمَّى ب الْمُجْتَبَى ، وَأبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي فِي سنَنه ، وَأبي عوَانَة فِي صَحِيحه ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي الْقطعَة الَّتِي وقفتُ عَلَيْهَا من صَحِيحه ، وَأبي حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه الْمُسَمَّى ب التقاسيم والأنواع ، وَفِي كِتَابه وصف الصَّلَاة بِالسنةِ ، وَأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي صَحِيحه وَأبي عبد الله الْحَاكِم فِيمَا استدرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَابْن أبي شيبَة ، والحُمَيْدِي ، والدَّارِمِي ، و (أبي) دَاوُد الطَّيَالِسي ، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ، وَأبي يَعْلَى ، والبَزَّار ، والْحَارث بن أبي أُسَامَة ، فِي مسانيدهم ، وَابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقى ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَأبي بكر الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكَبِير ، وانْتَقَد عَلَيْهِ بعض شُيُوخنَا مواضعَ يُمكن الْجَواب عَنْهَا ، و معرفَة السّنَن والْآثَار ، و شعب الإِيمان والمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني ، والْكَبِير سِتُّونَ ألف حديثٍ ، كَمَا قَالَه ابْن دحْيَة فِي كتاب الْآيَات الْبَينَات . قَالَ فِي (مَوضِع آخر) مِنْهُ : وَقيل : ثَمَانُون ألفا . وَجمع الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابه خَصَائِص أَعْضَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وعاش مائَة سنة . وَقَالَ صَاحب مُسْند الفردوس : وَيُقَال : إِن الْأَوْسَط ثَلَاثُونَ ألف حَدِيث . و الطّهُور لأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام ، و سنَن اللالكائي ، و سنَن أبي عَلّي بن السَّكن ، المسمَّى ب (السّنَن) الصِّحَاح المأثورة . نَاظرا عَلَى ذَلِك من كتب الصَّحَابَة : مَا صنَّفه أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان ، وَابْن عبد الْبر ، وَابْن قَانِع فِي مُعْجَمه ، و (عبد الْكَرِيم الْجَزرِي) فِي كِتَابه (أَسد) الغابة ، وَمَا زَاده الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ (من) طَبَقَات ابْن سعد وَغَيره ، فِي اختصاره للْكتاب الْمَذْكُور وَمَا أهمله . وَمن كتب الْأَسْمَاء جرحا وتعديلًا وَغير ذَلِك : تواريخ البُخَارِيّ ، و الضُّعَفَاء لَهُ ، و الضُّعَفَاء للنسائي ، و الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم ، و الضُّعَفَاء للعقيلي ، و الْكَامِل لِابْنِ عدي ، و الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان ، و الثِّقَات لَهُ ، و الثِّقَات لِابْنِ شاهين ، و المُخْتَلَف فيهم (لَهُ) ، و الضُّعَفَاء (لأبي الْعَرَب) ، و الضُّعَفَاء لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، وَمَا جمعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى ب الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء ، وَمَا ذيَّل عَلَيْهِ ، وَمَا جمعه آخرا وسَمَّاه ب ميزَان الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال ، وَهُوَ من أنفس كتبه . و رجال الصَّحِيحَيْنِ لِابْنِ طَاهِر ، غير مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ ، و الكُنى للنسائي ، و الكُنى للدولابي ، و الكُنى لِلْحَافِظِ أبي أَحْمد الْحَاكِم ، وَهُوَ (أكبرها) . و الْمدْخل إِلَى الصَّحِيحَيْنِ للْحَاكِم أبي عبد الله ، و التذهيب لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ ، وَأَصله المسمَّى ب تَهْذِيب الْكَمَال لِلْحَافِظِ جمال الدَّين المزيِّ ، وَمَا (نُقد) عَلَيْهِ . والكمال ، و الكاشف ، و الذبّ عَن الثِّقَات ، و من تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ موثق لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ ، و الْأَسْمَاء المفردة لِلْحَافِظِ أبي بكر البرديجي ، و أَسمَاء رُوَاة الْكتب لأبي عبد الله بن نقطة ، و كشف النقاب عَن الْأَسْمَاء والألقاب لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، و الْأَنْسَاب لِابْنِ طَاهِر ، و إِيضَاح [ الْإِشْكَال ] لِلْحَافِظِ عبد الْغَنِيّ الْمصْرِيّ ، و غُنْيَة الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس للخطيب الْبَغْدَادِيّ ، و مُوَضِّح أَوْهَام الْجمع والتفريق لَهُ ، وَهُوَ كتاب نَفِيس ، وَقع لي بِخَطِّهِ . و تَلْخِيص الْمُتَشَابه فِي الرَّسْم ، وحماية مَا أشكل (مِنْهُ) عَن (بَوَادِر) التَّصْحِيف وَالوهم لَهُ أَيْضا ، و أَسمَاء من رَوَى عَن مَالك لَهُ ، وَكتاب : الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل (لَهُ) ، و التَّهْذِيب للشَّيْخ محيي الدَّين النواوي . وَمن كتب الْعِلَل : مَا أودعهُ أَحْمد ، وَابْن الْمَدِينِيّ ، وَابْن أبي حَاتِم ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن القَطَّان ، وَابْن الْجَوْزِيّ : فِي عللهم . قَالَ ابْن مهْدي الْحَافِظ : لِأَن أَعْرِف عِلَّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي ، أحبّ إليَّ من أَن أَكتبَ عشْرين حَدِيثا لَيْسَ عِنْدِي . وَمن كتب الْمَرَاسِيل : مَا أودعهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن أبي حَاتِم ، وَابْن بدر الْموصِلِي ، وَشَيخنَا صَلَاح الدَّين العلائي ، حَافظ زَمَانه - أبْقَاه الله فِي خير وعافية - فِي مراسيلهم . وَمن كتب الموضوعات : مَا أودعهُ ابْن طَاهِر ، والجَوْرَقَاني ، وَابْن الْجَوْزِيّ ، والصَّغَانيّ ، وَابْن بدر الْموصِلِي : فِي موضوعاتهم . وَمن كتب الْأَطْرَاف : أَطْرَاف الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، حَافظ الْوَقْت ، الْمُسَمَّاة ب تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِِفَة الْأَطْرَاف . اقْتَصَرْتُ عَلَيْهَا ؛ لكَونه هَذَّبَ الْأَطْرَاف المتقدِّمة قبله ، (مَعَ جمعهَا لَهَا) ك أَطْرَاف خلف ، وَأبي مَسْعُود ، وَابْن عَسَاكِر ، وَابْن طَاهِر ، واستدرك جملَة عَلَيْهِم . وأطراف خلف أقلُّ وهما وَخطأ من أَطْرَاف أبي مَسْعُود ، وأطراف ابْن طَاهِر كَثِيرَة الْوَهم ، كَمَا شهد بذلك حَافظ الشَّام ابْن عَسَاكِر . وَمن كتب الْأَحْكَام : أَحْكَام عبد الْحق الْوُسْطَى ، و الصُّغْرَى ، و أَحْكَام الضياء الْمَقْدِسِي ، و الْأَحْكَام الْكُبْرَى لعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي ، وَأَحْكَام أبي عبد الله مُحَمَّد (بن فرج) الْمَعْرُوف ب الطَلَّاع ، و الْمُنْتَقَى لمجد الدَّين ابْن تَيْمِية ، و الإِلمام للشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، وَالْمَوْجُود من الإِمام (لَهُ) ، و الْخُلَاصَة للشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ ، وَهِي مفيدة ، وَلم يُكَمِّلها . وَمَا ذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كتاب اخْتِصَار سنَن أبي دَاوُد ، من اعتراضات وفوائد . وَمن كتب الخلافيات الحديثية : خلافيات الْحَافِظ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ ، وَلم أرَ مثلهَا ، بل وَلَا صُنِّف . وخلافيات الْحَافِظ جمال الدَّين أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، الْمُسَمَّاة ب التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث التَّعْلِيق ، وَهِي مفيدة ، وَمَا نقب عَلَيْهَا . وَمن كتب الأمالي : (أمالي) ابْن السَّمْعَانِيّ ، أمالي ابْن مَنْدَه ، أمالي ابْن عَسَاكِر ، أمالي إِمَام الْملَّة وَالدّين أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - الَّذِي تصدينا لإِخراج أَحَادِيث شَرحه الْكَبِير - وَهِي مفيدة جدًّا لم أرَ أحدا مَشَى عَلَى مِنْوَالِها ، فإنَّه أملاها فِي ثَلَاثِينَ مَجْلِسا ، ذكر فِي أول كل مجلسٍ مِنْهَا حَدِيثا بِإِسْنَادِهِ ، عَلَى طَريقَة أهل الْفَنّ ، ثمَّ تكلم (عَلَيْهِ) بِمَا يتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ ، وحالِ رواتِه ، وغريبِه ، وعربيته ، وفقههِ ، ودقائقه ، ثمَّ يختمه بفوائد ، (وأشعار) ، وحكايات ، ورتبها ترتيبًا بديعًا عَلَى نظم كَلِمَات الْفَاتِحَة ، بإرداف كلمة آمين لِأَنَّهَا بهَا ثَلَاثُونَ كلمة ، فَاشْتَمَلَ الحَدِيث الأول عَلَى كلمة الِاسْم ، وَالثَّانِي عَلَى اسْم الله الْعَظِيم ، وَالثَّالِث عَلَى الرَّحْمَن ، وهلم جرًّا إِلَى آخرهَا . وَهَذَا تَرْتِيب بديع ، وسمَّاها : الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة ، ومَنْ نَظَر فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَرَفَ قدر هَذَا الإِمام ، وَحكم لَهُ بتقدمه فِي (هَذَا) الْعلم خُصُوصا . وَمن كتب النَّاسِخ والمنسوخ : مَا أودعهُ الإِمام الشَّافِعِي فِي اخْتِلَاف الحَدِيث ، والأثرم ، والحازمي ، وَابْن شاهين ، وَابْن الْجَوْزِيّ : فِي تواليفهم . وَمن كتب المبهمات فِي الحَدِيث : (مَا) أودعهُ الْحَافِظ الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ ، وَابْن بشكوال ، وَابْن طَاهِر : فِي تواليفهم . وَمَا زَاده الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي اختصاره لكَلَام الْخَطِيب ، والحافظ : أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي آخر كِتَابه الْمُسَمَّى ب تلقيح فهوم [ أهل ] الْأَثر فِي الْمَغَازِي وَالسير . وَمن كتب شُرُوح الحَدِيث والغريب : مَا ذكره القَاضِي عِيَاض ، والمازري قبله ، وَالنَّوَوِيّ ، والقرطبي : فِي شروحهم لـ مُسلم . وَمَا شرحهُ الْخطابِيّ من : سنَن أبي دَاوُد ، و البُخَارِيّ المسمَّى بـ الْأَعْلَام . وَمَا شرَحه (النَّوَوِيّ) من : البُخَارِيّ ، و سنَن أبي دَاوُد وَلم يكملهما . وَمَا شرَحه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين من أَوَائِل الإِلمام . وَمَا شَرحه شَيخنَا ، حَافظ مصر فتح الدَّين ابْن سيد النَّاس من جَامع التِّرْمِذِيّ ، وَلَو كَمُلَ كَانَ فِي غَايَة الْحسن . و شرح مُسْند الإِمَام الشَّافِعِي لِابْنِ الْأَثِير ، وللإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ أَيْضا ، وَهُوَ من جملَة مَا يُعْرَفُ بِهِ قدره فِي هَذَا الْفَنّ . وَمَا أودعهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام فِي غَرِيبه (الَّذِي) جمعه فِي أَرْبَعِينَ سنة ، وَكَانَ خُلَاصَة عمره . والحَرْبيّ - صَاحب الإِمام أَحْمد - فِي غَرِيبه الْكَبِير ، والزَّمَخْشَرِيّ فِي فَائِقِه ، وَابْن قُرْقُول فِي مطالعه ، والهَرَوِيّ فِي غَرِيبه ، وَابْن الْأَثِير فِي نهايته . وَمَا ذكره فِي جَامع الْأُصُول . وَمَا ذكره القَلْعِي ، وَابْن بَاطِيْش ، وَابْن مَعْن : فِي كَلَامهم عَلَى (الْمُهَذّب) . والخَطَّابي فِي كِتَابه : تصاحيف الْمُحدثين ، والصولي فِيهِ أَيْضا ، والعَسْكري فِيهِ أَيْضا . والمُطَرِّزِيّ فِي مغربه ، وَمَا أَكثر فَوَائده . وَمن كتب أَسمَاء الْأَمَاكِن : مَا أودعهُ الْوَزير أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم من الْبلدَانِ ، (والحافظ أَبُو بكر الْحَازِمِي) فِي تأليفه الْمُسَمَّى بـ الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن وهما غَايَة فِي بابهما . وَمن كتب أُخرى حَدِيثِيَّةٌ : كمعجم أبي (يعْلى) الْموصِلِي ، و جَامع المسانيد بألخص الْأَسَانِيد لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، وَهُوَ تَلْخِيص مُسْند الإِمام أَحْمد بن حَنْبَل ، و نقي النَّقْل لَهُ ، وَكتاب تَحْرِيم الْوَطْء فِي الدبر لَهُ ، و بَيَان خَطَأِ من أَخْطَأَ عَلَى الشَّافِعِي فِي الحَدِيث للبيهقي ، و فِي اللُّغَة لَهُ أَيْضا ، و حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم لَهُ أَيْضا ، وَكتاب الْأَشْرِبَة للإِمام أَحْمد ، و الْحِلْية لأبي نعيم ، و أَمْثَال الحَدِيث للرَّامَهُرْمُزِيّ ، و الْأَوَائِل للطبراني ، و عُلُوم الحَدِيث للْحَاكِم أبي عبد الله ، وَابْن الصّلاح . و الدَّعْوَات الكافية فِي الْأَدْوِيَة الشافية لِابْنِ الْقُسْطَلَانِيّ ، و الْأَدْعِيَة لِلْحَافِظِ أبي الْفضل الْمَقْدِسِي ، و الصَّوْم لَهُ ، و الصّيام من السّنَن المأثورة للْقَاضِي يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل . و كَلَام الحافظِ أبي الْفضل بن طَاهِر عَلَى حَدِيث معَاذ ، و أَحَادِيث الشهَاب . و المُحَلَّى شرح المُجَلَّى لأبي مُحَمَّد بن حزم . وَمَا رَدَّه عَلَيْهِ ابْن عبد الْحق ، وَابْن مُفَوِّز ، وَشَيخنَا قطب الدَّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي ، الْحَافِظ ، فِي جُزْء جيد ، وَمَا أَكثر فَوَائده . و رسائل ابْن حزم فِي الْقيَاس ، و فَضَائِل الْجِهَاد لبهاء الدَّين بن عَسَاكِر ، ابْن الْحَافِظ الْمَشْهُور . وَمن مصنفات أبي الْخطاب بن دِحْيَة : الْآيَات البَيِّنات فِي أَعْضَائِهِ لله ، و مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين ، و العَلَم الْمَشْهُور فِي فَضَائِل الْأَيَّام والشهور ، و (خَصَائِص) الْأَعْضَاء ، و (التَّنْوِير) فِي مولد السراج الْمُنِير وَغَيرهَا من مؤلفاته المفيدة . وَمن كتب أُخْرَى مُتَعَلقَة بالفقه : كـ تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب للشَّيْخ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ ، رَأَيْت مِنْهُ إِلَى أَوَاخِر الْحَج ، وشأنه إِيرَاد الْأَحَادِيث بأسانيده . وَكَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ عَلَى الْوَسِيط ، و الْمُهَذّب ، وَكَلَام الإِمام الرَّافِعِيّ فِي التذنيب الَّذِي لَهُ عَلَى الْوَجِيز . وَكَلَام الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرِّفْعَة ، فِي شرحي الْوَسِيط ، و التَّنْبِيه ، وَغير ذَلِك . هَذَا مَا حضرني الْآن من الْكتب الَّتِي نظرتها ، واعتمدت عَلَيْهَا فِي هَذَا التصنيف وانتخبتها . وَأما الْأَجْزَاء الحديثية ، والمصنفات اللطيفة ، والفوائد المنتخبة من الخبايا والزوايا فَلَا ينْحَصر مصنفاتها ، وكل نقولاتها فِي الْكتاب معزوة إِلَى (قَائِلهَا) وناقلها ، فإنْ كَانَ فِي المظنة أطلقته ، وإنْ لم يكن (فِيهَا) قَيَّدتهُ بِبَابِهِ . وَعَدَدْتُ هَذِه الْكتب هَا هُنَا لفائدتين : إِحْدَاهمَا : أَن النَّاظر قد يُشْكِل عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ، فيراجعه من تواليفهم . (الثَّانِيَة) : ليعرف مِقْدَار هَذَا الْكتاب ، وبذل جهد الطَّاقَة والوسع فِيهِ . فإنْ كَمُلَ مَا رُمْنَاهُ ، وَحصل مَا قَصَدْنَاه حصل عنْدك أَيهَا الطَّالِب خزانَة من أَنْوَاع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة فِيهِ ، وكملت فَائِدَة شرح الرَّافِعِيّ ، لِأَن محصلهما حينئذٍ يكون جَامعا للفنين - أَعنِي عِلْمَي : الْفِقْه والْحَدِيث - (وحائِزًا (للمنقبتين) ، ويلتحق بِمن إِذا ذكرُوا فِي الْقَدِيم والْحَدِيث) ، يُقَال فِي حَقهم : الجامعون بَين الْفِقْه والْحَدِيث . وأتوسط فِي الْعبارَة فِيمَا أُورده من علل الحَدِيث ، ومتعلقاته ، وَإِذا توارد عَلَى التَّعْلِيل - أَو غَيره من الْفُنُون الْمُتَعَلّقَة بِهِ - (أَقْوَال) أَئِمَّة ذكرتُ قَول أشهرهم لَئِلَّا يطول الْكتاب . وأُنَبِّه - مَعَ ذَلِكَ - عَلَى مَا أَظهره الله عَلَى يَدي مِمَّا وَقع للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من وهم ، أَو غلط ، أَو اعْتِرَاض ، أَو (اسْتِدْرَاك) ، قَاصِدا بذلك النَّصِيحَة للْمُسلمين ، حاشا الظُّهُور أَو التنقيص ، معَاذ الله من ذَلِكَ ، فَهَل الْفضل إلَّا للمتقدم ، وغالب ذَلِكَ إِنَّمَا يَقع (من) التَّقْلِيد ، وَنحن (برَاء مِنْهُ) بِحَمْد الله وَمَنِّه . وأُتْبعُ الْكَلَام غَالِبا - بعد بَيَان صِحَة الحَدِيث ، وَضَعفه ، وغرابته ، إِلَى غير ذَلِكَ من فنونه - بِمَا وَقع فِيهِ من ضبط ألفاظٍ ، وَأَسْمَاء ، وفوائدَ ، وإشكالات . وَهَذَا النَّوْع - وَإِن كَانَ كتَابنَا هَذَا غير مَوْضُوع لَهُ - فبه تكمل الْفَائِدَة ، وتتم العائدة ، إلَّا أَنَّا نَتَحَرَّى الِاخْتِصَار فِي إِيرَاده ، ونقتصر فِي إبرازه ، حَذَرَ السَّآمَة (والملل) . ووسمته ب الْبَدْر الْمُنِير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشَّرْح الْكَبِير . وقدمت فِي أَوله فصولًا ، تكونُ لِمُحَصِّله وَغَيره قَوَاعِد يَرْجِع إِلَيْهَا ، وأصولًا فِي شُرُوط الْكتب السِّتَّة ، وَغَيرهَا من الْكتب المصنَّفة المتقدِّمة ، ليعتمد عَلَى شَرطهَا من أول الْكتاب إِلَى آخِره . وَفِي آخرهَا فصلا فِي حَال الإِمام (الرَّافِعِيّ) ومولده ، ووفاته ، وشيوخه ، ومصنفاته ، فإنَّه فِي الإِسلام بِمحل خطير ، وَبِكُل فَضِيلَة جدير ، ليُعْرَف قدره ، وَيرد عَلَى (كل) من جَهِلَ حَاله وفضله . وَبَيَان حَال وَالِده ، ووالدته ، فإنَّهما من الَّذين تتنزَّل الرَّحْمَة بذكرهم ، ويُبْتَهل إِلَى الله ببركتهم . جَعَلَه الله مُقَرِّبًا من رضوانه ، مُبْعِدًا من سخطه وحرمانه ، نَافِعًا لكَاتبه ، وسامعه ، نفعا شَامِلًا فِي الْحَال والمآل ، إنَّه لِمَا يَشَاء فَعَّال ، لَا رب سواهُ ، وَلَا مَرْجُوًّا إلَّا إيَّاه . اللَّهُمَّ انفعني بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ، يَوْم الْحَسْرَة والندامة ، ووالدي ، ومشايخي ، وأحبائي ، وَالْمُسْلِمين أَجْمَعِينَ ، إِنَّه عَلَى مَا يَشَاء قدير ، وَبِكُل مأمول جدير .
فصل وَأما صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان ، فشرطه - كَمَا قَالَ فِي خطْبَة صَحِيحه - : نملي الْأَخْبَار بأشهرها إِسْنَادًا ، وأوثقها (عمادًا) من غير وجود قطعٍ فِي سندها ، وَلَا ثُبُوت جرح فِي ناقلها . ثمَّ قَالَ بعد ذَلِكَ بأوراق : وشرطنا فِي (نقل) مَا أودعناه كتَابنَا هَذَا من السّنَن ، فإنَّا لَمْ نحتج فِيهِ إلَّا بحديثٍ اجْتمع فِي كل شيخٍ من رُوَاته خَمْسَة أَشْيَاء : الأول : الْعَدَالَة فِي الدَّين بالستر الْجَمِيل . وَالثَّانِي : الصدْق فِي الحَدِيث بالشهرة فِيهِ . وَالثَّالِث : الْعقل مَا يحدث من الحَدِيث . وَالرَّابِع : (الْعلم) بِمَا يحِيل من مَعَاني مَا يُروى . وَالْخَامِس : (المتعري خَبره) عَن التَّدْلِيس (عَلَى رِوَايَته) . فَكل من (اجْتمع) عِنْده هَذِه الْخِصَال الْخمس احتججنا بحَديثه ، وبنينا الْكتاب عَلَى رِوَايَته ، وكل من تَعَرَّى عَن خصْلَة من هَذِه الْخِصَال الْخمس لم نحتج بِهِ . ثمَّ شرع - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - فِي بَيَان الشُّرُوط الْمَذْكُورَة وَاحِدًا بعد واحدٍ ، فَأفَاد وأجاد ، فَمَا أحسن كَلَامه . وَلَعَلَّ غَالب صَحِيحه منتزع من صَحِيح شَيْخه ، إِمَام الْأَئِمَّة ، (أبي بكر) مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، فإنِّي رَأَيْت قِطْعَة من صَحِيح ابْن خُزَيْمَة إِلَى كتاب الْبيُوع ، وكلَّما يَقُول ابْن حبَان (فِي صَحِيحه) : نَا ابْن خُزَيْمَة . رَأَيْته فِي الْقطعَة الْمَذْكُورَة . وترتيب هَذَا الصَّحِيح تَرْتِيب بديع ، لم يُسْبَق إِلَيْهِ ، يتَعَيَّن عَلَى طَالب الحَدِيث الْوُقُوف عَلَيْهِ ، والكشف مِنْهُ من أصعب شَيْء . وَقد رَتَّبه عَلَى تَرْتِيب (الْكتب) الْفِقْهِيَّة الشَّيْخ الإِمَام (عَلَاء) الدَّين أَبُو الْحسن (عَلّي) بن بلبان الْفَارِسِي (الْحَنَفِيّ) ، تغمده الله برحمته .
فصل وَأما سنَن أبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي : فَلَا أعلم لَهُ شرطا ، وَهُوَ أَكثر السّنَن الْأَرْبَعَة ضعفا ، وَفِيه مَوْضُوعَات ، مِنْهَا : مَا ذكره فِي أَثْنَائِهِ فِي فضل قَزْوِين . لَكِن قَالَ أَبُو زرْعَة - فِيمَا روينَا عَنهُ - : طالعت كتاب أبي عبد الله بن مَاجَه ، فَلم أجد فِيهِ إلَّا قدرا يَسِيرا مِمَّا فِيهِ شَيْء . وَذكر قدر بضعَة عشر ، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ . وَهَذَا الْكَلَام من أبي زرْعَة - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَوْلَا أَنه مَرْوِيّ عَنهُ من أوجه ، لجزمتُ بِعَدَمِ صِحَّته عَنهُ ، فإنَّه غير لائقٍ (بجلالته) . لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين قَالَ فِي شرح الإِلمام : هَذَا الْكَلَام من أبي زرْعَة لَا بُد من تَأْوِيله ، وإخراجه عَن ظاهرِه ، وَحمله عَلَى وَجه (يَصح) . وَعَجِيب قَول ابْن طَاهِر : حَسبك من كتاب يعرض عَلَى أبي زرْعَة الرَّازِيّ ، وَيذكر هَذَا الْكَلَام بعد إمعان النّظر والنقد . وَقَوله : ولعمري إنَّ كتاب أبي عبد الله بن مَاجَه ، من نظر فِيهِ علم منزلَة الرجل : من حسن التَّرْتِيب ، وغزارة الْأَبْوَاب ، وَقلة الْأَحَادِيث ، وَترك التّكْرَار ، وَلَا يُوجد فِيهِ من النَّوَازِل ، والمقاطيع ، والمراسيل ، وَالرِّوَايَة عَن الْمَجْرُوحين ، إلَّا هَذَا الْقدر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو زرْعَة . وَرَوَى ابْن عَسَاكِر عَن أبي الْحسن بن [ بابويه ] : قَالَ أَبُو عبد الله بن مَاجَه : عرضت هَذِه النُّسْخَة عَلَى أبي زرْعَة ، فَنظر فِيهِ وَقَالَ : أَظن إنْ وَقع هَذَا فِي أَيدي النَّاس تعطَّلت هَذِه الْجَوَامِع كلهَا ، أَو أَكْثَرهَا . ثمَّ قَالَ : لَعَلَّه لَا يكون فِيهِ تَمام ثَلَاثِينَ حَدِيثا مِمَّا فِي إِسْنَاده ضعف ، أَو قَالَ : عشْرين وَنَحْوهَا من الْكَلَام . قَالَ : وَحكي عَنهُ أَنه نظر فِي جُزْء من أَجْزَائِهِ ، وَكَانَ عِنْده فِي خَمْسَة أَجزَاء . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : لَا بُد من تَأْوِيله جزما ، وَلَعَلَّه أَرَادَ ذَلِكَ الْجُزْء الَّذِي نظر فِيهِ ، أَو غَيره مِمَّا يَصح . وَقَالَ ابْن طَاهِر : وَسنَن ابْن مَاجَه وإنْ لم تشتهر عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء ، فإنَّ لَهُ ب الرّيّ ، وَمَا وَالاَهَا من ديار الْجَبَل و قوهستان - وعدَّد بلادًا - شأنٌ عظيمٌ ، عَلَيْهِ اعتمادهم ، وَله عِنْدهم طرق كَثِيرَة .
فصل وَأما جَامع أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ : فقد كفانا مُؤْنَة الْكَلَام عَلَيْهِ مُؤَلِفُه ، فإنَّه بَيَّن فِيهِ الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف ، وَقَالَ : صنفت هَذَا الْكتاب ، وعرضته عَلَى علماءِ أهلِ الْحجاز فَرَضُوا بِهِ ، وعرضته عَلَى عُلَمَاء العراقِ فَرَضُوا (بِهِ) ، وعرضته عَلَى عُلَمَاء خُرَاسَان فَرَضُوا بِهِ ، وَمن كَانَ فِي بَيته هَذَا الْكتاب ، فكأنَّما فِي بَيته نَبِيٌّ يتَكَلَّم . وَقَالَ أَبُو نصر عبد الرَّحِيم بن عبد الْخَالِق فِي كِتَابه الموسوم ب مَذَاهِب الْأَئِمَّة فِي تَصْحِيح الحَدِيث : كتاب أبي عِيسَى عَلَى أَرْبَعَة أَقسَام : (قسم) صَحِيح مَقْطُوع بِهِ ، وَهُوَ مَا وَافق فِيهِ البخاريَّ وَمُسلمًا ، وَقسم عَلَى شَرط أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَقسم أخرجه [ للضدِّيَّة ] ، وأبَانَ عَن علته ، وَقسم رَابِع أبَانَ عَنهُ فَقَالَ : مَا أخرجت فِي كتابي هَذَا إلَّا حَدِيثا قد عَمِلَ بِهِ بعض الْفُقَهَاء . وَهَذَا شَرط واسعٌ ، فإنَّ عَلَى هَذَا الأَصْل كل حَدِيث احْتج بِهِ مُحْتَج أَو عمل بِهِ عاملٌ ، [ أخرجه ] ، سَوَاء صحَّ طَرِيقه أَو لم يصحّ طَرِيقه . وَقد أزاحَ عَن نفسِهِ الكلامَ ؛ فإنَّه شَفَى فِي تصنيفه لكتابه ، وتكلَّم (فِيهِ) عَلَى كلِّ حَدِيث بِمَا فِيهِ ، وَظَاهر طَرِيقَته : أَن يترجم الْبَاب الَّذِي فِيهِ حَدِيث مَشْهُور ، عَن صَحَابِيّ قد صَحَّ الطَّرِيق إِلَيْهِ ، وأُخرِجَ من حَدِيثه فِي الْكتب الصِّحَاح ، فيورد فِي الْبَاب [ ذَلِك الحكم ] من حَدِيث صَحَابِيّ [ آخر ] لم يخرجوه من حَدِيثه ، وَلَا تكون الطَّرِيق إِلَيْهِ كالطريق إِلَى الأول ؛ لِأَن الحكم صَحِيح ، ثمَّ يُتْبِعُه بِأَن يَقُول : وَفِي الْبَاب عَن فلانٍ وفلانٍ ، ويعد (فيهم) جمَاعَة فِيهم الصَّحَابِيّ وَالْأَكْثَر الَّذِي أُخْرِجَ ذَلِكَ الحكم من حَدِيثه ، وقَلَّما يسْلك هَذِه الطَّرِيقَة إلَّا فِي أَبْوَاب مَعْدُودَة . وَقَالَ ذَلِك [ بنصه ] : ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي أَيْضا . وَقَالَ يُوسُف بن أَحْمد : لأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ الضَّرِير الْحَافِظ فَضَائِل تُجمع ، وتُروى ، وتُسمع ، وَكتابه من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق أهل الْحل وَالْعقد ، وَالْفضل ، وَالْفِقْه من الْعلمَاء ، وَالْفُقَهَاء ، وَأهل الحَدِيث النبهاء عَلَى قبُولهَا ، وَالْحكم بِصِحَّة أُصُولهَا ، وَمَا ورد فِي أَبْوَابهَا وفصولها . قُلْتُ : وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي : إنَّ جَامع التِّرْمِذِيّ من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَى صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب . وَفِيهِمَا نظر ؛ لِأَن فِيهِ الضَّعِيف ، والواهي ، والموضوع . قَالَ ابْن (الْقطَّان) فِي علله : جَهِلَ التِّرْمِذِيّ بعضُ من لم يبْحَث عَنهُ ، وَهُوَ : أَبُو مُحَمَّد بن حزم ، فَقَالَ فِي كتاب الْفَرَائِض من الإيصال (إِثْر) حَدِيث أوردهُ : إنَّه مَجْهُول . فَأوجب ذَلِكَ فِي ذكره - من تعْيين من شهد لَهُ بالإِمامة - مَا هُوَ مستغنٍ عَنهُ ، بِشَاهِد علمه ، وَسَائِر شهرته ، فَمِمَّنْ (ذكره) - فِي جملَة - : (الإِمام) الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله . وَقَالَ الخليلي فِي كِتَابه : ثِقَة مُتَّفق عَلَيْهِ . وَمِمَّنْ ذكره أَيْضا : الْأَمِير ابْن مَاكُولَا ، وَابْن الفرضي ، والخَطَّابي . وَنقل ابْن دِحْيَة فِي كتاب التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير جهالته عَن ابْن حزم ، ثُمَّ قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ الْخَطِيب ، وَلم يذكرهُ فِي تَارِيخه . قَالَ : وَزعم أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أبي بكر [ الصَّيْرَفِي ] (أَن التِّرْمِذِيّ) لم يسمع هَذَا الْكتاب .
فصل أمَّا موطأ إِمَام دَار الْهِجْرَة ، مَالك بن أنس : فشرطها أوضح من (الشَّمْس) . قَالَ بشر بن عمر الزهْرَانِي : سَأَلت مَالِكًا عَن رجلٍ ، فَقَالَ : رَأَيْتَه فِي كتبي ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ : لَو كَانَ ثِقَة لرأيته فِي كتبي . وَقَالَ الإِمام أَحْمد : مالكٌ إِذا رَوَى عَن رجلٍ لَمْ يُعْرَف فَهُوَ حجَّة . وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة : كَانَ مَالك لَا يبلغ من الحَدِيث إلَّا صَحِيحا ، وَلَا يُحَدِّث إلَّا عَن ثِقَات النَّاس . (وَقَالَ صَاحب مُسْند الفردوس : هُوَ أول كتاب صُنِّف فِي الْإِسْلَام ، وعلِّقَ عَلَى بَاب الْكَعْبَة بسلسلة الذَّهَب) .
فصل وَأما سنَن أبي دَاوُد - رَحِمَهُ اللَّهُ - فقد حَكَى عَنهُ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ - كَمَا أَفَادَهُ ابْن طَاهِر - أَن (شَرطه) إِخْرَاج أَحَادِيث أقوامٍ لم يُجْمَع عَلَى تَركهم ، إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الإِسناد من غير قطع وَلَا إرْسَال . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فِي (كتاب) (شُرُوط) الْأَئِمَّة : قَالَ أَبُو دَاوُد : كتبت عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسمِائَة ألف حَدِيث ، انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته كتاب السّنَن ، جمعت فِيهِ أَرْبَعَة (آلَاف) حَدِيث ، (وَثَمَانمِائَة حَدِيث) ، ذكرت الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ، وَمَا يُقَارِبه . وَقد اشْتهر عَنهُ من غير وَجه مَا مَعْنَاهُ : أَنه يذكر فِي كل بَاب أصح مَا عرفه فِي ذَلِكَ الْبَاب . وَقَالَ : مَا كَانَ فِي كتابي من حَدِيث فِيهِ (وَهَنٌ) شَدِيد فقد بَيَّنْتُه ، وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح ، وَبَعضهَا أصح من بعض . نقل ذَلِكَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث ، وَالشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَنه عَنهُ . وَذكر الْحَازِمِي فِي كِتَابه شُرُوط الْأَئِمَّة الْخَمْسَة بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ، أَنه قَالَ فِي رسَالَته الَّتِي كتبهَا إِلَى أهل مَكَّة وَغَيرهَا جَوَابا لَهُم : سَأَلْتُم أَن أذكر لكم الْأَحَادِيث الَّتِي فِي كتاب السّنَن (أَهِي) أصح مَا عرفت فِي هَذَا الْبَاب ؟ فاعلموا [ أَنه كَذَلِك ] كُله ، إِلَّا أَن يكون قد رُوِيَ من وَجْهَيْن صَحِيحَيْنِ ، وَأَحَدهمَا أقدم إِسْنَادًا ، وَالْآخر صَاحبه [ أقوم ] فِي الْحِفْظ ، فَرُبمَا أكتب ذَلِكَ ، وَلَا أرَى فِي كتابي [ من ] هَذَا عشرَة أَحَادِيث . وَلم أكتب فِي الْبَاب إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا أَو حديثين ، وإنْ كَانَ فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح ، فإنَّه يكبر ، وإنَّما أردْت (قرب) منفعَته . وَلَيْسَ فِي كتاب السّنَن الَّذِي صنَّفته عَن رجلٍ مَتْرُوك الحديثِ شيءٌ ، فإنْ ذُكِرَ لَك عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ لَيْسَ فِيمَا خَرَّجْتُه ، فاعْلَم أنَّه حَدِيث واهٍ ، إلَّا أَن يكون فِي كتابي من طَرِيق (آخر) ، (فإنِّي) لم أخرج الطّرق (بِهِ) ، (فإنَّه يكثر) عَلَى المتعلم . وَلَا أعرف أحدا جَمَعَ عَلَى الاستقصاءِ غَيْرِي . وَنقل النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّص الْمُتَقَدّم عَن أبي دَاوُد - الَّذِي (شَارك) ابْن الصّلاح فِيهِ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد - ثمَّ قَالَ : وَهَذَا يُشْكِل ؛ فإنَّ فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يُبَيِّنْها ، مَعَ أَنَّهَا مُتَّفق عَلَى ضعفها عِنْد الْمُحدثين ، كالمرسل ، والمنقطع ، وَرِوَايَة مَجْهُول . كـ شيخ ، و رجل ، وَنَحْوه ، فَلَا بدّ من تَأْوِيل هَذَا الْكَلَام . قَالَ : وليعلم أَن مَا وَجَدْنَاهُ فِي سنَنه ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا ، وَلَا نَص عَلَى صِحَّته أَو حسنه أحد مِمَّن يعْتَمد ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن عِنْد أبي دَاوُد أَو صَحِيح ، فَيحكم بِالْقدرِ الْمُحَقق ، وَهُوَ أَنه حسن . فإنْ نصَّ عَلَى ضعفه من يُعْتَمد ، أَو رَأَى الْعَارِف فِي سَنَده مَا يَقْتَضِي الضعْف ، وَلَا جابِرَ لَهُ حَكَمْنَا بضعفه . وَقد قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : إِن أَبَا دَاوُد يخرج الإِسنادَ الضَّعِيف إِذا لم يجدْ فِي الْبَاب غَيره ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنْده من رَأْي الرِّجَال . وَقَالَ الْخطابِيّ : كتاب أبي دَاوُد جَامع للصحيح وَالْحسن ، وأَمَّا الضَّعِيف فإنَّه خَليٌ مِنْهُ . قَالَ : وإنْ وَقع مِنْهُ شيءٌ - لضرب من الْحَاجة - فإنَّه لَا يَأْلُو أَن يبِّين أمره ، وَيذكر علته ، ويَخْرُجَ من عهدته . قَالَ : ويُحكى لنا عَن أبي دَاوُد أنَه قَالَ : مَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا اجْتمع الناسُ عَلَى تَركه . وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي أول أَطْرَافه : صنف أَبُو دَاوُد كِتَابه الَّذِي سمَّاه السّنَن ، فأجاد فِي تصنيفه وَأحسن ، وَقصد أَن يَأْتِي فِيهِ بِمَا كَانَ صَحِيحا مشتهرًا ، أَو غَرِيبا (حسنا) مُعْتَبرا ، ويطرح مَا كَانَ مطَّرحًا مستنكرًا ، (ويجتنب) مَا كَانَ شاذًّا مُنْكرا . قلت : وَمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ فِيهِ نظر ؛ فإنَّ فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يبينها ، مَعَ أنَّها ضَعِيفَة كالمرسل ، والمنقطع ، وَرِوَايَة مَجْهُول : كشيخ ، وَرجل ، وَنَحْوه ، كَمَا سَلَفَ . وَأجَاب النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَنه (عَنهُ) : بِأَنَّهُ - (وَهُوَ) مُخَالف أَيْضا لقَوْله : وَمَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَيَّنْتُه - لَمَّا كَانَ ضَعْفُ هَذَا النوعِ ظَاهرا ، اسْتَغنَى بظهوره عَن التَّصْرِيح ببيانه . قلت : فعلَى كل حَال لَا بُد من تَأْوِيل كَلَام أبي دَاوُد ، والحقُّ فِيهِ مَا قَرَّره النَّوَوِيّ . وَأما قَول الْحَافِظ أبي طَاهِر السلَفِي : سنَن أبي دَاوُد من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَى صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب ، فَفِيهِ تساهلٌ كبيرٌ . وتَأَوَّلَ النوويُّ عَلَى إِرَادَة الْمُعظم .
فصل وَأما صَحِيح الإِمام أبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج ، فَهُوَ أصح الْكتب بعد الْقُرْآن أَيْضا ، وَبَعض عُلَمَاء (الغرب يَقُولُونَ) : إنَّه أصح من كتاب البُخَارِيّ . وَلَيْسَ بصواب . رُوِّينا عَنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي صَحِيحه أَنه قَالَ : لَيْسَ كل حَدِيث صَحِيح وَضعته فِي كتابي ، إنَّما وضعت هَا هُنَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح : أَرَادَ - وَالله أعلم - أَنه لم يضع فِي كِتَابه إلَّا الْأَحَادِيث الَّتِي وُجِدَ عِنْده فِيهَا شَرَائِط الصَّحِيح (الْمجمع) عَلَيْهِ ، وإنْ لم يظْهر اجتماعها فِي بَعْضهَا عِنْد بَعضهم . قُلْتُ : وَأما زعم أبي مُحَمَّد الظَّاهِرِيّ أَيْضا أَن فِيهِ حَدِيثا مَوْضُوعا - وَهُوَ حَدِيث أبي سُفْيَان يَوْم الْفَتْح الْمَشْهُور - فَلَا يقبل مِنْهُ . وَقد أجَاب عَنهُ الْأَئِمَّة بأجوبة ، نذكرها - إِن شَاءَ الله - فِي كتاب الْوكَالَة من ربع الْبيُوع ، حَيْثُ يعرض لَهُ الرَّافِعِيّ . وَاعْلَم أَن مَا ذكره الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي كتاب الْمدْخل إِلَى معرفَة كتاب الإِكليل أَن الصَّحَابِيّ أَو التَّابِع إِذا لم يكن لَهُ إلَّا راوٍ واحدٍ ، لم يخرِّجا حَدِيثه فِي الصَّحِيحَيْنِ - أَعنِي [ الشَّيْخَيْنِ ] - لم يشترطاه ، وَلَا (وَاحِد مِنْهُمَا) ، وَهُوَ منقوض بِمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي كتاب أَدَاء الزَّكَاة ، إِن شَاءَ الله تَعَالَى .
فصل هَذَا آخر مَا وقفت عَلَيْهِ من شُرُوط (بعض) الْكتاب الَّتِي نقلنا مِنْهَا هَذَا الْكتاب ، ذكرتها هُنَا مَجْمُوعَة ليحال مَا يَقع بعْدهَا عَلَيْهَا ، فإنَّ الْكتاب (بأسره) مَبْنِيّ عَلَيْهَا ، وَبَاقِي الْكتب يسير حَالهَا عَلَى الصّفة المرضية فِي مواطنها - إِن شَاءَ الله تَعَالَى .
فصل وَأما مُسْند الإِمام أَحْمد ، (وَذَلِكَ) فِيمَا روينَا بالإِسناد الصَّحِيح عَنهُ أَنه قَالَ : عملت هَذَا الْكتاب - يَعْنِي الْمسند - إِمَامًا ، إِذا اخْتلف الناسُ فِي سُنَّةٍ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُجِع إِلَيْهِ . وَقَالَ حَنْبَل بن إِسْحَاق : جَمَعَنا أَحْمد بن حَنْبَل ، أَنا وَصَالح ، وَعبد الله ، وَقَرَأَ علينا الْمسند ، و (مَا) سَمعه مِنْهُ غَيرنَا ، وَقَالَ لنا : هَذَا الْكتاب قد جمعته وانتقيته من أَكثر من سَبْعمِائة ألف وَخمسين ألفا ، فَمَا اخْتلف الْمُسلمُونَ فِيهِ من حَدِيث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فارجِعُوا إِلَيْهِ ، فإنْ وجدتموه ، وإلَّا فَلَيْسَ بحجَّة . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرُّهَاوي فِي كتاب المادح والممدوح - وَمن خطّ الْمُنْذِرِيّ نقلت - : كَيفَ قَالَ الإِمام أَحْمد هَذَا و الْمسند يشْتَمل عَلَى الصِّحَاح ، وغرائب ، وَأَحَادِيث فِيهَا ضعف ؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ إنَّما أَرَادَ بقوله : فإنْ وجدتموه فِيهِ ، وإلَّا فَلَيْسَ بِحجَّة : الْأَحَادِيث الصِّحَاح الَّتِي احتوى عَلَيْهَا مُسْنده ، دون الغرائب ، والضعاف . يَعْنِي : أَن كل حَدِيث يُرَاد للاحتجاج بِهِ ، وَالْعَمَل بِحكمِهِ ، وَلَيْسَ فِي مُسْنده فَلَيْسَ بِصَحِيح ، حكما مِنْهُ بأنَّه لم يبقَ حَدِيث صَحِيح خَارج مُسْنده ، وَهَذَا لسعة علمه بالأحاديث ، وإحاطته بهَا وبطرقها ، وصحاحها ، وسقامها . قَالَ : وَمن أَمْعَنَ فِي طلب الحَدِيث ، واستكثر مِنْهُ ، وَمن الْكتب المصنفة فِيهِ فِي أَنْوَاع علومه ، وَرَآهَا مشحونة بِكَلَامِهِ ، وَرَأَى اعْتِمَاد المُصَنِّفين عَلَى كَلَامه ، وإحالتهم عَلَيْهِ - من عصره ، وزمانه وهلم جرًّا ، إِلَى حِين قَلَّ طالبو الحَدِيث ، وكَسَد سوقه - عَرفَ صِحَة مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي خَصَائِصه : وَلم يخرج - أَي أَحْمد - إلَّا عَمَّن يثبت عِنْده صدقه ، وديانته ، دون من طُعِنَ فِي أَمَانَته ، يدل عَلَى ذَلِكَ قَول ابْنه عبد الله : سَأَلت أبي عَن عبد الْعَزِيز بن أبان فَقَالَ : لم أخرج عَنهُ فِي الْمسند شَيْئًا ، قد أخرجت عَنهُ عَلَى غير وَجه الحَدِيث ، لَمَّا حدَّث بِحَدِيث الْمَوَاقِيت تركته . قَالَ أَبُو مُوسَى : وَمن الدَّلِيل (عَلَى) أنَّ مَا أودعهُ مُسْنده قد (احتاط) فِيهِ إِسْنَادًا ومتنًا ، وَلم يوردْ فِيهِ إلَّا مَا صحَّ عِنْده (ضربه) عَلَى أَحَادِيث رجال (ترك) الرِّوَايَة عَنْهُم ، رَوَى عَنْهُم فِي غير الْمسند . فَائِدَة : عَدَدُ أَحَادِيث الْمسند أَرْبَعُونَ ألفا ، بِزِيَادَات ابْنه عبد الله . كَمَا قَالَه ابْن دحْيَة فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين . وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن (الْمُنَادِي) : إِنَّه ثَلَاثُونَ ألفا ، (وَقَالَ صَاحب مُسْند الفردوس : يُقَال : إِنَّه ضمَّنَه خمسين ألف حَدِيث) .
فصل وَأما صَحِيح الإِمام أبي عبد الله البُخَارِيّ فَهُوَ أصح الْكتب بعد الْقُرْآن . روينَا عَنهُ أَنه قَالَ : مَا أدخلت فِي كتاب الْجَامِع إلَّا مَا صحَّ ، وَتركت من الصِّحَاح لحَال الطول . وروينا من جِهَات عَنهُ أَنه قَالَ : صنفت كتاب الصَّحِيح لستّ عشرَة سنة ، خرجته من سِتّمائَة ألف حَدِيث ، وَجَعَلته حجَّة بيني وَبَين الله - عزَّ وجلَّ . قُلْتُ : وَأما زعم أبي مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ أَن فِيهِ حَدِيثا مَوْضُوعا - وَهُوَ حَدِيث شقّ الصَّدْر إِلَى آخِره - فَلَا يُقبل مِنْهُ . وَقد أجَاب عَن ذَلِكَ ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي فِي جُزْء مُفْرد .
فصل فِي معرفَة حَال الإِمام الرَّافِعِيّ ، وشيوخه ، ومولده ، ووفاته ، ومصنفاته ، فإنَّه كَانَ فِي الإِسلام بِمحل خطير ، وَبِكُل فَضِيلَة جدير ، و (معرفَة) بَيته الطَّاهِر ، وسلفه الْكِرَام ، فَإِنَّهُم من الْعلمَاء الْأَعْلَام ، وَالسَّلَف الْكِرَام ، رجَالًا وَنسَاء . أما هُوَ : فَهُوَ الإِمام ، (الْعَالم) ، العلَّامة ، الْمُجْتَهد ، إِمَام الملَّة والدِّين ، حجَّة الإِسلام وَالْمُسْلِمين ، أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم ابْن الإِمام أبي الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل بن الْحسن بن الْحُسَيْن . كَذَا سَاق فِي نسبه فِي أَمَالِيهِ ، وَكَذَا كتب لَهُ بِمَا قَدَّمناه من الْأَلْفَاظ أهلُ زمانِهِ . القَزْوِيْنيّ الرَّافِعِيّ الشَّافِعِي ، خَاتِمَة الْأَئِمَّة من أَصْحَابه المرجوعِ إِلَى قَوْلهم . و قَزوين : بِفَتْح الْقَاف ، مَدِينَة مَعْرُوفَة ، كَذَا قَالَه ابْن السَّمْعَانِيّ . وَقَالَ غَيره : هِيَ مَدِينَة كَبِيرَة فِي عراق الْعَجم ، عِنْد قِلاَع الإِسماعيلية . وَقد اخْتُلِف فِي نِسْبَة الرَّافِعِيّ إِلَى مَاذَا ؟ فَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : هُوَ مَنْسُوب إِلَى رافعان ، قَرْيَة من بِلَاد قزوين . وَذكر الإِمام ركن الدَّين عبد الصَّمد بن مُحَمَّد الديلمي ، الْقزْوِينِي ، أَنه سَأَلَ القَاضِي مظفر الدَّين ، قَاضِي قزوين : إِلَى مَاذَا ينْسب الرَّافِعِيّ ؟ فَقَالَ : كتب بِخَطِّهِ ، وَهُوَ عِنْدِي فِي كتاب التدوين فِي أَخْبَار قزوين أَنه مَنْسُوب إِلَى رَافع بن خديج رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَقَالَ ركن الدَّين الْمَذْكُور : وَكنت سَمِعت قبل ذَلِكَ من الشَّيْخ شرف الدَّين أَنه مَنْسُوب إِلَى أبي رَافع ، مولَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضي عَنهُ . وَذكر ركن الدَّين هَذَا أنَّه لم يسمع بِبِلَاد قزوين بقرية يُقَال لَهَا : رافعان . ولَمَّا ذكر ابْن السَّمْعَانِيّ هَذِه النِّسْبَة - وَهِي الرَّافِعِيّ - فِي كِتَابه ، قَالَ : هِيَ نِسْبَة إِلَى أبي رَافع . وَفِي تَارِيخ خوارزم شاه لأبي الْفضل المنسي - فِي أثْنَاء حِكَايَة ذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ هَذَا فَقَالَ : الشَّيْخ إِمَام الدَّين (الرَّافِعِيّ) . قَالَ شَيخنَا (بَقِيَّة) الْحفاظ صَلَاح الدَّين العلائي شيخ الْقُدس الشريف - أبقاه الله فِي خير وعافية - : وَكَأَنَّهُ - وَالله أعلم - شُبِّه عَلَى من نسبه إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا : رافعان ، وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظ نِسْبَة أَعْجَمِيَّة إِلَى رَافع ، وَالظَّاهِر أَنه رَافع بن خديج ، الصَّحَابِيّ ، أحد الْأَنْصَار رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كَمَا كتب هُوَ بِخَطِّهِ . وأخبرت أَيْضا عَن قَاضِي الْقُضَاة جلال الدَّين الْقزْوِينِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَنه كَانَ يَقُول : إنَّ رافعان بالعجمي ، مثل الرَّافِعِيّ بالعربي ، فإنَّ الْألف وَالنُّون فِي آخر الِاسْم عِنْد الْعَجم (كياء النّسَب) فِي آخِره عِنْد الْعَرَب . فرافعان نِسْبَة إِلَى رَافع ، وَهَذَا مَشْهُور عِنْد الْعَجم بالإِمام رافعان . قَالَ : ثمَّ إِنَّه لَا يعرف بنواحي قزوين بلد يُقَال لَهَا : رَافع ، بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى (جد من) أجداده . فَظهر بِهَذَا أَن مَا ادَّعاه النَّوَوِيّ لَا أصل لَهُ ، فالرافعي (أعرف) بِنَفسِهِ ، وَكَذَا أهل قزوين أعرف ببلادهم . ولد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه تَقْرِيبًا سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة ؛ فإنَّه قَالَ فِي الْأَرْبَعين الَّتِي خرَّجها فِي الرَّحْمَة - وَلنَا بهَا رِوَايَة - أبنا وَالِدي حضورًا وَأَنا فِي الثَّالِثَة ، سنة ثَمَان وَخمسين . أَفَادَ (ذَلِك) شَيخنَا صَلَاح الدَّين الْمَذْكُور . (وَرَأَيْت) فِي أَمَالِيهِ - أَعنِي الرَّافِعِيّ - فِي أَوَائِل الْمجْلس الأول ، مَا نَصه : - فِي تَرْجَمَة سعد الْخَيْر (بن) مُحَمَّد بن سهل الْأنْصَارِيّ المغربي الأندلسي - أَن سَعْدا هَذَا توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة . قَالَ : وَسمع وَالِدي مِنْهُ الْكثير ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يغلب عَلَيْهِ فِي آخر عمره مَا يغلب عَلَى المشتاقين . قَالَ : وَكنت أتولى خدمته فِي مرض وَفَاته ، ودعا لي بالسعادة غير مرّة (فِيهِ) ، وَأَرْجُو أَن يستجيب الله دعاءه . وَكَانَ كثيرا مَا ينشد فِي تِلْكَ المرضة : وبذا الْهَوَى يَمُوت الْكِرَام أَنا إنْ مِتُّ فالهوى حَشْو قلبِي هَذَا نَص مَا ذكر ، فَإِن كَانَ المُرَاد بقوله : وَكنت أتولى خدمته : وَالِد الإِمام الرَّافِعِيّ ، فَلَا إِشْكَال ؛ وَإِن كانَ المُرَاد الإِمام الرَّافِعِيّ نَفسه ، فَهُوَ مُشكل ؛ لِأَن سَعْدا توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ، وَكَانَ الرَّافِعِيّ إذْ (ذَاكَ) يَخْدمه فِي مَرضه ، وَأَقل من يتأهل للْخدمَة (أَن يكون) بَالغا ، فَيكون مولد الرَّافِعِيّ عَلَى هَذَا - تخمينًا - سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة . وَيبقى مُخَالفا لما أخبر بِهِ فِي أربعينه من أَن وَالِده أخبرهُ حضورًا (وَهُوَ) فِي الثَّالِثَة ، سنة ثَمَان وَخمسين ، فلينقح ذَلِك . قَرَأَ الحَدِيث عَلَى وَالِده ، قَالَ فِي الْأَرْبَعين : أَخْبرنِي وَالِدي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ، وَعَلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل (الطَّالْقَانيِّ) خَال والدته ، الْآتِي ذكره ، وَعَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك . وسَمعه من جماعات : كأحمد بن حسنويه بن حاجي الزبيري الشريف الأديب المناظر الْفَقِيه ، والواقد بن خَلِيل الْحَافِظ ، جد (الزبيري) لأمه ، وَأحمد بن الْحسن العطَّار ، وَالْحسن بن أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد العطَّار الهمذاني الْحَافِظ الْكَبِير ، سمع مِنْهُ بهمذان ، وَاللَّيْث بن (سعد الْكشميهني) الهمذاني ، وحامد بن مَحْمُود بن عَلّي الماوراء النَّهْرِي الْخَطِيب الرَّازِيّ الْمُفْتِي المناظر الْمُحدث ، وشهردار بن شيرويه بن فناخسرو الديلمي المتقن الْحَافِظ صَاحب الفردوس وَعبد الله بن أبي الْفتُوح بن عمرَان العمراني أَبُو حَامِد ، أحد الْفُقَهَاء المعتبرين ، وَعبد الْوَاحِد بن عَلّي بن مُحَمَّد ، وَعلي ابن [ عبيد الله ] بن الْحسن بن الْحُسَيْن بن بابويه ، الرَّازِيّ الْحَافِظ وَعلي بن الْمُخْتَار بن عبد الْوَاحِد العربوي ، وَعلي بن سعيد الحَبَّار ، ومبارك بن عبد الرَّحْمَن ، وَمُحَمّد بن أبي طَالب - أَو طَالب - ابْن (بلكويه) ابن أبي طَالب الضَّرِير الْمُقْرِئ العابد ، وَمُحَمّد بن عبد الْبَاقِي بن أَحْمد بن سلمَان أَبُو الْفَتْح [ بن ] (البَطِّي) ، سمع مِنْهُ بِبَغْدَاد ، وَمُحَمّد بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي ، وَيَحْيَى بن ثَابت (البَقَّال) ، وَأَبُو الْكَرم الْهَاشِمِي ، وَأَبُو [ عبد الله ] مُحَمَّد [ بن ] النجَّار الْحَافِظ صَاحب [ ذيل تَارِيخ ] بَغْدَاد . وَرَوَى بالإِجازة الْعَامَّة عَن : أبي (سعد) السَّمْعَانِيّ . والخاصة عَن : أبي (زرْعَة) طَاهِر بن الْحَافِظ أبي الْفضل مُحَمَّد بن عَلّي الْمَقْدِسِي ، وَرَجَب بن مَذْكُور بن (أرنب) ، وَغَيرهمَا . رَوَى عَن هَؤُلَاءِ كلهم - خلا عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك - فِي أَمَالِيهِ ، وَهُوَ فِي أربعينه . رَوَى عَنهُ بِالسَّمَاعِ : وَلَده الإِمام (عَزِيز) الدَّين - مُحَمَّد ، والحافظ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ ، سمع مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة - عَلَى ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - و (حَدَّث عَنهُ) فِي مُعْجَمه ، وَلم يكن حِين اجْتمع بِهِ عرف أَنه ذَلِك الإِمام ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زِيّ الْفُقَرَاء الصَّالِحين ، وَآخَرُونَ . وبالإِجازة : ابْن أُخْته أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن أبي سعيد الْقزْوِينِي الطاوسي ، وَأَبُو الْفَتْح عبد الْهَادِي بن عبد الْكَرِيم الْقَيْسِي ، خطيب المقياس ، وفخر الدَّين عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة (عماد الدَّين) عبد الرَّحْمَن ، الْمَعْرُوف ب ابْن السكرِي ، وَغَيرهم . وَمن حَدِيثه : مَا أَنا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح الدَّين (أَبُو) سعيد خَلِيل بن (كيكلدي) بن عبد الله العلائي ، بالقدس الشريف ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، قَالَ : أَنا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُؤَذّن (الواني) بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، أَنا أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن (أبي) سعيد بن مَحْمُود بن الناصح الْقزْوِينِي (سَمَاعا) عَلَيْهِ ، أَنبأَنَا (خَالِي) الإِمام أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الرَّافِعِيّ (ح) . وَأَخْبرنِي مشافهة عَالِيا الْأَئِمَّة : أثير الدَّين أَبُو حَيَّان ، وَعبد الْكَرِيم الْحلَبِي ، وَبدر الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد الفارقي قَالُوا : أخبرنَا فَخر الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة عماد الدَّين ، الْمَعْرُوف ب (ابْن) السكرِي - الْأَوَّلَانِ سَمَاعا ، وَالثَّالِث إجَازَة - قَالَ : أَنبأَنَا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - قَدَّس الله روحه ، ونَوَّر ضريحه - قَالَ : قَرَأت عَلَى وَالِدي ، قيل لَهُ : أخْبركُم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل ، فأقَرَّ بِهِ ، أخبرتنا فَاطِمَة بنت (أبي عَلّي) الدقاق ، أخبرنَا عبد الْملك بن الْحسن ، أَنا أَبُو عوَانَة - يَعْنِي الإِسفراييني - نَا الصغاني ، نَا (عبيد الله) بن مُوسَى ، أَنا طَلْحَة بن يَحْيَى ، عَن أبي بردة ، عَن أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ هَذِه الأُمَّةَ أمة مَرْحُومَة ، لَا عَذَاب عَلَيْهَا ، (عَذَابُها فِي الدُّنْيَا) بأيديها ، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة ، أُعطيَ كُلُّ رجلٍ مِنْهُم رجلا من أهلِ الأَدْيانِ ، فَكَانَ فَكَاكَهُ من النَّار . وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، أخبرنَا شيخ الشُّيُوخ فريد الْعَصْر أَبُو المجامع إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (بن) الْمُؤَيد ابن حمويه الْجُوَيْنِيّ فِيمَا شافهني بِهِ بمنى - شَرَّفَها الله - ثمَّ كتب بِهِ إليَّ . وحدَّثني بعض أَصْحَابنَا الْحفاظ ، أَنا الإِمام (عَزِيز) الدَّين مُحَمَّد ابن الإِمام الْعَلامَة إِمَام الدَّين أبي الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بقزوين سنة (إِحْدَى وَسبعين) وسِتمِائَة ، نَا وَالِدي من لَفظه سنة إِحْدَى عشرَة قَالَ : قَرَأت عَلَى وَالِدي ، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد ، أَنا أَحْمد بن عَلّي الأديب ، أَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزيَادي - يَعْنِي أَبَا طَاهِر بن محسن الْفَقِيه - أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ، نَا أَحْمد بن يُوسُف ، نَا عبد الرَّزَّاق ، أَنا معمر ، عَن همام بن مُنَبّه قَالَ : هَذَا مَا حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن مُحَمَّد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لله تِسْعَة وتسْعُونَ اسْمًا - مائَة إلَّا وَاحِدًا - منْ أحْصاها دَخَل الجنَّة ، إنَّه وتْر يُحبُّ الْوتر . وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأخلاطي ، أَنا مُحَمَّد بن (أبي) سعيد ، أَنا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ إِذْنا ، قَالَ : قَرَأت عَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك ، وَأَجَازَ لي الْأَئِمَّة : وَالِدي ، وَأحمد بن إِسْمَاعِيل ، وَمُحَمّد بن عبد الْعَزِيز قَالُوا : أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك بن مُحَمَّد ، سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة ، أَنا الإِمام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَلّي الفيروزابادي سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ، أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد البرقاني ، نَا أَبُو بكر الإِسماعيلي الإِمام - لفظا - أَخْبرنِي أَبُو يعْلى - يَعْنِي : أَحْمد بن الْمثنى - نَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي سَمِينَة ، نَا (مُعْتَمر) بن سُلَيْمَان قَالَ : سَمِعت أبي ، نَا قَتَادَة ، أَن أَبَا رَافع حَدثهُ ، أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : إنَّ الله تَعَالَى كَتبَ كِتَابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الْخلق : إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي ، فَهُوَ عِنْده مَكْتُوب فَوق الْعَرْش . وَرُوِيَ لنا من (طَرِيق آخر) أَعلَى من هَذَا ، إلَّا أنَّ هَذِه [ الطَّرِيق ] حَسَنَة جدًّا ، لتسلسل غَالب رُواتها بالأئمة الْكِبَار من أَصْحَابنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ، وَقد ذكرت بِإِسْنَاد الإِمام الرَّافِعِيّ أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي مناقبه الَّتِي (أفردتها) بالتصنيف ، وَهَذَا الْقدر كافٍ هُنَا ؛ لِأَن الله وتر يحب الْوتر . تفقَّه الإِمام الرَّافِعِيّ عَلَى وَالِده الْمَذْكُور ، (الإِمام) أبي الْفضل ، لَا أعلم أحدا تفقَّه عَلَيْهِ غَيره ، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة مَذْهَب الشَّافِعِي ، ومعرفته بدقائقه فِي سَائِر الْبِلَاد . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : أَظن أَنِّي لم أرَ فِي بِلَاد الْعَجم مثله . قَالَ : وَكَانَ ذَا فنونٍ ، حسن السِّيرَة ، جميلَ الأثرِ . وَقَالَ أَبُو عبد الله (مُحَمَّد) بن (مُحَمَّد بن عمر) بن أبي بكر الصفار الإِسفراييني فِي أَرْبَعِينَ خرَّجَها : شَيخنَا ، إِمَام الدَّين حَقًّا ، وناصرُ السُّنَّةِ صدقا ، أَبُو الْقَاسِم ، عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ ، كَانَ أوحد عصره فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة ، (أُصُولهَا) وفروعها ، ومجتهد زَمَانه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ، وفريد وقته فِي تَفْسِير الْقُرْآن و (الْمَذْهَب) ، وَكَانَ لَهُ مجْلِس للتفسير ، وإسماع الحَدِيث بِجَامِع قزوين . وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النواوي رَحِمَهُ اللَّهُ : كَانَ إِمَامًا ، بارعًا ، (مُتَبَرعا) ، متبحرًا فِي علم (الْمَذْهَب) وعلوم كَثِيرَة ، وَكَانَ زاهدًا ، ورعًا ، متواضعًا . قَالَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ : هُوَ من الصَّالِحين المتمكنين ، وَكَانَت لَهُ كرامات ظَاهِرَة . قلت : لَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا ريب ، فَمِنْهَا : مَا أَخْبرنِي شَيخنَا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح (الدَّين العلائي) ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ : حَكَى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر الدِّمَشْقِي ، أَنه سمع من شَيخنَا الزَّاهِد الْكَبِير وليّ الله أبي الْحسن عَلّي الوَاسِطِيّ - (قَالَ شَيخنَا) : وَسمعتهَا أَيْضا من جمَاعَة آخَرين مُرْسلَة - أَن الإِمامَ أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ بَات (عِنْد) بعض أَصْحَابه بكرم لَهُ خَارج بلد قزوين ، وَكَانَت عَادَته أَنه يكْتب بِاللَّيْلِ فِيمَا يصنف فِيهِ ، فلمَّا كَانَ اللَّيْل لم يُوجد (هُنَاكَ) دهن يُشعل بِهِ السراج ، وَلَا أمكن الدُّخُول إِلَى الْبَلَد لأجل ذَلِك لَيْلًا ، فَجَلَسَ الرَّافِعِيّ إِلَى جنب (دالته) ، فأضاء لَهُ غُصْن مِنْهَا ، فَكتب عَلَيْهِ إِلَى أَن فرغ . قَالَ الشَّيْخ عَلّي الوَاسِطِيّ : وَهَذِه الْحِكَايَة مَشْهُورَة عندنَا بواسط ، وَتلك الْبِلَاد . وَمِنْهَا : مَا قرأته عَلَى شَيخنَا الْمَذْكُور قَالَ : حَكَى شيخ شُيُوخنَا العلَّامة تَاج الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْفَزارِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تاريخٍ علَّقه عَن القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان ، أَنه حدَّثه أَن الْملك جلال الدَّين خوارزم شاه ، غزا الكُرْج بتِفْليس سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة ، وَقتل فيهم بِنَفسِهِ حَتَّى جمد الدَّم عَلَى يَده ، فَلَمَّا مرَّ بقزوين ، خرج إِلَيْهِ الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ ، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أكْرمه إِكْرَاما عَظِيما ، فَقَالَ (لَهُ) الشَّيْخ : سَمِعت أَنَّك قَاتَلتَ الْكفَّار حَتَّى جَمُدَ الدَّم عَلَى يدك ، فَأحب أَن تخرج إليَّ يدك لأقبِّلها . فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان : بل أَنا (أقبِّل يدك) . فقبَّل السُّلْطَان يَده ، و (تحادثا) ، ثمَّ خرج الشَّيْخ ، وَركب دَابَّته ، وَسَار قَلِيلا ، فَعَثَرَتْ بِهِ الدَّابَّة ، فَوَقع فتأَذَّت يَده الَّتِي قبَّلها السُّلْطَان ، فَقَالَ الشَّيْخ : سُبْحَانَ الله ! لما قَبَّل هَذَا الْملك يَدي حصل فِي نَفسِي شَيْء من العظمة ، فعوقبت بِالْوَقْتِ بِهَذِهِ الْوَقْعَة . وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ طَاهِر اللِّسَان فِي تصنيفه ، كثير الْأَدَب ، شَدِيد الِاحْتِرَاز فِي النقول ، فَلَا يُطلق نقلا عَن أحد إلَّا إِذا وقف عَلَيْهِ من كَلَامه ، فإنْ لم يقف عَلَيْهِ عبَّر بقوله : وَعَن فلَان كَذَا ، شَدِيد الِاحْتِرَاز - أَيْضا - فِي مَرَاتِب التَّرْجِيح ، وَلِهَذَا يُطلق تَارَة : (عَلَى) الْأَصَح ، وَنَحْوه . وَتارَة يَقُول : الْأَصَح عِنْد الْأَكْثَرين . وَتارَة يَقُول : الْأَصَح عَلَى مَا قَالَه فلَان وَفُلَان . أَو : كَلَام الْأَكْثَرين يمِيل إِلَى كَذَا . وَمرَّة يذكر مَا يشْعر بِأَنَّهُ من جِهَته ، كَقَوْلِه : الْأَحْسَن ، والأعدل ، وَالْأَشْبَه ، والأمثل ، وَالْأَقْرَب ، (والأنسب) ، وَيَنْبَغِي كَذَا ، وَيُشبه كَذَا ، وَنَحْو ذَلِك . صّنَّف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَأعَاد علينا من بركاته ، وبركات سلفه الطَّاهِر - كُتبًا أضحت للدّين والإِسلام أَنْجُمًا وشُهبًا ، مِنْهَا : الْكتاب الَّذِي خار الله لنا - وَله الْحَمد والمنَّة - (بالْكلَام) عَلَى أَحَادِيثه ، وآثاره - يَسَّر الله إكماله ، ونفع بِهِ - وَهُوَ : الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : لم يشْرَح الْوَجِيز بِمثلِهِ . قلت : بل لم يصنف فِي الْمَذْهَب مثله ، قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين - بالقدس الشريف - قَالَ : سَمِعت شَيخنَا الْعَلامَة الرباني أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْفَزارِيّ - غير مرّة - يَقُول : مَا يعرف قدر الشَّرْح للرافعي إِلَّا بِأَن يجمع الْفَقِيه المتمكن فِي الْمَذْهَب الْكتب الَّتِي كَانَ الإِمام الرَّافِعِيّ يستمد مِنْهَا ، ويصنف شرحًا للوجيز ، من غير أَن يكون كَلَام الرَّافِعِيّ عِنْده ، فَحِينَئِذٍ يعرف كل أحد (قصوره عمَّا) وصل إِلَيْهِ (الإِمام) الرَّافِعِيّ . هَذَا أَو مَعْنَاهُ . وَمِنْهَا : الشَّرْح الصَّغِير للوجيز أَيْضا ، قَالَ الإِسفراييني - الْمُتَقَدّم ذكره - : وَقع موقعًا عَظِيما عِنْد الْخَاصَّة ، والعامة . قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين قَالَ : سَمِعت قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي - تغمده الله بعفوه - يَحْكِي عَن مَشَايِخ بَلَده ، أَن سَبَب تصنيف الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ الشَّرْح الصَّغِير أَن بعض الْفُقَهَاء قصد أَن يختصر الشَّرْح الْكَبِير ، فَبلغ ذَلِك الإِمام الرَّافِعِيّ ، فخاف أَن يُفْسده عَلَيْهِ بالتغيير ، لقُصُور (عبارَة) ذَلِك الرجل ، فَقَالَ لَهُ الإِمام أَبُو الْقَاسِم : أَنا أَخْتَصِرهُ لَك ، وَلَكِن لَا أقدر عَلَى الْوَرق . وَكَانَ ذَلِك الرجل - أَيْضا - فَقِيرا ، فَلم يُمكنهُ إلَّا أنْ أحضر للإِمام أبي الْقَاسِم من الْوَرق الْمَكْتُوب الَّذِي يُبَاع شَيْئا كثيرا ، فَكتب الإِمام الشَّرْح الصَّغِير فِي ظُهُوره ، حَتَّى أَكْمَلَه ، ثمَّ نُقِلَ من تِلْكَ الظُّهُور . قلت : وَهَذِه الْحِكَايَة ، مِمَّا يدل عَلَى زهد الإِمام الرَّافِعِيّ ، وتَقلُّلِهِ من الدُّنْيَا . وَمِنْهَا : المُحَرَّر وَهُوَ كاسمه ، وَمَا أَكثر نَفعه ، مَعَ صغر حجمه . وَمِنْهَا : شرح مُسْند الإِمام الشَّافِعِي ، وَهُوَ كتاب نَفِيس ، قَالَ الإِسفراييني الْمُتَقَدّم ذكره : أَسْمَعَه مُصَنفه سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة . وَمِنْهَا : الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة ، الَّتِي تقدم التَّنْبِيه عَلَى عظم شَأْنهَا فِي الْخطْبَة ، ابْتَدَأَ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فِي إملائها يَوْم الثُّلَاثَاء ، ثامن عشْرين رَجَب ، سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة ، (وختمها يَوْم الْجُمُعَة ، رَابِع عشْرين ربيع الأول ، سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة) . وَمِنْهَا : التذنيب عَلَى (الشرحين) ، لما يتَعَلَّق بالوجيز . وبهذه الْكتب الثَّلَاثَة يُعْرفُ محلُّ الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ من معرفَة هَذَا الْعلم - أَعنِي علم (هَذَا) الحَدِيث ، وَالْكَلَام عَلَيْهِ ، عَلَى اصْطِلَاح أَهله فِي عزوه وَرِجَاله ، وفوائده - الْمعرفَة التَّامَّة . وخرَّج لنَفسِهِ أَرْبَعِينَ حَدِيثا ، كَمَا تقدّمت الإِشارة إِلَيْهَا ، سَاق (فِيهَا) الحَدِيث المسلسل بالأولية من عشرَة طرق ، يذكر مَعَ كل طَرِيق مِنْهَا أَرْبَعَة أَحَادِيث فِيمَا يتَعَلَّق بِالرَّحْمَةِ . وَمِنْهَا : الإيِجاز فِي أخطار الْحجاز ، صنَّفه فِي سَفْرَتِه إِلَى الْحَج ، أَفَادَهُ بعض الْعَجم من شُيُوخ الْعَصْر . وَله - رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَعَ ذَلِك - شعر حسن ، فَمن ذَلِك مَا ذكره فِي أَمَالِيهِ : سَمِّني مَا شئتَ وسِم جبهتي بِاسْمِك ثمَّ اسْمُ بأسمائي فَسَمِّني (عَبدك) أفخرْ بهِ وَيَسْتَوِي عَرْشِي عَلَى الماءِ وفيهَا لَهُ : إنْ كنتَ فِي اليُسْرِ فاحمدْ من حَبَاكَ بِهِ فَلَيْسَ حَقًّا قَضى لكنَّه الجودُ أَو كنت فِي العُسْرِ فاحمده كَذَلِك إذْ مَا فوقَ ذلكَ مصروفٌ و (مردودُ) وَكَيف مَا دارتِ الأَّيام مقبلةً وَغير مقبلةٍ فَالْحَمْد محمودُ وفيهَا لَهُ : إِلَى رضى الربِّ نَسُوق الرِّضَا بِاللَّه ربًّا فارض فِيمَا قَضَى وَلَا تَكُنْ عَنْ شَأْنِهِ غَافِلًا فالوقتُ سيفٌ صَارِمٌ ينتضى وفيهَا لَهُ : العَالمُون ضَعِيفُهُم وقَوِيُّهُم لجلالِ عزته سُجُودٌ رُكَّعُ لَو كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوه عمرَهمُ حقَّ العبَادةِ (لَحْظَة) لَتَكعكعوا وفيهَا لَهُ : أَقِيْمَا عَلَى بابِ (الرحيمِ) أَقِيمَا وَلَا تَنِيَا فِي ذكرِه فَتَهِيما وللنَّفَحَاتِ الطَّيِّبَات تَعَرَّضَا لعلكما تستنشقانِ نسيما هُوَ الرَّبُ من يَقْرَعْ عَلَى الصِّدْقِ بَابَهُ يَجدْه رءوفًا بالعبادِ رحِيما وفيهَا لَهُ : تَنَبَّهْ فَحَقٌّ أَن يطولَ بحسرةٍ تلهفُ مَنْ يَسْتَغْرقُ العمرَ نَوْمُهُ لَقدْ نِمْتَ فِي (ليْلِ) الشَّبيبةِ غافِلًا فَهُبَّ لصبحِ [ الشَّيبِ ] إذْ جَاءَ (يَوْمُهُ) وفيهَا لَهُ : سَوَادُ الشبابِ كليلٍ مَضَى وَقد نِمْتَ فِيهِ (لَقى) غَافِلًا وصُبْحُ المَشِيبِ بَدَا فَانْتَبِه فَعَمَّا قليلٍ تُرَى آِفلًا وفيهَا لَهُ : منْ يَسْتَعِنْ بِاللَّه سُبْحانه ويطلبُ العوذة فِيمَا يُعينْ يُعِنْهُ بالفضِل عَلَى مَا بهِ يَقَرُّ عينا ويَفِرُّ اللَّعِينْ فحسبنا الله لِمَا نَابَنَا إيَّاهُ نَرْجُو وَبِهِ نستعينْ وفيهَا لَهُ : لَيْسَ (للدنيا) استقامه ولمن فيها إقامة هِيَ إلمامةُ طَيْفٍ وانتشاء من مُدَامهْ هِيَ مثلُ البرقِ يَبْدُو من تجاويفِ غَمَامَهْ (نائلٌ) مَا أَنْت فِيهِ من هَوَانٍ وكرامهْ حاصلُ المأمولِ فِيهَا تَبِعَاتٌ وغرامهْ تعبٌ فِي الحَالِ صَعْبٌ ثُمَّ فِي العُقْبَى ندامهْ جافِ عَنْهَا الجْنبَ صَفْحًا تنجْ (مِنْهَا) بِسَلاَمهْ وفيهَا لَهُ : أَُفْدي الَّذين سَقَونيِ كَأْس حُبّهمُ وإِنْ جَفَوْنِي وإنْ جَارُوا وإنْ (غَدَرُوا) أَلَيْسَ قد جعلوني أهلَ (وُدهمُ) فَفِي فؤاديَ مِنْهُ الوِرْدُ والصَّدَرُ أَلَيْسَ (لم) يسلبوني مَا أَلُذْ بِهِ ذكرا وحبًّا وإضمارًا وَقد قَدَرُوا وفيهَا لَهُ : صافيتكَ لَا تشب بمطلٍ وبليٍّ ميعادك واحتكم بِمَا شِئْتَ علَيَّ أَتْمِمْ نِعَمًا أَنْتَ تَطَوَّلْتَ بهَا مِنْكَ اليَدُ والقصور مِنِّي وإليَّ (وفيهَا لَهُ) : تَيَمَّمتُ بَابَكَ لَا غَيره فَمَا الخيرُ عِنْدِي سُوَى خَيْرِكم لَئِن لم أُصِبْ مِنْكمُ وابِلًا فَما أرتجي الطلَّ مِنْ غَيْرِكم (وفيهَا لَهُ) : نَفسِي فدًا لَهُم أَحبُّوا أَمْ تَوَلَّوا تَحَوَّلُوا عَنْ حَالهم أَو ثَبَتُوا فَخَوَّلُوا إنْ حَرَمُوا فطالما بفضلهم تَطَوَّلُوا فَتَحْتُ عَيْني بهم فَمَا عَنْهُم محول إعراضهم إنْ أَعْرَضُوا وَشدَّدوا وهَوَّلوا وعَرضوني للنوى (و) مَا عليَّ (طَوَّلُوا) لَيْسَ بثانٍ عَنْهُم إنَّ الحبيب الأولُ عَلَيْهِم فِي كُلِّ مَا أقصده (المُعَوَّلُ) (وفيهَا لَهُ) : قُولوا لَهُم ثمَّ قُولوا مَا عنهمُ لي عُدُولُ (أَحمَّلُوني) أمورًا تَنْهَدّ مِنْهَا العقُولُ (أَو) توَلَّونِي بِخَيْرٍ يَطولُ فِيهِ الفَضُولُ لَا أَجْعَلُ القَلبَ رَهْنًا فالرهنُ مِمَّا يَزُولُ وَقْفٌ عليهمُ فؤَادِي وَالْوَقْف (مَا) لَا يحولُ وفيهَا لَهُ : قد ذَلَّ مَنْ مِنْهُ مَلَّا وبعدَ (ذَلِك) ضَلَّا وفاز مَن فِيهِ يسْعَى وخَابَ من عَنهُ وَلَّى مَن اسْتَقَلَّ سوَاهُ (فَفِي) هُدَاه اسْتَقَلَّا والِمُعْرِضُ المُتَواني نُوَلِّه مَا تَولَّى وإنْ خَضَعْتَ تراهُ (بفضله) يَتَجَلَّى يَا رب عَبْدُك يَرْجُو من ظِلِّ فَضْلِكَ ظِلَّا وَأَنت ربٌّ رَحِيمٌ تُسْدِي الجميلَ فَهَلَّا ثمَّ خَتَم هَذِه الأمالي بِأَن قَالَ : عبدُ الْكَرِيم المُرْتَجِي رَحْمَة تَكْنُفُهُ مِنْ كل أرجائهِ أَمْلَى ثَلَاثِينَ حَدِيثا عَلَى مَا وَفَّق اللهُ بنعمائهِ لَيْسَ يُزَكِّيها ولكنَّه يقولُ قولَ الحائرِ التائهِ فَازَ أَبُو الْقَاسِم يَا رب لَو قَبِلتَ حَرْفَيْنِ من إملاَئِه وللإِمام الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَوْلَاد : ولد ذكر ، اسْمه : مُحَمَّد ، ولقبه : عَزِيز الدَّين - كَمَا سُقْنَا حَدِيثه عَن وَالِده فِيمَا تقدم من الْأَحَادِيث - وَبنت ، ذكر أَبُو (سعد) النسوي المنشي فِي تَارِيخ خوارزم شاه : أَن الإِمام أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ كَانَت لَهُ بنت ، تزَوجهَا رجل من مَشَايِخ قزوين وأولدها أَوْلَادًا كَثِيرَة . وقرأت عَلَى الشَّيْخ صَلَاح الدَّين - أبقاه الله - قَالَ : رَأَيْت بِدِمَشْق سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة امْرَأَة حضرت عِنْد قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدَّين السُّبْكِيّ ، عجمية ، فصيحة اللِّسَان ، ذَكَرتْ أَنَّها من نسل الإِمام الرَّافِعِيّ ، وَكَانَت تحفظ عقيدته الَّتِي صنّفها ، فَقَرَأت مِنْهَا قِطْعَة ، وَهِي عقيدة بديعة عَلَى طَريقَة أهل السنَّة ، بِعِبَارَة فصيحة عَلَى عَادَته - رَحْمَة الله عَلَيْهِ . توفّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وأرضاه ، وَجعل الْجنَّة مَأْوَاهُ - فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة ، ودُفن ب قزوين . قَالَه أَبُو عبد الله الصَفَّار ، الإِسفراييني ، وَكَذَا أَرَّخَهُ القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان ، وَأفَاد بِأَنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْقعدَة . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : بلغنَا بِدِمَشْق وَفَاته سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة ، وَكَانَت وَفَاته فِي أوائلها ، أَو فِي أَوَاخِر السّنة الَّتِي قبلهَا بقزوين . هَذَا مَا يتَعَلَّق بِحَال الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ . وَأما وَالِده الَّذِي وَعَدْنا بِذكرِهِ : فَقَالَ (ابْن) نقطة الْحَافِظ فِي ذيله عَلَى كتاب الْأَمِير ابْن مَاكُولَا : أَبُو الْفضل ، مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل الرَّافِعِيّ الْقزْوِينِي يُقَال (لَهُ) : بابويه . سمع بِبَلَدِهِ من أبي عَلّي الْحسن بن أَحْمد الهمذاني ، قدم عَلَيْهِم ، وَمن ملكداذ بن عَلّي بن أبي عَمْرو ، (و) بِبَغْدَاد من : أبي مَنْصُور بن خيرون ، وَأبي الْفضل الأرموي ، وَأبي عبد الله بن الطرائفي ، وَسعد الْخَيْر الْأنْصَارِيّ . (و) بنيسابور من : أبي الأسعد الْقشيرِي ، وَعبد الْخَالِق بن زَاهِر الشحامي فِي آخَرين . وَقَالَ وَلَده - أَعنِي الإِمام الرَّافِعِيّ - فِي أَمَالِيهِ : وَالِدي أَبُو الْفضل ، مِمَّن خُصَّ بعفة الذيل ، وحُسن السِّيرَة ، والجدِّ فِي الْعلم وَالْعِبَادَة ، وذلاقة اللِّسَان ، وَقُوَّة الْجنان ، والصلابةِ فِي الدَّين ، والمهابةِ عِنْد النَّاس ، والبراعة فِي الْعلم : حفظا ، وضبطًا ، ثمَّ : إتقانًا ، وبيانًا ، وفهمًا ودرايةً ، ثمَّ : أَدَاء ، وَرِوَايَة . سمع الحَدِيث ، وتفقَّه ب قزوين فِي صِباه ، ثمَّ سَافر إِلَى الرّيّ ، فَسمع ، وتفقَّه ، ثمَّ ارتحل إِلَى بَغْدَاد ، فَسمع ، وتفقَّه ، وحجَّ مِنْهَا ، ثمَّ انْتقل إِلَى نيسابور ، فحصَّل عَلَى الإِمام مُحَمَّد بن يَحْيَى ، وَسمع الحَدِيث الْكثير . وَكَانَ مشايخه (يوقرونه) ، لحسن سيره ، وشمائله ، ووفور فَضله ، وفضائله . ولَمَّا عَاد إِلَى قزوين أَقبلت عَلَيْهِ المتفقِّهةُ ، فدرَّس ، وأَفاد ، وذاكَر ، وذَكَّر ، وفَسَّرَ ، وَرَوَى ، وأَمْلى ، وصَنَّف : فِي التَّفْسِير ، والْحَدِيث ، وَالْفِقْه ، وانتفع بِهِ الْخَواص والعوام . ثمَّ اسْتَأْثر الله - تَعَالَى - بِهِ فِي شهر رَمَضَان ، سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة . قَالَ : وَلَعَلَّ الله يوفق لما فِي عزمي من جمع مُخْتَصر فِي مناقبه ، أُسَمِّيهِ ب القَوْل الْفَصْل فِي فضلِ أبي الْفضل . ا . هـ . وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس (من هَذِه الأمالي) : وَالِدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ جيد الْحِفْظ ، سمعته صَبِيحَة بعض الْأَيَّام يَقُول : سَهِرْتُ البارحة فأجلت الفكرَ فِيمَا أحفظه من الأبيات المفردة ، والمقطعات فبلغت آلافًا . ذكر عددا كثيرا . وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا : سَمِعت عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن المؤذِّن - وَكَانَ رجلا صَالحا يؤذِّن فِي مَسْجده - يَحْكِي أَن وَالِدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - خرج فِي لَيْلَة مظْلمَة لصلاةِ العشاءِ ، قَالَ : وَأَنا عَلَى بَاب الْمَسْجِد أنتظره ، فحسبت أَن فِي يَده سِراجًا ، وتعجَّبْتُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لم يكن من عَادَته استصحابُ السراج ، فمَّا بلغ الْمَسْجِد لم أجد السراجَ ، و (دهشت) وَذكرت لَهُ ذَلِكَ من الْغَد فَلم يُعجبهُ وُقُوفِي عَلَى الْحَال ، وَقَالَ : أقبل عَلَى شَأْنك . وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا : كَتَبَ [ سعد ] بن الْحسن الْكرْمَانِي لوالدي ، رحمهمَا الله - وَكَانَ [ سعد ] من أهل (الْعلم و) الْفضل ، والبيوتات الشَّرِيفَة - : يَا أَبَا الْفضل قَد تَأَخَّرْتَ عنَّا فَأَسَأْنا بِحسن عَهْدك ظَنَّا كمْ تَمَنَّتْ نَفْسي صَدِيقًا صَدُوقًا فَإِذا أنْتَ ذَلِكَ المُتَمَنَّى (فبِغُصنِ) الشَّباب لما تَثَنَّى وبِعَهْدِ الصِّبَا وإنْ بَانَ عَنَّا كُنْ جوابي إِذا قَرأْتَ كِتابي لَا تَقُلْ للرسولِ كانَ وكُنَّا فَبلِّغْتُ أَنه كَانَ جَوَابه . ا . هـ . وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس عشر : كتب إِلَيّ وَالِدي أَبُو سُلَيْمَان (الزبيري) - حِين عزم عَلَى السّفر للتفقه - : أَبَا الْفضل هَجْرُكَ لَا يُحْمَلُ وَلَسْتَ ملومًا بِمَا تَفْعَلُ وإنَّكَ مِنْ حَسَناتِ الزَّمَانِ وقدمًا علينا بهَا يبخلُ وَأما والدته الَّتِي وعدنا بذكرها أَيْضا ، فَقَالَ فِي أَمَالِيهِ - أَيْضا - : والدتي صَفِيَّة بنت الإِمام أسعد (الركاني) رحمهمَا الله - كَانَت تروي الحَدِيث عَن إجَازَة جمَاعَة من مَشَايِخ أَصْبَهَان ، و بَغْدَاد ، و نيسابور ، عَنِيَ بتحصيل أَكْثَرهَا : خالها أَحْمد بن إِسْمَاعِيل . قَالَ : وَلَا أعرف امْرَأَة فِي الْبَلَد كريمةَ الأطرافِ فِي (الْعلم) مثلهَا ، فأبوها كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب ، والأقوالِ ، وَالْوُجُوه [ فِيهِ ] ، (المستقرب) مِنْهَا والمستبعد ، ماهرًا فِي الْفَتْوَى ، مرجوعًا إِلَيْهِ . وَأمّهَا : زُلَيْخَا بنت القَاضِي إِسْمَاعِيل بن يُوسُف ، كَانَت فقيهةً (يُرَاجِعهَا) النِّسَاء ، فتفتي لَهُنَّ لفظا وخطًّا ، سيّما فِيمَا ينوبهن ، ويستحين مِنْهُ ، كالعدة وَالْحيض . وأخواها : من معتبري (الْأَئِمَّة) الْمَشْهُورين فِي الْبَلَد ، دَرَجَ أكبرهما ، وأُنسئ فِي أجل (الآخر) . وَزوجهَا الإِمَام وَالِدي ، قد أَشرت إِلَى جملٍ من أَحْوَاله فِيمَا تقدم . وجدّها : القَاضِي إِسْمَاعِيل (بن يُوسُف) ، من أهل (العِلْم و) الحَدِيث ، والجدّ فِي الْعِبَادَة ، وَكَانَ قد تفقَّه عَلَى القَاضِي ، الشَّهِيد : أبي المحاسن الرَّوْيَانِيّ ، وَسمع مِنْهُ الحَدِيث . وخالها : الإِمَام أَحْمد بن إِسْمَاعِيل ، مَشْهُور فِي الْآفَاق . قَالَ فِي أثْنَاء (أَمَالِيهِ) - بعد أَن رَوَى عَنهُ حَدِيثا - : هُوَ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الطَّالقَانِي (ثمَّ الْقزْوِينِي) ، أَبُو الْخَيْر ، إِمَام كثير الْخَيْر ، موفر الْحَظ من عُلُوم الشَّرْع : حفظا ، وجمعًا ، ونشرًا ، بالتعليم ، والتذكير ، والتصنيف . وَكَانَ لَا يزَال لِسَانه رطبا من ذكر الله تَعَالَى ، وَمن تِلَاوَة الْقُرْآن ، وَرُبمَا قُرِئَ عَلَيْهِ الحَدِيث وَهُوَ يُصَلِّي ويصغي إِلَى الْقَارئ ، و (ينبهه) إِذا زَلَّ ، وَاجْتمعَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْقبُول التَّام ، عِنْد الْخَواص والعوام ، والصيت الْمُنْتَشِر ، والجاه والرفعة . وتولَّى تدريس النظامية بِبَغْدَاد مُدَّة ، مُحْتَرمًا فِي حَرِيم الْخلَافَة ، مرجوعًا إليْهِ ، ثمَّ آثَر الْعود (إِلَى) الوطن ، واغتنم النَّاس رُجُوعه إِلَيْهِم ، و [ استفادوا ] من علمه ، وتَبَرَّكُوا بأيامه . وَسمع الْكثير من الفراوي ، وفهرست مسموعاته متداول ، وَكَانَ يعْقد الْمجْلس للعامة فِي الْأُسْبُوع ثَلَاث مَرَّات ، إِحْدَاهَا : صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة ، (فَتكلم عَلَى عَادَته يَوْم الْجُمُعَة) ، الثَّانِي عشر من الْمحرم سنة تسعين وَخَمْسمِائة فِي قَول الله تَعَالَى : ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) . وَذكر أَنَّهَا من أَوَاخِر مَا نزل من الْقُرْآن ، وعَدَّدَ الْآيَات الْمنزلَة آخرا ، مِنْهَا : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) , وَمِنْهَا : سُورَة النَّصْر . وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) . وَذكر أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا عَاشَ بعد نزُول هَذِه الْآيَة إلَّا سَبْعَة أَيَّام ، ولمَّا نَزَلَ من الْمِنْبَر حُمَّ ، وانتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى فِي (يَوْم) الْجُمُعَة الْأُخْرَى ، وَلم يَعِشْ بعد ذَلِكَ الْمجْلس إلَّا سَبْعَة أَيَّام ، وَهَذَا من عَجِيب الاتفاقات . وَكَأَنَّهُ أُعْلِمَ بِالْحَال ، و [ بِأَنَّهُ ] حانَ وَقت الارتحال ، ودُفن يَوْم السبت ، وَلَقَد خرجت من الدَّار بكرةَ (فِي) ذَلِكَ اليومِ عَلَى قصد التَّعْزِيَة ، وَأَنا فِي شَأْنه متفكر ، وَمِمَّا أَصَابَهُ منكسر ، إِذْ وَقع فِي خلدي من غير نِيَّة ، وفكر وروية : لوفاةِ أحمدِهَا بن إسماعيلها بَكَت العلومُ بويلها وعويلها كَأَن أحدا يُكَلِّمُنِي (بذلك) . وَكَانَت وِلَادَته سنة : (اثْنَتَيْ عشرَة) وَخَمْسمِائة ، وَهُوَ مَعَ كَونه خَال والدتي ، أَبوهَا من الرَّضَاع أَيْضا . قَالَ : وَابْنهَا ، المملي لهَذِهِ الأمالي - يَعْنِي الرَّافِعِيّ نَفسه - : لَا يخرج من زمرة أهل الْعلم ، ويحشر فيهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَكَذَلِكَ سَائِر بنيها . قَالَ : ثمَّ هِيَ - يَعْنِي والدته - فِي (نَفسهَا) متديِّنة خائفة ، وَبِمَا لَا بُد مِنْهُ للفروض عارفة ، قارئة لكتاب الله تَعَالَى ، (كَثِيرَة) الْخَيْر ، رقيقَة الْقلب ، سليمَة الْجَانِب ، تحمل الكَلَّ ، وترغب فِي الْمَعْرُوف ، وتُحْسِنُ إِلَى الْيَتَامَى والأيامى ، تلِي خيرا ، وتولي جميلًا مَا استطاعت إِلَيْهِمَا سَبِيلا . وَكَانَت قد ابْتليت بعدة بَنَات ، أنفقت وَاسِطَة الْعُمر عليهنَّ ، حتَّى استكملن من أدبهنَّ ، مَضَيْن لسبيلهنَّ ، (فَتَرَكْنَها) ملهوفة ثَكْلَى بهنَّ ، وَللَّه مَا أَخذ ، وَله مَا أعْطى ، وَلَا راد لما حكم (بِهِ) وَقَضَى . ثمَّ ذكر أَحَادِيث وشعرًا تَسْلِيَة لوالدته - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعنها . وللإِمام الرَّافِعِيّ أَخ ، اسْمه : مُحَمَّد ، تفقَّه عَلَى أبي الْقَاسِم بن فضلان . وَسمع الحَدِيث من أَبِيه ، وَأَجَازَ لَهُ : ابْن البَطِّي . ورحل إِلَى أَصْبَهَان و الرّيّ ، و أذربيجان ، و الْعرَاق . وَسمع (الحَدِيث) من : نصر الله القَزَّاز ، وَابْن الْجَوْزِيّ . واستوطن بَغْدَاد ، وولِّي مشارفة أوقاف النظامية . وَكَانَ فِي ديانَة ، وَأَمَانَة ، وتواضُع ، وتودُّد ، وحُسن خلق . كتب الْكثير - مَعَ ضعف خطه - من التَّفْسِير ، والْحَدِيث ، وَالْفِقْه . ومعرفته فِي الحَدِيث تَامَّة . قَالَ ابْن النجار : وَكَانَ يذاكرني بأَشْيَاء ، وَله فهم حسن ، (وَمَعْرِفَة) . مَاتَ فِي ثامن عشْرين جُمَادَى الأولَى ، من سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة ، وَقد قَارب (السّبْعين) . هَذَا آخر مَا أردْت ذكره من هَذِه الْفُصُول ، وَهِي مهمةٌ ، نَافِعةٌ ، سِيَّما مَنَاقِب الإِمامِ الرَّافِعِيّ (ووالده ، ووالدته) ، فإنَّ بذلك يعرف قدرهم ، وفضلهم ، وبسطناها (هُنَا) بسطًا حسنا ، لَا يُوجد كَذَلِك فِي كتاب . وإذْ قد فَرَغْنَا من هَذِه الْفُصُول ، فلنشرع الْآن فِي الْغَرَض الأهم الْمَقْصُود ، متوكلين عَلَى الصَّمد المعبود ، أسألُ الله الْكَرِيم إِتْمَامه مصونًا عَاجلا ، عَلَى أحسن الْوُجُوه ، وأبركها ، وأعمها ، وأنفعها ، وأدومها ، (بِمُحَمد وَآله)
وأمَّا آثاره : ذكر فِيهِ أَن عمر بن الْخطاب استسقى بِالْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من رِوَايَة أنس أَن عمر بن الْخطاب كَانَ إِذا قحطوا استسقى بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نتوسَّل إِلَيْك بنبينا - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فتسقينا ، وَإِنَّا نتوسل إِلَيْك بعم نَبينَا فاسقنا ، فيسقون . وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة الْعَبَّاس ، من حَدِيث دَاوُد بن عَطاء الْمدنِي - وَهُوَ مَتْرُوك - عَن زيد بن أسلم ، عَن ابْن عمر أَنه قَالَ : استسقى عمر بن الْخطاب عَام الرَّمَادَة بِالْعَبَّاسِ ابن عبد الْمطلب ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَذَا عَم نبيك - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (نتوجه إِلَيْك بِهِ ؛ فاسقنا . فَمَا برحوا حَتَّى سقاهم الله - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : فَخَطب عمر النَّاس فَقَالَ : أَيهَا النَّاس ، إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يرَى للْعَبَّاس مَا يرَى الْوَلَد لوالده ، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه ، فاقتدوا أَيهَا النَّاس برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي عَمه الْعَبَّاس ، واتخذوه وَسِيلَة إِلَى الله - عَزَّ وَجَلَّ - فِيمَا نزل بكم . وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث ثُمَامَة عَن أنس قَالَ : ( كَانُوا إِذا قحطوا عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - استسقوا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاسْتَسْقَى لَهُم ، فيُسقَون ، فلمَّا كَانَ بعد وَفَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي إِمَارَة عمر قحطوا ، فَخرج عمر بِالْعَبَّاسِ يَسْتَسْقِي بِهِ ؛ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذا قحطنا عَلَى عهد نبيك استسقينا بِهِ فسُقينا ، وَإِنَّا نتوسل (إِلَيْك) الْيَوْم بعم نبيك فاسقنا . قَالَ : فسُقوا . وَفِي أمالي المُصَنّف - أَعنِي : الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ - أَن عمر استسقى بِالْعَبَّاسِ عَام الرَّمَادَة ؛ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِن هَؤُلَاءِ عِبَادك وَبَنُو إمائك ، أتوك راغبين متوسلين إِلَيْك بعم نبيك ، اللَّهُمَّ إِنَّا نستسقيك بعم نبيك ، ونستشفع إِلَيْك بشيبته . فسُقوا . وَفِي ذَلِك يَقُول بعض بني هَاشم فِي أبياتٍ لَهُ : بِعَمِّي سَقَى الله الحجازَ وَأَهله عَشِيَّة يَسْتَسْقِي بشيبته عمر فَائِدَة : الرَّمَادَة - برَاء ودال مهملتين وبالميم - : الْهَلَاك . قَالَ الْجَوْهَرِي : هِيَ أَعْوَام (جَدب) تَتَابَعَت عَلَى النَّاس ، سمي بذلك لهلاك النَّاس وَالْأَمْوَال فِيهِ ، يُقَال : رَمَدَ - بِالْفَتْح - يَرمد - بِالْكَسْرِ وَالضَّم - رمْدًا - بِالسُّكُونِ - ورمادة : إِذا هلك . ثمَّ ذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا أَن مُعَاوِيَة استسقى بِيَزِيد بن الْأسود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَهَذَا الْأَثر ذكره تبعا لصَاحب الْمُهَذّب ، فَإِنَّهُ قَالَ : إِن مُعَاوِيَة استسقى بِيَزِيد بن الْأسود فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا نستسقي بخيرنا وأفضلنا ، اللَّهُمَّ إِنَّا نستسقي بِيَزِيد بن الْأسود ، يَا يزِيد ، ارْفَعْ يَديك إِلَى الله - تَعَالَى - فَرفع يَدَيْهِ ، وَرفع النَّاس أَيْديهم ، فثارت سَحَابَة من الْمغرب ، كَأَنَّهَا ترس ، وهَبَّ لَهَا ريح ، فَسُقُوا حَتَّى كَاد الناسُ أَن لَا يبلغُوا مَنَازِلهمْ . وبيَّض لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب ، وأسنده ابْن عَسَاكِر فِي تَخْرِيجه لأحاديثه من حَدِيث أبي زرْعَة ، عَن الحكم بن نَافِع ، عَن صَفْوَان بن عَمْرو ، عَن سليم بن عَامر أَن النَّاس قحطوا بِدِمَشْق ، فَخرج مُعَاوِيَة يَسْتَسْقِي بِيَزِيد بن الْأسود قَالَ أَبُو زرْعَة : وثنا أَبُو مسْهر ، نَا سعيد بن عبد الْعَزِيز أَن الضَّحَّاك بن قيس خرج يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ فَقَالَ ليزِيد بن الْأسود : قُم يَا بكَّاءُ . وَلم يعزه النوويُّ فِي شَرحه وَإِنَّمَا قَالَ : إِنَّه أثر مَشْهُور . خَاتِمَة : ذكر الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَن الاسْتِسْقَاء أَنْوَاع ، أدناها : الدُّعَاء المجرَّد من غير صَلَاة وَلَا خلف صَلَاة ، إمَّا فُرَادَى أَو مُجْتَمعين (لذَلِك) . وأوسطها : الدُّعَاء خلف الصَّلَاة وَفِي خطْبَة الْجُمُعَة ، وَنَحْو ذَلِك . وأفضلها : الاسْتِسْقَاء بِرَكْعَتَيْنِ وخطبتين ، كَمَا سنصفه ، وَالْأَخْبَار وَردت بِجَمِيعِ ذَلِك . هَذَا آخر كَلَامه ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ورد مفرَّقًا فِي الْبَاب ، فتدبره تَجدهُ كَذَلِك ، وَحَاصِل مَا استسقى بِهِ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام عدَّة أَنْوَاع : أَحدهَا : يَوْم الْجُمُعَة عَلَى المنبرِ فِي أثْنَاء خطبَته ، كَمَا سلف (من) حَدِيث أنس . ثَانِيهَا : خرج إِلَى الْمُصَلى وَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا سلف من حَدِيث عبد الله بن زيد وَغَيره . ثَالِثهَا : استسقى عَلَى الْمِنْبَر بِالدُّعَاءِ الْمُجَرّد ، كَمَا سلف من حَدِيث ابْن عَبَّاس . رَابِعهَا : استسقى وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد ، كَمَا سلف من حَدِيث كَعْب بن مرّة . خَامِسهَا : فِي بعض أَسْفَاره ، كَمَا سلف من رِوَايَة سعد ، (وَالِد عَائِشَة) وَغير ذَلِك كَمَا سلف فِي الْبَاب ، فتدبره .
(الحَدِيث الثَّالِث عشر) عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج إِلَى الاسْتِسْقَاء ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، ثمَّ خطب " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي "مُسْنده" وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن ماجه فِي "سُنَنهمَا" ، وَأَبُو عوَانَة فِي "مستخرجه عَلَى مُسلم" بِلَفْظ "( أَن) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج يَوْمًا يَسْتَسْقِي ، فَصَلى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة ، ثمَّ خطب ودعا الله - عَزَّ وَجَلَّ - وحول وَجهه نَحْو الْقبْلَة رَافعا يَدَيْهِ ، ثمَّ قلب رِدَاءَهُ فَجعل الْأَيْمن عَلَى الْأَيْسَر ، والأيسرَ عَلَى الْأَيْمن " . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" : رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات . وَقَالَ فِي " سنَنه " : تفرد بِهِ النُّعْمَان بن رَاشد عَن الزُّهْرِيّ . قلت : وَهُوَ من فرسَان مُسلم وتعاليق البُخَارِيّ ، وَقَالَ : صَدُوق ، فِي حَدِيثه وهم كثير . وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" ، وَضَعفه يَحْيَى الْقطَّان وَابْن معِين . وَقَالَ أَحْمد : مُضْطَرب الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : كثير الْغَلَط . وَاعْلَم أَنه يُوجد فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس بدل أبي (هُرَيْرَة) ، وَقد أسلفناه أول الْبَاب .
(الحَدِيث الرَّابِع عشر) عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا استسقى قَالَ : اللَّهُمَّ اسقنا غيثًا مغيثًا هَنِيئًا مريئًا مريعًا غدقًا مجللاً سحًّا طبقًا دَائِما ، اللَّهُمَّ اسقنا الْغَيْث وَلَا تجعلنا من القانطين ، اللَّهُمَّ إِن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك مَا لَا نشكو إِلَّا إِلَيْك ، اللَّهُمَّ أنبت لنا الزَّرْع ، وأدر لنا الضَّرع ، واسقنا من بَرَكَات (السَّمَاء وَأنْبت لنا من بَرَكَات) الأَرْض ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجهد والجوع والعري ، واكشف عَنَّا من الْبلَاء مَا (لَا) يكشفه غَيْرك ، اللَّهُمَّ إِنَّا نستغفرك إِنَّك كنت غفارًا ، فَأرْسل السَّمَاء علينا مدرارًا " . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي "الْأُم" و"الْمُخْتَصر" وَلم يُوصل بِهِ إِسْنَاده ، بل قَالَ : وروُي عَن سَالم ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا " أَنه كَانَ إِذا استسقى قَالَ : اللَّهُمَّ اسقنا " فَذكره ، وَزَاد بعد "مُجللا" : "عامًّا طبقًا سَحًّا دَائِما" وَبعد "الْبِلَاد" : "والبهائم والخلق" وَالْبَاقِي مثله سَوَاء ، وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" فَقَالَ : أَنا أَبُو سعيد ، نَا أَبُو الْعَبَّاس ، أَنا الرّبيع ، أَنا الشَّافِعِي قَالَ : ورُوي عَن سَالم فَذكره . ثمَّ قَالَ : وَقد روينَا بعض هَذِه الْأَلْفَاظ وَبَعض مَعَانِيهَا فِي حَدِيث أنس بن مَالك فِي الاسْتِسْقَاء ، وَفِي حَدِيث جَابر وَكَعب بن مرّة ، وَعبد الله بن جَراد وَغَيرهم . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، أما حَدِيث أنس فلفظه : " اللَّهُمَّ أغثنا " ، وَفِي لفظ : "اسقنا" . وأمَّا حَدِيث جَابر فلفظه : " اللَّهُمَّ اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا ، غير ناقع وَلَا ضارّ ، عَاجلا غير آجل . قَالَ : فأطبقت عَلَيْهِم السَّمَاء " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" ، و(الْحَاكِم) فِي "مُسْتَدْركه" عَنهُ قَالَ : " أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بواك فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسقنا " فَذكره ، كَذَا وَقع "بواكٍ" ، وَوَقع فِي نسخةٍ من أبي دَاوُد : "رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُواكئ" بِالْيَاءِ المضمومة وَآخره مَهْمُوز ، قَالَ الْخطابِيّ : مَعْنَاهُ : متحاملاً عَلَى يَدَيْهِ إِذا رفعهما ومدهما فِي الدُّعَاء . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "خلاصته" : وَقع فِي جَمِيع نسخ أبي دَاوُد ومعظم كتب الحَدِيث : "بواكٍ" بِالْبَاء الموحَّدة ، وَوَقع فِي "معالم السّنَن" للخطابي : "رأَيتُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُواكئ" بِالْيَاءِ المضمومة وَآخره مَهْمُوز ثمَّ فسره ، قَالَ : وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ الْخطابِيّ لم تأت بِهِ الرِّوَايَة وَلَا انحصر الصَّوَاب فِيهِ ، بل لَيْسَ هُوَ وَاضح الْمَعْنى . هَذَا آخر كَلَامه ، وَقد علمت أَن مَا ذكره الْخطابِيّ ثَابت فِي بعض نسخ أبي دَاوُد ، فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ إِذن ، وَقد اقْتصر عَلَى هَذِه الرِّوَايَة ابْن الْأَثِير فِي "جَامعه" وَلم يذكر غَيرهَا ، وَرَوَى أَبُو عوَانَة فِي "صَحِيحه" هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ : "أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هوَازن ، فَقَالَ : قُولُوا " الحَدِيث ، وَذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" وَقَالَ : إِن رِوَايَته عَن يزِيد الْفَقِير عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا أشبه بِالصَّوَابِ . وَأما حَدِيث كَعْب بن مرّة فلفظه : " اللَّهُمَّ اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا غدقًا طبقًا عَاجلا غير رائثٍ ، نَافِعًا غير ضار " . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" من طَرِيقين عَن كَعْب بن مرّة أَو مرّة بن كَعْب قَالَ : " سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَدْعُو عَلَى مُضر ، فَأَتَيْته ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِن الله قد أَعْطَاك واستجاب لَك ، وَإِن قَوْمك قد هَلَكُوا فَادع الله لَهُم . فَقَالَ : اللَّهُمَّ " فَذكره ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، إِسْنَاده عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن مرّة بن كَعْب . من غير شكٍ ، فَذكره بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : وَمرَّة بن كَعْب صَحَابِيّ مَشْهُور . وَذكر هَذَا الحَدِيث ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" من حَدِيث أنس ، وَقَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ عَن كَعْب بن مرّة مَرْفُوعا . وَأما حَدِيث عبد الله بن جَراد فلفظه : " اللَّهُمَّ اسقنا غَيثًا مغيثًا مريئًا ، تُوسع بِهِ لِعِبَادِك ، تغزر بِهِ الضرعَ ، وتُحيي بِهِ الزَّرْع " . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يعْلى عَنهُ "أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا استسقى قَالَ : اللَّهُمَّ " فَذكره . وَفِي لفظ : "هَنِيئًا مريئًا" وَقَول الْبَيْهَقِيّ و(غَيره) أَرَادَ بِهِ أَحَادِيث أخر (مِنْهَا) حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : " جَاءَ رجل أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، لقد جئْتُك من عنْدِ قوم مَا يتزود لَهُم راعٍ وَلَا يخْطر لَهُم فَحل ، فَصَعدَ الْمِنْبَر ، فَحَمدَ الله ، ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا مريعًا غدقًا طبقًا عَاجلا غير رائث . ثمَّ نزل فَمَا يَأْتِيهِ أحد من وَجه من الْوُجُوه إِلَّا قَالُوا : قد (أحيينا )" . حَدِيث حسن ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" وَأَبُو عوَانَة فِي "صَحِيحه" ، وَقد أَنبأَنَا بِهِ الذَّهَبِيّ (وَغَيره) ، أَنا أَحْمد بن هبة (الله) ، عَن الْقَاسِم بن أبي سعد ، أَنا هبة الرَّحْمَن بن عبد الْوَاحِد ، أَنا عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن . وَأَنا أَحْمد ، عَن أبي المظفر بن السَّمْعَانِيّ ، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد ، أَنا عُثْمَان بن مُحَمَّد المحمى قَالَا : ثَنَا أَبُو نعيم الإسفرايني ، أَنا أَبُو عوَانَة الْحَافِظ ، نَا أَبُو الْأَحْوَص قَاضِي عكبراء وَمُحَمّد بن يَحْيَى قَالَا : ثَنَا الْحسن بن الرّبيع ، نَا ابْن إِدْرِيس ، نَا حُصَيْن ، عَن حبيب بن أبي ثَابت ، عَن ابْن عَبَّاس الحَدِيث . وَلم يرو ابْن مَاجَه عَن أبي الْأَحْوَص سواهُ . وَمِنْهَا حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا استسقى قَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادك وبهائمك ، وانشر رحمتك ، وأحي بلدك الْمَيِّت " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُتَّصِلا ، وَرَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" مُرْسلا ، قَالَ ابْن (أبي) حَاتِم : والمرسل أصح . قلت : وَفِي إِسْنَاده مَعَ ذَلِك عَلّي بن قادم الْخُزَاعِيّ وَهُوَ صُوَيْلِح ، ضعفه ابْن معِين ، وَقَالَ (أَبُو) أَحْمد : نقمت عَلَيْهِ أَحَادِيث رَوَاهَا عَن الثَّوْريّ غير مَحْفُوظَة - وَحَدِيثه هَذَا عَنهُ ، فاعلمه - وَقَالَ ابْن سعد : مُنكر الحَدِيث . قلت : والراوي عَنهُ هُوَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور ، قَالَ ابْن عدي : حدث بِمَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ ، وَكَانَ مُوسَى بن هَارُون يرضاه . وَقَالَ الدارقطني وَغَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَمِنْهَا حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي الزُّهْرِيّ ، عَن عَائِشَة بنت سعد أَن أَبَاهَا حدَّثها " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نزل وَاديا دهشًا لَا مَاء فِيهِ ، وَسَبقه الْمُشْركُونَ إِلَى (العلات) فنزلوا عَلَيْهَا وَأصَاب الْعَطش (الْمُسلمين) (فشكوا) إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَنجم النِّفَاق ، فَقَالَ بعض الْمُنَافِقين : لَو كَانَ نبيًّا كَمَا زعم لاستسقى كَمَا استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ . فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أَو قالوها ؟ ! عَسى ربكُم أَن يسقيكم . ثمَّ بسط يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ (جللنا) سحابًا كثيفًا قصيفًا دلوقًا (مخلوفًا) (ضحوكاً) زبرجًا ، تمطرنا مِنْهُ رذاذًا قطقطًا سجلا بعاقًا ، يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام . فَمَا ردّ يَدَيْهِ من دُعَائِهِ حَتَّى أظلتنا السَّحَاب الَّتِي وصف ، يَتلون فِي كل صفة وصف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من صِفَات السَّحَاب ، ثمَّ أمطرنا كالضروب الَّتِي سَأَلَهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأنعم السَّيْل الْوَادي ، فَشرب النَّاس من الْوَادي فارتووا " . رَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي "صَحِيحه" كَذَلِك وَقَالَ : وَهُوَ مِمَّا لم يُخرجهُ مُسلم ، أَي : وَهُوَ عَلَى شَرطه . وَمِنْهَا حَدِيث عَامر بن خَارِجَة بن سعد ، عَن جده سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن قوما شكوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قحط الْمَطَر ، فَقَالَ : اجثوا عَلَى الركبِ ، وَقُولُوا : يَا رب يَا رب . قَالَ : فَفَعَلُوا ؛ فسقوا حَتَّى أَحبُّوا أَن يكْشف عَنْهُم " . رَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي "صَحِيحه" ، لَكِن قَالَ (خَ) : عَامر بن خَارِجَة فِي إِسْنَاده نظر . وَمِنْهَا : حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا استسقى قَالَ : أنزل عَلَى أَرْضنَا زينتها وسكنها " رَوَاهُ أَبُو عوَانَة أَيْضا من حَدِيث سُوَيْد أبي حَاتِم ، عَن قَتَادَة ، عَن الْحسن بِهِ . وَمِنْهَا حَدِيث جَعْفَر بن عَمْرو بن حُرَيْث ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : " خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نستسقي ، فَصلى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثمَّ قلب رِدَاءَهُ ، وَرفع يَدَيْهِ فَقَالَ : (اللَّهُمَّ) (صاحت) جبالنا ، واغبرت أَرْضنَا ، وهامت دوابنا ، معطي الْخيرَات من أماكنها ، ومنزل الرَّحْمَة من معادنها ، ومجري البركات عَلَى أَهلهَا بالغيث المغيث ، أَنْت المستغفر الْغفار فنستغفرك (للجامات) من (ذنوبنا) ، ونتوب إِلَيْك من (عَام) خطايانا ، اللَّهُمَّ فَأرْسل السَّمَاء علينا مدرارًا واصًلا بالغيث ، واكفًا من تَحت عرشك حَيْثُ تنفعنا وتعود علينا غيثًا عامًّا طبقًا غدقًا مجللا خصيبًا رايعًا ، مُمْرِعَ النَّبَات " . رَوَاهُ أَبُو عوَانَة أَيْضا فِي "صَحِيحه" . فَائِدَة فِي بَيَان ضبط مَا قد يشكل من الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث : الْغَيْث : هُوَ الْمَطَر . المُغيث - بِضَم الْمِيم وَكسر الْغَيْن - : المنقذ من الشدَّة ، قَالَ الْأَزْهَرِي : هُوَ الذي يغيث الْخلق فيرويهم ويشبعهم . والهنيء - مَهْمُوز - : الَّذِي لَا ضَرَر فِيهِ وَلَا وباء . والمَرِيء - مَهْمُوز (أَيْضا) - : وَهُوَ الْمَحْمُود الْعَاقِبَة ، المسمن للحيوان المُنْمِي لَهُ . مَرِيعًا - بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء ، وَبعدهَا مثناة تَحت سَاكِنة - : وَهُوَ من المراعة ، وَهُوَ الخصب ، وَرُوِيَ بِضَم الْمِيم وإبدال الْمُثَنَّاة تَحت بَاء مُوَحدَة (مَكْسُورَة ، وَرُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ فَوق ، وهما بِمَعْنى الأول . والغدق - بِفَتْح الدَّال -) : الْكثير المَاء وَالْخَيْر . قَالَه الْأَزْهَرِي . مجللا - بِكَسْر اللَّام الأولَى - أَي : يُجَلل الْبِلَاد والعباد نَفعه ويتغشاهم خَيره . قَالَه الْأَزْهَرِي . وَأَيْضًا (مَأْخُوذ من تجليل الْفرس ، أَو السَّاتِر للْأَرْض بالنبات) . والسيح : الشَّديد (الْوَاقِع عَلَى الأَرْض) . طبقًا : بِفَتْح الطَّاء وَالْبَاء ، قَالَ الْأَزْهَرِي : هُوَ الَّذِي يطبق البلادَ مطرُه ، فَيصير كالطبق عَلَيْهَا ، وَفِيه مُبَالغَة ، وَوَقع فِي رِوَايَة الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب : "عامًّا طبقًا" كَمَا أسلفناه ، قَالُوا : بَدَأَ بالعامِّ ثمَّ أتبعه بالطبق ؛ لِأَنَّهُ صفة زِيَادَة فِي العامِّ ، فقد يكون عامًّا وَهُوَ طلٌّ يسيرٌ . والقنوط : الْيَأْس . واللأواء - بِالْهَمْز وَالْمدّ - : شدَّة المجاعة . قَالَه الْأَزْهَرِي . والجهد - بِفَتْح الْجِيم ، وَقيل : يجوز ضمهَا - : قلَّة الْخَيْر ، والهُزال ، وَسُوء الْحَال . والضنك : الضّيق . وَقَوله : "مَا لَا نشكو إِلَّا إِلَيْك" هُوَ بالنُّون . وبركات السَّمَاء : كَثْرَة مطرها مَعَ الرّيع والنماء . وبركات الأَرْض : مَا يخرج مِنْهَا من زرع ومرعى . (والعري : بِضَم الْعين وَرَاء سَاكِنة ، وَيجوز كسر الرَّاء ، وَتَشْديد الْيَاء) . وَالسَّمَاء هُنَا : (هِيَ) السَّحَاب ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي "تَفْسِيره" : يجوز أَن يكون المُرَاد بهَا هُنَا : الْمَطَر أَو السَّحَاب ، وَيجوز أَن يكون المُرَاد بهَا : (المظلة) ؛ لِأَن الْمَطَر ينزل مِنْهَا إِلَى السَّحَاب . والمدرار : الْكثير (الدّرّ ، و) الْقطر . قَالَه الْأَزْهَرِي . وَهُوَ من أثبت الْمُبَالغَة . وَمَعْنى : "لَا يخْطر لَهُم فحْل" : لَا يُحَرك ذَنَبَهُ هزالًا لشدَّة الْقَحْط . وَمَعْنى "غير رائث" : غير بطيء وَلَا متأخِّر . وَمَعْنى "أحيينا" : أَصَابَنَا الحيا ، وَهُوَ بِالْقصرِ : الْمَطَر ؛ لإحيائه الأَرْض ، وَقيل : الحيا : الخصب ، وَمَا يَحْتَاجهُ النَّاس .
(الحَدِيث الْحَادِي عشر) رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَوْلَا رجال ركع ، وصبيان رضع ، وبهائم رتع لصب عَلَيْكُم (الْعَذَاب) صبًّا " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي "مُسْنده" ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِلَفْظ : " مهلا عَن الله مهلا ، فَإِنَّهُ لَوْلَا شباب خشع ، وبهائم رتع (وشيوخ ركع) ، وَأَطْفَال رضع لصب عَلَيْكُم الْعَذَاب صبًّا " . وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن خثيم بن عرَاك بن مَالك وَهُوَ ضَعِيف ، قَالَ يَحْيَى : لَا يكْتب حَدِيثه . وَقَالَ ( النَّسَائِيّ ) : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : (عِنْده) أَحَادِيث مُنكرَة . وَقَالَ الْجوزجَاني : كَانَ غير مقنع ، اخْتَلَط بِأخرَة . وَقَالَ أَبُو الْفَتْح (الْأَزْدِيّ ) : كَذَّاب لَا يكْتب حَدِيثه . وَأما خثيم وَالِده : فَقَالَ الْأَزْدِيّ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . قلت : لكنه من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" فَجَاز القنطرة ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" هُنَا : إِبْرَاهِيم ابن خثيم غير قوي . وَقَالَ فِي بَاب الْكفَالَة بِالْبدنِ : ضَعِيف . قَالَ هُنَا : وَله شَاهد آخر بِإِسْنَاد غير قوي ، فَذكره بِإِسْنَادِهِ عَن مَالك بن عُبَيْدَة ابن مسافع الديلِي ، عَن أَبِيه أَنه حَدثهُ عَن جده أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَوْلَا عباد لله ركع ، وصبية رضع ، وبهائم رتع لصب عَلَيْكُم الْعَذَاب صبًّا ، ثمَّ لترضن رضًّا" . ( قَالَ) أَبُو حَاتِم الرازي : مَالك بن عُبَيْدَة مَجْهُول . وَقَالَ عُثْمَان الدَّارمِيّ : قلت لِابْنِ معِين : أتعرف مَالك بن عُبَيْدَة ؟ فَقَالَ : لَا أعرفهُ . وَذكر هَذَا الحَدِيث أَبُو نعيم فِي كِتَابه "معرفَة الصَّحَابَة" فِي تَرْجَمَة مسافع الديلِي ، ثمَّ قَالَ فِي آخِره : قَالَ أَحْمد بن عمر : وَإِسْنَاده حسن . قلت : وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي "ثقاته" لكنه قَالَ : فِيهِ مَالك بن أبي عُبَيْدَة . وَذكر أَبُو نعيم فِي "الْمعرفَة" أَيْضا لهَذَا الحَدِيث طَرِيقا آخر من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، ثَنَا قُتَيْبَة بن سعيد ، ثَنَا اللَّيْث بن سعد ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن أبي الزَّاهِرِيَّة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " مَا من يَوْم إِلَّا وينادي مُنَاد : مهلا أَيهَا النَّاس مهلا ؛ فَإِن لله سطوات وبسطات ، وَلكم (قُرُوح) داميات ، وَلَوْلَا رجال خشع ، وصبيان رضع ، ودواب رتع ، لصب عَلَيْكُم الْعَذَاب صبًّا ، ثمَّ رضضتم بِهِ رضًّا " ثمَّ قَالَ : أَبُو الزَّاهِرِيَّة رَوَى عَن أبي الدَّرْدَاء وَحُذَيْفَة إرْسَالًا ، وَأكْثر حَدِيثه عَن جُبَير بن نفير وَكثير بن مرّة . فَائِدَة : قَوْله : "شُيُوخ ركع" فِيهِ قَولَانِ حَكَاهُمَا القَاضِي حُسَيْن فِي "تَعْلِيقه" : أَحدهمَا : أَنه جمع رَاكِع ، أَي : الْمُصَلِّي . وَالثَّانِي : أَنه أَرَادَ بِهِ الشُّيُوخ (الَّذين) انحنت ظُهُورهمْ من الشيخوخة .
الحَدِيث الْعَاشِر رُوِيَ : ( أَن) الْبَهَائِم تستسقي . هُوَ كَمَا قَالَ ، فقد رَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه والدارقطني فِي سنَنه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : خرج نَبِي من الْأَنْبِيَاء يَسْتَسْقِي ، فَإِذا هُوَ بنملة رَافِعَة بعض قَوَائِمهَا إِلَى السَّمَاء ، فَقَالَ : ارْجعُوا ؛ فقد اسْتُجِيبَ لكم من أجل شَأْن النملة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَفِي الْبَيَان للعمراني - من أَصْحَابنَا - تَسْمِيَة النَّبِي بِسُلَيْمَان صلى الله عليه وسلم وَأَن النملة وَقعت عَلَى ظهرهَا وَرفعت يَديهَا ، و(قَالَت) : اللَّهُمَّ أَنْت خلقتنا فَإِن رزقتنا وَإِلَّا (هلكنا) - قَالَ : وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَت : اللَّهُمَّ إِنَّا خلق من خلقك ، لَا غنى لنا عَن رزقك ، فَلَا (تُهْلِكنَا بذنوب) بني آدم - فَقَالَ سُلَيْمَان لِقَوْمِهِ : ارْجعُوا ؛ فقد كفيتم بغيركم ، وَسقوا . (وَهَذَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فِي كِتَابه جَامع الدُّعَاء الصَّحِيح بِسَنَدِهِ إِلَى أبي الصّديق النَّاجِي قَالَ : خرج (النَّبِي) سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام يَسْتَسْقِي ، فَمر بنملة (مستلقية) رَافِعَة قَوَائِمهَا إِلَى السَّمَاء تَقول : اللَّهُمَّ إِنَّا خلق من خلقك لَيْسَ لنا غنى عَن سقياك ورزقك ، فإمَّا أَن (تسقنا) وترزقنا ، وَإِمَّا أَن تُهْلِكنَا . فَقَالَ : ارْجعُوا فقد سقيتم بدعوة غَيْركُمْ . وَرَوَاهُ ابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب بِإِسْنَادِهِ إِلَى زيد الْعمي عَن أبي الصّديق أَيْضا قَالَ : خرج سُلَيْمَان يَسْتَسْقِي ، فَمر بنملة (مستلقية) رَافِعَة قَوَائِمهَا إِلَى السَّمَاء وَهِي تَقول : اللَّهُمَّ إِنَّا خلق من خلقك ، لَيْسَ بِنَا غنى عَن رزقك ، فإمَّا أَن ترزقنا وَإِمَّا أَن تُهْلِكنَا . قَالَ سُلَيْمَان فَذكره .
الحَدِيث (الثَّامِن عشر) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يحب الفأل . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا عَدْوّى ، وَلَا طِيَرَة ، ويعجبني الفأل الْكَلِمَة الْحَسَنَة والكلمة الطّيبَة . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : قيل : وَمَا الفألُ ؟ قَالَ : الْكَلِمَة الطّيبَة . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا طيرة ، وَخَيرهَا الفأل . قيل : يَا رَسُول الله ، وَمَا الفألُ ؟ قَالَ : الْكَلِمَة الصَّالِحَة يسْمعهَا أحدكُم . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : لَا عَدْوّى ، وَلَا هَامة ، وَلَا طيرة ، وَأحب الفأل الصَّالح . (هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب) .
الحَدِيث السَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَمَّ بالتنكيس ، لَكِن كَانَ عَلَيْهِ خميصة فثقل عَلَيْهِ ، قَلَبَهَا من الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا بأسانيد صَحِيحَة من حَدِيث عبد الله بن زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : استسقى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعَلِيهِ خميصة سَوْدَاء ، فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ بأسفلها فَيَجْعَلهُ أَعْلَاهَا ، فَلَمَّا ثقلت عَلَيْهِ قَلبهَا عَلَى عَاتِقه . وَرَوَاهُ أَيْضا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَأَبُو عوَانَة فِي مستخرجه عَلَى مُسلم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَقد اتفقَا عَلَى إِخْرَاج حَدِيث عباد بن تَمِيم . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : رِجَاله رجال الصَّحِيح ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَقَالَ فِي آخِره : فَثقلَتْ عَلَيْهِ فَقَلَبَهَا ، الْأَيْمن عَلَى الْأَيْسَر والأيسر عَلَى الْأَيْمن . فَائِدَة : الخميصة : كسَاء أسود لَهُ عَلَمَان فِي طرفه ، قَالَ (أَبُو عُبَيْدَة) : هُوَ كسَاء مربَّع لَهُ عَلَمَان . وَقَالَ الْأَصْمَعِي : كسَاء من صوف أوْ خَزٍّ مُعْلمة سُود ، كَانَت من لِبَاس النَّاس . وَقَالَ الْجَوْهَرِي : كسَاء رَقِيق أَحْمَر ، أَو أَحْمَر وأسود .
الحَدِيث الثَّامِن عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : تعرض الْأَعْمَال فِي كل اثْنَيْنِ وخميس ، فَيغْفر الله لكل امْرِئ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا ، إِلَّا امْرأ كَانَ بَينه وَبَين (أَخِيه) شَحْنَاء ، فَيَقُول : اتْرُكُوا هذَيْن حَتَّى يصطلحا هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك ، وَهَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله أَشَارَ إِلَيْهِمَا الرَّافِعِيّ كَمَا أسلفناه .
الحَدِيث السَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الله طيب لَا يقبل إِلَّا طيِّبًا ، وَإِن الله - تَعَالَى - أَمر الْمُؤمنِينَ بِمَا أَمر بِهِ الْمُرْسلين ، فَقَالَ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَقَالَ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ، ثمَّ ذكر الرجل يُطِيل السّفر أَشْعَث أغبر ، يمد يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء : يَا رب . يَا رب . ومطعمه حرَام ، ومشربه حرَام ، وملبسه حرَام ، وغذي بالحرام ، فأنَّى يُسْتَجَاب لذَلِك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عمر رَفعه : لم ينقص قوم الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا أخذُوا بِالسِّنِينَ وَشدَّة الْمُؤْنَة وجور السُّلْطَان عَلَيْهِم ، وَلم يمنعوا زَكَاة أَمْوَالهم إِلَّا منعُوا الْقطر من السَّمَاء ، وَلَوْلَا الْبَهَائِم لم يُمطروا . وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي حَاتِم الرَّازِيّ ، نَا عبيد الله بن مُوسَى ، نَا بشير بن مهَاجر ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا نقض قوم الْعَهْد قطّ إِلَّا كَانَ الْقَتْل بَينهم ، وَمَا ظَهرت فَاحِشَة فِي قوم قطّ إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم الْمَوْت ، وَلَا يمْنَع قوم الزَّكَاة إِلَّا حبس الله عَنْهُم الْقطر . كَذَا رَوَاهُ بشير بن المُهَاجر ، وَرَوَاهُ الْحُسَيْن بن وَاقد ، عَن [ عبد الله ] بن بُرَيْدَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : مَا نقض قوم الْعَهْد إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوهم ، وَلَا فَشَتْ الْفَاحِشَة فِي قوم إِلَّا أَخذهم الله بِالْمَوْتِ ، وَمَا طفف قوم الْمِيزَان إِلَّا أَخذهم (الله) بِالسِّنِينَ ، وَمَا منع قوم الزَّكَاة إِلَّا مَنعهم الله الْقطر من السَّمَاء ، وَمَا جَار قوم فِي حكم إِلَّا كَانَ الْبَأْس بَينهم - أظنُّه قَالَ : وَالْقَتْل . وَرَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه حَدِيث بُرَيْدَة ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ .
الحَدِيث السَّادِس عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ثَلَاثَة لَا ترد دعوتهم : الصَّائِم حَتَّى يفْطر ، وَالْإِمَام الْعَادِل ، والمظلوم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَقَالَ : حسن . وَابْن مَاجَه فِي سنَنه ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، زَاد ابْن مَاجَه : ودعوة الْمَظْلُوم يرفعها الله - عَزَّ وَجَلَّ - دون الْغَمَام يَوْم الْقِيَامَة ، وَيفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء ، وَيَقُول : وَعِزَّتِي (وَجَلَالِي) لأنصرنك وَلَو بعد حِين . (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ وَفِيه تحمل - يَعْنِي : دَعْوَة الْمَظْلُوم - عَلَى الْغَمَام ، وتفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء ، وَيَقُول الرب : وَعِزَّتِي لأنصرنك وَلَو بعد حِين ) . وَأخرج ابْن حبَان هَذِه وَحدهَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا ، وأخرجها قبل هَؤُلَاءِ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِلَفْظ : ثَلَاث دعواتٍ مستجابات لَا شكّ فِيهِنَّ : دَعْوَة الْوَالِد ، ودعوة الْمُسَافِر ، ودعوة الْمَظْلُوم . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضا ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِأبي جَعْفَر الْمُؤَذّن وَقَالَ : لَا يعرف حَاله ، وَلَا لَهُ غير راو وَاحِد . وَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : وَقيل : إِنَّه مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن ، فَإِن صَحَّ ذَلِك فَلَيْسَ بِأَنْصَارِيِّ . قلت : وَقد جزم بِهِ أَبُو حَاتِم بن حبَان ، فَإِنَّهُ لما أخرج الحَدِيث فِي صَحِيحه من جِهَته قَالَ فِي آخِره : أَبُو جَعْفَر هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عَلّي بن حُسَيْن ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَلَفظه : ثَلَاث دعوات لَا ترد : دَعْوَة الْوَالِد ، ودعوة الصَّائِم ، ودعوة الْمُسَافِر . قَوْله فِيمَا مَضَى : الصَّائِم حَتَّى يفْطر هُوَ (بِالْمُثَنَّاةِ) فَوق ؛ كَمَا ضَبطه النَّوَوِيّ فِي خلاصته ، قَالَ : وَإِنَّمَا ضَبطه لِئَلَّا يُصَحَّف فَيُقَال : (حِين) بِالْمُثَنَّاةِ تَحت مَعَ النُّون . وَاعْلَم : أَن هَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ الرَّافِعِيّ لفظا ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَلكُل وَاحِد من هَذِه الْأُمُور أثر فِي الْإِجَابَة للدُّعَاء ، عَلَى مَا ورد فِي الْأَخْبَار وعنى بِهَذِهِ الْأُمُور : الصّيام ، وَالْخُرُوج عَن الْمَظَالِم ، والتقرب إِلَى الله - تَعَالَى - بِمَا يُسْتَطَاع من (الْخَيْر) .
الحَدِيث (الْخَامِس) عشر عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - استسقى ، فَأَشَارَ بِظهْر كفيه إِلَى السَّمَاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك ، وَنقل الرَّافِعِيّ وَغَيره عَن الْعلمَاء أَن هَكَذَا السّنة لمن دَعَا لدفع الْبلَاء أَن يَجْعَل ظهر كفيه إِلَى السَّمَاء ، فَإِذا سَأَلَ الله شَيْئا جعل بطن كفيه إِلَى السَّمَاء . وَفِي مُسْند أَحْمد : نَا ابْن إِسْحَاق ، نَا ابْن لَهِيعَة ، عَن حبَان بن وَاسع ، عَن خَلاد بن السَّائِب ، عَن أَبِيه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا سَأَلَ جعل بَاطِن (كفيه) إِلَيْهِ ، وَإِذا استعاذ جعل ظاهرهما إِلَيْهِ . وَقد سلف فِي الصَّلَاة (من) حَدِيث ابْن عَبَّاس : سلوا الله ببطون أكفكم ، وَلَا تسألوه بظهورها وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف كَمَا أسلفناه هُنَاكَ ، فَلَا يُعَارض هَذَا . وَقد فَسَّر الْمُفَسِّرُونَ الرهب فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) بِالثَّانِي ؛ وَالْأول هُوَ : الرغب ، قَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه : وَكَأَنَّهُ فِي حَال الرغب يسْأَل كالمستطعم ، وَفِي حَال الرهب يستعيذ ويستجير ، وَإِن أَتَى بِلَفْظ السُّؤَال فَهُوَ كالمستدفع عَن نَفسه .
كتاب صَلَاة الاسْتِسْقَاء كتاب صَلَاة الاسْتِسْقَاء ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا أما الْأَحَادِيث : فثمانية عشر حَدِيثا : (الحَدِيث) الأوَّل عَن عباد بن تَمِيم عَن عَمه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي ، فَصَلى بهم رَكْعَتَيْنِ جهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، وحول رِدَاءَهُ ، ودعا (وَرفع يَدَيْهِ) ، واستسقى ، واستقبل الْقبْلَة . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته إِلَّا الْجَهْر فللبخاري ، وَإِلَّا رفع الْيَد فللبيهقي ، وَهَذَا لفظ مُسلم عَن عبد الله بن زيد - وَهُوَ عَم عباد - قَالَ : خرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْمُصَلى ، فَاسْتَسْقَى ، واستقبل الْقبْلَة ، وقلب رِدَاءَهُ ، وَصَلى رَكْعَتَيْنِ . وَفِي لفظ لَهُ : أَنه خرج إِلَى الْمُصَلى (فَاسْتَسْقَى) ، وَأَنه لما أَرَادَ أَن يَدْعُو (اسْتقْبل) الْقبْلَة ، وحوَّل رِدَاءَهُ . وَفِي لفظ لَهُ : خرج يَسْتَسْقِي ، فَجعل إِلَى النَّاس ظَهره يَدْعُو الله ، واستقبل الْقبْلَة ، وحول رِدَاءَهُ ، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَلَفظ البُخَارِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خرج إِلَى المصلَّى يُصَلِّي ، وَأَنه لما دَعَا - أَو أَرَادَ أَن يَدْعُو - اسْتقْبل الْقبْلَة ، وحوَّل رِدَاءَهُ . وَفِي لفظ لَهُ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم خرج يَسْتَسْقِي ، قَالَ : فحول إِلَى النَّاس ظَهره واستقبل الْقبْلَة يَدْعُو ، ثمَّ حول رِدَاءَهُ ، فَصَلى بِنَا رَكْعَتَيْنِ جهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ . وَفِي لفظ لَهُ : أَنه خرج يَسْتَسْقِي بهم ، فَقَامَ (فَدَعَا الله) قَائِما ، ثمَّ توجه قبل الْقبْلَة ، وحول رِدَاءَهُ ، فأُسقوا . وَعَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ : جعل الْيَمين عَلَى الشمَال . وَفِي رِوَايَة للبيهقي : وَرفع يَدَيْهِ يَدْعُو ، فَدَعَا واستسقى . فَائِدَة : عَم عباد بن تَمِيم : هُوَ عبد الله بن زيد ، كَمَا أسلفنا التَّصْرِيح بِهِ ، وَهُوَ غير صَاحب الْأَذَان ، لَا كَمَا وهم فِيهِ ابْن عُيَيْنَة فَقَالَ : إِنَّه هُوَ . كَمَا نبه عَلَيْهِ البُخَارِيّ وَغَيره ، وَإِن كَانَ أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه رَوَاهُ من حَدِيث عَلّي بن الْمَدِينِيّ عَنهُ ، عَن عبد الله بن أبي بكر قَالَ : سَمِعت عباد بن تَمِيم يحدث ، عَن عبد الله بن زيد الَّذِي أرِي النداء : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ البُخَارِيّ : كَانَ ابْن عُيَيْنَة يَقُول : هُوَ صَاحب الْأَذَان عبد الله بن زيد . قَالَ البُخَارِيّ : وَلكنه وهم ؛ لِأَن هَذَا عبد الله بن زيد بن عَاصِم الْمَازِني مَازِن الْأَنْصَار . قَالَ فِي التَّارِيخ : قتل يَوْم الْحرَّة ، وَعبد الله بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ الخزرجي (مدنِي) ، صَاحب الْأَذَان . وَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا غلط من ابْن عُيَيْنَة . فَائِدَة ثَانِيَة : هَذِه العمومة الْمَذْكُورَة لَيست من النَّسَب ، وَإِنَّمَا هُوَ زوج أمه ، فَتنبه لذَلِك .
الحَدِيث الْخَامِس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخرج فِي صَلَاة الاسْتِسْقَاء إِلَى الصَّحرَاء . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد استفاض ذَلِك فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، وَمِنْهَا : حَدِيث عبد الله بن زيد ، وَقد (سلف) أول الْبَاب ، وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قَرِيبا ، وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : شكا النَّاس إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قُحُوط الْمَطَر ، فَأمر بمنبر يوضع لَهُ فِي الْمُصَلى ، ووعد الناسَ يَوْمًا يخرجُون فِيهِ ، فَخرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين بدا حاجبُ الشَّمْس ، (فَقعدَ عَلَى) الْمِنْبَر وَكبر وَحمد الله - عَزَّ وَجَلَّ - وَقَالَ : إِنَّكُم شكوتم (جَدب) دِيَاركُمْ واستئخار الْمَطَر عَن إبان زَمَانه عَنْكُم ، وَقد أَمركُم الله - سُبْحَانَهُ - أَن تَدعُوهُ ، ووعدكم أَن يستجيب لكم . ثمَّ قَالَ : الْحَمد لله رب الْعَالمين ، الرَّحْمَن الرَّحِيم ، (ملك) يَوْم الدَّين ، لَا إِلَه إِلَّا الله يفعلُ مَا يُرِيد ، اللَّهُمَّ أَنْت الله لَا إِلَه إِلَّا أَنْت ، الْغَنِيّ وَنحن الْفُقَرَاء ، أنزل علينا الْغَيْث ، وَاجعَل مَا أنزلت لنا قُوَّة وبلاغًا إِلَى حينٍ . ثمَّ رفع يَدَيْهِ ، فَلم يزل فِي الرّفْع حَتَّى بدا بَيَاض إبطَيْهِ ، ثمَّ حول إِلَى النَّاس ظَهره ، وقلب - أَو حول - رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافع يَدَيْهِ ، ثمَّ أقبل عَلَى النَّاس ، وَنزل فَصَلى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ الله - سُبْحَانَهُ (وَتَعَالَى - سَحَابَة) فَرعدَت ، وأبرقت ، ثمَّ أمْطرت بِإِذن الله ، فَلم يَأْتِ مَسْجده حَتَّى سَالَتْ السُّيُول ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتهمْ إِلَى الكِنِّ ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ، فَقَالَ : أشهد أَن الله عَلَى كل شَيْء قدير ، وَأَنِّي عبد الله وَرَسُوله . حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَكَذَا أَبُو عوَانَة فِي مستخرجه عَلَى مُسلم ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة ، قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَإِسْنَاده جيد . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وَصَححهُ ابْن السكن أَيْضا .
الحَدِيث السَّادِس عشر ثَبت تَحْويل الرِّدَاء عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ كَمَا قَالَ ، (وجدت) ذَلِك فِي حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم ، وَقد سلف أول الْبَاب . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فِيهِ : حول رِدَاءَهُ ، وقلب ظهرا لبطن ، وحول النَّاس مَعَه وَقد ورد ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث : أَحدهَا : حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف قَرِيبا عَلَى مَا فِيهِ . ثَانِيهَا : حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف فِي الْبَاب ، وَهُوَ الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ . ثَالِثهَا : حَدِيث جَابر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - استسقى وحول رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّل القحطُ رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ .
الحَدِيث التَّاسِع قَالَ الرَّافِعِيّ : والتقرب إِلَى الله - تَعَالَى - بِمَا يُسْتَطَاع من الْخَيْر ؛ فَإِن لَهُ (أثرا) فِي الْإِجَابَة عَلَى مَا ورد فِي الْخَبَر . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَهُوَ مَعْلُوم (من قصَّة الثَّلَاثَة الَّذين انطبق عَلَيْهِم فَم الْغَار وَذكر كل وَاحِد مِنْهُم مَا ذكره) من خير ، وَجعله شافعًا ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح مَشْهُور .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَرْجَى الدُّعَاء دُعَاء الْأَخ للْأَخ بِظهْر الْغَيْب . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : إِن (أسْرع) الدُّعَاء إِجَابَة : دَعْوَة غَائِب لغَائِب وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن (عَمْرو ) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِمثلِهِ سَوَاء . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَفِي إِسْنَاده الأفريقي ، وَهُوَ يضعف فِي الحَدِيث . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد ، وَقَالَ : حَدِيث حسن من رِوَايَة ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : خمس دعوات لَا ترد : دَعْوَة الْحَاجِّ (حِين) يصدر ، ودعوة الْغَازِي (حَتَّى) يرجع ، ودعوة الْمَظْلُوم حَتَّى ينتصر ، ودعوة الْمَرِيض حَتَّى يبرأ ، ودعوة الْأَخ لِأَخِيهِ بِالْغَيْبِ ، أسْرع هَؤُلَاءِ الدَّعْوَات إِجَابَة دَعْوَة الْأَخ لِأَخِيهِ بِالْغَيْبِ . وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أم الدَّرْدَاء قَالَت : حَدثنِي سَيِّدي أَبُو الدَّرْدَاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : دَعْوَة الْمَرْء الْمُسلم لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب مستجابة ، عِنْد رَأسه ملك مُوكل كلما دَعَا لِأَخِيهِ قَالَ الْملك الْمُوكل بِهِ : آمين ، وَلَك بِمثل . قَالَ الْحميدِي : ذكر خلف الوَاسِطِيّ هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أم الدَّرْدَاء ، وَقد أخرجه مُسلم كَمَا ذكر من حَدِيث صَفْوَان فِي كتاب الدُّعَاء ، وَلَكِن فِي الحَدِيث نَفسه أَن أَبَا الدَّرْدَاء أخْبرهَا بذلك . قَالَ البرقاني : وَأم الدَّرْدَاء هَذِه هِيَ الصُّغْرَى ، وَلَيْسَ لَهَا صُحْبَة وَلَا سَماع من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا هُوَ (من) مُسْند أبي الدَّرْدَاء ، وَأما أم الدَّرْدَاء الْكُبْرَى فلهَا صُحْبَة ، وَلَيْسَ لَهَا فِي الْكِتَابَيْنِ حَدِيث . قَالَ (الْحَافِظ) محب الدِّين الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه : وَلَو قيل : إِن الحَدِيث (عَنْهُمَا فرواية الْكُبْرَى) عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَرِوَايَة) الصُّغْرَى عَن أبي الدَّرْدَاء . لم يبعد ذَلِك بل هُوَ الأولَى . قَالَ : وَقَوله : بِمثل هُوَ بِكَسْر الْمِيم وَإِسْكَان الثَّاء ، وَقيل : بِفَتْحِهَا ، ومعناهما وَاحِد . فَائِدَة : هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهِ عَلَى أَنه إِذا انْقَطع الْمِيَاه عَن طَائِفَة من الْمُسلمين اسْتحبَّ لغَيرهم أَن يصلوا ويستسقوا لَهُم ، ويسألوا الزِّيَادَة لأَنْفُسِهِمْ ، وَاسْتدلَّ لذَلِك الْبَيْهَقِيّ بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء الَّذِي ذَكرْنَاهُ ، وَبِحَدِيث النُّعْمَان بن بشير الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَثَلُ الْمُؤمنِينَ فِي توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مَثَلُ الْجَسَد ، إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تداعى سَائِر الْجَسَد بالسهر والحمى .
الحَدِيث الرَّابِع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يصل صَلَاة الاسْتِسْقَاء إِلَّا عِنْد الْحَاجة . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَمن استحضر (الْأَحَادِيث) الصَّحِيحَة (وجده) كَذَلِك .
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيد . وَفِي رِوَايَة : صنع فِي الاسْتِسْقَاء كَمَا صنع فِي الْعِيد . هَذَا (الحَدِيث) تقدم بَيَانه أول الْبَاب مَبْسُوطا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وروُي أَنه صلَّى صَلَاة الاسْتِسْقَاء وَقت صَلَاة الْعِيد . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد سلف فِي الحَدِيث الْخَامِس من طَرِيق عَائِشَة ، وَهُوَ ظَاهر حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور أَيْضا ، كَمَا سلف بِلَفْظِهِ .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج إِلَى المصلَّى مُبْتَذِلا ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي العَبْد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَأَبُو عوَانَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ (وَالْبَيْهَقِيّ) فِي سُنَنهمَا بأسانيد صَحِيحَة ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث رُوَاته مصريون ومدنيون ، وَلَا أعلم أحدا مِنْهُم مَنْسُوبا إِلَى نوع من الْجرْح ، وَلم يخرجَاهُ . وَلَفظ أَحْمد : عَن هِشَام (بن إِسْحَاق) بن عبد الله بن كنَانَة ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج متخشعًا متضرعًا متواضعًا مبتذلا ، فَصَلى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّى فِي الْعِيد ، لم يخْطب (كخطبتكم) هَذِه . وَلَفظ أبي دَاوُد : عَن هِشَام أَنا أبي ، قَالَ : ( أَرْسلنِي الْوَلِيد بن عتبَة - وَكَانَ أَمِير الْمَدِينَة - إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء (قَالَ : خرج رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ) مبتذلاً متواضعًا متضرعًا ، حَتَّى أَتَى (الْمُصَلى) ، فرقى عَلَى الْمِنْبَر وَلم يخْطب خطبتكم هَذِه ، وَلَكِن لم يزل فِي الدُّعَاء والتضرع و(التَّكْبِير) ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيد . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ مثله إِلَّا أَنه زَاد فِي إِحْدَى روايتيه : متخشعًا . وَلَفظ النَّسَائِيّ : خرج متواضعًا مبتذلاً ، [ لم يخْطب ] نَحْو خطبتكم هَذِه ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ . وَفِي لفظ لَهُ : متواضعًا ، متذللاً متخشعًا متضرعًا فَصَلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ ، وَلم يخْطب خطبتكم . وَلَفظ الْحَاكِم : متخشعًا متذللاً مبتذلاً فَصنعَ فِيهِ كَمَا صنع فِي الفِطْر والأضحى وَفِي لفظ لَهُ كَلَفْظِ النَّسَائِيّ الثَّانِي ، وَزَاد فِيهِ : مترسلاً . وَلَفظ ابْن حبَان : خرج متبذلاً (متمسكنًا) متضرعًا متواضعًا ، لم يخْطب خطبتكم هَذِه ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيد . رَوَاهُ من حَدِيث [ هِشَام بن ] عبد الله بن كنَانَة ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس . وَلَفظ ابْن مَاجَه كَلَفْظِ رِوَايَة النَّسَائِيّ الثَّانِيَة . وَلَفظ أبي عوَانَة : خرج متخشعًا مبتذلاً يصنع فِيهِ كَمَا يصنع فِي الفطْر والأضحى . رَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل بن ربيعَة بن هِشَام بن إِسْحَاق أَنه سمع جدَّه هِشَام بن إِسْحَاق يحدِّث عَن أَبِيه إِسْحَاق أَن الْوَلِيد بن عتبَة أرْسلهُ إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا ابْن أخي ، سَله كَيفَ صنع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء يَوْم استسقى بِالنَّاسِ ؟ قَالَ إِسْحَاق : فدعى ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا ابْن عَبَّاس ، كَيفَ صنع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء يَوْم استسقى بِالنَّاسِ ؟ قَالَ : نعم خرج فَذكره . وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ كَرِوَايَة الْحَاكِم الأولَى ، وَفِي لفظ لَهُ كَرِوَايَة النَّسَائِيّ الثَّانِيَة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ، عَن أَبِيه ، عَن طَلْحَة قَالَ : أَرْسلنِي مَرْوَان إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن سنة الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ : سنة الاسْتِسْقَاء سنة الصَّلَاة فِي الْعِيدَيْنِ ، إِلَّا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قلب رِدَاءَهُ فَجعل يَمِينه عَلَى يسَاره ويساره عَلَى يَمِينه ، وَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، كبر فِي الأولَى سبع تَكْبِيرَات وقرأ ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَة : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) وَكبر فِيهَا خمس تَكْبِيرَات . وأعل عبد الْحق هَذِه الرِّوَايَة بِأَن قَالَ : مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ضَعِيف الحَدِيث . قَالَ أَبُو حَاتِم : هم ثَلَاثَة إخْوَة ضعفاء ، لَيْسَ لَهُم حَدِيث مُسْتَقِيم : مُحَمَّد وَعبد الله وَعمْرَان بَنو عبد الْعَزِيز ، (وبمشورة مُحَمَّد (هَذَا) جُلِد مَالك فِيمَا قَالَ البُخَارِيّ) . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَعبد الْعَزِيز هَذَا مَجْهُول الْحَال ، يعل بِهِ الْخَبَر . قلت : وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرج هَذِه الرِّوَايَة فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . لكنه قَالَ : فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك عَن أَبِيه . وَكَأَنَّهُ وهم ، وَالْمَعْرُوف عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن ، وَلم يُنَبه الذَّهَبِيّ فِي اختصاره للمستدرك عَلَى هَذَا ، بل قَالَ : فِيهِ عبد الْعَزِيز بن عبد الْملك وَقد ضُعِّف . وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يعْتَرض عَلَيْهِ من الْوَجْه الَّذِي ذكرته ، فَتنبه لذَلِك . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز هَذَا غير قوي ، وَهُوَ بِمَا قبله من الشواهد يقوى . بَقِي أَمر آخر مُهِمّ وَهُوَ أَن عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ذكر فِي (كِتَابه) أَن إِسْحَاق بن عبد الله بن كنَانَة عَن ابْن عَبَّاس مُرْسل . وَكَذَا فِي التَّهْذِيب للمزي أَنه أرسل عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَا (عَن) ابْن عَبَّاس أَيْضا ؛ فَإِنَّهُ لم يُدْرِكهُ . وَهَذَا غَرِيب ، فالروايات الَّتِي أوردناها صَرِيحَة فِي (مشافهته) لَهُ عوضا عَن إِدْرَاكه ، وَقد أسلفنا رِوَايَة أبي دَاوُد فِي ذَلِك . وَلَفظ النَّسَائِيّ : أَرْسلنِي فلَان إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ : خرج الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَرْسلنِي أَمِير من الْأُمَرَاء إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس : مَا مَنعه أَن يسألني ؟ ! خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - متواضعًا الحَدِيث كَمَا سلف . وَلَفظ الْحَاكِم أَن الْوَلِيد أرسل إِسْحَاق بن عبد الله إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ : يَا ابْن أخي ، كَيفَ صنع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الاسْتِسْقَاء يَوْم استسقى بِالنَّاسِ ؟ فَقَالَ : خرج الحَدِيث . (وَلَفظ ابْن حبَان : عَن [ هِشَام بن ] عبد الله بن كنَانَة ، عَن أَبِيه قَالَ : أَرْسلنِي أَمِير من الْأُمَرَاء إِلَى ابْن عَبَّاس أسأله عَن صَلَاة الاسْتِسْقَاء ، فَقَالَ : خرج الحَدِيث) . فَهَذِهِ الرِّوَايَات صَرِيحَة فِي مشافهته لَهُ ، فاستفد ذَلِك . وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق حَيْثُ ذكر الحَدِيث من طَرِيق عبد الله بن كنَانَة عَن الْوَلِيد ، وَقَالَ : إِنَّه خطأ فَاحش ؛ فعبد الله لَا مدْخل لَهُ فِي الْإِسْنَاد ، وَإِنَّمَا صَاحب الْقِصَّة ابْنه إِسْحَاق ، وَعبد الله لَيْسَ من رُوَاة الْأَخْبَار ، وَلَا مِمَّن يعرف لَهُ حَال . وَلَيْسَ كَمَا ذكر ، فقد رَوَى عَن ابْن عَبَّاس ، وَعنهُ ابْنه هِشَام ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَأخرج الحَدِيث فِي صَحِيحه من جِهَته كَمَا أسلفناه . تَنْبِيه : وَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد : فرقى عَلَى الْمِنْبَر وَالْمَعْرُوف كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِيهِ : فَرَقي عَلَى الْمِنْبَر . بِكَسْر الْقَاف ، وَرَوَاهُ بَعضهم بِفَتْحِهَا ، وَقيل : إِن فتحهَا مَعَ الْهمزَة لُغَة طَيئ ، وَالْمَشْهُور الأول .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خير ثيابكم الْبيَاض ، فاكسوها أحياءكم ، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم . هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كتاب الْجُمُعَة وَاضحا .
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَامَ عَلَى جَنَازَة رجل فَقَامَ عِنْد رَأسه ، ثمَّ أُتِي بِجنَازَة امْرَأَة فَصَلى عَلَيْهَا ، وَقَامَ عِنْد عجيزتها ، فَقيل لَهُ : هَل كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقوم عِنْد رَأس الرجل وعجيزة الْمَرْأَة ؟ فَقَالَ : نعم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وحسَّنه ، وَلَفظ أبي دَاوُد أَن أنسا قَامَ عِنْد رَأس رجل وَكبر أَربع تَكْبِيرَات لم يطلّ وَلم يسْرع ، ثمَّ ذهب (يقْعد) فَقَالُوا : يَا أَبَا حَمْزَة ، المرأة الْأَنْصَارِيَّة . فقربوها وَعَلَيْهَا نعش أَخْضَر ، فَقَامَ عِنْد عجيزتها ، فَصَلى عَلَيْهَا نَحْو صلَاته عَلَى الرجل ، ثمَّ جلس ، فَقَالَ الْعَلَاء بن زِيَاد : يَا أَبَا (حَمْزَة) هَكَذَا كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَة كصلاتك ، يكبر أَرْبعا وَيقوم عِنْد رَأس الرجل وعجيزة الْمَرْأَة ؟ قَالَ : نعم . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ عَن أبي غَالب نَافِع ، وَقيل : رَافع ، قَالَ : صليتُ مَعَ أنس بن مَالك عَلَى جَنَازَة رجل ، فَقَامَ حِيَال رَأسه ، ثمَّ جَاءُوا بِجنَازَة امْرَأَة (من) قُرَيْش ، فَقَالُوا : يَا أَبَا حَمْزَة ، صلِّ عَلَيْهَا . (فَقَامَ) حِيَال وسط السرير ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاء بن زِيَاد : هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَامَ عَلَى الْجِنَازَة مقامك مِنْهَا ، وَمن الرجل [ مَقامك ] مِنْهُ ؟ قَالَ : نعم . فَلَمَّا فرغ قَالَ : احْفَظُوا . وَلَفظ ابْن مَاجَه نَحوه ، وَكَذَا أَحْمد ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرَأَيْت أَبَا عَلّي الطَّبَرِيّ حَكَى عَن أنس فِي هَذَا الرجل أَنه وقف عِنْد صَدره . قلت : هَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة ، لَا أعلم من خرجها . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : إِن هَذَا غلط صَرِيح . قَالَ : وَالصَّوَاب الْمَوْجُود فِي كتب الحَدِيث أَنه وقف عِنْد رَأسه . فَائِدَة : وَقع فِي هَذَا الحَدِيث فِي سنَن أبي دَاوُد أَن هَذِه الْمَرْأَة كَانَت أنصارية ، وَوَقع فِي التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا قرشية ، كَمَا أسلفنا ذَلِك ، وذكرهما الْبَيْهَقِيّ ، وَيجمع بَينهمَا بِأَنَّهَا لَعَلَّهَا كَانَت من إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَلها حلف من الْأُخْرَى ، أَو زَوجهَا من الْأُخْرَى ، وَقد ذكره كَذَلِك النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب احْتِمَالا ، وَكَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَة : لَعَلَّ كَانَ نَسَبهَا من قُرَيْش وبالحلف من الْأَنْصَار ، أَو عَكسه . قَالَ : وَالْقَائِل احْفَظُوا هُوَ الْعَلَاء بن زِيَاد . فَائِدَة : عَجِيزة الْمَرْأَة : بِفَتْح الْعين وَكسر الْجِيم (أليتاها) .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أَن رجلا كَانَ مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فوقصته نَاقَته وَهُوَ محرم فَمَاتَ ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اغسلوه بِمَاء وَسدر ، وكفنوه فِي ثوبيه ، وَلَا تمسوه بِطيب ، وَلَا تخمروا رَأسه ، فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : بَيْنَمَا رجل وَاقِف مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِعَرَفَة ، إِذْ وَقع من رَاحِلَته ، فأقصعته - أَو قَالَ : فأوقصته - فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اغسلوه بِمَاء وَسدر ، وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ ، وَلَا تحنطوه ، وَلَا تخمروا رَأسه ؛ فَإِن الله يَبْعَثهُ يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا . وَفِي لفظ لَهما : ملبدًا وَفِي لفظ لَهما : وَلَا تمسُّوه طيبا وَفِي لفظ لَهما : وكفنوه فِي ثوبيه وَفِي لفظ لمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان : وَلَا تخمروا وَجهه وَلَا رَأسه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ذكر الْوَجْه وهم من بعض رُوَاته فِي الْإِسْنَاد ، والمتن [ جَمِيعًا و] الصَّحِيح : لَا تغطوا رَأسه . كَذَا أخرجه البُخَارِيّ ، وَذكر الْوَجْه فِيهِ غَرِيب . وللنسائي : اغسلوا الْمحرم فِي ثوبيه اللَّذين أحرم فيهمَا ، واغسلوه (فيهمَا) بِمَاء وَسدر ، وكفنوه فِي ثوبيه ، وَلَا تمسوه بِطيب ، وَلَا تخمروا رَأسه ؛ فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْأَرْبَعين (عَن جَابر ) أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر عَلَى الْمَيِّت أَرْبعا ، وَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن بعد التَّكْبِيرَة الأولَى . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هَكَذَا الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء ، وَإِبْرَاهِيم هَذَا سلف بَيَانه فِي كتاب الطَّهَارَة ، وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل سلف فِي الْوضُوء . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه مستشهدًا بِهِ بِلَفْظ : كَانَ يكبر عَلَى جنائزنا أَرْبعا ، (وَيقْرَأ) بِفَاتِحَة الْكتاب فِي التَّكْبِيرَة الأولَى . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَرَأَ عَلَى الْجِنَازَة بِفَاتِحَة الْكتاب . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي ، وَإِبْرَاهِيم بن عُثْمَان - يَعْنِي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - مُنكر الحَدِيث . قلت : وَهُوَ أَبُو شيبَة الوَاسِطِيّ ، جد بني شيبَة أبي بكر وَعُثْمَان ، وَقد أَجمعُوا عَلَى ضعفه ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : إِنَّه حَدِيث لَا يثبت بِسَبَب إِبْرَاهِيم هَذَا ؛ فَإِن شُعْبَة كذبه . وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث حَمَّاد بن جَعْفَر الْعَبْدي ، حَدثنِي شهر بن حَوْشَب ، حَدَّثتنِي أم شريك الْأَنْصَارِيَّة (قَالَت) : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نَقْرَأ عَلَى الْجِنَازَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَشهر هَذَا سلف أَقْوَال أهل الْفَنّ فِيهِ فِي بَاب النَّجَاسَات ، وَحَمَّاد وَثَّقَهُ ابْن معِين وَابْن حبَان ، وَقَالَ ابْن عدي : مُنكر الحَدِيث ، لم أجد لَهُ غير حديثين (أَحدهمَا) هَذَا . وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن من الْأَركان التَّكْبِيرَات الْأَرْبَع ، ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة أَحَادِيث صَحِيحَة ، مِنْهَا حَدِيث أنس السالف قَرِيبا ، وَمِنْهَا أَحَادِيث ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ (أَحدهَا) : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى قبر وَكبر أَرْبعا . ثَانِيهَا : عَن أبي هُرَيْرَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نَعَى النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَخرج بهم إِلَى الْمُصَلى ، فَصف بهم وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا . ثَالِثهَا : عَن جَابر : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيّ ، فَكبر أَرْبعا .
الحَدِيث (السَّابِع) عشر (رُوِيَ) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعَائِشَة : لَو مت قبلي لغسلتك وكفنتك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة : أَحْمد ، والدارمي ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : رَجَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من البقيع ، وَأَنا أجد صداعًا فِي رَأْسِي وَأَقُول : وارأساه ! فَقَالَ : بل أَنا يَا عَائِشَة وارأساه . ثمَّ قَالَ : مَا ضرك لَو مت قبلي فَقُمْت عَلَيْك فغسلتك وكفنتك ، وَصليت عَلَيْك ودفنتك . قلت : لكَأَنِّي بك وَالله لَو فعلت ذَلِك ، لقد رجعت إِلَى بَيْتِي فأعرست فِيهِ بِبَعْض نِسَائِك . فَتَبَسَّمَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ بَدَأَ فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ . وَفِي سَنَده عنعنة ابْن إِسْحَاق ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب تَحْرِيم قَتْل مَا لَهُ روح : الْحفاظ يتوقون مَا ينْفَرد بِهِ . قلت : وَأما ابْن حبَان ؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي صَحِيحه بعنعنته عَلَى عَادَته فِي الِاحْتِجَاج بِهِ مُطلقًا ، وَذكره فِي ثقاته ، وَلم ينْفَرد بِهِ ابْن إِسْحَاق ، بل تَابعه عَلَيْهِ صَالح بن كيسَان ، كَمَا أخرجه الإِمَام أَحْمد وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى فِي رِوَايَة حَمْزَة فِي بَاب : بَدْء علته عَلَيْهِ السَّلَام ، قبل الْأَيْمَان وَالنُّذُور ، وَلَفظه فِيهَا : فهيأتك ، ودفنتك الحَدِيث . وَصَالح هَذَا هُوَ الإِمَام الثِّقَة من غير ريب ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : لم يقل : غسلتك إِلَّا ابْن إِسْحَاق ، ثمَّ أجَاب عَمَّن طعن فِيهِ . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ بِلَفْظ : قلت : وارأساه . فَقَالَ : ذَلِك لَو كَانَ وَأَنا حَيّ ؛ فأستغفر لَك وأدعو لَك . تَنْبِيهَانِ : أَحدهمَا : وَقع فِي الرَّافِعِيّ والْمُهَذّب : لغسلتك بِاللَّامِ ، وَالَّذِي فِي كتب الحَدِيث بِالْفَاءِ . ثَانِيهمَا : البقيع بِالْبَاء (الْمُوَحدَة) فِي أَوله ، وَهُوَ بَقِيع الْغَرْقَد : مدفن أهل الْمَدِينَة . ومت : بِضَم الْمِيم وَكسرهَا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين ثَبت أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر عَلَى الْجِنَازَة أَكثر من أَربع . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى قَالَ : كَانَ زيد يكبر عَلَى جنائزنا أَرْبعا ، وَأَنه كبر عَلَى جَنَازَة خمْسا فَسَأَلته ، فَقَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يكبرها) . وَزيد هَذَا هُوَ ابْن أَرقم ، كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض الطّرق . وَرَوَى أَحْمد عَن عبد الصَّمد ، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم ، ثَنَا يَحْيَى بن عبد الله الجابر ، عَن عِيسَى مولَى لِحُذَيْفَة أَنه صَلَّى عَلَى جَنَازَة فكبَّر خمْسا ، وَقَالَ : فعلت كَمَا فعل حُذَيْفَة . وَقَالَ حُذَيْفَة : فعلت كَمَا فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَحْيَى هَذَا ضعفه النَّسَائِيّ ، وَرَوَى ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الْإِعْلَام بناسخ الحَدِيث ومنسوخه من حَدِيث الزبير بن الْعَوام أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبَّر عَلَى (حَمْزَة) سبع تَكْبِيرَات . وَمن حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ : حفظنا التَّكْبِير عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قد كبَّر أَرْبعا وخمسًا وَسبعا ، فَمَا كبَّر إمامكم فكبروا . وَقد جَاءَت الزِّيَادَة أَيْضا عَلَى الْأَرْبَع عَن بعض الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَعَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه كبر عَلَى سهل بن حنيف سِتا ، وَكَانَ شهد بَدْرًا . رَوَاهُ البرقاني فِي صَحِيحه وَأَصله فِي البُخَارِيّ لكنه قَالَ : يكبِّر عَلَيْهِ وَلم يذكر عددا . وَعنهُ أَيْضا أَنه كَانَ يكبر عَلَى أهل بدر سِتا ، وَعَلَى سَائِر الصَّحَابَة خمْسا ، وَعَلَى سَائِر النَّاس أَرْبعا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَعنهُ أَيْضا : أَنه صَلَّى عَلَى أبي قَتَادَة فَكبر عَلَيْهِ سبعا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ثمَّ قَالَ : هَكَذَا رَوَى ، وَهُوَ غلط ؛ لِأَن أَبَا قَتَادَة بَقِي بعد عَلّي مُدَّة طَوِيلَة . وَأما ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ فِي تمهيده : إِنَّه رُوِيَ من وُجُوه . وَنقل الكلاباذي عَن ابْن سعد عَن الْهَيْثَم بن عدي قَالَ : توفّي أَبُو قَتَادَة بِالْكُوفَةِ وَعلي بهَا ، وَهُوَ صَلَّى عَلَيْهِ . وَفِيه النّظر الْمَذْكُور ؛ لِأَن عليًّا توفّي سنة أَرْبَعِينَ ، كَمَا ذكره الكلاباذي فِي تَرْجَمته ، وَأَبُو قَتَادَة توفّي سنة أَربع وَخمسين ، كَمَا ذكره أَيْضا فِي تَرْجَمته ، وَعَن الحكم بن عتيبة أَنه قَالَ : كَانُوا يكبرُونَ عَلَى أهل بدر خمْسا ، وستًا ، وَسبعا . رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه . تَنْبِيه : فِي علل ابْن أبي حَاتِم حَدِيث غَرِيب عَن مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ : السّنة عَلَى الْجِنَازَة أَن يكبر الإِمَام ، ثمَّ يقْرَأ أم الْقُرْآن فِي نَفسه ، ثمَّ يَدْعُو ويخلص الدُّعَاء للْمَيت ، ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ، ثمَّ يسلم وينصرف ، وَيفْعل من وَرَاءه ذَلِك . كَذَا وجدته : يكبر ثَلَاثًا . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : هُوَ خطأ ؛ إِنَّمَا هُوَ حبيب بن مسلمة . قَالَ الرَّافِعِيّ : والأربع أولَى لاستقرار الْأَمر عَلَيْهَا واتفاق الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . قلت : أما اسْتِقْرَار الْأَمر عَلَيْهَا ، فَفِي النَّاسِخ والمنسوخ لِابْنِ شاهين ، وَرَوَاهُ (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي ناسخه أَيْضا عَنهُ عَن (مُحَمَّد بن عَلّي بن نيزك) الطوسي ، نَا كثير بن شهَاب الْقزْوِينِي ، نَا عبد الله بن الْجراح ، نَا زَافِر بن سُلَيْمَان ، عَن أبي (الْعَلَاء) ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان ، عَن عبد الله بن عمر قَالَ : آخر مَا كبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى (الْجَنَائِز) أَرْبعا . قَالَ : وثنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْآدَمِيّ ، نَا أَحْمد بن الْوَلَد الفحام ، نَا خُنَيْس بن بكر بن خُنَيْس ، ثَنَا الْفُرَات (ابْن) سُلَيْمَان الْجَزرِي ، عَن مَيْمُون ، عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ : آخر مَا كبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْجَنَائِز أَرْبعا (وَهَذَا الْأَخير رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : آخر مَا كبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْجَنَائِز أَرْبعا) وَكبر عمر عَلَى أبي بكر (أَرْبعا) ، وَكبر (عبد الله بن عمر عَلَى) عمر أَرْبعا ، وَكبر الْحسن ابن عَلّي عَلَى عَلّي أَرْبعا ، وَكبر الْحُسَيْن بن عَلّي عَلَى الْحسن أَرْبعا ، وَكَبرت الْمَلَائِكَة عَلَى آدم صَلَّى الله عَلَيْهِ أَرْبعا . قَالَ الْحَاكِم : لست مِمَّن يخْفَى عَلَيْهِ أَن فرات بن السَّائِب لَيْسَ من شَرط الْكتاب ، وَإِنَّمَا أخرجته شَاهدا لحَدِيث أنس قَالَ : كَبرت الْمَلَائِكَة عَلَى آدم أَرْبعا ، وَكبر أَبُو بكر عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرْبعا ، وَكبر عمر عَلَى أبي بكر أَرْبعا ، وَكبر صُهَيْب عَلَى عمر أَرْبعا ، وَكبر الْحسن بن عَلّي عَلَى عَلّي أَرْبعا ، وَكبر الْحُسَيْن عَلَى الْحسن أَرْبعا . قَالَ : وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : ولمبارك بن فضَالة - يَعْنِي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - من الزّهْد وَالْعلم بِحَيْثُ لَا يجرح مثله ، إِلَّا أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَاهُ لسوء حفظه . وينجبر بِالشَّاهِدِ السَّابِق ، وستعرف كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِيهِ قَرِيبا أَيْضا . وَقَالَ الْخلال فِي علله : أَخْبرنِي حَرْب قَالَ : سُئِلَ أَحْمد عَن أبي الْمليح ، عَن مَيْمُون ، عَن ابْن عَبَّاس أَن آخر جَنَازَة صَلَّى عَلَيْهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر أَرْبعا . قَالَ أَحْمد : هَذَا كذب ، إِنَّمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن زِيَاد الطَّحَّان ، وَكَانَ يضع الحَدِيث . وَقَالَ الْأَثْرَم : رَوَاهُ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة النَّيْسَابُورِي ، عَن أبي الْمليح ، عَن مَيْمُون ، عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمَلَائِكَة صلت عَلَى آدم ، فكبرت عَلَيْهِ أَرْبعا . قَالَ أَبُو عبد الله : (رَأَيْت لمُحَمد) (هَذَا أَحَادِيث مَوْضُوعَة . فَذكر مِنْهَا) هَذَا الحَدِيث ، واستعظمه أَبُو عبد الله وَقَالَ : أَبُو الْمليح كَانَ أصح حَدِيثا وَأَتْقَى لله من أَن يروي مثل هَذَا . وَأما اتِّفَاق الصَّحَابَة عَلَى ذَلِك فقد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : بَاب مَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى أَن أَكثر الصَّحَابَة اجْتَمعُوا عَلَى أَربع وَرَأَى بَعضهم الزِّيَادَة مَنْسُوخَة . ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرو بن مرّة قَالَ : سَمِعت سعيد بن الْمسيب يحدث عَن عمر قَالَ : كل ذَلِك قد كَانَ ، أَرْبعا وخمسًا ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى (أَربع ، التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة) . رَوَاهُ من حَدِيث (أبي الْجَعْد) ، أَنا شُعْبَة ، عَن عَمْرو بن مرّة ، وَأعله ابْن حزم ( بِأبي الْجَعْد ) وَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ ، ووثق . ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى أبي وَائِل قَالَ : كَانُوا يكبرُونَ عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خمْسا وَسبعا وستًا ، أَو قَالَ : أَرْبعا ، فَجمع عمر بن الْخطاب أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأخْبر كل رجل بِمَا رَأَى ، فَجَمعهُمْ (عمر) عَلَى أَربع تَكْبِيرَات ، (كأطول) الصَّلَاة . وَفِي رِوَايَة (عَن [ وَكِيع عَن سُفْيَان ] أَرْبعا مَكَان (سِتا) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يروي) وَكِيع ، عَن مسعر ، عَن عبد الْملك بن إِيَاس الشَّيْبَانِيّ ، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ : اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي بَيت (أبي) مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ، فَأَجْمعُوا أَن التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة أَربع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَحَدِيث ابْن عَبَّاس آخر جَنَازَة صَلَّى عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر أَرْبعا تفرد بِهِ النَّضر بن عبد الرَّحْمَن الخزاز عَن عِكْرِمَة ، وَهُوَ ضَعِيف ، وَرُوِيَ هَذَا اللَّفْظ من وُجُوه أخر كلهَا ضَعِيفَة ، إِلَّا أَن اجْتِمَاع أَكثر الصَّحَابَة عَلَى الْأَرْبَع كالدليل عَلَى ذَلِك ، ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى عَلّي : أَنه كبر أَرْبعا وَكَذَلِكَ زيد بن ثَابت ثمَّ بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ : صَلَّى ابْن عمر عَلَى زيد بن عمر وَأمه أم كُلْثُوم بنت عَلّي ، فَجعل [ الرجل ] مِمَّا يَلِي الإِمَام وَالْمَرْأَة من خَلفه ، فَصَلى [ عَلَيْهِمَا ] أَرْبعا ، و(خَلفه) ابْن الْحَنَفِيَّة وَالْحُسَيْن بن عَلّي وَابْن عَبَّاس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ من الصَّحَابَة أَنه كبر أَرْبعا : عبد الله بن مَسْعُود ، والبراء ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَعقبَة بن عَامر . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْإِعْلَام : اعْلَم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخْتَلف تكبيره عَلَى الْجِنَازَة ، إِلَّا أَن الْأَغْلَب وَالْأَشْهر (أَنه) كَانَ أَربع تَكْبِيرَات ، فروَى عَنهُ عمر بن الْخطاب ، وسعيدُ بن زيد ، وَعبد الله بن عمر ، وَجَابِر ، وَأنس بن مَالك ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَزيد بن أَرقم ، وَعَمْرو بن عَوْف ، وَيزِيد ابن ثَابت أَخُو زيد ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَابْن عَبَّاس : أَنه كَانَ يكبِّر أَرْبعا وَقد كَانَ أَبُو بكر ، وَعمر ، (و) عُثْمَان ، وَعلي ، وَابْن مَسْعُود ، وَغَيرهم من كبار الصَّحَابَة يكبرُونَ أَرْبعا .
(الحَدِيث السَّادِس عشر "أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لأم عَطِيَّة - وَكَانَت من غاسلات ابْنَته - : واجعلن فِي الْأَخِيرَة كافورًا " . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سقناه أَيْضا بِلَفْظِهِ) .
الحَدِيث (الثَّالِث) بعد الْأَرْبَعين عَن جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَرَأَ فِيهَا - يَعْنِي فِي صَلَاة الْجِنَازَة - بِأم الْقُرْآن . هَذَا الحَدِيث تقدم قَرِيبا الْكَلَام عَلَيْهِ ، ويغني فِي الدّلَالَة عَنهُ - فَإِن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهِ عَلَى وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة - مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَنه صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب ، وَقَالَ : لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة . قَوْله : (سنة) هُوَ كَقَوْل الصَّحَابِيّ : من السّنة كَذَا وَهُوَ مَرْفُوع عَلَى الْأَصَح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين ، وَنقل الْبَيْهَقِيّ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي بِإِسْنَاد البُخَارِيّ : وَقَالَ : إِنَّهَا من السّنة . وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي : إِنَّهَا من السّنة ، أَو من تَمام السّنة ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يجْهر بِالْقِرَاءَةِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا جهرت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة إسنادها حسن . وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : فجهر بِالْحَمْد لله ، وَقَالَ : إِنَّمَا جهرت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة يَعْنِي : لِتَعْلَمُوا أَن الْقِرَاءَة مَأْمُور بهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلابْن حبَان : فَقَالَ : إِنَّه حق وَسنة . قَالَ الْحَاكِم : إِسْنَاده صَحِيح ، وَفِي رِوَايَة للنسائي وَالْبَيْهَقِيّ : فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ذكر السُّورَة غير مَحْفُوظ . وَرَوَى هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا أَبُو يعْلى فِي مُسْنده ، وَقَالَ النَّوَوِيّ : إسنادها صَحِيح .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لغاسلات ابْنَته : اغسلها ثَلَاثًا أوْ خمْسا أَو سبعا . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أَيْضا من حَدِيث أم عَطِيَّة الْأَنْصَارِيَّة قَالَت : دخل علينا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَنحن نغسل ابْنَته ، فَقَالَ : اغسلنها ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو أَكثر من ذَلِك ، بِمَاء وَسدر ، (واجعلن) فِي الْآخِرَة كافورًا (أَو شَيْئا من كافور) فَإِذا فرغتن فآذنني . فَلَمَّا فَرغْنَا آذناه ، فَألْقَى إِلَيْنَا حقوه فَقَالَ : أشعرنها (إِيَّاه) (قَالَت : ومشطناها ثَلَاثَة قُرُون وَفِي رِوَايَة لَهَا : اغسلنها وترا ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا أَو أَكثر من ذَلِك إِن رأيتن ذَلِك وَفِي رِوَايَة : فضفرنا شعرهَا) ثَلَاثَة أَثلَاث : قرنيها وناصيتها . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : وألقيناها خلفهَا ، وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ بِإِسْنَاد عَلَى شَرطهمَا : ومشطناها ثَلَاثَة قُرُون . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه : و (اجعلن) لَهَا ثَلَاثَة قُرُون . وَهَذِه الرِّوَايَة وَالَّتِي قبلهَا ترد قَول القَاضِي عِيَاض وَمن (مَعَه) أَن ذَلِك من فعل أم عَطِيَّة ، وَترْجم عَلَيْهِ ابْن حبَان ذكر الْبَيَان بِأَن أم عَطِيَّة إِنَّمَا مشطت قرنها بِأَمْر الْمُصْطَفَى - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا من تِلْقَاء نَفسهَا . فَائِدَة : مَعْنَى إِن رأيتن ذَلِك : إِن احتجتن للزِّيَادَة . والحقو - بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا - الْإِزَار . قَالَه الْخطابِيّ . قَالَ الْهَرَوِيّ : الأَصْل فِي الحقو : معقد الْإِزَار ، ثمَّ قيل للإزار : حقو ؛ لِأَنَّهُ يشد عَلَى الحقو . ومعني أشعرنها إِيَّاه : اجعلنه مِمَّا يَلِي جَسدهَا .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف بَيَانه مَرَّات .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر غاسلات ابْنَته أَن يبدأن بميامنها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا سلف قَرِيبا .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا صَلَاة لمن لم يصل عَلّي . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة ، ويُغني عَنهُ فِي الدّلَالَة مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وتلميذه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف أَنه أخبرهُ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَن السّنة فِي الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة أَن يكبر الإِمَام ، ثمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ويخلص الدُّعَاء فِي التَّكْبِيرَات الثَّلَاث ، ثمَّ يسلم تَسْلِيمًا خفِيا ، وَالسّنة أَن يفعل (مَنْ) وَرَاءه مثل مَا فعل إِمَامه . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَلم يخرجَاهُ ، وَلَيْسَ فِي التسليمة الْوَاحِدَة عَلَى الْجِنَازَة أصح مِنْهُ ، ثمَّ ذكر لَهُ شَاهدا .
الحَدِيث الثَّالِث عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : افعلوا بميتكم مَا تَفْعَلُونَ بعروسكم . هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، لَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَذكره الْغَزالِيّ فِي وسيطه بِلَفْظ آخر : افعلوا بموتاكم مَا تَفْعَلُونَ بأحيائكم وَلَا يحضرني من خرج الآخر ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : بحثت عَنهُ فَلم أَجِدهُ ثَابتا . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو شامة الْمَقْدِسِي فِي كتاب السِّوَاك : (وَمَا) يتَعَلَّق بِهِ هَذَا الحَدِيث مَذْكُور فِي كثير من كتب الْفِقْه ، وَهُوَ غير مَعْرُوف . قلت : بل فِي الْبَيْهَقِيّ تَعْلِيقا أَنه رُوِيَ عَن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أَنَّهَا قَالَت : علام تنصون ميتكم ؟ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : أَي : تسرحون شعره . قَالَ : وَكَأَنَّهَا كرهت ذَلِك إِذا سرحه بِمشْط ضيق الْأَسْنَان .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا صليتم عَلَى الْمَيِّت فأخلصوا لَهُ الدُّعَاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِيه ابْن إِسْحَاق ، وعنعنته ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي خلاصته : فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، فَلَعَلَّهُ يكون ثَبت عِنْد أبي دَاوُد سَمَاعه مِنْهُ . قلت : قد ثَبت بِحَمْد الله ، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا ؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي صَحِيحه أَولا بالعنعنة ، ثمَّ قَالَ : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن ابْن إِسْحَاق لم يسمع هَذَا الْخَبَر من مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم . ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فَذكره ، وَكَذَا أخرجه الْحَاكِم أَبُو أَحْمد أَيْضا .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للواتي غسلن ابْنَته : ابدأن (بميامنها) ومواضع الْوضُوء مِنْهَا . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث أم عَطِيَّة الْأَنْصَارِيَّة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بِلَفْظ : ابدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا . وَهَذِه الْبِنْت هِيَ زَيْنَب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كَذَا جَاءَت مُسَمَّاة فِي رِوَايَة لمُسلم . وَوَقع فِي سنَن أبي دَاوُد أَنَّهَا أم كُلْثُوم ، فِي حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ ، وَفِيه نظر أَيْضا ، نبه عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيّ ؛ فَإِن أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ببدر . وَأم عَطِيَّة اسْمهَا نسيبة - بِضَم النُّون وَفتحهَا .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين عَن عَوْف بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : صَلَّى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى جَنَازَة ، فَحفِظت من دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه ، وعافه واعف عَنهُ ، وَأكْرم نزله ووسع مدخله ، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد ، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس ، وأبدله دَارا خيرا من دَاره ، وَأهلا خيرا من أَهله ، وزوجًا خيرا من زوجه ، وَأدْخلهُ الْجنَّة ، وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار . حَتَّى تمنيت أَن أكون ذَلِك الْمَيِّت ؛ لدعاء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (عَلَى ذَلِك) الْمَيِّت . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم بِهَذِهِ الْحُرُوف ، وَمِنْه نقلته ، وَفِيه زِيَادَة عَلَى مَا فِي الْكتاب ، فَإِنَّهُ أسقط مِنْهُ : وَأدْخلهُ الْجنَّة وَهِي ثَابِتَة فِي صَحِيح مُسلم كَمَا سُقْنَاهَا ، وَزَاد مُسلم أَيْضا فِي رِوَايَة لَهُ : وقِهِ فتْنَة الْقَبْر ، وَعَذَاب (الْقَبْر) . والرافعي ذكر هَذِه الزِّيَادَة ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى ميت ، ففهمت من صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام : اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه ، واغسله بالبرد ، واغسله كَمَا يغسل الثَّوْب .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تبرز فخذك ، وَلَا تنظر إِلَى فَخذ حيٍّ وَلَا ميت . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي شُرُوط الصَّلَاة ؛ فَليُرَاجع مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : صَلَّى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى جَنَازَة ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا ، وصغيرنا وَكَبِيرنَا ، ذكرنَا وأنثانا ، وشاهدنا وغائبنا ، اللَّهُمَّ من أحييته منا فأحيه عَلَى الْإِسْلَام ، وَمن توفيته منا فتوفه عَلَى الْإِيمَان . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجه من هَذَا الْوَجْه ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه ، وَلَفظ أَحْمد : كَانَ إِذا صَلَّى عَلَى جَنَازَة قَالَ فَذكره ، وَلَفظ أبي دَاوُد كالأولين إِلَّا أَنه قَالَ : من أحييته منا فأحيه عَلَى الْإِيمَان ، وَمن (توفيته) منا فتوفه عَلَى الْإِسْلَام عكس رِوَايَة الْجُمْهُور ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه زَاد أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي آخِره : اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تضلنا بعده وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ذكره كَذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر اقتراحه . قَالَ الْحَاكِم : وَله شَاهد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم فَذكره بِإِسْنَادِهِ من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ : سَأَلت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ : كَيفَ كَانَت صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْمَيِّت ؟ قَالَت : كَانَ يَقُول : اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا الحَدِيث كَمَا سلف . قلت : وَشَاهد ثَان من حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه مَرْفُوعا ، رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي عمل يَوْم وَلَيْلَة وَلَفْظهمْ مثل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة إِلَى قَوْله : وأنثانا . وَشَاهد ثَالِث من حَدِيث أبي قَتَادَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا كَمَا رَوَاهُ الْجُمْهُور عَن أبي هُرَيْرَة . وَشَاهد رَابِع من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَمِعت البُخَارِيّ يَقُول : أصح الرِّوَايَات فِي هَذَا حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه قَالَ : وَسَأَلته عَن اسْم أبي إِبْرَاهِيم فَلم يعرفهُ . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : قَالَ أبي : (أَبُو) إِبْرَاهِيم وَأَبوهُ مَجْهُولَانِ . قَالَ : و(قد) توهم بعض النَّاس أَنه عبد الله بن أبي قَتَادَة ، وَهُوَ غلط ، فَإِن أَبَا قَتَادَة من بني سَلمَة ، وَأَبُو إِبْرَاهِيم رجل من بني عبد الْأَشْهَل . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَقَالَ البُخَارِيّ : أصح حَدِيث فِي الْبَاب حَدِيث عَوْف بن مَالك وَذكره مُخْتَصرا كَمَا تقدم ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ عَن التِّرْمِذِيّ (عَن البُخَارِيّ ) أَنه قَالَ : حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَأبي قَتَادَة فِي هَذَا الْبَاب غير مَحْفُوظ ، وَأَصَح شَيْء فِيهِ حَدِيث عَوْف بن مَالك . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فِي (الْبَاب) عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعَائِشَة وَأبي قَتَادَة وَجَابِر وعَوْف بن مَالك . قَالَ : وَحَدِيث وَالِد أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي حَدِيث حسن صَحِيح . (قَالَ : وَرُوِيَ أَيْضا من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا) . قَالَ : وَرَوَى عِكْرِمَة بن عمار عَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : وَهَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ ، وَعِكْرِمَة (مِمَّن يهم فِي الحَدِيث ) وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة السَّابِق ، فَقَالَ : هَذَا خطأ ، الْحفاظ لَا يَقُولُونَ أَبُو هُرَيْرَة إِنَّمَا يَقُولُونَ أَبُو سَلمَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : لَا يَقُول أَبُو هُرَيْرَة وَلَا يوصله عَن أبي هُرَيْرَة إِلَّا غير متقن وَالصَّحِيح أَنه مُرْسل . فصل : وَأما الدُّعَاء الَّذِي ذكره الشَّافِعِي وَهُوَ : اللَّهُمَّ إِن هَذَا عَبدك وَابْن عَبدك إِلَى آخِره فَلم أره مجموعًا فِي حَدِيث وَاحِد ، وَإِنَّمَا التقطه من عدَّة أَحَادِيث ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الشَّافِعِي أَخذ مَعَاني مَا جمع من الدُّعَاء .
الحَدِيث الْعَاشِر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام غسل فِي قَمِيص . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ إمامنا عَن مَالك ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غسل فِي قَمِيص . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة ، عَن أبي بردة ، عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه قَالَ : لما) أخذُوا فِي غسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ناداهم مُنَاد من الدَّاخِل : لَا تنزعوا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَمِيصه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَابْن بُرَيْدَة هَذَا هُوَ سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة (قد) سمي فِي طَرِيق آخر . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (من طَرِيقين عَن بُرَيْدَة وَقَالَ فِي كل مِنْهُمَا : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ) وَلم يخرجَاهُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق شَيْخه الْحَاكِم وَصرح فِيهِ بِأَن أَبَا بردة هُوَ بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، أحد الثِّقَات الْمخْرج لَهُم فِي الصَّحِيحَيْنِ . لَكِن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِن أَبَا بردة هَذَا هُوَ عَمْرو بن يزِيد ، وَأَنه تفرد بِهِ عَن عَلْقَمَة ، فَإِن كَانَ كَذَلِك فعمرو هَذَا ضَعَّفُوهُ . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق ، حَدثنِي حُسَيْن بن عبد الله ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس : أَنه أسْند رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى صَدره وَعَلِيهِ قَمِيصه ، وَكَانَ الْعَبَّاس وَالْفضل وَقثم يقلّبونه مَعَ عليٍّ ، وَكَانَ أُسَامَة بن زيد وَصَالح مَوْلَاهُ يصبَّانِ المَاء ، وَكَانَ يغسل بِالْمَاءِ والسدر ، ثمَّ كفنوه ، وَحضر غسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَوْس بن خوَلي وَلم يَلِ من (غسله) شَيْئا . وحسين هَذَا قد تكلم فِيهِ غير وَاحِد كَمَا ستعلمه . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث عَائِشَة قَالَت : لمّا أَرَادوا غسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالُوا : مَا نَدْرِي ، أنجرده من ثِيَابه كَمَا نجرد مَوتَانا أم نغسّله وَعَلِيهِ ثِيَابه . فَلَمَّا اخْتلفُوا ألْقَى الله - تَعَالَى - عَلَيْهِم النّوم حَتَّى مَا مِنْهُم رجل إِلَّا وذقنه فِي صَدره ، ثمَّ كَلمهمْ مُكَلم من نَاحيَة الْبَيْت - لَا يَدْرُونَ من هُوَ - أَن غسلوا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعَلِيهِ ثِيَابه . فَقَامُوا فغسلوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعَلِيهِ قَمِيص ، يصبون المَاء فَوق الْقَمِيص ويدلكونه بالقميص دون أَيْديهم ، وَكَانَت عَائِشَة تَقول : لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا غسله إِلَّا نساؤه . وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق ، وَقد صرح بِالتَّحْدِيثِ فَزَالَتْ تُهْمَة تدليسه ، وَقد أخرجه الْحَاكِم كَذَلِك وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . ذكره فِي آخر وَفَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ ، وَفِيه العنعنة عَلَى عَادَته فِي قبُول حَدِيثه بهَا ، وَفِي إِحْدَى روايتيه : وَكَانَ الَّذِي أجلسه فِي حجره عَلّي بن أبي طَالب ، أسْندهُ إِلَى صَدره ، قَالَت : فَمَا رَأَى (من) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا يرَى من الْمَيِّت وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن عبد الْملك بن جريج قَالَ : سَمِعت مُحَمَّد بن عَلّي أَبَا جَعْفَر قَالَ : غسل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاثًا بالسدر ، وَغسل وَعَلِيهِ قَمِيص ، وَغسل من بِئْر يُقَال لَهَا : (الْغَرْس) بقباء ، كَانَت لسعد بن خَيْثَمَة ، وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يشرب مِنْهَا ، وَولي سُفْلَتَهُ عَلّي ، وَالْفضل محتضنه ، وَالْعَبَّاس يصب المَاء ، فَجعل الْفضل يَقُول : أرحني قطعت (وتيني) ، إِنِّي لأجد شَيْئا يترطل عليَّ .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فاقضوا . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي صَلَاة الْجَمَاعَة فَرَاجعه مِنْهُ ثمَّ .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة من كُرْسُف بيض ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، زَاد مُسلم : أما الْحلَّة فَإِنَّمَا يشْتَبه عَلَى النَّاس فِيهَا ، إِنَّمَا اشْتريت لَهُ ليكفن فِيهَا ، فَتركت وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة ، فَأَخذهَا عبد الله بن أبي بكر فَقَالَ : لأحبسنها حَتَّى أكفن فِيهَا نَفسِي ثمَّ قَالَ : وَالله لَو رضيها الله - عَزَّ وَجَلَّ - لنَبيه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لكفنه فِيهَا فَبَاعَهَا وَتصدق بِثمنِهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أدرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حلَّة يَمَانِية كَانَت لعبد الله بن أبي بكر ، ثمَّ نزعت عَنهُ وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة يَمَانِية لَيْسَ فِيهَا عِمَامَة وَلَا قَمِيص . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : وَفِي رِوَايَة لَيست بمحفوظة فِي هَذَا الحَدِيث : وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن . وَاعْلَم أَنه ورد فِي كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رِوَايَات مُخْتَلفَة وَهَذِه أَصَحهَا : فَمِنْهَا : عَن عَائِشَة : كفن عَلَيْهِ السَّلَام فِي ثَلَاثَة أَثوَاب ، أَحدهَا برد أَحْمَر . وَهُوَ مُخَالف لما فِي الصَّحِيح كَمَا سقناه آنِفا ، مَعَ أَن فِي سَنَده عبد الله بن بشر (بن نَبهَان) الرقي ، وَقد اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ ، قَالَ الدَّارمِيّ : لَيْسَ بِذَاكَ . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي الضُّعَفَاء والثِّقَات ، وَقَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه عِنْدِي مُسْتَقِيمَة . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا بَأْس بِهِ . وَمِنْهَا : عَن أبي هُرَيْرَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما كفن (زر) عَلَيْهِ (قَمِيصه) . وَهُوَ حَدِيث مُنكر ؛ رَوَاهُ أَحْمد بن عبيد بن نَاصح ، عَن الْأَصْمَعِي ، عَن مُحَمَّد بن عون عَنهُ بِهِ ، وَأحمد هَذَا لَيْسَ بِحجَّة ، والأصمعي فِيهِ مقَال ، قَالَ (أَبُو) دَاوُد : صَدُوق . وَقَالَ ابْن معِين : لم يكن مِمَّن يكذب . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : ضَعِيف . وسَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي قطيفة حَمْرَاء . وَهُوَ بَاطِل ، رَوَاهُ ابْن عدي ، وَكَأن الرَّاوِي تصحف عَلَيْهِ دُفن بـ كُفِّن ، وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني ، وَهُوَ مُخْتَلف فِي ضعفه ، وقبِلَهُ الإِمَام أَحْمد . وَمِنْهَا : عَن (أبي) إِسْحَاق قَالَ : (سَأَلت) آل مُحَمَّد وَفِيهِمْ ابْن نَوْفَل : فِي أَي شَيْء كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَقَالُوا : فِي حلَّة حَمْرَاء ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص ، وَجعل تَحت لحده سحق قطيفة كَانَت لَهُم . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن مُحَمَّد بن عبد الله (الْحَضْرَمِيّ) ، نَا أَبُو كريب ، نَا يَحْيَى بن آدم ، عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة ، عَن أبي إِسْحَاق بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبيد الله بن مُوسَى ، ثَنَا إِسْرَائِيل ، عَن أبي إِسْحَاق قَالَ : أتيت (حَلقَة) بني عبد الْمطلب فَسَأَلت أَشْيَاخهم : فِي كم كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالُوا : فِي ثَوْبَيْنِ أحمرين ، لَيْسَ فيهمَا قَمِيص . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد أَيْضا ، لَكِن عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي كرهه بعض الْحفاظ لفرْط تشيعه ، وَإِسْرَائِيل وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّاس ، لَكِن ضعفه ابْن الْمَدِينِيّ ، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : فِي حَدِيثه لين . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب نجرانية : الْحلَّة ، وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب : فِي قَمِيصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وحلة نجرانية . الْحلَّة ثَوْبَان . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ لأجل يزِيد بن (أبي) زِيَاد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده فَإِنَّهُ تفرد بِهِ ، وَلَا يحْتَج بِهِ لضَعْفه ، لَا سِيمَا وَقد خَالف رِوَايَة الثِّقَات فِيهَا وَحَدِيث عَائِشَة الَّتِي نفت الْقَمِيص عَنهُ ، وَلَو صَحَّ فتأويله مَا سلف عَن عَائِشَة أَنَّهَا (اشترت) الْحلَّة (لَهُ) فَلم يُكفن فِيهَا ، قَالَ ابْن أبي صفرَة : قَول عَائِشَة : لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة يدل عَلَى أَن الْقَمِيص الَّذِي غسل فِيهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نزع عَنهُ حِين كفن ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قيل : لَا تنزعوا الْقَمِيص - أَي : فِي حَدِيث بُرَيْدَة السالف فِي الحَدِيث الْعَاشِر - (ليستره) وَلَا يكْشف جسده ، فَلَمَّا ستر بالكفن استغني عَن الْقَمِيص ، وَلَو لم ينْزع الْقَمِيص حِين كفن لخرج عَن حد الْوتر الَّذِي أَمر بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام ، إشعارًا للتوحيد ، وَكَانَت تكون أَرْبَعَة بِالثَّوْبِ المبلول ، ويستبشع أَن يُكفن عَلَى قَمِيص مبلول . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَلِأَن فِيهِ إفسادًا للأكفان . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح لأمور : مِنْهَا : ضعف يزِيد . وَمِنْهَا : أَن عَائِشَة أعلم بذلك . وَمِنْهَا : أَنَّهَا قد أخْبرت عَن سَبَب اشْتِبَاه ذَلِك - كَمَا تقدم - قَالَ الْحَاكِم : وَكَيف يجوز أَن يَصح مثل هَذَا الحَدِيث وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن عليٍّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَعبد الله بن مُغفل وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِي تكفين النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثَوْبَيْنِ أبيضين ، وَفِي برد أَحْمَر . رَوَاهُ أَحْمد عَن الْحجَّاج ، حَدثنِي الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ، وَالْحجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة ، وَقد سلف حَاله ، وَالْحكم لم يسمع من مقسم إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث . وَمِنْهَا : عَن الْفضل بن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس ، (عَن الْفضل بن عَبَّاس) وَيَعْقُوب هَذَا ضَعَّفُوهُ . وَمِنْهَا : عَن أبي هُرَيْرَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثوب نجراني و(ريطتين) . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه . وَمِنْهَا : عَن عليٍّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي سَبْعَة أَثوَاب . رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ابْن عقيل ، عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة ، عَن عليٍّ بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لَا نعلم أحدا تَابع ابْن عقيل عَلَى رِوَايَته هَذِه ، وَلَا (نعلم أحدا) رَوَاهُ عَن ابْن عقيل بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا حَمَّاد ، وَأعله ابْن طَاهِر فِي تَذكرته بِابْن عقيل ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر ، وَإِن أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة وَصَححهُ ، قَالَ : قد رُوِيَ فِي كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رِوَايَات مُخْتَلفَة ، وَحَدِيث عَائِشَة أصح الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي كَفنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أَن مُصعب بن عُمَيْر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قتل يَوْم أحد ، فَلم يخلف إِلَّا نمرة ، فَكَانَ إِذا غطي بهَا رَأسه بَدَت رِجْلَاهُ ، وَإِذا غطي بهَا رِجْلَاهُ بدا رَأسه ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : غطوا بهَا رَأسه وَاجْعَلُوا عَلَى رجلَيْهِ من الْإِذْخر . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث خباب بن الْأَرَت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : هاجرنا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نلتمس وَجه الله - عَزَّ وَجَلَّ - فَوَقع أجرنا عَلَى الله ؛ فمنا من مَاتَ لم يَأْكُل من أجره شَيْئا ، مِنْهُم مُصعب بن عُمَيْر قتل يَوْم أحد ، فَلم نجد مَا نكفنه بِهِ إِلَّا بردة ، إِذا غطينا بهَا رَأسه خرجت رِجْلَاهُ ، وَإِذا غطينا بهَا رجلَيْهِ خرج رَأسه ، فَأمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نغطي رَأسه ونجعل عَلَى رجلَيْهِ من الْإِذْخر . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : فَلم يُوجد لَهُ شَيْء يُكفن فِيهِ إِلَّا نمرة وَالْبَاقِي مثله . فَائِدَة : الْإِذْخر - بِكَسْر الْهمزَة وَالْخَاء - : نبت طيب الرَّائِحَة . والنَّمِرة - بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم - : ضرب من الأكسية ، وَقيل : شملة مخططة من صوف ، وَقيل : فِيهَا أَمْثَال الْأَهِلّة . وَمصْعَب بن عُمَيْر من فضلاء الصَّحَابَة والسابقين إِلَى الْإِسْلَام . وَيَوْم أحد كَانَ فِي شَوَّال سنة ثَلَاث ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة : وَكَانَت يَوْم السبت (سَابِع شَوَّال . وَخَالف فِي التَّهْذِيب وشرح الْمُهَذّب فَقَالَ : كَانَت يَوْم السبت) لإحدى عشرَة خلت مِنْهُ ، وسنتعرض لذَلِك فِي كتاب السّير ؛ حَيْثُ تعرض الرَّافِعِيّ لَهُ - (إِن شَاءَ الله) .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تغَالوا فِي الْكَفَن ؛ فَإِنَّهُ يسلب سلبًا سَرِيعا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بِهِ سَوَاء ، وَلم يُضعفهُ ، وَسَمَاع (الشّعبِيّ من عليٍّ مُخْتَلف فِيهِ ، وَفِيه مَعَ ذَلِك عَمْرو بن هَاشم الْجَنبي وَثَّقَهُ) ابْن معِين وَغَيره ، وَضَعفه مُسلم ، ووهاه ابْن حبَان ، وَقَالَ خَ : فِيهِ نظر عَن أبي إِسْحَاق . وَقَالَ أَحْمد : هُوَ صَدُوق ، لكنه لم يكن صَاحب حَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لين الحَدِيث ، يكْتب حَدِيثه . وَأما ابْن الْقطَّان وَالْمُنْذِرِي وَالنَّوَوِيّ فَإِنَّهُم قَالُوا : إِنَّه حَدِيث حسن . وَجزم عبد الْحق فِي أَحْكَامه بِأَن الشّعبِيّ رَأَى عليًّا ، وَتعقبه ابْن الْقطَّان فَقَالَ : فِيهِ نظر ، وَقد قيل للدارقطني : سمع الشّعبِيّ من عليٍّ ؟ قَالَ : سمع مِنْهُ حرفا ، مَا سمع مِنْهُ غير هَذَا . ثمَّ بسط الْكَلَام فِي ذَلِك ، وَقَالَ فِي آخِره : إِن سَمَاعه مِنْهُ مُخْتَلف فِيهِ . وَجزم الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب بِسَمَاعِهِ مِنْهُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو أَحْمد الْكَرَابِيسِي : (رَآهُ) . فَائِدَة : تغَالوا : بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة ، وَرَأَيْت بِخَط بَعضهم أَنه بإهمالها أَيْضا . وَقَوله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : (فَإِنَّهُ) يسلب سلبًا سَرِيعا أَي : ينْزع عَنهُ ، فيبدل مِنْهُ ، إِمَّا خيرا (مِنْهُ) إِن كَانَ من أهل الْخَيْر ، (وَإِمَّا) شرًّا إِن كَانَ من أهل الشَّرّ ، أَو لِأَنَّهَا تتمزق من الْمهل والصديد . قَالَه صَاحب المستعذب عَلَى الْمُهَذّب .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين أَن أم عَطِيَّة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لما غسلت أم كُلْثُوم بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَالِسا عَلَى الْبَاب ؛ فناولها إزارًا وَدِرْعًا وخمارًا وثوبين . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، وَهُوَ فِي مُسْنده عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي نوح بن حَكِيم الثَّقَفِيّ ، وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ عَن رجل من بني عُرْوَة بن مَسْعُود (يُقَال) لَهُ : دَاوُد - قد وَلدته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن لَيْلَى بنت قانف - بنُون ثمَّ فَاء - الثقفية الصحابية رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كنت فِيمَن غسل أم كُلْثُوم بنت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَكَانَ) أول مَا أَعْطَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الحقا ، ثمَّ الدرْع ، ثمَّ الْخمار ، ثمَّ الملحفة ، ثمَّ أدرجت بعد فِي الثَّوْب الآخر ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَالس عِنْد الْبَاب مَعَه كفنها ، يناولنا ثوبا ثوبا . لم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد ، فَهُوَ صَالح للاحتجاج بِهِ عِنْده ، وَأما ابْن الْقطَّان : فَإِنَّهُ أعله بِأَن قَالَ : ابْن إِسْحَاق (لَا) يُقَال لما يرويهِ : حسن إِذا لم يكن لما يرويهِ عِلّة غَيره ، فَأَما هَذَا فَإِن نوح بن حَكِيم ؛ رجل مَجْهُول الْحَال ، وَلم تثبت عَدَالَته بِكَوْنِهِ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ ، فَمَا كل قَارِئ مرضِي ، وَأما هَذَا الرجل الثَّقَفِيّ الَّذِي يُقَال لَهُ دَاوُد (فنحدس فِيهِ حدس) لَا يقطع النزاع ، وَلَا يدْخلهُ فِي بَاب من يقبل حَدِيثه ، وَذَلِكَ أَن هُنَاكَ دَاوُد بن أبي عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ ، وَهُوَ رجل مَعْرُوف ، يروي عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وجماعات ، وهو مكي ثِقَة . قَالَه أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ ، وَلَا نجزم القَوْل بِأَنَّهُ هُوَ ، وَمُوجب التَّوَقُّف فِي (ذَلِك هُوَ أَنه) الَّذِي وصف فِي الْإِسْنَاد بِأَنَّهُ قد وَلدته أم حَبِيبَة ، وَأم حَبِيبَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها إِنَّمَا كَانَت لَهَا بنت وَاحِدَة قدمت بهَا من أَرض الْحَبَشَة ، كَانَت ولدتها من زَوجهَا عبيد الله بن جحش ، وَاسم هَذِه الْبِنْت حَبِيبَة ، فَلَو كَانَ زوج حَبِيبَة هَذِه هُوَ عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود أمكن أَن يُقَال : إِن دَاوُد الْمَذْكُور ابْنه مِنْهَا ، فَهُوَ حفيد لأم حَبِيبَة ، وَهَذَا لَا نقل بِهِ ، وَلَا (تحقق) لَهُ ، بل الْمَنْقُول خِلَافه ، وَهُوَ أَن زوج حَبِيبَة هَذِه دَاوُد بن عُرْوَة بن مَسْعُود ، كَذَا قَالَ أَبُو عَلّي بن السكن وَغَيره ، فداود الَّذِي لأم حَبِيبَة عَلَيْهِ ولادَة لَيْسَ دَاوُد بن أبي عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود ، إِذْ لَيْسَ أَبُو عَاصِم زوجا لحبيبة ، وَلَا هُوَ بِدَاوُد بن عُرْوَة بن مَسْعُود ، (الَّذِي هُوَ) زوج حَبِيبَة ؛ فَإِنَّهُ لَا ولادَة لأم حَبِيبَة عَلَيْهِ ؛ فَالله أعلم من هُوَ ، فَالْحَدِيث من أَجله ضَعِيف ، هَذَا آخر كَلَامه . ونوح الَّذِي ادَّعَى جهالته ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَجعل دَاوُد الْمَذْكُور هُوَ ابْن أبي عَاصِم الثِّقَة ، وَتَبعهُ الْمزي ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده حسن ، إِلَّا رجلا وَاحِدًا لَا أتحقق حَاله ، وَقد سكت عَنهُ أَبُو دَاوُد فَلم يُضعفهُ ، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ نوح بن (حَكِيم) ، وَقد علمت حَاله ، وَجزم فِي خلاصته بِأَن إِسْنَاده حسن ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي مُخْتَصر السّنَن : هَذَا حَدِيث غَرِيب . ثمَّ قَالَ : فِيهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَفِيه مقَال ، وَأكْثر مَا عابوا عَلَيْهِ التَّدْلِيس ، وَقد صرح فِي هَذَا الحَدِيث بِالتَّحْدِيثِ ، (فيحتج) بِهِ وَيكون حسنًَا . وَقَالَ ابْن عَسَاكِر أَيْضًا فِي تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق . فَائِدَة : الحقا : بِكَسْر الْحَاء ، وَتَخْفِيف الْقَاف ، مَقْصُور ، كَذَا وَقع فِي الرِّوَايَة ، قَالَ الشَّيْخ زكي (الدَّين) : ولعلها تكون لُغَة فِي الحِقْو . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : (الحقا) : يُقَال لَهُ : الحقْو ، بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا ، وَهُوَ الْإِزَار والمئزر .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حمل جَنَازَة سعد بن معَاذ بَين العمودين . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَن بعض أَصْحَابه ، فَقَالَ كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَن الرّبيع عَنهُ : قَالَ قَائِل : لَا يحمل بَين العمودين هَذَا عندنَا مستنكر ، فَلم يرض أَن جهل مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن (يَنْقُلهُ) ، حَتَّى عَابَ قَول من قَالَ بِفعل هَذَا ، قَالَ الشَّافِعِي : وَقد رَوَاهُ بعض أَصْحَابنَا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه حمل فِي جَنَازَة سعد بن معَاذ بَين العمودين . وروينا عَن بعض أَصْحَابه (أَنهم فعلوا ذَلِك ، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم : وروينا ثبتًا عَن بعض أَصْحَابه) دون مَا رُوِيَ فِيهِ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَنا إِبْرَاهِيم بن سعد ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : رَأَيْت سعد بن أبي وَقاص فِي جَنَازَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَائِما بَين العمودين المقدمين ، وَاضِعا السرير عَلَى كَاهِله . وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط (الصَّحِيحَيْنِ) . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَنقل حمل الْجِنَازَة أَيْضا عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد عَرفته من فعل سعد ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي من فعل عُثْمَان ، وَأبي هُرَيْرَة ، وَابْن الزبير ، وَقد ذكرته بأسانيده إِلَيْهِم فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب ، فَرَاجعه مِنْهُ ، وَرَوَاهُ أَيْضا من فعل [ ابْن ] عمر ، فَقَالَ : أبنا بعض أَصْحَابنَا عَن ابْن جريج ، عَن يُوسُف بن مَاهك أَنه رَأَى ابْن عمر فِي جَنَازَة رَافع - يَعْنِي ابْن خديج - قَائِما بَين قائمتي السرير . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هِشَام بن عمار ، ثَنَا معن ، ثَنَا هَارُون مولَى قُرَيْش قَالَ : رَأَيْت الْمطلب بَين عمودي سَرِير جَابر بن عبد الله . قَالَ يَعْقُوب : كَانَ عندنَا خَارِجَة ، فَقَالَ هِشَام : جَابر . وَرَوَى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن مَاهك قَالَ : شهِدت جَنَازَة رَافع بن خديج ، وفيهَا ابْن عمر وَابْن عَبَّاس ، فَانْطَلق ابْن عمر حَتَّى أَخذ بِمقدم السرير بَين القائمتين ، فَوَضعه عَلَى كَاهِله ، ثمَّ مَشَى بهَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : وَرَوَى الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم حَدِيث ابْن عمر عَن حَمَّاد بن مدرك ، عَن ابْن جريج . وَيذكر عَن يَحْيَى بن عبد الله أَن أُسيد بن حضير مَاتَ ، ويكنى أَبَا يَحْيَى ، وَحمله عمر بَين عمودي السرير حَتَّى وَضعه .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين عَن ابْن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : إِذا تبع أحدكُم الْجِنَازَة فليأخذ بجوانب (السرير) الْأَرْبَعَة ثمَّ ليتطوع بعد أَو ليذر ؛ فَإِنَّهُ من السّنة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده ، وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من رِوَايَة أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود ، عَن أَبِيه قَالَ : من اتبع جَنَازَة فليحمل بجوانب السرير كلهَا ؛ فَإِنَّهُ من السّنة ، ثمَّ إِن شَاءَ فليتطوع ، وَإِن شَاءَ فَليدع . وَهَذَا لفظ ابْن مَاجَه ، وَلَفظ (الْأَوَّلين) مَا سلف ، وَلم يُضعفهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَهُوَ مُنْقَطع ؛ لِأَن أَبَا عُبَيْدَة لم يدْرك أَبَاهُ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْدِي ، قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده ؛ فَقيل : عَن عبيد بن نسطاس ، عَن أبي عُبَيْدَة ، رَوَاهُ كَذَلِك مَنْصُور ، وحدَّث بِهِ عَنهُ جمَاعَة . وَخَالفهُم أَبُو حنيفَة رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَرَوَاهُ عَن مَنْصُور وَوهم فِي إِسْنَاده ، جعله عَن سَالم بن أبي الْجَعْد ، عَن عبيد بن نسطاس ، عَن ابْن مَسْعُود ، وَأسْقط أَبَا عُبَيْدَة ، وَالصَّحِيح : عَن مَنْصُور عَن عبيد بِهِ . وَقيل : عَن مَنْصُور ، عَن قيس بن السكن ، عَن أبي عُبَيْدَة ، عَن أَبِيه . وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عبيد بن نسطاس ، عَن أَبِيه ، عَن أبي عُبَيْدَة ، عَن أَبِيه . قلت : وَفِي مُصَنف ابن أبي شيبَة : (ثَنَا يَحْيَى بن سعيد ، عَن ثَوْر ، عَن عَامر بن جشيب وَغَيره من أهل الشَّام ) قَالُوا : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : من تَمام أجر الْجِنَازَة أَن يشيعها من أَهلهَا ، وَأَن يحمل بأركانها الْأَرْبَعَة ، وَأَن يحثوا فِي الْقَبْر وَهَذَا إِسْنَاد جيد . وَقد جَاءَ فِي فضل من حمل السرير عَلَى هَذِه الْحَالة حَدِيث ثَوْبَان الْمَرْفُوع : من اتبع جَنَازَة فَأخذ بجوانب السرير الْأَرْبَع غفر لَهُ أَرْبَعُونَ ذَنبا كلهَا من الْكَبَائِر . وَحَدِيث أنس الْمَرْفُوع : من حمل قَوَائِم السرير الْأَرْبَع إِيمَانًا واحتسابًا (حط) الله - عَزَّ وَجَلَّ - عَنهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَة . وَلَا يصحان ، فِي الأول سوار بن مُصعب الْهَمدَانِي الْمَتْرُوك ، وَفِي الثَّانِي : عَلّي بن أبي سارة الشَّيْبَانِيّ ؛ وَهُوَ مَتْرُوك أَيْضا ؛ لَا جرم ذكرهمَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبا بكر وَعمر يَمْشُونَ أَمَام الْجِنَازَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْأَئِمَّة : أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمْ وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم عَن أَبِيه بِهِ . وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ زِيَادَة : وَعُثْمَان . وَرُوِيَ مُرْسلا عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَأهل الحَدِيث يرَوْنَ أَنه أصح . قَالَه ابْن الْمُبَارك ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : الصَّوَاب مُرْسل ، وَوَصله خطأ . وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة : يَا أَبَا مُحَمَّد ، خالفك النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث . فَقَالَ سُفْيَان : استيقن الزُّهْرِيّ ، حَدثنِي مرَارًا لست أحصيه ، سَمِعت من فِيهِ يُعِيدهُ ويبديه عَن سَالم ، عَن أَبِيه . وَلما رَوَى الطَّبَرَانِيّ : عَن ابْن الإِمَام أَحْمد ، عَن أَبِيه ، عَن حجاج بن مُحَمَّد ، عَن ابْن جريج ، عَن زِيَاد بن سعد ، عَن الزُّهْرِيّ ، حَدثنِي سَالم ، عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يمشي بَين يَدي الْجِنَازَة . وَبِه كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو بكر وَعمر يَمْشُونَ أمامها (قَالَ عبد الله ) قَالَ أبي - يَعْنِي : أَحْمد - : هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ عَن الزُّهْرِيّ مُرْسل ، وَحَدِيث سَالم فِعْلُ ابْن عمر ، وَحَدِيث ابْن عُيَيْنَة كَأَنَّهُ وهم . (وَاخْتَارَ الْبَيْهَقِيّ تَرْجِيح الْوَصْل ؛ لِأَن الَّذِي وَصله سُفْيَان وَهُوَ ثِقَة حَافظ إِمَام ، وَقد أَتَى بِزِيَادَة عَلَى من أرسل ، فَوَجَبَ تَقْدِيم قَوْله ، وتابع ابْن عُيَيْنَة عَلَى رَفعه ابنُ جريج وَزِيَاد بن سعد وَمَنْصُور وَبكر وَغير وَاحِد) وَاخْتَارَ ذَلِك ابْن حبَان قبله ، فَإِنَّهُ أخرجه فِي صَحِيحه كَمَا تقدم ، ثمَّ قَالَ : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن سُفْيَان لم يسمع هَذَا الْخَبَر من الزُّهْرِيّ . ثمَّ أخرجه من حَدِيث الْحميدِي ، نَا سُفْيَان ، نَا الزُّهْرِيّ - غير مرّة أشهد لَك عَلَيْهِ - قَالَ : أَخْبرنِي سَالم ، عَن أَبِيه قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبا بكر وَعمر يَمْشُونَ أَمَام الْجِنَازَة فَقيل لِسُفْيَان : فِيهِ وَعُثْمَان ؟ قَالَ : لَا أحفظه . قيل لَهُ : فَإِن بعض النَّاس لَا يَقُوله إِلَّا عَن سَالم . فَقَالَ : حدّثنَاهُ الزُّهْرِيّ أشهد لَك عَلَيْهِ . وَقيل لَهُ : كَانَ ابْن جريج يَقُوله كَمَا تَقوله وَيزِيد فِيهِ عُثْمَان قَالَ سُفْيَان : لم أسمعهُ ذكر عُثْمَان . ثمَّ قَالَ ابْن حبَان : ذكر الْخَبَر المدحض (قَول) من زعم أَن هَذَا الْخَبَر أَخطَأ فِيهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، ثمَّ أخرجه من حَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم : أَن عبد الله بن عمر كَانَ يمشي بَين يَديهَا ، وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَكَذَلِكَ السّنة . وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله اخْتِلَافا كثيرا فِي هَذَا الحَدِيث . وَمن ذَلِك : رِوَايَة شُعَيْب بن حَمْزَة وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ ، ثمَّ قَالَ : وَالصَّحِيح عَن الزُّهْرِيّ قَول من قَالَ : عَن سَالم ، عَن أَبِيه : أَنه كَانَ يمشي ، وَقد مَشَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو بكر وعمرُ . قَالَ : وَرُوِيَ عَن شريك ، عَن خَالِد بن ذُؤَيْب ، عَن الزُّهْرِيّ : رَأَيْت ابْن عمر (يمشي) أَمَام الْجِنَازَة . قَالَ : وَالزهْرِيّ وَإِن كَانَ لَقِي ابْن عمر فَإِن هَذَا القَوْل وهم ؛ لِأَن الْحفاظ رَوَوْهُ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم أَنه رَأَى ابْن عمر وَهُوَ الصَّوَاب . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أنس كَحَدِيث ابْن عمر ، قَالَ البُخَارِيّ : وَهِي خطأ ، ومرسلا أصح . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ آثارًا كَثِيرَة عَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِي الْمَشْي أمامها ، ثمَّ ذكر بَابا فِي الْمَشْي خلفهَا ، أَحَادِيث كلهَا ضَعِيفَة ، ثمَّ قَالَ : الْآثَار فِي الْمَشْي أمامها أَكثر و(أصح ) .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ ورد فِي الْخَبَر : أَن الْوَلَد إِذا بَقِي فِي بطن أمه أَرْبَعَة أشهر نفخ فِيهِ الرّوح . هَذَا (الحَدِيث صَحِيح) ، خبر عَظِيم الْموقع ، وَهُوَ أحد أَرْكَان الْإِسْلَام ، أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من رِوَايَة ( عبد الله) بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : حَدثنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ الصَّادِق المصدوق : إِن أحدكُم يجمع خلقه فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك ، ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك ، ثمَّ يُرْسل الْملك فينفخ فِيهِ الرّوح ، وَيُؤمر بِأَرْبَع كَلِمَات : بِكَتْب رزقه ، وأجله ، [ وَعَمله ] وشقي أَو سعيد ، فوالذي لَا إِلَه غَيره إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة ، حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع ، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها ، وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع ، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد فِي مُسْنده و(لَفظه : يس قلب الْقُرْآن ، لَا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَّا غفر لَهُ ، واقرءوها عَلَى مَوْتَاكُم ) ، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا وَالنَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ، عَن أبي عُثْمَان - وَلَيْسَ بالنهدي - عَن أَبِيه ، عَن معقل بن يسَار مَرْفُوعا ، إِلَّا النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فَإِنَّهُمَا قَالَا : عَن أبي عُثْمَان ، عَن معقل ، فأسقطا أَبَاهُ ، وأعل هَذَا الحَدِيث بِالْوَقْفِ وبالجهالة وبالاضطراب ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث أوقفهُ يَحْيَى بن سعيد وَغَيره عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ، وَالْقَوْل فِيهِ قَول ابْن الْمُبَارك ؛ إِذْ الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . ذكر ذَلِك فِي بَاب فَضَائِل الْقُرْآن من مُسْتَدْركه فِي ذكر فَضَائِل سور مُتَفَرِّقَة ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَن أَبَا عُثْمَان هَذَا لَا (نعرفه) وَلَا من رَوَى عَنهُ غير سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ، وَإِذا لم يكن هُوَ مَعْرُوفا فأبوه أبعد من أَن يعرف . وَكَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ : أَبُو عُثْمَان وَأَبوهُ ليسَا بمشهورين . وَخَالف فِي كَلَامه عَلَى تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث حسن رَوَاهُ (د س ق) وَمِنْهُم من قَالَ : عَن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه . وَمِنْهُم من قَالَ : عَن (أبي) عُثْمَان عَن معقل ، من غير ذكر أَبِيه . قلت : وَمِنْهُم من قَالَ : عَن رجل عَن معقل ، وَعَن رجل عَن أَبِيه (عَن معقل) ذكرهمَا النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ، وَالثَّانِي : الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة وشرح الْمُهَذّب : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَفِيه مَجْهُولَانِ ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد . قلت : أَبُو عُثْمَان ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَعَن ابْن الْعَرَبِيّ عَن الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد مَجْهُول الْمَتْن ، وَلَا يَصح فِي الْبَاب حَدِيث . (فَوَائِد) : الأولَى : لهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر ، ذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة سمحج الجني ، وَيُقَال : سمهج بِالْهَاءِ ، من حَدِيث عبد الله بن الْحُسَيْن المصِّيصِي قَالَ : دخلت طرسوس فَقيل : هَاهُنَا امْرَأَة قد رَأَتْ الْجِنّ الَّذِي وفدوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فأتيتها ، فأخبرتني بذلك ، وَأَن سمحج سَمَّاهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : عبد الله ، وَأَنه سَمعه يَقُول : مَا من مَرِيض تقْرَأ عِنْده يس إِلَّا مَاتَ رَيَّان وَحشر يَوْم الْقِيَامَة رَيَّان . قَالَ الْحَافِظ : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي آخر النَّوَادِر . الثَّانِيَة : قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : قَوْله : (اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُم يس) أَرَادَ بِهِ من حَضرته الْمنية ؛ (لِأَن الْمَيِّت يقْرَأ عَلَيْهِ) ، (قَالَ : وَكَذَلِكَ : لقنوا) مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله وَهَذَا الَّذِي قَالَه فِي الأول قَالَه جماعات (وَهُوَ) (مُتَعَيّن) ، وَيكون ذَلِك من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يصير إِلَيْهِ . وَأما مَا قَالَه فِي الثَّانِي : فَلَا نسلم لَهُ ، وَقد اعْتَرَضَهُ فِي ذَلِك الْمُحب الطَّبَرِيّ فَقَالَ فِي أَحْكَامه : مَا قَالَه فِي التَّلْقِين فَمُسلم . وَأما فِي قِرَاءَة يس فَذَلِك نَافِع للمحتضر وللميت . (الثَّالِثَة) : معقل رَاوِي الحَدِيث - هُوَ بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه وَكسر ثالثه - ابْن يسَار - بِفَتْح أَوله - وَمَعْقِل فِي الصَّحَابَة جمَاعَة : هَذَا ، وَابْن سِنَان الْأَشْجَعِيّ ، وَابْن خَالِد - وَيُقَال : خويلد - وَغَيرهم .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْخمسين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِقَبْر دفن لَيْلًا ، فَقَالَ : مَتى دفن هَذَا ؟ قَالُوا : البارحة . قَالَ : أَفلا آذنتموني ؟ قَالُوا : دفناه فِي ظلمَة اللَّيْل ؛ وكرهنا أَن نوقظك . فَقَامَ فصفنا خَلفه قَالَ ابْن عَبَّاس : وَأَنا فيهم ، فَصَلى عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، (رَوَاهُ) البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَلَفظ البُخَارِيّ : مَاتَ إِنْسَان كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعودهُ ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فدفنوه لَيْلًا ، فَلَمَّا أصبح أَخْبرُوهُ ، فَقَالَ : مَا منعكم أَن تعلموني ؟ قَالُوا : كَانَ اللَّيْل فكرهنا - وَكَانَت ظلمَة - أَن نشق عَلَيْك . فَأَتَى قَبره فَصَلى عَلَيْهِ وَفِي لفظ آخر : فصففنا خَلفه . قَالَ ابْن عَبَّاس : وَأَنا فيهم . وَلَفظ مُسلم مُخْتَصرا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى قبر بَعْدَمَا دفن ، وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا .
الحَدِيث الرَّابِع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ( من كَانَ) آخر كَلَامه : لَا إِلَه إِلَّا الله . دخل الْجنَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد كَذَلِك لَكِن بِلَفْظ : وَجَبت لَهُ الْجنَّة . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم بِلَفْظ المُصَنّف ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ : فِيهِ صَالح بن أبي (عريب ) ، وَلَا يعرف حَاله ، وَلَا رَوَى عَنهُ غير عبد الحميد ، وَقد غلط فِي كل مِنْهُمَا ، أما الأول : فقد ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته فقد عرفت حَاله ، وَأما الثَّانِي : فقد رَوَى عَنهُ حَيْوَة بن شُرَيْح ، وَاللَّيْث بن سعد ، وَابْن لَهِيعَة ، وَغَيرهم . كَمَا ذكره ابْن يُونُس والمزي ، لَا جرم لما أخرجه الْحَاكِم من طَرِيقه قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قلت : وَقد (جرت فِيهِ) حِكَايَة غَرِيبَة ، وَقد أَنبأَنَا بهَا الْمسند أَحْمد بن كشتغدي ، أَنبأَنَا أَبُو الْفرج عبد اللَّطِيف الْحَرَّانِي ، أبنا ابْن الْجَوْزِيّ ، أبنا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز ، أبنا أَبُو بكر الْخَطِيب ، أبنا أَبُو عَلّي عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن فضَالة ، أَنا أَبُو بكر (بن) مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان ، قَالَ : سَمِعت أَبَا جَعْفَر التسترِي يَقُول : حَضَرنَا أَبَا زرْعَة وَهُوَ فِي السِّيَاق وَعِنْده أَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن مُسلم وَالْمُنْذر بن شَاذان وَجَمَاعَة من الْعلمَاء ، فَذكرُوا حَدِيث التَّلْقِين وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام : لقنوا مَوْتَاكُم : لَا إِلَه إِلَّا الله . فاستحيوا من أبي زرْعَة وهابوا أَن يلقنوه ؛ فَقَالُوا : تَعَالَوْا نذْكر الحَدِيث . فَقَالَ مُحَمَّد بن مُسلم : نَا الضَّحَّاك بن مخلد ، عَن عبد الحميد بن جَعْفَر ، عَن صَالح . وَلم يُجَاوز ، وَقَالَ الْمُنْذر : نَا بنْدَار ، نَا أَبُو عَاصِم ، عَن عبد الحميد ، عَن صَالح ، وَلم يُجَاوز ، وَالْبَاقُونَ سكتوا ؛ فَقَالَ أَبُو زرْعَة وَهُوَ فِي السَّوق : نَا بنْدَار ، نَا أَبُو عَاصِم ، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر ، عَن صَالح بن أبي عريب ، عَن كثير بن مرّة ، عَن معَاذ بن جبل قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من كَانَ آخر كَلَامه : لَا إِلَه إِلَّا الله . دخل الْجنَّة وَتُوفِّي . و(نَا) ابْن كشتغدي أَيْضا قَالَ : أَنا الشَّيْخ محيي الدَّين يَحْيَى بن شرف النَّوَوِيّ كِتَابَة من دمشق ، أَنا الْحَافِظ أَبُو الْبَقَاء ، أَنبأَنَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد ، نَا أَبُو طَاهِر السلَفِي ، أَنا أَبُو عَلّي البرداني ، قَالَ : سَمِعت (إِبْرَاهِيم بن هناد النَّسَفِيّ يَقُول : سَمِعت) أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْقطَّان يَقُول : سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مُسلم بن (وارة) الرَّازِيّ يَقُول : حضرت مَعَ أبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ عِنْد أبي زرْعَة الرَّازِيّ وَهُوَ فِي النَّزع ، فَقلت لأبي حَاتِم : تعال حَتَّى نلقنه الشَّهَادَة . فَقَالَ أَبُو حَاتِم : إِنِّي لأستحيي من أبي زرْعَة أَن ألقنه الشَّهَادَة ، وَلَكِن تعال حَتَّى نتذاكر الحَدِيث فَلَعَلَّهُ إِذا سَمعه يَقُول . فَبَدَأت فَقلت : ثَنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل ، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر فأرتج عليَّ الحَدِيث حَتَّى كَأَنِّي مَا سمعته وَلَا قرأته ، فَبَدَأَ أَبُو حَاتِم فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بشار ، نَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل ، عَن عبد الحميد بن جَعْفَر ، فأرتج عَلَيْهِ كَأَنَّهُ مَا قَرَأَهُ ، فَبَدَأَ أَبُو زرْعَة فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بشار ، نَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل ، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر ، عَن صَالح بن أبي عريب ، عَن كثير ابن مرّة ، عَن معَاذ بن جبل قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من كَانَ آخر كَلَامه : لَا إِلَه إِلَّا الله وَخرجت روحه مَعَ الْهَاء قبل أَن يَقُول : دخل الْجنَّة . وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ . وأنبأنا الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه : أَنا الْخلال ، أَنا الْهَمدَانِي ، أَنا السلَفِي ، أَنا ابْن مَالك ، أَنا أَبُو يعْلى الْحَافِظ ، سَمِعت مُحَمَّد بن عَلّي الفرضي (يَقُول) : سَمِعت الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن مَيْمُون ، سَمِعت عمر بن إِسْحَاق الْحَافِظ ، سَمِعت (ابْن وارة) يَقُول : حضرت أَنا وَأَبُو حَاتِم عِنْد وَفَاة أبي زرْعَة إِلَى آخِره بأخصر من الأول . تَنْبِيه : غلط ابْن معن فِي تنقيبه عَلَى الْمُهَذّب ، فعزا حَدِيث معَاذ هَذَا إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَهَذَا عَجِيب ؛ فَذَاك حَدِيث آخر لَفظه فِي مُسلم : مَا من عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا حرّمه الله عَلَى النَّار . وَلَفظه فِي البُخَارِيّ : مَا من أحدٍ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صِدْقًا من قلبه إِلَّا حرمه الله عَلَى النَّار . وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان رَفعه : من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة . وَفِي أَفْرَاده (نَحوه) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعبادَة ، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه ، وَقد سلف فِي الحَدِيث قبله (برمتِهِ) وَفِي مُسْند أَحْمد ومُسْتَدْرك الْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ من رِوَايَة يَحْيَى بن طَلْحَة بن عبيد الله ، عَن [ أَبِيه ] أَن عمر رَأَى طَلْحَة كئيبًا ، فَقَالَ لَهُ : مَا لَك ، لَعَلَّك ساءتك [ إِمَارَة ] ابْن عمك ؟ قَالَ : لَا . وَأَثْنَى عَلَى أبي بكر ، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : كلمة لَا يَقُولهَا عبد عِنْد مَوته إِلَّا فرج الله عَنهُ كربته وأشرق لَونه . فَمَا مَنَعَنِي أَن (أسأله) عَنْهَا إِلَّا الْقُدْرَة عَلَيْهَا ، حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ عمر : إِنِّي لأعرفها . قَالَ طَلْحَة : وَمَا هِيَ ؟ فَقَالَ لَهُ عمر : هَل تعلم كلمة هِيَ أعظم من كلمة أَمر بهَا (عَمه) لَا إِلَه إِلَّا الله ؟ فَقَالَ طَلْحَة : هِيَ وَالله (هِيَ) . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب ، عَن أَبِيه ، عَن جده - وَهُوَ مَالك الثَّقَفِيّ - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من لُقِّن عِنْد الْمَوْت شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة . ذكره فِي تَرْجَمَة مَالك وَقَالَ : هُوَ أَبُو السَّائِب الثَّقَفِيّ جد عَطاء . وَفِي تَلْخِيص الْمُتَشَابه لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب عَن حُذَيْفَة : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ : من ختم لَهُ بِلَا إِلَه إِلَّا الله محتسبًا عَلَى الله - عَزَّ وَجَلَّ - دخل الْجنَّة . وَفِيه أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود رَفعه : من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ عَن جَابر رَفعه : من ختم لَهُ عِنْد مَوته بِلَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : رِوَايَته عَن جَابر عَن معَاذ مَرْفُوعا هُوَ الصَّوَاب ، وفيهَا أَيْضا : عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : و (من) قَالَ عِنْد الْمَوْت : لَا إِلَه إِلَّا الله . وَجَبت لَهُ الْجنَّة . ثمَّ قَالَ : إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى عَلَى قبر الْبَراء بن معْرور بعد شهر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي مُحَمَّد بن معبد بن أبي قَتَادَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى عَلَى قبر الْبَراء بن معْرور بعد مَوته بِسنة قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا وجدته فِي كتابي ، وَالصَّوَاب : بعد شهر قَالَ : وَهَذَا مُرْسل . قَالَ : قد رُوِيَ عَن يَحْيَى بن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه مَوْصُولا دون التَّأْقِيت . ثمَّ رَوَى من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى قبر بعد شهر ثمَّ نقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : (تفرد) بِهِ بشر بن آدم ، وَخَالفهُ غَيره أَن نقل : بَعْدَمَا دفن ، وَقيل : بعد لَيْلَتَيْنِ وَقيل : بِثَلَاث . (فَائِدَة : معْرور : بِعَين وَرَاء مهملات ، يُقَال : عيره بشر ، أَي : لعِلَّة ، فَهُوَ معرو ، وَمِنْه : قَوْله تَعَالَى : فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلم تنقل الزِّيَادَة عَلَيْهِ . قلت : بلَى ، وَقد سلف أَنه رُوِيَ : بعد سنة ، وَإِن كَانَ الصَّوَاب خِلَافه ، وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب أَن أم سعد مَاتَت وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَائِب ، فَلَمَّا قدم صَلَّى عَلَيْهَا وَقد مَضَى لذَلِك شهر وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَلَفظه أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَيْهَا بعد مَوتهَا بِشَهْر ثمَّ قَالَ : وَهُوَ مُرْسل صَحِيح .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لقنوا مَوْتَاكُم قَول : لَا إِلَه إِلَّا الله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَرَوَاهُ بِدُونِ لَفْظَة قَول مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ، وهما من أَفْرَاده ، وَغلط ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد فَجعل الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ ، وَغلط الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي شَرحه للتّنْبِيه فَادَّعَى أَنه من الْمُتَّفق عَلَيْهِ ، فاجتنب كل ذَلِك . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ مُسلم وَزِيَادَة : فَإِنَّهُ من كَانَ آخر كَلَامه : لَا إِلَه إِلَّا الله . عِنْد الْمَوْت دخل الْجنَّة يَوْمًا من الدَّهْر ، وَإِن أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ . وَله طرق أخر : أَحدهَا : من حَدِيث عَائِشَة ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ الرَّافِعِيّ ، وَفِي (لفظ) : هلْكاكم بدل مَوْتَاكُم . ثَانِيهَا : من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه بِلَفْظ : لقنوا مَوْتَاكُم : لَا إِلَه إِلَّا الله ، الْحَلِيم الْكَرِيم ، سُبْحَانَ الله رب الْعَرْش الْعَظِيم ، الْحَمد لله رب الْعَالمين . [ قَالُوا : يَا ] رَسُول الله : كَيفَ الْأَحْيَاء ؟ قَالَ : أَجود وأجود . ثَالِثهَا ، وَرَابِعهَا ، وخامسها : من حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس ، وَابْن مَسْعُود ، وَعَطَاء بن السَّائِب عَن أَبِيه عَن جده ، رواهن الطَّبَرَانِيّ ، وَسَيَأْتِي الثَّالِث قَرِيبا . سادسها : من حَدِيث ابْن عمر ، (رَوَاهُ) المستغفري فِي دعواته بِلَفْظ : لقنوا مَوْتَاكُم أَن يَقُولُوا : لَا إِلَه إِلَّا الله . فَإِنَّهُ لَيْسَ مُؤمن يَقُولهَا عِنْد الْمَوْت إِلَّا لقن . وَفِي رِوَايَة لَهُ : من لقن : لَا إِلَه إِلَّا الله . عِنْد الْمَوْت دخل الْجنَّة . وَرُوِيَ فِي هَذَا الْكتاب حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف بِلَفْظ : لقنوا مَوْتَاكُم : لَا إِلَه إِلَّا الله . فَإِنَّهَا خَفِيفَة عَلَى اللِّسَان ، ثَقيلَة فِي الْمِيزَان ، وَلَو جعلت كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله فِي كفة ، وَجعلت السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ فِي كفة لرجحت بِهن لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي لفظ لَهُ : لقنوا مَوْتَاكُم : لَا إِلَه إِلَّا الله . وَلَا تملوهم . سابعها : من حَدِيث عُرْوَة بن مَسْعُود ، رَوَاهُ الْعقيلِيّ وَقَالَ : فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث السَّادِس بعد الْخمسين قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَوْجِيه عدم الصَّلَاة عَلَى قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لِأَنَّهُ رُوِيَ (فِي الْخَبَر) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَنا أكْرم عَلَى رَبِّي من أَن يتركني فِي قَبْرِي بعد ثَلَاث . هَذَا الحَدِيث تبع الرَّافِعِيّ فِي إِيرَاده الإِمَام ؛ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي نهايته ، ثمَّ قَالَ بعد : وَرُوِيَ أَكثر من يَوْمَيْنِ وَلَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ ، وَذكره بعض من (أدركناه) مِمَّن صنف فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - فِي قُبُورهم فَلم يعزه ، وَفِي كتاب حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم بعد مَوْتهمْ لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي الرّبيع الزهْرَانِي ، نَا إِسْمَاعِيل بن طَلْحَة بن يزِيد ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، [ عَن ثَابت ] عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْأَنْبِيَاء لَا يتركون فِي قُبُورهم بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، وَلَكنهُمْ يصلونَ بَين يَدي الله - تَعَالَى - حَتَّى ينْفخ فِي الصُّور . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِن صَحَّ بِهَذَا اللَّفْظ فَالْمُرَاد بِهِ - وَالله أعلم - : لَا يتركون لَا يصلونَ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار ، ثمَّ يكونُونَ مصلين فِيمَا بَين يَدي الله تَعَالَى . كَمَا أَنا وسَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث الْحسن بن قُتَيْبَة الْمَدَائِنِي ، ثمَّ حَدثنَا [ المستلم ] بن سعيد الثَّقَفِيّ ، عَن الْحجَّاج بن الْأسود ، عَن ثَابت الْبنانِيّ ، عَن أنس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا يعد فِي أَفْرَاد الْحسن بن قُتَيْبَة الْمَدَائِنِي . قلت : ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَأما ابْن السكن فَذكر الحَدِيث من وَجْهَيْن فِي سنَنه الصِّحَاح قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي بكير ، عَن [ المستلم ] بن سعيد بِهِ ، قَالَ (أَعنِي الْبَيْهَقِيّ فِي غير هَذَا الْكتاب : وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح . وَهُوَ كَمَا قَالَ) ؛ لِأَن رِجَاله كلهم ثِقَات ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ من وَجه آخر عَن أنس مَوْقُوفا : الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ . ثمَّ أسْندهُ من حَدِيث مُؤَمل ، نَا (عبيد الله) بن أبي حميد الْهُذلِيّ ، عَن أبي الْمليح ، عَن أنس بِهِ . قَالَ : وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ رفع أَجْسَادهم مَعَ أَرْوَاحهم ؛ فقد رَوَى سُفْيَان الثَّوْريّ فِي جَامعه فَقَالَ : قَالَ شيخ (لنا) عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : مَا (مكث) نَبِي فِي قَبره أَكثر من أَرْبَعِينَ ليلةٍ حَتَّى يُرْفع . قلت : وَهَذَا مَشْهُور عَن ابْن الْمسيب ، وَقد اشْتهر أَن جِدَار قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (انْهَدم) أَيَّام خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَولَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز عَلَى الْمَدِينَة ، بَدَت لَهُم قدم فخافوا أَن تكون قدم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وهالهم أمرهَا وجزعوا ، حَتَّى رَوَى لَهُم سعيد بن الْمسيب أَن جثث الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم لَا (تقيم) أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الأَرْض ، ثمَّ ترفع . وَجَاء سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فَعرف أَنَّهَا قدم جده عمر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فعلَى هَذَا يصيرون كَسَائِر الْأَحْيَاء ، تكون حَيْثُ ينزلهم الله - تَعَالَى - لما روينَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج وَغَيره : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره ، ثمَّ رَآهُ مَعَ سَائِر الْأَنْبِيَاء فِي بَيت الْمُقَدّس ، ثمَّ رَآهُمْ فِي السَّمَاوَات وَالله - تَعَالَى - فعال لما يُرِيد . قلت : وَفِي الموضوعات لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ من حَدِيث أنس (رَفعه) : مَا من نَبِي يَمُوت فيقيم فِي قَبره إِلَّا أَرْبَعِينَ صباحًا ، حَتَّى يرد الله إِلَيْهِ روحه . ثمَّ قَالَ : قَالَ ابْن حبَان : هَذَا حَدِيث بَاطِل مَوْضُوع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ولحياة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم بعد مَوْتهمْ شَوَاهِد من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة . ثمَّ ذكر حَدِيث أنس الثَّابِت فِي صَحِيح مُسلم : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لَيْلَة أسرِي بِهِ مر عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبره . وَفِي لفظ : مَرَرْت عَلَى مُوسَى وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي قَبره . وَفِي لفظ : أتيت عَلَى مُوسَى لَيْلَة أسرِي بِي عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِيهِ أَيْضا قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لقد رَأَيْتنِي فِي الْحجر وَأَنا أخبر قُريْشًا (عَن) مسراي ، فسألوني عَن أَشْيَاء من بَيت الْمُقَدّس لم أثبتها ، فكربت كربًا لم أكرب مثله قطّ ، فرفعه الله لي أنظر إِلَيْهِ ؛ فَمَا سَأَلُونِي (عَن) شَيْء إِلَّا أنبأتهم بِهِ ، وَلَقَد رَأَيْتنِي فِي جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء ، فَإِذا مُوسَى قَائِم يُصَلِّي ، وَإِذا رجل ضرب جعد كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة ، وَإِذا عِيسَى ابْن مَرْيَم قَائِم يُصَلِّي ، أقرب النَّاس مِنْهُ شبها عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ ، وَإِذا إِبْرَاهِيم قَائِم يُصَلِّي ، أشبه النَّاس بِهِ صَاحبكُم - يَعْنِي : نَفسه - فحانت الصَّلَاة ، فأممتهم ، فَلَمَّا فرغت من الصَّلَاة قَالَ قَائِل : يَا مُحَمَّد ، هَذَا مالكٌ صَاحب النَّار يسلم عَلَيْك ، فَالْتَفت إِلَيْهِ فبدأني بِالسَّلَامِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي حَدِيث ابْن الْمسيب أَنه لَقِيَهُمْ فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس . وَفِي حَدِيث أبي (ذَر ) وَمَالك بن صعصعة فِي قصَّة الْمِعْرَاج أَنه لَقِيَهُمْ فِي جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَاوَات ، [ وكلمهم وكلموه ] . وكل ذَلِك صَحِيح ، لَا يُخَالف بعضه بَعْضًا ، فقد يرَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره ، ثمَّ يُسرى بمُوسَى وَغَيره إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَمَا أسرِي بنبينا ، فَرَآهُمْ فِيهِ ، ثمَّ يعرج بهم إِلَى السَّمَاوَات كَمَا عرج بنبينا (فَرَآهُمْ) فِيهَا ، كَمَا أخبر (بحلولهم) فِي أَوْقَات ، (بمواضع) مختلفات ، جَائِز فِي الْعقل ، كَمَا ورد بِهِ الْخَبَر الصَّادِق ، وَفِي كل ذَلِك دلَالَة عَلَى حياتهم . قَالَ : وَمِمَّا يدل عَلَى ذَلِك حَدِيث أَوْس بن أَوْس قَالَ : قَالَ لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة ؛ فِيهِ خُلق آدم ، وَفِيه قبض ، وَفِيه النفخة ، وَفِيه الصعقة ، فَأَكْثرُوا عَلّي من الصَّلَاة فِيهِ ، فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَلّي قَالُوا : وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت - يَقُولُونَ : بليت - ؟ قَالَ : فَإِن الله - عَزَّ وَجَلَّ - حرم عَلَى الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه قَالَ : وَله شَوَاهِد ، مِنْهَا : حَدِيث أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : أَكْثرُوا الصَّلَاة عَلّي فِي يَوْم الْجُمُعَة ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُصَلِّي عَلّي أحد يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا عرضت عَلّي صلَاته . وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا : أَكْثرُوا الصَّلَاة عليَّ يَوْم الْجُمُعَة ، فَإِنَّهُ مشهود ، تشهده الْمَلَائِكَة ، وَإِن أحدا لن يُصَلِّي عَلّي إِلَّا عرضت عَلّي صلَاته حَتَّى يفرغ مِنْهَا . قَالَ : قلت : بعد الْمَوْت ؟ قَالَ : إِن الله - عَزَّ وَجَلَّ - حرم عَلَى الأَرْض أكل أجساد الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم السَّلَام - فَإِن نَبِي الله حَيّ يرْزق . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن (أَيمن) ، عَن عبَادَة بن نسي ، عَن أبي الدَّرْدَاء ، وَإِسْنَاده حسن ، إِلَّا أَنه غير مُتَّصِل ، قَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه : زيد عَن (عبَادَة) مُرْسل . وَحَدِيث أبي أُمَامَة مَرْفُوعا : أَكْثرُوا عَلَي من الصَّلَاة فِي كل يَوْم (جُمُعَة) ؛ فَإِن صَلَاة أمتِي تعرض عَلّي فِي كل يَوْم (جُمُعَة) ، من كَانَ أَكْثَرهم عَلّي صَلَاة كَانَ أقربهم مني منزلَة يَوْم الْقِيَامَة . وَحَدِيث أنس بن مَالك مَرْفُوعا : إِن أقربكم مني يَوْم الْقِيَامَة فِي كل موطن أَكْثَرَكُم صَلَاة عَلّي فِي (الدُّنْيَا) ، من صَلَّى عَلّي فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة قَضَى الله لَهُ مائَة حَاجَة ؛ سبعين من حوائج (الدُّنْيَا) ، وَثَلَاثِينَ من حوائج (الْآخِرَة) ، ثمَّ يُوكل الله بذلك ملكا يدْخلهُ فِي قَبْرِي كَمَا تدخل عَلَيْكُم الْهَدَايَا ، يُخْبِرنِي من صَلَّى عَلّي باسمه وَنسبه إِلَى (عشيرته) ، فأثبته عِنْدِي فِي صحيفَة بَيْضَاء . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبورًا وَلَا تجْعَلُوا قَبْرِي عيدًا ، وصلوا عَلّي فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني حَيْثُ كُنْتُم وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا مَرْفُوعا مَا من أحد يسلم عَلّي إِلَّا رد الله إِلَيّ روحي حَتَّى أرد عَلَيْهِ السَّلَام . قلت : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد ، وَالْمرَاد بِالروحِ هُنَا النُّطْق مجَازًا ، فَتنبه لَهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي هَذَا الْمَعْنى حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا : إِن لله - تَعَالَى - مَلَائِكَة سياحين فِي الأَرْض ، يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام . وحَدِيث ابْن عَبَّاس لَيْسَ أحد من أمة مُحَمَّد يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاة إِلَّا وَهِي تبلغه ، (يَقُول) : فلَان يُصَلِّي عَلَيْك كَذَا وَكَذَا صَلَاة . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : من صَلَّى عَلّي عِنْد قَبْرِي سمعته ، وَمن صلي عَلّي نَائِيا (بلغته) . فِي إِسْنَاد هَذَا نظر ، و(مَضَى) مَا يؤكده ، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى سُلَيْمَان بن (عُثْمَان ) قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي النّوم ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، هَؤُلَاءِ الَّذين يأتونك فيسلمون عَلَيْك ؛ أتفقه سلامهم ؟ قَالَ : نعم ، وأرد عَلَيْهِم . قَالَ : وَمِمَّا يدل عَلَى حياتهم مَا (رَوَاهُ) البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح (عَن) أبي هُرَيْرَة فِي الرجلَيْن اللَّذين اسْتَبَّا ، حِين قَالَ الْمُسلم : وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالمين . واليهودي الَّذِي قَالَ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالمين . وصكه الْمُسلم ، قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تخيروني عَلَى مُوسَى ؛ فَإِن النَّاس يصعقون ، فَأَكُون أول من يفِيق ، فَإِذا مُوسَى باطش بِجَانِب الْعَرْش ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّن صُعق [ فأفاق ] من قبلي ، أم كَانَ مِمَّن اسْتثْنى الله - عَزَّ وَجَلَّ وَحَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تفضلوا بَين (أَنْبيَاء) الله - تَعَالَى - فَإِنَّهُ ينْفخ فِي الصُّور فيصعق من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله ، ثمَّ ينْفخ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُون أول من بعث ، فَإِذا مُوسَى آخذ بالعرش ، لَا أَدْرِي أحوسب (بصعقته) يَوْم الطّور ، أم بعث قبلي . فَهَذَا إِنَّمَا يَصح عَلَى (أَن الله - تَعَالَى ، جلّ ثَنَاؤُهُ - رد) إِلَى الْأَنْبِيَاء أَرْوَاحهم ، وهم أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء ، فَإِذا نفخ فِي الصُّور النفخة الأولَى صعقوا فِيمَن صعق ، وَلَا يكون ذَلِك موتا فِي جَمِيع مَعَانِيه إِلَّا فِي ذهَاب (الِاسْتِثْنَاء) ، فَإِن كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِيمَن اسْتثْنى الله - تَعَالَى - بقوله : (إِلَّا من شَاءَ الله) فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يذهب اسْتِثْنَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْحَالة وَيُحَاسب بصعقة يَوْم الطّور . وَيُقَال : إِن الشُّهَدَاء مِمَّن اسْتثْنى الله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله : (إِلَّا مَنْ شَاءَ الله) وروينا فِيهِ خَبرا مَرْفُوعا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي كِتَابه دَلَائِل النُّبُوَّة : الْأَنْبِيَاء أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء . وَقَالَ فِي كتاب الِاعْتِقَاد : والأنبياء بَعْدَمَا قبضوا ردَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحهم ، فهم أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء . قلت : وَقد أطلنا فِي هَذَا الْموضع لكَونه من الْمَوَاضِع المهمة ، فَلَا تسأم من طوله ، ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك أمرا غَرِيبا فِي كَلَام الْغَزالِيّ فِي كتاب كشف عُلُوم الْآخِرَة فَإِنَّهُ ذكر الحَدِيث الَّذِي أوردهُ الرَّافِعِيّ بِلَفْظ : قَالَ (: إِنِّي أكْرم عِنْد الله من أَن يدعني فِي الأَرْض أَكثر من ثَلَاث . ثمَّ قَالَ : وَكَأن الثَّلَاث عشرات ، لِأَن الْحُسَيْن قتل عَلَى رَأس السِّتين ، فَغَضب عَلَى أهل الأَرْض ، وعرج بِهِ إِلَى أهل السَّمَاء . هَذَا لَفظه ، وَهُوَ عَجِيب غَرِيب ؛ ذكرته ليعرف .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا نَام أحدكُم فليتوسد يَمِينه . هَذَا الحَدِيث أسْندهُ ابْن عَسَاكِر فِي تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، عَن عبيد بن عمر ، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا أَوَى أحدكُم إِلَى فرَاشه فلينزع (دَاخِلَة) (إزَاره) فلينفض فرَاشه ، ثمَّ ليتوسد يَمِينه وَذكر الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ ، أخرجه الْجَمَاعَة . قلت : الْجَمَاعَة أَخْرجُوهُ بِدُونِ مَوضِع الْحَاجة مِنْهُ ، وَهِي ثمَّ ليتوسد يَمِينه . وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي كَامِله فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْبَاهِلِيّ ، من حَدِيث الْبَراء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : إِذا أَخذ أحدكُم مضجعه فليتوسد يَمِينه ، وَليقل : بِاسم الله ، اللَّهُمَّ إِنِّي أسلمت نَفسِي إِلَيْك الحَدِيث . قَالَ ابْن عدي : وَمُحَمّد هَذَا لَا يُتَابع فِي حَدِيثه ، وَهُوَ عِنْدِي لَا بَأْس بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الدَّعْوَات من حَدِيث فطر بن خَليفَة ، عَن (سعد) بن عُبَيْدَة قَالَ : سَمِعت الْبَراء يَقُول : قَالَ لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا أويت إِلَى فراشك طَاهِرا فتوسد يَمِينك ، ثمَّ قل : اللَّهُمَّ (إِنِّي) أسلمت نَفسِي إِلَيْك الحَدِيث . وَحَدِيث الْبَراء ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظ : ( قَالَ لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا أتيت مضجعك فَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة ، ثمَّ اضْطجع عَلَى شقك الْأَيْمن ، وَقل : اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي إِلَيْك إِلَى آخِره . وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن الْبَراء : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أَوَى إِلَى فرَاشه نَام عَلَى شقَّه الْأَيْمن ، ثمَّ (يَقُول) : اللَّهُمَّ أسلمت نَفسِي (إِلَيْك) الحَدِيث . وَفِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة للنسائي وجَامع التِّرْمِذِيّ عَن الْبَراء أَيْضا قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يتوسد يَمِينه عِنْد الْمَنَام ، ثمَّ يَقُول : رب قني عذابك يَوْم تبْعَث عِبَادك . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . غَرِيب من هَذَا الْوَجْه . وَفِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة للنسائي أَيْضا وشمائل التِّرْمِذِيّ ومُسْند الإِمَام أَحْمد عَن عبد الله بن يزِيد الْأنْصَارِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا نَام وضع يَده الْيُمْنَى تَحت خَدّه الحَدِيث . وَفِي (الْأَوَّلين) وابْن مَاجَه من حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَن ابْن مَسْعُود أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا أَخذ مضجعه وضع يَمِينه تَحت خدِّه . وَفِيه انْقِطَاع ؛ لِأَن أَبَا عُبَيْدَة لم يدْرك أَبَاهُ . وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث حَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يرقد وضع يَده الْيُمْنَى تَحت خدِّه الحَدِيث . وَفِي مُسْند أَحْمد : ( أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يرقد وضع يَده الْيُمْنَى تَحت خَدّه الحَدِيث) وفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث حُذَيْفَة مثله ، وَقَالَ : حسن صَحِيح . وَفِي دَلَائِل النُّبُوَّة للبيهقي من حَدِيث أبي قَتَادَة كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا عرس وَعَلِيهِ ليل توسد يَمِينه ، وَإِذا عرس قرب الصُّبْح وضع رَأسه عَلَى كَفه الْيُمْنَى وَأقَام ساعده .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْخمسين قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَوْجِيه عدم الصَّلَاة عَلَى قَبره أَيْضا : لما رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى ؛ اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أَخْرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، وَفِيهِمَا أَنه قَالَ ذَلِك عِنْد وَفَاته . وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قبل أَن يَمُوت بِخمْس وَهُوَ يَقُول : أَلا (فَلَا) تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد ، إِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك . وَرَوَى مُسلم أَيْضا عَن أبي مرْثَد الغنوي ، واسْمه كناز - بالنُّون الْمُشَدّدَة وَالزَّاي - ابن الْحصين أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تجلسوا عَلَى الْقُبُور ، وَلَا تصلوا إِلَيْهَا .
كتاب الْجَنَائِز كتاب الْجَنَائِز ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا . أمَّا الْأَحَادِيث فمائة حَدِيث و(نَيف) . الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات ، الْمَوْت . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، (رَوَاهُ) أَحْمد فِي مُسْنده وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجه فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بأسانيد صَحِيحَة عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان : فَمَا ذكره عبد قطّ وَهُوَ فِي ضيق إِلَّا وَسعه عَلَيْهِ ، وَلَا ذكره فِي سَعَة إِلَّا ضيَّقه عَلَيْهِ . وَفِي لفظ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يكثر أَن يَقُول : أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب . ذكره فِي الزّهْد من جَامعه ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر مُسْتَدْركه فِي أثْنَاء كتاب الرقَاق : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَقَالَ الْحَافِظ ابْن طَاهِر فِي تَخْرِيجه أَحَادِيث الشهَاب : هَذَا حَدِيث غَرِيب صَحِيح ؛ لِأَن مُسلما أخرج لمُحَمد بن عَمْرو عَن أبي سَلمَة حَدِيثا . وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي مَوضِع ، وَالَّذين رووا عَنهُ هَذَا الحَدِيث ثِقَات ، قَالَ : فَيكون عَلَى شَرط مُسلم ، إِلَّا أَن يكون لَهُ عِلّة خفيت . قلت : ولعلها مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله أَنه رُوِيَ عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَعَن أبي سَلمَة مَرْفُوعا مُرْسلا ، وَأَنه الصَّحِيح . وَأبْعد ابْن الْجَوْزِيّ فَذكر هَذَا الحَدِيث فِي علله ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يثبت ؛ فَإِن مَدَاره عَلَى مُحَمَّد بن عَمْرو اللَّيْثِيّ ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : مَا زَالَ النَّاس يَتَّقُونَ حَدِيثه . هَذَا كَلَامه وَلَا يُتابع عَلَيْهِ ، بل هُوَ حَدِيث حسن كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ ، وصحيح كَمَا قَالَه ابْن حبَان وَالْحَاكِم وَابْن طَاهِر وهم أعلم مِنْهُ وَأجل ، وَمُحَمّد بن عَمْرو هَذَا من فرسَان الصَّحِيحَيْنِ ، وَقد وَثَّقَهُ يَحْيَى مرّة أُخْرَى كَمَا نَقله عَنهُ فِي ضُعَفَائِهِ ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته (وليَّنهَ) ، ذكره من حَدِيث أنس : أَكْثرُوا ذكر هاذم اللَّذَّات - يَعْنِي : الْمَوْت . وَأعله (بِأَنَّهُ حَدثهُ) بذلك ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : هُوَ حَدِيث بَاطِل ، لَا أصل لَهُ . عَلَى أَن (ابْن) السكن أخرجه فِي صحاحه ، وَهَذَا لَفظه عَن أنس قَالَ : مر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِمَجْلِس من الْأَنْصَار وهم يَضْحَكُونَ ، فَقَالَ : أَكْثرُوا من ذكر هاذم اللَّذَّات . (و) ذكره من حَدِيث خَالِد بن جميل (عَن) يَحْيَى بن سعيد (عَن سعيد) بن الْمسيب ، عَن عمر . ذكره ابْن طَاهِر فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشهَاب (وَقَالَ : من قبل خَالِد فِيهِ) ، وَفِيهِمْ جَهَالَة ، وَسَعِيد بن الْمسيب لم يلق عمر ، وَلَا تصح رِوَايَته عَنهُ . وَذكره الْبَغَوِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه ، مُرْسلا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَائِدَة : هاذم اللَّذَّات : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة لَيْسَ إِلَّا ، والهذم : الْقطع ، قَالَ الْجَوْهَرِي : الهاذم - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - : الْقَاطِع (كَمَا قَالَه الفاكهي فِي (شَرحه) ، وَكَذَا ذكره السُّهيْلي فِي رَوْضِهِ فِي غَزْوَة أحد عِنْد قتل وَحشِي لِحَمْزَة أَن الرِّوَايَة فِيهِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة . وَأما بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاه : المزيل للشَّيْء من أَصله ، وَلَيْسَ مرَادا هُنَا .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يدْفن أَصْحَابه فِي الْمَقَابِر . هَذَا (الحَدِيث) صَحِيح متواتر ، وَمن تدبر الْأَحَادِيث وجد ذَلِك ، وَمِنْهَا الحَدِيث الصَّحِيح : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَتَى الْمقْبرَة فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين الحَدِيث بِطُولِهِ .
الحَدِيث (الْحَادِي) بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بِغسْل أَبِيه أبي طَالب . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم من حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن نَاجِية بن كَعْب الْكُوفِي ، عَن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : لما مَاتَ أَبُو طَالب أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقلت : إِن عمك الضال قد مَاتَ . فَقَالَ : انْطلق فواره ، وَلَا تُحدِثن حَدثا حَتَّى تَأتِينِي . فَانْطَلَقت فواريته ، فَأمرنِي فاغتسلت فَدَعَا لي) زَاد الْبَزَّار بدعوات ، مَا يسرني أَن لي بهَا حمر النعم وسودها ) وَلأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ : قَالَ لي قولا مَا أحب أَن لي بِهِ الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة : مَا يسرني أَن لي بِهن مَا عَلَى الأَرْض من شَيْء وَرَوَاهُ أَحْمد عَن وَكِيع عَن سُفْيَان ، وَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد عَن يَحْيَى بن سعيد (عَن سُفْيَان) وَالنَّسَائِيّ عَن عبيد الله بن سعيد ثَنَا يَحْيَى عَن سُفْيَان قَالَ : حَدثنِي أَبُو إِسْحَاق ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن ابْن مثنى عَن غنْدر عَن شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق ، وَهَذِه أَسَانِيد جَيِّدَة . وَنَاجِيَة قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ : شيخ . قَالَ الذَّهَبِيّ : وَلَا أَدْرِي لماذا توقف فِيهِ ابْن حبَان . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : رَوَاهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَإِسْرَائِيل وَشريك وَزُهَيْر وَقيس وورقاء وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن أبي إِسْحَاق عَن نَاجِية (عَن عَلّي) وَخَالفهُم الْحُسَيْن بن وَاقد و[ أَبُو ] حَمْزَة السكرِي فروياه عَن أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَلّي ، ووهما فِي ذكر (الحَدِيث) ، وَذكر فِيهِ من الِاخْتِلَاف غير هَذَا ، ثمَّ قَالَ : وَالْمَحْفُوظ قَول الثَّوْريّ وَشعْبَة وَمن تابعهما عَن أبي إِسْحَاق عَن نَاجِية عَن عَلّي ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ فرات الْقَزاز عَن نَاجِية أَيْضا ، وَرَوَى (نَحوه) عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى عَن عَلّي وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن نَاجِية عَن عَلّي ، ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ أَيْضا الثَّوْريّ وَشعْبَة وَشريك عَن أبي إِسْحَاق (وَرَوَاهُ) الْأَعْمَش عَنهُ عَن رجل عَن عَلّي ثمَّ قَالَ : وَنَاجِيَة هَذَا لم تثبت عَدَالَته عِنْد صَاحِبي الصَّحِيح ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنه غسله . قَالَ : وَلَا نعلم أحدا رَوَى عَن نَاجِية غير أبي إِسْحَاق . قلت : وَرَوَى عَنهُ أَبُو حسان الْأَعْرَج وَيُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي . ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف هَكَذَا . ثمَّ سَاقه وَبَين ضعفه ، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث أُسَامَة وَقَالَ : مُنكر لَا أصل لَهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد . قَالَ : وَرُوِيَ عَن عَلّي من أوجه أخر هَكَذَا ، وَإِسْنَاده ضَعِيف ، وَيروَى عَن عَلّي من قَوْله وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ (ثمَّ) رَوَاهُ من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن الْحَارِث عَن عَلّي ، ثمَّ قَالَ : هَذَا غلط وَالْمَشْهُور عَن أبي إِسْحَاق عَن نَاجِية عَن عَلّي . قَالَ : وَرُوِيَ فِي ذَلِك عَن الْحَارِث عَن عَلّي من قَوْله . وَحَاصِل كَلَام الْبَيْهَقِيّ تَضْعِيفه وَقَالَ (الإِمَام) الرَّافِعِيّ فِي كتاب الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة : إِنَّه حَدِيث ثَابت مَشْهُور ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَصَاحب السّنَن . هَذَا لَفظه (فَالله أعلم ) .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دفن فِي حجرَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . هَذَا (الحَدِيث) أَيْضا صَحِيح متواتر مَعْرُوف ، فَهُوَ (فِي) صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فِي حَدِيثهَا فِي الْوَفَاة (قَالَت) : فَلَمَّا كَانَ [ يومي ] قَبضه الله بَين سحرِي وَنَحْرِي ، وَدفن فِي بَيْتِي وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ عَن عَائِشَة قَالَت : لما قبض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اخْتلفُوا فِي دَفنه ، فَقَالَ أَبُو بكر : سَمِعت من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شَيْئا مَا نَسِيته ، قَالَ : مَا قبض الله نبيًّا إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي يحب أَن يدْفن فِيهِ . ادفنوه فِي مَوضِع فرَاشه . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث غَرِيب ، وَفِيه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي (يضعف ) ، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه ، قد رَوَاهُ ابْن عَبَّاس عَن أبي بكر عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت : أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، حَدثنِي حُسَيْن بن عبد الله ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي حَدِيث طَوِيل : لقد اخْتلف الْمُسلمُونَ فِي الْموضع الَّذِي يحْفر لَهُ ، فَقَالَ (قَائِلُونَ) : يدْفن فِي مَسْجده . وَقَالَ قَائِلُونَ : يدْفن مَعَ أَصْحَابه . فَقَالَ أَبُو بكر : إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ يقبض . قَالَ : فَرفعُوا فرَاش رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (الَّذِي توفّي عَلَيْهِ ، ثمَّ دفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) وسط اللَّيْل من لَيْلَة الْأَرْبَعَاء . وحسين هَذَا تَركه النَّسَائِيّ ، وَرَوَاهُ مَالك بِنَحْوِهِ بلاغًا ، وَفِي مُسْند أَحْمد عَن عبد الرَّزَّاق ، أَخْبرنِي ابْن جريج ، أَخْبرنِي أبي أَن أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لم يدروا أَيْن يقبرون النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى قَالَ أَبُو بكر : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) [ يَقُول ] : لم يقبر نَبِي إِلَّا حَيْثُ يَمُوت . فأخروا (رَأسه) ، وحفروا لَهُ تَحت فرَاشه .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّلَاثِينَ عَن سَمُرَة بن جُنْدُب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى عَلَى امْرَأَة مَاتَت فِي نفَاسهَا ، فَقَامَ وَسطهَا . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة بِهَذَا اللَّفْظ ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم : صَلَّى عَلَى أم كَعْب مَاتَت وَهِي نفسَاء . فَائِدَة : وَسطهَا : بِفَتْح السِّين وسكونها ، قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي شرح مُسلم : ضبطناه والجياني أَيْضا بِالسُّكُونِ ، وَأما ابْن دِينَار فَقَالَ : وَسَط الدَّار ووسْطها مَعًا . كَذَا نَقله عَن ابْن دِينَار ، وَنَقله فِي الشهَاب عَن ابْن دَريد .
الحَدِيث السِّتُّونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : احفروا ، وأوسعوا ، وأعمقوا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث هِشَام بن عَامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُم يَوْم أحد ذَلِك ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لَهُم ، خلا ابْن ماجه فَإِنَّهُ قَالَ : أَحْسنُوا بدل أعمقوا ، وخلا أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ : احفروا ، وأوسعوا . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد قَالَ : جَاءَت الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم أحد فَقَالُوا : أَصَابَنَا قرح وَجهد فَكيف (تَأْمُرنَا) ؟ فَقَالَ : احفروا ، وأوسعوا ، وأعمقوا ، وَاجْعَلُوا الرجلَيْن وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر . قيل : فَأَيهمْ نقدم ؟ قَالَ : أَكْثَرهم قُرْآنًا . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد فِي كتاب الْبيُوع من سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب من سنَنه من حَدِيث عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه - وَهُوَ تَابِعِيّ - عَن رجل من الْأَنْصَار قَالَ : خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي جَنَازَة ، فَرَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْقَبْر يُوصي الْحَافِر : أوسع من قبل رجلَيْهِ ، أوسع من قبل رَأسه . إِسْنَاده صَحِيح ، وَعَاصِم من رجال مُسلم ، وَهُوَ ثِقَة ، كَمَا شهد لَهُ بذلك ابْن معِين وَغَيره ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : لَا يحْتَج بِهِ إِذا انْفَرد . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي الحَدِيث الأول : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، (رَوَاهُ) سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره عَن أَيُّوب ، عَن حميد بن هِلَال ، عَن هِشَام بن (عَامر) . يُرِيد بذلك أَنه لَيْسَ بَين حميد وَهِشَام وَاسِطَة ، وَقد أخرجه كَذَلِك النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنهمَا ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه ، عَن حميد ، عَن أبي الدهماء قرفة بن بهيس - تَابِعِيّ انْفَرد بِهِ مُسلم - عَن هِشَام . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي : أَي هذَيْن الْحَدِيثين أصح ؟ فَقَالَ : حَدِيث حميد عَن هِشَام . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة ، عَن حميد ، عَن هِشَام (بِهِ) . فَائِدَة : هِشَام بن عَامر هَذَا أَنْصَارِي ، كَانَ اسْمه شهابًا ، فَغَيره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِهِشَام ، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد ، وَهُوَ من الصَّحَابَة (الَّذين) انْفَرد مُسلم بِإِخْرَاج حَدِيثهمْ ، أخرج لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي ذكر الدَّجَّال ، وَلم يخرج لَهُ أَصْحَاب السّنَن سُوَى هَذَا الحَدِيث الَّذِي أوردناه عَنهُ ، سكن الْبَصْرَة وَمَات بهَا ، وَلما أخرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد حَدِيث هِشَام هَذَا بِزِيَادَة ذكر الدَّجَّال فِي آخِره قَالَ : انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم . وَمرَاده بِذكر الدَّجَّال) لَا بِالْحَدِيثِ بِكَمَالِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي مُسلم أصلا ، فَتنبه لذَلِك .
الحَدِيث التَّاسِع أَن غسل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تولاه عَلّي وَالْفضل بن الْعَبَّاس ، وَأُسَامَة بن زيد يناول المَاء ، وَالْعَبَّاس وَاقِف ثَمَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : غسلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذَهَبت أنظر مَا يكون من الْمَيِّت ، فَلم أر شَيْئا ، وَكَانَ طيبا - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حيًّا وَمَيتًا ، وَولي دَفنه وإجْنانهُ أَرْبَعَة : عَلّي وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَصَالح مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ولحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لحدًا ، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا . قَالَ الْحَاكِم : هَذا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَا مِنْهُ غير ذكر اللَّحْد . قَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه : وَرَوَى كيسَان عَن يزِيد بن بِلَال ، عَن عَلّي قَالَ : أَوْصَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يغسلهُ إِلَّا عَلّي ؛ فَإِن أحدا لَا يرَى عَوْرَته إِلَّا طمست عَيناهُ . قَالَ عَلّي : كَانَ أُسَامَة يناولني المَاء وَهُوَ مغمض عَيْنَيْهِ . ثمَّ قَالَ الْعقيلِيّ : قد رُوِيَ فِي غسل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِإِسْنَاد أَجود من هَذَا أَنه غسله عَلّي وَالْعَبَّاس وَالْفضل وغيرُهم وَلَيْسَ فِيهِ أَن أحدا مِنْهُم غمض عَيْنَيْهِ . قَالَ : وَأَخْبرنِي عبد الله بن أَحْمد قَالَ : سَأَلت أبي عَن كيسَان (أبي) عمر ، فَقَالَ : شيخ ضَعِيف . قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب التَّنْوِير : لم يخْتَلف فِي أَن الَّذين غسلوه : عَلّي وَالْفضل ، وَاخْتلف فِي الْعَبَّاس وَأُسَامَة وَقثم وشقران ؛ فَقيل : نعم ، وَقيل : لَا ، بل غسله عَلّي وَالْفضل يصب المَاء ، وَقيل : أَدخل من الْأَنْصَار أَوْس بن خوَليّ ، بِفَتْح الْوَاو فِيمَا ذكره الزَّمَخْشَرِيّ ، وَقَبله أَبُو أَحْمد العسكري بِزِيَادَة تَشْدِيد الْيَاء ، وَكَانَ الْفضل وَالْعَبَّاس (يغسلانه) وَأُسَامَة وَقثم يصبَّانِ المَاء ، وَقيل : إِن الْعَبَّاس لم يحضر استحياء .
الحَدِيث الْحَادِي بعد السِّتين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : (إن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) قَالَ : اللَّحْد لنا ، والشق لغيرنا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة بِهَذَا اللَّفْظ ، وَإِسْنَاده ضَعِيف ، فَإِن فِي إِسْنَاده عبد الْأَعْلَى بن عَامر ، ومدار الحَدِيث عَلَيْهِ ، وَهُوَ غير مُحْتَج بحَديثه ، كَانَ ابْن مهْدي لَا يحدث عَنهُ ، وَوصف اضطرابه ، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة : ضَعِيف الحَدِيث . زَاد أَبُو زرْعَة : رُبمَا رفع الحَدِيث وَرُبمَا وَقفه . قَالَ يَحْيَى : تعرف وتنكر . وَقَالَ مرّة : ثِقَة . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم ، وَقَالَ ابْن عدي : حدث بأَشْيَاء لَا يُتَابع عَلَيْهَا . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : أرَى هَذَا الحَدِيث لَا يَصح من أَجله . قلت : وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي سنَنه الصِّحَاح وَقد رُوِيَ من غير حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا ، رَوَى ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي علله فِي حَدِيث جرير بن عبد الله البَجلِيّ ، وَلَا يَصح أَيْضا ؛ فَإِن فِي إِسْنَاده عُثْمَان بن عُمَيْر البَجلِيّ الْكُوفِي الرَّاوِي عَن زَاذَان ، عَن جرير ، وكنيته أَبُو الْيَقظَان ، وَلَا يحْتَج بحَديثه ، قَالَ أَحْمد : ضَعِيف الحَدِيث . وَقَالَ ( يَحْيَى ) : حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ ابْن حبَان : اخْتَلَط حَتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج (بِهِ) . وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي سنَنه الصِّحَاح ، وَذكر ابْن عدي أَنه لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ أحد . وَلَيْسَ كَمَا ذكر ؛ فقد تَابعه عَلَيْهِ عَمْرو بن مرّة ؛ فَرَوَاهُ الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَنهُ ، عَن زَاذَان ، عَن جرير ، كَذَا أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ ، وَعَمْرو بن مرّة هُوَ الْجملِي حجَّة أخرجُوا لَهُ ، ووثق ، ورماه أَبُو حَاتِم بالإرجاء ، وَتَابعه أَيْضا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن الدبرِي ، عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن الثَّوْريّ ، عَن سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، عَن زَاذَان ، عَن جرير . وَتَابعه أَيْضا ثَابت ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن أسود بن عَامر ، ثَنَا عبد الحميد ، عَن ثَابت ، عَن زَاذَان ، عَن جرير بِنَحْوِهِ . وَتَابعه أَيْضا أَبُو جناب ، رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيثه عَن زَاذَان عَنهُ . وَفِي رِوَايَة للْإِمَام أَحْمد (ضعفه بِسَبَب) أبي الْيَقظَان السالف : اللَّحْد لنا ، والشق لغيرنا لأهل الْكتاب . فَوَائِد : الأولَى : لما رَوَى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن جرير ، وَعَائِشَة ، وَابْن عمر ، وَجَابِر . قَالَ ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه : وَفِيه أَيْضا عَن بُرَيْدَة بن الْحصيب وَابْن مَسْعُود . الثَّانِيَة : يعضد هَذَا الحَدِيث فِي تَقْدِيم اللَّحْد عَلَى الشق أَنه الَّذِي اخْتَارَهُ الله - تَعَالَى - لنَبيه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا ستعلمه ، وَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن أبي وَقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ : الحدوا لي لحدًا ، وانصبوا عَلّي اللَّبن نصبا ، كَمَا صنع برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّالِثَة : الشق : بِفَتْح الشين (واللحد : بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا لُغَتَانِ) ، قَالَ الْجَوْهَرِي : الضريح ، الشق فِي وسط الْقَبْر ، واللحد فِي الْجَانِب .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله لَا يرد دَعْوَة ذِي الشيبة الْمُسلم . هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ ؛ فَإِنَّهُ أوردهُ فِي وسيطه ، وَهُوَ تبع إِمَامه فِي نهايته ، وَلَا يحضرني من خرجه ، نعم رَوَى النَّسَائِيّ فِي كِتَابه عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة حَدِيثا قَرِيبا مِنْهُ عَن زَكَرِيَّا بن يَحْيَى ، عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة ، عَن وَكِيع ، عَن طَلْحَة بن يَحْيَى ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن طَلْحَة ، عَن عبد الله بن شَدَّاد بن الْهَاد اللَّيْثِيّ ، عَن طَلْحَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ أحد أفضل عِنْد الله من مُؤمن يعمر فِي الْإِسْلَام . وَفِي صَحِيح أبي حَاتِم وَالْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : الْبركَة مَعَ أكابركم . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ ابْن حبَان : لم يحدث ابْن الْمُبَارك هَذَا الحَدِيث بخراسان ، وَإِنَّمَا حدث بدرب الرّوم ؛ فَسمع مِنْهُ أهل الشَّام ، وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث فِي كتب ابْن الْمُبَارك مَرْفُوعا . وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر كتاب الاقتراح من الطَّرِيق الْمَذْكُور مَرْفُوعا بِلَفْظ الْخَيْر بدل الْبركَة ، ثمَّ قَالَ : هُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمَقْصد الْأَسْنَى : إِنَّه حَدِيث حسن . وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ) : إِن من إجلال الله إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم وَفِيه طول ، لم (يُضعفهُ) أَبُو دَاوُد ، وَكَذَا عبد الْحق ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِأبي كنَانَة أحد رُوَاته وَقَالَ : لَا يعرف . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته عَن أنس مَرْفُوعا : من إجلال الله إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم . ثمَّ نقل عَن ابْن حبَان أَنه لَا أصل لَهُ ، (ومنام يَحْيَى بن أَكْثَم فِي تَارِيخ بَغْدَاد ، وَفِيه من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن جِبْرِيل عَن الله : مَا شَاب عبد فِي الْإِسْلَام شيبَة إِلَّا [ استحييت ] لَهُ أَن أعذبه فِي النَّار ، وَإِن الله صدق الْكل ) .
الحَدِيث (الثَّانِي) بعد السِّتين رُوِيَ أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ ، أَحدهمَا يلْحد والآخر يشق ، فَبعث الصَّحَابَة فِي طلبهما ، وَقَالُوا : أَيهمَا جَاءَ أَولا عمل عمله لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَاء الَّذِي يلْحد ، فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : لما توفّي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَآخر يضرح ، فَقَالُوا : نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا ، فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ . فَأرْسل إِلَيْهِمَا ، فَسبق صَاحب اللَّحْد ؛ فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن مَاجَه فِي سنَنه بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات ، إِلَّا مبارك بن فضَالة ؛ فَإِن النَّسَائِيّ ضعفه ، وَقَالَ عَفَّان : ثِقَة من النساك [ وَكَانَ وَكَانَ ] . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : إِذا قَالَ : (ثَنَا) فَهُوَ ثِقَة . قلت : قد صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : ثَنَا حميد . ثَانِيهَا : من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : لما أَرَادوا أَن يحفروا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ، وَكَانَ يضرح كضريح أهل مَكَّة ، وبعثوا إِلَى أبي طَلْحَة ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يحْفر لأهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد ، فبعثوا إِلَيْهِمَا رسولين ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك . فوجدوا أَبَا طَلْحَة ، فجيء بِهِ - وَلم يُوجد أَبُو عُبَيْدَة - فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث ، وَهُوَ قِطْعَة من الحَدِيث السالف فِي دَفنه فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة ، وَقد أسلفنا أَن فِي سَنَده حُسَيْن بن عبد الله ، وَأَن النَّسَائِيّ تَركه ، وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَا بَأْس بِهِ ، يكْتب حَدِيثه . وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : ثمَّ دَعَا الْعَبَّاس رجلَيْنِ ، فَقَالَ : (ليذْهب أَحَدكُمَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح - وَكَانَ يُصَرح لأهل مَكَّة -) وليذهب الآخر إِلَى أبي طَلْحَة - وَكَانَ يلْحد لأهل الْمَدِينَة - قَالَ : ثمَّ قَالَ الْعَبَّاس لَهما حِين سرحهما : اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك . فذهبا ، فَلم يجد صَاحب أبي عُبَيْدَة أَبَا عُبَيْدَة ، وَوجد صَاحب أبي طَلْحَة أَبَا طَلْحَة ، فجَاء فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَالِثهَا : من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة عَن عَائِشَة ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَعبد الرَّحْمَن يضعف من قبل حفظه ، (وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك) . وَقَالَ البُخَارِيّ : ضَعِيف ذَاهِب الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : ينْفَرد عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات ، فَلَا أَدْرِي كثر الْوَهم مِنْهُ أَو من ابْنه مُحَمَّد ، وَابْنه فَاحش الْخَطَأ وَأكْثر رواياته تَدور عَلَى ابْنه ؛ فَوَجَبَ تَركه لاشتباه أمره . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت : كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ ، أَحدهمَا يشق ، والآخر يلْحد ، فجَاء الَّذِي يلْحد ، فلحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، من طَرِيق [ يَحْيَى بن ] عُرْوَة بن الزبير ، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ ، قَالَ : كَذَلِك رَوَاهُ مَالك وَابْن عُيَيْنَة . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا ، فَقَالَ : الصَّحِيح عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، بِإِسْقَاط عَائِشَة قلت : الَّذِي رَوَاهُ (بإثباتها) هُوَ أَبُو الْوَلِيد عَن حَمَّاد بن سَلمَة - فالخطأ من أَيهمَا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . وَفِي كتاب أَسمَاء رُوَاة مَالك للخطيب الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عمر : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لحد لَهُ . ثمَّ قَالَ : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن يَحْيَى ، وَهُوَ ضَعِيف ، مَتْرُوك الحَدِيث .
الحَدِيث (الْخَمْسُونَ) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَة جمَاعَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَشْهُور متكرر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، مِنْهَا صلَاته عَلَى النَّجَاشِيّ ، كَمَا ستعلمه قَرِيبا ، وَمِنْهَا صلَاته عَلَى من لَا دين عَلَيْهِ ، كَمَا ستعرفه فِي مَوْضِعه ، وَغير ذَلِك .
الحَدِيث (الثَّالِث) بعد السِّتين عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سل من قبل رَأسه [ سلًّا ] . هَذَا الحَدِيث غَرِيب عَن (ابْن عمر) ، لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، ومشهور عَن ابْن عَبَّاس ، وَلَعَلَّ هَذَا من سبق الْقَلَم . رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم فَقَالَ : أَنا الثِّقَة ، عَن عمر بن عَطاء ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ (بِدُونِ قَوْله سلا) ً ، وَهُوَ (بِهَذَا عَن) مُسلم بن خَالِد الزنْجِي وَغَيره ، عَن ابْن جريج ، عَن عمرَان بن مُوسَى أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سل من قبل رَأسه . قَالَ : وأنبأنا بعض أَصْحَابنَا عَن أبي الزِّنَاد وَرَبِيعَة وَأبي النَّضر - لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سل من قبل رَأسه ، وَأَبُو بكر وَعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . قَالَ ( الْبَيْهَقِيّ بعد أَن أخرج هَذِه الثَّلَاثَة بِسَنَدِهِ إِلَى الرّبيع إِلَى الشَّافِعِي : وَهَذَا هُوَ) الْمَشْهُور فِيمَا بَين أهل الْحجاز . قلت : وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الِاحْتِجَاج بقول الرَّاوِي : أَنا الثِّقَة . وَاخْتَارَ بعض الْمُحَقِّقين من أَصْحَابنَا الِاحْتِجَاج بِهِ إِن كَانَ الْقَائِل مِمَّن يُوَافقهُ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل ، فعلَى هَذَا يَصح احتجاج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث ، وَالظَّاهِر أَن الثِّقَة فِي كَلَام الشَّافِعِي هُنَا هُوَ مُسلم بن خَالِد الزنْجِي ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : إِذا قَالَ الشَّافِعِي : (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب) فَهُوَ ابْن أبي فديك ، وَإِذا قَالَ : (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن اللَّيْث بن سعد) فَهُوَ يَحْيَى بن حسان ، وَإِذا قَالَ : أَخْبرنِي الثِّقَة عَن الْوَلِيد بن كثير فَهُوَ عَمْرو بن أبي سَلمَة ، وَإِذا قَالَ : (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن ابْن جريج) فَهُوَ مُسلم بن خَالِد الزنْجِي ، وَإِذا قَالَ : (أَخْبرنِي الثِّقَة عَن صَالح مولَى التوأمة) فَهُوَ إِبْرَاهِيم بن يَحْيَى ، وَقَالَ الرّبيع بن سُلَيْمَان فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ عبد المحسن بن غَانِم فِي كِتَابه الْوَاضِح النفيس فِي فَضَائِل مُحَمَّد بن إِدْرِيس : إِذا قَالَ الشَّافِعِي : (أَخْبرنِي الثِّقَة) فَإِنَّهُ يُرِيد يَحْيَى بن حسان ، وَإِذا قَالَ : (أَنا الثِّقَة عَن ابْن أبي ذِئْب) فَهُوَ الزنْجِي ، أَو (عَن الْأَوْزَاعِيّ) (فَإِنَّهُ) عَمْرو بن أبي سَلمَة ، وَرُبمَا كَانَ أَيُّوب بن سُوَيْد ، أَو (عَن أَيُّوب) فَهُوَ ابْن علية ، أَو (عَن يَحْيَى بن سعيد) فَهُوَ الدَّرَاورْدِي ، أَو (عَن ابْن شهَاب) فَهُوَ مَالك بن أنس ، وَرُبمَا كَانَ إِبْرَاهِيم بن سعد ، أَو (عَن الْوَلِيد بن كثير) ، أَو (هِشَام بن عُرْوَة) ، أَو (عبيد الله بن عمر) فَإِنَّهُ حَمَّاد بن أُسَامَة ، أَو (عَن سُفْيَان الثَّوْريّ) ، أَو (يُونُس بن يزِيد) ، أَو (أُسَامَة بن زيد) فَهُوَ أَيُّوب بن سُوَيْد . قَالَ الرّبيع : وَإِنَّمَا يكني عَن ذكرهم للاختصار ؛ لِأَن الْمُحدث قد يسأم الرِّوَايَة عَن شيخ وَاحِد ، وَلَا سِيمَا إِذا كثرت عَنهُ ، فَيَقُول : وَحَدِيث ، وَنَحْو ذَلِك . قَالَ الرّبيع : وَإِذا قَالَ الشَّافِعِي : (أَخْبرنِي من لَا أتهم فِيهِ) يُرِيد : (ابْن) إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، وَإِذا قَالَ : بعض أَصْحَابنَا . فَهُوَ يُرِيد أهل الْحجاز ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : فَهُوَ يُرِيد أَصْحَاب مَالك . فَائِدَة : [ اخْتلفت ] الرِّوَايَات فِي كَيْفيَّة إِدْخَال النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَبره ، فروَى الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنهم سلوه سلًّا من عِنْد رجل الْقَبْر . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود ، وَابْن عَبَّاس ، وَبُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أَنهم أدخلوه فِي قَبره من جِهَة الْقبْلَة . وَهِي رِوَايَات ضَعِيفَة ، بَين الْبَيْهَقِيّ ضعفها ، وَأما التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ حسن حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وأنكروا ذَلِك عَلَيْهِ ؛ لِأَن مدَار رِوَايَته فِيهِ وَرِوَايَة غَيره عَلَى الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، وَهُوَ ضَعِيف ، وَنقل النَّوَوِيّ اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَى ذَلِك ، وَهَذَا الْجَواب إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ لَو تصور إِدْخَاله عَلَيْهِ السَّلَام من جِهَة الْقبْلَة ، وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالْأَصْحَاب : إِن هَذَا غير مُمكن . وَأَطْنَبَ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَغَيره فِي الشناعة عَلَى من يَقُول ذَلِك ، وَنسبه إِلَى الْجَهَالَة ومكابرة (الْحسن) وإنكار الْعَنَان ، فَقَالَ : أَنا الثِّقَات من أَصْحَابنَا أَن قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى يَمِين الدَّاخِل من الْبَيْت ، لاصق بالجدار ، والجدار الَّذِي (اللَّحْد تَحْتَهُ قبْلَة) ، واللحد تَحت الْجِدَار فَكيف يدْخل مُعْتَرضًا ، واللحد لاصق بالجدار ، لَا يقف عَلَيْهِ شَيْء (وَلَا) يُمكن إِلَّا أَن يسل سلاًّ ، أَو يدْخل من غير الْقبْلَة . قَالَ : وَأُمُور الْمَوْتَى وإدخالهم الْقَبْر من الْأُمُور الْمَشْهُورَة عندنَا لِكَثْرَة الْمَوْت ، وَحُضُور الْأَئِمَّة وَأهل (الثِّقَة) ، وَهُوَ [ من ] الْأُمُور الْعَامَّة الَّتِي يُسْتَغْنَى فِيهَا عَن الحَدِيث ، وَيكون الحَدِيث فِيهَا كالتكلف ؛ لاشتراك النَّاس فِي مَعْرفَتهَا وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - والمهاجرون وَالْأَنْصَار بَين أظهرنَا ، ينْقل إِلَيْنَا الْعَامَّة عَن الْعَامَّة ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِك أَن الْمَيِّت يسلُّ سلاًّ ، ثمَّ جَاءَنَا آتٍ من غير بلدنا يعلمنَا [ كَيفَ ندخل ] الْمَيِّت ، ثمَّ لم (يرض) حَتَّى رُوِيَ عَن حَمَّاد (عَن) إِبْرَاهِيم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَدخل مُعْتَرضًا . هَذَا آخر كَلَام الشَّافِعِي ، وَرِوَايَة إِبْرَاهِيم مُرْسلَة ضَعِيفَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الَّذِي ذكره الشَّافِعِي أشهر فِي أَرض الْحجاز بِأخذ الْخلف عَن السّلف ، فَهُوَ أولَى بالاتباع . قَالَ : وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي قَالَ : أَوْصَى الْحَارِث أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ عبيد الله بن يزِيد الخطمي ، فَصَلى عَلَيْهِ ، ثمَّ أدخلهُ الْقَبْر من قبل (رجْلي) الْقَبْر ، وَقَالَ : هَذَا من السّنة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد قَالَ (هَذَا من السّنة) فَصَارَ كالمسند . قَالَ : وَقد روينَا هَذَا القَوْل عَن ابْن عمر ، وَأنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما .
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بقتلى أحد أَن ينْزع عَنْهُم الْحَدِيد و(الْجُلُود) ، وَأَن يدفنوا بدمائهم وثيابهم . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا ، وَعلي هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . وَقَالَ أَحْمد : مَا لَهُ تكْتب أَحَادِيثه ، أَخطَأ يتْرك خَطؤُهُ وَيكْتب صَوَابه ، قد أَخطَأ غَيره . وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : قيل ليحيى بن معِين : إِن أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول فِيهِ : ثِقَة . قَالَ : لَا وَالله مَا كَانَ عِنْده قطّ ثِقَة ، وَلَا حدث عَنهُ بِحرف قطّ ، فَكيف صَار عِنْده الْيَوْم ثِقَة ؟ ! وَقَالَ يزِيد بن هَارُون : مَا زلنا نعرفه بِالْكَذِبِ . وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : مَا عتبت عَلَيْهِ إِلَّا أَنه كَانَ (يخلط) فيلج ويستصغر أَصْحَابه . وَقَالَ يزِيد بن زُرَيْع : أفادني عَن خَالِد الْحذاء وَهِشَام بن حسان أَحَادِيث ، فأنكراها وَمَا عرفاها . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : إِنَّه تكلم بِكَلَام سوء وَلم يفسره . قلت : وَثمّ للْحَدِيث عِلّة أُخْرَى ، وَهِي عَطاء بن السَّائِب الْمُخْتَلط بِأخرَة ، وَقد أسلفنا مَا فِيهِ للحفاظ فِي بَاب الْأَحْدَاث ، فِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين مِنْهُ (فَتنبه لَهُ) .
الحَدِيث الرَّابِع بعد السِّتين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دَفنه عَلّي وَالْعَبَّاس وَأُسَامَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن عَامر - هُوَ الشّعبِيّ - قَالَ : غسل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلّي وَالْفضل وَأُسَامَة بن زيد ، وهم أدخلوه قَبره . قَالَ : وحَدثني مرحب - أَو ابْن أبي مرحب - أَنهم أدخلُوا مَعَهم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ، فَلَمَّا فرغ عَلّي قَالَ : إِنَّمَا يَلِي الرجل أَهله . وَعَن الشّعبِيّ عَن أبي مرحب أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف نزل فِي قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِم أَرْبَعَة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : ولي دفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرْبَعَة : عَلّي وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَصَالح مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه كَمَا سلف فِي أَوَائِل الْبَاب ، وَصَححهُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : كَانَ الَّذين نزلُوا فِي قبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : عَلي وَالْفضل وَقثم وشقران مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد قَالَ أَوْس بن خوليّ لعَلي : يَا عَلّي ، أنْشدك الله وحظنا من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ : انْزِلْ . فَنزل مَعَ الْقَوْم ، فَكَانُوا خَمْسَة وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وشقران هُوَ صَالح مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ولقبه شقران . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : دخل قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْعَبَّاس وَعلي وَالْفضل ، وَسوى لحده رجل من الْأَنْصَار ، وَهُوَ الَّذِي سُوَى لحود الْأَنْصَار يَوْم بدر . تَنْبِيه : يجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات بِأَن كل وَاحِد رَوَى مَا رَأَى ، أَو من نقص أَرَادَ بِهِ أول الْأَمر ، وَمن زَاد أَرَادَ بِهِ آخِره ، وَالله أعلم . فَائِدَة : اخْتلف الْعلمَاء مَتى دفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ : يَوْم الثُّلَاثَاء . وَقَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء : لَيْلَة الْأَرْبَعَاء .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لما توفّي) سجي بِبرد حبرَة . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَفِي رِوَايَة : بثَوْبٍ حبرَة . وَمَعْنى سُجي : غُطي ، والحِبَرة - بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْبَاء - : نوع من البرود ، وَالْجمع حبر وحبرات كعنبة وعنب وعنبات ، وَيُقَال : بُرد حبرَة : بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْوَصْف ، وبدونه عَلَى الْإِضَافَة ، وَهُوَ ثوب يمانٍ يكون من قطن أَو كتَّان مخطط محبر ، أَي : مزين ، والتحبير : التزيين والتحسين . قَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه : (وَهِي) من أشرف ثِيَابهمْ ، وَلَو كَانَ عِنْدهم (شَيْء) أشرف مِنْهَا سجي بِهِ . فَائِدَة : أجمع الْعلمَاء عَلَى أَن سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - توفّي فِي شهر ربيع الأول ، وَكَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ، وَاخْتلفُوا فِي أَي يَوْم كَانَ من الشَّهْر ، فَقيل : فِي أَوله ، وَقيل : فِي ثَانِيه ، وَقيل : فِي ثَانِي عشره ، وَقيل : فِي عاشره ، قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه مرج الْبَحْرين وَسَبقه إِلَيْهِ السُّهيْلي : وَلَا يَصح كل ذَلِك ؛ لإِجْمَاع الْمُسلمين عَلَى أَن وَقْفَة عَرَفَة فِي حجَّة الْوَدَاع يَوْم الْجُمُعَة ، فَدخل ذُو الْحجَّة يَوْم الْخَمِيس ، فَكَانَ (أول) الْمحرم ، إِمَّا الْجُمُعَة وَإِمَّا السبت ، فَإِن كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فقد دخل صفر إِمَّا السبت وَإِمَّا الْأَحَد ، وَإِن كَانَ السبت فقد كَانَ (أول) ربيع الْأَحَد أَو الِاثْنَيْنِ ، وكيفما (كَانَ) الْحساب فَلم يكن الثَّانِي (عشر) من ربيع الأول يَوْم الِاثْنَيْنِ بِوَجْه .
الحَدِيث الْخَامِس بعد السِّتين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما دفن سعد بن معَاذ ستر قَبره بِثَوْب . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة (عَن عَلّي بن بذيمة الْجَزرِي ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : جلل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قبر سعد بِثَوْبِهِ ثمَّ قَالَ : لَا أحفظه إِلَّا من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة) بن أبي الْعيزَار ، وَهُوَ ضَعِيف . قلت : بِمرَّة ، نسبه يَحْيَى إِلَى الْكَذِب ، وَالْبُخَارِيّ إِلَى نَكَارَة الحَدِيث ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، كَانَ يفتعل الحَدِيث . وَقد رويت هَذِه السّنة بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي أَنه حضر جَنَازَة الْحَارِث الأعورِ ، (فَأمر) عبدُ الله بن يزِيد أَن يبسطوا عَلَيْهِ ثوبا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده صَحِيح ، وَإِن كَانَ مَوْقُوفا . قلت : وَقد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَلَى خلاف هَذَا ، فروَى من حَدِيث عمر بن مُحَمَّد ، نَا أبي ، نَا زُهَيْر ، عَن أبي إِسْحَاق أَن عبد الله بن يزِيد صَلَّى عَلَى الْحَارِث الْأَعْوَر ، ثمَّ تقدم إِلَى الْقَبْر ، فَدَعَا بالسرير ، فَوضع (عِنْد) رجل الْقَبْر ، ثمَّ أَمر بِهِ ، فَسُلَّ سلاًّ ، ثمَّ لم يدعهم يمدون ثوبا عَلَى الْقَبْر وَقَالَ : هَكَذَا السّنة .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ أَن حَنْظَلَة (بن) الراهب قتل يَوْم أحد وَهُوَ جنب ، فَلم يغسلهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ : رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسله . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي يَحْيَى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن حَنْظَلَة لما قَتله شَدَّاد بن الْأسود ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : إِن صَاحبكُم حَنْظَلَة تغسله الْمَلَائِكَة ؛ فَسَلُوا صاحبته . فَقَالَت : خرج وَهُوَ جنب لما سمع (الهائعة) . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : لذَلِك غسلته الْمَلَائِكَة . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا فِي تَرْجَمَة حَنْظَلَة من مُسْتَدْركه فِي كتاب الْفَضَائِل مِنْهُ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من هَذِه الطَّرِيق ، وَقَالَ : مُرْسل ، وَهُوَ فِيمَا بَين أهل الْمَغَازِي مَعْرُوف . قلت : وَهُوَ مُرْسل صَحَابِيّ ؛ لِأَن ابْن الزبير لم يدْرك أُحُدًا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ابْن سنتَيْن ، وَالْجُمْهُور عَلَى الِاحْتِجَاج بمرسل الصَّحَابِيّ ، إِلَّا من شَذَّ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (أَيْضا) من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : إِن صَاحبكُم لتغسله الْمَلَائِكَة - (يَعْنِي : حَنْظَلَة) فاسألوا أَهله مَا شَأْنه ؟ فَسُئِلت صاحبته فَقَالَت : خرج وَهُوَ جنب حِين سمع الهائعة . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : لذَلِك غسلته الْمَلَائِكَة وَهَذَا مُرْسل أَيْضا ، وَرُوِيَ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيثه ، بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : إِن الْمَلَائِكَة غسلت حَمْزَة وحَنْظَلَة ، وَكَانَا جنبان ثمَّ قَالَ : فِي إِسْنَاده أَبُو شيبَة ، وَهُوَ ضَعِيف . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة حَمْزَة : أَنه قتل وَهُوَ جنب ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : غسلته الْمَلَائِكَة وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : فِيهِ مُعلى بن عبد الرَّحْمَن أحد الهلكى . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ سعد فِي حَدِيث حَنْظَلَة قَالَ : لما قتل حَنْظَلَة بن أبي عَامر قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنِّي رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسل حَنْظَلَة بن أبي عَامر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض بِمَاء المزن فِي صحاف الْفضة . قَالَ أَبُو (أسيد) السَّاعِدِيّ : فذهبنا ، فَنَظَرْنَا إِلَيْهِ ، فَإِذا رَأسه يقطر مَاء ، فَرَجَعت إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَخْبَرته ، فَأرْسل إِلَى امْرَأَته فَسَأَلَهَا ؛ فَأَخْبَرته أَنه خرج وَهُوَ جنب . فولده يُقَال لَهُم : بَنو غسيل الْمَلَائِكَة . تَنْبِيه : وَقع للنووي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شرح الْمُهَذّب نوع اضْطِرَاب فِي هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ أَولا : رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد جيد . ثمَّ قَالَ بعده بورقتين : قد قدمنَا أَنه حَدِيث ضَعِيف . وَشرع يُجيب عَنهُ عَلَى تَقْدِير ثُبُوته ، فيتنبه لذَلِك .
(الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين) قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيسْتَحب لمن يدْخلهُ الْقَبْر أَن يَقُول : " باسم الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " . رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي "سُنَنهمَا" ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي "جَامعه" ، وَالنَّسَائِيّ فِي "عمل يَوْم وَلَيْلَة" ، وَابْن حبَان فِي "صَحِيحه" ، وَالْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" من الْوَجْه الْمَذْكُور ، وَلَفظ ابْن حبَان فِي إِحْدَى روايتيه " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا وضع الْمَيِّت فِي الْقَبْر قَالَ : باسم الله وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " . وَلَفظه فِي الْأُخْرَى : " باسم الله ، وَعَلَى سنة رَسُول الله " . هَذَا لفظ أبي دَاوُد أَيْضا . وَلَفظ ابْن مَاجَه : " كَانَ إِذا أَدخل الْمَيِّت الْقَبْر قَالَ : بِاسم الله ، وَفِي سَبِيل الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله " . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : "كَانَ إِذا دخل الْمَيِّت الْقَبْر " وَفِي رِوَايَة لَهُ : " إِذا وضع الْمَيِّت فِي لحده قَالَ : بِاسم الله وَبِاللَّهِ ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله " وَفِي رِوَايَة لَهُ : "وَعَلَى سنة" بدل "مِلَّة" وَلَفظ الْحَاكِم : " إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي (قبوركم) فَقولُوا : بِاسم الله ، وَعَلَى (سنة) رَسُول الله " . وَلَفظ النَّسَائِيّ : " إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي الْقَبْر فَقولُوا : بِاسم الله ، وَعَلَى سنة رَسُول الله" . وَلَفظ أَحْمد : " إِذا وضعتم مَوْتَاكُم فِي الْقَبْر فَقولُوا : بِاسم الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله " . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه . قَالَ : وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه أَيْضا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ أَبُو الصّديق النَّاجِي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَقد رُوِيَ عَن أبي الصّديق النَّاجِي عَن ابْن عمر مَوْقُوفا أَيْضا . قلت : أخرج أَحْمد الْمَرْفُوع كَمَا سلف ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : وَقفه شُعْبَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "علله" : إِنَّه الصَّوَاب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِرَفْعِهِ همام بن يَحْيَى ، وَوَقفه عَلَى ابْن عمر شُعْبَة وَهِشَام ، لَكِن همام ثِقَة حَافظ فَتكون زِيَادَته مَقْبُولَة . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الْإِلْمَام) : هما أحفظ من همام ، والشيخان قد احتجا بِهِ . وَقَالَ الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَهَمَّام بن يَحْيَى ثَبت مَأْمُون إِذا أسْند مثل هَذَا الحَدِيث لَا يُعلل بِأحد إِذا أوقفهُ ، وَقد أوقفهُ شُعْبَة . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عمر " أَنه كَانَ إِذا وضع الْمَيِّت فِي قَبره قَالَ : باسم الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله " . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن جَابر البياضي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : " الْمَيِّت إِذا وضع فِي قَبره فَلْيقل الَّذين يضعونه حِين يوضع فِي اللَّحْد : بِاسم الله وَبِاللَّهِ ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله " . قَالَ الْحَاكِم : وَهَذَا مَشْهُور فِي الصَّحَابَة ، شَاهد لحَدِيث همام عَن قَتَادَة مُسْندًا . وَرَوَى ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : " حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ : بِاسم الله ، وَفِي سَبِيل الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله . فَلَمَّا أَخذ فِي تَسْوِيَة اللَّبن قَالَ : اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان . (و) من عَذَاب الْقَبْر ، اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جانبيها ، وَصعد روحها ، ولقها مِنْك رضواناً . قلتُ : يَا ابْن عمر ، أَشَيْء سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أم قلته بِرَأْيِك ؟ قَالَ : إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل ؛ (بل) شَيْء سمعته (من) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " . وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة حَمَّاد بن عبد الرَّحْمَن الْكَلْبِيّ ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : هُوَ مَجْهُول ، مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر . تَنْبِيه : وَقع هَذَا الحَدِيث فِي "الْهِدَايَة" و"الْخُلَاصَة" عَلَى مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى غير وَجهه ، أما صَاحب "الْهِدَايَة" فَإِنَّهُ قَالَ الَّذِي يَضَعهُ : (يَقُول) باسم الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله . وَكَذَا قَالَه عَلَيْهِ السَّلَام حِين وضع أَبَا دُجَانَة فِي الْقَبْر وَهَذَا عَجِيب ، فَإِن أَبَا دُجَانَة توفّي بعده عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم الْيَمَامَة فِي خلَافَة (أبي) بكر . وَأما صَاحب "الْخُلَاصَة" فَإِنَّهُ قَالَ : (يَقُول) الَّذِي يَضَعهُ : باسم الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ويوجهه إِلَى الْقبْلَة ، لقَوْل عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : "أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بذلك) لما حضر دفن رجل مطلبي . وَهَذَا غَرِيب عَن عَلّي ؛ لَا أعرفهُ بعد الْبَحْث عَنهُ . فَائِدَة : رَوَى أَحْمد فِي "الْمسند" ، وَالْحَاكِم فِي التَّفْسِير من "مُسْتَدْركه" ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبيد الله بن زحر ، عَن [ عَلّي ابن يزِيد الْأَلْهَانِي ] ، عَن الْقَاسِم ، عَن أبي أُمَامَة قَالَ : " لما وضعت أم كُلْثُوم بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْقَبْر قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم تَارَة أُخْرَى ، فَلَمَّا بني لحدها قَالَ : سدوا خلال اللَّبِن . ثمَّ قَالَ : لَيْسَ هَذَا لشَيْء ، وَلكنه تطييب لنَفس الْحَيّ " . زَاد الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ : "باسم الله ، وَفِي سَبِيل الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله" . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده ضَعِيف . قلت بِمرَّة : لِأَن الثَّلَاث الأول ضعفاء لكنه من بَاب الْفَضَائِل .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين أَن الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم - صلوا عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فُرَادَى . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : إِحْدَاهَا : (من) رِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : لما صُلِي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَدخل الرِّجَال فصلوا عَلَيْهِ بِغَيْر إِمَام أَرْسَالًا حَتَّى فرغوا ، ثمَّ أَدخل النِّسَاء فصلين عَلَيْهِ ، ثمَّ أَدخل الصّبيان فصلوا عَلَيْهِ ، ثمَّ أَدخل العبيد فصلوا عَلَيْهِ أَرْسَالًا ، لم يؤمهم عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك فِي سنَنه بِنَحْوِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ، وحسين هَذَا تَركه النَّسَائِيّ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه وَلَفظه : فَلَمَّا فرغوا من جهازه يَوْم الثُّلَاثَاء وضع عَلَى سَرِيره فِي بَيته ، ثمَّ دخل النَّاس عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرْسَالًا يصلونَ ، (حَتَّى إِذا فرغوا (دخل) النِّسَاء) حَتَّى إِذا فرغوا أدخلُوا الصّبيان ، وَلم يؤم النَّاس عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحد ثمَّ سَاق بَقِيَّة الحَدِيث . (الطَّرِيق الثَّانِي) : من رِوَايَة أبي عسيب أَنه شهد الصَّلَاة عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالُوا : كَيفَ نصلي (عَلَيْهِ) ؟ قَالَ : ادخُلُوا أَرْسَالًا . قَالَ : فَكَانُوا يدْخلُونَ من هَذَا الْبَاب فيصلون عَلَيْهِ ، ثمَّ يخرجُون من الْبَاب الآخر . قَالَ : فَلَمَّا وضع فِي لحده قَالَ الْمُغيرَة : قد بَقِي من رجلَيْهِ شَيْء أصلحوه . قَالُوا : فَادْخُلْ فأصلحه . فَدخل وَأدْخل يَده فمس قَدَمَيْهِ ، فَقَالَ : أهيلوا عليَّ التُّرَاب . (فأهالوا) عَلَيْهِ حَتَّى بلغ أَنْصَاف سَاقيه ، ثمَّ خرج ، فَكَانَ يَقُول : أَنا أحدثكُم عهدا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن بهز ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي عمرَان الْجونِي ، عَن أبي عسيب بِهِ . (الطَّرِيق الثَّالِث) : من رِوَايَة جَابر بن عبد الله وَابْن عَبَّاس ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الْمُنعم بن إِدْرِيس ، عَن أَبِيه ، عَن وهب بن مُنَبّه عَنْهُمَا ، فِي حَدِيث طَوِيل ، وَفِيه : فَقَالَ عَلّي : يَا رَسُول الله ، إِذا أَنْت قبضت فَمن يغسلك ، وفيم نكفنك ، وَمن يُصَلِّي عَلَيْك ، وَمن (يدْخلك) الْقَبْر ؟ فَقَالَ : يَا عَلّي ، أما الْغسْل فاغسلني أَنْت ، وَالْفضل بن الْعَبَّاس يصب عَلَيْك المَاء ، وَجِبْرِيل ثالثكما ، فَإِذا أَنْتُم فَرَغْتُمْ من غسْلي فكفنوني فِي ثَلَاثَة أَثوَاب جدد ، وَجِبْرِيل يأتيني بحنوط من الْجنَّة ، فَإِذا أَنْتُم وضعتموني عَلَى السرير فضعوني فِي الْمَسْجِد واخرجوا عني ، فَإِن أول من يُصَلِّي عليَّ الرب - عَزَّ وَجَلَّ - من فَوق عَرْشه ، ثمَّ جِبْرِيل ، ثمَّ مِيكَائِيل ، ثمَّ إسْرَافيل ، ثمَّ الْمَلَائِكَة زمرًا زمرًا ، ثمَّ ادخُلُوا (فَقومُوا) صُفُوفا ، لَا يتَقَدَّم عَلّي أحد . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل فِي (ثَلَاث) أوراق ، فِيهِ قصَّة عكاشة ، لكنه ضَعِيف ، ثمَّ عبد الْمُنعم مَتْرُوك ، قَالَ أَحْمد : يكذب عَلَى وهب وَعَلَى غَيره ، مَتْرُوك . ووالده ضعفه ابْن عدي ، قَالَ ابْن دحْيَة فِي تنويره : حَكَى الْبَزَّار والطبري أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : أول (من) يُصَلِّي (عَلّي) رب الْعِزَّة فِي حَدِيث طَوِيل ، كرهت أَن أذكرهُ ؛ لِأَن الْبَزَّار قَالَ فِي علله : إِنَّه مَوْضُوع . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الْأَزْدِيّ : فِي حَدِيث مَعْلُول أَنهم صلوا بِصَلَاة جِبْرِيل ، وَكَبرُوا بتكبيره . وَالصَّحِيح مَا تقدم أَنهم صلوا (أفذاذًا) وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بتوقيف ، وَقد رُوِيَ أَنه أَوْصَى بِهِ ، ذكره الْبَزَّار والطبري وَغَيرهمَا ، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن دحْيَة فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، وَرَوَى الصَّلَاة عَلَيْهِ (أفذاذًا) مَالك فِي الْمُوَطَّأ بلاغًا ، وَابْن عبد الْبر فِي آخر تمهيده ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث نُبَيْط بن شُرَيْط بن أنس الْأَشْجَعِيّ الصَّحَابِيّ ، قَالَ ابْن عبد الْبر : وَصَلَاة النَّاس عَلَيْهِ (أفذاذًا) (الْمُجْتَمع) عَلَيْهِ عِنْد أهل [ السّير ] وَجَمَاعَة أهل النَّقْل لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ . قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه مرج الْبَحْرين : وَأَنا متعجب من قَوْله عَلَى اتساع (علمه) ؛ فَإِن الْخلاف فِيهِ مَنْصُوص (هَل) كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهِ كصلاتنا عَلَى أمواتنا أم لَا ، فَقيل : دُعَاء فَقَط . وَقيل : صلوا الصَّلَاة (الْمَعْهُودَة) . حَكَى ابْن الْقصار الْقَوْلَيْنِ عَن أَصْحَاب مَالك ، وَاخْتلف بعدُ هَل صلوا عَلَيْهِ أفذاذًا أم جمَاعَة ، وَاخْتلف بعد فِيمَن أم بهم ، فَقيل : أَبُو بكر . ذكره ابْن الْقصار ، وَذَلِكَ بَاطِل بِيَقِين لضعف رُوَاته وانقطاعه ، وَالصَّحِيح أَن (الْمُسلمين) صلوا عَلَيْهِ (أفذاذًا) لَا يؤمهم أحد ، كلما جَاءَت طَائِفَة صلت عَلَيْهِ وَهُوَ حَدِيث مَحْفُوظ . قلت : وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم فِي آخر وَفَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من حَدِيث سَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي ، ثَنَا سَلام بن (سُلَيْمَان) الطَّوِيل ، عَن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن ، عَن الْحسن العرني ، عَن الْأَشْعَث بن طليق ، عَن مرّة بن شرَاحِيل ، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : لما ثقل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قُلْنَا : من يُصَلِّي عَلَيْك يَا رَسُول الله ؟ فَبَكَى وبكينا ، فَقَالَ : مهلا ، غفر الله لكم ، وجزاكم عَن نَبِيكُم (خيرا) ، إِذا غسلتموني وكفنتموني وحنطتموني فضعوني عَلَى شَفير قَبْرِي ، ثمَّ اخْرُجُوا عني سَاعَة ، فَإِن أول من يُصَلِّي عَلّي خليلي وحبيبي جِبْرِيل ، وَمِيكَائِيل ، ثمَّ إسْرَافيل ، ثمَّ ملك الْمَوْت مَعَ جنود الْمَلَائِكَة ، ثمَّ ليبدأ بِالصَّلَاةِ رجال أهل بَيْتِي ، ثمَّ نِسَاؤُهُم ، ثمَّ ادخُلُوا أَفْوَاجًا وفرادى ، وَلَا تؤذوني بباكية وَلَا برنة وَلَا بصيحة ، وَمن كَانَ غَائِبا من أَصْحَابِي فأبلغوه مني السَّلَام ، فَإِنِّي أشهدكم أَنِّي قد [ سلمت ] عَلَى من دخل فِي الْإِسْلَام ، وَمن (تابعني) عَلَى ديني هَذَا مُنْذُ الْيَوْم إِلَى الْقِيَامَة . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : عبد الْملك مَجْهُول ، لَا نعرفه بعدالة وَلَا جرح ، وَالْبَاقُونَ كلهم ثِقَات . قلت : عبد الْملك كذبه الفلاس ، وَسَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي قَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَسَلام بن سُلَيْمَان الطَّوِيل تَرَكُوهُ ، والعرني لَيْسَ بِشَيْء كَمَا قَالَه الْأَزْدِيّ ، فَأَيْنَ الثِّقَة فِي هَؤُلَاءِ ؟ ! . فَائِدَة : فِي (السِّرّ) فِي كَونهم صلوا عَلَيْهِ أفذاذا ، قَالَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : وَذَلِكَ لعظم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأبي هُوَ وَأمي ، وتنافسهم فِي أَن لَا يتَوَلَّى الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاحِد . قَالَ ابْن دحْيَة : وَكَانَ المصلون عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألفا . كَذَا قَالَ .
الحَدِيث السَّابِع بعد السِّتين قَالَ الرَّافِعِيّ : إِذا دخل الْمَيِّت الْقَبْر أضجع فِي اللَّحْد عَلَى جنبه الْأَيْمن ، مُسْتَقْبل الْقبْلَة ، كَذَلِك فعل برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَله . هَذَا هُوَ الظَّاهِر من أفعالهم ، وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ من قِبَلِ الْقبْلَة ، واستقبل بِهِ اسْتِقْبَالًا وَفِي إِسْنَاده عَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف بإجماعهم ، قَالَ ابْن حبَان : سمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَحَادِيث ، فَلَمَّا مَاتَ جعل (يُجَالس) الْكَلْبِيّ ، فَإِذا قَالَ الْكَلْبِيّ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حفظ ذَلِك وَرَوَاهُ عَنهُ ، وكناه أَبَا سعيد ، فيظن أَنه أَرَادَ الْخُدْرِيّ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَلْبِيّ ، لَا يحل كتْب حَدِيثه إِلَّا عَلَى (سَبِيل) التَّعَجُّب . وَفِي تَارِيخ الْعقيلِيّ من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ : أَخذ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من قبل الْقبْلَة ، وألحد لَهُ ، وأنصب لَهُ اللَّبن نصبا . وَفِي إِسْنَاده ( عَمْرو) بن يزِيد التَّمِيمِي ، وَقد ضَعَّفُوهُ ، قَالَ الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه . قَالَ : فَأَما اللَّحْد للنَّبِي صلى الله عليه وسلم فَروِيَ ، وَسَائِر الْكَلَام لَيْسَ بِمَعْرُوف إِلَّا فِي هَذِه الرِّوَايَة أَو مَا يشبهها .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رجم الغامدية ، وَصَلى عَلَيْهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة بُرَيْدَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَائِدَة : تَعَارَضَت الرِّوَايَات فِي صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَاعِز ، فَفِي البخاريّ من رِوَايَة جَابر أَنه صَلَّى عَلَيْهِ ذكره فِي أول كتاب الْمُحَاربين فِي بَاب الرَّجْم بالمصلى ، وَفِي أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بأسانيد صَحِيحَة أَنه لم يصل عَلَيْهِ وَلَا يخْفَى أَن الْمُثبت مقدم عَلَى النَّافِي ؛ لِأَن مَعَه زِيَادَة علم .
الحَدِيث الثَّامِن بعد السِّتين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه جعل فِي قبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قطيفة حَمْرَاء . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ كَذَلِك ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ : وضع بدل جعل ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن مَنْصُور بن زَاذَان عَن الْحسن قَالَ : جعل فِي لحد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قطيفة حَمْرَاء ، أَصَابَهَا يَوْم خَيْبَر ، لِأَن الْمَدِينَة أَرض سبخَة . وَفِي الْجُزْء الأول من الصَّحِيح تَخْرِيج الدَّارَقُطْنِيّ عَن وَكِيع قَالَ : وَكَانَ هَذَا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَاصَّة . وَفِي الِاسْتِيعَاب أَن تِلْكَ القطيفة أخرجت قبل أَن يهال التُّرَاب . لَكِن فِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنَّهَا دفنت مَعَه وَفِي إسنادها حُسَيْن بن عبد الله السالف . فَائِدَة : الْجَاعِل لهَذِهِ القطيفة هُوَ شقران مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل هَذَا بِرَأْيهِ ، وَلم يُوَافقهُ أحد من الصَّحَابَة ، وَلَا علمُوا بِفِعْلِهِ ، وَفِي التِّرْمِذِيّ إِشَارَة إِلَى هَذَا ، فَإِن فِيهِ : قَالَ ابْن أبي رَافع : سَمِعت شقران يَقُول : أَنا وَالله طرحت القطيفة تَحت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقيل : إِنَّمَا فعلهَا شقران لِأَنَّهُ قَالَ : كرهت أَن يلبسهَا أحد بعده عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي التِّرْمِذِيّ والْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا : عَن ابْن عَبَّاس أَنه كره أَن يَجْعَل تَحت الْمَيِّت ثوب فِي قَبره .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أغمض أَبَا سَلمَة لما مَاتَ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ - لَا كَمَا وهم فِيهِ من وهم - من رِوَايَة أم سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : دخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى أبي سَلمَة وَقد شقّ بَصَره ؛ فأغمضه ، ثمَّ قَالَ : إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر ، فَضَجَّ نَاس من أَهله فَقَالَ : لَا تدعوا عَلَى أَنفسكُم إِلَّا بِخَير ، فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ عَلَى مَا تَقولُونَ . ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة ، وارفع دَرَجَته فِي المهديين ، واخلفه فِي عقبه فِي الغابرين ، واغفر لنا وَله يَا رب الْعَالمين ، وأفسح لَهُ فِي قَبره ، وَنور لَهُ فِيهِ . مَعْنَى تبعه الْبَصَر : ذهب أَو شخص نَاظرا إِلَيْهَا ، وَجْهَان حَكَاهُمَا الْمُحب فِي أَحْكَامه وَقَالَ : عَلَى الثَّانِي دلّت ظواهر وَردت فِيهِ . والغابر : الْبَاقِي ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَالْأَكْثَر ، وَقيل : يُطلق عَلَى الْمَاضِي ، فَيكون من الأضداد .
الحَدِيث التَّاسِع بعد السِّتين عَن سعد بن أبي وَقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : اصنعوا بِي كَمَا صَنَعْتُم برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم انصبوا عَلّي اللَّبِن ، وأهيلوا عَلّي التُّرَاب . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك بلاغًا ، فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَنهُ : بَلغنِي أَنه قيل لسعد بن أبي وَقاص : أَلا نتخِذ لَك شَيْئا (كَأَنَّهُ) الصندوق من الْخشب ؟ فَقَالَ : بل اصنعوا بِي كَمَا صَنَعْتُم برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ انصبوا عَلّي اللَّبِن ، وأهيلوا عَلّي التُّرَاب (وَهُوَ فِي صَحِيح مُسلم بِدُونِ قَول : وأهيلوا عَلّي التُّرَاب) ، وَقد سبق بِلَفْظِهِ قَرِيبا فِي الحَدِيث الْحَادِي بعد السِّتين . فَائِدَة : مَعْنَى نَصْب اللَّبِن أَن لَا تكون مائلة ؛ تسْقط فِي اللَّحْد عَلَى الْمَيِّت . وأهيلوا : (صبوا) ، وَهِي لُغَة قَليلَة فِي هلتُ ، فَهُوَ مُهَال ومهيل . وَمِنْه قَوْله تَعَالَى : كَثِيبًا مَهِيلًا أَي (مصبوبًا) سَائِلًا .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم (يصلِّ) عَلَى قَتْلَى أحد ، وَلم يغسلهم . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي مَنَاقِب حَمْزَة : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ تقيُّ الدَّين فِي آخر اقتراحه أَيْضا ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر عَلَى حَمْزَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَقد مُثِّل بِهِ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَن تَجِد صفيةُ فِي نَفسهَا لتركته حَتَّى تَأْكُله الْعَافِيَة ، حَتَّى (يحْشر) من بطونها . ثمَّ دَعَا بنمرة فَكَفنهُ فِيهَا ، وَكَانَت إِذا مدت عَلَى رَأسه بَدَت رِجْلَاهُ ، وَإِذا مدت عَلَى رجلَيْهِ بدا رَأسه . قَالَ : فكثرت الْقَتْلَى ، وَقل الثِّيَاب ، فَكَانَ الرجل وَالرجلَانِ وَالثَّلَاث يكفنون فِي الثَّوْب الْوَاحِد ، ثمَّ يدفنون فِي قبر وَاحِد ، وَيقدم أَكْثَرهم قُرْآنًا إِلَى الْقبْلَة ، فدفنهم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلم يصلِّ عَلَيْهِم . وَذكره الْحَاكِم مطولا ومختصرًا بِلَفْظ : أَن شُهَدَاء أحد لم يغسلوا ، ودفنوا بدمائهم ، وَلم يصل عَلَيْهِم . فَإِن قلت : فقد جَاءَ عَن (عدَّة) من الصَّحَابَة مَا ظَاهره أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَيْهِم ؛ فَفِي مَرَاسِيل أبي دَاوُد عَن أنس قَالَ : مر عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى حَمْزَة وَقد مثِّل بِهِ ، وَلم يصل عَلَى أحد من الشُّهَدَاء غَيره . وَأخرجه الْحَاكِم ، وَقَالَ صَاحب الاقتراح : إِنَّه عَلَى شَرط مُسلم . وفيهَا أَيْضا عَن أبي مَالك الْغِفَارِيّ التَّابِعِيّ : أَمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِحَمْزَة فَوضع ، وَجِيء بِتِسْعَة فَصَلى عَلَيْهِم سبع صلوَات ، حَتَّى صَلَّى عَلَى سبعين رجلا ، وَفِيهِمْ حَمْزَة فِي كل صلاةٍ صلاهَا . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : رَوَى أَبُو مَالك قَالَ : صَلَّى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى قَتْلَى أحد عشرَة عشرَة ، فِي كل عشرَة حَمْزَة ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سبعين صَلَاة . ثمَّ قَالَ : أخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل بِمَعْنَاهُ . وَفِي سنَن النَّسَائِيّ عَن شَدَّاد بن الْهَاد التَّابِعِيّ أَن رجلا من الْأَعْرَاب جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فآمَنَ بِهِ واتَّبَعَه وَذكر الحَدِيث ، وَفِيه أَنه اسْتشْهد ، فَصَلى عَلَيْهِ (رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) . وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم فِي كتاب الْجِهَاد : عَن جَابر أَن حَمْزَة جِيءَ بِهِ ، فَصَلى عَلَيْهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يجاء بِالشُّهَدَاءِ (فتوضع إِلَى) جَانب حَمْزَة ، فَيصَلي عَلَيْهِم ، ثمَّ ترفع وَيتْرك حَمْزَة ، حَتَّى صَلَّى عَلَى الشُّهَدَاء . ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عقبَة بن عَامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج فَصَلى عَلَى قَتْلَى أحد صلَاته عَلَى الْمَيِّت . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : صَلَّى عَلَيْهِم بعد ثَمَان سِنِين ، كَالْمُودعِ للأحياء والأموات . وَهَذِه الْأَحَادِيث تعَارض حَدِيث جَابر وَأنس السالفين ، لَكِن حَدِيث أنس قَالَ فِيهِ الْبَيْهَقِيّ عَن الدَّارَقُطْنِيّ : هَذِه اللَّفْظَة - وَهِي قَوْله : وَلم يصل عَلَى (أحد) من الشُّهَدَاء غَيره - لَيست مَحْفُوظَة . وَعَن التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الْعِلَل : سَأَلت البُخَارِيّ فَقَالَ : هُوَ غير مَحْفُوظ ، غلط فِيهِ أُسَامَة بن زيد . وَقد أسلفنا هَذَا فِيمَا مَضَى ، وَفِي التَّحْقِيق لِابْنِ الْجَوْزِيّ عَن الدَّارَقُطْنِيّ : لم يقلها غير عُثْمَان بن عمر ، وَلَيْسَت مَحْفُوظَة . ثمَّ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ مُعْتَرضًا عَلَيْهِ : [ عُثْمَان ] هَذَا مخرج عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة ، وَحَدِيث أبي مَالك مُرْسل ؛ لِأَن أَبَا مَالك واسْمه غَزوَان من التَّابِعين ، (و) فِي إِسْنَاده حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن الْكُوفِي ، أعله ابْن الْجَوْزِيّ ، وَنقل (عَنهُ) فِي تَحْقِيقه عَن يزِيد بن هَارُون أَنه كَانَ قد نسي . وَعَن ( النَّسَائِيّ ) أَنه تغير لكنه من رجال الصَّحِيحَيْنِ . وَحَدِيث شَدَّاد بن الْهَاد مُرْسل أَيْضا ؛ لِأَن شَدَّاد بن الْهَاد تَابِعِيّ ، والْحَدِيث ضَعِيف أَيْضا ، وَعَلَى تَقْدِير صِحَّته أَيْضا يحمل عَلَى أَنه لم يمت فِي المعركة . قَالَه الْبَيْهَقِيّ . وَحَدِيث جَابر فِيهِ أَبُو حَمَّاد الْفضل بن صَدَقَة ، وَهُوَ مَتْرُوك كَمَا قَالَ النَّسَائِيّ ، قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب التَّنْوِير : وَحَدِيث ابْن عَبَّاس ذكره مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه عَن (شُعْبَة) عَن الْحسن ، عَن الحكم (عَن) مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى قَتْلَى أحد ، ودفنهم . قَالَ ( شُعْبَة ) : كذب الْحسن بن عمَارَة ؛ إِنَّمَا قلتُ للْحكم : أصلى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى قَتْلَى أحد ؟ قَالَ : لم يصل عَلَيْهِم . قلت : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ وَالْحكم ابن عتيبة ، عَن مقسم وَمُجاهد ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبر عَلَى حَمْزَة تسعا ، ثمَّ جمع عَلَيْهِ الشُّهَدَاء ، كلما أُتِي بِشَهِيد وضع إِلَى جنبه ، فَصَلى عَلَيْهِ وَعَلَى الشُّهَدَاء (اثْنَيْنِ) وَسبعين صَلَاة . قَالَ : وَحَدِيث أنس : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا صَلَّى عَلَى جَنَازَة كبر عَلَيْهَا أَرْبعا ، وَأَنه كبر عَلَى حَمْزَة سبعين تَكْبِيرَة لَا يَصح ، فِيهِ سعيد بن ميسرَة ، قَالَ خَ : عِنْده مَنَاكِير . وَقَالَ الْحَاكِم : رَوَى عَن أنس أَشْيَاء مَوْضُوعَة . وَكذبه يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَأَخْطَأ ابْن حبَان فِي قَوْله : رَوَى عَنهُ يَحْيَى الْقطَّان (فَإِنَّهُ) الْتبس عَلَيْهِ بالعطار (بالراء) ، قَالَ : وَكَيف يروي عَنهُ وَقد كذَّبه ؟ ! قَالَ ابْن دحْيَة : وَكَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : أُتِي بهم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم أحد ، فَجعل يُصَلِّي عَلَى عشرَة عشرَة وَحَمْزَة ، يرفعون وَهُوَ كَمَا هُوَ مَوْضُوع ، فَإِن فِيهِ يزِيد بن أبي زِيَاد ، قَالَ خَ : مُنكر الحَدِيث . قلت : تبع فِيهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه ؛ فَإِنَّهُ نقل ذَلِك عَن البُخَارِيّ ، وَنقل عَن النَّسَائِيّ أَنه قَالَ فِيهِ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَوهم فِي ذَلِك ؛ فَإِنَّمَا قَالَا ذَلِك فِي يزِيد بن زِيَاد ، وَيُقَال : يزِيد بن أبي زِيَاد الشَّامي ، ( وَأما رَاوِي) هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ الْكُوفِي ، وَلَا يُقَال فِيهِ : (ابْن) زِيَاد ، وَقد أخرج لَهُ م مَقْرُونا ، ووثق ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَا أعلم أحدا ترك حَدِيثه . وَقد جعل ابْن الْجَوْزِيّ هذَيْن الرجلَيْن فِي الضُّعَفَاء وَاحِدًا ، وَهُوَ وهم أَيْضا ، قَالَ ابْن دحْيَة : وَكَذَا حَدِيث أبي مَالك السالف لَا يَصح بِسَبَب حُصَيْن لشدَّة ضعفه ، وتخليط عقله . وَقد تقدم مَا فِي هَذَا ، وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب ، عَن الشّعبِيّ ، عَن ابْن مَسْعُود أَنه عَلَيْهِ السَّلَام وضع حَمْزَة فَصَلى عَلَيْهِ ، وَجِيء بِرَجُل من الْأَنْصَار ، فَوضع إِلَى جنبه فَصَلى عَلَيْهِ ، فَرفع الْأنْصَارِيّ ، وَترك حَمْزَة حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ سبعين صَلَاة . وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب والْخُلَاصَة أَيْضا (اتِّفَاق) الْحفاظ عَلَى ضعف هَذِه الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة - وَلم يذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود السالف - إِلَّا حَدِيث عقبَة ، وَأَنه لم يَصح فِي إِثْبَات الصَّلَاة عَلَى الشَّهِيد وغسله شَيْء ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره : وَأقرب مَا فِيهِ هَذَانِ المرسلان . يَعْنِي : حَدِيث أبي مَالك وَشَدَّاد بن الْهَاد . وَأجَاب الْحفاظ عَن حَدِيث عقبَة بِأَن المُرَاد بِالصَّلَاةِ الدُّعَاء ، وَقَوله : صلَاته عَلَى الْمَيِّت أَي : دَعَا لَهُم كدعاء صَلَاة الْمَيِّت . وَهَذَا التَّأْوِيل مُتَعَيّن ، وَلَيْسَ المُرَاد صَلَاة الْجِنَازَة الْمَعْرُوفَة بِالْإِجْمَاع ؛ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا فعله بعد مَوْتهمْ (بثمان سِنِين) ، وَلَو كَانَ صَلَاة الْجِنَازَة لما (أَخّرهَا ثَمَان سِنِين) وَلِأَن عندنَا لَا يصلى عَلَى الشَّهِيد ، وَعند الْمُخَالف لَا يصلى (عَلَى) الْقَبْر بعد ثَلَاثَة أَيَّام ، فَوَجَبَ تَأْوِيله ، وَلِأَن الْمُخَالف لَا يقبل خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبَلْوَى ، وَهَذَا مِنْهَا ، فَإِن قيل : حَدِيث جَابر وَأنس (السالفين) فِي الِاحْتِجَاج بهما وَقْفَة ؛ لِأَنَّهَا نفي ، وَشَهَادَة النَّفْي مَرْدُودَة مَعَ مَا عارضها من هَذِه الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا الْإِثْبَات . فَالْجَوَاب مَا قَالَه أَصْحَابنَا : أَن شَهَادَة النَّفْي إِنَّمَا ترد إِذا لم يحط بهَا علم الشَّاهِد وَلم تكن محصورة ، أما مَا أحَاط بِهِ علمه وَكَانَ محصورًا فَيقبل بالِاتِّفَاقِ . وَهَذِه قصَّة مَعْرُوفَة أحَاط بهَا جَابر وَأنس علما ، وَأما رِوَايَة الْإِثْبَات فضعيفة ، فوجودها كَالْعدمِ ، إِلَّا حَدِيث عقبَة ، وَقد سلف الْجَواب عَنهُ ، وَاشْتَدَّ إِنْكَار الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُم وتشنيعه عَلَى من يَقُول : يصلَّى عَلَى الشَّهِيد ، محتجًّا بِرِوَايَة الشّعبِيّ وَغَيره أَن حَمْزَة صُلِّي عَلَيْهِ سَبْعُونَ صَلَاة ، وَكَانَ يُؤْتَى بِتِسْعَة من الْقَتْلَى وَحَمْزَة عاشرهم ، ثمَّ يرفعون وَحَمْزَة مَكَانَهُ ، ثمَّ يُؤْتَى بِتِسْعَة أُخْرَى ، فَيصَلي عَلَيْهِم وَعَلَى حَمْزَة ، حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سبعين صَلَاة . قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ : شُهَدَاء أحد اثْنَان وَسَبْعُونَ شَهِيدا ، فَإِذا صلي عَلَيْهِم عشرَة عشرَة ، فالصلوات لَا تكون أَكثر من سبع صلوَات أَو ثَمَان ، عَلَى أَنه صلي عَلَى كل تِسْعَة مَعَ حَمْزَة صَلَاة ، فَهَذِهِ تسع ، فَمن أَيْن جَاءَت سَبْعُونَ صَلَاة ؟ ! وَإِن عني بِهِ أَنه كبر سبعين تَكْبِيرَة فَنحْن وهم نقُول : التَّكْبِير أَربع ، فَهِيَ إِذا كَانَت تسع صلوَات تكون سِتًّا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَة . قَالَ الشَّافِعِي : يَنْبَغِي لمن رَوَى هَذَا الحَدِيث أَن يستحيي عَلَى نَفسه ، وَقد كَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يُعَارض بِهِ الْأَحَادِيث ، فقد جَاءَت من وُجُوه متواترة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يصل عَلَيْهِم . وَنقل هَذَا النَّص كُله الْبَيْهَقِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كتاب الْمعرفَة وَقَالَ فِي خلافياته : لَا يَصح عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنه صَلَّى عَلَى أحد من شُهَدَاء أحد ، (لَا) عَلَى حَمْزَة وَلَا عَلَى غَيره . وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ : من الأساليب مَا ذكر من صَلَاة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى قَتْلَى أحد ؛ فخطأ ، لم يُصَحِّحهُ الْأَئِمَّة ؛ لأَنهم رووا أَنه كَانَ يُؤتى بِعشْرَة عشرَة وَحَمْزَة أحدهم ، (فَصَلى) عَلَى حَمْزَة سبعين صَلَاة . وَهَذَا غلط ظَاهر ؛ فَإِن شُهَدَاء أحد سَبْعُونَ ، وَإِنَّمَا يخص حَمْزَة بسبعين صَلَاة لَو كَانُوا سَبْعمِائة . وَقَالَ ابْن حزم : قَوْلهم إِنَّه صَلَّى عَلَى حَمْزَة سبعين صَلَاة ، أَو كبر سبعين تَكْبِيرَة . بَاطِل بِلَا شكّ .
الحَدِيث السبعون رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حثى عَلَى الْمَيِّت ثَلَاث حثياتٍ بيدَيْهِ جَمِيعًا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عَلّي بن حَفْص الْمَدَائِنِي ، عَن الْقَاسِم بن عبد الله الْعمريّ ، عَن عَاصِم بن عبيد الله ، عَن ( عبد الله) بن عَامر بن ربيعَة ، عَن أَبِيه قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين دفن عُثْمَان بن مَظْعُون صَلَّى عَلَيْهِ ، وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا ، وحثى عَلَى قَبره بِيَدِهِ ثَلَاث حثيات من التُّرَاب ، وَهُوَ قَائِم عِنْد رَأسه . وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف ، الْقَاسِم بن عبد الله واه ، قَالَ أَحْمد : كَانَ يكذب وَيَضَع الحَدِيث ، ترك النَّاس حَدِيثه . وَأما عَاصِم بن عبيد الله بن عَاصِم بن عمر فضعفه مَالك وَغَيره ، وَأما عَلّي بن حَفْص فقد أخرج لَهُ م ، وَوَثَّقَهُ د و س ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَا يحْتَج بِهِ . وأجمل الْبَيْهَقِيّ القَوْل فِي تَضْعِيفه فَقَالَ لما رَوَاهُ : إِسْنَاده ضَعِيف ، إِلَّا أَن لَهُ شَاهدا من جِهَة جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا . قلت : رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن جَعْفَر بِهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَيروَى عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا . قلت : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن أَحْمد بن منيع ، عَن حَمَّاد بن خَالِد ، عَن هِشَام بن سعد ، عَن [ زِيَاد ] ، عَن أبي الْمُنْذر : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حثى فِي قبر ثَلَاثًا . وَذكر هَذَا ابْن أبي حَاتِم فِي مراسيله ، وَقَالَ : قَالَ أبي : أَبُو الْمُنْذر وَالَّذِي قبله مَجْهُولَانِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حثى من قبل رَأس الْمَيِّت ثَلَاثًا . إِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ ، وَخَالف أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث بَاطِل ، وَفِيه زِيَادَة لَطِيفَة وَهِي : من قبل رَأسه . فَيكون الحثي من قبل الرَّأْس مستحبًّا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْخمسين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (صلوا) عَلَى من قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا الله . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي صَلَاة الْجَمَاعَة وَاضحا ، والرافعي ذكره دَلِيلا للقائل بِسُقُوط الْفَرْضِيَّة عِنْد صَلَاة ثَلَاثَة ، فَقَالَ : وَاحْتج لَهُ فَذكر الحَدِيث ، خَاطب بِهِ الْجمع وَأقله ثَلَاثَة ، وَلَو احْتج لهَذَا الْقَائِل بالأحاديث الصَّحِيحَة ، كَقَوْلِه لأَصْحَاب الْمَيِّت (الَّذِي عَلَيْهِ) الدَّين : صلوا عَلَى صَاحبكُم وَغَيره من الْأَحَادِيث لأفاد هَذَا الْغَرَض .
الحَدِيث الْحَادِي بعد السّبْعين عَن جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَنه ألحد لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لحدًا ، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا ، وَرفع قَبره عَن الأَرْض قدر شبر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُلحد لَهُ لحدًا ، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا وَذكر الحَدِيث ، قَالَ : وَرفع قَبره (عَن) الأَرْض نَحوا من شبر . ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا وجدته . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رُشَّ عَلَى قَبره المَاء ، وَوضع عَلَيْهِ (حَصْبَاء) من (حَصْبَاء) الْعَرَصَة ، وَرفع قَبره قدر شبر ثمَّ قَالَ : هَذَا مُرْسل . وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَاد لَهُ عَن جَابر ، وَسَيَأْتِي قَرِيبا ، وَأخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ أَولا ، وَهَذَا لَفظه : عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ألحد لَهُ ، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبِن (نصبا) ، وَرفع قَبره نَحوا من شبر .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ عَن جَابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد فِي ثوب وَاحِد ثمَّ يَقُول : أَيهمْ أَكثر أخذا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذا (أُشير) لَهُ إِلَى أَحدهمَا قدَّمه فِي اللحدَ . وَقَالَ : (أَنا شَهِيد) عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْم الْقِيَامَة . وَأمر بدفنهم فِي دِمَائِهِمْ ، وَلم يغسلوا ، وَلم يصل عَلَيْهِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَمِنْه (نقلته ، والرافعي أورد مُخْتَصرا بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يصل) عَلَى قَتْلَى أحد . وَرَوَاهُ أَيْضا التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان : وَلم يصلَّ عَلَيْهِم وَهُوَ بِفَتْح اللَّام ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَا أعلم أحدا تَابع اللَّيْث بن سعد من ثِقَات أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد ، وَاخْتلف عَلَى الزُّهْرِيّ فِيهِ . هَذَا آخر كَلَامه ، وَلم يُؤثر عِنْد البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ تفرد اللَّيْث بِهَذَا الْإِسْنَاد ؛ فَإِنَّهُ من الأساطين ، وَأَخْرَجَاهُ فِي كِتَابَيْهِمَا وصححاه ، وَسَأَلَ التِّرْمِذِيّ البُخَارِيّ عَنهُ ، فَقَالَ : حَدِيث حسن ، وَحَدِيث أُسَامَة بن زيد - يَعْنِي بِهِ حَدِيث أنس الْآتِي - هُوَ غير مَحْفُوظ ؛ غلط فِيهِ أُسَامَة .
الحَدِيث الثَّانِي بعد السّبْعين عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ : دخلت عَلَى عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقلت : يَا أُمَّاهُ ، اكشفي لي عَن قبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وصاحبيه . فَكشفت لي عَن ثَلَاثَة قُبُور ، لَا مشرفة وَلَا لاطئة ، مبطوحة ببطحاء الْعَرَصَة الْحَمْرَاء . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، زَاد الْحَاكِم فِي رِوَايَته : فَرَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مقدما ، وَأَبا بكر رَأسه بَين كَتِفي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعمر رَأسه عِنْد رجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَائِدَة : قَوْله : لَا مشرفة أَي : لَا مُرْتَفعَة ارتفاعًا كَبِيرا ، ولَا لاطئة أَي : لَا لاصقة بِالْأَرْضِ ، وَهُوَ بِهَمْزَة آخِره . فَائِدَة : إِن قلت : كَيفَ يجمع بَين حَدِيث سُفْيَان التمار - الَّذِي انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ البُخَارِيّ ، بل لم يرو البُخَارِيّ لِسُفْيَان هَذَا غَيره ، وَوهم ابْن الْجَوْزِيّ فَعَزاهُ إِلَى مُسلم - أَنه رَأَى قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسنمًا . زَاد ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه : وقبر أبي بكر ، وقبر عمر وَفِي مَرَاسِيل أبي دَاوُد عَن صَالح بن أبي صَالح قَالَ : رَأَيْت قبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شبْرًا أَو نَحوا من شبر . قلت : جمع بَينهمَا الْبَيْهَقِيّ وَغَيره - رَحْمَة الله عَلَيْهِم - : بِأَن الْقَبْر كَانَ أَولا مسطحًا كَمَا قَالَ الْقَاسِم ، ثمَّ لما سقط الْجِدَار فِي زمن الْوَلِيد بن عبد الْملك - وَقيل فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز - أصلح - فَجعل مسنمًا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَحَدِيث الْقَاسِم أصح وَأولَى أَن يكون مَحْفُوظًا .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين عَن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : قَامَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع ، وَقَامَ النَّاس مَعَه ، ثمَّ قعد بعد ذَلِك وَأمرهمْ بالقعود . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِمَعْنَاهُ ، وَهَذَا لَفظه : قَامَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَعْنِي فِي الْجِنَازَة - ثمَّ قعد . وَفِي لفظ لَهُ : قَامَ فقمنا ، ثمَّ قعد فَقَعَدْنَا وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم (بن حبَان) فِي صَحِيحه بلفظين : أَحدهمَا : قَامَ عَلَى الْجَنَائِز حَتَّى تُوضع ، (ثمَّ قعد . وَثَانِيهمَا : كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقيامِ فِي الْجَنَائِز ، ثمَّ جلس بعد ذَلِك وأمرنا بِالْجُلُوسِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق ، فِي بَعْضهَا كَرِوَايَة مُسلم ، وَفِي بَعْضهَا كَمَا فِي الرَّافِعِيّ بِحُرُوفِهِ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَامَ مَعَ الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع) ، وَقَامَ النَّاس مَعَه ، ثمَّ قعد ، وَأمرهمْ بالقعود . وَفِي رِوَايَة لَهُ أَن عليًّا رَأَى نَاسا قيَاما ينتظرون الْجِنَازَة أَن تُوضَع ، فَأَشَارَ إِلَيْهِم بدرة مَعَه أَو سَوط أَن اجلسوا ؛ فَإِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قد جلس بَعْدَمَا كَانَ يقوم وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن عبَادَة بن الصَّامِت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فِي سَبَب الْقعُود قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقوم فِي الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد ، فَمر حبر من الْيَهُود فَقَالَ : هَكَذَا نَفْعل . فَجَلَسَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ : اجلسوا ؛ خالفوهم . وَإسْنَاد هَذَا ضَعِيف ؛ فِيهِ بشر بن رَافع - وَلَيْسَ بِحجَّة - عَن ابْن جُنَادَة ، وَفِيه نظر كَمَا قَالَ البُخَارِيّ ، وَقَالَ أَيْضا : هَذَا حَدِيث مُنكر ، لم يُتَابع عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْن حبَان : لَا أَدْرِي البلية من سُلَيْمَان بن جُنَادَة أَو من بشر . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يحفظ ذكر الحبر إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَن عليٍّ قَالَ : لم يقم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا مرّة ، ثمَّ لم يعد وإسنادها أَيْضا ضَعِيف ، (و) قَالَ الشَّافِعِي (رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدِيث) عَلّي - (يَعْنِي) الَّذِي رَوَاهُ مُسلم - أصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب ، وَهُوَ نَاسخ لحَدِيث عَامر بن ربيعَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَغَيرهمَا من الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بِالْقيامِ لمن مرت بِهِ جَنَازَة حَتَّى تخلفه أَو تُوضَع ، وَأمر من مَعهَا أَن لَا يقْعد عِنْد الْقَبْر حَتَّى تُوضَع حَتَّى قَالَ سليم الرَّازِيّ والمحاملي وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا : يكره الْقيام لَهَا إِذا لم يُرد الْمَشْي مَعهَا . وَخَالف صَاحب التَّتِمَّة فِي ذَلِك وَقَالَ : يسْتَحبّ ذَلِك ، وَهُوَ قوي ، وَبِه صحت الْأَحَادِيث بِالْأَمر بِالْقيامِ ، وَلم يثبت فِي الْقعُود إِلَّا حَدِيث عليٍّ السالف ، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي النّسخ ، بل لَيْسَ فِيهِ نسخ ؛ لِأَنَّهُ يحْتَمل الْقعُود لبَيَان الْجَوَاز ، وَهَذَا اخْتَارَهُ من الْمُتَأَخِّرين النَّوَوِيّ ، وَمن الْحَنَابِلَة ابْن عقيل . ثمَّ ذكر من حَدِيث عليٍّ وَعبادَة مَا يشْهد لذَلِك ، (وَلذَلِك) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي إِعْلَامه : حَدِيث (عَلّي) مُحْتَمل النّسخ ، إِلَّا أَن قَوْله فِي حَدِيث سَخْبَرَة : مَا فعل ذَلِك إِلَّا مرّة فَلَمَّا نهي انْتَهَى صَرِيح فِي النّسخ . قلت : لَكِن فِي سَنَده لَيْث بن (أبي) سليم ، وحالته وَكَلَام النَّاس فِيهِ مَعْلُوم سلف .
الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يجصص الْقَبْر ، و(أَن) يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَأَن يكْتب عَلَيْهِ ، وَأَن يُوطأ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَة التِّرْمِذِيّ ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، و(أَبُو حَاتِم) ابْن حبَان فِي صَحِيحه . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تجصص الْقُبُور ، وَأَن يكْتب عَلَيْهَا ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهَا ، وَأَن تُوطأ . وَلَفظ الْحَاكِم : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُبْنَى عَلَى الْقَبْر ، أَو يجصص ، أَو يقْعد عَلَيْهِ ، وَنَهَى أَن يكْتب عَلَيْهِ . وَلَفظ ابْن حبَان أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن تجصيص الْقُبُور ، وَالْكِتَابَة عَلَيْهَا ، وَالْبناء عَلَيْهَا ، وَالْجُلُوس عَلَيْهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : نهَى أَن تقصص الْقُبُور . وَكَانَ يسمون الجص الْقِصَّة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي الزبير سمع ( جَابر ) نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن تقصيص الْقُبُور ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهَا ، أَو يجلس عَلَيْهَا . وَرَوَاهُ مُخْتَصرا بِذكر الْبناء لَيْسَ إِلَّا ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقد رُوِيَ من غير وَجه عَن جَابر . قَالَ : وَقد رخص بعض أهل الْعلم فِي تطيين الْقُبُور ، مِنْهُم : الْحسن الْبَصْرِيّ ، وَقَالَ الشَّافِعِي : لَا بَأْس أَن يطين الْقَبْر . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَقد خرج بِإِسْنَادِهِ غير الْكِتَابَة فَإِنَّهَا لَفْظَة صَحِيحَة غَرِيبَة ، وَقد رويت من وَجه آخر فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابر ، قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن تجصيص الْقُبُور ، وَالْكِتَابَة فِيهَا ، وَالْبناء عَلَيْهَا ، وَالْجُلُوس عَلَيْهَا . قَالَ الْحَاكِم : وَهَذِه الْأَسَانِيد صَحِيحَة ، وَلَيْسَ الْعَمَل عَلَيْهَا ؛ فَإِن أَئِمَّة الْمُسلمين من الشرق إِلَى الغرب مَكْتُوب عَلَى قُبُورهم ، وَهُوَ عمل أَخذ بِهِ الْخلف عَن السّلف . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي سنَنه ، وَلَفظه : عَن جَابر قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يْقعد عَلَى الْقَبْر وَأَن يُقصص ويبنى عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَو يُزَاد عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة لَهُ أَو يكْتب عَلَيْهِ وَفِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث - أَعنِي حَدِيث أبي دَاوُد - عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن جَابر وَهَذِه الطَّرِيق مُنْقَطِعَة ؛ فَإِن سُلَيْمَان هَذَا لم يسمع من جَابر شَيْئا ، كَمَا نبه الْمُنْذِرِيّ عَلَيْهِ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب وَلذَلِك أضْرب مُسلم عَن ذكرهَا ، وَالصَّوَاب : عَن أبي الزبير عَن جَابر ، كَمَا هُوَ رِوَايَة البَاقِينَ ، وَلَفظ رِوَايَة ابْن مَاجَه عَن جَابر نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن تقصيص الْقُبُور ، وَأَن يكْتب عَلَى الْقَبْر شَيْء ، وَأَن يُبْنَى عَلَى الْقَبْر شَيْء وَلَفظ رِوَايَة مُسلم عَنهُ نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يجصص الْقَبْر ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَأَن يقْعد عَلَيْهِ . فَائِدَة : التجصيص : بناؤها بالجص وَهُوَ النورة الْبَيْضَاء ، والتقصيص : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ التجصيص وَذَلِكَ أَن الجصة يُقَال لَهَا : الْقِصَّة ، والجصاص وَالْقصاص وَاحِد ، وَالْقعُود : الْجُلُوس قَالَ مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) والهروي : المُرَاد بِهِ (الْحَدث) وَالصَّوَاب الأول ، ويوضحه رِوَايَة مُسلم لَا تجلسوا عَلَى الْقُبُور وَرِوَايَة أُخْرَى لَهُ لِأَن يجلس أحدكُم عَلَى جَمْرَة فتحرق ثِيَابه فتخلص إِلَى جلده خير لَهُ من أَن يجلس عَلَى قبر وَقيل : المُرَاد بِهِ الْجُلُوس للإحداد وملازمة الْحزن . حَكَاهُ ابْن الْأَثِير فِي (نهايته) وَحَكَى مَعَه قولا آخر أَن المُرَاد بِالْجُلُوسِ أَيْضا للْحَدَث ، وَوَقع فِي أَكثر نسخ (الْمُهَذّب) : (وَأَن يعْقد عَلَيْهِ) بِتَقْدِيم الْعين عَلَى الْقَاف ، وَهُوَ تَصْحِيف ، وَفَسرهُ صَاحب (المستعذب) فَقَالَ : أَي يُبْنَى عَلَيْهِ عقد كَمَا يفعل فِي أَبْوَاب بعض الْمَسَاجِد وَبَين الأساطين والقباب ومحراب الْقبَّة .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بإلقاء قَتْلَى بدر فِي القليب عَلَى هيئاتهم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ترك قَتْلَى بدر ثَلَاثًا ثمَّ أَتَاهُم فَقَامَ عَلَيْهِم فناداهم فَقَالَ : يَا أَبَا جهل بن هِشَام ، يَا أُميَّة بن خلف ، يَا عتبَة بن ربيعَة ، يَا شيبَة بن ربيعَة ، أَلَيْسَ قد وجدْتُم مَا وعد ربكُم حقًّا ؟ فَإِنِّي قد وجدت مَا وَعَدَني رَبِّي حقًّا . فَسمع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَول النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، كَيفَ يسمعُونَ أَو أنَّى يجيبون وَقد جيفوا ؟ ! قَالَ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُم بأسمع لما أَقُول مِنْهُم ، وَلَكِن لَا يقدرُونَ أَن يجيبوا . ثمَّ أَمر بهم فسحبوا فَألْقوا فِي قليب بدر وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث قَتَادَة قَالَ : ذكر لنا [ أنس بن مَالك ] عَن أبي طَلْحَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر يَوْم بدر بأَرْبعَة وَعشْرين رجلا من صَنَادِيد قُرَيْش فقذفوا فِي طوى من أطواء بدر خَبِيث مخبث ، وَكَانَ إِذا ظهر عَلَى قوم أَقَامَ بالعرصة ثَلَاث لَيَال ، فَلَمَّا كَانَ ببدر الْيَوْم الثَّالِث أَمر براحلته فَشد عَلَيْهَا رَحلهَا ، ثمَّ مَشَى وَاتبعهُ أَصْحَابه ، حَتَّى قَامَ عَلَى (سَقَى) الركي فَجعل يناديهم بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم الحَدِيث بِنَحْوِ الَّذِي (قبله) وَفِي آخِره قَالَ قَتَادَة : أحياهم الله حَتَّى أسمعهم قَوْله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَيْضا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام أَمر بمواراتهم وَهَذَا لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ من كتب السّير وَغَيرهَا ، وَلَا يُؤْخَذ ذَلِك من إلقائهم فِي القليب لأَنهم إِنَّمَا ألقوا فِيهِ تحقيرًا لَهُم وَلِئَلَّا يتَأَذَّى النَّاس (برائحتهم) وَلَيْسَ هُوَ دفنًا كَمَا نبه عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم فَإِن الْحَرْبِيّ لَا يجب دَفنه قَالَ أَصْحَابنَا : بل يتْرك فِي الصَّحرَاء إِلَّا أَن يتَضَرَّر مِنْهُ . نعم فِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم وَقَالَ : عَلَى شَرط مُسلم من حَدِيث [ عمر ] بن يعلى بن مرّة عَن أَبِيه قَالَ : سَافَرت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غير مرّة فَمَا رَأَيْته مر بجيفة إِنْسَان إِلَّا أَمر بدفنه ، لَا يسْأَل أمسلم هُوَ أم كَافِر . فَائِدَة : القليب هِيَ الْبِئْر مَا كَانَت ، ذكره ابْن سَيّده ، قَالَ : وَقيل : هِيَ قبل أَن يطوى ، وَقيل : هِيَ العاذبة الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يعلم لَهَا رب وَلَا حافر تكون بالبراري . تذكر وتؤنث ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي : القليب مَا كَانَ (فِيهِ) عين وَإِلَّا فَلَا . وَهَذَا القليب حفره رجل من بني الْبَار اسْمه بدر من قُرَيْش بن مخلد بن النَّضر وَكَانَ مَاء لَهُم) .
الحَدِيث الرَّابِع بعد السّبْعين رُوِيَ عَن فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه رش قبر ابْنه إِبْرَاهِيم وَوضع عَلَيْهِ (الْحَصْبَاء ) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رش عَلَى قبر ابْنه إِبْرَاهِيم وَوضع عَلَيْهِ حَصْبَاء والحصباء لَا تثبت (إِلَّا عَلَى قبر مسطح ، وَهَذَا مَعَ إرْسَاله فِيهِ إِبْرَاهِيم هَذَا ، وَقدمنَا أَنه ثِقَة) عَلَى رَأْي إمامنا ورأي جمَاعَة (ضَعِيف) عِنْد الْجُمْهُور ، وَرُوِيَ الرش عَلَى قبر ابْنه إِبْرَاهِيم من طرق (أُخْرَى ذكرتها) فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب .
الحَدِيث السَّادِس عَن جَابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول قبل مَوته : لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه - عَزَّ وَجَلَّ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ كَذَلِك وَبِزِيَادَة : أَنه سَمعه من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قبل مَوته بِثَلَاث . وَفِي رِوَايَة لَهُ : يحسن بِاللَّه الظَّن . وَفِي ثِقَات أبي حَاتِم بن حبَان بِإِسْنَادِهِ إِلَى (خلف) بن تَمِيم (أَنه) سَأَلَ عَلّي بن (بكار) المصِّيصِي عَن مَعْنَى هَذَا الحَدِيث ، قَالَ : أَن لَا (يَجْمَعُكَ) والفجار فِي دَار وَاحِدَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فيظن رَحْمَة الله ويرجوها ، ويتدبر الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كرم الله - تَعَالَى - وعفوه وَرَحمته ، وَمَا وعد بِهِ أهل التَّوْحِيد وَمَا ييسره لَهُم من الرَّحْمَة يَوْم (الْقِيَامَة) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الحَدِيث الصَّحِيح : أَنا عِنْد ظن عَبدِي (بِي) . وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى الحَدِيث ، وَهُوَ الَّذِي قَالَه جُمْهُور الْعلمَاء ، وشذ الْخطابِيّ فَذكر مَعَه تَأْوِيلا آخر ؛ أَن مَعْنَاهُ : أَحْسنُوا أَعمالكُم حَتَّى يحسن ظنكم بربكم ، فَمن أحسن عمله حسن ظَنّه ، وَمن سَاءَ عمله سَاءَ ظَنّه . وَهُوَ تَأْوِيل بعيد . (فَائِدَة : لهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر من طَرِيق أنس ، ذكر فِيهِ زِيَادَة حَسَنَة فِي آخِره فِي تَرْجَمَة أبي نواس الشَّاعِر الْمَشْهُور ، واسْمه : الْحسن بن هَانِئ ، وَهُوَ من مشاهير حَدِيثه ، مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن كثير الصُّوفِي عَنهُ ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ثَابت ، عَن أنس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه ؛ فَإِن حسن الظَّن بِاللَّه ثمن الْجنَّة) .
الحَدِيث الْخَامِس بعد السّبْعين عَن بِلَال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَنه رش عَلَى قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه لَكِن من رِوَايَة جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : رش عَلَى قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - المَاء رشًّا ، وَكَانَ الَّذِي رش عَلَى قَبره بِلَال بن رَبَاح ، بَدَأَ من قبل رَأسه من شقَّه الْأَيْمن حَتَّى انْتَهَى إِلَى رجلَيْهِ وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف فَإِن فِي إِسْنَاده الْوَاقِدِيّ ، وَقد ضعفه الْجُمْهُور وَنسبه إِلَى الْوَضع الرَّازِيّ وَالنَّسَائِيّ ، وَقَالَ عَلَي بن الْمَدِينِيّ : رَوَى ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث لَا تعرف . وَقَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه غير مَحْفُوظَة وَالْبَلَاء مِنْهُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رُش عَلَى قَبره المَاء ، وَوضع عَلَيْهِ حَصْبَاء من حَصْبَاء الْعَرَصَة ، وَرفع قَبره قدر شبر هَذَا مُرْسل ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا من حَدِيث جَعْفَر الْمَذْكُور عَن أَبِيه أَن الرش عَلَى الْقَبْر كَانَ عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الْمَشْي بالجنازة ، فَقَالَ : دون الخبب ، فَإِن يَك خيرا عجلتموه إِلَيْهِ ، وَإِن يَك شرًّا فبعدًا لأهل النَّار ، الْجِنَازَة متبوعة ، وَلَا تتبع ، لَيْسَ (مَعهَا) من (يقدمهَا) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن عبد الله التَّمِيمِي عَن أبي ماجدة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ : سَأَلنَا نَبينَا صَلَّى الْلَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَن الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَة ، فَقَالَ : مَا دون الخبب ، إِن يكن خيرا يُعجَّل إِلَيْهِ ، وَإِن يكن غير ذَلِك فبعدًا لأهل النَّار ، والجنازة متبوعة وَلَا تتبع ، لَيْسَ مَعهَا من يقدمهَا . هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : سَأَلنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة ، قَالَ : مَا دون الخبب ، فَإِن كَانَ خيرا عجلتموه ، وَإِن كَانَ شرًّا فَلَا يُبعد إِلَّا أهل النَّار وَالْبَاقِي بِمثلِهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا بِلَفْظ : الْجِنَازَة متبوعة . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث يَحْيَى الجابر أَو الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن أبي ماجدة ، وَهُوَ حَدِيث واه لأجل (يَحْيَى الجابر) و(أبي ماجدة) ، أما يَحْيَى فضعفوه ، مِنْهُم أَحْمد وَيَحْيَى وَالْبُخَارِيّ ، قَالَ أَحْمد : لَيْسَ بشيءِ ؛ إِنَّمَا يحدث عَن أبي ماجدة ، وَذَلِكَ غير مَعْرُوف . وَأما أَبُو ماجد وَيُقَال لَهُ : أَبُو ماجدة أَيْضا ، واسْمه عَابِد بن نَضْلَة كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم ، وَهُوَ حَنَفِيّ ، وَيُقَال : عجلي ؛ فمجهول مُنكر الحَدِيث ، (قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : مَجْهُول . زَاد الدَّارَقُطْنِيّ : وَهُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن عدي : مُنكر الحَدِيث) رَوَى عَنهُ يَحْيَى الجابر إِن كَانَ حفظ عَنهُ ، سَمِعت ابْن حَمَّاد يَقُوله عَن النَّسَائِيّ . وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد بعد أَن رَوَى هَذَا الحَدِيث فِي كناه : أرَى [ أَبُو ] ماجدة هَذَا غير أبي ماجدة الْحَنَفِيّ الَّذِي حَدِيثه لَيْسَ بالقائم ، وَهَذَا قَول آخر فِي الْفرق بَينهمَا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَسمعت البُخَارِيّ يضعِّفه ، قَالَ مُحَمَّد : قَالَ ابْن عُيَيْنَة : قيل ليحيى : مَنْ أَبُو ماجدة ؟ قَالَ : طَائِر طَار فحدثنا . وَفِي رِوَايَة عَن يَحْيَى : إِنَّه مُنكر الحَدِيث . قلت : وَفِي تَارِيخ البُخَارِيّ هَذِه الْحِكَايَة أَيْضا ، لكنه قَالَ : طَارِئ طَرَأَ علينا فحدثنا بدل مَا ذكره التِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : لَا يعرف حَاله . وَخَالف ابْن حبَان فَذكره فِي الثِّقَات من التَّابِعين ، وَقَالَ : اسْمه عَلّي بن ماجدة ، أَظُنهُ أَنا هُوَ . وَأخرج الْحَاكِم حَدِيثا لأبي ماجدة فِي الْحُدُود (من) مُسْتَدْركه وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا حَدِيث ضَعِيف ؛ يَحْيَى الجابر ضَعِيف ، وَأَبُو ماجدة وَقيل : (أَبُو ماجد) مَجْهُول ، وَفِيمَا مَضَى كِفَايَة . يُرِيد الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (أَسْرعُوا بالجنازة ، فَإِن تَكُ صَالِحَة فَخير تقدمونها عَلَيْهِ ، وَإِن تَكُ سُوَى ذَلِك فشر تضعونه عَن رِقَابكُمْ . وَسقط للْبُخَارِيّ : عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : قربتموها إِلَى الْخَيْر .
الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وضع صَخْرَة عَلَى قبر عُثْمَان بن مَظْعُون وَقَالَ : أعلم بهَا قبر أخي ، وأدفن إِلَيْهِ من مَاتَ من أَهلِي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث كثير بن زيد الْمدنِي عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب التَّابِعِيّ قَالَ : لما مَاتَ عُثْمَان بن مَظْعُون أخرج بجنازته فَدفن ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا أَن يَأْتِي بِحجر فَلم يسْتَطع حمله ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ - (قَالَ كثير) : قَالَ الْمطلب : قَالَ الَّذِي (يُخْبِرنِي) : كَأَنِّي أنظر إِلَى بَيَاض ذراعي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين حسر عَنْهُمَا - ثمَّ حملهَا فوضعها عِنْد رَأسه وَقَالَ : أتعلم بهَا قبر أخي وأدفن إِلَيْهِ من مَاتَ من أَهلِي إِسْنَاده حسن مُتَّصِل ؛ لِأَن الْمطلب بَين فِي كَلَامه أَنه أخبرهُ (بِهِ) صَحَابِيّ حضر الْقِصَّة ، وَالصَّحَابَة كلهم عدُول لَا تضر الْجَهَالَة بأعيانهم ، وَكثير هَذَا وَإِن ضعفه النَّسَائِيّ فقد وَثَّقَهُ يَحْيَى (بن معِين ) وَقَالَ أَبُو زرْعَة : صَدُوق وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : صَالح وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه مُخْتَصرا من رِوَايَة أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَعْلَمَ قبر عُثْمَان بن مَظْعُون بصخرة وَفِي إِسْنَاده كثير هَذَا ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ الدَّرَاورْدِي عَن كثير بن زيد ، عَن زَيْنَب ابْنة نبيط ، عَن أنس فَذكره كَلَفْظِ ابْن مَاجَه ، فَقَالَ : هَذَا خطأ يُخَالف الدَّرَاورْدِي فِيهِ ، يرويهِ حَاتِم وَغَيره عَن كثير بن زيد ، عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب ، وَهُوَ الصَّحِيح . يُشِير أَبُو زرْعَة إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة عُثْمَان بن مَظْعُون ، بِإِسْنَاد لَيْسَ فِيهِ كثير بن زيد ، لَكِن فِيهِ بدله الْوَاقِدِيّ ، وحالته مَعْرُوفَة سلفت قَرِيبا ، وَأَبُو بكر بن عبد الله بن أبي سُبْرَة الْمَدِينِيّ وَهُوَ تَالِف ، ذكره من حَدِيث عبيد الله بن رَافع عَن أَبِيه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يرتاد) لأَصْحَابه مَقْبرَة يدفنون فِيهَا ، فَكَانَ قد طلب نواحي الْمَدِينَة وأطرافها ؛ ثمَّ قَالَ : أمرت بِهَذَا الْموضع - يَعْنِي : البقيع - وَكَانَ أَكثر نَبَاته الْغَرْقَد ، وَكَانَ أول من قبر هُنَاكَ عُثْمَان بن مَظْعُون ، فَوضع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجرا عِنْد رَأسه . و(قَالَ) : هَذَا قبر فرطنا . وَكَانَ إِذا مَاتَ المُهَاجر بعده قيل : يَا رَسُول الله ، أَيْن ندفنه ؟ فَيَقُول : عِنْد فرطنا عُثْمَان بن مَظْعُون . فَائِدَة : عُثْمَان بن مَظْعُون - بالظاء (الْمُعْجَمَة) وَالْعين الْمُهْملَة - من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام ، وَأول من توفّي من الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ ، وَأول من دفن بِالبَقِيعِ مِنْهُم ، وَأول من دفن (من) الْأَنْصَار كُلْثُوم بن الْهدم . قَالَه رزين . فَائِدَة ثَانِيَة : رَوَى الْبَزَّار أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر برش المَاء عَلَى قبر عُثْمَان بن مَظْعُون . أَيْضا رَوَاهُ من حَدِيث الْعمريّ ، عَن عَاصِم بن عبيد الله ، عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة ، عَن أَبِيه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَامَ عَلَى قبر عُثْمَان بن مَظْعُون بَعْدَمَا دَفنه ، وَأمر (فرش عَلَيْهِ المَاء) . قَالَ ابْن الْقطَّان : والعمري هَذَا هُوَ الْقَاسِم بن (عبد الله) ، وَهُوَ ضَعِيف جدًّا ، قَالَ أَحْمد : هُوَ مدنيّ كَذَّاب ، وضَّاع للْحَدِيث ، ترك النَّاس حَدِيثه .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أخبر بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَخرج بهم إِلَى الْمُصَلى ، فَصف بهم ، وَكبر أَرْبعا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَعَى النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَخرج (بهم) إِلَى الْمُصَلى ، فَصف بهم ، وَكبر أَربع تَكْبِيرَات مُتَّفق عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَة لَهما : فَقَالُوا : اسْتَغْفرُوا لأخيكم . ثَانِيهَا : من رِوَايَة جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيّ ، فَكبر أَرْبعا . مُتَّفق عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : فَكنت فِي الصَّفّ الثَّانِي أَو الثَّالِث . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : فصففنا صفّين . وَفِي رِوَايَة لَهُ : صَلَّى عَلَى أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ . ثَالِثهَا : من رِوَايَة عمرَان بن الْحصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن أَخا لكم قد مَاتَ فَقومُوا فصلوا عَلَيْهِ . يَعْنِي : النَّجَاشِيّ رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ ، وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : إِن أَخَاكُم . وَمن الْأَحَادِيث الضعيفة : رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث كثير بن عبد الله الْمُزنِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبر عَلَى النَّجَاشِيّ خمْسا . وَقد ذكرت فِي شرحي للعمدة فَوَائِد تتَعَلَّق (بِلَفْظ) النَّجَاشِيّ واسْمه وَغير ذَلِك ؛ فَرَاجعهَا مِنْهُ ؛ فَإِنَّهَا لَا تُوجد مَجْمُوعَة كَذَلِك فِي غَيره . وَذكر الرَّافِعِيّ أَنه كَانَ بَين النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالنَّجَاشِي مسيرَة شهر ، وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة .
الحَدِيث السَّابِع بعد السّبْعين رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سطح قبر ابْنه إِبْرَاهِيم . هَذَا الحَدِيث تقدم قَرِيبا مُرْسلا من رِوَايَة الشَّافِعِي قبل هَذَا بحديثين .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا اسْتهلّ السقط صلي عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من حَدِيث جَابر والمغيرة بن شُعْبَة ، أما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ ، عَن أبي الزبير ، (عَنهُ) مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة : ووُرِّثَ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث قد اضْطربَ النَّاس فِيهِ ، فَرَوَاهُ بَعضهم عَن أبي الزبير عَن جَابر مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ أَشْعَث (بن) سوار وَغير وَاحِد ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَوْقُوفا ، وَكَأن الْمَوْقُوف أصح . وَقَالَ النَّسَائِيّ : الْمَوْقُوف أولَى بِالصَّوَابِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : اخْتلف فِي رفع الحَدِيث عَلَى عَطاء ، فرفعه عَنهُ ابْن الصَّباح ، وَوَقفه مُحَمَّد بن إِسْحَاق ؛ رَوَاهُ عَن عَطاء عَن جَابر قَوْله . وروُي عَن أبي الزبير عَن جَابر ، أسْندهُ يَحْيَى بن أبي أنيسَة عَنهُ ، وَوَقفه إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر قَوْله ، وروُي عَن شريك ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، وَلَا يَصح ذَلِك ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : عِلّة هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا الزبير عنعن فِيهِ عَن جَابر ، وَلَيْسَ هُوَ من رِوَايَة اللَّيْث عَنهُ ، وَفِيه مَعَ ذَلِك إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ وَهُوَ ضَعِيف جدًّا . ورده ابْن حزم بِأبي الزبير أَيْضا وَقَالَ : إِنَّه مُدَلّس . وَلم يذكر أَنه سَمعه من جَابر ، وَذكره الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه هُنَا مَرْفُوعا مستشهدًا بِهِ ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . قلت : وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي كتاب الْفَرَائِض بِدُونِ إِسْمَاعِيل ، (رَوَوْهُ فِي حَدِيث) سُفْيَان عَن أبي الزبير ، عَن جَابر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا اسْتهلّ الصَّبِي وُرِّث وَصلي عَلَيْهِ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : (وَلم) أَجِدهُ من حَدِيث الثَّوْريّ ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر (مَوْقُوفا ، فَكنت أحكمُ بِهِ . ثمَّ رَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث الْمُغيرَة بن مُسلم ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ) مَرْفُوعا : إِذا اسْتهلّ الصَّبِي ورث ، صلي عَلَيْهِ . ثمَّ قَالَ : لَا أعلم أحدا رَفعه عَن أبي الزبير غير الْمُغيرَة ، وَقد (أوقفهُ) ابْن جريج وَغَيره ، وَقد كتبناه من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن (جَابر) (مَرْفُوعا) فَذكره كَمَا سلف ، وَاعْترض صَاحب الْإِلْمَام عَلَى الْحَاكِم فَقَالَ : أَبُو الزبير لَيْسَ من شَأْن البُخَارِيّ فِي الْأُصُول . وَأما حَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي هَذَا الْبَاب ، وَأحمد فِي مُسْنده بِلَفْظ : الرَّاكِب يسير خلف الْجِنَازَة ، والماشي عَن يَمِينهَا وشمالها قَرِيبا مِنْهَا ، والسقط يصلَّى عَلَيْهِ ويدعى لوَالِديهِ بالعافية وَالرَّحْمَة قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَأقرهُ عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي آخر كِتَابه الاقتراح قَالَ الْحَاكِم : وَشَاهده حَدِيث جَابر - يَعْنِي السالف - قَالَ : والشيخان لم يحْتَجَّا بِإِسْمَاعِيل بن مُسلم ، يَعْنِي الْمَذْكُور فِي حَدِيث جَابر . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من قَول الْمُغيرَة ، ثمَّ قَالَ : لم يرفعهُ سُفْيَان . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : رُوِيَ (مَرْفُوعا ، وَأَنا) لَا أحفظ رَفعه (وَرَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة أَيْضا إِلَّا أَنهم قَالُوا الطِّفْل بدل السقط كَذَا هُوَ) فِي إِحْدَى روايتي أَحْمد وَالْحَاكِم ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح . تَنْبِيه : ذكر الشَّيْخ فِي الْمُهَذّب هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس ، وَلم أر من خرجه من هَذَا الْوَجْه ، وَقد بيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ : إِنَّه غَرِيب .
الحَدِيث الثَّامِن بعد السّبْعين عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد قَالَ : رَأَيْت قبر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وقبر أبي بكر مسطحة . هَذَا الحَدِيث سلف قَرِيبا بِخَمْسَة أَحَادِيث .
وأمَّا آثاره فخمسة عشر أثرا) : الأول : أَن عليَّا غسل فَاطِمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن إِبْرَاهِيم ، (عَن) عمَارَة ، عَن أم مُحَمَّد بنت مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي طَالب ، عَن جدَّتهَا أَسمَاء بنت عُمَيْس أَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أوصت أَن تغسلها إِذا مَاتَت هِيَ وَعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فغسلتها هِيَ وَعلي . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث عبد الله بن نَافِع الْمدنِي ، عَن مُحَمَّد بن مُوسَى ، عَن عون بن مُحَمَّد ، عَن [ أمه ] ، عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس أَن فَاطِمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوصت أَن يغسلهَا زَوجهَا عَلّي وَأَسْمَاء ، فغسلاها . وَإِبْرَاهِيم الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الأول هُوَ ابْن أبي يَحْيَى ، وَقد ضعفه الْأَكْثَرُونَ ، كَمَا سلف فِي الطَّهَارَة . وَعبد الله بن نَافِع الْمَذْكُور فِي الثَّانِي من فرسَان مُسلم ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين . وَقَالَ البُخَارِيّ : فِي حفظه شَيْء . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة بن سعيد (ثَنَا مُحَمَّد بن مُوسَى المَخْزُومِي) نَا عون بن مُحَمَّد بن عَلّي بن أبي طَالب ، عَن أمه أم جَعْفَر بنت مُحَمَّد بن جَعْفَر - أَظُنهُ : وَعَن عمَارَة بن المُهَاجر عَن أم جَعْفَر - أَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَت : يَا أَسمَاء ، إِذا أَنا مت فاغسليني أَنْت وَعلي بن أبي طَالب . فغسلها عَلّي وَأَسْمَاء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . (وَرَوَاهُ أَيْضا) من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي ، عَن مُحَمَّد بن مُوسَى ، عَن عون بن مُحَمَّد بن عَلّي ، عَن عمَارَة بن المُهَاجر ، عَن أم جَعْفَر بنت مُحَمَّد بن عَلّي ، (عَن بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) . وَهَذَا وَالَّذِي قبله متابع للأولين . وَعَن الْبَيْهَقِيّ أَنه قَالَ : هَذَا (الْأَثر) عَجِيب ؛ فَإِن أَسمَاء كَانَت فِي ذَلِك الْوَقْت عِنْد أبي بكر ، وَقد ثَبت أَنه لم يعلم بوفاة فَاطِمَة ، لما فِي الصَّحِيح أَن عليا دَفنهَا لَيْلًا ، وَلم يعلم أَبَا بكر . فَكيف يُمكن أَن تغسلها زَوجته وَلَا يعلم ؟ ! وورع أَسمَاء يمْنَعهَا أَن تفعل ذَلِك وَلَا تستأذن زَوجهَا ، إِلَّا أَن يُقَال : إِنَّه يحْتَمل أَن يكون علم وأحب أَن لَا يرد غَرَض عَلّي فِي كِتْمَانه مِنْهُ ، لَكِن الْأَشْبَه أَنه يحمل عَلَى أَن أَسمَاء ستعلمه ، وَأَنه علم أَنه علم وَنَوَى حُضُوره ، وَالْأولَى لمن يثبت هَذَا أَن يُقَال : يحْتَمل - وَالله أعلم - أَن أَبَا بكر علم ، وَأَن عليا علم بِعِلْمِهِ بذلك ، وَظن أَنه (يحضر) من غير استدعاء مِنْهُ لَهُ ، وَظن أَبُو بكر أَنه سيدعوه ، أَو أَنه لَا يُؤثر حُضُوره . هَذَا آخر كَلَامه . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ محتجًا بِهِ عَلَى أبي حنيفَة فِي قَوْله : لَا يجوز للرجل أَن يغسل زَوجته . ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ هبة الله الطَّبَرِيّ عَن أَسمَاء أَن عليا غسل فَاطِمَة ، قَالَت أَسمَاء : (وأعنته) أَنا عَلَيْهَا . وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من الصَّحَابَة ، فَصَارَ كالإجماع ، ثمَّ قَالَ : فَإِن قيل : هَذَا الحَدِيث أنكرهُ أَحْمد ، ثمَّ فِي إِسْنَاده عبد الله بن نَافِع ، قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . ثمَّ أجَاب بِأَن يَحْيَى قَالَ فِي رِوَايَة : يكْتب حَدِيثه . ثمَّ نقل عَن بعض المتفقهة أَنه لَو صَحَّ هَذَا فَإِنَّمَا غسلهَا ؛ لِأَنَّهَا زَوجته فِي الْآخِرَة ، فَمَا انْقَطَعت عَنهُ الزَّوْجِيَّة ، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهَا لَو بقيت لما تزوج بنت أُخْتهَا أُمَامَة بنت زَيْنَب بعد مَوتهَا ، وَقد مَاتَ عَن أَربع حرائر . قلت : وَأما حَدِيث : أَنَّهَا اغْتَسَلت وَمَاتَتْ ، فاكتفوا بغسلها ذَلِك فَفِيهِ مقَال ، بَينته وَاضحا فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب ، فَليُرَاجع مِنْهُ .
الْأَثر الثَّانِي : أَن أَبَا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَوْصَى أَن يُكفن فِي ثَوْبه الخَلِق ، فنفذت وَصيته . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن أَبَا بكر الصّديق قَالَ لَهَا : فِي كم كفنتم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَت : فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة . قَالَ : فِي أَي يَوْم توفّي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قلت : (فِي) يَوْم الِاثْنَيْنِ . قَالَ : أَرْجُو فِيمَا بيني وَبَين اللَّيْل . فَنظر إِلَى ثوب عَلَيْهِ كَانَ يمرض فِيهِ ، بِهِ ردع من زعفران ، فَقَالَ : اغسلوا ثوبي هَذَا وزيدوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ، فكفنوني فِيهَا . قلت : إِن هَذَا خَلِق قَالَ : إِن الْحَيّ أولَى بالجديد من الْمَيِّت ، إِنَّمَا هُوَ للمهلة . فَلم يتوف حَتَّى أَمْسَى من لَيْلَة الثُّلَاثَاء ، وَدفن قبل أَن يصبح . وَرَوَاهُ أَبُو (حَاتِم) بن حبَان فِي صَحِيحه عَنْهَا ، قَالَت : كنت عِنْد أبي بكر حِين حَضرته الْوَفَاة فتمثلت بِهَذَا الْبَيْت : من لَا يزالُ دمعُةُ [ مقنعا ] يُوشك أن يكون مدفوقًا فَقَالَ : يَا بنية ، لَا تقولي هَكَذَا ، (وَلَكِن قولي) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ثمَّ قَالَ : فِي كم كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَقلت : فِي ثَلَاثَة أَثوَاب . فَقَالَ : كَفِّنُوني فِي ثوبيَّ هذَيْن واشتروا (إِلَيْهِمَا) ثوبا جَدِيدا ؛ فَإِن الْحَيّ أحْوج إِلَى الْجَدِيد من الْمَيِّت ، وَإِنَّمَا هِيَ للمهنة أَو للمهلة ، وَرَوَاهُ الإِمَام [ أَحْمد ] فِي (مُسْنده) وَقَالَ فِيهِ وَكَانَ عَلَيْهِ ثوب من مشق بدل زعفران . فَائِدَة : الردع بالحروف المهملات : (الْأَثر . والمهلة) مثلث الْمِيم . صديد الْمَيِّت ، و(الْمشق : بِكَسْر الْمِيم) ، وَهِي (المغرّة) . قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد .
الْأَثر الثَّالِث : أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم صلوا عَلَى يَد عبد الرَّحْمَن بن عتاب بن أسيد ، أَلْقَاهَا طَائِر بِمَكَّة فِي وقْعَة الْجمل ، وَعرفُوا أَنَّهَا يَده بِخَاتمِهِ . وَهَذَا الْأَثر ذكره الشَّافِعِي بِنَحْوِهِ بلاغًا فَقَالَ فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ - : وبلغنا أَن طائرًا ألْقَى يدا بِمَكَّة فِي وقْعَة الْجمل ، فعرفوها بالخاتم ، فغسلوها وصلوا عَلَيْهَا . وَذكره الزبير بن بكار فِي الْأَنْسَاب وَقَالَ : كَانَ الطَّائِر نسرًا . قلت : وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة : كَانَ (عقَابا) وَتقدم أَنه أَلْقَاهَا بِمَكَّة ، وَقَالَ غَيره : أَلْقَاهَا بِالْيَمَامَةِ . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيره : أَلْقَاهَا بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَت وقْعَة الْجمل فِي جمادى الأولَى سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ ، وَبعدهَا صفّين سنة سبع وَثَلَاثِينَ ، وَكِلَاهُمَا فِي خلَافَة عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَذكر ابْن الْأَثِير فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة يعْلى بن أُميَّة أَن اسْم الْجمل الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ عَائِشَة يَوْم الْجمل : عَسْكَر وعتاب : بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ثمَّ بمثناة فَوق . وأَسيد : بِفَتْح الْهمزَة . وَعبد الرَّحْمَن عده أَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة ، وَأَبوهُ صَحَابِيّ أَيْضا .
الْأَثر الْخَامِس : أن عمار بن يَاسر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَوْصَى بِأَن لَا يغسل . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن) و(الْمعرفَة) من حَدِيث قيس بن أبي حَازِم أَن عمّارًا قَالَ : ادفنوني فِي ثِيَابِي ؛ فَإِنِّي مخاصم . وَذكره ابْن السكن أَيْضا فِي صحاحه . فَائِدَة : فِي الْبَيْهَقِيّ عَن عَلّي أَنه صَلَّى عَلَى عمار .
الْأَثر السَّادِس : أَن أَسمَاء غسلت ابْنهَا ابْن الزبير ، وَلم يُنكر عَلَيْهَا أحد . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ فِي سنَنه من حَدِيث أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ : دخلت عَلَى أَسمَاء بنت أبي بكر بعد قتل عبد الله بن الزبير ، قَالَ : وَجَاء كتاب عبد الْملك : أَن يدْفع إِلَى أَهله ، فَأتيت بِهِ أَسمَاء فغسلتْه وكفنتْه وحنطتْه ودفَنتْه - قَالَ أَيُّوب : وَأَحْسبهُ قَالَ : فَمَا عاشت بعد ذَلِك إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام ، ثمَّ مَاتَت . زَاد غَيره فِيهِ : وصلت عَلَيْهِ . وَفِي الِاسْتِيعَاب عَن أبي عَامر الخزاز ، عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ : كنت [ أول ] من بشر أَسمَاء بنزول ابْنهَا عبد الله بن الزبير من الْخَشَبَة ، فدعَتْ بمركن وشب يمَان ، وأمرتني بِغسْلِهِ ، فَكُنَّا لَا نتناول عضوا إِلَّا جَاءَ مَعنا ، فَكُنَّا نغسل الْعُضْو ثمَّ نضعه فِي أَكْفَانه ، حَتَّى فَرغْنَا مِنْهُ ، ثمَّ قَامَت فصلت عَلَيْهِ ، وَكَانَت تَقول قبل : اللَّهُمَّ لَا تمتني حَتَّى تقر عَيْني بجثته . فَمَا أَتَت عَلَيْهَا جُمُعَة حَتَّى مَاتَت . تَنْبِيه : فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ للْحَاكِم ، من حَدِيث صاعد بن مُسلم عَن الشّعبِيّ قَالَ : بعث عبد الْملك بِرَأْس ابْن الزبير إِلَى حَازِم بخراسان ، فَكَفنهُ ، وَصَلى عَلَيْهِ . قَالَ الشّعبِيّ : أَخطَأ ، لَا يُصَلّى عَلَى الرَّأْس . قلت : خبر مُنكر ، وصاعد واه .
الْأَثر السَّابِع : أَن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - غُسِّل وصُلِّي عَلَيْهِ ، وَقد قتل ظلما بالمحدد . هَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ : مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن عمر أَن عمر بن الْخطاب غُسِّل وكُفِّن وصُلِّي عَلَيْهِ ، وَكَانَ شَهِيدا . وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ : وحُنِّط وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي أَبْوَاب الْقصاص : أَنه عَاشَ ثَلَاثًا بَعْدَمَا طعن .
الْأَثر الثَّامِن : أَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - غُسل وصُلي عَلَيْهِ ، وَقد قتل ظلما بالمحدد . هَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ دون (غسله) . رَوَى أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الْملك بن الْمَاجشون قَالَ : سَمِعت مَالِكًا يَقُول : وَقتل عُثْمَان ، فَأَقَامَ مطروحًا عَلَى كناسَة بني فلَان ثَلَاثًا ، فَأَتَاهُ اثْنَا عشر رجلا ، مِنْهُم : جدي مَالك بن أبي عَامر ، وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى ، وَحَكِيم بن حزَام ، وَعبد الله بن الزبير ، وَعَائِشَة بنت عُثْمَان ، مَعَهم مِصْبَاح فِي حُقٍّ ، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَاب وَإِن رَأسه يَقُول عَلَى الْبَاب طق طق ، حَتَّى أَتَوا بِهِ البقيع ، فَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ ، فَصَلى عَلَيْهِ حَكِيم ابن حزَام أَو حويطب بن عبد الْعُزَّى - شكّ عبد الرَّحْمَن أحد رُوَاته - ثمَّ أَرَادوا دَفنه ، فَقَامَ رجل من بني مَازِن فَقَالَ : وَالله لَئِن دفنتموه مَعَ الْمُسلمين لأخبرن النَّاس ، فَحَمَلُوهُ حَتَّى أَتَوا بِهِ حش كَوْكَب ، وَلما دلوه فِي قَبره صاحت عَائِشَة بنت عُثْمَان ، فَقَالَ لَهَا ابْن الزبير : اسكتي ؛ فوَاللَّه إِن عدت لَأَضرِبَن الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك . فَلَمَّا دفنوه وسووا عَلَيْهِ التُّرَاب قَالَ لَهَا ابْن الزبير : صيحي مَا بدا لَك أَن تصيحي قَالَ مَالك : وَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان قبل ذَلِك يمر بحش كَوْكَب ، فَيَقُول ليدفن هُنَا رجل صَالح ثمَّ رَوَى الْحَافِظ أَبُو نعيم إِلَى إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن فروخ عَن أَبِيه قَالَ : شهِدت عُثْمَان دفن فِي ثِيَابه بدمائه . زَاد الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه فِي رِوَايَته : وَلم يغسل . وَسَنَده كل رِجَاله ثِقَات ، إِلَّا إِبْرَاهِيم بن عبد الله ، فَإِن أَبَا حَاتِم لم (يعقبه) بِجرح وَلَا تَعْدِيل . وَرَوَى أَبُو نعيم أَيْضا بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن قَتَادَة قَالَ : صَلَّى الزبير عَلَى عُثْمَان وَدَفنه ، وَكَانَ قد أَوْصَى إِلَيْهِ . ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى الْوَاقِدِيّ : ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد ، عَن مُحَمَّد بن يُوسُف ، نَا السَّائِب بن يزِيد الْكِنْدِيّ قَالَ : خرجت نائلة بنت الفرافصة وَقد شقَّتْ جيبها قبلا ودُبُرًا وَهِي تصيح ، وَمَعَهَا سراج ، وأمير الْمُؤمنِينَ واه ، فَقَالَ جُبَير بن مطعم : أطفئي السراج . وانتهوا إِلَى البقيع ، فَصَلى عَلَيْهِ جُبَير وَخَلفه حَكِيم بن حزَام وأبو جهم بن حُذَيْفَة ونيار بن مكرم الْأَسْلَمِيّ ، ونائلة وأُمُّ الْبَنِينَ بنت عُيَيْنَة امرأتاه ، وَنزل فِي حفرته نيار وأبو جهم وجعفر ، وَكَانَ حَكِيم ونائلة وَأم الْبَنِينَ يدلونه عَلَى الرِّجَال ، حَتَّى لحد وَبني عَلَيْهِ وغيبوا قَبره ، وَتَفَرَّقُوا . وَرَوَى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بن سعيد الْأمَوِي ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه قَالَ : لما قتل عُثْمَان جَاءَ أبو جهم بن حُذَيْفَة ليُصَلِّي عَلَيْهِ ، فمنعوه من الصَّلَاة ، فَقَالَ : لَئِن منعتموني من الصَّلَاة عَلَيْهِ لقد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَته . وَرَوَى بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه قَالَ : مكث عُثْمَان فِي حش كَوْكَب مطروحًا ثَلَاثَة ، لَا يصلى عَلَيْهِ ، حَتَّى هتف بهم هَاتِف : ادفنوه وَلَا يُصلى عَلَيْهِ ؛ فَإِن الله قد صَلَّى عَلَيْهِ . قَالَ ابْن عبد الحكم : خرج من مصر سِتّمائَة رجل عَلَيْهِم أَربع قواد ، كل رجل مِنْهُم عَلَى خمسين وَمِائَة ، فَأَقْبَلُوا إِلَى عُثْمَان فحصروه أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، ثمَّ دخلُوا فَضَربهُ سودان بن حمْرَان المرادي بهراوة من شبة ، فدق جنَاحه فَخر مَيتا ، وَقَامَ غُلَام لعُثْمَان أسود فَضرب سودان فَنقرَ دماغه ، وَقتل المصريون الْغُلَام الْأسود ، فأغلق النَّاس عَلَى عُثْمَان وسودان وَالْأسود ، فأرادوا الصَّلَاة عَلَى عُثْمَان ؛ فَأَبَى المصريون ذَلِك ، وَقَالُوا : لَا يصلى عَلَيْهِ وَلَا يدْفن مَعَ الْمُسلمين . فَقَالَ حَكِيم بن حزَام : ادفنوه ، فَإِن الله قد صَلَّى عَلَيْهِ . فَائِدَة : حش كَوْكَب الَّذِي تقدم ذكره أَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - دفن فِيهِ ، الْجَارِي عَلَى (ألسنتنا) فِيهِ فتح الْحَاء ، وَإِنَّمَا هُوَ بضَمهَا ، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه فِيمَا رَأَيْته من كِتَابه ، فَقَالَ : حش كَوْكَب - بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الشين - : مَوضِع بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ الْموضع الَّذِي دفن فِيهِ عُثْمَان . والحُش : الْبُسْتَان . وكوكب : الَّذِي أضيف إِلَيْهِ رجل من الْأَنْصَار ، وَقيل : من الْيمن ، وَلما ظهر مُعَاوِيَة هدم حَائِطه وأفضى بِهِ إِلَى البقيع ، وَكَانَ عُثْمَان يمر بِهَذَا الحش وَيَقُول : يدْفن هُنَا رجل صَالح . كَمَا سلف ، وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : كَانَ عُثْمَان قد اشْتَرَى حش كَوْكَب ، وَكَانَ أول من دفن فِيهِ و(غيب) قَبره . وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب مرج الْبَحْرين . الحش : هُوَ الْبُسْتَان - مثلث الْحَاء - اشْتَرَاهُ عُثْمَان ، وزاده فِي البقيع ، وَكَانَ أول من قُبر فِيهِ .
الْأَثر التَّاسِع : أَن حُسَيْنًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قدم سعيد بن الْعَاصِ أَمِير الْمَدِينَة فَصَلى عَلَى الْحسن . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن سَالم بن أبي حَفْصَة قَالَ : سَمِعت أَبَا حَازِم يَقُول : إِنِّي لشاهد يَوْم مَاتَ الْحسن ابن عَلّي ، فَرَأَيْت الْحُسَيْن بن عَلّي يَقُول لسَعِيد بن الْعَاصِ ويطعن فِي عُنُقه : تقدم ، فلولا أَنَّهَا سنة مَا قُدمت . وَكَانَ بَينهم شَيْء ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : أتنفسون عَلَى ابْن نَبِيكُم بتربة تدفنونه فِيهَا ، وَقد سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من أحبهما فقد أَحبَّنِي ، وَمن أبغضهما فقد أبغضني . وَسَالم هَذَا ضعفه النَّسَائِيّ وَعَمْرو بن عَلّي وَابْن حبَان ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث قبيصَة ، عَن سُفْيَان ، عَن أبي الجحاف ، عَن إِسْمَاعِيل بن رَجَاء الزبيدِيّ ، قَالَ : أخبرني من شهد الْحُسَيْن بن عَلّي حِين مَاتَ الْحسن وَهُوَ يَقُول لسَعِيد بن الْعَاصِ : اقدم ، (فلولا) أَنَّهَا سنة مَا قدمت .
الْأَثر الرَّابِع : أَن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لم يغسل من قتل مَعَه . هَذَا مَشْهُور عَنهُ .
الْأَثر الْحَادِي عشر : أَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - صَلَّى عَلَى (تسع) جنائز ، فَجعل الرِّجَال يلونه ، وَالنِّسَاء يلين الْقبْلَة . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن ، من رِوَايَة نَافِع عَنهُ أَنه صَلَّى عَلَى (تسع) جنائز جَمِيعًا رجال وَنسَاء ، فَجعل الرِّجَال مِمَّا يَلِي الإِمَام ، وَجعل الْنسَاء مِمَّا يَلِي الْقبْلَة ، وَصفهم صفا وَاحِدًا ، وَوضعت جَنَازَة أم كُلْثُوم بنت عَلّي امْرَأَة عمر بن الْخطاب وَابْن لَهَا يُقَال : زيد بن عمر بن الْخطاب ، وَالْإِمَام يَوْمئِذٍ سعيد بن الْعَاصِ ، وَفِي النَّاس يَوْمئِذٍ ابْن عَبَّاس ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَأَبُو سعيد ، وَأَبُو قَتَادَة ، فَوضع الْغُلَام مِمَّا يَلِي الإِمَام ، فَقلت : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : السّنة . وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ : فأنكرت ذَلِك ؛ فَنَظَرت إِلَى ابْن عَبَّاس ، وَأبي هُرَيْرَة ، وَأبي سعيد ، وَأبي قَتَادَة ؛ فقلتُ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : السّنة وَرَوَاهُ كَذَلِك ابْن الْجَارُود فِي المنتقي .
الْأَثر الْعَاشِر : أَن سعيد بن الْعَاصِ صَلَّى عَلَى زيد بن عمر بن الْخطاب وَأمه أم كُلْثُوم بنت عَلّي ، فَوضع الْغُلَام بَين يَدَيْهِ وَالْمَرْأَة خَلفه ، وَفِي الْقَوْم نَحْو من ثَمَانِينَ نفسا من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فصوبوه ، قَالُوا : هَذِه السّنة . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح ، من حَدِيث عمار بن عمار التَّابِعِيّ - مولَى لبني هَاشم ، الثِّقَة بِالْإِجْمَاع - أَنه شهد جَنَازَة أم كُلْثُوم وَابْنهَا ، فَجعل الْغُلَام مِمَّا يَلِي الإِمَام ، فأنكرت ذَلِك ، وَفِي الْقَوْم ابْن عَبَّاس ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَأَبُو قَتَادَة ، وَأَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَقَالُوا : هَذِه السّنة . وَفِي رِوَايَة للبيهقي : وَكَانَ فِي الْقَوْم الْحسن ، وَالْحُسَيْن ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَابْن عمر ، وَنَحْو من ثَمَانِينَ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) . وَفِي رِوَايَة لَهُ : (أَن الإِمَام) كَانَ ابْن عمر ، وَخَلفه ابْن الْحَنَفِيَّة ، وَالْحُسَيْن ، وَابْن عَبَّاس وَفِي رِوَايَة : عبد الله بن جَعْفَر . فَائِدَة : أم كُلْثُوم هَذِه هِيَ بنت عَلّي بن أبي طَالب ، زوج عمر بن الْخطاب ، وَابْنهَا هُوَ زيد - الْأَكْبَر - بن عمر بن الْخطاب ، كَمَا سَيَأْتِي بعد هَذَا ، وَكَانَ مَاتَ هُوَ وَأم كُلْثُوم بنت عَلّي فِي وَقت وَاحِد ، وَلم يدر أَيهمَا مَاتَ أَولا ، فَلم يُورث أَحدهمَا من الآخر .
الْأَثر الْخَامِس عشر : رُوِيَ عَن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه أَمر الذِّمِّيَّة إِذا مَاتَت وَفِي بَطنهَا جَنِين مُسلم ميت أَن تدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث سُفْيَان عَن عَمْرو . أَن امْرَأَة نَصْرَانِيَّة مَاتَت وَفِي بَطنهَا ولد مُسلم ؛ فَأمر عمر أَن تدفن مَعَ الْمُسلمين من أجل وَلَدهَا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن جريج عَن عَمْرو بن دِينَار ، أن شَيخا من أهل الشَّام أخبرهُ أَن عمر بن الْخطاب دفن امْرَأَة من أهل الْكتاب فِي بَطنهَا ولد مُسلم ، فِي مَقْبرَة الْمُسلمين . انْتَهَى الْكَلَام عَلَى آثَار الْبَاب أَيْضا بِحَمْد الله ومنّه (وَكَرمه) . وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل الْبَاب عَن بعض التَّابِعين اسْتِحْبَاب قِرَاءَة سُورَة (الرَّعْد) عِنْد الْمَيِّت أَيْضا ، وَهَذَا التَّابِعِيّ هُوَ جَابر بن زيد أَبُو الشعْثَاء قَالَ : فَإِنَّهَا تهون عَلَيْهِ خُرُوج الرّوح . ذكره صَاحب الْبَيَان عَنهُ ، وأسنده الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس جَعْفَر بن مُحَمَّد المستغفري فِي كتاب فَضَائِل الْقُرْآن فَقَالَ : أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ، نَا حَمَّاد بن أَحْمد ، نَا هناد بن السّري ، نَا وَكِيع ، عَن حسان بن إِبْرَاهِيم ، عَن أُميَّة الْأَزْدِيّ ، عَن جَابر بن زيد قَالَ : كَانَ يسْتَحبّ أَن يقْرَأ عِنْد الْمَيِّت سُورَة (الرَّعْد) ، قَالَ : وَيُقَال : إِن ذَلِك يُخَفف أَيْضا . وَقد كنت ذكرت هُنَا خَاتِمَة تتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّت فِي الْمَسْجِد ، ثمَّ ذكرتها فِي أثْنَاء تعليقي عَلَى حَدِيث : هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ ، الْحل ميتَته فَرَاجعهَا مِنْهُ .
الْأَثر الرَّابِع عشر : عَن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : أعمقوا إِلَى قدر قامة وَبسطه . هَذَا الْأَثر ذكره ابْن الْمُنْذر فِي الأشراف بِغَيْر إِسْنَاد ، فَقَالَ : وروينا عَن عمر بن الْخطاب أَنه أَوْصَى أَن يعمق قدر قامة وَبسطه .
الْأَثر الثَّالِث عشر : عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - (أَنه كَانَ يفعل كَذَلِك) . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم ، فَقَالَ : أنا من سمع سَلمَة بن وردان يذكر عَن أنس بن مَالك أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ كلما كبر عَلَى الْجِنَازَة . وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِلَفْظ : وَيذكر عَن أنس إِلَى آخِره . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَعَن عُرْوَة وَابْن الْمسيب مثله . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، قَالَ الشَّافِعِي : بَلغنِي عَن سعيد بن الْمسيب وَعُرْوَة بن الزبير مثل ذَلِك ، وَعَلَى ذَلِك أدركنا أهل الْعلم ببلدنا . نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَنهُ ، قَالَ فِي السّنَن : ورويناه عَن قيس بن أبي حَازِم ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز ، وَالْحسن ، وَمُحَمّد بن سِيرِين . قلت : وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَة رفع يَدَيْهِ فِي أول تَكْبِيرَة . زَاد ابْن عَبَّاس : ثمَّ لَا يعود . وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة : ثمَّ وضع يَده الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، فضعيفان ، وَفِي الْكتاب الْمُسَمَّى بالمغني عَن الْحِفْظ وَالْكتاب بقَوْلهمْ لم يَصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب) . لِابْنِ بدر الْموصِلِي ، بَاب رفع الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَات الْجَنَائِز : لَا يَصح فِيهِ شَيْء عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أَنه لم يرفع .
الْأَثر الثَّانِي عشر : عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي جَمِيع تَكْبِيرَات الْجِنَازَة . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، أَنا مُحَمَّد بن عمر ، عَن عبد الله بن عمر بن حَفْص ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ كلما كبر عَلَى الْجِنَازَة ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (فِي (سنَنه) من حَدِيث) عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي كل تَكْبِيرَة من تَكْبِير الْجِنَازَة ، وَإِذا قَامَ من الرَّكْعَتَيْنِ - يَعْنِي فِي الْمَكْتُوبَة .
الحَدِيث التَّاسِع بعد السّبْعين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يقوم إِذا بَدَت جَنَازَة ، فأُخبر أَن الْيَهُود تفعل ذَلِك ، فَترك الْقيام بعد ذَلِك مُخَالفَة لَهُم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت بِإِسْنَاد ضَعِيف ، كَمَا سلف فِي الْبَاب فِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين مِنْهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَبشر بن رَافع - يَعْنِي الَّذِي فِي إِسْنَاده - لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث . وَقَالَ البُخَارِيّ : حَدِيث مُنكر . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح .
الحَدِيث الثَّامِن بعد التسعين إِلَى الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَة وَكَانَ من (حَقها) أَن تذْكر فِي أثْنَاء الْبَاب ، (فَإِنَّهُ) موضعهَا . قَالَ الرَّافِعِيّ : ورد لفظ (الشَّهَادَة) عَلَى : المبطون ، والغريق ، والغريب ، وَالْمَيِّت عشقًا ، و(الْميتَة) طلقًا . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فالمبطون والغريق : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا تَعدونَ الشَّهِيد فِيكُم ؟ قَالُوا : يَا رَسُول الله ، من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد . (قَالَ : إِن شُهَدَاء أمتِي إِذا لقَلِيل ! قَالُوا : فَمن هم يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : من قتل فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد) ، (وَمن مَاتَ فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد) . وَمن مَاتَ فِي الطَّاعُون فَهُوَ شَهِيد ، وَمن مَاتَ فِي سَبِيل الله فَهُوَ شَهِيد ، وَمن مَاتَ بالبطن فَهُوَ شَهِيد ، والغريق شَهِيد . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه . وَفِي رِوَايَة مَالك وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الشُّهَدَاء خَمْسَة المطعون ، والمبطون ، (والغريق) ، (وَصَاحب الْهدم) ، والشهيد فِي سَبِيل الله . وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث عقبَة بن عَامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خمس من قبض فِي شَيْء مِنْهُنَّ فَهُوَ شَهِيد : الْمَقْتُول فِي سَبِيل الله شَهِيد ، والغريق فِي سَبِيل الله شَهِيد ، وَالنُّفَسَاء فِي سَبِيل الله شهيدة . وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث أم حرَام أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : المائد فِي الْبَحْر الَّذِي يُصِيبهُ الْقَيْء لَهُ أجر شَهِيد ، و(الغريق) لَهُ أجر شهيدين . وَأما الْغَرِيب : فمروي من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي روَّاد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : موت الْغَرِيب شَهَادَة . رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن جميل بن الْحسن ، عَن أبي الْمُنْذر الْهُذيْل بن الحكم ، عَن عبد الْعَزِيز بِهِ ، وَهَذَا سَنَد ضَعِيف ؛ جميل كَذَّاب فَاسق كَمَا قَالَ عَبْدَانِ ، وَقَالَ ابْن عدي : لَا أعلم لَهُ حَدِيثا مُنْكرا . وهذيل بن الحكم مُنكر الحَدِيث كَمَا قَالَ البُخَارِيّ ، وَعبد الْعَزِيز صَالح الحَدِيث ، وَضَعفه عَلّي بن الْجُنَيْد وَابْن حبَان . قلت : (وَله إِسْنَاد آخر) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن بكر الشَّيْبَانِيّ عَن عمر بن ذَر (عَن) عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : موت الْغَرِيب شَهَادَة . وَإِبْرَاهِيم هَذَا تَرَكُوهُ كَمَا قَالَ الْأَزْدِيّ ، وَقَالَ ابْن عدي : يسرق الحَدِيث . وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّه تفرد بِهِ . وَنقل فِي ضُعَفَائِهِ عَن الدَّارَقُطْنِيّ : (أَنه) قَالَ فِيهِ : مَتْرُوك . وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ من هَذَا الْوَجْه وَقَالَ : رَوَاهُ طَاوس مُرْسلا ، وَهُوَ أولَى . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من طَرِيق آخر عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا مَرْفُوعا : موت الْغَرِيب شَهَادَة ، إِذا احْتضرَ فَرَمَى ببصره عَن يَمِينه وَعَن يسَاره ، فَلم ير إِلَّا غَرِيبا ، وَذكر أَهله وَولده ، فتنفس ؛ فَلهُ بِكُل نَفْس تنَفَسَه يمح الله عَنهُ ألفي ألف سَيِّئَة وَيكْتب لَهُ ألفي ألف حَسَنَة . فِي إِسْنَاده : عَمْرو بن الْحصين الْعقيلِيّ ، وَقد تَرَكُوهُ . وَله طَرِيق آخر من حَدِيث أبي رَجَاء الْخُرَاسَانِي ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه بِمثل حَدِيث ابْن عَبَّاس سَوَاء ، رَوَاهُ الْعقيلِيّ ثمَّ قَالَ : أَبُو رَجَاء مُنكر الحَدِيث . قَالَ : وَفِي هَذَا رِوَايَة من غير هَذَا الْوَجْه شَبيهَة بِهَذِهِ فِي الضعْف . وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَمن حَدِيث ابْن عَبَّاس ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ، قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : هُوَ حَدِيث مُنكر . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة عبد الله بن نَافِع ، قَالَ النَّسَائِيّ : هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ عبد الْحق فِي أحكامه الصغرى والْوُسْطَى : ذكر الدَّارَقُطْنِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا مَرْفُوعا فِي علله فِي حَدِيث ابْن عمر وَصَححهُ ، وَاعْتَرضهُ ابْن الْقطَّان فَقَالَ : لم يُصَحِّحهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، إِنَّمَا ذكر الِاخْتِلَاف الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ عَلَى الْهُذيْل بن الحكم ، فصحح عَنهُ قَول من قَالَ : عَن عبد الْعَزِيز ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر . وَبَقِي : هَل هُوَ صَحِيح من الْهُذيْل إِلَى رَسُول الله ؟ لم يتَعَرَّض لذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ ، وَلَا حكم لَهُ بِصِحَّة وَلَا ضعف ، وَكَيف يُصَحِّحهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَوْ غَيره وَفِيه أَبُو الْمُنْذر الْهُذيْل بن الحكم وَهُوَ مُنكر الحَدِيث ؟ ! [ كَمَا ] قَالَ البُخَارِيّ . قلت : وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْن عدي : هَذَا الحَدِيث يُعرف بالهذيل ، وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن بكر - يَعْنِي : فِي الرِّوَايَة - يسرق الحَدِيث ، قَالَ البُخَارِيّ : رَوَى الْهُذيْل ، عَن عبد الْعَزِيز ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس : موت الْغَرِيب شَهَادَة . وَهُوَ مُنكر ، قَالَ : ورأيته فِي مَوضِع (مَرْفُوعا) . قلت : وَله طَرِيق آخر من حَدِيث عبد الْملك بن هَارُون بن عنترة ، عَن أَبِيه ، عَن جده عنترة الشَّيْبَانِيّ مَرْفُوعا : (المتردي شَهَادَة) ، والسل شَهَادَة ، والحريق شَهِيد ، والغريب شَهِيد . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة ، وَعبد الْملك ( ووالده ) ضعيفان ، وجده لم يذكرهُ فِي الصَّحَابَة إِلَّا الطَّبَرَانِيّ ، وَسَيَأْتِي قَرِيبا من حَدِيث عَلّي بن [ الْأَقْمَر ] ، عَن أَبِيه أَيْضا . وَأما الْمَيِّت عشقًا : فَهُوَ مَرْوِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من طرق عَنهُ : إِحْدَاهَا : من حَدِيث أَحْمد بن مَحْمُود الْأَنْبَارِي ، نَا سُوَيْد بن سعيد ، نَا عَلّي بن مسْهر ، عَن أبي يَحْيَى القَتَّات ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من عشق وكتم وعف فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد . ثَانِيهَا : من حَدِيث مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا ، نَا سُوَيْد بن سعيد بِهِ : من عشق فعف وكتم ثمَّ مَاتَ مَاتَ شَهِيدا . ثَالِثهَا : من حَدِيث يَعْقُوب بن عِيسَى ، عَن ابْن (أبي) نجيح ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : من عشق فعف فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ، أما الطريقان الْأَوَّلَانِ : فمدارهما عَلَى سُوَيْد بن سعيد ، قَالَ ابْن حبَان : من رَوَى مثل هَذَا عَن عَلّي بن مسْهر تجب مجانبة رِوَايَته . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : لَو كَانَ لي فرس ورمح لَكُنْت أغزو سُوَيْد بن سعيد . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : كَانَ سُوَيْد لما كبر يقْرَأ عَلَيْهِ حَدِيث فِيهِ بعض النكارة فيجيزه . وَقَالَ : وَهَذَا الحَدِيث البلية فِيهِ مِمَّن رَوَى عَن سُوَيْد ، وَهُوَ مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا ، وَكَانَ يضع الحَدِيث . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : لم ينْفَرد مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا بِهِ ، فقد رَوَاهُ جماعات مِنْهُم أَحْمد بن مَحْمُود الْأَنْبَارِي وَصدقَة بن مُوسَى ، وَالقَاسِم بن أَحْمد ، وَإِبْرَاهِيم بن جَعْفَر الْفَقِيه ، وَأَبُو الْعَبَّاس بن مَسْرُوق ، وَالْحسن بن عَلّي الْأُشْنَانِي ، وَدَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ . وَأما الطَّرِيق الثَّالِث : فَقَالَ أَحْمد : يَعْقُوب بن عِيسَى لَيْسَ بِشَيْء . قلت : ومتابعة دَاوُد ذكرهَا نفطويه ، قَالَ : (دخلت) عَلى مُحَمَّد بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَقلت لَهُ : كَيفَ أجدك ؟ قَالَ : حب من تعلم أورثني مَا ترَى . فَقلت : مَا مَنعك عَن الِاسْتِمْتَاع بِهِ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : الِاسْتِمْتَاع عَلَى وَجْهَيْن : أَحدهمَا : النّظر الْمُبَاح . وَالثَّانِي : اللَّذَّة المحظورة ، فَأَما النّظر الْمُبَاح فأورثني مَا ترَى ، وَأما اللَّذَّة المحظورة : فَإِنَّهُ مَنَعَنِي (مِنْهَا) مَا [ أحَدثك ] أَنِّي أَنا سُوَيْد بن سعيد ، أَنا عَلّي بن مسْهر ، عَن أبي يَحْيَى القَتَّات ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : من عشق فكتم وعف وصبر غفر الله لَهُ ، وَأدْخلهُ الْجنَّة . وَأعله الْجَمَاعَة بِسُوَيْدِ ، وَإِن كَانَ من رجال (صَحِيح مُسلم) وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل : قَالَ أبي : اكْتُبْ عَنهُ حَدِيث ضمام . وَقَالَ الْبَغَوِيّ : (صَدُوق) كَانَ حَافِظًا ، وَكَانَ أَحْمد ينتقي لِوَلَدَيْهِ عَلَيْهِ صَالح وَعبد الله ، فَكَانَا يَخْتَلِفَانِ إِلَيْهِ ، وَقَالَ : (سَلمَة ثِقَة) ثِقَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : صَدُوق ، وَأكْثر مَا عيب عَلَيْهِ التَّدْلِيس والعمى ، وَقد صرح بِالتَّحْدِيثِ ، وَرَوَى الأكابر عَنهُ قبل ضرارته فانتفيا . َقَالَ ابْن عدي فِي كَامِله عقب إِخْرَاجه هَذَا الحَدِيث : إِنَّه أحد مَا أنكر عَلَى سُوَيْد . وَكَذَا ذكره الْبَيْهَقِيّ وَابْن طَاهِر وَغَيرهمَا ، قَالَ الْحَاكِم فِي تَارِيخ نيسابور : أَنا أتعجب من هَذَا الحَدِيث ، فَإِنَّهُ لم يحدث بِهِ غير سُوَيْد ، وَهُوَ وَدَاوُد وَابْنه مُحَمَّد ثِقَات . وَهَذَا الْعجب عَجِيب ، فسويد لم ينْفَرد بِهِ ، فقد رَوَاهُ الزبير بن بكار ، عَن عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز الْمَاجشون ، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : من عشق فعف فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد وَهَذِه مُتَابعَة حَسَنَة . وَأما (الْميتَة) طلقًا : فَفِي سنَن أبي دَاوُد وصحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث جَابر بن (عتِيك ) قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الشَّهَادَة سبع سُوَى الْقَتْل فِي سَبِيل الله : المطعون شَهِيد ، والغريق شَهِيد ، وَصَاحب ذَات الْجنب شَهِيد ، و(المبطون) شَهِيد ، وَصَاحب الْحَرِيق شَهِيد ، وَالَّذِي يَمُوت تَحت الْهدم شَهِيد ، وَالْمَرْأَة تَمُوت بِجمع شهيدة . قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح الْإِسْنَاد ، رُوَاته قرشيون مدنيون . وَفِي رِوَايَة لأبي نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي هَذَا الحَدِيث : وسادن بَيت الْمُقَدّس وَجمع - بِضَم الْجِيم وَكسرهَا - : الْمَرْأَة تَمُوت وَفِي بَطنهَا الْوَلَد ، وَقيل : هِيَ الْبكر قَالَه ابْن الْأَثِير فِي أَسد الغابة . وللبزار عَن عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر الشُّهَدَاء ، ثمَّ قَالَ : وَالنُّفَسَاء شَهَادَة ثمَّ قَالَ : لَا نعلمهُ يرْوَى عَن عبَادَة إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد ، قَالَ ابْن الْقطَّان : فِيهِ الْأسود بن ثَعْلَبَة ، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال . قلت : ستعلم مَا فِي هَذِه الْمقَالة - إِن شَاءَ الله - فِي كتاب النَّفَقَات . قَالَ : وَفِيه الْمُغيرَة بن زِيَاد ، وَفِيه مقَال ، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي مُوسَى الْحَافِظ : عَن عَلّي بن الْأَقْمَر عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : المطعون شَهِيد ، وَالنُّفَسَاء شهيدة ، والغريب شَهِيد ، وَمن مَاتَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدا رَسُول الله فَهُوَ شَهِيد . قلت : وَهُوَ من بلايا عبد الْعَظِيم بن حبيب ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِثِقَة . تَنْبِيه : قد عرفت أَنه ورد إِطْلَاق لفظ الشَّهَادَة عَلَى غير مَا ذكره الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضا ، فَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى ، عَن أَبِيه عَن جدِّه أبي لَيْلَى مَرْفُوعا : من أكله السَّبع فَهُوَ شَهِيد ، وَمن أدْركهُ الْمَوْت وَهُوَ يكد عَلَى عِيَاله من حَلَال فَهُوَ شَهِيد . فَقَالَ : حَدِيث مُنكر . وَفِي حَدِيث آخر من طَرِيق ابْن عَبَّاس رَفعه : اللديغ شَهِيد ، والشريق شَهِيد ، وَالَّذِي يفترسه السَّبع شَهِيد ، والخار عَن دَابَّته شَهِيد . علقه عَمْرو بن عَطِيَّة الوادعي ، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ . (هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله ومنِّه .
الحَدِيث الثَّمَانُونَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من صَلَّى عَلَى الْجِنَازَة وَرجع فَلهُ قِيرَاط ، وَمن صَلَّى عَلَيْهَا وَلم يرجع حَتَّى دفن فَلهُ قيراطان ، أصغرُهما - وَيروَى : أَحدهمَا - مثل أحد . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من شهد الْجِنَازَة حَتَّى يصلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط ، وَمن شَهِدَهَا حَتَّى تدفن فَلهُ قيراطان ، (قيل) وَمَا القيراطان ؟ قَالَ : مثل الجبلين العظيمين . وَفِي رِوَايَة لمُسلم مُنْفَردا بهَا أصغرهما مثل أحد . وَفِي رِوَايَة لَهُ : قَالَ أَبُو حَازِم : قلتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَة ، وَمَا القيراط ؟ قَالَ : مثْل أحد . وَفِي رِوَايَة لَهُ مَرْفُوعا : كل قِيرَاط مثل أحد . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : من تبع جَنَازَة مُسلم إِيمَانًا واحتسابًا ، وَكَانَ مَعَه حَتَّى يصلى عَلَيْهَا ويفرغ من دَفنهَا فَإِنَّهُ يرجع من الْأجر بقيراطين ، كل قِيرَاط مثل أُحُد ، وَمن صَلَّى عَلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ قبل أَن تدفن فَإِنَّهُ يرجع بقيراط . تفرد البُخَارِيّ بقوله : إِيمَانًا واحتسابًا . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : من صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط ، وَمن اتبعها حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر فقيراطان . وَفِي رِوَايَة لَهُ : حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد . وَفِي رِوَايَة لَهُ : حَتَّى يفرغ من دَفنهَا . وتتأول رِوَايَة : حَتَّى تُوضَع فِي الْقَبْر أَي : ويفرغ مِنْهَا . وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث ثَوْبَان من صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط ، وَمن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان ، القيراط مثل أحد وَفِي رِوَايَة لَهُ : سُئِلَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن القيراط فَقَالَ : مثل أحد . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَن ابْن عمر حِين بلغه حَدِيث أبي هُرَيْرَة : بعث إِلَى عَائِشَة ، فَسَأَلَهَا ، فصدقته ، فَقَالَ ابْن عمر : لقد فرطنا فِي قراريط كَثِيرَة . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ قريب من لفظ الرَّافِعِيّ ، فَإِن لَفظه : من صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط ، وَمن تبعها حَتَّى يُقْضَى دَفنهَا فَلهُ قيراطان ، أَحدهمَا - أَو أصغرهما - مثل أحد . ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح . وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم فِي كتاب الْفَضَائِل من الْمُسْتَدْرك ، فِي فَضَائِل أبي هُرَيْرَة ، عَن ابْن عمر أَنه مر بِأبي هُرَيْرَة وَهُوَ يحدث عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من تبع جَنَازَة فَلهُ قِيرَاط ، فَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان ، القيراط أعظم من أحد . فَقَالَ ابْن عمر : يَا أَبَا هُرَيْرَة ، انْظُر مَا تحدث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى انْطلق إِلَى عَائِشَة ؛ فَقَالَ لَهَا : يَا أم الْمُؤمنِينَ ، أنْشدك الله هَل سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من تبع جَنَازَة فَصَلى عَلَيْهَا فَلهُ قِيرَاط ، وَإِن شهد دَفنهَا فَلهُ قيراطان ؟ فَقَالَت : اللَّهُمَّ نعم . فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : إِنَّه لم يكن يشغلنا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غرس وَلَا صفق بالأسواق ، إِنَّمَا كنت أطلب كلمة من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعلمنيها ، أَو أَكلَة يطعمنيها . فَقَالَ ابْن عمر : يَا أَبَا هُرَيْرَة ، كنت ألزمنا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَعْلَمنَا بحَديثه . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنَّه إِسْنَاد صَحِيح ذكره فِي مدخله إِلَى السّنَن ، فِي بَاب : مَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى حفظ أبي هُرَيْرَة .
الحَدِيث السَّابِع بعد التسعين رَوَى عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا قَالَت : رحم الله (ابْن عمر) ، مَا كذب ، وَلكنه نسي أَو أَخطَأ ، إِنَّمَا مر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى يَهُودِيَّة وهم يَبْكُونَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : إِنَّهُم يَبْكُونَ ، وَإِنَّهَا لتعذب فِي قبرها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضا فِي صَحِيحهمَا ، ورويا أَيْضا إنكارها عَلَى (عمر) ذَلِك أَيْضا ، كَمَا سلف .
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ ، وَقَالَ : اسْتَغْفرُوا لأخيكم ، واسألوا لَهُ التثبيت ؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث هِشَام بن يُوسُف عَن عبد الله بن بحير ، عَن هَانِئ مولَى عُثْمَان ، عَن عُثْمَان قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ : اسْتَغْفرُوا لأخيكم وسلوا لَهُ التثبيت ؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَهَذَا لَفظه : عَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : مر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِجنَازَة عِنْد قبر وَصَاحبه يدْفن ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اسْتَغْفرُوا لأخيكم ، وسلوا الله لَهُ التثبيت ؛ فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِنَّه حَدِيث حسن . وَقَالَ الْبَزَّار بعد أَن أخرجه بِلَفْظ : وسلوا لَهُ التثبيت لَا يرْوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَا نعلم لَهُ عَن عُثْمَان إِسْنَادًا إِلَّا هَذَا الْإِسْنَاد ، وَكَذَا ذكره فِي حَدِيث : كَانَ عُثْمَان إِذا وقف عَلَى قبر بَكَى الحَدِيث . وذكرهما الدَّارَقُطْنِيّ . والْحَدِيث الآخر : مَا رَأَيْت شَيْئا إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ . وَقَالَ : تفرد بهَا - وَهِي حَدِيث وَاحِد - عبد الله بن بحير ، عَن هَانِئ ، وَلم يروه عَنهُ غير هِشَام بن يُوسُف القَاضِي . قلت : وَعبد الله بن بحير هَذَا هُوَ ابْن ريسان الْمرَادِي الصَّنْعَانِيّ ، رَوَى عَن جمَاعَة ، وَعنهُ جمَاعَة ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، كَذَا هُوَ فِي أصل التذهيب للذهبي ، ثمَّ قَالَ : من زياداته ، قَالَ ابْن حبَان : عبد الله بن بحير الصَّنْعَانِيّ أَبُو وَائِل الْقَاص وَلَيْسَ هُوَ بِعَبْد الله بن بحير بن ريسان ، ذَاك ثِقَة ، وَأَبُو وَائِل واهٍ . ثمَّ قَالَ : لم يفرق بَينهمَا أحد (قبل) ابْن حبَان ، وهما وَاحِد . إِذا علمت ذَلِك ، فقد قَالَ هُوَ فِي كِتَابه الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء : عبد الله بن بحير الصَّنْعَانِيّ مُنكر الحَدِيث ، ثمَّ أعلم لَهُ د ت ق ، كَمَا أعلمهُ فِي تذهيبه ، فَكيف ينْقل فِي تذهيبه أَن ابْن معِين وَغَيره وَثَّقَهُ ، و(يَقُول) فِي الْمُغنِي : (واه ، مُنكر الحَدِيث بِمرَّة) . وَأغْرب من هَذَا مَا اتّفق لَهُ فِي مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك ؛ فَإِنَّهُ ذكر حَدِيث عُثْمَان أَنه كَانَ إِذا وقف عَلَى قبر بَكَى حَتَّى يبل لحيته الحَدِيث . قَالَ : فِيهِ عبد الله بن بحير ، وَلَيْسَ بالعمدة ، [ وهانئ ] رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَلَا ذكر لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة . هَذَا لَفظه ، وَهُوَ عَجِيب إِن أَرَادَ بقوله : وَلَا ذكر لَهُ عبدَ الله بن بحير دون الحَدِيث فَهُوَ من رجال د . ت . ق ، وَذكر هُوَ فِي (تذهيبه) أَن أَرْبَعَة أنفس رووا عَنهُ وَإِن أَرَادَ بقوله : وَلَا ذكر لَهُ فِي الْكتب السِّتَّة الحديثَ . فَهُوَ وهم ، فَحَدِيثه هَذَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه . فَائِدَة : رُوِيَ التثبت والتثبيت ، بِإِثْبَات الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت قبل الْمُثَنَّاة فَوق آخرا وحذفها ، وهما صَحِيحَانِ . و(التثبيت) : الْأَمْن من الْفَزع ، والثبات عِنْد مسائلة الْملكَيْنِ ، يُقَال : ثَبت فِي الْقِتَال إِذا لم يفزع وَلم يفر ، وَرجل ثَبت : إِذا كَانَ لَا يزل لِسَانه .
الحَدِيث السَّادِس بعد التسعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة : إِن الله - تَعَالَى - يزِيد الْكَافِر عذَابا ببكاء أَهله عَلَيْهِ . هُوَ كَمَا قَالَ ، فقد أسلفناه أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّمَانِينَ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيسْتَحب أَن يلقن الْمَيِّت بعد الدّفن ، فَيُقَال : يَا عبد الله ، (يَا) ابْن أمة الله ، اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا ، شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، وَأَن الْجنَّة حق ، وَالنَّار حق ، وَأَن الْبَعْث حق ، وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا ، وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور ، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دينا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا ، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا ، وَبِالْكَعْبَةِ قبْلَة ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا . ورد بِهِ الْخَبَر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير عَن أبي عقيل أنس بن [ سلم ] ، ثَنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء الْحِمصِي ، نَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، نَا عبد الله بن مُحَمَّد الْقرشِي ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن سعيد بن عبد الله (الأودي) قَالَ : شهِدت أَبَا أُمَامَة وَهُوَ فِي النزع ، فَقَالَ : إِذا أَنا مت فَاصْنَعُوا بِي كَمَا أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نصْنَع بموتانا ؛ أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِذا مَاتَ أحد من إخْوَانكُمْ فسويتم التُّرَاب عَلَى قَبره فَليقمْ أحدكُم عَلَى رَأس قَبره ، ثمَّ ليقل : يَا فلَان ابن (فلَان) ، (فَإِنَّهُ يسمعهُ وَلَا يُجيب) ، ثمَّ يَقُول : يَا فلَان ابن فُلَانَة ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدا ، (ثمَّ يَقُول : يَا فلَان ابن فُلَانَة) ؛ (فَإِنَّهُ يَقُول) : أرشدنا يَرْحَمك الله . وَلَكِن لَا تشعرون ، فَلْيقل : اذكر مَا خرجت عَلَيْهِ من الدُّنْيَا شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، وَأَنَّك رضيت بِاللَّه ربًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دينا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبيا ، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا . فَإِن مُنْكرا ونكيرًا يَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بيد صَاحبه وَيَقُول : انْطلق بِنَا ، مَا (يقعدنا) عِنْد من قد لقن حجَّته . فَقَالَ رجل : يَا رَسُول الله ، فَإِن لم يعرف أمه ؟ قَالَ : ينْسب إِلَى أمه حَوَّاء ؛ يَا فلَان ابن حَوَّاء . إِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا ، وَذكره الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فِي جَامع الدُّعَاء الصَّحِيح ، وَزَاد بعد قَوْله : قد لقن حجَّته : وَيكون الله (حجَّته) دونهمَا . قَالَ : وَقد أرخص الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي تلقين الْمَيِّت ، وَأَعْجَبهُ ذَلِك ، وَقَالَ : (أهل) الشَّام يَفْعَلُونَهُ . قَالَ أَبُو مَنْصُور : وَهُوَ من العزمات والتذكير بِاللَّه ، و(السماح) بذلك مأثور عَن السّلف ، وَقَالَ الْحَافِظ زَكي الدَّين فِي الْجُزْء الَّذِي خرجه فِي التَّلْقِين بعد أَن سَاقه : وَفِيه بعد الشَّهَادَتَيْنِ وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا ، وَأَن الله (يبْعَث) من فِي الْقُبُور . قَالَ أَبُو نعيم الْحداد : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث حَمَّاد بن زيد ، مَا كتبته إِلَّا من حَدِيث سعيد (الْأَزْدِيّ ) ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سعيد (الْأَزْدِيّ) عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رَوَى عَنهُ سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : هَكَذَا قَالَ : (الْأَزْدِيّ) وَوَقع فِي روايتنا الأودي ، وَهُوَ مَعْنَى الْمَجْهُول ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء : سعيد (الْأَزْدِيّ ) لم أر لَهُ ذكرا فِي الضُّعَفَاء وَلَا غَيرهم . قلت : لَكِن حَدِيثه هَذَا لَهُ شَوَاهِد يعتضد بهَا - والغريب أَن الشَّيْخ زَكي الدَّين لم يذكر فِي مُصَنفه الْمَذْكُور مِنْهَا غير حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ وَحده - مِنْهَا حَدِيث : واسألوا لَهُ (التثبيت) وَقد سلف . وَمِنْهَا : حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : إِذا دفنتموني فسنوا عَلّي التُّرَاب سنّا ، ثمَّ أقِيمُوا حول قَبْرِي قدر مَا ينْحَر جزور وَيقسم لَحمهَا ؛ حَتَّى أستأنس بكم ، وَأعلم مَاذَا أراجع رسل رَبِّي . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه فِي كتاب الْإِيمَان ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل . سنوا : رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ وبالمهملة ، وَكِلَاهُمَا مُتَقَارب الْمَعْنى صَحِيح . وَالْجَزُور - بِفَتْح الْجِيم - من الْإِبِل ، والجزرة من غَيرهَا . ذكره عِيَاض ، وَفِي كتاب الْعين : الجزرة من الضَّأْن والمعز خَاصَّة . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث مُحَمَّد بن حمْرَان ، عَن عَطِيَّة الرعاء ، عَن الحكم بن الْحَارِث السّلمِيّ أَنه غزا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاث غزوات ، قَالَ : قَالَ لنا : إِذا دفنتموني ورششتم عَلَى قَبْرِي المَاء فَقومُوا عَلَى قَبْرِي ، واستقبلوا الْقبْلَة ، وَادعوا لي . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي علله قَالَ : سَأَلت (أبي عَن حَدِيث) ثُمَامَة بن النَّضر بن أنس قَالَ : ( كَانَ أنس ) إِذا شهد جَنَازَة الْأَخ من إخوانه وقف عَلَى قَبره بعد أَن يدْفن ، فَيَقُول : جَاف الأَرْض عَن (جَنْبَيْهِ) . فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ عَن ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا ، من حَدِيث مُبشر بن إِسْمَاعِيل ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن الْعَلَاء بن اللَّجْلَاج ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ أبي : يَا بني ، إِذا أَنا مت فألحدني ، فَإِذا وَضَعتنِي فِي لحدي فَقل : باسم الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله . ثمَّ سنّ عليّ التُّرَاب سنًّا ، ثمَّ اقْرَأ عِنْد رَأْسِي بِفَاتِحَة الْبَقَرَة وخاتمتها ، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول ذَلِك . ( وَعبد الرَّحْمَن هَذَا هُوَ مُبشر بن إِسْمَاعِيل الْحلَبِي) ، لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من حَدِيث (إِبْرَاهِيم بن بكر بن عبد الرَّحْمَن) ، عَن إِدْرِيس الأودي ، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : حضرت ابْن عمر فِي جَنَازَة ، فَلَمَّا وَضعهَا فِي اللَّحْد قَالَ : باسم الله ، وَفِي سَبِيل الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله ، فَلَمَّا أَخذ فِي اللَّبِن عَلَى اللَّحْد قَالَ : اللَّهُمَّ أجرهَا من الشَّيْطَان ، وَمن عَذَاب الْقَبْر . فَلَمَّا سُوَى اللَّبن عَلَيْهَا قَامَ إِلَى جَانب الْقَبْر ، ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ جَاف الأَرْض عَن جنبيها ، وَصعد روحها ، ولقها مِنْك رضواناً . فَقلت : أشيئًا سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أم شَيْئا قلته من رَأْيك ؟ قَالَ : إِنِّي إِذا لقادر عَلَى القَوْل ، بل سَمِعت من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِدْرِيس هَذَا مَجْهُول . قَالَه أَبُو حَاتِم ، وَقد أسلفنا لهَذَا طَرِيقا آخر من رِوَايَة ابْن مَاجَه فِي الْجُزْء الَّذِي قبله ، وَهُوَ الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه عَن رَاشد بن سعد ، وضمرة بن حبيب ، وَحكم بن عُمَيْر ، قَالُوا : إِذا سوي عَلَى الْمَيِّت قَبره وَانْصَرف النَّاس عَنهُ ؛ كَانُوا يستحبون أَن يُقَال للْمَيت عِنْد قَبره : يَا فلَان ، قل : لَا إِلَه إِلَّا الله ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله - ثَلَاث مَرَّات - قل : رَبِّي الله ، وديني الْإِسْلَام ، ونبيي مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم . (ثمَّ ينْصَرف ) . فَهَذِهِ شَوَاهِد لحَدِيث أبي أُمَامَة الْمَذْكُور ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم ، وَلكنه (يعتضد) بشواهد ، وبعمل أهل الشَّام بِهِ قَدِيما . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ ضَعِيفا فيستأنس بِهِ ، وَقد اتّفق عُلَمَاء الْمُحدثين وَغَيرهم عَلَى الْمُسَامحَة فِي أَحَادِيث الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب ، لَا سِيمَا وَقد اعتضد بشواهد ، وَلم يزل أهل الشَّام عَلَى الْعَمَل بِهَذَا فِي زمن من يُقْتَدَى بِهِ وَإِلَى الْآن . قلت : لَكِن قَالَ الْأَثْرَم : قلت لأبي عبد الله - يَعْنِي : ابْن حَنْبَل - : فَهَذَا الَّذِي تصنعونه إِذا دفن الْمَيِّت ! يقف الرجل وَيَقُول : يَا فلَان ابْن فُلَانَة ، اذكر مَا فَارَقت عَلَيْهِ ؛ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله . فَقَالَ : مَا رَأَيْت أحدا فعل هَذَا إِلَّا أهل الشَّام حِين مَاتَ أَبُو الْمُغيرَة ، (جَاءَ إِنْسَان فَقَالَ ذَلِك وَكَانَ أَبُو الْمُغيرَة) يرْوي مَتنه عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم ، عَن أَشْيَاخهم أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَكَانَ ابْن عَيَّاش يروي فيهِ . يُشِير بذلك إِلَى حَدِيث أبي أُمَامَة السالف .
الحَدِيث الْخَامِس بعد التسعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا من حَدِيث عمر بن الْخطاب وَابْنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَأنْكرت ذَلِك عَائِشَة وَقَالَت : رحم الله عمر ، وَالله مَا حدث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن الله ليعذب الْمُؤمن ببكاء أَهله عَلَيْهِ ، وَلكنه قَالَ : إِن الله ليزِيد الْكَافِر عذَابا ببكاء أَهله عَلَيْهِ . وَقَالَت : حسبكم الْقُرْآن : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . وَله طرق (فيهمَا) .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يدْفن فِي كل قبر إِلَّا وَاحِدًا . هَذَا صَحِيح مَعْرُوف فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأمر بذلك . قلت : لَا يحضرني نَص فِي ذَلِك ، بل هُوَ الظَّاهِر من فعله بِأَصْحَابِهِ .
الحَدِيث الرَّابِع بعد التسعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ منا من ضرب الخدود ، وشق الْجُيُوب . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَذَلِك ، وَزَادا فِي آخِره : ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة . وَفِي رِوَايَة لمُسلم فِي كتاب الْإِيمَان : أَو شقّ الْجُيُوب ، أَو دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للْأَنْصَار يَوْم أحد : احفروا ، وأوسعوا ، وأعمقوا ، وَاجْعَلُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر الْوَاحِد ، وَقدمُوا أَكْثَرهم قُرْآنًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي الْجُزْء قبله ، وَهُوَ الحَدِيث السِّتُّونَ مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّالِث بعد التسعين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لعن الله النائحة والمستمعة . هَذَا الحَدِيث هَكَذَا هُوَ فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ وَفِي بَعْضهَا : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعن النائحة والمستمعة وَهُوَ مَرْوِيّ بِهَذَا اللَّفْظ من طرق ضَعِيفَة : أَحدهَا : من حَدِيث مُحَمَّد بن الْحسن بن عَطِيَّة ، عَن أَبِيه ، عَن جده عَطِيَّة وَهُوَ الْعَوْفِيّ ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : لعن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - النائحة والمستمعة وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده أَيْضا ، وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة ضعفاء : مُحَمَّد بن الْحسن ، ووالده ، وجده ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : حَدِيث مُنكر ، وَمُحَمّد بن الْحسن بن عَطِيَّة وَأَبوهُ وجده ضعفاء الحَدِيث . ثَانِيهَا : من حَدِيث ابْن عمر ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث مُحَمَّد بن الْحسن بن عَطِيَّة ، عَن عَطِيَّة ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا كَمَا تقدم ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَفِي إِسْنَاده (بَقِيَّة) بن الْوَلِيد ، وَقد علمت حَاله فِي أَوَائِل الْكتاب . ثَالِثهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، رَوَاهُ ابْن عدي ، وَعبد الْحق ، وَابْن طَاهِر من حَدِيث (عَمْرو) بن يزِيد الْمَدَائِنِي ، عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة ، وَالْمعْنَى لَهُ ، قَالَ ابْن طَاهِر : (عَمْرو) هَذَا قَالَ ابْن عدي فِيهِ : إِنَّه مُنكر الحَدِيث ، وَالْحسن لم يسمع من أبي هُرَيْرَة شَيْئا ، والْحَدِيث غير مَحْفُوظ . وَاعْلَم أن الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى تَحْرِيم النوح ، ويغني عَنهُ حَدِيث أم عَطِيَّة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَت : نَهَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن النِّيَاحَة .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لِأَن يجلس أحدكُم عَلَى جَمْرَة ، فتحرق ثِيَابه ، فتخلص إِلَى جلده : خير لَهُ من أَن يجلس عَلَى قبر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بِهَذَا اللَّفْظ ، وَقد تقدم فِي الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين النَّهْي عَن الْقعُود عَلَيْهِ أَيْضا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد التسعين أَنه عَلَيْهِ السَّلَام جعل ابْنه إِبْرَاهِيم فِي حجره وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ ، فذرفت عَيناهُ صلى الله عليه وسلم ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : إِنَّهَا رَحْمَة ، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء ، ثمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم : الْعين تَدْمَع ، وَالْقلب يحزن ، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا . هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : دخلت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى أبي سيف الْقَيْن وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فَأخذ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِبْرَاهِيم فَقبله وشمَّه ، ثمَّ دَخَلنَا عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَإِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ ، فَجعلت عينا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَذْرِفَانِ ، فَقَالَ لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف : وَأَنت يَا رَسُول الله ؟ ! فَقَالَ : يَا ابْن عَوْف ، إِنَّهَا رَحْمَة ، ثمَّ أتبعهَا بِأُخْرَى ، فَقَالَ : إِن الْعين تَدْمَع ، وَالْقلب يحزن ، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يُرْضِي رَبنَا ، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إِبْرَاهِيم لَمَحْزُونُونَ . الْقَيْن : الحدّاد ، والظِّئْر : بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا همزَة زوج الْمُرضعَة . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي عوَانَة ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَطاء ، عَن جَابر قَالَ : خرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِعَبْد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَى النّخل ، فَإِذا ابْنه إِبْرَاهِيم يجود بِنَفسِهِ ؛ فَوَضعه فِي حجره ، فَفَاضَتْ عَيناهُ ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف : أتبكي وَأَنت تنْهَى النَّاس ؟ ! فَقَالَ : إِنِّي لم أَنه عَن الْبكاء ، إِنَّمَا نهيت عَن النوح ، صَوْتَيْنِ (أَحْمَقَيْنِ) فاجرين : صَوت عِنْد (نعْمَة) لَهو وَلعب وَمَزَامِير شَيْطَان ، وَصَوت عِنْد (معصية) خَمْش وُجُوه ، وشق جُيُوب ، ورنَّة ، وَهَذَا هُوَ رَحْمَة ، وَمن لَا يرحم لَا يرحم ، يَا إِبْرَاهِيم ، لَوْلَا أَنه أَمر حق ، ووعد صدق ، وَأَن آخِرنَا سيلحق بأولنا ؛ لحزنا عَلَيْك حزنا هُوَ أَشد من هَذَا ، وَإِنَّا بك لمحزنون ، تبْكي الْعين ، (ويحزن) الْقلب ، وَلَا نقُول مَا يسْخط (الرب ) . وَخرج التِّرْمِذِيّ بعضه وَحسنه ، وَقد عرفت أَنه من رِوَايَة ابْن أبي لَيْلَى ، وَهُوَ ضَعِيف وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أُسَامَة بن زيد أَن بِنْتا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أرْسلت إِلَيْهِ أَن ابْنا لَهَا فِي الْمَوْت ، فَقَالَ للرسول : ارْجع إِلَيْهَا واقرأ عَلَيْهَا قل : إِن لله مَا أَخذ ، وَله مَا أعْطى ، وكل شَيْء عِنْده إِلَى أجل . فَأرْسلت تقسم عَلَيْهِ ، فَأَتَاهَا ، فَوضع الصَّبِي فِي حجره وَنَفسه تتقعقع ؛ فَفَاضَتْ عَيناهُ ، فَقَالَ لَهُ سعد : (مَا هَذَا) ؟ ! قَالَ : إِنَّهَا رَحْمَة يَضَعهَا الله فِي قُلُوب من يَشَاء ، وَإِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء . فَائِدَة : مَعْنَى يجود بِنَفسِهِ : يُخرجهَا ، وَالَّذِي يجود بِمَالِه فيخرجه ، ومصدره عَلَى وزن فعول . وذرفت - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - أَي : سَالَتْ ، (يُقَال) : ذرف يذرف ذرفًا ، كضرب يضْرب ضربا . وَغسل إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْفضل بن الْعَبَّاس ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْعَبَّاس ، وَجعل عَلَى سَرِير ، وَنزل فِي قَبره الْفضل وَأُسَامَة بن زيد . كَذَا سَاقه أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة بِسَنَدِهِ ، فِي تَرْجَمَة سِيرِين الْقبْطِيَّة أُخْت مَارِيَة .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق كَثِيرَة . أَحدهَا : من طَرِيق : ( بُرَيْدَة ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : قد (كنت) نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فقد أذن لمُحَمد فِي زِيَارَة قبر أمه ، فزوروها فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ . وَقَالَ : حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بلفظين : أَحدهمَا : إِنِّي نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث : عَن زِيَارَة الْقُبُور ، وَعَن لُحُوم الْأَضَاحِي أَن (تبقوها) فَوق ثَلَاثَة أَيَّام ، وَعَن الظروف إِلَّا مَا كَانَ سقاءٍ ، فقد رخص لمحمدٍ فِي (زِيَارَة قبر) أمه . الثَّانِي : ( إِنِّي اسْتَأْذَنت) فِي الاسْتِغْفَار (لأمي) فَلم يَأْذَن لي ، فَدَمَعَتْ عَيْني رَحْمَة لَهَا من النَّار ، وَإِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاث : عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، ولتزدكم زيارتها خيرا وَذكر بَاقِي الحَدِيث . وَرَوَاهُ الْحَاكِم (بِلَفْظ) : إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزورها ، ولتزدكم زيارتها خيرا . ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي مَنَاقِب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من مُسْتَدْركه بِلَفْظ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام زار قبر أمه فِي ألف مقنع ، فَمَا رُئي باكيًا أَكثر من ذَلِك الْيَوْم . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ ، إِنَّمَا أخرج مُسلم وَحده حَدِيث محَارب بن دثار ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه : اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي الاسْتِغْفَار ، فَلم يُؤذن لي . قلت : لم يخرج مُسلم هَذَا اللَّفْظ من حَدِيث بُرَيْدَة هَذَا ؛ إِنَّمَا أخرجه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا ستعلمه بعد هَذَا ، وَلَفظه فِي حَدِيث بُرَيْدَة : نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها الحَدِيث ، وَأغْرب من هَذَا قَوْله فِي الْجَنَائِز من مُسْتَدْركه لما أخرج حَدِيث بُرَيْدَة : كنت نَهَيْتُكُمْ كَمَا سقناه : إنّ هَذَا الحَدِيث مخرج فِي الْكِتَابَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ لِلشَّيْخَيْنِ . وَقد عرفت أَنه من أَفْرَاده ، كَمَا قَالَه مرّة أُخْرَى . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زار قبر أمه ، فَبَكَى ؛ وأبكى من حوله ، فَقَالَ : (اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا ، فَلم يُؤذن لي ، واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها ، فَأذن لي ، فزوروا الْقُبُور ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ ، وَلم يَقع فِي رِوَايَة عبد الغافر الْفَارِسِي ، وَوَقع لغيره من الروَاة عَن الجلودي ، وَعَزاهُ إِلَى مُسلم : الْبَيْهَقِيّ ، وَعبد الْحق ، وَالْمُنْذِرِي ، وَغَيرهم ، وَأما الْحَاكِم فاستدركه وَقَالَ : إِنَّه عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا بِلَفْظ : زوروا الْقُبُور ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا تزهد فِي الدُّنْيَا وتذكر فِي الْآخِرَة . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَفِيه أَيُّوب بن هَانِئ ضعفه ابْن معِين ، وَقواهُ أَبُو حَاتِم ، وَاقْتصر الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي (عَلَى) مقَالَة ابْن معِين . وَقَالَ فِي الكاشف : إِنَّه صَدُوق . وَلم يذكر غير ذَلِك ، وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ . الطَّرِيق الرَّابِع : من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا عِبْرَة . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك ، لَكِن قَالَ بدل : فَإِنَّهَا عِبْرَة : وَلَا تَقولُوا هجرًا . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ : كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فَإِن زرتموها فَلَا تَقولُوا هجرًا . الطَّرِيق الْخَامِس : من حَدِيث أنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : نهيت عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْمَوْت . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَفِيه يَحْيَى الجابر ، وَقد ضعَّفوه كَمَا سلف فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين مِنْهُ . ثمَّ رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق آخر جيد ، عَن أنس بِلَفْظ : نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور ، فزوروها ، فَإِنَّهَا ترق الْقلب ، وتدمع الْعين ، وتذكركم الْآخِرَة ، وَلَا تَقولُوا هجرًا . وَرَوَاهُ أَحْمد بِنَحْوِهِ . الطَّرِيق السَّادِس : من حَدِيث أبي ذَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : زر الْقُبُور ، تذكر بهَا الْآخِرَة . رَوَاهُ الْحَاكِم هُنَا ، و(فِي) بَاب الرقَاق من مُسْتَدْركه ، وَقَالَ هُنَا : رُوَاته عَن آخِرهم ثِقَات . قلت : لَكِن فِي سَنَده يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ، وَهُوَ واه ، وَيَحْيَى بن سعيد عَن أبي مُسلم الْخَولَانِيّ ، وَيَحْيَى لم يدْرك أَبَا مُسلم ، فَهُوَ مُنْقَطع ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي اختصاره للمستدرك : أَبُو مُسلم هَذَا رجل مَجْهُول ، وَالْخَبَر مُنكر . الطَّرِيق السَّابِع : من حَدِيث عَلّي بن أبي طَالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ نهَى عَن زِيَارَة الْقُبُور ، ثمَّ قَالَ : إِنِّي كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زيارتها ؛ فزوروها ؛ فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة . رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَلّي بن يزِيد ، عَن ربيعَة بن النَّابِغَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَلّي بِهِ . قَالَ البُخَارِيّ : ربيعَة بن النَّابِغَة ، عَن أَبِيه عَن عَلّي لَا يَصح حَدِيثه . قَالَ الْحَاكِم : قد استقصيت (عَلَى) الْحَث عَلَى زِيَارَة الْقُبُور تحريًا للمشاركة فِي التَّرْغِيب ، وليعلم الشحيح (بِدِينِهِ) أَنَّهَا سنة مسنونة .
الحَدِيث الْحَادِي بعد التسعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث جَابر بن عتِيك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَاءَ يعود عبد الله بن ثَابت ، فَوَجَدَهُ قد غلب ، فصاح بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يجبهُ ، فَاسْتَرْجع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ : غلبنا عَلَيْك يَا أَبَا الرّبيع . فصاح النسْوَة وبكين ، فَجعل ابْن عتِيك يسكتهن ؛ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : دَعْهُنَّ ، فَإِذا وَجَبت فَلَا تبكين باكية ، قَالُوا : يَا رَسُول الله ، وَمَا الْوُجُوب ؟ قَالَ : الْمَوْت . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، رُوَاته مدنيون قرشيون . وللنسائي فِي بعض الرِّوَايَات من غير حَدِيث مَالك عَن ( جبر ) : أَنه دخل مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الحَدِيث . قَالَ ابْن عَسَاكِر : وَحَدِيث مَالك أشهر ، وَمَعْنى وَجَبت : خرجت روحه .
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعن زوارات الْقُبُور . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : أَحدهَا : من حَدِيث عمر بن أبي سَلمَة ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعن زوارات الْقُبُور . رَوَاهُ أَحْمد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . قلت : وَعمر هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق ، وَلَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة : لَا يحْتَج بِهِ . وَوَثَّقَهُ غَيرهمَا ، وَصَححهُ ابْن حبَان ، وَلَفظه : لعن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زائرات الْقُبُور . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَقد رَأَى بعض أهل الْعلم أَن هَذَا قبل أَن يرخص النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي زِيَارَة الْقُبُور ، فَلَمَّا رخص دخل فِي رخصته [ الرِّجَال و] النساءُ ، (قَالَ : وَقَالَ بَعضهم : وَإِنَّمَا كره زِيَارَة الْقُبُور للنِّسَاء) لقلَّة صبرهن وَكَثْرَة جزعهن . قلت : وَهَذَا الْجَواب مَبْنِيّ عَلَى أَن النِّسَاء دخلن فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور وَالْمُخْتَار عِنْد أَصْحَابنَا عدم دخولهن فِي ضمير الرِّجَال ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي إِعْلَامه جوز جعل هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخا بِحَدِيث : كنت نَهَيْتُكُمْ ، وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى الأول . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث حسان بن ثَابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعن زوارات الْقُبُور رَوَاهُ أَحْمد ، وَابْن مَاجَه ، وَالْحَاكِم ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن حسان بن ثَابت ، وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث (أبي صَالح عَن) ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : لعن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زوارات الْقُبُور ، والمتخذات عَلَيْهَا الْمَسَاجِد والسرج . رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه ، وَاخْتلف كَلَام الْحفاظ فِي أبي صَالح هَذَا : هَل هُوَ باذام مولَى أم هَانِئ الضَّعِيف ، أَو ذكْوَان السمان الراوي عَن أبي هُرَيْرَة ، الثِّقَة المحتج بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أم غَيرهمَا ، فَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه : أَبُو صَالح هَذَا اسْمه (ميزَان) ، بَصرِي ثِقَة ، لَيْسَ بِصَاحِب الْكَلْبِيّ ، ذَاك اسْمه باذام . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر فِي صَحِيحه فِي حَدِيث أبي صَالح عَن عَمْرو بن الْعَاصِ رَفعه فِي النَّهْي عَن الدُّخُول عَلَى المغيبات : أَبُو صَالح هَذَا اسْمه (ميزَان) ، من أهل الْبَصْرَة ، (ثِقَة) سمع ابْن عَبَّاس ، وَعَمْرو بن الْعَاصِ ، وَرَوَى عَنهُ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ، وَمُحَمّد بن جحادة ، مَا رَوَى عَنهُ غير هذَيْن . قلت : بل رَوَى عَنهُ سُفْيَان الثَّوْريّ ، وَابْن أَخِيه عمار بن مُحَمَّد ، وَمَالك بن مغول . قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا بِصَاحِب الْكَلْبِيّ ، ذَاك واهي ضَعِيف . وَخَالف فِي ذَلِك جماعات ، مِنْهُم الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، فَإِنَّهُ قَالَ بعد أَن رَوَاهُ : أَبُو صَالح هَذَا لَيْسَ بالسمان المحتج بِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ (باذان) ، وَلم يحْتَج بِهِ الشَّيْخَانِ ، لكنه حَدِيث متداول فِيمَا بَين الْأَئِمَّة ، قَالَ : وَقد وجدت لَهُ مُتَابعًا من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ فِي متن الحَدِيث ، فخرجته . ثمَّ ذكر حَدِيث (حسان) السالف . وَمِنْهُم ابْن عَسَاكِر ؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي أَطْرَافه فِي تَرْجَمته ، ثمَّ رَوَاهُ عَلَي بن مُسلم الطوسي ، عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ، عَن شُعْبَة ، عَن مُحَمَّد بن جحادة ، سَمِعت أَبَا صَالح مولَى أم هَانِئ . وَمِنْهُم عبد الْحق ؛ فَإِنَّهُ لما ذكره عقبه (بِأَن قَالَ : هَذَا يرويهِ أَبُو صَالح صَاحب الْكَلْبِيّ ، وَهُوَ عِنْدهم ضَعِيف جدا) وَأنكر هَذِه الْعبارَة عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان ، وَقَالَ : إِنَّمَا يُقَال مثلهَا فِي الْوَاقِدِيّ وَنَحْوه من المتروكين الْمجمع عَلَيْهِم ، وَأما أَبُو صَالح هَذَا فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَد ، وَلَا من هَذَا النمط ، وَلَا أَقُول إِنَّه ثِقَة ، لكني أَقُول : إِنَّه لَيْسَ كَمَا توهمه هَذِه الْعبارَة ، بل قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : سَمِعت يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان يَقُول : لم أر أحدا من أَصْحَابنَا تَركه ، وَمَا سَمِعت أحدا من النَّاس يَقُول فِيهِ شَيْئا ، وَقَالَ يَحْيَى ابن معِين : إِذا رَوَى عَنهُ غير الْكَلْبِيّ لَا بَأْس بِهِ . وَقد أسلفنا تَرْجَمَة أبي صَالح مستوفاة فِي بَاب الأحداث ، فَرَاجعهَا من ثمَّ . وَمِنْهُم الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مُخْتَصره لسنن أبي دَاوُد عقب قَول التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث حسن : فِيهِ نظر ، فَإِن فِي إِسْنَاده أَبُا صَالح ، وَهُوَ باذام ، وَيُقَال : باذان ، مكي ، مولَى أم هَانِئ بنت أبي طَالب ، وَهُوَ صَاحب الْكَلْبِيّ ، وَقد قيل : إِنَّه لم يسمع من ابْن عَبَّاس شَيْئا ، وَقد تكلم فِيهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة ، وَقَالَ ابْن عدي : لم أر أحدا من الْمُتَقَدِّمين رضيه . وَقد نقل عَن يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَغَيره تَحْسِين أمره ، فَلَعَلَّهُ يُرِيد : رضيه حجَّة ، أَو قَالَ : هُوَ ثِقَة . وَكَذَلِكَ قَالَ فِي موافقاته . وَمِنْهُم النَّوَوِيّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي خلاصته : هَذَا الحَدِيث حسنه التِّرْمِذِيّ ، وَسكت عَنهُ أَبُو دَاوُد فَلم يُضعفهُ ، وَأَبُو صَالح هَذَا هُوَ باذام ، وَاخْتلفُوا فِيهِ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا يحْتَج بِهِ . وَمِنْهُم ابْن دحْيَة فِي كتاب مرج الْبَحْرين ، فَإِنَّهُ قَالَ عقيب تَحْسِين التِّرْمِذِيّ لَهُ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح من هَذَا الْوَجْه ، وَلَا من غَيره ؛ لأجل أبي صَالح باذان أَو باذام . قَالَ الْأَزْدِيّ : كَذَّاب وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي أَطْرَافه فِي تَرْجَمَة أبي صَالح باذام ، ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو مَنْصُور الْحسن (بن السكين الْبَلَدِي عَن يعلى بن عباد الْبَصْرِيّ عَن شُعْبَة وَالْحسن) بن أبي جَعْفَر ، وَالْحسن بن دِينَار ، وَأبي الرّبيع السمان ، وَمُحَمّد بن طَلْحَة بن مصرف ، كلهم عَن مُحَمَّد بن جحادة ، عَن أبي صَالح السمان ، عَن ابْن عَبَّاس .
الحَدِيث التِّسْعُونَ رُوِيَ أَنه لما جَاءَ نعي جَعْفَر الصَّادِق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما ؛ فقد جَاءَهُم أَمر يشغلهم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، وَأحمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ ، من رِوَايَة جَعْفَر بن خَالِد - هُوَ ابْن سارة - عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن جَعْفَر قَالَ : لما جَاءَ نعي جَعْفَر قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اصنعوا لآل جَعْفَر طَعَاما ؛ فَإِنَّهُ قد جَاءَهُم مَا يشغلهم . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث (حسن ) . وَقَالَ بعد ذَلِك : وجعفر بن خَالِد هُوَ ابْن سارة ، وَهُوَ ثِقَة ، رَوَى عَنهُ (ابْن) جريج . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : إِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ لِأَن خَالِد بن سارة لَا يعرف حَاله ، وَرَوَى عَنهُ ابْنه ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح قَالَه البخاريُّ ، وَأَهْمَلَهُ ابْن أبي حَاتِم كَسَائِر من يجهل أَحْوَالهم . قَالَ : وَلَا أعلم لَهُ إِلَّا حديثين ، أَحدهمَا هَذَا ، والأخر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمل غلامين من بني عبد الْمطلب عَلَى دَابَّة . رَوَاهُ أَيْضا جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن (عبد الله) بن جَعْفَر كَذَلِك . قلت : لَكِن خَالِد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن حبَان ، فَإِنَّهُ ذكره فِي ثقاته ، فَزَالَتْ عَنهُ إِذن جَهَالَة الْعين وَالْحَال ، وَلما أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من طَرِيقه قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وخَالِد بن جَعْفَر بن سارة المَخْزُومِي من أكَابِر مَشَايِخ قُرَيْش ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شُعْبَة : اكتُبوا عَن الْأَشْرَاف ؛ فَإِنَّهُم لَا يكذبُون . قَالَ : وَقد رُوِيَ غير هَذَا الحَدِيث مُفَسرًا . ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن جَعْفَر قَالَ : مسح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِي - قَالَ : أَظُنهُ قَالَ : ثَلَاثًا - كلما مسح قَالَ : اللَّهُمَّ أخلف جعفرًا فِي وَلَده . قَالَ الْحَاكِم : قد أَتَى جَعْفَر بن خَالِد بشيئين عزيزين ، أَحدهمَا مسح رَأس الْيَتِيم ، وَالْآخر تفقد أهل الْمُصِيبَة بِمَا يتقوتون ليلتهم ، وفقنا الله لاستعماله بمنه . وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح وَقَالَ : جَاءَهُم أَمر (أشغلهم) . قلت : وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث أَسمَاء بنت عُمَيْس ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَالطَّبَرَانِيّ ، وَابْن مَاجَه عَنْهَا : لما أُصِيب جَعْفَر رَجَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أَهله فَقَالَ : إِن أهل جَعْفَر قد شغلوا بشأن ميتهم ، فَاصْنَعُوا (لَهُم) طَعَاما . فَائِدَة : النعي : بِكَسْر الْعين مُشَدّدَة (الْيَاء) وبإسكانها مُخَفّفَة ، قَالَ الْجَوْهَرِي : النعي : خبر الْمَوْت ، يُقَال : نعاه لَهُ نَعْيًا ونُعيانًا - بِالضَّمِّ - وَكَذَلِكَ النعي عَلَى فعل ، يُقَال : جَاءَ نعي فلَان ، والنعي أَيْضا الناعي ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت ، وَقَالَ صَاحب الْمطَالع : نعي (أبي سُفْيَان بِإِسْكَان) الْعين وبكسرها وَتَشْديد الْيَاء وَقَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه تصاحيف الروَاة : النعيّ : بتَشْديد الْيَاء الِاسْم ، فَأَما النعْيُ : فَهُوَ مصدر نَعيتُ الْمَيِّت (أَنعَاهُ) ، قَالَ ابْن بري : النعْي قد يَأْتِي بِمَعْنى النعيّ ، فَيُقَال : قد أَتَى نَعْيُه أَي : نَعِيُّه ، والنعي : الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَيِّت ، والنعي أَيْضا : الْمَيِّت نَفسه . فَائِدَة ثَانِيَة : يشغلهم : بِفَتْح الْيَاء ، وحُكى ضمُّها ، وَهُوَ شَاذ ، وَوَقع فِي الْمُهَذّب : يشغلهم عَنهُ ، وَالَّذِي رَأَيْته فِي كتب الحَدِيث : يشغلهم بِحَذْف عَنهُ . فَائِدَة ثَالِثَة : كَانَ قتل جَعْفَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فِي جمادى سنة ثَمَان من الْهِجْرَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة ، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِالشَّام عِنْد الكرك ، رَوَى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن ابْن عمر قَالَ : كنت فِي غَزْوَة مُؤْتَة ، فالتمسنا جعفرًا فوجدناه فِي الْقَتْلَى ، وَوجدنَا فِي جسده بضعًا و(تسعين) من طعنة ورمية . وَفِي رِوَايَة لَهُ : فعددت بِهِ خمسين بَين طعنة (وضربة) لَيْسَ فِيهَا شَيْء فِي دبره .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّمَانِينَ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَالسّنة أَن يَقُول الزائر : سَلام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين ، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم ، وَلَا تفتنا بعدهمْ . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج إِلَى الْمقْبرَة ، فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين ، وَإِنَّا إن شَاءَ الله بكم لاحقون . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كلما كَانَت لَيْلَتهَا مِنْهُ يخرج من آخر اللَّيْل إِلَى البقيع ، فَيَقُول : السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين ، وأتاكم مَا توعدون ، غَدا (مؤجلون) ، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ، اللَّهُمَّ اغْفِر لأهل بَقِيع الْغَرْقَد . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علمهَا هَذَا عِنْد زِيَارَة البقيع : السَّلَام عَلَى أهل الديار من الْمُسلمين وَالْمُؤمنِينَ ، وَيرْحَم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا (والمستأخرين) ، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث بُرَيْدَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يعلمهُمْ) إِذا خَرجُوا إِلَى الْمَقَابِر فَكَانَ قَائِلهمْ يَقُول : السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين ، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون ، أسأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة . زَاد النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه : أَنْتُم لنا فرط ، وَنحن لكم تبع . وَفِي السّنَن الثَّلَاثَة سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ، بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج إِلَى الْمقْبرَة ، فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين ، وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون . وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : مر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِقبُور الْمَدِينَة ، فَأقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْقُبُور ، يغْفر الله لنا وَلكم ، أَنْتُم سلفنا ، وَنحن بالأثر . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن . وَفِي كتاب ابْن السّني عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَى البقيع ؛ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين ، أَنْتُم لنا فرط ، وَإِنا بكم لاحقون ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم ، وَلَا تضلنا بعدهمْ .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّمَانِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من عزى مصابًا فَلهُ مثل أجره . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم (حَدثنَا) وَالله مُحَمَّد بن سوقة ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن الْأسود ، عَن عبد الله بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم قَالَ : وَرُوِيَ أَيْضا مَوْقُوفا . قَالَ : وَيُقَال : أَكثر مَا ابْتُلِيَ بِهِ عَلّي بن عَاصِم بِهَذَا الحَدِيث ، نقموا عَلَيْهِ . قلت : وَقَالَ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا : عَلّي بن عَاصِم من أهل الحَدِيث لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث ، عابوا عَلَيْهِ فِي حَدِيث مُحَمَّد بن سوقة ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن الْأسود ، عَن عبد الله : من عزى مصابًا وَقيل لوكيع : إِن عَلّي بن عَاصِم غلط فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود . فَقَالَ : مَا هُوَ ؟ فَقَالَ : حَدِيث مُحَمَّد بن سوقة ، فَقَالَ وَكِيع : أَنا إِسْرَائِيل ، عَن مُحَمَّد بن سوقة ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن الْأسود ، عَن عبد الله بن مَسْعُود فَذكره . قَالَ ابْن عدي : (والضعف) عَلَى حَدِيثه بَين . وَقَالَ يَحْيَى بن جَعْفَر : كَانَ يجلس عِنْد عَلّي بن عَاصِم ثَلَاثُونَ ألفا ، وَكَانَ يجلس عَلَى سطح ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة مستملين . وَقَالَ أَبُو عَلّي المفلوج : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيمَا يرَى النَّائِم ، وَأَبُو بكر عَن يَمِينه ، و(عمر) عَن شِمَاله ، وَعُثْمَان أَمَامه ، وَعلي خَلفه ، فَقَالَ عَلَيْهِ (الصَّلَاة و) السَّلَام : أَيْن عَلّي بن عَاصِم ؟ أَيْن عَلّي بن عَاصِم ؟ فجيء بِهِ ، (فَقبل) بَين عَيْنَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : أَحييت سنتي . قَالُوا : يَا رَسُول الله ، إِنَّهُم يَقُولُونَ : غلط فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود : من عزى مصابا فَلهُ مثل أجره . فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لنا : حدثت ابْن مَسْعُود ، وَابْن مَسْعُود حدث الْأسود بن يزِيد ، وَالْأسود (بن يزِيد) حدث إِبْرَاهِيم ، وَإِبْرَاهِيم حدث مُحَمَّد بن سوقة ، وَعلي بن عَاصِم صَدُوق ؛ صدق عَلّي بن عَاصِم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ عَلّي بن عَاصِم ، وَهُوَ أحد مَا أنكر عَلَيْهِ ، قَالَ : وَيروَى أَيْضا عَن غَيره . قلت : إِذا رُوِيَ عَن غَيره فَلم ينْفَرد بِهِ ، وَقد رَوَاهُ جماعات غَيره : أحدهم : إِسْرَائِيل ، كَمَا سلف ، وَقد سَاقه كَمَا أسلفناه عَنهُ صَاحب الْكَمَال . وثانيهم : الثَّوْريّ ، رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن سوقة : من عزى مصابًا كَانَ لَهُ مثل أجره . (ثالثهم : شُعْبَة رَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن سوقة : من عزى مصابًا فلَهُ مثل أجره . ذكرهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته وَقَالَ : هما طَرِيقَانِ لَا يصحان ، تفرد بِالْأولِ حَمَّاد بن الْوَلِيد عَن الثَّوْريّ ، قَالَ ابْن حبَان : كَانَ يسرق الحَدِيث ، وَيلْزق بالثقات مَا لَيْسَ من حَدِيثهمْ ، لَا يحْتَج بِهِ بِحَال . وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَتفرد بِالثَّانِي نصر بن حَمَّاد عَن شُعْبَة ، قَالَ يَحْيَى : كَذَّاب وَقَالَ مُسلم : ذَاهِب الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة . وَذكر أَيْضا فِي مَوْضُوعَاته طَرِيق عَلّي بن عَاصِم السالفة ، وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تصح . قَالَ : وَقد تفرد بِهِ عَن مُحَمَّد بن سوقة ، وَقد كذبه شُعْبَة وَيزِيد بن هَارُون وَيَحْيَى بن معِين . وَقَالَ فِي ( تَحْقِيقه : هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ حَمَّاد بن الْوَلِيد عَن الثَّوْريّ ، وَهُوَ ضَعِيف جدا . قَالَ : وَقد رُوِيَ من طرق (لَا تثبت ) . وَقَالَ ابْن عدي : قد رَوَى هَذَا الحَدِيث مَعَ عَلّي بن عَاصِم عَن ابْن سوقة : مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة ، وَعبد الرَّحْمَن بن مَالك بن مغول . قلت : وَهَذِه مُتَابعَة رَابِعَة وخامسة . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن : الثَّوْريّ ، وَإِسْرَائِيل ، وَقيس ، وَغَيرهم عَن ابْن سوقة . قلت : وَقيس مُتَابعَة سادسة . قَالَ : وَمِنْهُم من يزِيد فِي الْإِسْنَاد (عَلْقَمَة) ، وَأنكر النَّاس عَلَى عَلّي بن عَاصِم حَدِيث (ابْن) سوقة هَذَا ، قَالَ : والضعف عَلَى حَدِيث عَلّي بَين . وَقَالَ الْخَطِيب : قد رَوَى حَدِيث ابْن سوقة عبد الحكم بن مَنْصُور مِثْلَمَا رَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم . قلت : وَهَذِه مُتَابعَة سابعة . قَالَ : وَرُوِيَ كَذَلِك عَن : سُفْيَان الثَّوْريّ ، وَشعْبَة ، وَإِسْرَائِيل ، وَمُحَمّد بن الْفضل بن عَطِيَّة ، وَعبد الرَّحْمَن بن مَالك بن مغول ، والْحَارث بن عمرَان الْجَعْفَرِي كلهم عَن ابْن سوقة . قلت : والْحَارث مُتَابعَة ثامنة . قَالَ : وَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا ثَابتا . قلت : وَله شَاهد من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الله ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من عزى مصابًا فَلهُ مثل أجره . لكنه (شَاهد) واه ، ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته ، وَقَالَ : مُحَمَّد هَذَا هُوَ الْعَرْزَمِي ، قَالَ يَحْيَى : لَا يكْتب حَدِيثه . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّانِي قَالَ الرَّافِعِيّ : وَاسْتحْسن فِي الْأُم أَن نقُول بعد التَّكْبِير مَا نقل عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ عَلَى الصَّفَا الله أكبر كَبِيرا ، وَالْحَمْد لله كثيرا ، وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا ، لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَلَا نعْبد إِلَّا إِيَّاه ، مُخلصين لَهُ الدَّين وَلَو كره الْكَافِرُونَ ، لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده ، صدق وعده ، وَنصر عَبده ، وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده ، لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ وَهَذَا لَفظه : عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه قَالَ : دَخَلنَا عَلَى جَابر فَذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ : فَبَدَأَ بالصفا فرقى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْت ، فَاسْتقْبل الْبَيْت فَوحد الله وَكبره ، وَقَالَ : لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد ، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير ، لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده ، أنْجز وعده ، وَنصر عَبده ، وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث بِطُولِهِ ، وسأذكره بِطُولِهِ فِي الْحَج إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - ذَلِك وَقدره .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين ( قَالَ الرَّافِعِيّ) : (وَيروَى) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبر (اثْنَتَيْ) عشرَة تَكْبِيرَة سُوَى (تَكْبِيرَة) الِافْتِتَاح و(تَكْبِيرَة) الرُّكُوع . هَذَا (الحَدِيث) رَوَاهُ (أَبُو) دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عشرَة تَكْبِيرَة سُوَى (تَكْبِير) الِافْتِتَاح وَيقْرَأ بـ ( ق وَالْقُرْآن الْمجِيد) و(اقْتَرَبت السَّاعَة ) . هَذَا لفظ الْحَاكِم و(إِحْدَى) (رِوَايَات) الدَّارَقُطْنِيّ : (وَلَفظ أبي دَاوُد وَإِحْدَى رِوَايَات الدارقطني) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبر فِي الْفطر والأضحى سبعا وخمسًا سُوَى (تكبيرتي) الرُّكُوع) . وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ سبعا فِي الأولَى ، وخمسًا فِي (الْآخِرَة) سُوَى (تكبيرتي) الرُّكُوع . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِلَفْظ أبي دَاوُد ومداره عَلَى ابْن لَهِيعَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة ، وَقد اسْتشْهد بِهِ مُسلم فِي موضِعين من صَحِيحه .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين قَالَ الرَّافِعِيّ : يكبر فِي الأولَى سبع تَكْبِيرَات سُوَى تَكْبِيرَة الِافْتِتَاح و(الهَوِيّ) إِلَى الرُّكُوع ، وَفِي الثَّانِيَة خمس تَكْبِيرَات سُوَى (تَكْبِيرَة) الْقيام [ من السُّجُود ] والهوي إِلَى [ الرُّكُوع . لنا ] مَا رُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى فِي (الأولَى) سبعا وَفِي الثَّانِيَة خمْسا . هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ لَيْسَ مطابقًا لما اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِذْ يجوز أَن يكون دَلِيلا لِأَحْمَد فِيمَا ذهب إِلَيْهِ فِي (إِحْدَى) الرِّوَايَتَيْنِ من أَن (التَّكْبِير) فِي الأولَى سبع تَكْبِيرَات بتكبيرة الِافْتِتَاح ، نعم الحَدِيث الْآتِي نَص فِيمَا ذكره ، وَكَذَا الطَّرِيق الثَّانِي من طرق (هَذَا) الحَدِيث الَّذِي نَحن فِيهِ كَمَا ستعلمه ، وَهَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ هُنَا مَرْوِيّ من طرق أَحدهَا : عَن كثير بن عبد الله (بن عَمْرو) بن عَوْف ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأولَى سبعا قبل الْقِرَاءَة ، وَفِي الثَّانِيَة خمْسا قبل الْقِرَاءَة . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . قَالَ : وَهُوَ أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب . وَنقل الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَغَيره أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ فِي علله : سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب شَيْء أصح مِنْهُ وَبِه أَقُول . وَاعْلَم أَن فِي تَحْسِين التِّرْمِذِيّ لهَذَا الحَدِيث نظرا ، وَقَول البُخَارِيّ أَنه لَيْسَ فِي الْبَاب أصح مِنْهُ . لَا يلْزم مِنْهُ تَصْحِيحه بل مُرَاده أَنه لَيْسَ فِي الْبَاب أصح مِنْهُ (عَلَى) علاته وَسبب ذَلِك ضعف كثير بن عبد الله رَاوِيه . قَالَ الشَّافِعِي - كَمَا نَقله عَنهُ السَّاجِي وَابْن حبَان - : كثير ركن من أَرْكَان الْكَذِب . وَقَالَ أَحْمد : لَا يحدث عَنهُ . وَقَالَ مرّة : مُنكر الحَدِيث لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ مرّة : لَا يُسَاوِي شَيْئا . وَضرب عَلَى (حَدِيثه) فِي الْمسند وَلم يحدث بِهِ . وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد : لَيْسَ بِشَيْء وَلَا يكْتب حَدِيثه . وَكَذَا قَالَ يَحْيَى ، وَتَركه النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ ، ووهاه أَبُو زرْعَة ، وَقَالَ ابْن حبَان : رَوَى عَن أَبِيه عَن جده نُسْخَة مَوْضُوعَة لَا يحل ذكرهَا فِي الْكتب وَلَا الرِّوَايَة عَنهُ إلاّ عَلَى جِهَة التَّعَجُّب . وَقَالَ مطرف بن عبد الله : رَأَيْته وَكَانَ كثير الْخُصُومَة فَقَالَ لَهُ ابْن [ عمرَان ] : أَنْت رجل بطال تخاصم (فِيمَا) لَا تعرف وتدعي مَا لَيْسَ لَك بِلَا بَيِّنَة ، فَلَا تقربني إلاّ أَن تراني قد تفرغت لأهل البطالة . وَأورد لَهُ ابْن عدي أَحَادِيث مِمَّا يُنكر عَلَيْهِ مِنْهَا (هَذَا) الحَدِيث ثمَّ قَالَ : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وجده عَمْرو بن عَوْف صَحَابِيّ يروي عَنهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد أَحَادِيث ، قَالَ ابْن السكن : فِيهَا نظر . وَقَالَ (الْبَزَّار) لم يرو عَنهُ إِلَّا ابْنه . وَقد أنكر جماعات عَلَى التِّرْمِذِيّ تحسينه أَيْضا ، قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب الْعلم الْمَشْهُور : قَول التِّرْمِذِيّ: إِن هَذَا الحَدِيث أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب لَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ (أقبح) حَدِيث فِي ذَلِك (الْبَاب) لِأَن كثير بن عبد الله الْمَذْكُور لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ بتخريج الْأَئِمَّة (لَهُ) وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : أَنا أتعجب من قَول التِّرْمِذِيّ هَذَا . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي خلاصته : فِي قَوْله هَذَا نظر ؛ لِأَن ( كثيرا ) هَذَا ضَعِيف جدًّا فَلَعَلَّهُ اعتضد عِنْده بشواهد (وَغَيرهَا) . قلت : وَالتِّرْمِذِيّ رَوَى لَهُ حَدِيثا فِي كتاب الْأَحْكَام من جَامعه وَصَححهُ (مَعَ) الْحسن ، وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ أَشد ، وسترى الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الصُّلْح إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - وَلما ذكر عبد الْحق فِي أَحْكَامه هَذَا الحَدِيث قَالَ : صَححهُ البُخَارِيّ . فاعترضه ابْن الْقطَّان بِأَنَّهُ لم يُصَحِّحهُ إِنَّمَا قَالَ : لَيْسَ فِي الْبَاب أصح مِنْهُ . وَبِه أَقُول ، وَلَيْسَ هَذَا بِنَصّ فِي (تَصْحِيحه) إِيَّاه إِذْ قد يَقُول هَذَا [ لأشبه ] مَا فِي الْبَاب وَإِن كَانَ (كُله) ضَعِيفا ، فَإِن قيل : يُؤَكد مَفْهُوم عبد الْحق قَوْله : وَبِه أَقُول . (فَالْجَوَاب) إِن هَذِه اللَّفْظَة لَا أَدْرِي هَل هِيَ من كَلَام البُخَارِيّ أَو التِّرْمِذِيّ ، وَهِي إِذا كَانَت من البُخَارِيّ كَانَ مَعْنَاهَا : وَبِه أَقُول وأفتي فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ ، وَإِلَيْهِ أذهب فِي عدد التَّكْبِير ، وَإِن كَانَت من التِّرْمِذِيّ فمعناها : وَبِه أَقُول أَي إِن الحَدِيث الْمَذْكُور أشبه مَا فِي الْبَاب وأصحه . فَإِن قيل : (وَهَذَا) الْقَرار عَن ظَاهر (الْكَلَام) الْمَذْكُور مَا أوجبه ؟ (فَالْجَوَاب) أَن تَقول : أوجبه أَن عبد الله بن عَمْرو وَالِد كثير هَذَا لَا يعرف حَاله ، وَلَا يعلم رَوَى عَنهُ (غير) ابْنه كثير ، وَكثير عِنْدهم مَتْرُوك الحَدِيث . قلت : عبد الله (هَذَا) قد ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن (عَمْرو) بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده (أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر فِي عيد ثِنْتَيْ عشرَة تَكْبِيرَة ، سبعا فِي الأولَى وخمسًا فِي (الْآخِرَة) وَلم يصل قبلهَا وَلَا بعْدهَا . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّائِفِي عَن عَمْرو بِهِ سَوَاء ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بلفظين : أَحدهمَا : كبر فِي الْعِيدَيْنِ الْأَضْحَى وَالْفطر ثِنْتَيْ عشرَة تَكْبِيرَة ، فِي الأولَى سبعا وَفِي (الْآخِرَة) خمْسا سُوَى تَكْبِيرَة (الصَّلَاة) (وَثَانِيهمَا) كبر فِي الْعِيد يَوْم الْفطر سبعا فِي الأولَى وَفِي الْآخِرَة خمْسا سُوَى تَكْبِيرَة الصَّلَاة .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى الْعِيدَيْنِ ثمَّ خطب (بِغَيْر) أَذَان وَلَا إِقَامَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَزِيَادَة : وَأبي بكر وَعمر (أَو) عُثْمَان . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة وَبِدُون قَوْله : ثمَّ خطب . وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى الْعِيد بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة وَفِي رِوَايَة لَهُ : شهِدت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْعِيد وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فكلهم صَلَّى قبل الْخطْبَة بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة . وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنهُ ، وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَا : لم يكن يُؤذن يَوْم الْفطر وَلَا يَوْم الْأَضْحَى . وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة قَالَ : صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْعِيدَيْنِ غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيسْتَحب فِي عيد الْفطر أَن يطعم شَيْئا قبل الْخُرُوج إِلَى الصَّلَاة ، وَلَا يطعم فِي عيد الْأَضْحَى حَتَّى يرجع . رَوَاهُ أنس وَبُرَيْدَة وَغَيرهمَا (من فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ كَمَا قَالَ ، أما حَدِيث أنس وَبُرَيْدَة فقد فَرغْنَا مِنْهُمَا آنِفا ، وَأما غَيرهمَا) فقد قدمْنَاهُ عَن التِّرْمِذِيّ أَن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - رَوَاهُ فِي جَامعه من حَدِيث أبي إِسْحَاق السبيعِي ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي ( إِن) من السّنة أَن تخرج إِلَى الْعِيد مَاشِيا وَأَن تَأْكُل قبل أَن تخرج ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن . وَفِي تَارِيخ الْعقيلِيّ عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ( أَنه) عَلَيْهِ السَّلَام لم يكن يخرج يَوْم الْفطر حَتَّى يطعم ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده غير مَحْفُوظ ، وَمَتنه يرْوَى من وَجه أصلح من هَذَا . وَرَوَاهُ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ابْن عمر أَيْضا رَوَاهُ الْعقيلِيّ من طَرِيقه بِلَفْظ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام لَا يَغْدُو يَوْم الْفطر حَتَّى يغدّي أَصْحَابه من صَدَقَة الْفطر . وَفِي إِسْنَاده عمر بن صهْبَان خَال إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، قَالَ ابْن معِين : حَدِيثه لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . قَالَ الْعقيلِيّ : وَرَوَى مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بِزَكَاة الْفطر أَن تُؤَدَّى قبل خُرُوج الإِمَام . وَهَذِه الرِّوَايَة أولَى . وَرَوَاهُ أَيْضا جَابر بن سَمُرَة ، رَوَاهُ أَبُو نعيم عَلَى مَا عزاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه إِلَيْهِ بِلَفْظ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام لَا يَغْدُو يَوْم الْفطر حَتَّى يَأْكُل (سبع) تمرات أَو سبع زبيبات . وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده وَأَبُو يعْلى فِي مُعْجَمه من حَدِيث عبد الله بن عقيل ، (عَن) عَطاء بن يسَار (عَنهُ قَالَ : كَانَ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام) لَا يخرج يَوْم الْفطر حَتَّى يطعم . وَرَوَاهُ أَيْضا صَفْوَان بن سليم ، رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد قَالَ : حَدثنِي صَفْوَان بن سليم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يطعم قبل أَن يخرج إِلَى الجبان يَوْم الْفطر وَيَأْمُر بِهِ . قَالَ الشَّافِعِي : وَأَنا إِبْرَاهِيم بن سعد (بن إِبْرَاهِيم) عَن ابْن شهَاب عَن ابْن الْمسيب قَالَ : كَانَ الْمُسلمُونَ يَأْكُلُون يَوْم الْفطر قبل الصَّلَاة وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِك يَوْم النَّحْر . قَالَ : وَأَنا مَالك ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : كَانَ النَّاس يؤمرون بِالْأَكْلِ قبل الغدو يَوْم الْفطر وَأَنا مَالك ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه (أَنه) كَانَ يَأْكُل قبل الغدو يَوْم الْفطر . وأَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، قَالَ : حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه أَنه كَانَ يَأْمر بِالْأَكْلِ قبل الْخُرُوج إِلَى الْمُصَلى يَوْم الْفطر .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن بُرَيْدَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يخرج يَوْم الْفطر حَتَّى يطعم ، وَلَا يطعم يَوْم الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّي . هَذَا الحَدِيث حسن (صَحِيح ) . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَابْن مَاجَه (وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ) فِي سنَنه بأسانيد صَحِيحَة من رِوَايَة ثوّاب - بتَشْديد الْوَاو - ابْن عتبَة الْمهرِي ، عَن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لفظ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه . وَلَفظ أَحْمد : كَانَ إِذا كَانَ يَوْم الْفطر (لم) يخرج حَتَّى يَأْكُل ، وَإِذا كَانَ يَوْم النَّحْر لم يَأْكُل حَتَّى يذبح . وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا يَأْكُل يَوْم النَّحْر حَتَّى يرجع فيأكل من أضحيته . وَلَفظ ابْن حبَان : كَانَ لَا يخرج يَوْم الْفطر حَتَّى (يفْطر) وَلَا يطعم يَوْم النَّحْر حَتَّى ينْحَر وَلَفظ الْحَاكِم حَتَّى يرجع وَفِي رِوَايَة (للبيهقي) : كَانَ إِذا رَجَعَ أكل من كبد أضحيته . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب . قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن عَلّي وَأنس . قَالَ : وَقَالَ مُحَمَّد - يَعْنِي البُخَارِيّ - : لَا أعرف لثوّاب بن عتبَة غير هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وثوّاب هَذَا قَلِيل الحَدِيث (وَلم يجرح) بِنَوْع يسْقط بِهِ حَدِيثه ، وَهَذِه (سنة عزيزة) من طَرِيق الرِّوَايَة مستفيضة فِي بِلَاد الْمُسلمين . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : هَذَا الحَدِيث عِنْدِي صَحِيح ؛ لِأَن ثوّابًا هَذَا بَصرِي ثِقَة ، وَثَّقَهُ ابْن معِين رَوَاهُ عَنهُ عَبَّاس وَإِسْحَاق بن مَنْصُور . قَالَ : وَزِيَادَة الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا صَحِيحَة (إِلَى) ثوّاب الْمَذْكُور وَيَرْوِيه عَن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه . قلت : وثواب أنكر أَبُو حَاتِم ( وَأَبُو زرْعَة ) توثيقه كَمَا حَكَاهُ صَاحب (التَّهْذِيب) عَنْهُمَا ، (لَكِن) قَالَ ابْن معِين : صَدُوق . قَالَ عَبَّاس الدوري : إِن كنت قد كتبت عَنهُ الضعْف (فَهَذَا) آخر قوليه . وَرَوَى هَذَا الحَدِيث عَن ثوّاب أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ ، وَتَابعه أَبُو عُبَيْدَة الْحداد ، وَرَوَاهُ عقبَة عَن (ابْن) بُرَيْدَة .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يَغْدُو يَوْم (الْفطر) حَتَّى يَأْكُل تمرات (ويأكلهن) وترا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ مُسْندًا (إِلَّا) قَوْله : ويأكلهن وترا فَإِنَّهُ أخرجهَا تَعْلِيقا ، وأسندها الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي صَحِيحه . وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ (إِذا كَانَ يَوْم الْفطر لم يخرج حَتَّى يَأْكُل تمرات يأكلهن وترا) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ : كَانَ يفْطر يَوْم الْفطر عَلَى تمرات قبل أَن يَغْدُو . قَالَ : وَهُوَ عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ : وَله شَاهد صَحِيح عَلَى شَرطه . فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى أنس أَيْضا قَالَ : مَا خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْفطر حَتَّى يَأْكُل تمرات ثَلَاثًا أَو سبعا أَو خمْسا ، أَو أقل من ذَلِك ، أَو أَكثر من ذَلِك وترا . وَرَوَاهَا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يتَنَفَّل قبل (الْعِيد وَلَا بعْدهَا) . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى يَوْم الْفطر رَكْعَتَيْنِ لم (يصل) (قبلهَا وَلَا بعْدهَا) الحَدِيث . لَكِن فِي سنَن ابْن مَاجَه ، من حَدِيث (أبي) سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَانَ (رَسُول الله) - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لَا يُصَلِّي قبل الْعِيد شَيْئا ، فَإِذا رَجَعَ إِلَى منزله صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَإِسْنَاده جيد ، لَا جرم ذكره الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ : (هَذِه) سنة (غَرِيبَة) بِإِسْنَاد صَحِيح . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ : كَانَ (رَسُول الله) - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يفْطر قبل (أَن يخرج) إِلَى الْفطر ، وَلَا يُصَلِّي قبل الصَّلَاة ، فَإِذا قَضَى صلَاته صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى قبل الْخطْبَة فِي يَوْم عيد . ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (كَانَ) يخرج فِي الْعِيد إِلَى (الْمُصَلى) وَلَا يَبْتَدِئ إِلَّا بِالصَّلَاةِ . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - مطولا .
الحَدِيث التَّاسِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كتب إِلَى عَمْرو بن حزم (حِين) ولاه الْبَحْرين أَن عجل الْأَضْحَى ، وَأخر الْفطر ، وَذكر النَّاس . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، (عَن أبي) الْحُوَيْرِث : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كتب إِلَى عَمْرو بن حزم وَهُوَ بِنَجْرَان أَن (أخر الْفطر وَعجل الْأَضْحَى) وَذكر النَّاس . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَنهُ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا (مُرْسل) ، قَالَ : وَقد (طلبته) فِي سَائِر (الرِّوَايَات) بكتابه إِلَى عَمْرو بن حزم فَلم أَجِدهُ . قلت : وَإِبْرَاهِيم قد عرفت حَاله فِي الطَّهَارَة وَغَيرهَا فأغنى عَن إِعَادَته .
الحَدِيث الثَّامِن عشر (رُوِيَ) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يركب فِي عيد وَلَا جَنَازَة . هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كتاب الْجُمُعَة (فَرَاجعه) مِنْهُ .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : أَصَابَنَا مطر فِي يَوْم عيد فَصَلى بِنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الْعِيد فِي الْمَسْجِد . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه : عَن هِشَام بن عمار ، نَا الْوَلِيد . قَالَ أَبُو دَاوُد : ونا الرّبيع بن سُلَيْمَان ، نَا عبد الله بن يُوسُف ، نَا الْوَلِيد بن مُسلم ، ثَنَا رجل من الفَرْويين - وَسَماهُ الرّبيع فِي حَدِيثه عِيسَى ابن عبد الْأَعْلَى بن أبي (فَرْوَة) - سمع أَبَا يَحْيَى عبيد الله التَّيْمِيّ يحدث ، عَن أبي هُرَيْرَة أَنهم أَصَابَهُم مطر فِي يَوْم عيد ، فَصَلى بهم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الْعِيد فِي الْمَسْجِد . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه ، عَن الْعَبَّاس بن عُثْمَان الدِّمَشْقِي ، نَا الْوَلِيد ، نَا عِيسَى بن عبد الْأَعْلَى بن أبي فَرْوَة ، قَالَ : سَمِعت أَبَا يَحْيَى (فَذكر مثله وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن الْأَصَم ، نَا الرّبيع بن سُلَيْمَان ، نَا عبد الله بن يُوسُف ، نَا الْوَلِيد بن مُسلم ، حَدثنِي عِيسَى بن عبد الْأَعْلَى (ابن) أبي فَرْوَة ، أَنه سمع أَبَا يَحْيَى) عبيد الله التَّيْمِيّ يحدث ، عَن أبي هُرَيْرَة أَنهم أَصَابَهُم مطر فِي يَوْم عيد فَصَلى بهم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْعِيد فِي الْمَسْجِد . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَأَبُو يَحْيَى التَّيْمِيّ صَدُوق ، إِنَّمَا (الْمَجْرُوح) يَحْيَى بن عبيد الله ابْنه . وَقَالَ عبد الْحق : وَقع فِي بعض النّسخ من كتابي فِي آخر هَذَا الحَدِيث عبيد الله ضَعِيف عِنْدهم ، وَكَانَ ذَلِك وهما مني ، وَإِنَّمَا الْمُتَكَلّم فِيهِ ابْن أَخِيه عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن - قلت : وَمَا قَالَه هُوَ وَالْحَاكِم (صَحِيح) وهما ضعيفان ، يَحْيَى بن عبيد الله قَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه مَنَاكِير ، لَا يعرف هُوَ وَلَا أَبوهُ . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِثِقَة . وَضَعفه أَيْضا النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حبَان . و( عبيد الله ) - قَالَ يَحْيَى : ضَعِيف . وَوَثَّقَهُ مرّة أُخْرَى ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح الحَدِيث . عَلَى أَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ فِي إِسْنَاده وَاحِد من هذَيْن الرجلَيْن ، قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا الْكَلَام من عبد الْحق يُعْطي إِعْطَاء بَينا صِحَة الحَدِيث عِنْده ، وَمَا مثله يَصح للْجَهَالَة بِحَال عبيد الله بن عبد الله بن موهب (وَالِد) يَحْيَى بن عبيد الله (بن عبد الله) بن موهب المكنى بِهِ ، وللجهل بِحَال عِيسَى بن عبد الْأَعْلَى الْفَروِي رِوَايَة عَنهُ فِي كتاب أبي دَاوُد ، بل لَا أعلمهُ مَذْكُورا فِي شَيْء من كتب الرِّجَال وَلَا فِي غير هَذَا الْإِسْنَاد ، وَلما رَوَى الْوَلِيد بن مُسلم هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا قَالَ فِيهِ : ثَنَا رجل من الفرويين - و(سَمَّاهُ) الرّبيع بن سُلَيْمَان ، عَن عبد الله بن يُوسُف عَنهُ فَقَالَ : عِيسَى بن عبد الْأَعْلَى بن أبي فَرْوَة - وَلَا (يعلم) رَوَى عَن عبيد الله الْمَذْكُور - سُوَى ابْنه يَحْيَى - غير هَذَا الْفَروِي - الَّذِي هُوَ فِي حكم الْمَعْدُوم - وَغير ابْن أَخِيه عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن ، فَالْحَدِيث لَا يَصح . هَذَا آخر كَلَامه ، وَفِيه نظر من وُجُوه : أَحدهَا : تجهيله عبيد الله بن عبد الله بن موهب ، فقد رَوَى عَن جمَاعَة ، و(عَنهُ ابْنه) يَحْيَى ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : ضَعِيف تكلم فِيهِ شُعْبَة ، كَذَا رَأَيْته بِخَط الصريفيني فِي كِتَابه ، وَقد تبع الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْمُغنِي ابْن الْقطَّان فِي تجهيله . ثَانِيهَا : تجهيله عِيسَى بن عبد الْأَعْلَى ، فقد قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي مُخْتَصر السّنَن : عِيسَى بن عبد الْأَعْلَى بن أبي فَرْوَة الْفَروِي هَذَا لَا يحْتَج بِهِ ، هَذَا لَفظه ، نعم لم أر ذَلِك لغيره ، وَلم يذكر الْمزي والذهبي فِي تَرْجَمته فِي كِتَابَيْهِمَا شَيْئا فِي حَقه ، وَيبعد أَن يكون الْتبس عَلَيْهِ بِعِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن فَرْوَة الْمَتْرُوك . ثَالِثهَا : قَوْله : وَلَا يعلم رَوَى عَن يَحْيَى (هَذَا غير) الْفَروِي ، وَعبيد الله بن عبد الرَّحْمَن ، قد رَوَى عَنهُ أَيْضا ابْن الْمُبَارك ويعلى بن (عبيد) .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين ( قَالَ الرَّافِعِيّ لنا - أَي عَلَى أَن التَّكْبِير قبل الْقِرَاءَة - مَا) رُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى : فِي الأولَى سبع تَكْبِيرَات قبل الْقِرَاءَة ، وَفِي الثَّانِيَة خمس تَكْبِيرَات قبل الْقِرَاءَة . (هَذَا الحَدِيث سلف قَرِيبا من حَدِيث عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث الْخَامِس (عشر) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رخص لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزبير بن الْعَوام فِي لبس الْحَرِير (لحكة) كَانَت بهما . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَفِي رِوَايَة لمُسلم ( أرخص ذَلِك فِي السّفر ) وَعَزاهَا ابْن الصّلاح فِي مشكله ثمَّ النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه إِلَى البُخَارِيّ أَيْضا ، وَكَذَا عبد الْحق فِي أَحْكَامه وَادَّعَى الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه انْفِرَاد مُسلم بهَا ، وراجعت البُخَارِيّ فِي اللبَاس وَالْجهَاد من صَحِيحه فَلم أرها فِيهِ ، وَوَقع فِي وسيط الْغَزالِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رخص ذَلِك لِحَمْزَة ، وَهُوَ غلط لَا يعرف . والحِكة - بِكَسْر الْحَاء - : الجرب .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يقْرَأ فِي الْأَضْحَى وَالْفطر بـ (ق وَالْقُرْآن الْمجِيد) و(اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم ، مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث عبيد الله بن عبد الله (أَن) عمر بن الْخطاب سَأَلَ (أَبَا) وَاقد اللَّيْثِيّ : مَا كَانَ (يَقْرَؤُهُ) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْأَضْحَى وَالْفطر ، قَالَ : كَانَ (يقْرَأ) بـ (ق وَالْقُرْآن الْمجِيد) و(اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر) . قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا ثَابت إِن كَانَ عبيد الله لَقِي أَبَا وَاقد . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا لِأَن (عبيد الله) لم يدْرك أَيَّام عمر ، ومسألته (إِيَّاه ، و) بِهَذِهِ الْعلَّة ترك البُخَارِيّ إِخْرَاج هَذَا الحَدِيث ، وَأخرجه مُسلم لِأَن فليحًا رَوَاهُ عَن ضَمرَة ، عَن عبيد الله ، عَن أبي وَاقد فَصَارَ الحَدِيث بذلك مَوْصُولا . قلت : عبيد الله سمع أَبَا وَاقد بِلَا خلاف ، فَالْحَدِيث ثَابت وَقد حسنه التِّرْمِذِيّ ، وَصَححهُ ( الْحَافِظ جمال الدَّين) الْمزي فِي أَطْرَافه فِي مُسْند أبي وَاقد ، وَسَمَاع عبيد الله من أبي وَاقد كافٍ فِي اتِّصَال الحَدِيث ، ودع لَا يدْرك أَيَّام عمر ؛ لِأَن الْجُمْهُور عَلَى أَن الشَّخْص إِذا لم (يكن) مدلسًا وَرَوَى عَن شخص لقِيه (أَو) أمكن لقاؤه لَهُ عَلَى (هَذَا) الْخلاف الْمَعْرُوف (فَحَدِيثه) مُتَّصِل كَيْفَمَا كَانَ اللَّفْظ ، وَلَا نسلم أَن البُخَارِيّ تَركه لهَذِهِ الْعلَّة كَمَا ادَّعَاهُ الْبَيْهَقِيّ ؛ لِأَن هَذِه عِلّة مفقودة فِي رِوَايَة فليح . نعم الْعلَّة عِنْده (فِي ترك) ضَمرَة بن سعيد (فَإِنَّهُ) لم يخرج لَهُ شَيْئا . فَائِدَة : اسْم أبي وَاقد : الْحَارِث بن عَوْف وَقيل عَكسه ، وَوهم من قَالَ أَنه بَدْرِي ، نعم شهد الْفَتْح وَنزل فِي الآخر بِمَكَّة ، وَمَات سنة ثَمَان وَسِتِّينَ (وَلَعَلَّ) الَّذِي شهد بَدْرًا سمي لَهُ ، وَفِي الصَّحَابَة اثْنَان أَيْضا أَبُو وَاقد مولَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو وَاقد (النميري) وَلَا رَابِع لَهُم . فَائِدَة ثَانِيَة : ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يقْرَأ فِي الْعِيدَيْنِ (وَالْجُمُعَة) بـ (سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى ) ، و(هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية ) وَهُوَ من أَفْرَاده ، لَا كَمَا زعم ابْن الْجَوْزِيّ أَنه من الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي أحد طريقيه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَيْسَ (بَين) الْحَدِيثين (اخْتِلَاف) فَإِنَّهُمَا محمولان عَلَى أَنَّهُمَا واقعين فَحَكَى كل مِنْهُمَا مَا رَأَى .
الحَدِيث الرَّابِع عشر عَن حُذَيْفَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : نَهَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن لبس الْحَرِير وَأَن نجلس عَلَيْهِ . هَذَا (الحَدِيث) مُتَّفق عَلَى صِحَّته أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا إِلَّا قَوْله : وَأَن نجلس عَلَيْهِ فللبخاري وَحده (ونجلس) بِفَتْح النُّون . وَمن الْعجب عزو ابْن الْجَوْزِيّ (فِي (تَحْقِيقه)) هَذَا الحَدِيث إِلَى (رِوَايَة) أَصْحَابهم وَهُوَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ كَمَا ترَاه ُ .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : نهَى نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْحَرِير إِلَّا فِي مَوضِع إِصْبَع أَو إِصْبَعَيْنِ أَو ثَلَاث أَو أَربع . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من خرجه من طَرِيق عَلّي ، والرافعي تبع فِي إِيرَاده من طَرِيقه صَاحب الْمُهَذّب وَهُوَ ثَابت فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره من طَرِيق عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بِلَفْظ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن لبس الْحَرِير إِلَّا فِي مَوضِع إِصْبَعَيْنِ (أَو ثَلَاث أَو أَربع رَوَاهُ البُخَارِيّ إِلَى قَوْله : إِصْبَعَيْنِ) وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد : ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة وَيصِح عَلَى تَأْوِيل الإصبع بالعضو .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ لَهُ جُبَّة مَكْفُوفَة الجيب والكمين والفرجين بالديباج هَذَا (الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور أَبُو دَاوُد) فِي سنَنه من رِوَايَة عبد الله (بن) (أبي) عمر مولَى أَسمَاء بنت أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : رَأَيْت ابْن عمر فِي السُّوق اشْتَرَى ثوبا شاميًّا فَرَأَى فِيهِ خيطًا أَحْمَر فَرده ، فَأتيت أَسمَاء فَذكرت ذَلِك لَهَا فَقَالَت : يَا جَارِيَة ، ناوليني جُبَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأخرجت جُبَّة (طيالسة) ، مَكْفُوفَة الجيب والكمين والفرجين بالديباج . وَإِسْنَاده صَحِيح إِلَّا الْمُغيرَة بن (زِيَاد) الْموصِلِي أحد رِجَاله ، فَاخْتلف فِي توثيقه ، ضعفه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى فِي رِوَايَة ، وَقَالَ وَكِيع : كَانَ ثِقَة . وَوَثَّقَهُ أَيْضا الْأَزْدِيّ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه فِي كتاب اللبَاس بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَلَفظه : عَن (ابْن) أبي عمر مولَى أَسمَاء قَالَ : (رَأَيْت ابْن عمر اشْتَرَى عِمَامَة (لَهَا) علم ، فَدَعَا (بالقَلَمين) (فقصه) فَدخلت عَلَى أَسمَاء فَذكرت (ذَلِك لَهَا) فَقَالَت : بؤسًا لعبد الله ! يَا جَارِيَة ، (هَاتِي) جُبَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَجَاءَت بجبة مَكْفُوفَة (الكمين والجيب) والفرجين بالديباج . القَلَم : بِفَتْح - الْقَاف وَاللَّام - : المقص ، قَالَه الْجَوْهَرِي (الجيب : هُوَ الطوق) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه بِدُونِ هَذَا الرجل عَن قُتَيْبَة بن سعيد ، عَن يَحْيَى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة ، عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان ، عَن عبد الله مولَى أَسمَاء قَالَ : (أخرجت (إِلَيّ) أَسمَاء جُبَّة من طيالسة لَهَا لبنة من ديباج (كسرواني) شبر وفرجاها - يَعْنِي (حَرِيرًا) - مكفوفان ، فَقَالَت : هَذِه جُبَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلَمَّا قبض كَانَت عِنْد عَائِشَة) قَالَ النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى : خَالفه هشيم فَرَوَاهُ عَن عبد الْملك ، عَن عَطاء ، عَن [ أبي أَسمَاء ، عَن أم سَلمَة ] فَذكره ثمَّ قَالَ : وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ ، وَالَّذِي قبله الصَّوَاب . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق أُخْرَى فِي أثْنَاء الْجِهَاد من سنَنه رَوَاهُ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، نَا عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان ، عَن حجاج ، (عَن) أبي عمر مولَى أَسمَاء (عَن أَسمَاء) بنت أبي بكر أَنَّهَا أخرجت جُبَّة (مزرة) بالديباج فَقَالَت : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يلبس هَذِه إِذا لَقِي الْعَدو . وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أَسمَاء أَنَّهَا أخرجت جُبَّة طيالسة (كسروانية لَهَا لِبْنة) من ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج ، فَقَالَت : هَذِه جُبَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يلبسهَا . اللِّبْنة بِكَسْر اللَّام وَإِسْكَان (الْبَاء الْمُوَحدَة) رقْعَة فِي جيب الْقَمِيص . قلت : وَهَذَا كُله يضعف مَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ عَن النَّسَائِيّ ، أَنا [ أَبُو ] الْمعَافى مُحَمَّد بن وهب ، نَا مُحَمَّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي ، عَن أبي [ عبد الرَّحِيم ] خَالِد بن أبي يزِيد ، عَن [ زيد ] بن أبي أنيسَة ، عَن مُحَمَّد بن جحادة ، عَن أبي صَالح ، عَن عبيد بن عُمَيْر ، عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : نهاني رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن المعصفر والقسي وَخَاتم الذَّهَب ، وَعَن (المكفف) بالديباج . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يروه عَن (ابْن) جحادة إِلَّا ابْن أبي أنيسَة ، تفرد بِهِ خَالِد ، وَلَا يرْوَى عَن عبيد بن عُمَيْر عَن عَلّي إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خطب عَلَى رَاحِلَته يَوْم الْعِيد . هَذَا الحَدِيث ذكره صَاحب الْمُهَذّب ، وبيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ ، وَهُوَ حَدِيث ثَابت فِي سنَن النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ، والسياق لَهُ من حَدِيث دَاوُد بن قيس ، عَن عِيَاض بن عبد الله ، أَخْبرنِي أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخرج (يَوْم) الْعِيد فَيصَلي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يسلم فيقف عَلَى (رَاحِلَته) فيستقبل النَّاس وهم جُلُوس ، فَيَقُول : تصدقوا تصدقوا . فَأكْثر من يتَصَدَّق النِّسَاء بالقرط والخاتم وَالشَّيْء ، فَإِن كَانَت حَاجَة يُرِيد أَن يبْعَث (بعثًا ذكره) لَهُم وَإِلَّا انْصَرف . وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَقد أخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام (خطب يَوْم الْعِيد عَلَى رَاحِلَته . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن وَكِيع ، عَن دَاوُد بِهِ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خطب) قَائِما عَلَى (رَاحِلَته) . وَله طَرِيق ثَان ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : (خرجت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْفطر فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة ، ثمَّ ركب رَاحِلَته فَخَطب عَلَيْهَا ، ثمَّ أَتَى النِّسَاء فخطبهن وحضهن عَلَى الصَّدَقَة ، فَقَالَ : تصدقن يَا معشر النِّسَاء الحَدِيث . وَله طَرِيق ثَالِث من حَدِيث أبي كَاهِل الأحمسي قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخْطب النَّاس يَوْم عيد عَلَى (نَاقَة) خرماء ، وَحبشِي مُمْسك بخطامها . رَوَاهُ أَحْمد ، وَالْبَيْهَقِيّ كَذَلِك ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ : رَأَيْته يخْطب عَلَى (نَاقَة) وَحبشِي آخذ بِخِطَام النَّاقة . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا ، وَأَبُو كَاهِل هَذَا لَهُ رُؤْيَة وَمَات زمن الْحجَّاج ، وَهُوَ قيس بن عَائِذ ذكره (ابْن مَنْدَه) وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا أَبُو كَاهِل لَهُ حَدِيث طَوِيل مَوْضُوع ، سَاقه أَبُو أَحْمد الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ، وَلم أر فِي الصَّحَابَة من يكنى بِهَذِهِ الكنية (غَيرهمَا) . وَله طَرِيق رَابِع من حَدِيث عَاصِم بن عَلّي : حَدثنَا عِكْرِمَة بن عمار ، عَن الهرماس بن زِيَاد قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخْطب عَلَى رَاحِلَته (العضباء) يَوْم الْأَضْحَى وَأَنا مرتدف خلف أبي . رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة زِيَاد الْبَاهِلِيّ من هَذَا الْوَجْه ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته أَيْضا . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي بكرَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خطب عَلَى رَاحِلَته يَوْم النَّحْر .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج يَوْمًا وَفِي يَمِينه قِطْعَة حَرِير وَفِي شِمَاله قِطْعَة ذهب فَقَالَ : هَذَانِ حرامان عَلَى ذُكُور أمتِي حل لإناثها . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب الْآنِية ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : حرم (لِبَاس) الْحَرِير وَالذَّهَب عَلَى ذُكُور أمتِي . قلت : (تقدّمت) أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : لَو أدْرك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسَاجِد (كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل . هَذَا الحَدِيث) مُتَّفق عَلَى صِحَّته من هَذَا الْوَجْه كَذَلِك .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَإِنَّمَا أَخذ كَون هَذِه الْخطْبَة بعد الصَّلَاة من فعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وخلفائه الرَّاشِدين . هُوَ كَمَا (قَالَ) ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قَالَ : شهِدت صَلَاة الْفطر مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فكلهم يُصليهَا قبل الْخطْبَة ثمَّ يخْطب . وَفِيهِمَا من حَدِيث ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو بكر وَعمر يصلونَ الْعِيد قبل الْخطْبَة .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله وليخرجن تفلات . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ، وَصَححهُ ابْن حبَان (وإسنادها) عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، والقطعة الأولَى (مِنْهُ) ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ من هَذَا الْوَجْه (أَيْضا) . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث زيد بن خَالِد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - (أَيْضا) ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه (و) من حَدِيث (أبي عبيد فِي غَرِيبه عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر ، عَن مُحَمَّد) بن (عَمْرو) بن عَلْقَمَة ، عَن أبي سَلمَة مَرْفُوعا (وَرَوَاهَا أَيْضا الشَّافِعِي فِي السّنَن المأثورة الَّتِي رَوَاهَا عَنهُ الْمُزنِيّ ، وَأحمد فِي مُسْنده أَيْضا) . فَائِدَة : (تَفِلات) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة وَكسر الْفَاء (أَي) غير عطرات ، أَي : تاركات للطيب ، أَرَادَ ليخرجن بِمَنْزِلَة التفلات و(هُن المنتنات) الرّيح .
الحَدِيث الثَّامِن عَن الْحسن بن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نتطيب بأجود مَا نجد فِي الْعِيد . هَذَا الحَدِيث ذكره تبعا لصَاحب الْمُهَذّب ، وبيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديثه بَيَاضًا ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه : إِنَّه حَدِيث غَرِيب . وَقد ظَفرت بِهِ - بِحَمْد الله ومَنِّه - فِي كتابين شهيرين ، أَحدهمَا : المعجم الْكَبِير للطبراني فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث عبد الله بن صَالح ، حَدثنِي اللَّيْث ، حَدثنِي إِسْحَاق بن بَزُرْج ، عَن الْحسن بن عَلّي قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نلبس أَجود مَا نجد ، وَأَن نتطيب بأجود مَا نجد ، وَأَن نضحي بأسمن مَا نجد ، الْبَقَرَة عَن سَبْعَة ، وَالْجَزُور عَن عشرَة ، وَأَن نظهر التَّكْبِير ، وعلينا السكينَة وَالْوَقار . الثَّانِي : صَحِيح الْحَاكِم أبي عبد الله فَإِنَّهُ أخرجه فِي كتاب الْأَضَاحِي (مِنْهُ) بالسند الْمَذْكُور (لكنه) قَالَ : حَدثنِي إِسْحَاق ابن بَزُرْج ، عَن زيد بن الْحسن ، عَن أَبِيه قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْعِيدَيْنِ أَن نلبس [ أَجود ] كَمَا ذكر الطَّبَرَانِيّ (أَي) سَوَاء . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : لَوْلَا جَهَالَة إِسْحَاق بن بَزُرْج لحكمت للْحَدِيث بِالصِّحَّةِ . قلت : لَيْسَ هُوَ بِمَجْهُول ؛ فقد ضعفه الْأَزْدِيّ وَمَشاهُ ابْن حبَان ورأيته بعد ذَلِك فِي كتاب فَضَائِل الْأَوْقَات للبيهقي كَمَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ سَوَاء ، فَللَّه الْحَمد .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَغْدُو يَوْم الْفطر والأضحى فِي طَرِيق وَيرجع فِي (آخر) . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : أَحدهَا : عَن جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا كَانَ يَوْم عيد خَالف الطَّرِيق . رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ . ثَانِيهَا : عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا خرج إِلَى الْعِيدَيْنِ رَجَعَ (فِي) غير الطَّرِيق الَّذِي (خرج فِيهِ) . رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَلم يخرجَاهُ ، وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي تلخيصه بِلَفْظ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان إِذا خَرجُوا إِلَى الْعِيد فِي طَرِيق رجعُوا فِي طَرِيق آخر أبعد مِنْهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ البُخَارِيّ : حَدِيث جَابر أصح من هَذَا . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ذكر ذَلِك فِي صَحِيحه . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد : انْفَرد البُخَارِيّ بِإِخْرَاج هَذَا الحَدِيث تَعْلِيقا . وَعَزاهُ الْبَيْهَقِيّ (إِلَى) بعض نسخ البُخَارِيّ . ثَالِثهَا : عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ يَوْم الْعِيد فِي طَرِيق ثمَّ رَجَعَ فِي طَرِيق آخر . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، (وَالْبَيْهَقِيّ) . رَابِعهَا : عَن مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي رَافع ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا بِهِ . خَامِسهَا : عَن سعد الْقرظ مَرْفُوعا (بِهِ) رَوَاهُمَا ابْن مَاجَه . سادسها : عَن عبد الرَّحْمَن بن حَاطِب قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْعِيد يذهب فِي طَرِيق وَيرجع فِي (آخر) . رَوَاهُ ابْن قَانِع وَأَبُو نعيم فِي مُعْجم الصَّحَابَة . سابعها : عَن سعد بن أبي وَقاص مَرْفُوعا بِهِ . رَوَاهُ الْبَزَّار .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ بمنى مُسَافِرًا يَوْم النَّحْر فَلم يصل الْعِيد . هُوَ كَمَا قَالَ كَمَا سلف أول الْبَاب ، وَهُوَ صَحِيح مَعْرُوف ، وَأغْرب الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ فَنقل فِي شَرحه للتّنْبِيه عَن شَيْخه أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل السّلمِيّ أَن ابْن حزم ذكر فِي صفة حجَّة الْوَدَاع الْكُبْرَى أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صلاهَا بمنى ، وراجعت الْكتاب الْمَذْكُور فَلم أر ذَلِك فِيهِ .
الحَدِيث السَّادِس رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يغْتَسل للعيدين . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : (أَحدهَا) : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يغْتَسل يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأَضْحَى . رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن جبارَة بن الْمُغلس ، نَا حجاج بن تَمِيم ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان ، عَن ابْن عَبَّاس (بِهِ) . وَهَذَا ضَعِيف ، جبارَة هَذَا قَالَ البُخَارِيّ : مُضْطَرب الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى : كَذَّاب . (وَقَالَ) عبد الله بن أَحْمد : عرضت عَلَى أبي أَحَادِيث سَمعتهَا مِنْهُ (فَأنْكر) وَقَالَ : هَذِه مَوْضُوعَة أَو كذب . وَقَالَ ابْن نمير : صَدُوق كَانَ يوضع لَهُ الحَدِيث فَيحدث بِهِ . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يقلب الْأَسَانِيد و(يرفع) الْمَرَاسِيل . وَقَالَ ابْن عدي : جبارَة لَا بَأْس بِهِ ، وَأَحَادِيث حجاج عَن مَيْمُون لَيست بمستقيمة . وَكَذَا قَالَ الْعقيلِيّ . (قلت) : وَضعف الْأَزْدِيّ حجاج بن تَمِيم أَيْضا . ثَانِيهَا : عَن عبد الرَّحْمَن بن (عقبَة) بن الْفَاكِه بن سعد (عَن جده الْفَاكِه بن سعد ) و(كَانَت) لَهُ صُحْبَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ (يغْتَسل) يَوْم الْفطر ، وَيَوْم النَّحْر ، وَيَوْم عَرَفَة ، وَكَانَ الْفَاكِه (يَأْمر أَهله) بِالْغسْلِ فِي هَذِه الْأَيَّام . رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا عَن نصر بن عَلّي الْجَهْضَمِي ، ثَنَا يُوسُف بن خَالِد ، نَا أَبُو جَعْفَر الخطمي ، عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَغَوِيّ وَابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة ، (وَزَادا) : (و) يَوْم الْجُمُعَة ، وَكَذَا أخرجه عبد الله بن أَحْمد فِي مُسْند أَبِيه ، وَهَذَا ضَعِيف ، يُوسُف بن خَالِد هَذَا هُوَ (السَّمْتِي) كَذَّاب وَضاع ، وَنسبه ابْن معِين إِلَى الزندقة . ثَالِثهَا : عَن منْدَل ، عَن مُحَمَّد بن عبيد الله ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اغْتسل للعيدين وَذكر : وَجَاء إِلَى الْعِيدَيْنِ مَاشِيا . رَوَاهُ الْبَزَّار ، وَهَذَا ضَعِيف ، منْدَل ضعفه أَحْمد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا ، وَمُحَمّد بن (عبيد الله ) قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : ضَعِيف الحَدِيث جدًّا . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : حَال منْدَل أحسن من حَال مُحَمَّد هَذَا وَإِن اشْتَركَا فِي الضعْف . قلت : وَفِيه مَعَ ذَلِك آثَار عَن الصَّحَابَة : فَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه : أَن عليًّا كَانَ يغْتَسل يَوْم الْعِيدَيْنِ ، وَيَوْم الْجُمُعَة ، وَيَوْم عَرَفَة ، وَإِذا أَرَادَ أَن يحرم . رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم عَن جَعْفَر (بِهِ) وَرَوَى أَيْضا اغتسال سَلمَة بن الْأَكْوَع للعيد ، وَأَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ : إِنَّه السّنة . وَرَوَى مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ عَنهُ عَن نَافِع (أَن) ابْن عمر كَانَ يغْتَسل يَوْم الْفطر قبل أَن يَغْدُو إِلَى الْمُصَلى قَالَ الشَّافِعِي - فِيمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة - : كَانَ مَذْهَب سعيد وَعُرْوَة فِي أَنه سنة أَنه أحسن وَأعرف و(أنظف) وَأَن (قد فعله قوم) صَالِحُونَ (لَا) أَنه حتم بِأَنَّهُ سنة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر بعد صَلَاة الصُّبْح يَوْم عَرَفَة وَمد التَّكْبِير إِلَى الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طَرِيقين : أَحدهمَا عَن ( عَمْرو) بن شمر - أحد الهلكى - عَن جَابر - وَهُوَ الْجعْفِيّ ، شيعي غال وثق وَترك - عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط عَن جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يكبر يَوْم عَرَفَة من صَلَاة (الْغَدَاة) إِلَى (صَلَاة) الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَهَذَا إِسْنَاد (واه) ؛ ( عَمْرو ) مَتْرُوك زائغ كَذَّاب ، كَمَا شهد لَهُ الْأَئِمَّة بذلك ، وَجَابِر قد عرفت حَاله ، لَا جرم قَالَ الْبَيْهَقِيّ إثره : هَذَا (حَدِيث) لَا يحْتَج بِمثلِهِ . قَالَ : وَعَمْرو بن شمر وَجَابِر (الْجعْفِيّ ) لَا يحْتَج بهما . قَالَ : وَفِي رِوَايَة الثِّقَات كِفَايَة . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : إِنَّه حَدِيث لَا يثبت . ثمَّ نقل أَقْوَال الْأَئِمَّة فيهمَا . قلت : وَرَوَاهُ عَن عَمْرو بن شمر جماعات (مِنْهُم) مُصعب بن سَلام ، عَنهُ ، عَن جَابر ، عَن أبي جَعْفَر ، عَن عَلّي بن حُسَيْن ، عَن جَابر : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يكبر فِي صَلَاة الْفجْر يَوْم عَرَفَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق حِين يسلم من المكتوبات . وَمصْعَب هَذَا كَأَنَّهُ التَّمِيمِي الْكُوفِي تكلم فِيهِ ابْن حبَان وَصحح الْحَاكِم (حَدِيثه ) . ثانيهم : مَحْفُوظ بن نصر الْهَمدَانِي عَنهُ ، عَن جَابر (عَن مُحَمَّد بن عَلّي ، عَن جَابر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبر يَوْم عَرَفَة وَقطع فِي آخر أَيَّام التَّشْرِيق . ومحفوظ هَذَا لَا أعلم حَاله . ثالثهم : نائل بن نجيح عَنهُ عَن جَابر) عَن أبي جَعْفَر وَعبد الرَّحْمَن بن سابط ، عَن جَابر : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا صَلَّى الصُّبْح من غَدَاة عَرَفَة أقبل عَلَى (أَصْحَابه) وَيَقُول : عَلَى مَكَانكُمْ . وَيَقُول : الله أكبر (الله أكبر) لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَالله أكبر الله أكبر وَللَّه الْحَمد (فيكبر) من غَدَاة عَرَفَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق . و ( نائل ) هَذَا أَحَادِيثه مظْلمَة جدًّا ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ فِي ذَلِك عَن عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ثمَّ ذكره عَنْهُم (بأسانيده) وأَنهم كَانُوا يكبرُونَ من الصُّبْح يَوْم عَرَفَة إِلَى الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن عَمْرو بن شمر عَن جَابر أَيْضا ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن عَلّي وعمار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَنَّهُمَا سمعا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يجْهر فِي المكتوبات : بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي فَاتِحَة الْقُرْآن ، ويقنت فِي صَلَاة الْفجْر وَالْوتر ، وَيكبر فِي دبر الصَّلَوَات المكتوبات من صَلَاة الْفجْر غَدَاة عَرَفَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق يَوْم دفْعَة النَّاس الْعُظْمَى . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْحسن (بن) مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ، ثَنَا سعيد بن عُثْمَان ، أنبأني عَمْرو بن شمر ، عَن جَابر ، عَن أبي الطُّفَيْل (بِهِ) . وَهَذَا إِسْنَاد كَالَّذي قبله و( أعله) عبد الْحق بجابر الْجعْفِيّ ، وَأنكر عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان وَقَالَ : لَا يَنْبَغِي تعصيب الْجِنَايَة فِي هَذَا الحَدِيث بِرَأْس جَابر الْجعْفِيّ ، فَإِن عَمْرو بن شمر مَا فِي الْمُسلمين من يقبل حَدِيثه ، وَسَعِيد بن عُثْمَان الرَّاوِي لهَذَا الحَدِيث لَا أعرفهُ . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث أسيد بن زيد ، نَا عَمْرو بن شمر ، عَن جَابر ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن عَلّي وعمار أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يجْهر فِي المكتوبات بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم . وَكَانَ يقنت فِي الْفجْر ، وَكَانَ يكبر يَوْم عَرَفَة صَلَاة الْغَدَاة ويقطعها صَلَاة الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَأسيد هَذَا أخرج لَهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا بآخر ، وَقد كذبه ابْن معِين وَتَركه غَيره ، ثمَّ ظَفرت (بعد) ذَلِك بطرِيق آخر لَيْسَ فِيهِ عَمْرو بن شمر وَلَا جَابر بن (يزِيد) . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن أبي الْحسن عَلّي بن مُحَمَّد بن عقبَة الشَّيْبَانِيّ ، نَا إِبْرَاهِيم بن أبي العنبس القَاضِي ، نَا سعيد بن عُثْمَان (الخراز) ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن سعد الْمُؤَذّن ، نَا فطر بن خَليفَة ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن عِكْرِمَة (عَن عَلّي ) وعمار أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يجْهر فِي المكتوبات بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، وَكَانَ يقنت فِي صَلَاة الْفجْر ، وَكَانَ يكبر يَوْم عَرَفَة من صَلَاة الصُّبْح ويقطعها صَلَاة الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، لَا أعلم فِي رُوَاته مَنْسُوبا إِلَى الْجرْح . قَالَ : وَقد رُوِيَ فِي الْبَاب عَن جَابر بن عبد الله وَغَيره ، فَأَما من فعل عمر وَعلي وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن مَسْعُود فَصَحِيح عَنْهُم التَّكْبِير من غَدَاة عَرَفَة إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق . أما حَدِيث عمر فَرَوَاهُ عَنهُ [ عبيد ] بن عُمَيْر قَالَ : كَانَ عمر بن الْخطاب يكبر بعد صَلَاة الْفجْر من يَوْم عَرَفَة لَا يقطع إِلَى صَلَاة الظّهْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق) . وَأما حَدِيث عَلّي فَرَوَاهُ عَنهُ شَقِيق أَنه كَانَ يكبر بعد صَلَاة الْفجْر غَدَاة عَرَفَة ثمَّ لَا يقطع حَتَّى يُصَلِّي الإِمَام من آخر أَيَّام التَّشْرِيق ، ثمَّ يكبر بعد الْعَصْر . وَأما حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس فَرَوَاهُ عِكْرِمَة عَنهُ أَنه كَانَ يكبر من غَدَاة يَوْم عَرَفَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق (وَأما عبد الله بن مَسْعُود فَرَوَاهُ عَنهُ عُمَيْر بن سعيد قَالَ : قدم علينا ابْن مَسْعُود فَكَانَ يكبر من صَلَاة الصُّبْح يَوْم عَرَفَة إِلَى صَلَاة الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق . وَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيّ عَن التَّكْبِير يَوْم عَرَفَة فَقَالَ : يكبر من غَدَاة عَرَفَة إِلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق) . كَمَا كبر عَلّي وَعبد الله . وَذكر (الْحَاكِم) ذَلِك عَنْهُم (بأسانيده) ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته طَريقَة الْحَاكِم السالفة (بِإِسْنَاد) الْحَاكِم ، ثمَّ نقل تَصْحِيحه لَهُ وَأقرهُ عَلَيْهِ ، وَخَالف فِي كِتَابه الْمعرفَة فَقَالَ (عقب) ذَلِك : هَذَا حَدِيث مَشْهُور بِعَمْرو بن شمر ، عَن جَابر الْجعْفِيّ ، عَن أبي الطُّفَيْل ، وكلا الإسنادين ضَعِيف ، وَهَذَا أمثلهما . قلت : وَمَعَ ذَلِك فعبد الرَّحْمَن بن سعد الْمُؤَذّن ضعفه ابْن معِين وَانْفَرَدَ بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ ابْن مَاجَه ، وَسَعِيد بن عُثْمَان لَا أعلم حَاله ، وَقد أنكر جماعات عَلَى الْحَاكِم ، تَصْحِيحه لَهُ (قَالَ) النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عقيب قولة الْحَاكِم السالفة : الْبَيْهَقِيّ أتقن من شَيْخه الْحَاكِم وَأَشد تحريًا . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَة : قَول الْحَاكِم أن رِوَايَة عَلّي وعمار صَحِيحَة ، مَرْدُود قد أنكرهُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره من الْمُحَقِّقين وضعفوها . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك عقيب قَول الْحَاكِم : صَحِيح . قلت : بل خبر واه كَأَنَّهُ مَوْضُوع ؛ لِأَن عبد الرَّحْمَن صَاحب مَنَاكِير . (قَالَ) وَسَعِيد إِن كَانَ هُوَ الكريزي فَهُوَ ضَعِيف .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أَحْيَا لَيْلَتي الْعِيد لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب . هَذَا الحَدِيث ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث أَبَى أُمَامَة مَرْفُوعا : من أَحْيَا لَيْلَة الْفطر أَو لَيْلَة الْأَضْحَى لم يمت قلبه إِذا مَاتَت الْقُلُوب . فَقَالَ : يرويهِ ثَوْر بن يزِيد ، وَاخْتلف عَنهُ ؛ فَرَوَاهُ جرير بن عبد الحميد ، عَن ثَوْر ، عَن مَكْحُول ، عَن أبي أُمَامَة . قَالَه ابْن قدامَة وَغَيره عَن جرير ، وَرَوَاهُ عَمْرو بن هَارُون ، عَن جرير ، عَن ثَوْر ، عَن مَكْحُول ، قَالَ : وأسنده معَاذ بن جبل ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَالْمَحْفُوظ أَنه مَوْقُوف عَن مَكْحُول . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن أبي أَحْمد المرِّار بن حَمويه ، ثَنَا مُحَمَّد بن المُصَفّى ، نَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، عَن ثَوْر بن يزِيد ، عَن خَالِد بن معدان ، عَن أبي أُمَامَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قَامَ (لَيْلَة) الْعِيدَيْنِ محتسبًا لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب . وَبَقِيَّة قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى لَا سِيمَا وَقد عنعن . وَذكره الشَّافِعِي بِهَذَا اللَّفْظ مَوْقُوفا عَلَى أبي الدَّرْدَاء ، (رَوَاهُ) عَن شَيْخه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، قَالَ : قَالَ ثَوْر بن يزِيد : عَن خَالِد بن معدان ، عَن أبي الدَّرْدَاء : من قَامَ لَيْلَة (الْعِيدَيْنِ لله) محتسبًا لم يمت قلبه حِين تَمُوت الْقُلُوب . وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من حَدِيث جرير بن عبد الحميد ، عَن مَكْحُول ، عَن أبي أُمَامَة : من أَحْيَا لَيْلَة الْفطر أَو لَيْلَة الْأَضْحَى ، لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب . ثمَّ ذكر مقَالَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة ، ثمَّ ذكره من حَدِيث عِيسَى بن إِبْرَاهِيم (الْقرشِي) عَن سَلمَة بن سُلَيْمَان الْجَزرِي ، عَن مَرْوَان بن سَالم ، عَن (ابْن) كرْدُوس ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا : من أَحْيَا لَيْلَتي الْعِيد وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت فِيهِ الْقُلُوب . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ فِي إِسْنَاده آفَات : أَحدهَا : مَرْوَان بن سَالم ، قَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ و( الرَّازِيّ ) : مَتْرُوك . ثَانِيهَا : سَلمَة بن سُلَيْمَان ، قَالَ الْأَزْدِيّ : ضَعِيف . ثَالِثهَا : عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الْقرشِي ، قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور من حَدِيث معَاذ بن جبل مَرْفُوعا : من أَحْيَا اللَّيَالِي الْأَرْبَع ، وَجَبت لَهُ الْجنَّة : لَيْلَة التَّرويَة ، وَلَيْلَة عَرَفَة ، وَلَيْلَة النَّحْر ، وَلَيْلَة الْفطر ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ فِي إِسْنَاده عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي قَالَ يَحْيَى : كَذَّاب . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي مَوْقُوفا (عَن إِبْرَاهِيم ، قَالَ : قَالَ ثَوْر فَذكره كَمَا أسلفناه ، هَكَذَا رَوَاهُ مَوْقُوفا) وَأَشَارَ بَعضهم إِلَى تفرد الشَّافِعِي بروايته عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، وَيروَى عَن (عمر) بن هَارُون ، عَن ثَوْر بن يزِيد (عَن) خَالِد بن معدان ، عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ : من قَامَ لَيْلَتي الْعِيد إِيمَانًا واحتسابًا لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب . رَوَاهُ بَعضهم هَكَذَا ، وَآخَرُونَ مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ بَعضهم عَن (عَمْرو) ، عَن ثَوْر ، عَن خَالِد ، عَن عبَادَة بن الصَّامِت ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من صَلَّى (لَيْلَتي) الْفطر والأضحى لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب . قَالَ : وَالِاحْتِيَاط فِي مثل هَذَا أَن يُقَال : لما رُوِيَ . وَلَا يُقَال : لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام . (وَلَا : قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام) . قلت : وَعبارَته فِي شَرحه أَحْيَا لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ محثوث عَلَيْهِ للْخَبَر الَّذِي رَوَاهُ الْغَزالِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثمَّ ذكره ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن لَا يُورِدهُ بِهَذِهِ الصِّيغَة بل بِصِيغَة التمريض ، عَلَى مَا نبه عَلَيْهِ (هُوَ) فِي تذنيبه وَأما الْحَافِظ أَبُو مَنْصُور فَذكره فِي جَامع الدُّعَاء الصَّحِيح ، فِي أثْنَاء حَدِيث طَوِيل فِي صفة صَلَاة لَيْلَة عيد الْفطر ، ذكره عَنهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه ، وَأقرهُ عَلَيْهِ ، وَنقل الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : بلغنَا أَن الدُّعَاء يُسْتَجَاب فِي خمس لَيَال : فِي لَيْلَة الْجُمُعَة ، وَلَيْلَة الْأَضْحَى ، وَلَيْلَة الْفطر ، وَأول لَيْلَة من رَجَب ، وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان . قَالَ الشَّافِعِي : وَأَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد قَالَ : رَأَيْت مشيخة من خِيَار أهل الْمَدِينَة يظهرون عَلَى مَسْجِد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَيْلَة الْعِيدَيْنِ فَيدعونَ ويذكرون الله - تَعَالَى - حَتَّى تذْهب سَاعَة من اللَّيْل . قَالَ الشَّافِعِي : وبلغنا أَن ابْن عمر كَانَ يحيي لَيْلَة النَّحْر . قَالَ الشَّافِعِي : وَأَنا أستحب كل مَا (حكيت) فِي هَذِه اللَّيَالِي من غير أَن يكون فرضا . قلت : وَفِي غنية الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس للخطيب الْبَغْدَادِيّ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه كتب إِلَى عدي بن أَرْطَاة إِن عَلَيْك بِأَرْبَع لَيَال فِي السّنة ، فَإِن الله - تَعَالَى - يفرغ فِيهِنَّ الرَّحْمَة إفراغة : أول لَيْلَة من رَجَب ، وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان ، وَلَيْلَة الْفطر ، وَلَيْلَة النَّحْر . وَرَوَى الْخلال فِي جُزْء جمعه فِي فَضَائِل رَجَب عَن خَالِد بن معدان قَالَ : خمس لَيَال فِي السّنة من واظب عَلَيْهِنَّ رَجَاء ثوابهن وَتَصْدِيقًا بوعدهن أدخلهُ الله الْجنَّة : أول لَيْلَة من رَجَب يقوم لَيْلهَا ويصوم نَهَارهَا ، وَلَيْلَة الْفطر يقوم لَيْلهَا وَيفْطر نَهَارهَا ، وَلَيْلَة الْأَضْحَى يقوم لَيْلهَا وَيفْطر نَهَارهَا ، وَلَيْلَة عَاشُورَاء يقوم لَيْلهَا ويصوم نَهَارهَا . فَائِدَة : (يَوْم تَمُوت الْقُلُوب) هُوَ يَوْم الْقِيَامَة إِذا غمرها الْخَوْف لعظم الهول . قَالَ الصيدلاني : لم يرد فِي شَيْء من الْفَضَائِل مثل هَذَا ؛ لِأَن موت الْقلب إِمَّا الْكفْر فِي الدَّين ، وَإِمَّا الْفَزع فِي الْقِيَامَة ، وَمَا أضيف إِلَى الْقلب فَهُوَ أعظم ؛ لقَوْله تَعَالَى : (فَإِنَّهُ آثم قلبه) وَقيل : المُرَاد لم يشغف قلبه بحب (الدُّنْيَا) لِأَن من شغف قلبه من حبها مَاتَ قلبه ، وَيروَى فِي بعض الْأَحَادِيث : لَا تدْخلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَوْتَى ؛ قيل : وَمن هم ؟ قَالَ : الْأَغْنِيَاء . قيل : المُرَاد أَن الله يحفظه من الشّرك فَلَا يخْتم لَهُ ، قَالَ تَعَالَى : (أومن كَانَ مَيتا فأحييناه) أَي كَافِرًا فهديناه ، وَقيل : المُرَاد لم (يرع) يَوْم الْقِيَامَة . حكاهن ابْن الرّفْعَة .
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيد حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلى ، وَيَقْضِي الصَّلَاة . هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِهَذِهِ الزِّيَادَة فِي آخِره ، وَرَوَى الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، حَدثنِي (مُحَمَّد بن عجلَان) عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَغْدُو إِلَى الْمُصَلى يَوْم الْفطر إِذا طلعت الشَّمْس ، فيكبر حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلى (يَوْم الْعِيد) ثمَّ يكبر بالمصلى ، حَتَّى إِذا جلس الإِمَام ترك التَّكْبِير . وَإِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى قد عرفت حَاله فِي كتاب الطَّهَارَة ، وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث لأحد الْأَقْوَال أَنه يكبر إِلَى أَن يفرغ الإِمَام من الصَّلَاة . ثمَّ قَالَ : وَهَذَا القَوْل إِنَّمَا يَجِيء فِي حق من لَا يُصَلِّي مَعَ الإِمَام . فَتَأمل ذَلِك .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ أَن ركبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يشْهدُونَ أَنهم رَأَوْا الْهلَال بالْأَمْس ، فَأَمرهمْ أَن يفطروا وَإِذا أَصْبحُوا أَن يغدوا إِلَى مصلاهم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات من حَدِيث (عبد الله) أبي عُمَيْر بن أنس بن مَالك ، عَن عمومة لَهُ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَن ركبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) يشْهدُونَ أَنهم رَأَوْا الْهلَال بالْأَمْس فَأَمرهمْ الحَدِيث . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ : عَن أنس بن مَالك أَن عمومة لَهُ شهدُوا عِنْد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى (رُؤْيَة) الْهلَال فَأَمرهمْ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يخرجُوا لعيدهم من (الْغَد) وَقد شهد غير وَاحِد من الْأَئِمَّة بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث ، قَالَ ( ابْن الْمُنْذر :) هُوَ حَدِيث ثَابت يجب الْعَمَل بِهِ ، أَفَادَهُ عَنهُ ابْن الْقطَّان فِي علله (وَقَالَ الْخطابِيّ : سنة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أولَى) وَحَدِيث [ أبي ] عُمَيْر صَحِيح والمصير إِلَيْهِ وَاجِب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي الصَّوْم : إِسْنَاده حسن ، وَأَبُو عُمَيْر رَوَاهُ عَن عمومة لَهُ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كلهم ثِقَات سَوَاء سموا أَو لم يسموا . وَقَالَ فِي هَذَا الْبَاب : إِسْنَاده صَحِيح . قَالَ : وعمومة أبي عُمَيْر صحابة لَا يكونُونَ إِلَّا ثِقَات - أَي لَا يضر جَهَالَة أعيانهم ؛ لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول - وَقد قَالَ الشَّافِعِي : لَو ثَبت ذَلِك قُلْنَا بِهِ . وَقَالَ فِي الْمعرفَة هُنَا بعد أَن قَالَ : إِسْنَاده صَحِيح : ظَاهر هَذَا أَنه أَمرهم بِالْخرُوجِ من الْغَد ليصلوا صَلَاة الْعِيد ، وَذَلِكَ بيّن فِي رِوَايَة هشيم ، وَلَا يجوز حمله عَلَى أَن ذَلِك كَانَ (لكَي) يجتمعوا فيدعوا ولترى كثرتهم من غير أَن يصلوا صَلَاة الْعِيد (كَمَا أَمر الْحيض أَن تخرجن وَلَا تصلين صَلَاة الْعِيد) لِأَن الْحيض يشهدنه عَلَى طَرِيق التبع لغيرهن ، ثمَّ بَين [ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] أَنَّهُنَّ يعتزلن الْمُصَلى ويشهدن الْخَيْر ودعوة الْمُسلمين ، وَهَاهُنَا أَمرهم أَن يخرجُوا لعيدهم من الْغَد وَلم يَأْمُرهُم باعتزال الصَّلَاة ، فَكَانَ هَذَا أولَى بِالْبَيَانِ لكَوْنهم من أهل سَائِر (الصَّلَوَات) وَكَون الْحيض (بمعزل) من سَائِر الصَّلَوَات ، وَقد اسْتعْمل عمر بن عبد الْعَزِيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - هَذِه السّنة بعد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمر مثل مَا أَمر بِهِ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : سَنَده صَحِيح . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : قَالَ ( أبي ) : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من حَدِيث قَتَادَة عَن أنس وَهُوَ خطأ . وَالصَّوَاب كَمَا تقدم . وَخَالف ابْن الْقطَّان فَقَالَ فِي كِتَابه الْوَهم وَالْإِيهَام : سكت عبد الْحق عَلَى هَذَا الحَدِيث مصححًا لَهُ ، وَإنَّهُ [ لحريّ ] بِأَن لَا يُقَال فِيهِ صَحِيح ؛ لِأَن أَبَا عُمَيْر لَا يعرف حَاله ، وعمومة أبي عُمَيْر لم يسموا . قلت : وَكَذَا قَالَ ابْن عبد الْبر إِن أَبَا عُمَيْر مَجْهُول .
الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخرج يَوْم الْفطر والأضحى رَافعا صَوته بالتهليل وَالتَّكْبِير حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلى . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن خُزَيْمَة ، عَن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن وهب ، عَن عَمه ، عَن عبد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن عبد الله أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخرج فِي الْعِيدَيْنِ مَعَ الْفضل بن الْعَبَّاس ، وَعبد الله ، وَالْعَبَّاس ، وَعلي وجعفر ، وَالْحسن وَالْحُسَيْن ، وَأُسَامَة بن زيد ، وَزيد بن حَارِثَة ، وأيمن بن أم أَيمن ، رَافعا صَوته بِالتَّكْبِيرِ والتهليل (حَتَّى يَأْخُذ) طَرِيق الحدادين حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلى ، وَإِذا فرغ رَجَعَ عَلَى الحدادين حَتَّى يَأْتِي منزله . الحدادين : بِالْحَاء (الْمُهْملَة) ، وَقيل بِالْجِيم . ذكرهمَا ابْن البزري وَغَيره فِي أَلْفَاظ (الْمُهَذّب) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن رَوَى عَن ابْن عمر مَوْقُوفا أَنه كَانَ يكبر لَيْلَة الْفطر حَتَّى يَغْدُو إِلَى الْمُصَلى قَالَ : وَذكر اللَّيْلَة فِيهِ غَرِيب . وَعَن ابْن عمر أَيْضا : أَنه كَانَ يَغْدُو إِلَى الْعِيد من الْمَسْجِد ، وَكَانَ يرفع صَوته بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلى ، وَيكبر حَتَّى يَأْتِي الإِمَام . وَفِي لفظ يَوْم الْفطر والأضحى هَذَا هُوَ الصَّحِيح مَوْقُوف ، وَقد رُوِيَ من وَجْهَيْن ضعيفين مَرْفُوعا ، أما أمثلهما فَذكر الْمَرْفُوع الَّذِي قدمْنَاهُ ، وَأما أضعفهما ؛ فأسند من حَدِيث عبيد الله بن مُحَمَّد بن خُنَيْس الدِّمَشْقِي ، نَا مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَطاء ، أَنا الْوَلِيد بن مُحَمَّد - هُوَ الموقري - ثَنَا الزُّهْرِيّ ، أَخْبرنِي سَالم بن عبد الله ، أَن عبد الله بن عمر أخبرهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر يَوْم الْفطر من حِين يخرج من بَيته (حَتَّى) يَأْتِي الْمُصَلى . مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَطاء مُنكر الحَدِيث ضَعِيف ، والوليد بن مُحَمَّد الموقري ضَعِيف لَا يحْتَج (بِرِوَايَة) أمثالهما ، والْحَدِيث الْمَحْفُوظ عَن ابْن عمر من قَوْله . قَالَ : وَرُوِيَ عَن عَلّي وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة مثله . قلت : وَعبيد الله بن مُحَمَّد بن خُنَيْس . قَالَ ابْن الْقطَّان : لَا يعرف حَاله . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : هَذَا حَدِيث غَرِيب الْإِسْنَاد والمتن ، غير أَن الشَّيْخَيْنِ لم يحْتَجَّا بالوليد بن مُحَمَّد الموقري وَلَا بمُوسَى بن عَطاء الْبُلْقَاوِيُّ . قلت : مَا أقصرا فِي ذَلِك (فهما كذابان) . قَالَ : وَهَذِه سنة تداولها (أَئِمَّة) أهل الحَدِيث ، وَقد صحت بِهِ الرِّوَايَة عَن ابْن عمر وَغَيره من الصَّحَابَة . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يخرج فِي الْعِيدَيْنِ من الْمَسْجِد فيكبر حَتَّى يَأْتِي الْمُصَلى ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن أبي عبد الرَّحْمَن (قَالَ : كَانُوا) فِي التَّكْبِير فِي الْفطر أَشد مِنْهُم فِي الْأَضْحَى .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ أَنه اجْتمع عيدَان عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي يَوْم وَاحِد فَصَلى الْعِيد (فِي) أول النَّهَار وَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، إِن هَذَا يَوْم قد اجْتمع لكم فِيهِ عيدَان ، فَمن أحب أَن يشْهد مَعنا الْجُمُعَة فَلْيفْعَل ، وَمن أحب أَن ينْصَرف فَلْيفْعَل . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : (أَحدهَا) من طَرِيق زيد بن أَرقم ، رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الثَّلَاثَة أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ من حَدِيث إِيَاس بن أبي رَملَة الشَّامي - وَلَيْسَ لَهُ فِي السّنَن غَيره - قَالَ : (شهِدت) مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَهُوَ يسْأَل زيد بن أَرقم قَالَ : (هَل) شهِدت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (عيدين) اجْتمعَا فِي يَوْم ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَكيف صنع ؟ قَالَ : صَلَّى الْعِيد ثمَّ رخص فِي الْجُمُعَة ، ثمَّ قَالَ : من شَاءَ أَن (يُصَلِّي) فَليصل هَذَا لفظ أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه . وَلَفظ النَّسَائِيّ : (قَالَ : نعم ، صَلَّى الْعِيد من أول النَّهَار وَرخّص فِي الْجُمُعَة) . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ الْأَوَّلين ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده أَيْضا وَقَالَ فِي (رِوَايَته : ثمَّ) رخص فِي الْجُمُعَة ، وَقَالَ : من شَاءَ أَن يجمع فليجمع . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، قَالَ : وَله شَاهد عَلَى شَرط مُسلم . فَذكره من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة وَسَيَأْتِي بعد . وَقَالَ الْأَثْرَم : سُئِلَ أَبُو عبد الله - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل - عَن الْعِيدَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي يَوْم (وَاحِد) فَذكر هَذَا الحَدِيث . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : هَذَا حَدِيث يعْتَمد عَلَيْهِ . وَقَالَ فِي علله : إِنَّه أصح مَا فِي الْبَاب . وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِسْنَاده حسن . وَخَالف ابْن الْقطَّان : فأعله بإياس بن أبي رَملَة ، وَقَالَ : إِنَّه مَجْهُول الْحَال . قَالَ : وَلما ذكر ابْن الْمُنْذر هَذَا الحَدِيث قَالَ : إِنَّه لَا يثبت ، وَإِن إِيَاس بن أبي رَملَة مَجْهُول . قَالَ : وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَأعله ابْن حزم فِي محلاه بإسرائيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي (رَاوِيه) عَن عُثْمَان بن الْمُغيرَة ، عَن إِيَاس . وَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَلَا يَصح . وَإِسْرَائِيل هَذَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة ، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَأَبُو حَاتِم وَغَيرهمَا وَعَن ابْن الْمَدِينِيّ تَضْعِيفه . الطَّرِيق الثَّانِي : من طَرِيق أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - (عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : قد اجْتمع فِي يومكم هَذَا عيدَان) فَمن شَاءَ أَجزَأَهُ عَن الْجُمُعَة ، وَإِنَّا مجمعون . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا وَابْن السكن فِي (صحاحه) وَلم يعزه ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه إِلَى ابْن مَاجَه ، وَعَزاهُ إِلَى النَّسَائِيّ وَلم أره فِيهِ . وَرَوَاهُ الْخلال فِي علله بِلَفْظ : فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قد أصبْتُم خيرا (فَمن) أحب أَن (يُقيم) فَليقمْ ، وَمن أحب أَن ينْصَرف فلينصرف . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِاللَّفْظِ الأول ، وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قلت : وَهُوَ من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، عَن شُعْبَة (عَن مُغيرَة (الضَّبِّيّ) عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع الْمَكِّيّ ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَبَقِيَّة هَذَا قد علمت حَاله) فِي بَاب النَّجَاسَات من كتَابنَا هَذَا ، وَذكرنَا أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ . قَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : بَقِيَّة بن الْوَلِيد لم يخْتَلف فِي صدقه إِذا رَوَى عَن الْمَشْهُورين . وَهَذَا (حَدِيث) غَرِيب من حَدِيث شُعْبَة ، والمغيرة وَعبد الْعَزِيز كلهم مِمَّن يجمع حَدِيثه . وَقَالَ الْبَزَّار : لَا نعلم رِوَايَة عَن شُعْبَة إِلَّا بَقِيَّة ، يرويهِ بَقِيَّة (قَالَ) : أَنا شُعْبَة عَن الْمُغيرَة الضَّبِّيّ ، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَقد رَوَاهُ عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع زِيَاد بن عبد الله البكائي ، وَذكره الْبَزَّار . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف وَمِنْهُم من يكذبهُ . قلت : قد رَوَاهُ غير زِيَاد أَيْضا . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث مُغيرَة وَلم يرفعهُ (عَنهُ غير شُعْبَة) وَهُوَ أَيْضا غَرِيب عَن شُعْبَة لم يروه عَنهُ غير بَقِيَّة ، وَقد رَوَاهُ زِيَاد البكائي وَصَالح بن مُوسَى الطلحي عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع مُتَّصِلا . وَرَوَاهُ [ جمَاعَة ] عَن عبد الْعَزِيز ، عَن أبي صَالح ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (مُرْسلا) وَلم (يذكرُوا) أَبَا هُرَيْرَة - قَالَ فِي علله : وَهُوَ الصَّحِيح - وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاس عَن [ أبي ] صَالح مُرْسلا ، وتعجب من بَقِيَّة كَيفَ رَفعه وَقد كَانَ بَقِيَّة يروي عَن ضعفاء وَيُدَلس . قلت : قد صرح بَقِيَّة بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ : نَا شُعْبَة . لَكِن لَا يَنْفَعهُ ذَلِك فَإِنَّهُ مَعْرُوف بتدليس التَّسْوِيَة . (قلت : وَأَبُو صَالح) هَذَا هُوَ السمان الثِّقَة كَمَا صرح بِهِ الْبَيْهَقِيّ . وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عبد الْعَزِيز مَوْصُولا مُقَيّدا بِأَهْل العوالي ، وَفِي إِسْنَاده ضعف ، وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن عبد الْعَزِيز عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُقَيّدا بِأَهْل الْعَالِيَة إِلَّا أَنه مُنْقَطع . الطَّرِيق الثَّالِث : من طَرِيق نَافِع ، عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قَالَ : اجْتمع عيدَان عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَصَلى بِالنَّاسِ ، ثمَّ قَالَ : من شَاءَ أَن يَأْتِي الْجُمُعَة فليأتها ، وَمن شَاءَ أَن يتَخَلَّف فليتخلف . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه وَفِي إِسْنَاده جبارَة بن الْمُغلس ، قَالَ البُخَارِيّ : مُضْطَرب الحَدِيث . ومندل بن عَلّي قد ضعف ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث سعيد بن رَاشد (السماك) نَا عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عمر قَالَ : اجْتمع عيدَان عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ يَوْم ] فطر وجمعة فَصَلى بهم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الْعِيد ، ثمَّ أقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، إِنَّكُم قد أصبْتُم خيرا وَأَجرا وَإِنَّا مجمعون ، فَمن أَرَادَ أَن يجمع مَعنا فليجمع ، و(من) أَرَادَ أَن يرجع إِلَى أَهله فَليرْجع . وَسَعِيد هَذَا قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح . الطَّرِيق الرَّابِع : من طَرِيق ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اجْتمع عيدَان فِي يومكم هَذَا ، فَمن شَاءَ أَجزَأَهُ من الْجُمُعَة ، وَإِنَّا مجمعون - إِن شَاءَ الله تَعَالَى . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث (بَقِيَّة) نَا شُعْبَة ، نَا مُغيرَة الضَّبِّيّ ، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع ، [ عَن أبي صَالح ] عَن ابْن عَبَّاس فَذكره ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد لَوْلَا بَقِيَّة ، وَسَيَأْتِي لَهُ طَرِيق (آخر) جيد ، وَبِالْجُمْلَةِ ( فأصح) هَذِه الطّرق الطَّرِيقَة الأولَى عَلَى مَا فِيهَا - كَمَا سلف ، وَنقل عبد الْحق عَن عَلّي بن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ : فِي هَذَا (الْبَاب) غير مَا (حَدِيث) بِإِسْنَاد جيد . قلت : وَقد رُوِيَ هَذَا الْفِعْل أَيْضا عَن عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الله بن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أما الأول فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي جملَة حَدِيث طَوِيل عَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ( أَنه) خطب يَوْم عيد فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، إِن هَذَا يَوْم قد اجْتمع لكم فِيهِ عيدَان ، فَمن أحب أَن ينْتَظر الْجُمُعَة من أهل العوالي (فلينتظر) وَمن أحب أَن يرجع فقد [ أَذِنت لَهُ ] وَهَذَا الْأَثر ذكره صَاحب الْمُهَذّب وَأما الثَّانِي فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى (الصَّحِيحَيْنِ) بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَطاء قَالَ : صَلَّى ابْن الزبير فِي يَوْم عيد [ فِي ] يَوْم جُمُعَة أول النَّهَار ثمَّ (رحنا) إِلَى الْجُمُعَة فَلم يخرج إِلَيْنَا فصلينا وحدانًا ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس بِالطَّائِف ، فَلَمَّا قدم ذكرنَا ذَلِك لَهُ فَقَالَ : أصَاب السّنة . قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة : إِسْنَاده عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الحميد ، عَن وهب بن كيسَان ، عَن ابْن عَبَّاس نَحوه مُخْتَصرا ، وَأعله ابْن حزم فِي محلاه بِعَبْد الحميد فَإِنَّهُ قَالَ : وَإِذا اجْتمع عيد فِي يَوْم جُمُعَة صلي الْعِيد ثمَّ الْجُمُعَة وَلَا يَصح أثر بِخِلَاف ذَلِك ؛ لِأَن فِي رُوَاته إِسْرَائِيل وَعبد الحميد بن جَعْفَر وليسا بالقويين . فَأَما إِسْرَائِيل فقد أسلفنا الْجَواب عَنهُ فِي حَدِيث زيد بن أَرقم السالف قَرِيبا ، وَأما عبد الحميد فوثقه أَحْمد وجماعات وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، نعم ضعفه ( يَحْيَى) الْقطَّان ، وَضَعفه أَيْضا سُفْيَان لأجل الْقدر . وَلما رَوَاهُ الْحَاكِم من طَرِيق وهب بن كيسَان قَالَ : شهِدت ابْن الزبير (بِمَكَّة) فَوَافَقَ يَوْم فطر أَو أَضْحَى يَوْم الْجُمُعَة ، فَأخر الْخُرُوج حَتَّى ارْتَفع النَّهَار ، فَخرج وَصعد الْمِنْبَر فَخَطب فَأطَال ، ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلم (يصل) الْجُمُعَة (فَعَاتَبَهُ) عَلَيْهِ نَاس من بني أُميَّة بن عبد شمس ، فَبلغ ذَلِك ابْن عَبَّاس فَقَالَ : أصَاب (ابْن) الزبير السّنة . فَبلغ ابْن الزبير فَقَالَ : رَأَيْت عمر بن الْخطاب إِذا اجْتمع عيدَان صنع مثل هَذَا . قَالَ : هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . (هَذَا آخر كَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب) .
الحَدِيث السَّادِس عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيجوز لبس الْحَرِير لدفع الْقمل أَيْضا ؛ لِأَن فِي بعض الرِّوَايَات أَن الزبير وَعبد الرَّحْمَن شكيا الْقمل فِي بعض الْأَسْفَار فَرخص لَهما . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أنس أَيْضا (وَفِي رِوَايَة) أَحْمد (وَابْن حبَان) فَرَأَيْت عَلَى كل (وَاحِد) مِنْهُمَا قَمِيصًا من حَرِير . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه أَيْضا بِلَفْظ : إِن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : التَّكْبِير فِي الْفطر سبع فِي الأولَى وَخمْس فِي (الْآخِرَة) ، وَالْقِرَاءَة بعدهمَا كلتيهما . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِلَفْظ : (إِن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) كبر فِي (صَلَاة) (الْعِيدَيْنِ) سبعا وخمسًا . ومدار الحَدِيث عَلَى عبد الله الطرائفي م د ت ق الْمَذْكُور (وَنسب) بالطرائفي لاستطرافهم طرائف يَأْتِيهم بهَا . (قَالَه) ابْن الْقطَّان فِي علله . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : الطَّائِفِي . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ وَهُوَ (من) فرسَان مُسلم ، كَمَا أطلقهُ الْمزي والذهبي (بِالْأولِ فِيهِ) . وَقَالَ صَاحب الْكَمَال : أخرج لَهُ فِي المتابعات وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب . وَقَالَ ابْن معِين فِي حَقه : صَالح . وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَغَيره : قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله : سَأَلت البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هُوَ حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : أَنا ذَاهِب إِلَى هَذَا . نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه ، (ثمَّ قَالَ) : هَذَا (أصلح) أَحَادِيث الْبَاب . وَقَالَ عبد الْحق : صحّح البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث . وَأنكر ابْن الْقطَّان هَذَا عَلَى عبد الْحق ، وَقَالَ : البُخَارِيّ لم يُصَحِّحهُ ؛ فَإِن الْمَنْقُول عَنهُ فِي ذَلِك مَا ذكره ( التِّرْمِذِيّ ) عَنهُ فِي كتاب الْعِلَل : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن (كثير السالف) فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْبَاب أصح من هَذَا ، وَبِه أَقُول ، وَحَدِيث عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطرائفي ، عَن (عَمْرو) بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده فِي هَذَا الْبَاب هُوَ صَحِيح أَيْضا . هَذَا نَص مَا ذكره وَلَيْسَ فِيهِ تَصْحِيح البُخَارِيّ لوَاحِد مِنْهُمَا . قَالَ : وَلَعَلَّ قَوْله : وَحَدِيث [ عبد الله بن ] عبد الرَّحْمَن إِلَى آخِره من كَلَام التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي عهد فصحح هَذِه النُّسْخَة . وَأما (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فَذكره فِي محلاه بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وَقَالَ : هَذَا لَا يَصح . فَدفعهُ بِالْقُوَّةِ ، وَجَاء فِي رِوَايَة غَرِيبَة لأبي دَاوُد فِي هَذَا الحَدِيث كبر فِي الأولَى سبعا وَفِي (الثَّانِيَة) أَرْبعا وَحكم الْبَيْهَقِيّ بخطئها . (الطَّرِيق الثَّالِث) عَن عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ سبعا وخمسًا قبل الْقِرَاءَة . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، عَن أبي سعيد مولَى بني (هَاشم) ، نَا ابْن لَهِيعَة ، عَن عقيل ، عَن ابْن شهَاب ، عَن عُرْوَة ، عَنْهَا بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه بِلَفْظ : كَانَ يكبر فِي الْفطر والأضحى فِي الأولَى سبع تَكْبِيرَات ، وَفِي الثَّانِيَة خمس تَكْبِيرَات وَابْن لَهِيعَة قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : وَإِسْنَاده مُضْطَرب ، وَالِاضْطِرَاب فِيهَا من ابْن لَهِيعَة . (الطَّرِيق الرَّابِع) عَن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن (عمار) بن سعد مُؤذن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، نَا أبي ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يكبر فِي الْعِيدَيْنِ : فِي الأولَى سبعا قبل الْقِرَاءَة ، وَفِي (الْآخِرَة) خمْسا قبل الْقِرَاءَة . رَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَعبد الرَّحْمَن هَذَا مُنكر الحَدِيث . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سعد بن عمار ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمار ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يكبر فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأولَى سبعا وَفِي (الْأُخْرَى) خمْسا وَعبد الله هَذَا ضعفه ابْن معِين . قَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه : قَالَ عُثْمَان بن سعيد : قلت ليحيى بن معِين : عبد الله بن مُحَمَّد بن عمار بن سعد ، وعمار وَعمر (ابْني) حَفْص بن عمر بن سعد ، عَن آبَائِهِم عَن أجدادهم ، كَيفَ حَال هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : لَيْسُوا بِشَيْء . (الطَّرِيق الْخَامِس) عَن أبي وَاقد اللَّيْثِيّ قَالَ : شهِدت (الْعِيد) مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَكبر فِي الأولَى سبعا وَفِي الثَّانِيَة خمْسا) . ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي علله وَقَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ . فَقَالَ : بَاطِل . (الطَّرِيق السَّادِس) عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه : (أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عشرَة تَكْبِيرَة . سُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ ؛ فَأجَاب فِي علله (بِأَنَّهُ) رُوِيَ مَوْصُولا هَكَذَا ، ومرسلاً بِإِسْقَاط (أَبِيه) وَأَن الْمُرْسل (أصح ) . (وَرَوَاهُ) الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث الْحسن البَجلِيّ ، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تخرج لَهُ العنزة (فِي الْعِيدَيْنِ) ، وَكَانَ يكبر ثَلَاث عشرَة تَكْبِيرَة ، وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر يفْعَلَانِ ذَلِك . ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يرْوَى عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف إِلَّا من هَذَا الْوَجْه (بِهَذَا الْإِسْنَاد) ، قَالَ : وَالْحسن هَذَا [ فلين ] الحَدِيث ، وَقد (سكت النَّاس) عَن حَدِيثه وَأَحْسبهُ الْحسن بن (عمَارَة) . (الطَّرِيق السَّابِع) عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عشرَة : فِي الأولَى سبعا ، وَفِي الْآخِرَة (خمْسا) وَيذْهب فِي طَرِيق وَيرجع (من) آخر . فِيهِ سُلَيْمَان بن أَرقم وَقد تَرَكُوهُ ، وَسَيَأْتِي كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته فِيهِ قَرِيبا . (الطَّرِيق الثَّامِن) عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما رَوَاهُ الْبَزَّار كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا . فَهَذِهِ (طرق) الحَدِيث مَجْمُوعَة وأقواها - عِنْدِي - الطَّرِيق الثَّانِي ، وَالْبَاقِي شَوَاهِد (لَهُ) ، وَقد ورد أَيْضا من قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام . رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده قَالَ : أَنا يَحْيَى ، نَا ابْن لَهِيعَة ، نَا الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة . قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : التَّكْبِير فِي الْعِيدَيْنِ سبع قبل الْقِرَاءَة ، (وَخمْس قبل الْقِرَاءَة) . وَابْن لَهِيعَة قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : لَا شكّ فِي صِحَّته مَوْقُوفا عَلَى ( أبي) هُرَيْرَة . (قَالَ) : وَعَن ابْن عَبَّاس مثله ، و(رُوَاته) ثِقَات . وَكَذَا قَالَ ( الدَّارَقُطْنِيّ ) فِي علله فِيهِ - أَعنِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة - فَإِنَّهُ (قَالَ) لما سُئِلَ عَنهُ : رُوِيَ مَرْفُوعا (وموقوفًا) وَالصَّحِيح الْمَوْقُوف . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث فرج بن فضَالة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، (عَن نَافِع) ، عَن ابْن عمر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : التَّكْبِير فِي الْعِيدَيْنِ ، فِي الرَّكْعَة الأولَى سبع تَكْبِيرَات ، وَفِي الْآخِرَة خمس تَكْبِيرَات . وَفرج (د ت ق) هَذَا ضَعَّفُوهُ ، قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَفِي علل (ابْن) أبي حَاتِم : سَألَتْ أبي عَن حَدِيث ابْن عمر أَنه كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ : سبعا فِي الأولَى ، وخمسًا فِي الثَّانِيَة . فَقَالَ : هَذَا خطأ ، يرْوَى هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يكبر . وَاعْلَم أَن عبد الْحق عزا فِي أَحْكَامه حَدِيث ابْن عمر إِلَى الْبَزَّار ، وَأعله بفرج بن فضَالة ، وَتعقبه ابْن الْقطَّان فَقَالَ : (إِنِّي) قد جهدت أَن أجد هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند (ابْن) عمر عِنْد الْبَزَّار ، فَمَا [ قدرت عَلَيْهِ ] وَقد (رَجَوْت) أَن يكون فِي بعض أَمَالِيهِ وَالَّذِي فِي مُسْند الْبَزَّار إِنَّمَا هُوَ الْفِعْل دون القَوْل ، وَمن غير رِوَايَة فرج بن فضَالة (وَهَذَا هُوَ) : (نَا) عَبدة بن عبد الله ، نَا عمر بن حبيب ، نَا عبد الله بن [ عَامر ] ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي (صَلَاة) الْعِيدَيْنِ ثِنْتَيْ عشرَة (تَكْبِيرَة) : سبعا فِي الأولَى ، وخمسًا فِي الْآخِرَة . قلت : (وَفِي الْجُمْلَة) فأحاديث الْبَاب كلهَا مُتَكَلم فِيهَا . قَالَ الإِمَام أَحْمد : لَيْسَ يرْوَى فِي التَّكْبِير فِي الْعِيدَيْنِ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَدِيث صَحِيح . نَقله الْعقيلِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَنهُ . وَقَالَ ابْن رشد : إِنَّمَا (صَارُوا) إِلَى الْأَخْذ بأقاويل الصَّحَابَة فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ؛ لِأَنَّهُ لم يثبت فِيهَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شَيْء . وَنقل ذَلِك عَن أَحْمد ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : فِي الْبَاب عَن عَائِشَة وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَعبد الله بن (عَمْرو) و(الطَّرِيق) إِلَيْهِم فَاسِدَة . قَالَ (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي إِعْلَامه بناسخ الحَدِيث ومنسوخه : وَفِي الْبَاب عَن جَابر أَيْضا . قَالَ : وَأما حَدِيث أبي مُوسَى وَحُذَيْفَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكبر فِي الْعِيدَيْنِ أَرْبعا فَلَا يثبت ؛ فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن ثَابت (د ت ق) قَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه مَنَاكِير . قلت : هُوَ فِي سنَن أبي دَاوُد وَأعله ابْن حزم بِعَبْد الرَّحْمَن هَذَا وَهُوَ ابْن ثَوْبَان - وَقَالَ أَحْمد وَغَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . ووثق أَيْضا - وبأبي عَائِشَة ، وَقَالَ : هُوَ مَجْهُول لَا نَدْرِي من هُوَ وَلَا يعرفهُ أحد .
ثَالِثهَا : عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَنه (ورد) عَنهُ التَّغْلِيظ فِي لبس الصّبيان الْحَرِير . وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه (عَنهُ ، بل) رُوِيَ عَنهُ الْجَوَاز فِي نَحْو ذَلِك ، نعم هُوَ عَن أَبِيه وَهُوَ مَا فِي نسخ الرَّافِعِيّ الصَّحِيحَة ، وَفِي كتاب تَحْرِيم الذَّهَب وَالْحَرِير تأليف القَاضِي أبي بكر جَعْفَر بن مُحَمَّد الْفرْيَابِيّ ، عَن مُحَمَّد بن الْمثنى ، نَا ابْن عون عَن مُحَمَّد قَالَ : دخل ابْن عَامر عَلَى ابْن عمر فَرَأَى عَلَى ابْنة لِابْنِ عمر قَمِيصًا من حَرِير قَالَ : فَقَالَ ابْن عمر : إِن عَبدك (لرجل) بَصِير بالسنن ، إِنَّا لنَرْجُو من رَحْمَة الله مَا (هُوَ) أفضل من قَمِيص بِثَلَاثَة دَرَاهِم - أَو قَالَ بأَرْبعَة دَرَاهِم - قَالَ : وَلَا عَلَيْكُم أَن تخلعوه عَنْهَا . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن حسان قَالَ : رَأَى عليّ (ابْن) عمر أوضاح فضَّة فَقَالَ : إِنَّك قد بلغت - أَو كَبرت - فَأَلْقِهَا (عَنْك) وَفِي الْكتاب السالف عَن (ابْن) رَاهَوَيْه ، نَا سُفْيَان ، عَن ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ لابنته : يَا (بنية) قولي إِن أبي لَا يحليني الذَّهَب يخْشَى عليّ من حر (اللهب) . وَعَن قُتَيْبَة ، نَا حَمَّاد بن زيد ، عَن أَيُّوب ، عَن مُحَمَّد ، عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يَقُول لابنته : لَا تلبسي الذَّهَب فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك اللهب وَفِيه عَن مُحَمَّد بن عون ، عَن ابْن سِيرِين ، عَنهُ كَذَلِك .
الْأَثر الرَّابِع : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيقف بَين كل تكبيرتين بِقدر قِرَاءَة آيَة لَا طَوِيلَة (وَلَا قَصِيرَة) ، يهلل الله ويكبره ويمجده . هَذَا لفظ الشَّافِعِي ، وَقد رُوِيَ مثل ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود قولا وفعلاً . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن ترْجم : بَاب يَأْتِي بِدُعَاء الِافْتِتَاح (عقيب) تَكْبِيرَة (الِافْتِتَاح) ثمَّ يقف بَين كل تكبيرتين يهلل الله ويكبره وَيَحْمَدهُ وَيُصلي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَدِيث هِشَام ، نَا حَمَّاد [ عَن إِبْرَاهِيم عَن ] عَلْقَمَة أَن ابْن مَسْعُود وَأَبا مُوسَى وَحُذَيْفَة خرج إِلَيْهِم الْوَلِيد بن عقبَة قبل الْعِيد (فَقَالَ لَهُم) : إِن هَذَا الْعِيد قد دنا فَكيف التَّكْبِير فِيهِ ؟ فَقَالَ عبد الله : تبدأ فتكبر تَكْبِيرَة تفتتح بهَا الصَّلَاة ، وتحمد رَبك وَتصلي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ تَدْعُو ثمَّ تكبر ، وَتفعل مثل ذَلِك ، ثمَّ تكبر (وَتفعل مثل ذَلِك ، ثمَّ تكبر وَتفعل مثل ذَلِك ، ثمَّ تكبر وَتفعل مثل ذَلِك) (ثمَّ تقْرَأ وتركع ، ثمَّ تقوم فتكبر وتحمد رَبك وَتصلي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ تَدْعُو ثمَّ تكبر وَتفعل مثل ذَلِك ، ثمَّ تكبر و) تفعل مثل ذَلِك ، ثمَّ تكبر وَتفعل ذَلِك ، ثمَّ تكبر وَتفعل مثل ذَلِك . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا من قَول ابْن مَسْعُود مَوْقُوف عَلَيْهِ ، فنتابعه فِي (الذّكر) بَين كل تكبيرتين إِذْ لم يرو خِلَافه عَن غَيره ، ونخالفه فِي عدد التَّكْبِيرَات وتقديمهن عَلَى الْقِرَاءَة فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا ؛ بِحَدِيث رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ، ثمَّ فعل أهل الْحَرَمَيْنِ وَعمل الْمُسلمين إِلَى يَوْمنَا هَذَا . ثمَّ رَوَى من حَدِيث عَلّي بن عَاصِم ، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن الشّعبِيّ ، عَن جَابر قَالَ : مَضَت السّنة أَن يكبر للصَّلَاة فِي الْعِيدَيْنِ سبعا وخمسًا ، يذكر الله مَا بَين كل تكبيرتين . قلت : قد عرفت قَول ابْن مَسْعُود وَبَقِي فعله ، وَقد أخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم أَن الْوَلِيد بن عقبَة دخل الْمَسْجِد وَابْن مَسْعُود يَقُول : الله أكبر . ويحمد الله ويثني عَلَيْهِ ، وَيُصلي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَيَدْعُو الله ، ثمَّ يكبر ويحمد الله ويثني عَلَيْهِ ، وَيُصلي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَيَدْعُو الله ، (ثمَّ) يكبر ويحمد الله ويثني عَلَيْهِ وَيُصلي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وَيَدْعُو الله ثمَّ كبر) وَقَرَأَ فَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ، ثمَّ (كبر و) ركع و(سجد) ثمَّ (قَامَ وَقَرَأَ) بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة ، ثمَّ كبر و(حمد) الله و(أَثْنَى) عَلَيْهِ وَصَلى عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - و(ركع وَسجد) فَقَالَ حُذَيْفَة وَأَبُو مُوسَى : أصَاب وَفِيه أَيْضا عَنهُ : أَن بَين (التكبيرتين) قدر كلمة . وأسنده ابْن عَسَاكِر من حَدِيث حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة أَن ابْن مَسْعُود وَأَبا مُوسَى وَحُذَيْفَة خرج عَلَيْهِم الْوَلِيد بن عقبَة قبل الْعِيد يَوْمًا فَقَالَ (لَهُم) : إِن الْعِيد قد دنا فَكيف التَّكْبِير فِيهِ ؟ قَالَ عبد الله : (تبدأ فتكبر) تَكْبِيرَة تفتتح بهَا الصَّلَاة وتحمد رَبك وَتصلي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ تَدْعُو وتكبر وَتفعل مثل ذَلِك ، ثمَّ تكبر وَتفعل مثل ذَلِك ، ثمَّ تكبر وَتفعل مثل (ذَلِك) ثمَّ تركع . فَقَالَ أَبُو مُوسَى وَحُذَيْفَة : صدق (عبد الله) .
وَأما آثاره فعشرة : أَولهَا : عَن جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه كبر ثَلَاثًا . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث سعيد بن أبي هِنْد عَنهُ أَنه سَمعه يكبر فِي الصَّلَوَات أَيَّام التَّشْرِيق : الله أكبر الله أكبر الله أكبر - ثَلَاثًا . وَقد أسلفناه مَرْفُوعا أَيْضا فِي أثْنَاء الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ .
الْعَاشِر : عَن ابْن عَبَّاس مثل ذَلِك . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي كتاب عَلّي وَعبد الله كَمَا عزاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة إِلَيْهِ قَالَ : وَالرِّوَايَة عَن ابْن عَبَّاس مُخْتَلفَة فَروِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يكبر من (صَلَاة الظّهْر يَوْم النَّحْر) إِلَى صَلَاة الْعَصْر آخر أَيَّام التَّشْرِيق وَذكر فِي سنَنه عَنهُ هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ فِي بَابَيْنِ . قلت : وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة أَيْضا عَن ابْن عمر فَفِي مُصَنف ابْن أبي شيبَة (عَنهُ) أَنه كَانَ يكبر من ظهر يَوْم النَّحْر إِلَى صَلَاة الْعَصْر يَوْم النَّفر يَعْنِي الأول وَقد اخْتلف أَيْضا عَن زيد ؛ فَفِي المُصَنّف الْمَذْكُور عَنهُ أَنه كَانَ يكبر من ظهر يَوْم النَّحْر إِلَى صَلَاة الْعَصْر من آخر أَيَّام التَّشْرِيق .
الْأَثر الْخَامِس : عَن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه كَانَ يرفع يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَات ) . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ ( الْبَيْهَقِيّ ) فِي سنَنه من حَدِيث أبي زَكَرِيَّا فِي الْجِنَازَة وَالْعِيدَيْنِ ، ثمَّ قَالَ : هُوَ مُنْقَطع . قلت : وَضَعِيف لأجل ابْن لَهِيعَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ الْوَلِيد بن مُسلم ، عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن أبي زرْعَة اللَّخْمِيّ أَن عمر فَذكره فِي صَلَاة (الْعِيدَيْنِ) .
الْأَثر الثَّامِن وَالتَّاسِع : أَن ابْن عمر وَزيد بن ثَابت كَانَا (يفْعَلَانِ) كَفعل عُثْمَان . ( وَهَذَانِ) رَوَاهُمَا (الدَّارَقُطْنِيّ و) الْبَيْهَقِيّ فِي (سُنَنهمَا) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ بأسانيده عَن عُثْمَان [ وَابْن عمر و] زيد ابن ثَابت وَأبي سعيد نَحْو مَا روينَا عَن ابْن عمر .
الْأَثر السَّادِس : عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود قَالَ : السّنة أَن تبتدئ (الْخطْبَة) بتسع تَكْبِيرَات تترى (ثمَّ تخْطب ثمَّ تجْلِس ، ثمَّ تقوم فتفتتح الثَّانِيَة بِسبع تَكْبِيرَات تترى ) . وَهَذَا الْأَثر ذكره هَكَذَا صَاحب جمع الْجَوَامِع بِزِيَادَة : قَالَ الشَّافِعِي : وَيَقُول عبيد الله : نقُول . قلت : و(رَوَاهُ) الشَّافِعِي (أَنا) إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبدٍ (الْقَارِي) عَن إِبْرَاهِيم بن (عبد الله ، عَن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبَة : السّنة أَن يخْطب الإِمَام فِي الْعِيدَيْنِ خطبتين يفصل بَينهمَا بجلوس ، وَالسّنة فِي التَّكْبِير فِي يَوْم الْأَضْحَى وَالْفطر عَلَى الْمِنْبَر قبل الْخطْبَة (أَن يَبْتَدِئ الإِمَام قبل الْخطْبَة) وَهُوَ قَائِم عَلَى الْمِنْبَر بتسع تَكْبِيرَات تترى لَا يفصل بَينهمَا بِكَلَام ، ثمَّ يخْطب (ثمَّ يجلس جلْسَة (ثمَّ يقوم) فِي الْخطْبَة الثَّانِيَة فيفتتحها بِسبع تَكْبِيرَات تترى لَا يفصل بَينهمَا بِكَلَام ثمَّ يخْطب) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الدَّرَاورْدِي ، عَن عبد الرَّحْمَن بن عبدٍ الْقَارِي ، (أَن) إِبْرَاهِيم بن عبد الله حَدثهُ ، عَن عبيد الله (بن عبد الله) بن (عتبَة) بن مَسْعُود أَنه قَالَ : السّنة (فِي) تَكْبِير الإِمَام يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأَضْحَى حِين يجلس عَلَى الْمِنْبَر قبل (الْخطْبَة) تسع تَكْبِيرَات وَسبعا حِين يقوم ثمَّ يَدْعُو وَيكبر بَعْدَمَا بدا لَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ غَيره عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عبيد الله تسعا تترى إِذا قَامَ فِي الأولَى ، وَسبعا تترى إِذا قَامَ فِي الْخطْبَة (الثَّانِيَة) ثمَّ سَاق رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة . وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد علمت أَقْوَال أهل الْفَنّ فِيهِ فِي كتاب الطَّهَارَة من كتَابنَا هَذَا ، وَعبيد الله هَذَا تَابِعِيّ ، وَإِذا قَالَ التَّابِعِيّ : من (السّنة) كَذَا . فَالْأَصَحّ وَقفه ، وَقيل : إِنَّه مَرْفُوع مُرْسل . وَلَا حجَّة فِيهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، أما عَلَى هَذَا فلإرساله ، وَأما عَلَى الأول فَلِأَنَّهُ لم يثبت (إِسْنَاده) وَلَا حجَّة فِيهِ إِذن عَلَى الصَّحِيح .
ثَانِيهَا : عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَنه كَانَ يكبر ثَلَاثًا . وَهَذَا (الْأَثر رَوَاهُ) الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث سُلَيْمَان بن دَاوُد بن الْحصين ، عَن أَبِيه ، عَن عِكْرِمَة عَنهُ بِمثل حَدِيث جَابر السالف . وَدَاوُد هَذَا ثِقَة من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي السِّتَّة ، لكنه قدري ، وَلينه أَبُو زرْعَة ، ووهاه ابْن حبَان ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد ، عَن الحكم ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس يكبر (من) غَدَاة (يَوْم) عَرَفَة إِلَى آخر أَيَّام النَّفر ، لَا يكبر فِي الْمغرب : الله أكبر الله أكبر الله أكبر (وَللَّه الْحَمد ، الله أكبر وَأجل ، الله أكبر عَلَى مَا هدَانَا) كَذَا أخبرنَا من كِتَابه ثَلَاثًا نسقًا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ [ عَنهُ ] عَن جَابر بن عبد الله ، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ .
الْأَثر السَّابِع : أَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَانَ يكبر من ظهر يَوْم النَّحْر إِلَى صبح الْيَوْم الثَّالِث من أَيَّام التَّشْرِيق . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه بِلَفْظ : كبر بِنَا عُثْمَان وَهُوَ مَحْصُور فِي الظّهْر يَوْم النَّحْر إِلَى أَن صَلَّى (الظّهْر) من آخر أَيَّام التَّشْرِيق ، وَكبر فِي الصُّبْح وَلم يكبر فِي الظّهْر .
كتاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ كتاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فخمسة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا . الحَدِيث الأول يرْوَى أَن أول عيد صَلَّى فِيهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عيد الْفطر من السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة ، وَلم يزل يواظب عَلَى صَلَاة الْعِيدَيْنِ حَتَّى فَارق الدُّنْيَا . هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد اشْتهر فِي السّير أَن أول عيد شرع عيد الْفطر ، وَأَنه فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة ، وَأما الْمُوَاظبَة عَلَى صلَاته (فمستفيض) فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلم يصلها بمنى ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا ، كَمَا لم يصل الْجُمُعَة . أَي بِعَرَفَة أَو فِي سَفَره ، وَهُوَ كَمَا قَالَ .
بَاب تَارِك الصَّلَاة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث . (أَحدهَا) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خمس صلوَات كتبهن الله عَلَيْكُم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ، فَمن جَاءَ بِهن فَلم يضيع مِنْهُنَّ شَيْئا كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن يدْخلهُ الْجنَّة ، وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد ، إِن شَاءَ عذبه وَإِن شَاءَ أدخلهُ الْجنَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان ، عَن ابن محيريز أَن رجلا من بني كنَانَة يُدعَى المخدجي سمع رجلا بِالشَّام يكنى أَبَا مُحَمَّد يَقُول : إِن الْوتر وَاجِب . قَالَ المخدجي : فَرُحتُ إِلَى عبَادَة بن الصَّامِت ، فعرضت لَهُ وَهُوَ رائح إِلَى الْمَسْجِد . فَأَخْبَرته بِالَّذِي ، قَالَ أَبُو مُحَمَّد . قَالَ عبَادَة : كذب أَبُو مُحَمَّد ؛ سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : خمس صلوَات كتبهن الله عَلَى الْعباد ، فَمن جَاءَ بِهن ، لَا يُضيع مِنْهُنَّ شَيْئا ، اسْتِخْفَافًا بحقهن ؛ كَانَ لَهُ عهد عِنْد الله (أَن يدْخلهُ الْجنَّة . وَمن لم يَأْتِ بِهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد إِن) شَاءَ عذبه ، وَإِن شَاءَ أدخلهُ الْجنَّة . وَرَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن أَيْضا ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك أَيْضا ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث شُعْبَة ، عَن عبد ربه بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان ، عَن ابْن محيريز ، عَن المخدجي ، عَن عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : خمس صلوَات افترضهن الله عَلَى عباده ، فَمن جَاءَ بِهن لم ينتقص مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن ، فَإِن الله جَاعل لَهُ يَوْم الْقِيَامَة عهدا أَن يدْخلهُ الْجنَّة ، وَمن جَاءَ بِهن قد نقص مِنْهُنَّ شَيْئا اسْتِخْفَافًا بحقهن ؛ لم يكن لَهُ عِنْد الله عهد ، إِن شَاءَ عذبه ، وَإِن شَاءَ غفر لَهُ . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده فَقَالَ : نَا يزِيد ، أَنا يَحْيَى بن سعيد . فَذكره كَرِوَايَة مَالك ، إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره : وَإِن شَاءَ غفر لَهُ . قَالَ ابْن عبد الْبر : وَعبد الله بن محيريز من جلة التَّابِعين ، وَهُوَ مَعْدُود فِي الشاميين ، قَالَ : والمخدجي مَجْهُول لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ مَالك : المخدجي لقب وَلَيْسَ ينْسب فِي شيء من قبائل الْعَرَب ، وَقيل : إِن المخدجي اسْمه رفيع ، وَذكر ذَلِك عَن يَحْيَى بن معِين . وَأما أَبُو مُحَمَّد فَيُقَال : إِنَّه مَسْعُود بن أَوْس الْأنْصَارِيّ ، وَيُقَال : سعيد بن أَوْس ، وَيُقَال : إِنَّه بَدْرِي . وَاعْترض الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَلَى ابْن عبد الْبر فِيمَا قَالَه ، فَقَالَ : هَكَذَا ذكر أَبُو عمر أَن المخدجي مَجْهُول ، وَقد كَانَ ، (قدم) قبل ذَلِك أَنه لم يخْتَلف عَن مَالك فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، وَأَنه حَدِيث صَحِيح ثَابت ، فَتَأمل تَصْحِيح أبي عمر مَعَ حكمه بِأَن المخدجي مَجْهُول . قلت : والمخدجي ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، فَقَالَ : أَبُو رفيع المخدجي من بني كنَانَة ، يروي عَن عبَادَة بن الصَّامِت ، روى عَنهُ : ابْن محيريز ، ثمَّ سَاق لَهُ الحَدِيث الْمَذْكُور ، وَأخرجه فِي صَحِيحه من طَرِيقين إِلَيْهِ ، وَلَفظه : من جَاءَ بالصلوات الْخمس قد كملهن لم ينقص من حقهن شَيْئا كَانَ لَهُ عِنْد الله عهد أَن لَا يعذبه ، وَمن جَاءَ بِهن وَقد أنقص من حقهن فَلَيْسَ لَهُ عِنْد الله عهد ، إِن شَاءَ رَحمَه ، وَإِن شَاءَ عذبه . ثمَّ قَالَ : وَأَبُو مُحَمَّد هَذَا اسْمه مَسْعُود بن زيد بن سبيع الْأنْصَارِيّ ، من بني دِينَار بن النجار ، لَهُ صُحْبَة ، سكن الشَّام . قَالَ : وَقَول عبَادَة : كذب أَبُو مُحَمَّد يُرِيد بِهِ أَخطَأ ، وَهَذِه لَفْظَة مستعملة لأهل الْحجاز ، إِذا أَخطَأ أحدهم يُقَال لَهُ : كذب ، وَالله - تَعَالَى جلّ وَعلا - نزه أقدار الصَّحَابَة عَن إلزاق الْقدح بهم ، حَيْثُ قَالَ : يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ ) ، فَمن (أخبر) الله - جلّ وَعز - أَن لَا يخزيه فِي الْقِيَامَة فبالحري أَن لَا يُجَرح ، وَكَذَا قَالَ : أَرَادَ بقوله : كذب أَخطَأ فِي الْفَتْوَى ؛ لِأَن الْكَذِب إِنَّمَا يكون فِي الْإِخْبَار ، وَلم يخبر عَن غَيره . قلت : وَلِحَدِيث عبَادَة هَذَا طرق أُخْرَى ، تركناها خوف الطول ، ومتابع من حَدِيث أبي قَتَادَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَكَعب بن عجْرَة رَوَاهُ أَحْمد . تَنْبِيه : تحصلنا فِي اسْم المخدجي عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَفِي اسْم أبي مُحَمَّد عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضا ، وَفِي اسْم وَالِده عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضا ، وَلما ذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَن الْخطابِيّ أَنه قَالَ : أَبُو مُحَمَّد صَحَابِيّ ، اسْمه مَسْعُود بن زيد بن سبيع ، اعْتَرَضَهُ فَقَالَ : كَذَا قَالَ ، وَلَا نعرفه فِي الصَّحَابَة . قلت : عرفه أَبُو عمر ، وَابْن حبَان ، وَغَيرهمَا ، كَمَا أسلفناه .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ترك الصَّلَاة فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : عَن أم الدَّرْدَاء ، عَن أبي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : أَوْصَانِي خليلي صلى الله عليه وسلم : أَن لَا تشرك بِاللَّه شَيْئا ، وَإِن قطعت وَحرقت ، وَأَن لَا تتْرك صَلَاة مَكْتُوبَة مُتَعَمدا ، فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ الذِّمَّة ، وَلَا تشرب الْخمر ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاح كل شَرّ . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث رَاشد الْحمانِي ، عَن شهر بن حَوْشَب ، عَن أم الدَّرْدَاء ، عَن أبي الدَّرْدَاء . وَرَاشِد قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم : صَالح الحَدِيث ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَقَالَ : رُبمَا أَخطَأ . وَشهر تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب : النَّجَاسَات ، وَأَن التِّرْمِذِيّ صحّح حَدِيثا من جِهَته . وَأم الدَّرْدَاء : هجيمة ، من بَنَات التَّابِعين وصالحيهم ، ذكرهَا ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَصحح التِّرْمِذِيّ حَدِيثهَا . (الطَّرِيق الثَّانِي) : من حَدِيث جُبَير بن نفير قَالَ : دخلت عَلَى أُمَيْمَة مولاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقلت : حدثيني بِشَيْء سمعتيه من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَت : كنت يَوْمًا أفرغ عَلَى يَدَيْهِ وَهُوَ يتَوَضَّأ ، إِذْ دخل عَلَيْهِ رجل فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أُرِيد الرُّجُوع إِلَى أَهلِي ؛ فأوصني بِوَصِيَّة أحفظها . فَقَالَ : لَا تشرك بِاللَّه شَيْئا ، وَإِن قطعت وَحرقت بالنَّار ، وَلَا تعصين والديك ، وَإِن أمراك أَن تخلي من أهلك ودنياك فتخل ، وَلَا تتْرك صَلَاة مُتَعَمدا ، فَمن تَركهَا مُتَعَمدا بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله - عَزَّ وَجَلَّ - وَذمَّة رَسُوله ، وَلَا تشربن الْخمر ؛ فَإِنَّهُ رَأس كل خَطِيئَة . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي كتاب الْفَضَائِل مِنْهُ ؛ فِي تَرْجَمَة أُمَيْمَة مولاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ حَدِيث فِيهِ (طول) ، وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن سِنَان بن أبي فَرْوَة الرهاوي وَقد تَرَكُوهُ ، وَهَذَا السَّائِل للْوَصِيَّة إِن كَانَ أَبَا الدَّرْدَاء فَهُوَ الطَّرِيق الأول . (الطَّرِيق الثَّالِث) : من حَدِيث أم أَيمن أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مَكْحُول عَنْهَا ، ثمَّ قَالَ : فِيهِ إرْسَال ؛ مَكْحُول لم يُدْرِكهَا . وَرَوَاهُ أَحْمد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : وَلَا (تتْرك) الصَّلَاة مُتَعَمدا ؛ فَإِن من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد بَرِئت مِنْهُ ذمَّة الله (وَرَسُوله) . (الطَّرِيق الرَّابِع) : من حَدِيث معَاذ بن جبل مَرْفُوعا : من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد بَرِئت ذمَّة (الله) . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَفِي إِسْنَاده بَقِيَّة : حَالَته مَعْلُومَة ، عَن أبي بكر بن أبي مَرْيَم . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بدونهما . (الطَّرِيق الْخَامِس) : من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : أوصانا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِسبع خلال ، فَقَالَ : لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئا وَإِن قطعْتُمْ وحرقتم أَو صلبتم ، وَلَا تتركوا الصَّلَاة متعمدين ، فَمن تَركهَا مُتَعَمدا فقد خرج من الْملَّة ، وَلَا تركبوا الْمعْصِيَة ؛ فَإِنَّهَا سخط الله - تَعَالَى - وَلَا تقربُوا الْخمر ؛ فَإِنَّهَا رَأس الْخَطَايَا كلهَا ، وَلَا تَفِرُّوا من الْمَوْت أَو الْقَتْل وَإِن كُنْتُم فِيهِ وَلَا تَعْصِي والديك ، وَإِن أمراك أَن تخرج من الدُّنْيَا كلهَا فَاخْرُج ، وَلَا تضع عصاك عَن أهلك ، وأنصفهم من أهلك . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا ، وَفِي إِسْنَاده من لَا يحضرني حَاله .
الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ترك صَلَاة مُتَعَمدا فقد كفر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث رَاشد بن نجيح الْحمانِي ، عَن شهر بن حَوْشَب ، عَن أم الدَّرْدَاء ، عَن أبي الدَّرْدَاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : أَوْصَانِي خليلي (أَن لَا تشرك بِاللَّه شَيْئا وَإِن حرقت ، وَلَا أترك صَلَاة مُتَعَمدا ، فَمن تَركهَا (مُتَعَمدا) فقد كفر الحَدِيث . قَالَ الْبَزَّار : هَذَا حَدِيث لَا نعلمهُ يرْوَى عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِهَذَا اللَّفْظ (إِلَّا من) هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد . قَالَ : وَرَاشِد : لَيْسَ بِهِ بَأْس ؛ قد حدث عَنهُ غير وَاحِد ، وَشهر قد رَوَى عَنهُ النَّاس ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ ، وَاحْتَملُوا حَدِيثه . قلت : وَقد سلف الْكَلَام عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد فِي الحَدِيث قبله ، وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر سُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ ؛ فَقَالَ فِي علله يرويهِ أَبُو النَّضر هَاشم بن الْقَاسِم ، عَن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ، عَن الرّبيع بن أنس ، عَن أنس مَرْفُوعا : من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد كفر جهارًا . وَخَالفهُ ابْن الْجَعْد فَرَوَاهُ عَن أبي جَعْفَر ، عَن الرّبيع مُرْسلا ، وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ . قلت : وَله طَرِيق ثَالِث مُنكر ، ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن مُوسَى الْبَصْرِيّ ، قَالَ : لم أر فِي حَدِيثه شَيْئا (تنكره) الْقُلُوب إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا ، فَروِيَ عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : تَارِك الصَّلَاة كَافِر . وَاعْلَم أَن الإِمَام فِي نهايته وَالْغَزالِيّ فِي وسيطه وبسيطه ، وتبعهما الرَّافِعِيّ ، جعلا هَذَا الحَدِيث مُسْتَندا للصحيح من الْمَذْهَب : أَنه يقتل بترك صَلَاة وَاحِدَة نظرا إِلَى كَون الصَّلَاة مُنكرَة ، فَاعْترضَ ابنُ الصّلاح وَقَالَ : هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ لَا نعرفه ، وَقد (عَرفته أَنْت) فِي مُسْند الْبَزَّار وعلل الدَّارَقُطْنِيّ ، وَللَّه الْحَمد ، وَوَقع فِي كَلَام النَّوَوِيّ فِي خلاصته : أَنه حَدِيث مُنكر ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ ؛ قَالَ ابْن الصّلاح : وَلَكِن مُعْتَمد الْمَذْهَب مَا ثَبت من حَدِيث جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : بَين العَبْد وَبَين الْكفْر ترك الصَّلَاة . أخرجه مُسلم . وَأخرج التِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث بُرَيْدَة بن الْحصيب قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : (الْعَهْد الَّذِي بَيْننَا وَبينهمْ الصَّلَاة فَمن تَركهَا فقد كفر) قَالَ (التِّرْمِذِيّ) : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا نَعْرِف لَهُ . عِلّة . قَالَ : وَله شَاهد عَلَى شَرطهمَا فَذكره ، وَفِي التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الْإِيمَان بِإِسْنَاد صَحِيح رِجَاله رجال الصَّحِيح ، عَن [ عبد الله بن شَقِيق العقيلي ] - التَّابِعِيّ الْمُتَّفق عَلَى جلالته - قَالَ : كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يرَوْنَ من الْأَعْمَال شَيْئا تَركه كفرا غير الصَّلَاة وَذكره الْحَاكِم عَن شَقِيق ، عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ سَوَاء ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ قبل ، وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب حَدِيث الْوَادي وَحَدِيث الغابة ، وَقد سلفا فِيمَا مَضَى .
الحَدِيث السَّادِس عشر عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يبْعَث عبد الله بن رَوَاحَة خارصًا (أول) مَا تطيب الثَّمَرَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، من حَدِيث حجاج ، عَن ابْن جريج قَالَ : أخْبرت عَن ابْن شهَاب ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا قَالَت وَهِي تذكر شَأْن خَيْبَر : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يبْعَث عبد الله ابن رَوَاحَة إِلَى يهود فيخرص النّخل حِين يطيب قبل أَن يُؤْكَل مِنْهُ . وَفِي هَذَا جَهَالَة الْمخبر لِابْنِ جريج عَن ابْن شهَاب . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، أَنا ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت وَهِي تذكر شَأْن خَيْبَر : وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يبْعَث عبد الله بن رَوَاحَة إِلَى الْيَهُود فيخرص النّخل حِين تطيب [ أول ] الثَّمَرَة قبل أَن يُؤْكَل مِنْهَا ، ثمَّ يُخَيّر يهود ، يأخذونها بذلك الْخرص (أَو يدفعونها إِلَيْهِم بذلك الْخرص) وَإِنَّمَا كَانَ أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالخرص لكَي تحصى الزَّكَاة قبل أَن (تُؤْكَل) الثِّمَار وتفرق . (ثمَّ) ذكر إِسْنَاد أبي دَاوُد وَلم يذكر مَتنه ، وَهِي تَقْتَضِي إِثْبَات وَاسِطَة بَين ابْن جريج وَالزهْرِيّ . قَالَ ابْن عبد الْبر فِي استذكاره : وَقَوله : وَإِنَّمَا كَانَ أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره ، يُقَال : إِنَّه من قَول ابْن شهَاب ، وَقيل : من قَول عُرْوَة ، وَقيل : من قَول عَائِشَة .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي زَكَاة الْكَرم : (إِنَّهَا تخرص كَمَا يخرص النخل ، ثمَّ تُؤَدَّى زَكَاته زبيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاة النّخل تَمرا ) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب ، عَن عتاب بن أسيد رَضي الله عَنهُ . (أما أَبُو دَاوُد فَرَوَاهُ من حَدِيث بشر بن مَنْصُور ، عَن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عتاب بن أسيد ) قَالَ : ( أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يخرص الْعِنَب كَمَا يخرص النّخل ، وَتُؤْخَذ زَكَاته زبيبًا ، كَمَا تُؤْخَذ (صَدَقَة) النّخل تَمرا ) . وَأما التِّرْمِذِيّ فَرَوَاهُ بِإِسْنَاد الحَدِيث الَّذِي قبله - وَقد تقدم - ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن غَرِيب . وَأما النَّسَائِيّ فَإِنَّهُ رَوَاهُ من حَدِيث يزِيد بن زُرَيْع وَغَيره ، عَن عبد الرَّحْمَن - كَمَا سلف - بِلَفْظ : (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر عتاب بن أسيد (أَن) يخرص الْعِنَب ) الحَدِيث كَمَا سلف - وَعبد الرَّحْمَن هَذَا ثِقَة صَالح الحَدِيث ، كَمَا قَالَه يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد عَن أَبِيه : لَيْسَ بِهِ بَأْس . (فَقَالَ لَهُ : يَحْيَى بن سعيد يَقُول : سَأَلت عَنهُ بِالْمَدِينَةِ فَلم يحمدوه) فَسكت عَنهُ . وَرَوَى أَبُو طَالب عَنهُ قَالَ : سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق الْمَدِينِيّ فَقَالَ : رَوَى عَن أبي الزِّنَاد أَحَادِيث مُنكرَة ، وَكَانَ يَحْيَى لَا يُعجبهُ . قلت : كَيفَ هُوَ ؟ قَالَ : صَالح الحَدِيث . وَذكره ابْن حَيَّان فِي ثِقَات أَتبَاع الأتباع . وَتَابعه عبد الرَّحْمَن بن عبد الْعَزِيز (الأُمامي ) بِضَم الْهمزَة ، نِسْبَة إِلَى أبي أُمَامَة ، فَرَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيقه ، وَعبد الرَّحْمَن (هَذَا) من رجال مُسلم وَفِيه شَيْء . قلت : وَمَعَ ذَلِك فَفِيهِ انْقِطَاع بَين سعيد بن الْمسيب وعتاب بن أسيد . قَالَ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : سعيد لم يسمع من عتاب شَيْئا . وَقَالَ عبد الْبَاقِي بن قَانِع : لم يُدْرِكهُ . وَقَالَ عبد الْحق : هَذَا إِسْنَاد مُنْقَطع . وَكَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي (مُخْتَصر السّنَن) والموافقات : إِنَّه مُنْقَطع . قَالَ : وانقطاعه ظَاهر جدًّا ؛ لِأَن عتاب بن أسيد مَاتَ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ الصّديق ، ومولد سعيد بن الْمسيب فِي خلَافَة عمر ، وَقيل : كَانَ مولده سنة عشر . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الإِمَام) : هَذَا حَدِيث إِسْنَاده لَيْسَ بِمُتَّصِل ؛ فَإِن سعيد بن الْمسيب لم يدْرك عتاب بن أسيد ؛ لِأَن الْمَشْهُور فِي مولد سعيد أَنه (سنة) خمس عشرَة من الْهِجْرَة بعد وَفَاة عتاب بِسنتَيْنِ . وَقد قيل : إِن مولده بعد سنة عشْرين . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : هَذَا الحَدِيث مُرْسل ؛ لِأَن عتابًا توفّي سنة ثَلَاث عشرَة ، وَسَعِيد بن الْمسيب ولد بعد ذَلِك بِسنتَيْنِ ، وَقيل : بِأَرْبَع . قلت : وَمِمَّا يُؤَكد إرْسَال هَذَا (الحَدِيث) وانقطاعه أَن الدَّارَقُطْنِيّ أخرجه من حَدِيث الْوَاقِدِيّ بِزِيَادَة الْمسور بن مخرمَة (بَين) سعيد وعتاب . وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب ، فَقيل : إِنَّهَا حجَّة مُطلقًا . وَالأَصَح أَنَّهَا حجَّة إِذا اعتضدت بِأحد أُمُور : إِمَّا أَن يسند أَو يُرْسل من جِهَة أُخْرَى ، أَو يَقُول بِهِ بعض الصَّحَابَة ، أَو أَكثر الْعلمَاء ، وَقد وجد ذَلِك هُنَا ؛ فقد أجمع الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ عَلَى وجوب الزَّكَاة فِي التَّمْر وَالزَّبِيب . وَخَالف ابْن حبَان فَذكر الحَدِيث فِي (صَحِيحه) من طَرِيق ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه : ( الْكَرم يخرص كَمَا يخرص النّخل ثمَّ (تُؤْخَذ) زَكَاته زبيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاة النّخل تَمرا ) . وَمن شَرطه الِاتِّصَال ، كَمَا ذكره فِي خطْبَة (صَحِيحه) . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عَلّي سعيد بن عُثْمَان بن السكن : لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وَجه غير هَذَا ، وَهَكَذَا رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد (أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر عتابًا) وَلم (يقل) : عَن عتاب . ويحكى أَن أَبَا حَاتِم وَأَبا زرْعَة سئلا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَا : هُوَ خطأ . قَالَ أَبُو حَاتِم : وَالصَّحِيح عَن سعيد أَنه مُرْسل . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَعبد الله بن نَافِع ، وَكِلَاهُمَا فِي غَايَة الضعْف . ( وَمن طَرِيق مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، وَهُوَ فِي غَايَة الضعْف ) وَمن طَرِيق عبد الْملك بن حبيب الأندلسي ، عَن أَسد بن مُوسَى - وَهُوَ مُنكر الحَدِيث - عَن نصر بن طريف ، وَهُوَ (أَبُو جُزْء ) ، وَهُوَ سَاقِط الْبَتَّةَ ، كلهم يذكر عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عتاب (أَنه أَمر بخرص الْعِنَب) وَسَعِيد لم يُولد إِلَّا بعد موت عتَّاب بِسنتَيْنِ ، وعتاب لم يوله النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إلاَّ مَكَّة ، وَلَا زرع بهَا ، وَلَا عِنَب . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ فِي آخر هَذَا الحَدِيث : ( ثمَّ ينجلي بَينه وَبَين أَهله ) . قلت : وَهَذِه الراوية غَرِيبَة لَا أعلم من خرجها بعد الْبَحْث عَنْهَا .
الحَدِيث الحادي عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَمَا سقِِي بنضح أَو غرب فَفِيهِ نصف الْعشْر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، من حَدِيث الْحَارِث الْأَعْوَر ، عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَلَفظه : وَمَا سقِِي بالغرب فَفِيهِ نصف الْعشْر . والْحَارث مُخْتَلف فِيهِ ، مِنْهُم من وَثَّقَهُ ، وَبَعْضهمْ كذبه . وَرَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي مُسْند أَبِيه : حَدثنِي عُثْمَان بن أبي شيبَة ، نَا جرير ، عَن مُحَمَّد بن سَالم ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر ، وَمَا سقِِي بالغرب والدالية فَفِيهِ نصف الْعشْر . قَالَ عبد الله : فَحدثت أبي بِحَدِيث عُثْمَان ، عَن جرير ؛ فَأنكرهُ (أبي) جدًّا ، وَكَانَ أبي لَا يحدثنا عَن مُحَمَّد بن سَالم ؛ لضَعْفه عِنْده لنكارة حَدِيثه . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَاصِم ، عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَنه قَالَ : مَا (سقت) السَّمَاء فَمن كل عشرَة وَاحِد ، وَمَا سقِِي بالغرب فَمن كل عشْرين وَاحِد . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَن أبي مُطِيع الْبَلْخِي ، عَن أبي حنيفَة ، عَن أبان بن أبي عَيَّاش ، عَن رجل ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر ، وَفِيمَا سقِِي بنضح أَو غرب نصف الْعشْر ، فِي قَلِيله وَكَثِيره . قَالَ : وَهَذَا إِسْنَاد لَا يُسَاوِي شَيْئا ، أما أَبُو مُطِيع فَقَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَحْمد : لَا يَنْبَغِي أَن يروي عَنهُ شَيْئا . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : تركُوا حَدِيثه . وَأما أبان فَكَانَ ( شُعْبَة ) يَقُول : لِأَن أزني أحب إليَّ من أَن أحدث عَنهُ . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث عَاصِم عَن عَلّي مَرْفُوعا ، السالف عَن رِوَايَة عبد الله بن أَحْمد : فِيمَا سقت السَّمَاء الْعشْر ، وَمَا سقِِي بالغرب والدالية نصف الْعشْر فَقَالَ : يرويهِ أَبُو إِسْحَاق ، وَاخْتلف عَنهُ ، فرفعه ( ابْن) سَالم (الْعَبْسِي) أَبُو سهل ، وَهُوَ ضَعِيف ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عَلّي ، مَرْفُوعا . وَوَقفه الثَّوْريّ ، عَن (أبي) إِسْحَاق . قَالَ : وَالصَّحِيح مَوْقُوف ، قَالَ : وَأنكر أَحْمد بن حَنْبَل حَدِيث مُحَمَّد بن سَالم ، وَقَالَ : أرَاهُ مَوْضُوعا . قلت : وَأَشَارَ الْبَزَّار إِلَى أَن مُحَمَّد بن سَالم (لم) يتفرد بِرَفْعِهِ ، ثمَّ ذكر بعده طَريقَة الْوَقْف (عَلَى) عليٍّ وَلَفظه فِي الْمَرْفُوع : فِيمَا سقت السَّمَاء (أَو) كَانَ (فتحا) فَفِيهِ الْعشْر ، وَمَا سقِِي بالغرب فَفِيهِ نصف الْعشْر . وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، مَرْفُوعا : وَعَلَى مَا سَقَى الغرب نصف الْعشْر . فَائِدَة : الغرْب بِسُكُون الرَّاء الدَّلْو الْعَظِيمَة الَّتِي تتَّخذ من جلد ثَوْر ، فَإِذا فتحت الرَّاء فَهُوَ المَاء السَّائِل من الْبِئْر والحوض ؛ قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ وَابْن الْأَثِير ، وَحَكَى المطرزي عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه يُقَال للدلو الْكَبِيرَة الغرب ، وَقَالَ ابْن سَيّده عَن يَعْقُوب : الغرب : الدَّلْو الْعَظِيمَة من مسك ثَوْر يسنو بهَا الْبَعِير . وَقَالَ عَن غَيره : هُوَ (ذكر) ، وَالْجمع غرُوب . وَقَالَ (عَن) صَاحب الْعين : الغرب الراوية .
الحَدِيث الثَّالِث عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : وَقت وجوب الصَّدَقَة فِي النّخل وَالْكَرم : الزهو ، وَهُوَ بَدو الصّلاح ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ حِينَئِذٍ بعث الخارص للخرص . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ذكره بعد من حَدِيث عَائِشَة ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ ، وَبَعثه الخارص للخرص مرويٌّ من طرق : أَحدهَا : من حَدِيث ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بعث عبد الله بن رَوَاحَة إِلَى خَيْبَر يخرص عَلَيْهِم ثمَّ خَيرهمْ أَن يَأْخُذُوا أَو يردوا ، فَقَالُوا : هَذَا الْحق ؛ بِهَذَا قَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، عَن وَكِيع ، نَا الْعمريّ ، عَن نَافِع عَنهُ بِهِ . ثَانِيهَا : من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ؛ قَالَ : (أَفَاء) الله خَيْبَر عَلَى رَسُوله فأقرهم ، وَجعلهَا بَينه وَبينهمْ ، فَبعث عبد الله بن رَوَاحَة فخرصها عَلَيْهِم ، ثمَّ قَالَ : يَا معشر يهود أَنْتُم أبْغض الْخلق إليَّ ؛ قتلتم أَنْبيَاء الله ، وكذبتم عَلَى الله ، وَلَيْسَ يحملني (بغضي) إيَّاكُمْ أَن أحيف عَلَيْكُم ، قد خرصت عشْرين ألف وسق من تمر ، فَإِن شِئْتُم فلكم ، وَإِن (أَبَيْتُم) فلي . قَالُوا : بِهَذَا قَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، قد أخذناها . قَالَ : فاخرجوا (عَنْهَا) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، كَذَلِك ، وَأَبُو دَاوُد بِنَحْوِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَرِجَال إِسْنَاده كلهم ثِقَات . ثَالِثهَا : من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِمثلِهِ . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث جَعْفَر بن برْقَان ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس (بِهِ) . رَابِعهَا : من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (بَعثه) خارصًا ، فجَاء رجل إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن أَبَا حثْمَة قد زَاد عليَّ فِي الْخرص . فَدَعَاهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِن ابْن عمك زعم أَنَّك زِدْت عَلَيْهِ فِي الْخرص فَقلت : يَا رَسُول الله ، لقد تركت لَهُ قدر خرفة أَهله وَمَا يطعم الْمَسَاكِين . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قد زادك ابْن عمك وأنصف . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه كَذَلِك . خَامِسهَا : من حَدِيث عَتاب (بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ثمَّ مثناة فَوق) ابن أَسيد - بِفَتْح الْهمزَة - أَمِير مَكَّة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يبْعَث عَلَى النَّاس من يخرص [ عَلَيْهِم ] كرومهم وثمارهم . رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن الزبير بن بكار ، عَن عبد الله بن نَافِع الصَّائِغ - وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَفِيه لين - عَن مُحَمَّد بن صَالح - هُوَ التمار ، قَالَ أَحْمد : ثِقَة ثِقَة . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : شيخ لَيْسَ بِالْقَوِيّ - عَن ابْن شهَاب ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عتاب بِهِ . وَرَوَاهُ كَذَلِك التِّرْمِذِيّ إِسْنَادًا ومتنًا ، (ثمَّ) قَالَ : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن حَدِيث عَائِشَة - يَعْنِي الْآتِي - فَقَالَ : حَدِيث عتاب أثبت وَأَصَح . وَذكر أَبُو دَاوُد إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث دون مَتنه محيًلا لَهُ عَلَى مَا قبله . قَالَ عبد الْحق : وَهُوَ حَدِيث مُنْقَطع وَلَا يتَّصل من وجهٍ صَحِيح . قلت : (لِأَن) (سعيد) بن الْمسيب لم يسمع من عتاب بن أسيد - كَمَا ستعلمه فِي الحَدِيث الْآتِي بعد ، إِن شَاءَ الله - وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه ، وَمن شَرطه الِاتِّصَال .
الْأَثر الرَّابِع : عَن ( ابْن) عمر ، مثله . وَهَذَا الْأَثر أسلفناه فِي آخر الحَدِيث الْخَامِس عَن حِكَايَة (ابْن) الْمُنْذر ، وَقد أسلفناه مَرْفُوعا من حَدِيثه وضعفناه .
وَأما آثاره فسبعة : الأول : عَن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَغَيره : فِي الزَّيْتُون الْعشْر . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَقَالَ : إِسْنَاده مُنْقَطع ، وَرَاوِيه لَيْسَ بِقَوي . رَوَاهُ من جِهَة الْوَلِيد - يَعْنِي : ابْن مُسلم - أَخْبرنِي عُثْمَان بن عَطاء ، عَن أَبِيه عَطاء الْخُرَاسَانِي أَن عمر بن الْخطاب لما قدم الْجَابِيَة رفع إِلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنهم اخْتلفُوا فِي عشر الزَّيْتُون ، فَقَالَ عمر : فِيهِ الْعشْر إِذا بلغ خَمْسَة أوسق حبه ، عصره وَأخذ عشر زيته . وَمُرَاد الْبَيْهَقِيّ بالانقطاع بَين عَطاء الْخُرَاسَانِي (وَعمر) ، وَقَوله : (وَرَاوِيه) لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، يُرِيد : عُثْمَان بن عَطاء ؛ فَإِنَّهُم ضَعَّفُوهُ ، وَقد نبه عَلَى ذَلِك صَاحب الإِمَام ، وَعبارَته فِي الْمعرفَة - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ - : وَرَاوِيه (ضَعِيف) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَصَح مَا رُوِيَ فِي الزَّيْتُون قَول ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ : مَضَت السّنة فِي زَكَاة الزَّيْتُون أَن تُؤْخَذ مِمَّن عصر زيتونه حِين يعصره ، فِيمَا سقت السَّمَاء [ والأنهار ] أَو كَانَ بعلاً الْعشْر ، وَمَا سقِِي برشاء الناضح نصف الْعشْر . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَهَذَا مَوْقُوف لَا نعلم اشتهاره فَلَا يحْتَج بِهِ عَلَى الصَّحِيح . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَحَدِيث معَاذ بن جبل وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَعلَى وَأولَى أَن يُؤْخَذ بِهِ . يَعْنِي : روايتهما أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهما لما بعثهما إِلَى الْيمن : لَا تأخذا الصَّدَقَة إِلَّا من هَذِه الْأَرْبَعَة : الْحِنْطَة ، وَالشعِير ، وَالتَّمْر ، وَالزَّبِيب . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : الْبَيْهَقِيّ لَا يَقُول بِمُقْتَضَاهُ فِي الِاقْتِصَار عَلَى هَذِه (الْأَجْنَاس) الْأَرْبَعَة . وَقَول الرَّافِعِيّ عَن ابْن عمر وَغَيره : إِن فِي الزَّيْتُون الْعشْر لَعَلَّه أَشَارَ بقوله : وَغَيره إِلَى قَول ابْن شهَاب : إِن فِيهِ الْعشْر . (رَوَاهُ) الْبَيْهَقِيّ ، أَو إِلَى قَوْله : مَضَت السّنة إِلَى آخِره . وَذكره صَاحب الْمُهَذّب من قَول ابْن عَبَّاس أَيْضا ، وَلَا يحضرني من خرجه . (وَقَالَ) النَّوَوِيّ : إِنَّه ضَعِيف .
الْأَثر السَّابِع : عَن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه فتح سَواد الْعرَاق ، وَوَقفه عَلَى الْمُسلمين وَضرب عَلَيْهِ خراجًا . وَهَذَا الْأَثر سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَابه - إِن شَاءَ الله - فَإِنَّهُ أليق بِهِ .
الْأَثر الثَّالِث : عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : لَيْسَ فِي الْعَسَل زَكَاة . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث حُسَيْن بن زيد ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن عَلّي بِهِ . وحسين هَذَا فِي حَدِيثه بعض (النكرَة) ، كَمَا قَالَه ابْن عدي .
الْأَثر السَّادِس : أَن أَبَا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَيْضا كَانَ يَأْخُذ الزَّكَاة من القرطم . وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه عَنهُ أَيْضا .
الْأَثر الثَّانِي : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَنقل فِي الْقَدِيم أَنه يجب فِيهِ الزَّكَاة إِن صَحَّ حَدِيث أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنه كتب إِلَى بني خفاش أَن أَدّوا زَكَاة الذّرة والورس . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي بِنَحْوِهِ وَضَعفه ؛ فَقَالَ : أَخْبرنِي هِشَام بن يُوسُف أَن أهل خُفَّاش أخرجُوا كتابا من أبي بكر الصّديق فِي قِطْعَة أَدِيم إِلَيْهِم ، يَأْمُرهُم بِأَن يؤدوا عشر الورس . قَالَ الشَّافِعِي : وَلَا أَدْرِي أثابت هَذَا ، وَهُوَ يعْمل بِهِ بِالْيمن ، فَإِن كَانَ ثَابتا عشر قَلِيله وَكَثِيره . قَالَ (الْبَيْهَقِيّ) : لم يثبت فِي هَذَا إِسْنَاد تقوم (بِمثلِهِ) حجَّة ، وَالْأَصْل أَن لَا وجوب ، فَلَا يُؤْخَذ من غير مَا ورد بِهِ خبر صَحِيح ، أَو كَانَ فِي غير (مَعْنَى) مَا ورد بِهِ خبر صَحِيح . وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب (اتِّفَاق) الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الْأَثر ، وَأَن الْأَصْحَاب فِي كتب (الْمَذْهَب) أطبقوا عَلَى تَضْعِيفه . فَائِدَة : خُفَّاش بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء الْمُشَدّدَة ، وَغلط من ضَبطه بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : الصَّوَاب الأول ، وَهَذَا غلط ، والورس (شجر) مَعْرُوف يصْبغ بِهِ .
الْأَثر الْخَامِس : أَن أَبَا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَانَ يَأْخُذ الزَّكَاة مِنْهُ . وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه عَنهُ .
الحَدِيث السَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث عبد الله بن رَوَاحَة خارصًا . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا ، سَابِقًا ولاحقًا ، مُسْتَوفى وَاضحا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَنه بعث مَعَه غَيره ، فَيجوز أَن يكون ذَلِك فِي وَقْتَيْنِ ، وَيجوز أَن يكون الْمَبْعُوث مَعَه معينا أَو كَاتبا . قلت : بَعثه (مَعَه) غَيره غَرِيب ، وَإِن كَانَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام خُرَّاص غَيره ؛ إِذْ فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير من حَدِيث جَابر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يبْعَث رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ : فَرْوَة بن عَمْرو ، فيخرص ثَمَرَة أهل الْمَدِينَة . وَفِي إِسْنَاده حرَام بن عُثْمَان ، وَالرِّوَايَة عَنهُ حرَام ، وَفِيه أَيْضا من حَدِيث رَافع بن خديج أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يبْعَث فَرْوَة بن عَمْرو يخرص النّخل ، فَإِذا دخل الْحَائِط حسب مَا فِيهِ من الأقناء ، ثمَّ ضرب بَعْضهَا عَلَى بعض عَلَى مَا يرَى فِيهَا وَلَا يُخطئ وَفِي إِسْنَاده إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة ، وَهُوَ مَتْرُوك ، وَفِيه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ : إِنَّمَا خرص عبد الله بن رَوَاحَة عَلَى أهل خَيْبَر عَاما وَاحِدًا ، ثمَّ إِن (جَبَّار) بن صَخْر كَانَ يَبْعَثهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعد ابْن رَوَاحَة فيخرص عَلَيْهِم . وَرَوَى ابْن مَنْدَه (من) حَدِيث مُحَمَّد بن [ مغيث ] الجرشِي - وَلَا أعرفهُ - عَن الصَّلْت بن زبيد بن الصَّلْت الْمدنِي ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اسْتَعْملهُ عَلَى الْخرص ، فَقَالَ : أثبت لنا النّصْف وأبق لَهُم النّصْف ؛ فَإِنَّهُم يسرقون وَلَا يصل إِلَيْهِم . وَقد أسلفنا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث سهل بن أبي حثْمَة خارصًا أَيْضا ، وَفِي شرح التَّعْجِيز لمصنفه أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَهُ خراص معينون : حويصة ومحيصة وفروة وَغَيرهم .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا خرصتم فاتركوا لَهُم الثُّلُث ، فَإِن لم تتركوا لَهُم الثُّلُث فاتركوا (لَهُم) الرّبع . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : إِذا خرصتم فَخُذُوا ودعوا الثُّلُث ، فَإِن لم تدعوا الثُّلُث فدعوا الرّبع . وَلَفظ أَحْمد كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ : فَإِن لم تدعوا فدعوا الرّبع . وَلَفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان : جَاءَ سهل بن أبي حثْمَة إِلَى مَجْلِسنَا ، فَقَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا خرصتم فَخُذُوا ودعوا الثُّلُث ، فَإِن لم تدعوا (أَو تَجدوا) الثُّلُث فدعوا الرّبع . وللنسائي أَيْضا وَالْحَاكِم : فَإِن لم تَأْخُذُوا أَو تدعوا - شكّ (شُعْبَة) - فدعوا الرّبع . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم فِي الْخرص ، وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قَالَ : وَله شَاهد بِإِسْنَاد مُتَّفق عَلَى صِحَّته ؛ أَن عمر بن الْخطاب أَمر بِهِ . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى سهل بن أبي حثْمَة أَن عمر بن الْخطاب بَعثه عَلَى خرص التَّمْر ، وَقَالَ : إِذا أتيت أَرضًا فاخرصها ودع لَهُم قدر مَا يَأْكُلُون . وَأما ابْن الْقطَّان فَقَالَ : فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود بن (نيار ) ، قَالَ الْبَزَّار : لم يروه عَن سهل إِلَّا هُوَ ، وَهُوَ مَعْرُوف . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا غير كَاف فِيمَا يَنْبَغِي من عَدَالَته فكم من مَعْرُوف غير ثِقَة ، وَالرجل لَا يعرف لَهُ حَال وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا ، وَلم يزدْ ذاكروه عَلَى مَا أخذُوا من هَذَا الْإِسْنَاد من رِوَايَته عَن سهل وَرِوَايَة خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ ، وَلم يتَعَرَّض التِّرْمِذِيّ لهَذَا الحَدِيث بقولٍ ، لَا تَصْحِيح وَلَا تَحْسِين ، وَلَا تسقيم ذَلِك . قَالَ : وَسَهل لَا يبعد أَن يكون سمع هَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ لَيْسَ من يضْبط ، وَلَعَلَّه سمع ذَلِك آخر حَيَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُوله لِأَبِيهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ خارص رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَو لغيره ، وَقد جَاءَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ أَنه بَعثه خارصًا لَكِن بسندٍ فِيهِ مَجَاهِيل ، أَو أَنه تَصْحِيف وَصَوَابه (أَنه) بعث أَبَاهُ . قلت : عبد الرَّحْمَن هَذَا وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان ، فَإِنَّهُ ذكره فِي ثقاته ، وَأخرج الحَدِيث فِي صَحِيحه من جِهَته ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم صحّح إِسْنَاده ، فقد عرف حَاله كَمَا قَالَه الْبَزَّار ، وَللَّه الْحَمد . وَقَول النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود بن نيار الرَّاوِي عَن سهل بن أبي حثْمَة ، فَلم يتكلموا فِيهِ بِجرح وَلَا تَعْدِيل ، وَلَا هُوَ مَشْهُور ، وَلم (يُضعفهُ) أَبُو دَاوُد . فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ من كَونه ثِقَة . وَقَول صَاحب الْإِلْمَام بعد أَن نقل تَصْحِيحه عَن الْحَاكِم : فِيمَا قَالَ نظر . مُرَاده بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ عَن ابْن الْقطَّان ، فَإِنَّهُ نَقله عَنهُ فِي كتاب الإِمَام وَأقرهُ عَلَيْهِ ، وَقد عرفت مَا فِيهِ . فَائِدَة : قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : لهَذَا الحَدِيث مَعْنيانِ : أَحدهمَا : أَن يتْرك الثُّلُث أَو الرّبع من الْعشْر . وَثَانِيهمَا : أَن يتْرك ذَلِك من نَفْس التَّمْر قبل أَن يعشر إِذا كَانَ ذَلِك حَائِطا كَبِيرا يحْتَملهُ . وَقَالَ الشَّافِعِي : مَعْنَاهُ يدع ثلث الزَّكَاة أَو ربعهَا ليفرقها هُوَ بِنَفسِهِ عَلَى أَقَاربه وجيرانه . وَقَالَ فِي الْأُم : (مَعْنَاهُ) يدع لَهُ ولأهله قدر مَا يَأْكُلُون وَلَا يخرصه . وَمُقْتَضَى هَذَا أَنه إِذا احْتَاجَ وَأَهله إِلَى الْجَمِيع أَنه يتْرك الْجَمِيع . وَقد حَكَاهُ كَذَلِك الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه . (هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه) .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرص حديقة امْرَأَة بِنَفسِهِ . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : غزونا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَزْوَة تَبُوك ، فَلَمَّا (جَاءَ) وَادي الْقرى إِذا امْرَأَة فِي حديقة لَهَا فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لأَصْحَابه) : اخرصوا . وخرص النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عشرَة أوسق ، فَقَالَ لَهَا : أحصي مَا يخرج مِنْهَا ثمَّ ذكر الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ : فَلَمَّا أَتَى وَادي الْقرى قَالَ للْمَرْأَة : كم (جَاءَ) حديقتك ؟ قَالَت : عشرَة أوسق خرص رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
بَاب زَكَاة المعشرات ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فثمانية عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول عَن معَاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِيمَا سقت السَّمَاء والبعل والسيل الْعشْر ، وَفِيمَا سقِِي بالنضح نصف الْعشْر يكون ذَلِك فِي التَّمْر وَالْحِنْطَة والحبوب ، فَأَما القثاء والبطيخ وَالرُّمَّان والقصب والخضروات فعفو ، عَفى عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ، كَمَا (سقناه) الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من حَدِيث (ابْن) نَافِع ، قَالَ : حَدثنِي إِسْحَاق بن يَحْيَى بن طَلْحَة ، عَن عَمه مُوسَى (بن طَلْحَة) ، عَن معَاذ بِهِ . والرافعي لم يذكرهُ كَذَلِك ، وَإِنَّمَا قَالَ : تجب الزَّكَاة فِي الأقوات ، وعدَّد جملَة مِنْهَا ، ثمَّ قَالَ : إِنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ أَخذ الزَّكَاة فِي كثير مِنْهَا ، وَألْحق الْبَاقِي بِهِ لشُمُوله مَعْنَى الاقتيات فَذكرت لَك الحَدِيث برمتِهِ . وَابْن نَافِع هَذَا هُوَ عبد الله بن نَافِع (الصَّائِغ ) ، وَهُوَ ثِقَة من فرسَان مُسلم وَلينه جماعات ، وَإِسْحَاق بن يَحْيَى بن طَلْحَة مَتْرُوك ، كَمَا قَالَه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ . ثمَّ فِيهِ انْقِطَاع أَيْضا ؛ لِأَن مُوسَى بن طلحة لم يُدْرِكهُ كَمَا ستعلمه بَعْدُ وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه فِي مُسْتَدْركه (بِالْإِسْنَادِ) الْمَذْكُور (ثمَّ) قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور . نعم ذكر شَاهدا من حَدِيث أبي مُوسَى ومعاذ ، وَسَيَأْتِي ، ثمَّ قَالَ : هَذَا شَاهد صَحِيح . وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة - أحد الهلكى - عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبيد ، عَن عِيسَى بن طَلْحَة ، عَن معَاذ أَنه كتب إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يسْأَله عَن الخضروات ، (وَعَن) الْبُقُول ؟ فَقَالَ : لَيْسَ فِيهَا شَيْء . (ثمَّ) قَالَ : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح ، وَلَيْسَ يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي هَذَا الْبَاب شَيْء - يعْني فِي الخضروات - وَالْحسن بن عمَارَة ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، ضعفه شُعْبَة وَغَيره ، وَتَركه ابْن الْمُبَارك ، وَإِنَّمَا يرْوَى عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا . وَقَالَ ابْن حزم : ذكرُوا آثاًرا فِي إِيجَاب الزَّكَاة فِي (الزَّبِيب) لَيْسَ مِنْهَا شَيْء يَصح ، مِنْهَا حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة عندنَا كتاب معَاذ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير ثمَّ (قَالَ) هَذَا مُنْقَطع ؛ لِأَن مُوسَى بن طَلْحَة لم يدْرك معَاذًا (يَعقله) .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الصَّدَقَة فِي أَرْبَعَة : فِي التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير ، وَلَيْسَ فِيمَا سواهَا صَدَقَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وخلافياته من حَدِيث ( أبي) بُرْدَة ، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، ومعاذ بن جبل ، رضي الله عَنهُمَا ، حِين بعثهما رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، يعلمَانِ النَّاس أَمر دينهم : لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَة (إِلَّا) من هَذِه الْأَرْبَعَة : الشّعير ، وَالْحِنْطَة ، وَالتَّمْر ، وَالزَّبِيب . قَالَ الْحَاكِم : إِسْنَاده صَحِيح . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : رُوَاته ثِقَات ، وَهُوَ مُتَّصِل . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث مُوسَى ابن طَلْحَة ، عَن عمر بن الْخطاب ؛ قَالَ : إِنَّمَا سنّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الزَّكَاة فِي هَذِه الْأَرْبَعَة : فِي الْحِنْطَة ، وَالشعِير ، وَالزَّبِيب ، وَالتَّمْر . وَمن حَدِيث الْعَرْزَمِي - وَهُوَ واه - عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سُئِلَ عبد الله بن عَمْرو عَن الْجَوْهَر والدر والفصوص والخرز ، وَعَن نَبَات الأَرْض ؛ البقل والقثاء وَالْخيَار ، فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْحجر زَكَاة ، وَلَيْسَ فِي الْبُقُول زَكَاة ، إِنَّمَا سنّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب . (وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا ؛ وَهَذَا لَفظه : عَن جده عبد الله بن (عَمْرو ) قَالَ : إِنَّمَا سنّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الزَّكَاة فِي هَذِه الْخَمْسَة : فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب) والذرة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة ؛ قَالَ : عندنَا كتاب معَاذ بن جبل عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه أَيْضا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث قد احْتج بِجَمِيعِ (رُوَاته) . قَالَ : (و) مُوسَى بن طَلْحَة تَابِعِيّ كَبِير (لَا) يُنكر لَهُ (أَنه) يدْرك أَيَّام معَاذ . وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام ؛ فَقَالَ بعد أَن نقل عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِيهِ : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَزعم أَن مُوسَى بن طَلْحَة تَابِعِيّ كَبِير لَا يُنكر أَن يدْرك أَيَّام (معَاذ) : وَفِيمَا قَالَ نظر كَبِير ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث مُوسَى أَنه قَالَ : عندنَا كتاب معَاذ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه إِنَّمَا أَخذ الصَّدَقَة من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر وَهَذَا يشْعر أَنه كتاب ، وَذكر أَبُو زرْعَة أَن مُوسَى عَن عمر مُرْسل ؛ فَإِن كَانَ لم يدْرك (عمر فَلم يدْرك) معَاذًا . وَقَالَ فِي الإِمَام : فِي قَول الْحَاكِم نظر - أَعنِي فِي الِاتِّصَال مَا بَين مُوسَى ومعاذ - وَقد ذكرُوا فِي وَفَاة مُوسَى (أَنَّهَا) كَانَت فِي سنة ثَلَاث وَمِائَة وَقيل : أَربع . قلت : وَأما ابْن عبد الْبر فَقَالَ فِي استذكاره : لم يلق معَاذًا وَلَا أدْركهُ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعد تَخْرِيجه : رَوَى هَذَا الحَدِيث عبد الله بن الْوَلِيد الْعَدنِي ، عَن سُفْيَان ، وَزَاد فِيهِ : قَالَ : بعث الْحجَّاج بمُوسَى بن الْمُغيرَة عَلَى الْخضر والسواد ، فَأَرَادَ أَن يَأْخُذ من الْخضر الرطاب والبقول ، فَقَالَ مُوسَى بن طَلْحَة : عندنَا كتاب معَاذ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه أمره أَن يَأْخُذ من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب . قَالَ : فَكتب إِلَى الْحجَّاج فِي ذَلِك ، فَقَالَ : صدق وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِن مُوسَى بن طَلْحَة أعلم من مُوسَى بن الْمُغيرَة . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن مُجَاهِد ؛ قَالَ : لم تكن الصَّدَقَة فِي عهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا فِي خَمْسَة (أَشْيَاء) : الْحِنْطَة ، وَالشعِير ، وَالتَّمْر ، وَالزَّبِيب ، والذرة . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن قَالَ : لم يفْرض النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا فِي عشرَة أَشْيَاء : الْإِبِل ، وَالْبَقر ، وَالْغنم ، وَالذَّهَب ، وَالْفِضَّة ، وَالْحِنْطَة ، وَالشعِير ، وَالتَّمْر ، وَالزَّبِيب قَالَ ابْن عُيَيْنَة : أرَاهُ قَالَ - والذرة . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْحسن ؛ قَالَ : لم يَجْعَل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الصَّدَقَة إِلَّا فِي عشرَة فَذَكرهنَّ ، وَذكر (فِيهِنَّ) السُلت وَلم يذكر : الذّرة . وَفِيه ( عَمْرو) بن عبيد ، رَأس الاعتزال ، الْمَتْرُوك . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن الشّعبِيّ ؛ قَالَ : كتب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أهل الْيمن : إِنَّمَا الصَّدَقَة فِي الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب . ثمَّ رَوَى أَيْضا حَدِيث معَاذ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث الأول ، ثمَّ قَالَ : هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا مَرَاسِيل ، إِلَّا (أَنَّهَا) من طرق مُخْتَلفَة فيؤكّد بَعْضهَا بَعْضًا ، وَمَعَهَا حَدِيث أبي مُوسَى ، وَمَعَهَا قَول بعض الصَّحَابَة ؛ كَقَوْل عمر : لَيْسَ فِي الخضروات صَدَقَة ، (وَقَول عَلّي : لَيْسَ فِي الخضروات [ والبقول ] صَدَقَة ) وَقَول عَائِشَة فِيمَا ذكرت أَن السّنة جرت بِهِ : وَلَيْسَ فِيمَا أنبتت الأَرْض من الخضروات زَكَاة ، وَقَول عَطاء : لَا صَدَقَة إِلَّا فِي نخل (أَو) عِنَب أَو حب ، وَلَيْسَ فِي شَيْء من (الْخضر) بعد [ و] الْفَوَاكِه كلهَا صَدَقَة .
الحَدِيث الثَّالِث قَالَ الرَّافِعِيّ : هَذَا الْخَبَر - يَعْنِي الْمَذْكُور قبله - يَنْفِي الزَّكَاة فِي غير الْأَرْبَعَة ، لَكِن ثَبت أَخذ الصَّدَقَة من الذّرة وَغَيرهَا بِأَمْر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أما أَخذ الذّرة فقد سلف فِي الحَدِيث قبله ، من حَدِيث الْحسن وَمُجاهد ، وهما مرسلان ، وَمَعَ ذَلِك فَفِي إِسْنَاد حَدِيث الْحسن : عَمْرو بن عبيد ، الْمَتْرُوك ، كَمَا سلف . وَفِي إِسْنَاد حَدِيث مُجَاهِد : خصيف الْجَزرِي ، وَهُوَ مُخْتَلف (فِيهِ) ، وَسلف أَيْضا (فِي) حَدِيث عبد الله بن (عَمْرو) وَهُوَ ضَعِيف كَمَا سلف فِي الحَدِيث قبله . وَأما غير الذّرة ، مَا عدا الْأَرْبَعَة ، فقد سلف فِي الحَدِيث قبله أَيْضا : السُلت ، وَهُوَ مُرْسل . إِذا علمت ذَلِك فَفِي قَول الرَّافِعِيّ إِذن : ثَبت أَخذ الصَّدَقَة من الذّرة وَغَيرهَا بِأَمْر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ نظر .
الحَدِيث الرَّابِع عَن معَاذ (بن جبل ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه [ لم يَأْخُذ ] زَكَاة الْعَسَل ، وَقَالَ : لم يَأْمُرنِي فِيهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِشَيْء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث طَاوس عَن معَاذ أَنه أُتِي بوقص الْبَقر (وَالْعَسَل) ، فَقَالَ معَاذ : كِلَاهُمَا لم يَأْمُرنِي فِيهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِشَيْء . قلت : وَهَذَا مُرْسل ؛ طَاوس لم يدْرك معَاذًا كَمَا سلف فِي الحَدِيث السَّادِس من بَاب زَكَاة النعم .
الحَدِيث الْخَامِس ورد فِي الْخَبَر عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي أَخذ الزَّكَاة من الْعَسَل . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ورد فِي عدَّة أَخْبَار ؛ (أَحدهَا) : خبر ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِي الْعَسَل فِي كل عشرَة أزق زق . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، من حَدِيث عَمْرو بن أبي سَلمَة التنيسِي ، عَن صَدَقَة بن عبد الله ، عَن مُوسَى بن يسَار ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر (بِهِ) كَذَلِك . وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : أزقاق بدل أزق . وَصدقَة هَذَا هُوَ السمين ، وَهُوَ ضَعِيف ، وَقد سلف حَاله فِي كتاب الطَّهَارَة فِي أثر عمر فِي المشمس . وَعَمْرو هَذَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَإِن ضعفه ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم . وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد (بن) يُوسُف ، عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة ، عَن زُهَيْر بن مُحَمَّد ، عَن مُوسَى بن يسَار ؛ قَالَ ابْن حبَان : إِسْمَاعِيل هَذَا يقلب الْأَسَانِيد ، وَيسْرق الحَدِيث لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . قَالَ يَحْيَى بن معِين : وَعَمْرو بن أبي سَلمَة وَزُهَيْر ضعيفان . وعلَّل ابْن الْجَوْزِيّ هَذِه الطَّرِيقَة بِهَذَا ، وَقَالَ فِي علله : إِنَّهَا لَا تصح لأجل ذَلِك . وَزُهَيْر هَذَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَفِيه لين . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بعد أَن أخرجه : هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده مقَال ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي هَذَا (الْبَاب) كَبِير شَيْء ، وَصدقَة لَيْسَ بحافظ ، وَقد خُولِفَ فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن نَافِع . وَقَالَ فِي علله : سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ ؟ فَقَالَ : (هُوَ) عَن نَافِع ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسل . وَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ هَكَذَا صَدَقَة ، وَهُوَ ضَعِيف ، قد ضعفه أَحْمد وَيَحْيَى وَغَيرهمَا . ثَانِيهَا : خبر عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، قَالَ : جَاءَ هِلَال - أحد بني مُتعَانَ - إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعشور (نحلٍ) لَهُ ، قَالَ : وَسَأَلَهُ أَن يحمي وَاديا يُقَال لَهُ سَلبَهْ ، فحمى لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذَلِك الْوَادي ، فَلَمَّا تولى عمر بن الْخطاب كتب سُفْيَان بن وهب إِلَى عمر بن الْخطاب (يسْأَله) عَن ذَلِك ، فَكتب عمر : إِن أَدَّى إِلَيْك مَا كَانَ (يُؤَدِّي) إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من عشور (نحله) فَاحم لَهُ سَلبَه ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا هُوَ ذُبَاب غيث يَأْكُلهُ من يَشَاء . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وسَلبه بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَاللَّام (مَعًا) ، كَمَا قَيده الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : إِن شَبابَة - بطن من فهم فَذكر نَحوه ، وَقَالَ : فِي (كل) عشر قرب قربَة وَقَالَ سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ : وَكَانَ يحمي لَهُم واديين زَاد : فأدوا إِلَيْهِ مَا كَانُوا يؤدون إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحمى لَهُم (وَادِيهمْ )) . وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عَمْرو . وَهَذِه التَّرْجَمَة ، وَهِي عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده احْتج بهَا الْأَكْثَرُونَ ، كَمَا أسلفناه فِي بَاب الْوضُوء ، لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين لما ذكره فِي إلمامه قَالَ : إِن ابْن مَاجَه رَوَاهُ من حَدِيث نعيم بن حَمَّاد ، وَهُوَ حَافظ أخرج لَهُ البُخَارِيّ - وَقد (مُس) - عَن ابْن الْمُبَارك - وَهُوَ إِمَام - عَن أُسَامَة بن زيد ، وَأخرج لَهُ مُسلم ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده عبد الله بن عَمْرو أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ من الْعَسَل الْعشْر . قَالَ : وَمن يحْتَج بنسخة عَمْرو يحْتَج بِهِ . قلت : لَا جرم حسنه ابْن عبد الْبر فِي استذكاره ، وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عَن عمر ، قصَّة بني شَبابَة الحَدِيث ؛ فَقَالَ : هُوَ حَدِيث يرويهِ عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث وَعبد الله بن لَهِيعَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، مُسْندًا عَن عمر ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عَمْرو بن شُعَيْب مُرْسلا عَن عمر . ثَالِثهَا : خبر سُلَيْمَان بن مُوسَى عَن أبي سيارة (المتعي) ؛ قَالَ : قلت يَا رَسُول الله إِن لي نحلاً قَالَ : أدّ العشور . قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله) احم لي جبلها فحمى (لي) جبلها . رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده ، وَابْن مَاجَه فِي سنَنه ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ حَيْثُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن أبي سيارة (المتَعي) وَهُوَ حَدِيث مُنْقَطع ؛ لِأَن سُلَيْمَان بن مُوسَى لم يدْرك أَبَا سيارة (المتَعي) ، وَمَعَ ذَلِك فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ أصح مَا رُوِيَ فِي وجوب الْعشْر فِيهِ مَعَ انْقِطَاعه . قَالَ : وَقَالَ أَبُو عِيسَى : سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ ؟ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُرْسل وَسليمَان بن مُوسَى لم يدْرك أحدا من (أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) ، وَلَيْسَ فِي زَكَاة الْعَسَل شَيْء يَصح . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : هَذَا حَدِيث مُنْقَطع ، وَلَا يعرف أَبُو سيارة بِغَيْر هَذَا ، وَلَا تقوم لأحد بِمثلِهِ حجَّة . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ فِي الْكَمَال : أَبُو سيارة [ المتعي الْقَيْسِي ] ، قيل : اسْمه عميرَة بن الأعلم ، وَقيل : إِنَّه شَامي ، وَحَدِيثه فِي الشاميين ، رَوَى عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَدِيثا فِي الْعَسَل ، وَلَيْسَ لَهُ سواهُ . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد فِي تَرْجَمَة : من عرف بكنيته دون اسْمه . رَابِعهَا : خبر أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ قَالَ : كتب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أهل الْيمن : أَن يُؤْخَذ من (الْعَسَل الْعشْر)) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث عبد الله بن مُحَرر ، [ عَن الزُّهْرِيّ ] ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ حَيْثُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن أبي هُرَيْرَة . وَعبد الله هَذَا تَرَكُوهُ ، قَالَ ابْن حزم : (هُوَ) أسقط من كل سَاقِط مُتَّفق عَلَى (إطراحه) . خَامِسهَا : خبر ( سعد) بن أبي ذُبَاب قَالَ : قدمت عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأسْلمت ، (ثمَّ) قلت : يَا رَسُول الله اجْعَل لقومي مَا أَسْلمُوا عَلَيْهِ من أَمْوَالهم فَفعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فاستعملني عَلَيْهِم ، ثمَّ استعملني أَبُو بكر ، ثمَّ عمر . قَالَ : وَكَانَ سعد من أهل السراة ، قَالَ : فكلمت قومِي فِي الْعَسَل ، فَقلت لَهُم : زكوه فَإِنَّهُ لَا خير فِي ثَمَرَة لَا تزكَّى . (فَقَالُوا :) كم ؟ فَقلت : الْعشْر . فَأخذت مِنْهُم الْعشْر ، فَأتيت عمر بن الْخطاب فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ ، قَالَ : فَقَبضهُ عمر فَبَاعَهُ ثمَّ جعل (ثمنه) فِي صدقَات الْمُسلمين . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَقَالَ : قَالَ البُخَارِيّ : عبد الله (وَالِد) مُنِير عَن سعد بن أبي ذُبَاب لَا يَصح حَدِيثه . (وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ :) مُنِير هَذَا لَا نعرفه إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : مُنِير لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ هُوَ ضَعِيف . قَالَ الشَّافِعِي : وَسعد بن أبي ذُبَاب يَحْكِي مَا يدل عَلَى (أَن) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يَأْمُرهُ بِأخذ الصَّدَقَة من الْعَسَل ، وَأَنه شَيْء رَآهُ فتطوع لَهُ أَهله . فَهَذِهِ أَحَادِيث إِيجَاب زَكَاة الْعَسَل مطعون فِي كلهَا وأجودها : (ثَانِيهَا) وَقد صرح جماعات من الْحفاظ بِأَنَّهُ لَا يَصح شَيْء فِي إِيجَاب زَكَاته ، قَالَ الزَّعْفَرَانِي : قَالَ الشَّافِعِي : الحَدِيث فِي أَن فِي الْعَسَل الْعشْر ضَعِيف ، وَفِي أَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُ الْعشْر ضَعِيف ، إِلَّا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ، أَنا مَالك ، عَن عبد الله بن أبي بكر قَالَ : (جَاءَنِي) كتاب من عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي و(هُوَ) بمنى : أَلا تَأْخُذ من الْخَيل وَلَا من الْعَسَل صَدَقَة . قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ : واختياري أَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُ ؛ لِأَن السّنَن والْآثَار ثَابِتَة فِيمَا يُؤْخَذ مِنْهُ ، وَلَيْسَت فِيهِ ثَابِتَة ، فَكَأَنَّهُ عَفْو . وَقَالَ البُخَارِيّ : لَا يَصح فِي زَكَاة الْعَسَل شَيْء ، وَقد أسلفنا ذَلِك عَن التِّرْمِذِيّ أَيْضا . وَكَذَا قَالَ ابْن الْمُنْذر : لَيْسَ فِي وجوب صَدَقَة الْعَسَل حَدِيث (يثبت) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا إِجْمَاع ، فَلَا زَكَاة فِيهِ ، وروينا ذَلِك عَن ابْن عمر ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز .
الحَدِيث السَّادِس عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق من التَّمْر صَدَقَة . هَذَا الحَدِيث (كَرَّرَه) الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، وَاللَّفْظ (للْبُخَارِيّ ، وَلَفظ) مُسلم : لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوساق من تمر وَلَا حب صَدَقَة ، وَأخرجه بِاللَّفْظِ الأول مُسلم من حَدِيث جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
الحَدِيث السَّابِع وَالثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الوسق سِتُّونَ صَاعا . رَوَاهُ جَابر وَغَيره . أما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه . وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي ، الْمَتْرُوك . وَأما حَدِيث غير جَابر ؛ فَرَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ ، من (طَرِيق) أبي البخْترِي الطَّائِي الْكُوفِي واسْمه سعيد بن فَيْرُوز - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الوسق سِتُّونَ صَاعا . وَهَذَا مُنْقَطع [ أَبُو ] البخْترِي لم يسمع من أبي سعيد ؛ قَالَه أَبُو دَاوُد . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لم يُدْرِكهُ . قلت : وَله طَرِيق آخر مُتَّصِل ؛ أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، عَن عَمْرو بن يَحْيَى ، عَن أَبِيه ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ صَدَقَة ، وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس ذود صَدَقَة ، وَلَيْسَ فِيمَا دون خمس أوسق صَدَقَة ، والوسق سِتُّونَ صَاعا . وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع عَلَى أَن الوسق سِتُّونَ (صَاعا) . فَائِدَة : الْأَشْهر الْأَفْصَح فتح وَاو الوسق ، وَفِي لُغَة أُخْرَى كسرهَا .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ؛ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِيمَا سقت السَّمَاء والعيون أَو كَانَ عثريًا الْعشْر ، وَفِيمَا سقِِي بالنضح نصف الْعشْر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه كَذَلِك ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ : مَا كَانَ بعًلا أَو سقِِي بنهر أَو عثري يُؤْخَذ من كل عشرَة وَاحِد (ثمَّ) قَالَ : فِيهِ (دحض) لقَوْل من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ يُونُس عَن الزُّهْرِيّ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِلَفْظ : فِيمَا سقت السَّمَاء والأنهار والعيون أَو كَانَ بعًلا (الْعشْر) وَمَا سقِِي بالسواني أَو النَّضْح نصف الْعشْر . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ ؟ فَقَالَ : الصَّحِيح وَقفه عَلَى ابْن عمر . قلت : وَرُوِيَ أَيْضا [ من غير ] حَدِيث ابْن عمر ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر ؛ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِيمَا سقت الْأَنْهَار والغيم العشور ، وَفِيمَا سقِِي بالسانية نصف (الْعشْر ) . وَرَوَاهُ الترمذي وَابْن مَاجَه ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث معَاذ بِلَفْظ : وَمَا سقِِي بالدوالي نصف الْعشْر . قَالَ ابْن عبد الْبر : (وَأَحَادِيث) ابْن عمر وَجَابِر ومعاذ (صَحِيحَة ثَابِتَة) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ قَول الْعَامَّة لَا أعلم فِيهِ خلافًا . وَأَشَارَ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر (إِلَى) أَنه مجمع عَلَيْهِ . فَائِدَة : العثري ، بِعَين مُهْملَة ثمَّ (ثاء) مُثَلّثَة مفتوحتين ، ثمَّ يَاء (مثناة تَحت) مُشَدّدَة ، وَيُقَال : بِإِسْكَان الثَّاء ، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور فتحهَا . وَنقل الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب عَن ابْن (المرابط) أَنه حَكَى سُكُون الْعين ، وَكَأن مُرَاده (عين) الْكَلِمَة فيوافق (حِكَايَة) من حَكَى إسكان الثَّاء . قَالَ القلعي : والعثري هُوَ مَا سقت السَّمَاء لَا خلاف بَين أهل اللُّغَة فِيهِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَه لَيْسَ كَمَا قَالَ ، وَلَيْسَ نَقله عَن جَمِيع أهل اللُّغَة صَحِيحا ، وَإِنَّمَا هُوَ قَول قَائِل مِنْهُم ، وَذكر ابْن فَارس فِي الْمُجْمل فِيهِ قَوْلَيْنِ لأهل اللُّغَة قَالَ : العثري مَا سقِِي من النّخل سيحًا ، والسيح المَاء الْجَارِي . قَالَ : وَيُقَال : هُوَ العِذْيُ ، والعذي الزَّرْع الَّذِي لَا يسْقِيه إِلَّا مَاء الْمَطَر . وَلم يذكر الْجَوْهَرِي فِي صحاحه إِلَّا هَذَا القَوْل ، وَالأَصَح مَا قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره من أهل اللُّغَة : (أَن) العثري مَخْصُوص بِمَا سقِِي من مَاء السَّيْل ، فَيجْعَل عاثور ، وَهُوَ شبه ساقية تحفر وَيجْرِي (فِيهَا) المَاء إِلَى أُصُوله ، وَسمي عاثورًا ؛ لِأَنَّهُ يتعثر بِهِ الْمَار الَّذِي لَا يشْعر بِهِ . والنضح : السَّقْي من مَاء بِئْر أَو نهر بسانية وَنَحْوهَا ؛ قَالَه أهل اللُّغَة . والسانية والناضح اسْم للبعير (وَالْبَقر) الَّذِي يستقى عَلَيْهِ من الْبِئْر وَالنّهر ، وَالْأُنْثَى ناضحة ؛ وَجمع الناضحْ : نَواضِح . والبعل : (هُوَ) مَا شرب بعروقه وَلم يتعنَّ فِي سقيه ؛ قَالَه أَبُو دَاوُد . قَالَ : وَقَالَ وَكِيع هُوَ مَا ينْبت من مَاء السَّمَاء . والدوالي : الدواليب . قَالَ الْجَوْهَرِي : (هُوَ) الدولاب فَارسي مُعرب .
الحَدِيث التَّاسِع عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، أَنَّهَا قَالَت : جرت السّنة أَنه لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق من التَّمْر صَدَقَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من هَذَا الْوَجْه ، (من حَدِيث) إِبْرَاهِيم ، عَن الْأسود عَنْهَا قَالَت : جرت السّنة من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة (أوساق) زَكَاة ، والوسق سِتُّونَ صَاعا ، فَذَلِك ثَلَاثمِائَة صَاع ، من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالزَّبِيب ، وَلَيْسَ فِيمَا أنبتت الأَرْض من الْخضر زَكَاة . وَفِيه صَالح بن مُوسَى وَقد ضَعَّفُوهُ . وَأما أَبُو عوَانَة فَأخْرجهُ فِي صَحِيحه من جِهَته . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (بِلَفْظ آخر) عَنْهَا : جرت السّنة من نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيمَا أخرجت الأَرْض من الْحِنْطَة وَالشعِير وَالزَّبِيب وَالتَّمْر إِذا بلغ خَمْسَة أوسق ، الوسق سِتُّونَ صَاعا ، فَذَلِك ثَلَاثمِائَة صَاع . أخرجه مطولا ثمَّ قَالَ : لم يروه بِهَذَا الْإِسْنَاد (غير صَالح) الطلحي وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ) : خُذ الْإِبِل من الْإِبِل الْخَبَر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سنَنَيْهِمَا ، من حَدِيث شريك بن أبي نمر ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن معَاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَعثه إِلَى الْيمن فَقَالَ : خُذ الْحبّ من الْحبّ ، وَالشَّاة من الْغنم ، وَالْبَعِير من الْإِبِل ، وَالْبَقر من الْبَقر هَذَا (لفظ) أبي دَاوُد ، وَلَفظ ابْن مَاجَه : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ (بَعثه) إِلَى الْيمن ، وَقَالَ لَهُ : خُذ فَذكره بِمثلِهِ إِلَّا أَنه قَالَ : الشَّاء وَالْبَقر (بِدُونِ تَاء) . واستدركه الْحَاكِم عَلَى الشَّيْخَيْنِ ، فَذكره فِي مُسْتَدْركه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : ( هَذَا) إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ إِن صَحَّ سَماع عَطاء (عَن) معَاذ ، فَإِنِّي لَا أتقنه . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : هَذَا الحَدِيث (رُوَاته) ثِقَات . وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : عَطاء بن يسَار لم يدْرك معَاذ بن جبل . قلت : لِأَن عَطاء ولد سنة تسع عشرَة ، ومعاذ توفّي فِي طاعون عمواس سنة ثَمَان عشرَة ، وَقيل : سنة سبع عشرَة . وَأما ابْن الْقطَّان فأعلَّهُ بِشريك بن أبي نمر ، وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَكَفَى بهما أُسْوَة .
كتاب الزَّكَاة كتاب الزَّكَاة بَاب زَكَاة النّعم ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ؛ أما الْأَحَادِيث فعشرة الحَدِيث الأول رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَانع الزَّكَاة فِي النَّار . هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ ؛ تبعا للغزالي فِي وسيطه ، وَقَالَ ابْن الصّلاح : (بحثتُ) عَنهُ فَلم أجد لَهُ أصلا . قلت : قد وجدته بِحَمْد الله وَمِنْه فِي الطَّبَرَانِيّ ؛ قَالَ فِي أَصْغَر معاجمه : (ثَنَا مُحَمَّد) بن أَحْمد بن أبي يُوسُف الْخلال الْمصْرِيّ ، ثَنَا بَحر بن (نصر) الْخَولَانِيّ ، ثَنَا أَشهب بن عبد الْعَزِيز ، (نَا) اللَّيْث بن سعد ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن (سَعْد) بن سِنَان ، عَن أنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَانع الزَّكَاة يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار . وَذكره أَبُو طَاهِر السلَفِي الْحَافِظ فِيمَا خرَّجه لأبي عبد الله الرَّازِيّ ، وَقد سلف إسنادنا إِلَيْهِ فِي الْكَلَام عَلَى السِّوَاك ، عَن أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن (سعيد) بن عبد الله الْحَافِظ ، نَا أَبُو الْعَبَّاس مُنِير بن أَحْمد بن الْحسن الْبَصْرِيّ ، نَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن وردان الْمعَافِرِي ، نَا بَحر بن نصر . فَذكره كَمَا سلف ، وَزَاد مَعَ اللَّيْث ، ابْن لَهِيعَة مُتَابعَة . وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام من هَذَا الْوَجْه ؛ فَقَالَ : قرأتُ عَلَى أبي الْحُسَيْن الْحَافِظ عَن أبي الطَّاهِر الشفيقي - بشين مُعْجمَة ، ثمَّ ، فَاء ثمَّ مثناة تَحت ، ثمَّ قَاف ، ثمَّ يَاء - نِسْبَة إِلَى مَسْجِد شفيق (الْملك) تَحت القلعة ، أَنا أَبُو عبد الله الرَّازِيّ . فَذكره كَمَا أسلفناه ثمَّ قَالَ : وَسعد بن سِنَان (مُخْتَلف فِي اسْمه وَفِي ثوثيقه ، وَهُوَ كَمَا ذكر ، فَإِنَّهُ قيل اسْمه سعد بن سِنَان) وَقيل عَكسه ؛ هَكَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي الْأَدَب ، وَابْن مَاجَه فِي سنَنه ، وَالْأول ذكره أَبُو دَاوُد ، وَغَيره ، قَالَ ابْن حبَان : وَأَرْجُو أَن يكون الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح (و) صَححهُ البُخَارِيّ . وَأما الْخلف فِي توثيقه ؛ فَقَالَ أَحْمد : رُوِيَ خَمْسَة عشر حَدِيثا مُنكرَة كلهَا مَا عرفت مِنْهَا وَاحِدًا ، وَقَالَ مرّة : لم أكتب أَحَادِيثه ؛ لأَنهم اضْطَرَبُوا فِيهِ وَفِي حَدِيثه ، وَنقل ابْن الْقطَّان أَن أَحْمد (وَثَّقَهُ) ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ الْجوزجَاني : أَحَادِيثه واهية ، وَقَالَ ابْن معِين فِي رِوَايَة أَحْمد بن زُهَيْر : ثِقَة . وَأخرج لَهُ التِّرْمِذِيّ حَدِيث : المعتدي فِي الصَّدَقَة كمانعها ثمَّ قَالَ : حسن ؛ فَيكون هَذَا الحَدِيث حسنا عَلَى شَرطه ، وَمَعَ أنّ لَهُ شَوَاهِد فِي الصَّحِيح تقويه ؛ مِنْهَا : قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا من صَاحب ذهب وَلَا فضَّة لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حقّها إِلَّا إِذا (كَانَت) يَوْم الْقِيَامَة صفحت لَهُ صَفَائِح من نَار ، فأحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم ، فيكوى بهَا (جنبه وجبينه) وظهره مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَهُوَ حَدِيث طَوِيل وَمِنْهَا : قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بني الْإِسْلَام عَلَى خمس وعدَّ مِنْهَا : إيتَاء الزَّكَاة . مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر ، وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث الثَّابِتَة .
الحَدِيث الثاني أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسلم فِي عَبده وَلَا فرسه صَدَقَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ؛ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَأما حَدِيث أبي يُوسُف ، عَن غورك بن الحصرم ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر مَرْفُوعا فِي الْخَيل السَّائِمَة فِي كل فرسٍ دِينَار فَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِاتِّفَاق الْحفاظ . (قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ) : تفرد بِهِ غورك عَن جَعْفَر ، وَهُوَ ضَعِيف جدًّا ، وَمن دونه ضعفاء . وَقَالَ ابْن (الْقطَّان) : أَبُو يُوسُف هُوَ القَاضِي ، وَهُوَ مَحْمُول عَلَيْهِ عِنْدهم .
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فَإِذا زَادَت وَاحِدَة عَلَى الْمِائَة وَالْعِشْرين ، فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون . هَذِه الرِّوَايَة مَذْكُورَة فِي حَدِيث ابْن عمر رضي الله عَنهُ ، وَقد أسلفنا أَن مدَار نصب الزَّكَاة عَلَيْهِ ، وَعَلَى حَدِيث أنس ، وَقد فَرغْنَا بِحَمْد الله ومنِّه من الْكَلَام عَلَى حَدِيث (أنس) ، فلنذكر طرق حَدِيث ابْن عمر ، فَنَقُول : هُوَ حَدِيث لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَا فِي أَحدهمَا ، نعم رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ . أما أَحْمد فَإِنَّهُ (أخرجه) عَن مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ ، عَن سُفْيَان بن حُسَيْن ، عَن الزُّهْرِيّ ، بِنَحْوِ من سِيَاقَة التِّرْمِذِيّ الْآتِيَة ، كَمَا ستقف عَلَيْهَا . وَأما أَبُو دَاوُد فَأخْرجهُ من حَدِيث عباد بن العوَّام ، نَا سُفْيَان بن حُسَيْن ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه قَالَ : كتب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كتاب الصَّدَقَة ، فَلم يُخرجهُ إِلَى عماله حَتَّى قبض ، فقرنه بِسَيْفِهِ ، فَعمل بِهِ أَبُو بكر حَتَّى قبض ، ثمَّ عمل بِهِ عمر حَتَّى قبض ، فَكَانَ فِيهِ : فِي خمس من الْإِبِل شَاة ، وَفِي عشر شَاتَان ، وَفِي خمس عشرَة ثَلَاث شِيَاه ، وَفِي عشْرين أَربع شِيَاه ، وَفِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض ، إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ ، فَإِذا زَادَت وَاحِدَة ، فَفِيهَا ابْنة لبون ، إِلَى خمس وَأَرْبَعين ، فَإِذا زَادَت وَاحِدَة ، فَفِيهَا حقة إِلَى سِتِّينَ ، فَإِذا زَادَت وَاحِدَة (فجذعة إِلَى خمس وَسبعين ، فَإِذا زَادَت وَاحِدَة) فَفِيهَا ابنتا لبون إِلَى تسعين ، فَإِذا زَادَت وَاحِدَة ، فَفِيهَا حقتان ، إِلَى عشْرين وَمِائَة ، (فَإِن) كَانَت الْإِبِل أَكثر من ذَلِك ، فَفِي كل خمسين حقة ، وَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي الْغنم فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة ، إِلَى عشْرين وَمِائَة ، (فَإِن) زَادَت وَاحِدَة ، فشاتان ، إِلَى مِائَتَيْنِ ، فَإِذا زَادَت عَلَى الْمِائَتَيْنِ ، فَفِيهَا ثَلَاث ، إِلَى ثَلَاثمِائَة ، فَإِن كَانَت الْغنم أَكثر من ذَلِك ، فَفِي كل مائَة شَاة ، شَاة ، لَيْسَ فِيهَا شَيْء ، إِلَى أَن تبلغ الْمِائَة ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع ، وَلَا يجمع بَين متفرق ، مَخَافَة الصَّدَقَة وَمَا كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يسترجعان بِالسَّوِيَّةِ ، وَلَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة وَلَا ذَات عيب قَالَ . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : إِذا جَاءَ الْمُصدق قسم الشَّاء أَثلَاثًا ، (ثلث) شرار ، وَثلث خِيَار ، وَثلث وسط يَأْخُذ الْمُصدق من الْوسط ، وَلم يذكر الزُّهْرِيّ الْبَقر . ثمَّ أخرجه من حَدِيث عُثْمَان بن أبي شيبَة ، نَا مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ ، ثَنَا سُفْيَان بن حُسَيْن ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ فَإِن لم يكن ابْنة مَخَاض فَابْن لبون وَلم يذكر كَلَام الزُّهْرِيّ . ثمَّ أخرجه عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء ، نَا ابْن الْمُبَارك ، عَن يُونُس بن يزِيد ، عَن ابْن شهَاب قَالَ : هَذِه نُسْخَة كتاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كتب فِي الصَّدَقَة ، وَهِي عِنْد آل عمر بن الْخطاب قَالَ ابْن شهَاب : أَقْرَأَنيهَا سَالم بن عبد الله بن عمر ، فوعيتها عَلَى وَجههَا ، وَهِي الَّتِي انتسخ عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وَسَالم بْن عبد الله بن عمر ، فَذكر الحَدِيث قَالَ : فَإِذا كَانَت إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة ، فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون ، حَتَّى تبلغ تسعا وَعشْرين وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت ثَلَاثِينَ وَمِائَة ، فَفِيهَا بِنْتا لبون وحقة ، حَتَّى تبلغ تسعا وَثَلَاثِينَ وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت أَرْبَعِينَ وَمِائَة ، فَفِيهَا حقتان ، وَبنت لبون ، حَتَّى تبلغ تسعا وَأَرْبَعين وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت خمسين وَمِائَة ، فَفِيهَا ثَلَاث حقاق حَتَّى تبلغ تسعا وَخمسين وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت سِتِّينَ وَمِائَة ، فَفِيهَا أَربع بَنَات لبون ، حَتَّى تبلغ تسعا وَسِتِّينَ وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت (سبعين) وَمِائَة ، فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون (و) حقة ، حَتَّى تبلغ تسعا وَسبعين وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت ثَمَانِينَ وَمِائَة ، فَفِيهَا حقتان وابنتا لبون ، حَتَّى تبلغ تسعا وَثَمَانِينَ وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت تسعين وَمِائَة ، فَفِيهَا ثَلَاث حقاق وَبنت لبون ، حَتَّى تبلغ تسعا وَتِسْعين وَمِائَة ، فَإِذا كَانَت مِائَتَيْنِ ، فَفِيهَا أَربع حقاق ، أَو خمس بَنَات لبون ، أَي السنين وجدت أخذت ، وَفِي سَائِمَة الْغنم فَذكر نَحْو حَدِيث سُفْيَان بن حُسَيْن ، وَفِيه : وَلَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة هرمة ، وَلَا ذَات عوار من الْغنم ، وَلَا تَيْس (الْغنم) ، إِلَّا أَن يَشَاء الْمُصدق . وَأما التِّرْمِذِيّ ؛ فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث عباد بن الْعَوام ، عَن سُفْيَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه ؛ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كتب كتاب الصَّدَقَة ، فَلم يُخرجهُ إِلَى عماله ، حَتَّى قبض ، فقرنه بِسَيْفِهِ ، فَلَمَّا قبض عمل بِهِ أَبُو بكر حَتَّى قبض ، ثمَّ عمل بِهِ عمر حَتَّى قبض وَكَانَ فِيهِ : فِي خمس من الْإِبِل شَاة ، وَفِي (عشر) شَاتَان ، وَفِي خمس عشرَة ثَلَاث شِيَاه ، وَفِي عشْرين أَربع شِيَاه ، وَفِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ ، فَإِذا زَادَت فَفِيهَا بنت لبون إِلَى خمس وَأَرْبَعين ، فَإِذا زَادَت فَفِيهَا حقة إِلَى سِتِّينَ ، فَإِذا زَادَت فجذعة إِلَى خمس و(سبعين) ، فَإِذا زَادَت فَفِيهَا (ابنتا) لبون ، إِلَى تسعين ، (فَإِذا) زَادَت وَاحِدَة فَفِيهَا حقتان إِلَى عشْرين وَمِائَة ، فَإِذا زَادَت عَلَى عشْرين وَمِائَة ، فَفِي كل خمسين حقة ، وَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي الشَّاء فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة شَاة ، إِلَى عشْرين وَمِائَة ، فَإِذا زَادَت فشاتان ، إِلَى مِائَتَيْنِ ، فَإِذا زَادَت فَثَلَاث شِيَاه ، إِلَى ثَلَاثمِائَة شَاة ، فَإِذا زَادَت عَلَى ثَلَاثمِائَة ، فَفِي كل مائَة شَاة شَاة ، ثمَّ لَيْسَ فِيهَا شَيْء حَتَّى تبلغ (مائَة) وَلَا يجمع بَين متفرق ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع مَخَافَة الصَّدَقَة ، وَمَا كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ ، وَلَا يُؤْخَذ من الصَّدَقَة هرمة ، وَلَا ذَات عيب . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : إِذا جَاءَ الْمُصدق قسم الشياه أَثلَاثًا ؛ ثلث خِيَار (وَثلث أوساط) وَثلث شرار ، وَأخذ الْمُصدق من الثُّلُث [ الْوسط ] . وَأما الدَّارَقُطْنِيّ ؛ فَإِنَّهُ أخرجه بِكَمَالِهِ ، من حَدِيث عبد الله ابن الْمُبَارك ، عَن يُونُس ، عَن ابْن شهَاب ، قَالَ : هَذِه نُسْخَة كتاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي كتب فِي الصَّدَقَة ، هُوَ عِنْد آل عمر بن الْخطاب . قَالَ ابْن شهَاب : أَقْرَأَنيهَا سَالم بن عبد الله بن عمر ، (فوعيتها عَلَى وَجههَا ، وَهِي الَّتِي انتسخ عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله بن [ عبد الله ] بن عمر) وَسَالم بن عبد الله (بن عمر) حِين أَمر عَلَى الْمَدِينَة ، فَأمر عماله بِالْعَمَلِ بهَا (وَكتب بهَا إِلَى ابْن عبد الْملك ، فَأمر الْوَلِيد عماله بِالْعَمَلِ بهَا) ثمَّ لم يزل الْخُلَفَاء يأمرون بذلك بعده ، ثمَّ أَمر بهَا (هِشَام) بن هَانِئ فنسخها إِلَى كل عَامل من الْمُسلمين ، وَأمرهمْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا ، وَلَا يتعدونها ، وَهَذَا الْكتاب كتاب تَفْسِيرهَا لَا يُؤْخَذ فِي شَيْء من الْإِبِل الصَّدَقَة حَتَّى يبلغ خمس ذود ، فَإِذا بلغت خمْسا فَفِيهَا شَاة ، حَتَّى تبلغ عشرا ، فَإِذا بلغت عشرا فَفِيهَا شَاتَان ، حَتَّى (تبلغ) خمس عشرَة ، (فَإِذا بلغت خمس عشرَة) فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه ، حَتَّى تبلغ عشْرين (فَإِذا بلغت عشْرين) فَفِيهَا أَربع شِيَاه ، حَتَّى تبلغ خمْسا وَعشْرين ثمَّ ذكر بَاقِيه بِنَحْوِ سِيَاقَة (أبي دَاوُد إِلَى قَوْله) : أَي السنين وجدت مِنْهَا أخذت ، وَزَاد : ثمَّ كل شَيْء من الْإِبِل عَلَى ذَلِك يُؤْخَذ عَلَى نَحْو مَا كتبنَا (فِي) هَذَا الْكتاب . وَلَا يُؤْخَذ من الْغنم صَدَقَة حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ شَاة فَذكره كَمَا سلف إِلَى ثَلَاثمِائَة ، وَزَاد : حَتَّى تبلغ أَرْبَعمِائَة شَاة ، فَإِذا بلغت أَرْبَعمِائَة شَاة ، فَفِيهَا أَربع شِيَاه ، حَتَّى تبلغ خَمْسمِائَة شَاة ، فَإِذا بلغت خَمْسمِائَة شَاة ، فَفِيهَا خمس شِيَاه ، حَتَّى تبلغ سِتّمائَة شَاة ، فَإِذا بلغت سِتّمائَة (شَاة) فَفِيهَا (سِتّ شِيَاه ، حَتَّى تبلغ سَبْعمِائة شَاة ، فَإِذا بلغت سَبْعمِائة شَاة فَفِيهَا) سبع شِيَاه ، حَتَّى تبلغ ثَمَانمِائَة شَاة ، فَإِذا بلغت ثَمَانمِائَة شَاة ، فَفِيهَا ثَمَان شِيَاه ، حَتَّى تبلغ تِسْعمائَة شَاة ، فَإِذا بلغت تِسْعمائَة شَاة ، فَفِيهَا تسع شِيَاه ، حَتَّى تبلغ ألف شَاة ، فَإِذا بلغت ألف شَاة ، فَفِيهَا عشر شِيَاه ، ثمَّ فِي كل مَا زَادَت مائَة شَاة (شَاة) . وَأما الْحَاكِم ؛ فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث عباد بن الْعَوام ، عَن سُفْيَان ، كَمَا أخرجه التِّرْمِذِيّ إِسْنَادًا ومتنًا . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا كَذَلِك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَإِذا زَادَت عَلَى أَرْبَعمِائَة فَفِيهَا أَربع شِيَاه ، فَفِي كل مائَة شَاة . وأخرجها أَيْضا الدَّارمِيّ فِي مُسْنده . قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن أخرجه : هَذَا حَدِيث حسن ، وَقَالَ فِي علله : سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ : أَرْجُو أَن يكون مَحْفُوظًا ، وسُفْيَان بن الْحُسَيْن صَدُوق . وَقَالَ أَبُو عمر : هَذَا الحَدِيث أحْسن شَيْء رُوِيَ فِي أَحَادِيث الصَّدقَات . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه : قد رَوَى يُونُس وَغير وَاحِد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم هَذَا الحَدِيث فَلم يرفعوه ، وَإِنَّمَا رَفعه سُفْيَان بن حُسَيْن قلت : لَا يضرّهُ ؛ فَإِن سُفْيَان وَثَّقَهُ ابْن معِين وَابْن سعد وَالنَّسَائِيّ ، وَأخرج لَهُ مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه ، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا لَكِن (ضعف) فِي الزُّهْرِيّ ، وَقد ارْتَفع ذَلِك هُنَا فَإِنَّهُ توبع قَالَ ابْن عدي فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ : وَافق سُفْيَان بن حُسَيْن عَلَى هَذِه الرِّوَايَة عَن سَالم عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن كثير . قلت : وَبِهَذَا يظْهر الرَّد عَلَى مَا نقل عَن ابْن معِين حَيْثُ ضعف هَذَا الحَدِيث وَقَالَ : لم يُتَابع سُفْيَان أحد عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : هَذَا حَدِيث كَبِير فِي الْبَاب شَاهد لحَدِيث أنس الْمُتَقَدّم إِلَّا أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَا لِسُفْيَان بن حُسَيْن الوَاسِطِيّ فِي الْكِتَابَيْنِ ، وسُفْيَان بن حُسَيْن أحد أَئِمَّة الحَدِيث وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَدخل خراسان مَعَ يزِيد بن الْمُهلب ، وَدخل نيسابور سمع مِنْهُ جمَاعَة من مَشَايِخنَا مثل مُبشر بن عبد الله بن رزين وأخيه عمر بن عبد الله وَغَيرهمَا قَالَ : ويصححه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ حَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك ، عَن يُونُس بن يزِيد عَن الزُّهْرِيّ ، وَإِن كَانَ فِيهِ أدنَى إرْسَال فَإِنَّهُ شَاهد صَحِيح لحَدِيث سُفْيَان بن حُسَيْن ، ثمَّ سَاقه كَمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : وَمِمَّا يشْهد لهَذَا الحَدِيث بِالصِّحَّةِ حَدِيث عَمْرو بن حزم - وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِطُولِهِ فِي الدِّيات - ثمَّ قَالَ : قد بذلت مَا أَدَّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي إِخْرَاج هَذِه الْأَحَادِيث المفسرة (الملخصة) فِي الذكوات وَلَا يَسْتَغْنِي هَذَا الْكتاب عَن شرحها ، واستدللت عَلَى صِحَّتهَا (بِالْأَسَانِيدِ) الصَّحِيحَة عَن الْخُلَفَاء وَالتَّابِعِينَ بقبولها واستعمالها بِمَا فِيهِ غنية لمن تأملها ، وَكَانَ إمامنا شُعْبَة يَقُول فِي حَدِيث عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ فِي الْوضُوء : لِأَن يَصح (فِي) مثل هَذَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ أحب إِلَيّ من نَفسِي وَأَهلي وَمَالِي ، وَذَاكَ حَدِيث فِي صَلَاة التَّطَوُّع ، فَكيف بِهَذِهِ السّنَن الَّتِي هِيَ قَوَاعِد الْإِسْلَام وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق . وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ رِوَايَة فِي هَذَا الحَدِيث أَن فِي خَمْسَة وَعشْرين شَاة خمس شِيَاه لَكِنَّهَا ضَعِيفَة ثمَّ قَالَ : رَوَاهَا سُلَيْمَان بن أَرقم وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ألْحقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِي فَهُوَ لأولى رجل ذكر . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس رضي الله عَنْهُمَا .
الحَدِيث السَّادِس عَن معَاذ بن جبل رضي الله عَنهُ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن فَأمرنِي أَن آخذ من كل أَرْبَعِينَ بقرة مُسِنَّة وَمن كل ثَلَاثِينَ تبيعًا . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ عَن معَاذ من وُجُوه أَحدهَا : من رِوَايَة أبي وَائِل عَنهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَلَفظ أبي دَاوُد أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما وَجهه إِلَى الْيمن أمره أَن يَأْخُذ من الْبَقر من (كل) ثَلَاثِينَ تبيعًا (أَو تبيعة) ، وَمن كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة ، وَمن كل حالم - يَعْنِي محتلم - دِينَارا أَو عدله من (المعافر - ثِيَاب) تكون بِالْيمن - وَلَفظ أَحْمد نَحوه ، وَلَفظ النَّسَائِيّ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين بَعَثَنِي إِلَى الْيمن أَن لَا آخذ من الْبَقر شَيْئا حَتَّى تبلغ ثَلَاثِينَ (فَإِذا بلغت ثَلَاثِينَ فَفِيهَا عجل تَابع جَذَعَة حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ) فَإِذا بلغت أَرْبَعِينَ فَفِيهَا بقرة مُسِنَّة وَهَذِه الطَّرِيقَة مُنْقَطِعَة فَإِن أَبَا وَائِل إِنَّمَا أَخذه عَن مَسْرُوق عَن معَاذ كَمَا ستعلمه بعد . الْوَجْه الثَّانِي : من رِوَايَة شَقِيق ، عَن مَسْرُوق وَالْأَعْمَش ، عَن إِبْرَاهِيم - وَهُوَ النَّخعِيّ - كِلَاهُمَا عَنهُ ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ والدارمي وَلَفظ النَّسَائِيّ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن وَأَمرَنِي أَن آخذ من كل أَرْبَعِينَ بقرة ثنية ، وَمن كل ثَلَاثِينَ تبيعًا ، وَمن كل حالم دِينَارا أَو عدله معافر وَلَفظ الدَّارمِيّ : من كل أَرْبَعِينَ بقرة مُسِنَّة ، وَمن كل ثَلَاثِينَ تبيعًا أَو تبيعة قَالَ صَاحب الإِمَام : وَهَذِه الطَّرِيقَة - يَعْنِي طَريقَة إِبْرَاهِيم عَن - معَاذ لَا شكّ فِي انقطاعها . الْوَجْه الثَّالِث : من رِوَايَة طَاوس عَنهُ رَوَاهُ مَالك وَلَفظه أَن معَاذًا أَخذ من ثَلَاثِينَ بقرة تبيعًا ، وَمن أَرْبَعِينَ بقرة مُسِنَّة ، وَأَتَى بِمَا دون ذَلِك فأبى أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَقَالَ : لم أسمع من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فِيهِ ] شَيْئا حَتَّى أَلْقَاهُ [ فأسأله ] فَتوفي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قبل أَن يقدم معَاذ بن جبل ، قَالَ ابْن عبد الْبر : حَدِيث طَاوس عِنْدهم عَن معَاذ غير مُتَّصِل وَيَقُولُونَ أَن طاوسًا لم يسمع من معَاذ شَيْئا وَقد رَوَاهُ قوم عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس عَن معَاذ ، إِلَّا أَن الَّذين أَرْسلُوهُ أثبت من الَّذين أسندوه . وَقَالَ عبد الْحق : هَذَا هُوَ الصَّحِيح أَن معَاذًا قدم بَعْدَمَا توفّي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (قلت : يُشِير إِلَى رِوَايَة الْبَزَّار أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) قَالَ لَهُ : لَيْسَ فِيهَا شَيْء ، قَالَ عبد الْحق : وَطَاوُس لم يلق معَاذًا . إِلَّا أَن الشَّافِعِي قَالَ : إِنَّه عَالم بِأَمْر معَاذ ، وَإِن كَانَ لم يلقه عَلَى كَثْرَة من لقِيه مِمَّن أدْرك معَاذًا من أهل الْيمن . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : طَاوس وَإِن لم يلق معَاذًا إِلَّا أَنه يماني وسيرة معَاذ بَينهم مَشْهُورَة . الْوَجْه الرَّابِع : من رِوَايَة يَحْيَى بن الحكم أَن معَاذًا قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أصدق أهل الْيمن فَأمرنِي أَن آخذ من الْبَقر من كل ثَلَاثِينَ تبيعًا وَمن كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، (عَن) مُعَاوِيَة (بن) عَمْرو ، [ عَن عبد الله بن وهب ] ، عَن (حَيْوَة) ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن سَلمَة بن (أُسَامَة) ، عَن يَحْيَى بِهِ . الْوَجْه الْخَامِس : من رِوَايَة مَسْرُوق عَنهُ رَوَاهَا الدَّارمِيّ وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَلَفظ الدَّارمِيّ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن فَأمرنِي أَن آخذ من الْبَقر (من كل ثَلَاثِينَ) تبيعًا حوليًا ، وَمن (كل) أَرْبَعِينَ بقرة مُسِنَّة وَلَفظ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن فَأمرنِي أَن آخذ من كل ثَلَاثِينَ بقرة تبيعًا أَو تبيعة ، وَمن كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة ، وَمن كل حالم دِينَارا أَو عدله معافر وَلَفظ أبي دَاوُد مثله وَقَالَ : من كل حَال - يَعْنِي محتلمًا - دِينَارا أَو عدله (معافر) المعافر ثِيَاب تكون بِالْيمن ، وَلَفظ النَّسَائِيّ أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين بَعَثَنِي إِلَى الْيمن أَن لَا آخذ من الْبَقر شَيْئا حَتَّى تبلغ ثَلَاثِينَ ، فَإِذا بلغت ثَلَاثِينَ فَفِيهَا عجل تَابع جذع (أَو جَذَعَة) حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ ، فَإِذا بلغت أَرْبَعِينَ بقرة فَفِيهَا مُسِنَّة . وَلَفظ ابْن مَاجَه بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، وَأَمرَنِي أَن آخذ من الْبَقر من كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة ، وَمن كل ثَلَاثِينَ (تبيع) أَو تبيعة وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ كَلَفْظِ التِّرْمِذِيّ وَفِي لفظ (لَهُ) من كل ثَلَاثِينَ بقرة (تبيع) ، وَمن كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة ، وَمن كل حالم دِينَارا أَو عدله معافر وَلَفظ الْحَاكِم عَن معَاذ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَعثه إِلَى الْيمن وَأمره أَن يَأْخُذ من الْبَقر من كل ثَلَاثِينَ بقرة تبيعًا ، وَمن كل أَرْبَعِينَ بقرة مُسِنَّة ، وَمن كل حالم دِينَارا أَو عدله معافر وَفِي لفظ للبيهقي وَأَمرَنِي أَن آخذ من كل أَرْبَعِينَ بقرة (ثنية) ، وَمن كل ثَلَاثِينَ تبيعًا أَو تبيعة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن قَالَ : وَرُوِيَ مُرْسلا وَهُوَ أصح . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : أَن الْمُرْسل أصح . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث (صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : إِن كَانَ) مَسْرُوق سمع من معَاذ فَالْأَمْر كَمَا قَالَ الْحَاكِم . وَقَالَ ( أَبُو مُحَمَّد) ابْن حزم فِي الْمُحَلَّى لما ذكر حَدِيث أبي وَائِل وَإِبْرَاهِيم : كِلَاهُمَا عَن مَسْرُوق عَن معَاذ بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، وَأَمرَنِي أَن آخذ من كل ثَلَاثِينَ من الْبَقر تبيعًا وَمن كل أَرْبَعِينَ (بقرة) مُسِنَّة - وَقَالَ بَعضهم : ثنية وَذكر أَن مسروقًا لم يلق معَاذًا ، إِن قيل إِن مسروقًا وَإِن كَانَ لم يلق معَاذًا فقد كَانَ بِالْيمن رجلا أَيَّام (كَون) معَاذ هُنَالك وَشَاهد أَحْكَامه فَهَذَا عِنْده عَن معَاذ ينْقل الكافة قُلْنَا : لو أن مسروقًا ذكر أَن الكافة أخْبرته بذلك عَن معَاذ لقامت بِهِ الْحجَّة بذلك ، فمسروق هُوَ الثِّقَة الإِمَام غير الْمُتَّهم لكنه لم يقل قطّ هَذَا ، وَلَا يحل أَن يُقَول مَسْرُوق مَا لم يقل فيكذب عَلَيْهِ ، وَلَكِن لما أمكن فِي ظَاهر الْأَمر أَن يكون عِنْد مَسْرُوق هَذَا الْخَبَر عَن تَوَاتر (أَو) عَن ثِقَة أَو عَن من لَا تجوز الرِّوَايَة عَنهُ ، لم يجز الْقطع فِي دين (الله) وَلَا عَلَى رَسُوله بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أكذب الحَدِيث ، وَنحن نقطع أَن هَذَا الْخَبَر لَو كَانَ عِنْد مَسْرُوق عَن ثِقَة لما كتمه ، وَلَو كَانَ صَحِيحا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا طمسه الله تَعَالَى (المتكفل) بِحِفْظ الذّكر الْمنزل عَلَى نبيه عَلَيْهِ السَّلَام المتم لدينِهِ هَذَا الطمس ، حَتَّى لَا يَأْتِي إِلَّا من طَرِيق واهية هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ . وَنقل عبد الْحق فِي الْأَحْكَام (عَن أبي عمر ) أَنه قَالَ : مَسْرُوق لم يلق معَاذًا ، وغلطه ابْن الْقطَّان فِي ذَلِك وَقَالَ : لم يقل أَبُو عمر هَذَا قطّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تمهيده : إِن إِسْنَاده مُتَّصِل صَحِيح ثَابت ، وَقَالَ فِي استذكاره : أَن الحَدِيث (عَن مَسْرُوق) عَن معَاذ ثَابت مُتَّصِل ، قَالَ : وَالَّذِي قَالَ أَنه مُنْقَطع هُوَ ابْن حزم ، فَقَالَ (فِي) أول الْمَسْأَلَة : إِنَّه حَدِيث مُنْقَطع وَأَن مسروقًا لم يلق معَاذًا واستدركه فِي آخر الْمَسْأَلَة فَقَالَ : وجدنَا حَدِيث مَسْرُوق إِنَّمَا ذكر فِيهِ فعل معَاذ بِالْيمن فِي زَكَاة الْبَقر ، ومسروق بِلَا شكّ عندنَا أدْرك معَاذًا بسنه وعقله ، [ وَأدْركَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ رجل ] ، وَشَاهد أَحْكَامه يَقِينا ، وَأَفْتَى فِي أَيَّام عُمر وَهُوَ رجل ، وَكَانَ بِالْيمن أَيَّام معَاذ يُشَاهد أَحْكَامه هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ همداني النّسَب يماني الدَّار ، فصح أَن مسروقًا وَإِن لم يسمعهُ من معَاذ فَإِنَّهُ عِنْده بِنَقْل الكافة من أهل بَلَده كَذَلِك عَن معَاذ فِي أَخذه لذَلِك عَن عهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الكافة هَذَا آخر كَلَام ابْن حزم عَلَى مَا نَقله ابْن الْقطَّان عَنهُ قَالَ ابْن الْقطَّان : وَلم أقل بعد أَن مسروقًا سمع من معَاذ وَإِنَّمَا أَقُول إِنَّه يجب عَلَى أصولهم أَن يحكم بحَديثه عَن معَاذ ، بِحكم حَدِيث المتعاصرين الَّذين لم يعلم انْتِفَاء اللِّقَاء بَينهمَا ، فَإِن الحكم فِيهِ أَن يحكم لَهُ بالاتصال عِنْد الْجُمْهُور . وَشرط البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ أَن يعلم اجْتِمَاعهمَا ، (وَلَو) مرّة وَاحِدَة (فهما) - أَعنِي البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ - إِذا لم يعلمَا لِقَاء أَحدهمَا للْآخر لَا يَقُولَانِ فِي حَدِيث أَحدهمَا عَن الآخر مُنْقَطع ؛ إِنَّمَا يَقُولَانِ (لم يثبت) سَماع فلَان من فلَان ، فَإِذن لَيْسَ فِي حَدِيث المتعاصرين إِلَّا رأيان ، أَحدهمَا : أَنه مَحْمُول عَلَى الِاتِّصَال ، وَالْآخر : أَن يُقَال : لم يعلم اتِّصَال مَا بَينهمَا ، وَأما الثَّالِث : وَهُوَ أَنه مُنْقَطع فَلَا . هَذَا آخر كَلَام ابْن الْقطَّان . وَقد أخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه كَمَا مَضَى ، وَمن شَرطه الِاتِّصَال . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ فَقَالَ : (إِن من (رَوَاهُ) عَن أبي وَائِل) ، (عَن مَسْرُوق) ، عَن معَاذ . وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : صَلَّى مَسْرُوق خلف أبي بكر و(لَقِي) عمر وعليًّا وَسَمَّى جمَاعَة من الصَّحَابَة . وَكَانَت وَفَاة معَاذ سنة ثَمَانِي عشرَة ، فِي طاعون عمواس ، فالسن واللقاء مُحْتَمل لإدراك مَسْرُوق معَاذًا ، وَالِاخْتِلَاف السائر فِيهِ لَا يضرّهُ . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : رَوَى معمر ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي وَائِل ، عَن مَسْرُوق ، عَن معَاذ . الحَدِيث ، وَفِيه : وَمن كل حالم أَو حالمة دِينَار . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : معمر إِذا رَوَى عَن غير الزُّهْرِيّ يغلط كثيرا ، يُشِير بذلك إِلَى غلطه فِي زِيَادَة قَوْله : أَو حالمة . ثَانِيهَا : قَالَ عبد الْحق : لَيْسَ فِي (زَكَاة) الْبَقر حَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته . قلت : أَي فِي النصب ، لَا فِي الأَصْل ؛ فَإِن فِي الصَّحِيح من حَدِيث أبي ذَر : مَا من صَاحب إبل وَلَا بقر وَلَا غنم لَا يُؤَدِّي زَكَاتهَا الحَدِيث . وَقَالَ (ابْن حزم) : صَحَّ الْإِجْمَاع الْمُتَيَقن الْمَقْطُوع بِهِ الَّذِي لَا اخْتِلَاف فِيهِ أَن فِي كل خمسين بقرة بقرة ، فَوَجَبَ الْأَخْذ بِهَذَا ، وَمَا دون ذَلِك فمختلف فِيهِ ، وَلَا نَص فِي إِيجَابه . وَاعْتَرضهُ صَاحب الإِمَام بِحَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فِي كل ثَلَاثِينَ (باقورة تبيع جذع أَو جَذَعَة ، وَفِي كل أَرْبَعِينَ) باقورة بقرة . قَالَ : وَهِي مُتَّصِلَة ظَاهرا فَإِذا صحت عَن الزُّهْرِيّ (فَيعْمل) بهَا . قلت : حَتَّى يَصح عَنهُ ، وستعلم مقالات الْحفاظ فِيهِ فِي الدِّيات - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فَإِن الرَّافِعِيّ تعرض لَهُ هُنَاكَ . قلت : وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَزَّار أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس مثل حَدِيث معَاذ ، لَكِن فِي إِسْنَاده بَقِيَّة عَن المَسْعُودِيّ ، مُدَلّس ومختلط . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي الاستذكار فِي بَاب صَدَقَة الْمَاشِيَة : لَا خلاف بَين الْعلمَاء أَن السّنة فِي زَكَاة الْبَقر عَلَى مَا (فِي) حَدِيث معَاذ هَذَا ، وَأَنه النّصاب الْمجمع عَلَيْهِ فِيهَا . ثَالِثهَا : الْبَقر اسْم جنس ، يَقع عَلَى الذّكر وَالْأُنْثَى ، واحدتها بقرة وباقورة ، وَهُوَ مُشْتَقّ من بقرت الشَّيْء إِذا شققته ؛ لِأَنَّهَا تشق الأَرْض بالحراثة . وَقد تَكَلَّمت عَلَى لفظ الْعدْل والمعافر فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب فَرَاجعه مِنْهُ . رَابِعهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ عَن نِهَايَة الإِمَام : إِنَّه ورد فِي الْأَخْبَار الْجذع مَكَان التبيع . قلت : وَقد (سلف) : عجل تبيع جذع أَو جَذَعَة وَفِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس (السالفة) لما بعث النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - معَاذًا إِلَى الْيمن أمره أَن يَأْخُذ من كل ثَلَاثِينَ من الْبَقر تبيعًا أَو تبيعة جذعًا أَو جَذَعَة ، وَمن كل أَرْبَعِينَ (بقرة) بقرة مُسِنَّة .
الحَدِيث السَّابع عَن أنس بن مَالك أَن أَبَا بكر كتب لَهُ فَرِيضَة الصَّدَقَة ، الَّتِي أَمر الله - تَعَالَى - رَسُوله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَفِي صَدَقَة الْغنم فِي سائمتها الحَدِيث . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه قَرِيبا بِطُولِهِ .
الحَدِيث الثَّامِن عَن سُوَيْد بن غَفلَة ؛ قَالَ : سَمِعت مُصدق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالجذع من الضَّأْن ، والثنية من الْمعز وَفِي رِوَايَة : أَن مُصدق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّمَا حَقنا فِي الْجَذعَة من الضَّأْن والثنية من الْمعز . وَفِي رِوَايَة : أمرنَا بأخذها . هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا لنا عَلَى مَالك ، فِي عدم إِجْزَاء الْجَذعَة من الْمعز ، وَاشْتِرَاط الثَّنية ، (وَعَلَى) أبي حنيفَة (فِي) إِيجَاب الثَّنية فِي النصابين ، وَهُوَ حَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِدُونِ ذكر الْجَذعَة والثنية ، وَهُوَ مَوضِع الْحَاجة مِنْهُ . وَلَفظ أَحْمد : عَن هِلَال بن خباب ، عَن ميسرَة أبي صَالح ، عَن سُوَيْد بن غَفلَة ؛ قَالَ : أَتَانَا مُصدق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجَلَست إِلَى جنبه ، فَسَمعته يَقُول : إِن فِي عهدي أَن لَا آخذ من راضع لبن (شَيْئا) [ وَلَا يجمع بَين متفرق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع ] وَأَتَاهُ رجل بِنَاقَة (كوماء) ، فَقَالَ : (خُذ هَذِه) ، فأبي أَن (يقبلهَا) . وَلَفظ أبي دَاوُد : فِي عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا تَأْخُذ من راضع لبن ، (فَعمد) رجل مِنْهُم إِلَى نَاقَة (كوماء) وَهِي عَظِيمَة السَّنام ، فَأَبَى أَن يقبلهَا الحَدِيث بِطُولِهِ . وَلَفظ النَّسَائِيّ : إِن فِي عهدي أَن لَا نَأْخُذ راضع لبن ، (فَأَتَاهُ) رجل بِنَاقَة (كوماء) ، فَقَالَ : خُذْهَا ، فأباها . وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ كَلَفْظِ أَحْمد ، بِزِيَادَة : وَلَا يجمع بَين متفرق ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع . وَهَذِه فِي أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كَرِوَايَة أبي دَاوُد ، وكرواية النَّسَائِيّ . ومداره عَلَى هِلَال بن خَبَّاب ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة ، وَثَّقَهُ المزكيان أَحْمد وَيَحْيَى . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : ثِقَة صَدُوق ، وَكَانَ يُقَال : تغيّر قبل مَوته من كبر السن . قَالَ يَحْيَى الْقطَّان : أَتَيْته وَقد تغير قبل مَوته . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته (وَقَالَ : يُخطئ) ، وَذكره فِي ضُعَفَائِهِ فَقَالَ : اخْتَلَط فِي آخر عمره ، وَكَانَ يحدث عَلَى الشَّيْء بالتوهم لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد ، وَضَعفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه (كَذَلِك) ، وَلَكِن حسنه الْمُنْذِرِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي خلاصته ومَجْمُوعه . وَلم يتفرد هِلَال بِهِ ، فقد رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، من حَدِيث شريك ، عَن عُثْمَان الثَّقَفِيّ ، عَن أبي لَيْلَى الْكِنْدِيّ ، عَن سُوَيْد . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنَيْهِمَا ، وَلَفْظهمْ : عَن سُوَيْد ؛ قَالَ : ( أَتَى) مُصدق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأخذت بِيَدِهِ ، وَأخذ بيَدي ، فَقَرَأت فِي عَهده : أَن لَا يجمع بَين متفرق ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع ، خشيَة الصَّدَقَة . قَالَ : فَأَتَاهُ رجل بِنَاقَة عَظِيمَة ململمة فَأَبَى أَن يَأْخُذهَا الحَدِيث . وَأخرجه أَبُو دَاوُد كَذَلِك فِي رِوَايَة لَهُ . وَنقل ابْن عبد الْبر عَن ابْن معِين أَنه سُئل عَن أبي لَيْلَى الْكِنْدِيّ ، فَقَالَ : كَانَ ضَعِيفا . والململمة : المستديرة ؛ قَالَه (الْهَرَوِيّ) قلت : وَسَيَأْتِي ذكر الْجَذعَة والثنية فِي آخر الْبَاب ، عَن عمر رضي الله عَنهُ مَوْقُوفا ، ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك ذكرهمَا مَرْفُوعا فِي حَدِيث آخر ؛ قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه : نَا مُوسَى بن هَارُون ، نَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي ، نَا عبد الله بن مُوسَى التَّيْمِيّ ، عَن أُسَامَة بن زيد ، عَن أبي [ مرَارَة ] الْجُهَنِيّ ، عَن ابْن سعر) الدؤَلِي ، عَن أَبِيه ؛ قَالَ : كنت فِي نَاحيَة [ مَكَّة ] فجَاء رجل فَسلم ، وَأَنا بَين ظهراني غنمي ، فَقلت : من أَنْت ؟ قَالَ : أَنا (رَسُول) رَسُول الله . فَقلت : مرْحَبًا برَسُول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأهلا ، فَمَا تُرِيدُ ؟ فَقَالَ : أُرِيد (صَدَقَة) غنمك . قَالَ : فَجِئْته بِشَاة ماخض حِين ولدت ، فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا قَالَ : لَيْسَ حَقنا فِي هَذِه . قَالَ : فَفِيمَ حَقك ؟ قَالَ : فِي الثَّنية والجذعة اللجبة (واللجبة الشَّاة قل لَبنهَا وَكثر عَلَى الضِّدّ ، وخاص بالمعز ، وَالْجمع لجاب ولجبات) . وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه : نَا (الْحسن) بن عَلّي ، نَا وَكِيع ، عَن زَكَرِيَّا (بن إِسْحَاق) الْمَكِّيّ عَن عَمْرو بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي ، عَن مُسلم بن (ثفنة) الْيَشْكُرِي ؛ قَالَ : اسْتعْمل ابْن عَلْقَمَة أبي عَلَى عرافة قومه ، فَأمره أَن يُصدقهُمْ قَالَ : فَبَعَثَنِي أبي فِي طَائِفَة مِنْهُم ، فَأتيت شَيخا كَبِيرا ، يُقَال لَهُ (سعر) ، فَقلت : إِن أبي بَعَثَنِي إِلَيْك ، يَعْنِي لأصدقك ، قَالَ : ابْن أخي فَذكر الحَدِيث ، وَفِيه : قلت : فَأَي (شَيْء) تأخذان ؟ قَالَا : عنَاقًا جَذَعَة أَو ثنية . وَقَالَ أَحْمد نَا روح ، نَا زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق ، قَالَ : حَدثنِي عَمْرو بن أبي سُفْيَان ، عَن مُسلم بن شُعْبَة ، عَن سعر ، فَذكره كَذَلِك . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا ، وَقَالَ : لَا أعلم أحدا تَابع وكيعًا فِي قَوْله ابْن ثفنة . وَقَالَ أَحْمد : أَخطَأ فِيهِ وَكِيع ، حَدثنَا روح فَقَالَ : مُسلم بن شُعْبَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وهم وَكِيع فِي ذَلِك ، وَالصَّوَاب مُسلم بن شُعْبَة . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنَّه الصَّوَاب (أَيْضا) ، قَالَه يَحْيَى بن معِين ، وَغَيره من الْحفاظ .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِي خمس من الْإِبِل شَاة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا تقدم بِطُولِهِ (فِي) أول الْبَاب ، وَقد فرق الرَّافِعِيّ مِنْهُ قطعا ، وَهُوَ محَال عَلَى مَا ذكرنَا أَولا (وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ) .
الحَدِيث الْعَاشِر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إياك وكرائم أَمْوَالهم . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ؛ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لِمعَاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لما بَعثه إِلَى الْيمن : إِنَّك ستأتي قوما أهل كتاب ، فَإِذا جئتهم فادعهم إِلَى أَن يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، فَإِن هم أطاعوا لَك (بذلك) فَأخْبرهُم (أَن الله قد فرض عَلَيْهِم خمس صلوَات فِي كل يَوْم وَلَيْلَة ، فَإِن هم أطاعوا لَك بذلك فَأخْبرهُم) أَن الله قد فرض عَلَيْهِم صَدَقَة ؛ تؤاخذ من أغنيائهم ، فَترد (عَلَى) فقرائهم ، فَإِن هم أطاعوا لَك بذلك ، فإياك وكرائم أَمْوَالهم ، وَاتَّقِ دَعْوَة الْمَظْلُوم ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَينه وَبَين الله حجاب . وَفِي رِوَايَة لَهما : إِنَّك تقدم عَلَى قوم أهل كتاب ، فَلْيَكُن أول مَا تدعوهم إِلَيْهِ عبَادَة الله ، فَإِذا عرفُوا الله فَأخْبرهُم أَن الله قد فرض عَلَيْهِم خمس صلوَات . وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن ابْن عَبَّاس ، عَن معَاذ بن جبل ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ فَقَالَ : إِنَّك تَأتي قوما من أهل الْكتاب ، فادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَذكر الحَدِيث بِنَحْوِهِ . وَفِي رِوَايَة لَهُ : زَكَاة تُؤْخَذ من أَمْوَالهم ، فَترد عَلَى فقرائهم . كرائم المَال : خِيَاره .
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب وَأما آثاره ؛ فاثنان : الأول : أَن أَبَا بكر الصّديق رضي الله عَنهُ قَاتل مانعي الزَّكَاة وَهَذَا أثر صحيحٌ ، اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضي الله عَنهُ ؛ قَالَ : لما توفّي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم واستخلف أَبُو بكر ، وَكفر من كفر من الْعَرَب ؛ قَالَ عمر : كَيفَ تقَاتل النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله ، فَمن قَالَهَا فقد عصم مني مَاله وَنَفسه إِلَّا بِحقِّهِ ، وحسابه عَلَى الله ؟ فَقَالَ أَبُو بكر : (وَالله) لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة ، وَالله لَو مَنَعُونِي عقَالًا كَانُوا يؤدونه إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لقاتلتهم عَلَى مَنعه قَالَ عمر : فوَاللَّه مَا هُوَ (إِلَّا) أَن رَأَيْت الله عَزَّ وَجَلَّ قد شرح صدر أبي بكر لِلْقِتَالِ (فَعرفت) أَنه الْحق . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ : عنَاقًا بدل عقَالًا . فَائِدَة : العقال قيل : هُوَ صَدَقَة (عَام) ، وَقيل : الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير ، وَقيل : إِنَّمَا أَرَادَ الشَّيْء التافه الحقير ، فَضرب العقال مثلا لَهُ ، حَكَاهُ صَاحب المستعذب عَلَى الْمُهَذّب . والعناق : الْأُنْثَى من ولد الْمعز ، وَهِي الَّتِي رعت وقويت ، وَهِي فَوق الجفرة وَهِي الَّتِي لَهَا أَرْبَعَة ، وَدون العنز ، وَهِي الَّتِي تمّ لَهَا حول ؛ وَكَانَ قتال الصّديق أهل الرِّدَّة فِي أول خِلَافَته ، سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة . الْأَثر الثَّانِي : أَن عمر رضي الله عَنهُ قَالَ لساعيه سُفْيَان بن عبد الله الثَّقَفِيّ : اعْتد عَلَيْهِم بالسخلة الَّتِي يروح بهَا الرَّاعِي عَلَى يَده وَلَا تأخذها ، وَلَا تَأْخُذ الأكولة ، والرُّبَا ، والماخض ، وفحل الْغنم ، وَخذ الْجَذعَة والثنية ، فَذَلِك عدل بَين غذَاء المَال وخياره . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم عَنهُ ، عَن ثَوْر بن زيد [ الديلِي ] ، عَن ابْن لعبد الله بن سُفْيَان الثَّقَفِيّ ، عَن جده سُفْيَان بن عبد الله أَن عمر بن الْخطاب بَعثه مُصدقا ، فَكَانَ يعد عَلَى النَّاس السخل ، (فَقَالُوا) : تعد علينا السخل وَلَا تَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا ؟ فَلَمَّا قدم عَلَى عمر بن الْخطاب ذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ عمر : نعم ؛ تعد عَلَيْهِم السخلة يحملهَا الرَّاعِي وَلَا يَأْخُذهَا (الْمُصدق) وَلَا يَأْخُذ الأكولة ، وَلَا الرُّبى وَلَا الماخض ، وَلَا فَحل الْغنم ، وَيَأْخُذ الْجَذعَة والثنية ، وَذَلِكَ عدل بَين أدنَى المَال وخياره . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن سُفْيَان ، نَا بشر بن عَاصِم ، عَن أَبِيه ، أَن عمر اسْتعْمل (أَبَاهُ) سُفْيَان بن عبد الله عَلَى الطَّائِف ومخالفيها ، فَخرج مُصدقا فاعتد عَلَيْهِم بالغذاء وَلم يَأْخُذهُ مِنْهُم ، فَقَالُوا (لَهُ) : إِن كنت تَعْتَد علينا بالغذاء (فَخذ مِنْهُ) فَأمْسك حَتَّى لَقِي عمر ، فَقَالَ لَهُ : (اعْلَم أَنهم) يَزْعمُونَ أَنا نظلمهم ، نعتد عَلَيْهِم بالغذاء وَلَا نَأْخُذهُ مِنْهُم ، فَقَالَ لَهُ عمر : اعْتد عَلَيْهِم بالغذاء حَتَّى بالسخلة يروح بهَا الرَّاعِي عَلَى يَده ، وَقل لَهُم : لَا آخذ مِنْكُم الربى ، وَلَا الماخض ، وَلَا ذَات الدّرّ ، وَلَا الشَّاة الأكولة ، وَلَا فَحل الْغنم ، وَخذ العناق الْجَذعَة ، والثنية ، فَذَلِك عدل بَين غذَاء المَال وخياره . قلت : وَله طَرِيق ثَالِث من حَدِيث أَيُّوب ، عَن عِكْرِمَة بن خَالِد ، عَن سُفْيَان . قَالَ ابْن حزم : لم يرو هَذَا عَن عمر من طَرِيق مُتَّصِلَة ، إِلَّا من طَرِيقين ؛ إِحْدَاهمَا : من طَرِيق بشر بن عَاصِم بن سُفْيَان ، عَن أَبِيه ، وَكِلَاهُمَا غير مَعْرُوف ، أَو من طَرِيق ابْن لعبد الله ، لم يسم . وَالثَّانيَِة : من طَرِيق عِكْرِمَة بن خَالِد ، وَهُوَ ضَعِيف . وَوَقع فِي الْكِفَايَة أَن اسْم هَذَا السَّاعِي سعد بن رستم ، وَهُوَ غَرِيب ، وَالصَّوَاب سُفْيَان كَمَا سلف ، وَهُوَ مَا ذكره (صَاحب) الْحَاوِي أَيْضا . فَائِدَة : الأكولة : بِفَتْح الْهمزَة ، الشَّاة الْمعدة للْأَكْل المسمنة ، فِي قَول أبي عبيد . وَقَالَ شمر : أكولة غنم الرجل الْخصي والهرمة : العاقر . والرُبّا : بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء ، وَجَمعهَا أَرْبَاب ، والمصدر ربَاب بِكَسْرِهَا . قَالَ الْجَوْهَرِي : قَالَ الْأمَوِي : هِيَ ربى من وِلَادَتهَا إِلَى شَهْرَيْن ، قَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ : الرُبى من الْمعز ، وَقَالَ غَيره : من الْمعز والضأن ، وَرُبمَا جَاءَت فِي الْإِبِل . والماخض : الْحَامِل . والغِذا بالغين الْمَكْسُورَة الْمُعْجَمَة ثمَّ ذال مُعْجمَة أَيْضا وَالْمدّ - جمع غذي بتَشْديد الْيَاء السخال : الصغار ، (قَالَه) الرَّافِعِيّ : وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّه الشَّيْء الرَّدِيء والسخلة تقع عَلَى الذّكر وَالْأُنْثَى من أَوْلَاد الْمعز سَاعَة مَا تضعه الشَّاة ، ضأنًا كَانَت أَو معزًا ، وَالْجمع سخال وسخل . وَذَات الدّرّ : مَعْنَاهُ ذَات اللَّبن . وَقَوله : اعْتد ، هُوَ بِفَتْح الدَّال عَلَى الْأَمر ، خطاب من عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لساعيه سُفْيَان الْمَذْكُور ، وَهُوَ سُفْيَان بن عبد الله بن أبي ربيعَة الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي ، كَانَ عَامل عمر عَلَى الطَّائِف ، وَهُوَ صحابي .
الحَدِيث الثَّالِث روى الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِإِسْنَادِهِ إِلَى أنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : هَذِه الصَّدَقَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذِه فَرِيضَة (الصَّدَقَة) الَّتِي فَرضهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (عَلَى الْمُسلمين) الَّتِي أَمر الله بهَا ، فَمن سئلها عَلَى وَجههَا من الْمُؤمنِينَ (فليعطها) ، وَمن سئلها فَوق حَقه ، فَلَا يُعْطهَا : فِي أَربع وَعشْرين من الْإِبِل ، فَمَا دونهَا (من) الْغنم ، فِي كل خمس شَاة ، فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين ، إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ ، فَفِيهَا ابْنة مَخَاض أُنْثَى ، فَإِن لم يكن فِيهَا ابْنة مَخَاض ، فَابْن لبون ذكر ، فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ إِلَى خمس وَأَرْبَعين فَفِيهَا ابْنة لبون أُنْثَى ، فَإِذا بلغت ستًّا وَأَرْبَعين إِلَى سِتِّينَ ، فَفِيهَا حقة طروقة (الْجمل) ، فَإِذا بلغت وَاحِدًا وَسِتِّينَ إِلَى خمس وَسبعين ، فَفِيهَا جَذَعَة ، فَإِذا بلغت ستًّا وَسبعين إِلَى تسعين ، فَفِيهَا (ابنتا) لبون ، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَتِسْعين إِلَى عشْرين وَمِائَة ، فَفِيهَا حقتان طروقتا الْجمل ، فَإِذا زَادَت عَلَى عشْرين وَمِائَة ، فَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت (لبون) ، وَفِي كل خمسين حقةٍ ) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَهُوَ عُمْدَة الْبَاب ، وَعَلِيهِ وَعَلَى حَدِيث ابْن عمر الآتي (مدَار) نصب زَكَاة الْمَاشِيَة . وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي كَمَا ذكرنَا بأطول من هَذَا عَن الْقَاسِم بن عبد الله بن عمر ، عَن الْمثنى بن أنس ، أَو ابْن فلَان بن أنس ، (عَن أنس) : هَذِه الصَّدَقَة فَذكره كَمَا سقناه ، وَزِيَادَة وَإِن بَين أَسْنَان الْإِبِل فِي فَرِيضَة الصَّدَقَة ، من بلغت عِنْده من الْإِبِل صَدَقَة الْجَذعَة ، وَلَيْسَت عِنْده الجزعة ، وَعِنْده حقة ، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الحقة ، وَيجْعَل مَعهَا شَاتين إِن استيسرتا عَلَيْهِ ، أَو عشْرين درهما ، وَإِذا بلغت عَلَيْهِ حقة ، وَلَيْسَت عِنْده حقة ، وَعِنْده جَذَعَة ، فَإِنَّهَا (تقبل مِنْهُ الْجَذعَة ، وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما ، أَو شَاتين . قَالَ الْبَيْهَقِيّ) فِي الْمعرفَة : كَذَا رَوَى هَذَا الحَدِيث (عبد الله بن عمر الْعمريّ عَن الْمثنى بن أنس وَهُوَ الْمثنى بن) عبد الله بن أنس ، (نسب إِلَى جده ، وَالشَّافِعِيّ (ذكر) هَذِه (الرِّوَايَة) بِرِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس) ، عَن أنس ، وَجعل اعْتِمَاده عَلَيْهَا وَعَلَى مَا بعْدهَا من (حَدِيث ابْن) عمر ، قَالَ : أَخْبرنِي عددٌ ثِقَات كلهم ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ثُمَامَة (بن عبد الله) بن أنس ، عَن أنس (بن) مَالك ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مثل مَعْنَى هَذَا لَا يُخَالِفهُ ، إِلَّا أَنِّي لم أحفظ فِيهِ إِلَّا يُعْطَى شَاتين ، أَو عشْرين درهما لَا أحفظ : (إِن) اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ . قَالَ : وأحسب فِي حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أنس ، أَنه قَالَ : دفع إليَّ أَبُو بكر الصّديق كتاب الصَّدَقَة عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر هَذَا الْمَعْنى كَمَا وصفتُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : حَدِيث حَمَّاد ، عَن ثُمَامَة ، عَن أنس ؛ حَدِيث صَحِيح مَوْصُول ، وَقد قصر بِهِ بعض الروَاة ، فَرَوَاهُ عَن حَمَّاد ، قَالَ : أخذت من ثُمَامَة كتابا زعم أَن أَبَا بكر [ كتبه ] لأنس ، فَتعلق بِهِ بعض من ادّعى الْمعرفَة بالآثار ؛ و(قَالَ) : هَذَا مُنْقَطع وَأَنْتُم لَا تثبتون الْمُنْقَطع ، وَإِنَّمَا وَصله عبد الله بن الْمثنى ، عَن ثُمَامَة ، عَن أنس ، وَأَنْتُم لَا تَجْعَلُونَ عبد الله بن الْمثنى حجَّة . وَلم يعلم أَن [ يُونُس بن مُحَمَّد ] الْمُؤَدب قد رَوَاهُ عَن حَمَّاد ، قَالَ : أخذت هَذَا الْكتاب من ثُمَامَة عَن أنس ، أَن أَبَا بكر كتب لَهُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُرَيج بن النُّعْمَان ، عَن حَمَّاد . وَقد أوردهُ ابْن الْمُنْذر فِي كِتَابه محتجًّا بِهِ . وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه - وَهُوَ إِمَام - عَن النَّضر بن شُمَيْل - وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الْعَدَالَة والإتقان والتقدم عَلَى أَصْحَاب حَمَّاد - قَالَ : ثَنَا حَمَّاد ابْن سَلمَة ، قَالَ : أَخذ هَذَا الْكتاب من ثُمَامَة (يحدثه) عَن أنس ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده صَحِيح ، وَكلهمْ ثِقَات . قلت : وَبِهَذَا يظْهر (رد) مَا نقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ فِي كتاب التتبع عَلَى الصَّحِيحَيْنِ : إِن ثُمَامَة لم يسمعهُ من أنس ، وَلَا سَمعه عبد الله بن الْمثنى من ثُمَامَة . وَمَا فِي الْأَطْرَاف للمقدسي : (قيل لِابْنِ) معِين : حَدِيث ثُمَامَة عَن أنس فِي الصَّدقَات ؟ قَالَ : لَا يَصح ، وَلَيْسَ بِشَيْء ، وَلَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث الصَّدقَات . فَإِن قلت : قد تكلم جمَاعَة فِي عبد الله بن الْمثنى ، فَقَالَ الساجي : ضَعِيف مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ ( د ) : لَا أخرج حَدِيثه ، وَقَالَ أَبُو سَلمَة : كَانَ ضَعِيفا . قلت : قد أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَلَى وَجه الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقَالَ أبو حاتم : صَالح الحَدِيث ، وَوَثَّقَهُ غَيره . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : وَلَا نعلم من حَملَة الحَدِيث وحفاظهم من استقصى فِي انتقاد (الروَاة) مَا استقصى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ، مَعَ إِمَامَته ، وتقدمه فِي معرفَة الرِّجَال ، وَعلل الْأَحَادِيث ، ثمَّ (إِنَّه) اعْتمد فِي هَذَا الْبَاب عَلَى هَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ حَدِيث عبد الله بن الْمثنى ، عَن ثُمَامَة ، عَن أنس ، وَأخرجه فِي صَحِيحه وَذَلِكَ لِكَثْرَة الشواهد لحديثه هَذَا بِالصِّحَّةِ . قلت : وَقد ذكره البُخَارِيّ مفرقًا فِي كتاب الزَّكَاة ، فِي عشرَة مَوَاضِع (مِنْهُ) ، فأجمعه لَك هُنَا ليحال مَا يَقع بعد عَلَيْهِ ، فَأَقُول : رَوَاهُ عَن مُحَمَّد [ بن عبد الله ] بن الْمثنى الْأنْصَارِيّ ، حَدثنِي أبي ، قَالَ : (حَدثنِي) ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس ، أَن أنسا حَدثهُ أَن أَبَا بكر الصّديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كتب لَهُ هَذَا الْكتاب لما وَجهه إِلَى الْبَحْرين : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة ، الَّتِي فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْمُسلمين ، وَالَّتِي أَمر الله رَسُوله بهَا) ، فَمن سئلها (عَلَى وَجههَا من الْمُسلمين) ؛ فليعطها ، وَمن سُئِلَ فَوْقهَا ؛ فَلَا يُعْط ، فِي أَربع وَعشْرين من الْإِبِل فَمَا دونهَا (من الْغنم) فِي كل خمس شَاة ، فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ ، فَفِيهَا بنت مَخَاض أُنْثَى ، فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ إِلَى خمس وَأَرْبَعين فَفِيهَا بنت لبون أُنْثَى ، فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حقَّةُُ طروقةُ الْجمل ، فَإِذا بلغت وَاحِدَة وَسِتِّينَ إِلَى خمس وَسبعين ، فَفِيهَا جَذَعَة ، فَإِذا بلغت - يعْني - سِتا وَسبعين إِلَى تسعين ، فَفِيهَا بِنْتا لبون ، فَإِذا بلغت إِحْدَى وَتِسْعين إِلَى عشْرين وَمِائَة ، فَفِيهَا حقَّتان (طروقتا) الْجمل ، فَإِذا زَادَت عَلَى عشْرين وَمِائَة ، فَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت (لبون) ، وَفِي كل خمسين حقة ، وَمن لم يكن (مَعَه) إِلَّا أَربع من الْإِبِل ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَة ، إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا ، فَإِذا بلغت خمْسا من الْإِبِل فَفِيهَا شَاة ، وَفِي صَدَقَة الْغنم فِي سائمتها ، إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى عشْرين وَمِائَة شَاة ، فَإِذا زَادَت (عَلَى) عشْرين و(مائَة إِلَى مِائَتَيْنِ) فَفِيهَا شَاتَان ، فَإِذا زَادَت عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثمِائَة ، فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه ، فَإِذا زَادَت عَلَى ثَلَاثمِائَة ، فَفِي كل مائَة شَاة ، فَإِذا كَانَت سَائِمَة الرجل نَاقِصَة من أَرْبَعِينَ شَاة وَاحِدَة فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَة ، إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا وَفِي الرقة ربع الْعشْر ، فَإِن لم تكن إِلَّا تسعين وَمِائَة ، فَلَيْسَ فِيهَا (شي) إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا . وَفِي هَذَا الْكتاب : وَمن بلغت صدقته بنت الْمَخَاض وَلَيْسَت عِنْده ، وَعِنْده بنت لبون ، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ ، وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين ، فَإِن لم يكن (عِنْده) بنت مَخَاض عَلَى وَجههَا ، وَعِنْده ابْن لبون ، فَإِنَّهُ يقبل مِنْهُ ، وَلَيْسَ مَعَه شَيْء ، وَمن بلغت عِنْده من الْإِبِل صَدَقَة الْجَذعَة ، وَلَيْسَت عِنْده جَذَعَة وَعِنْده حقة ، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الحقة ، وَيجْعَل مَعهَا شَاتين ، إِن استيسرتا لَهُ ، أَو عشْرين درهما ، وَمن بلغت (عِنْده) صَدَقَة الحقة ، وَلَيْسَت عِنْده (الحقة ، وَعِنْده الْجَذعَة ، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الْجَذعَة ، وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما ، أَو شَاتين ، وَمن بلغت عِنْده صَدَقَة الحقة ، وَلَيْسَت عِنْده) إِلَّا بنت لبون ، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ بنت لبون ، وَيُعْطى شَاتين أَو عشْرين درهما ، وَمن بلغت صدقته بنت لبون ، وَعِنْده حقة ، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ الحقة ، وَيُعْطِيه الْمُصدق عشْرين درهما أَو شَاتين ، وَمن بلغت صدقته بنت لبون ، وَلَيْسَت عِنْده ، وَعِنْده بنت مَخَاض ، فَإِنَّهَا تقبل مِنْهُ بنت مَخَاض ، وَيُعْطَى مَعهَا عشْرين درهما أَو شَاتين وَلَا يخرج فِي الصَّدَقَة هرمة ، وَلَا ذَات عوار ، وَلَا تَيْس ، إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصدق ، (وَلَا يجمع) بَين متفرق ، وَلَا يفرق بَين مجتمعٍ خشيَة الصَّدَقَة ، وَمَا كَانَ من خليطين ، فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ هَذَا كُله لفظ البُخَارِيّ ، مفرقًا ، وَقد رَوَاهُ بِطُولِهِ ابْن حبَان فِي صَحِيحه . قَالَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - : هَذَا حَدِيث ثَابت وَبِه نَأْخُذ . وَقَالَ الْحَاكِم : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . فَائِدَة : فِي الْإِشَارَة إِلَى ضبط أَلْفَاظ وَقعت فِي هَذَا الحَدِيث ، وطرف من فَوَائده ، وَقد تعرض الرَّافِعِيّ لطرف لطيف مِنْهَا ؛ فَذكر الْبَسْمَلَة فِي أَوله يُسْتَدلُّ بِهِ عَلَى ابتدائها فِي (أول) الْكتب كَمَا نبه عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيّ ، قَالَ : بِخِلَاف مَا كَانَت عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة من قَوْلهم (بِاسْمِك) اللَّهُمَّ ، (قَالَ) ودلَّ أَيْضا (عَلَى) أَن الِابْتِدَاء بِالْحَمْد لله لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا شَرط ، وأنّ مَعْنَى الحَدِيث : كل أمرٍ ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِحَمْد الله فَهُوَ أَجْزم أَي : لم يبْدَأ فِيهِ بِحَمْد الله أَو مَعْنَاهُ وَنَحْوه من ذكر الله تَعَالَى . وَقَوله : هَذِه فَرِيضَة بَدَأَ بِإِشَارَة التَّأْنِيث ؛ لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ مؤنثًا ، قَالَ الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا : وَقَوله فَرِيضَة أَي : نُسْخَة فَرِيضَة الصَّدَقَة ، فَحذف لَفْظَة نُسْخَة وهو من حذف (الْمُضَاف) وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه . وَقَوله : هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة ، هُوَ تَرْجَمَة الْكتاب فِي عنوانه ، كَمَا يكْتب هَذَا مُخْتَصر كَذَا ، وَكتاب كَذَا (قَالَه) الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب وَقَوله : فَرِيضَة الصَّدَقَة فِيهِ دلَالَة عَلَى أَن اسْم الصَّدَقَة يُطلق عَلَى الزَّكَاة ، خلافًا لأبي حنيفَة . وَقَوله : وَالَّتِي أَمر بهَا رَسُوله يَعْنِي قَوْله : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْآيَة . وَمَعْنى فرض : قدر ، وَقيل : سنّ ، وَقيل : أوجب ، والرافعي ذكر الأول والأخير فِي الْكتاب ، فعلَى الثَّالِث مَعْنَاهُ : إِن الله أوجبهَا ثمَّ بلغَهَا إِلَيْنَا رَسُوله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَمَّى أمره وتبليغه فرضا ، وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ : (شرعها) بِأَمْر الله تَعَالَى . وَعَلَى الأول : (بيَّنها) ؛ كَقَوْلِه تَعَالَى : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ، أَو يكون مَعْنَاهُ من قَوْلهم : فرض القَاضِي النَّفَقَة (أَي) قدرهَا . وَقَوله : عَلَى الْمُسلمين فِيهِ دلَالَة لمن يَقُول : إِن الْكَافِر لَيْسَ مُخَاطبا بِالزَّكَاةِ وَسَائِر الْفُرُوع ، وَمن قَالَ إِنَّه مُخَاطب بهَا - وَهُوَ الصَّحِيح - قَالَ : مَعْنَى فرض عَلَى الْمُسلمين أَن تُؤْخَذ مِنْهُم فِي الدُّنْيَا ، وَالْكَافِر لَا تُؤْخَذ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا ، وَلَكِن يعذب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة . وَقَوله : وَالَّتِي أَمر الله تَعَالَى رَسُوله ، هَكَذَا هُوَ فِي (رِوَايَة) البُخَارِيّ ، وَغَيره ، من كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة . وَفِي رِوَايَة الشَّافِعِي الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب ، وَأبي دَاوُد فِي سنَنه : الَّتِي بِغَيْر وَاو ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح . فَأَما رِوَايَة الْجُمْهُور ؛ فعطف عَلَى قَوْله الَّتِي فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي أَن فَرِيضَة الصَّدَقَة اجْتمع فِيهَا تَقْدِير رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) وَأمر الله تَعَالَى . وَأما عَلَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة ؛ فَتكون الْجُمْلَة الثَّانِيَة بَدَلا من الأولَى وَقَوله : فَمن سُئلها عَلَى وَجههَا ؛ فليعطها ، وَمن سُئل فَوْقهَا (فَلَا) هُوَ بِضَم السِّين فيهمَا عَلَى مَا لم يسم فَاعله ، وبكسر الطَّاء ، كَذَا هُوَ مَوْجُود فِي البُخَارِيّ وَغَيره من كتب الحَدِيث الْمُعْتَمدَة . وَوَقع فِي الْمُهَذّب : فَمن سَأَلَهَا بِفَتْح السِّين فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وبفتح الطَّاء . وَمَعْنى من سَأَلَهَا عَلَى وَجههَا أَي (عَلَى) حسب مَا شرعت . وَقَوله : فَلَا يُعْطه اخْتلف أَصْحَابنَا فِي الضَّمِير فِي لَا يُعْطه عَلَى وَجْهَيْن ، أصَحهمَا : أَن مَعْنَاهُ لَا يُعْطي الزَّائِد ، بل يُعْطي الْوَاجِب عَلَى وَجهه ، وَنَقله الرَّافِعِيّ عَن اتِّفَاق الشَّارِحين . وَثَانِيهمَا : أَن مَعْنَاهُ لَا يُعْط فرض الزَّكَاة وَلَا شَيْء مِنْهُ ، لهَذَا السَّاعِي ، بل يخرج الْوَاجِب بِنَفسِهِ ، أَو يَدْفَعهُ إِلَى ساعٍ آخر ؛ لِأَن السَّاعِي (بِطَلَبِهِ) الزَّائِد عَلَى الْوَاجِب يكون مُتَعَدِّيا فَاسِقًا ، وَشرط الساعي أَن يكون أَمينا . وَقَوله : فِي أَربع وَعشْرين من الْإِبِل ، فَمَا دونهَا الْغنم هَذِه جملَة من مُبْتَدأ وَخبر ، (فالغنم مُبْتَدأ) ، وَفِي أَربع وَعشْرين خبر مقدم . قَالَ بَعضهم : الْحِكْمَة هُنَا فِي تَقْدِيمه عَلَى الْمُبْتَدَأ : أَن الْمَقْصُود بَيَان النّصاب ، وَالزَّكَاة إِنَّمَا تجب بعد وجود النّصاب ، فَكَانَ تَقْدِيمه أحسن ، ثمَّ ذكر الْوَاجِب ، وَكَذَا اسْتعْمل هَذَا الْمَعْنى فِي كل النصب ؛ حَيْثُ قَالَ : فِيهَا ابْنة مَخَاض ، فِيهَا (بنت) لبون ، فِيهَا حقة إِلَى آخِره . وَقَوله : فِي أَربع وَعشْرين ، فَمَا دونهَا الْغنم (مُجمل ، ثمَّ فسّره بِأَن فِي كل خمس شَاة . وَقَوله : فِي أَربع وَعشْرين ، فَمَا دونهَا) وَقَوله : إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ ، إِلَى خمس وَأَرْبَعين ، إِلَى سِتِّينَ كل ذَلِك دَلِيل عَلَى أَن الأوقاص لَيست بِعَفْو ، وَأَن الْفَرْض يتَعَلَّق بِالْجَمِيعِ ، وَالْمَشْهُور عندنَا خِلَافه . وَالْإِبِل : بِكَسْر الْبَاء ، وَيجوز إسكانها ، وَهِي مُؤَنّثَة ، وَكَذَلِكَ الْبَقر ، وَالْغنم . وطروقة : بِمَعْنى مطروقة ، (كحلوبة وركوبة بِمَعْنى) محلوبة ومركوبة ، وَهِي طروقة الْجمل كَمَا سلف . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ طروقة الْفَحْل قلت : هُوَ لفظ أبي دَاوُد . والرقة بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف (كل) الْفضة ، كَمَا سيأتي وَاضحا ، فِي بَاب زَكَاة الْمَعْدن - إِن شَاءَ الله . وَقَوله : بنت مَخَاض أُنْثَى وَكَذَا ابْن لبون قيل : إِنَّه احْتِرَاز من الْخُنْثَى ، وَالأَصَح أَنه تَأْكِيد لشدَّة الاعتناء ؛ كَقَوْلِهِم : رَأَيْت بعيني ، وَسمعت بأذني . والعوار : بِفَتْح الْعين أفْصح من ضمهَا وَأشهر ، وَهُوَ الْعَيْب . وَقَوله : وَلَا يخرج فِي الصَّدَقَة هرمة ، وَلَا ذَات عوار ، وَلَا تَيْس إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصدق وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد : إِلَّا أَن يَشَاء الْمُصدق . فَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ ؛ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : المصّدق هُنَا بتَشْديد الصَّاد ، وَهُوَ ربّ المَال ، وَالِاسْتِثْنَاء عَائِد إِلَى التيس خَاصَّة ، وَمَعْنَاهُ : لَا يخرج هرمة ، وَلَا ذَات عيب أبدا ، وَلَا يُؤْخَذ التيس إِلَّا برضى الْمَالِك ، قَالُوا : ولا بد من هَذَا التَّأْوِيل ؛ لِأَن الهرمة وذَات الْعَيْب لَا يجوز للْمَالِك إخراجهما ، وَلَا لِلْعَامِلِ الرضَى بهَا ، وَأما التيس فالمنع من أَخذه لحق الْمَالِك ، وَهُوَ كَونه فَحل الْغنم ، الْمعد لضرابها ، فَإِذا تبرع بِهِ الْمَالِك جَازَ ، وَصورته إِذا كَانَت الْغنم كلهَا ذُكُورا (بِأَن) مَاتَت الْإِنَاث وَبقيت الذُّكُور فَيجب فِيهَا ذكر ، وَيُؤْخَذ من وَسطهَا ، وَلَا يجوز أَخذ تَيْس الْغنم إِلَّا برضى الْمَالِك . والتأويل الثَّانِي أَن الْمُصدق بِفَتْح الصَّاد المخففة : السّاعي ، وَهُوَ الظَّاهِر ؛ وَيعود الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجَمِيع ، وَهُوَ أَيْضا الْمَعْرُوف (من مَذْهَب الشَّافِعِي) أَن الِاسْتِثْنَاء إِذا تعقب جُملاً عَاد إِلَى جَمِيعهَا ، قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار ، وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ . وَقَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه تصاحيف الروَاة : أَخْبرنِي الْحسن ابن صَالح ، عَن ابْن الْمُنْذر قَالَ : كَانَ أَبُو عبيد يُنكر قَوْله : إِلَّا أَن يَشَاء الْمُصدق يَقُول : هَكَذَا يَقُوله المحدثون ، وَأَنا أرَاهُ الْمُصدق يَعْنِي رب الْمَاشِيَة ، وَقَوله فِي أول الْكتاب : لمَّا وَجهه إِلَى الْبَحْرين هُوَ اسْم لبلاد مَعْرُوفَة ، وإقليم مَشْهُور ، مُشْتَمل عَلَى مدن ، قاعدتها هجر ، قَالُوا : وَهَكَذَا ينْطق بِهِ الْبَحْرين بِلَفْظ التَّثْنِيَة ، وينسب إِلَيْهِ بحراني . وذكر الرافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن الْوَجِيز ثمَّ أنكرها ، فَقَالَ : قَوْله فَإِذا زَادَت عَلَى عشْرين وَمِائَة وَاحِدَة ، فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون ، ثمَّ فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون لَا يُوجد هَكَذَا فِي حَدِيث أبي بكر (وَهُوَ كَمَا قَالَ وَالَّذِي فِيهِ كَمَا أسلفه وَرَأَيْت فِي نُسْخَة من الْوَجِيز عزو هَذِه إِلَى أبي بكر) بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ، وَلم أرها فِي كِتَابه أَيْضا .
الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَمر) بِصَدقَة الْفطر ، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالْحر وَالْعَبْد ، مِمَّن تمونون . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي الحَدِيث قبله وَاضحا .
الحَدِيث الثَّالِث أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فرض زَكَاة الْفطر ، وَأمر بهَا أَن تُؤَدَّى قبل (خُرُوج) النَّاس إِلَى الصَّلَاة . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسلم فِي عَبده ، وَلَا فرسه صَدَقَة ، إِلَّا صَدَقَة الْفطر (عَنهُ) . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِدُونِ الِاسْتِثْنَاء ، كَمَا سلف فِي بَاب زَكَاة النعم ، وَأما الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّهُ لمسلمٍ خَاصَّة ، بِلَفْظ : لَيْسَ فِي العَبْد صَدَقَة إِلَّا صَدَقَة الْفطر . وَأما لَفْظَة : عَنهُ فَلَا أعلم من خرجها فِيهِ . وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء من رِوَايَة مخرمَة بن بكير ، عَن أَبِيه ، عَن عرَاك بن مَالك ، عَن أبي هُرَيْرَة . ومخرمة لم يسمع من أَبِيه ، كَمَا قَالَه غير وَاحِد من الْحفاظ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَاب اللّعان ، إِن شَاءَ الله . وَقد تَابع مخرمَة عَلَى رِوَايَته : نَافِع (بن) يزِيد ، عَن جَعْفَر بن ربيعَة ، عَن عرَاك بن مَالك ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا صَدَقَة عَلَى الرجل فِي فرسه وَلَا عَبده إِلَّا زَكَاة الْفطر . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك ، وَالْبَيْهَقِيّ كَذَلِك ، بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، إِلَّا (لَفْظَة عَنهُ) . وقاسم بن أصبغ بِلَفْظ : لَا صَدَقَة فِي فرس الرجل وَلَا عَبده إِلَّا صَدَقَة الْفطر . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث يَحْيَى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة ، عَن (عبيد الله) بن عمر ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة (قَالَ) : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ فِي الْخَيل وَالرَّقِيق صَدَقَة ، إِلَّا أَن فِي الرَّقِيق صَدَقَة الْفطر . وَذكره [ ابْن الْقطَّان ] من هَذِه الطّرق (الثَّلَاث) ، وَقَالَ : هَذِه كلهَا صِحَاح .
الحَدِيث الثَّامِن قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ابدأ بِنَفْسِك ثمَّ بِمن تعول . هَذَا الحَدِيث يتَكَرَّر عَلَى أَلْسِنَة جماعات من أصاحبنا ، كَالْإِمَامِ ، وَالْغَزالِيّ ، وَصَاحب الْمُهَذّب ، وَغَيرهم ، وَلم أره كَذَلِك فِي حَدِيث وَاحِد ؛ نعم فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر ، فِي قصَّة بيع الْمُدبر : ابدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا ، فَإِن فضل شَيْء فلأهلك . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أفضل الصَّدَقَة مَا كَانَ (عَن) ظهر غنى ، وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلَى ، وابدأ بِمن تعول . زَاد البُخَارِيّ : تَقول الْمَرْأَة : إِمَّا أَن تطعمني ، وَإِمَّا أَن تُطَلِّقنِي . وَيَقُول العَبْد : أَطْعمنِي واستعملني . وَيَقُول (الابْن) : أَطْعمنِي ، إِلَى من تدعني ؟ قَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَة ، هَذَا من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سمعته ؟ قَالَ : لَا ؛ هَذَا من كيس أبي هُرَيْرَة . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَفِيه : وابدأ بِمن تعول . فَقيل : من أعول يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : (امْرَأَتك) [ مِمَّن تعول ] ، تَقول أَطْعمنِي : وَإِلَّا فارقني الحَدِيث ، وَسَيَأْتِي مطولا فِي النَّفَقَات إِن شَاءَ الله .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أدُّوا صَدَقَة الْفطر عَمَّن تمونون . هَذَا الحَدِيث مرويٌّ من طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِصَدقَة الْفطر ، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالْحر وَالْعَبْد ، مِمَّن تمونون . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد الْهَمدَانِي ، نَا الْقَاسِم بن عبد الله بن عَامر بن زُرَارَة ، نَا [ عُمَيْر ] بن عمار الْهَمدَانِي ، ثَنَا الْأَبْيَض ابْن الْأَغَر ، قَالَ : حَدثنِي الضَّحَّاك بن عُثْمَان ، عَن نَافِع ، عَنهُ ، (بِهِ) سَوَاء . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من هَذِه الطَّرِيق ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : [ عُمَيْر ] بن عمار لم أره فِي كتاب أبي حَاتِم ، وَلم يخل الْإِسْنَاد من مس بِكَلَام ، وَمِمَّنْ يحْتَاج إِلَى معرفَة حَاله قَالَ : والأبيض ذكره ابْن أبي حَاتِم وَلم يعرف بِحَالهِ . قلت : ( رَوَى) أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ - فِيمَا حَكَاهُ صَاحب الْمِيزَان - عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ فِي حَقه : إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ البُخَارِيّ : يكْتب حَدِيثه . وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا أَنه قَالَ : رَفعه هَذَا الشَّيْخ (الْقَاسِم ) وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَالصَّوَاب مَوْقُوف . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث عَلّي بن مُوسَى الرضي ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن آبَائِهِ عَلَيْهِم السَّلَام أَن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فرض زَكَاة الْفطر ، عَلَى الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالذكر وَالْأُنْثَى ، مِمَّن تمونون . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد ، نَا مُحَمَّد ابْن [ الْمفضل ] بن إِبْرَاهِيم الْأَشْعَرِيّ ، نَا إِسْمَاعِيل بن همام ، حَدثنِي عَلّي بن مُوسَى الرِّضَي فَذكره . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : لم يخل بعض رُوَاته من كَلَام ، وَبَعْضهمْ يحْتَاج إِلَى معرفَة حَاله . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُرْسل ؛ فَإِن جَدَّ عَلّي بن مُوسَى (الرضي) هُوَ جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن بن عَلّي بن أبي طَالب ، وجعفر الصَّادِق لم يدْرك الصَّحَابَة ، قَالَ ابْن حبَان فِي ثقاته : يحْتَج بحَديثه مَا كَانَ من غير رِوَايَة أَوْلَاده عَنهُ ؛ لِأَن فِي حَدِيث وَلَده عَنهُ مَنَاكِير كَثِيرَة . قلت : وَسَتَأْتِي رِوَايَة الشَّافِعِي ، من رِوَايَة غير وَلَده (عَنهُ) . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فرض زَكَاة الْفطر ، عَلَى الْحر وَالْعَبْد ، وَالذكر وَالْأُنْثَى ، مِمَّن تمونون . رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن شَيْخه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن جَعْفَر بِهِ . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من جِهَته ، وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد عرفت حَاله فِي الطَّهَارَة ، وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُرْسل . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى كل صَغِير أَو كَبِير (أَو حر) أَو عبد مِمَّن تمونون ، صَاعا من شعير ، أَو صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من زبيب ، عَن كل إِنْسَان ثمَّ قَالَ : وَهَذَا مُرْسل . وَهَذَا طَرِيق رَابِع . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : يَعْنِي بالمرسل الْمُنْقَطع ، والانقطاع فِيمَا بَين مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن ، وجد أَبِيه عَلّي بن أبي طَالب . وَرَوَى (الثَّوْريّ) عَن عبد الْأَعْلَى ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن عليٍّ قَالَ : من جرت عَلَيْهِ نَفَقَتك [ فأطعم عَنهُ ] نصف صَاع (من) بر ، أَو صَاع من تمر . وَهَذَا مَوْقُوف . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَعبد الْأَعْلَى غير قوي ، إِلَّا أَنه إِذا انْضَمَّ إِلَى مَا قبله (يَعْنِي حَدِيث عَلّي بن مُوسَى الرضي السالف) قَوِيا فِيمَا اجْتمعَا فِيهِ . تَنْبِيه : وَقع فِي شرح التَّنْبِيه للشَّيْخ نجم الدَّين البالسي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وصف هَذَا الحَدِيث بالثبوت ، فَقَالَ فِي كتاب النَّفَقَات مِنْهُ : أما وجوب فطْرَة الْخَادِم فللحديث الثَّابِت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَدّوا الْفطْرَة عَمَّن تمونون . هَذَا لَفظه ، وَهُوَ وهم ، فَمن أَيْن (لَهُ) الثُّبُوت (وَهَذِه) حَالَته ؟ ! فاحذر ذَلِك .
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أغنوهم عَن الطّلب فِي هَذَا الْيَوْم . هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، فَذكره فِي آخِره أَيْضا ، وَهُوَ حَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، من رِوَايَة أبي معشر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زَكَاة الْفطر ، وَقَالَ : أغنوهم فِي هَذَا الْيَوْم . هَذَا لفظ الدَّارَقُطْنِيّ ، رَوَاهُ من حَدِيث (وَكِيع) ، عَن أبي معشر (بِهِ) ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ : أغنوهم عَن طواف هَذَا الْيَوْم رَوَاهُ من حَدِيث أبي الرّبيع ، عَن أبي معشر بِهِ ، ثمَّ قَالَ : أَبُو معشر هَذَا نجيح السندي الْمَدِينِيّ ، وَغَيره أوثق مِنْهُ . قلت : بل هُوَ واه ، وَقد ضعفه فِي سنَنه فِي بَاب : انْتِظَار الْعَصْر بعد الْجُمُعَة ، وَبَاب : الْحَج عَن المعضوب ، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . وَرَوَاهُ ابْن عَسَاكِر فِي تَخْرِيجه لأحاديث (الْمُهَذّب) ، بِلَفْظ : أغنوهم عَن السُّؤَال ثمَّ قَالَ : حَدِيث غَرِيب جدًّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ . فَائِدَة : أغنوهم بِهَمْزَة قطع مَفْتُوحَة لَيْسَ إِلَّا ؛ لِأَنَّهُ رباعي ، فَالْأَمْر مِنْهُ بِالْفَتْح .
بَاب : زَكَاة الْفطر ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ عشرَة أَحَادِيث الحَدِيث الأول عَن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، قَالَ : فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زَكَاة الْفطر من رَمَضَان عَلَى النَّاس صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير ، عَلَى كل حر أَو عبدٍ ، ذكرٍ أَو أُنْثَى ، من الْمُسلمين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق عَن ابْن عمر . أَولهَا : من طَرِيق عمر ابْن نَافِع ، عَن أَبِيه عَنهُ ، قَالَ : فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من شعير ، عَلَى العَبْد وَالْحر ، وَالذكر وَالْأُنْثَى ، وَالصَّغِير وَالْكَبِير من الْمُسلمين ، و(أَمر بهَا) أَن (تُؤَدَّى) قبل خُرُوج النَّاس إِلَى الصَّلَاة . رَوَاهُ البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه . ثَانِيهَا : من طَرِيق الضَّحَّاك بن عُثْمَان ، عَن نَافِع ، عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فرض زَكَاة الْفطر من رَمَضَان ، عَلَى كل نَفْس من الْمُسلمين ، حر أَو عبد ، (رجل) أَو امْرَأَة ، صَغِير أَو كَبِير ، صَاعا من (تمر) أَو صَاعا من شعير . رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (من هَذَا الْوَجْه) بِلَفْظ : (فرض) زَكَاة الْفطر من رَمَضَان ، عَلَى (كل) نَفْس من الْمُسلمين وَالثَّانِي بِلَفْظ مُسلم ، وَترْجم عَلَيْهِ : ذكر الْبَيَان بِأَن هَذِه اللَّفْظَة من الْمُسلمين لم يكن مَالك بالمتفرد بهَا . ثَالِثهَا : من طَرِيق [ عبيد الله ] ، عَن نَافِع ، عَنهُ : فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (صَدَقَة الْفطر) صَاعا من شعير ، أَو صَاعا من تمر ، عَلَى كل عبد أَو حر ، صَغِير أَو كَبِير . رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك ، وَالْبُخَارِيّ وَلَفظه : عَلَى الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالْحر والمملوك بدل : (عَلَى) كل عبد إِلَى آخِره . وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ : وَالذكر وَالْأُنْثَى . وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن نَافِع ، عَنهُ : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فرض زَكَاة الْفطر عَلَى النَّاس من رَمَضَان صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من شعير ، عَلَى كل حر (أَو) عبد ، ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين . وَفِي رِوَايَة لَهُ خَارج الْمُوَطَّأ زِيَادَة : عَلَى الصَّغِير وَالْكَبِير ذكرهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي غرائب مَالك ، وَقَالَ : رَوَاهُ (عَنهُ فقيهان) أَحدهمَا : ابْن (قُتَيْبَة) ، وَالثَّانِي : إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، من حَدِيث قُتَيْبَة عَنهُ ، وَسقط فِيهَا قَوْله : من الْمُسلمين . وَاعْلَم أَن هَذِه اللَّفْظَة - أَعنِي (قَوْله) من الْمُسلمين - اشتهرت من رِوَايَة مَالك ، حَتَّى قيل : إِنَّه تفرد بهَا . قَالَ أَبُو قلَابَة عبد الْملك (بن) مُحَمَّد : لَيْسَ أحد يَقُول فِيهِ من الْمُسلمين غير مَالك . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد تَخْرِيج رِوَايَة مَالك : وَرَوَى غير وَاحِد عَن نَافِع ، وَلم يذكرُوا فِيهِ من الْمُسلمين . والتفرد الَّذِي قيل عَن مَالك فِي هَذِه اللَّفْظَة لَيْسَ بِصَحِيح ، فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : رَوَاهُ سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي ، عَن عبيد الله ابْن عمر (بِهِ) ، وَقَالَ فِيهِ : من الْمُسلمين . قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالك بن أنس ، وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان ، وَعمر بن نَافِع ، والمعلى ابن إِسْمَاعِيل ، و(عبيد الله) ابْن عمر الْعمريّ ، وَكثير بن فرقد ، وَيُونُس بن يزِيد ، وَرُوِيَ عَن ابْن شَوْذَب عَن أَيُّوب عَن نَافِع كَذَلِك . قلت : أما رِوَايَة مَالك وَالضَّحَّاك وَعمر بن نَافِع فقد سلفت . وَأما رِوَايَة الْمُعَلَّى فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ ، بإسنادٍ صَحِيح ، وَلَفظه : أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِزَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير ، عَن كل مُسلم ، صَغِير أَو كَبِير ، حر أَو عبد . وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك . وَأما رِوَايَة الْعمريّ فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ، بِإِسْنَاد جيد ، وَلَفظه : ( فرض) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَدَقَة الْفطر ، عَلَى كل مُسلم ، صَاعا من تمر الحَدِيث . وَأخرجه ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى بِزِيَادَة فِيهِ : من الْمُسلمين وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : عَن الصَّغِير وَالْكَبِير . وَأما رِوَايَة كثير فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ ، وَلَفظه : زَكَاة الْفطر عَلَى كل حر وَعبد من الْمُسلمين صَاع من تمر ، أَو صَاع من شعير . (وأخرجها الْحَاكِم بِلَفْظ : عَلَى كل مُسلم ، حر وَعبد ، ذكر وَأُنْثَى من الْمُسلمين ، صَاع من تمر ، أَو صَاع من شعير ) ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَأما رِوَايَة يُونُس بن يزِيد فأخرجها الطَّحَاوِيّ فِي بَيَان الْمُشكل . بِلَفْظ : عَلَى النَّاس زَكَاة الْفطر ، من رَمَضَان ، صَاع من تمر أَو صَاع من شعير ، عَلَى كل إِنْسَان ، ذكر أَو أُنْثَى ، أَو حر أَو عبد من الْمُسلمين . قلت : وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر صَارِخًا بِبَطن مَكَّة يُنَادي أَن صَدَقَة الْفطر حق وَاجِب عَلَى كل مُسلم ، صَغِير أَو كَبِير ، ذكر أَو أُنْثَى ، حر أَو مَمْلُوك ، حَاضر أَو باد ، صَاع من شعير أَو تمر . ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ .
الحَدِيث الثاني عَن عبد الله بن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فرض زَكَاة الْفطر طهرة للصَّائِم من اللَّغْو والرفث ، وطعمة للْمَسَاكِين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمْ ، من حَدِيث مَرْوَان ، عَن أبي يزِيد الْخَولَانِيّ ، عَن سيار بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زَكَاة (الْفطر) فذكروه بِزِيَادَة فِي آخِره : ( من أدَّاها قبل الصَّلَاة فَهِيَ زَكَاة مَقْبُولَة) ، وَمن أدَّاها بعد الصَّلَاة فَهِيَ صَدَقَة من الصَّدقَات . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاده حسن . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه كَذَلِك ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَلم يخرجَاهُ . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِكَوْنِهِ عَلَى شَرطه أَنه من رِوَايَة عِكْرِمَة ؛ فَإِنَّهُ احْتج بِهِ فِي غير مَا مَوضِع من (صَحِيحه) ، وَلم يخرج لسيار و(لَا) لأبي يزِيد ، وَقد أَثْنَى مَرْوَان عَلَى أبي يزِيد وَوَصفه بِأَنَّهُ شيخ (صدق) ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة فِي سيار : لَا بَأْس بِهِ . وَاعْترض الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام عَلَى الْحَاكِم ، وَقَالَ : فِيمَا زَعمه نظر ؛ فَإِن يزِيد وسيارًا لم يخرج لَهما البُخَارِيّ . وَقد أسلفنا قَرِيبا أَن مُرَاد الْحَاكِم بقوله : إِن الحَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا أَن رِجَاله فِي الثِّقَة كهم لَا هم أنفسهم ، وَقد صرَّح بذلك فِي خطبَته . قلت : وَلِلْحَدِيثِ طَرِيق آخر ، ذكره الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث حَازِم الْبَصْرِيّ قَالَ : فرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زَكَاة الْفطر طهُورا للصَّائِم من اللَّغْو والرفث ، من أَدَّاهَا قبل الصَّلَاة كَانَت لَهُ زَكَاة ، وَمن أَدَّاهَا بعد الصَّلَاة كَانَت لَهُ صَدَقَة .
الحَدِيث التَّاسِع عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر إِذْ كَانَ فِينَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَاعا من طَعَام ، أَو صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من شعير ، أَو صَاعا من زبيب ، أَو صَاعا من أقط ، فَلَا أَزَال أخرجه كَمَا كنت أخرجه مَا عِشْت . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ عَنهُ بِأَلْفَاظ ، فَفِي لفظٍ : كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر صَاعا من طعامٍ ، أَو صَاعا من شعير ، أَو صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من أقط ، أَو صَاعا من زبيب . (وَفِي رِوَايَة) : فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَة وَجَاءَت السمراء قَالَ : أرَى مدًّا من هَذَا يعدل مَدين . وَفِي أُخْرَى : كُنَّا نخرج فِي عهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْفطر صَاعا من طَعَام . وللبخاري : قَالَ أَبُو سعيد : وَكَانَ طعامنا الشّعير وَالزَّبِيب والأقط وَالتَّمْر وَفِي أُخْرَى : كُنَّا نطعم الصَّدَقَة صَاعا من شعير وَفِي أُخْرَى : كُنَّا نخرج زَكَاة الْفطر وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِينَا ، عَن كل صَغِير وكبير ، حر ومملوك ، من ثَلَاثَة أَصْنَاف ، صَاعا من تمر ، صَاعا من أقط ، صَاعا من شعير ، فَلم نزل نخرجهُ حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَة ، فَرَأَى أَن مَدين من بر تعدل صَاعا من تمر . قَالَ أَبُو سعيد : أما أَنا فَلَا أَزَال أخرجه كَذَلِك . وَفِي أُخْرَى : فَلَا أَزَال أخرجه كَمَا كنت أخرجه مَا عِشْت . وَلم يذكر البُخَارِيّ الأقط فِيمَا كَانُوا يخرجونه فِي عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وَلَا) ذكر قَول أبي سعيد : لَا أَزَال أخرجه .
الحَدِيث الْعَاشِر (حَدِيث) أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فِي الأقط . هُوَ حَدِيث صَحِيح ، وَقد فَرغْنَا مِنْهُ آنِفا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَذكر عَن أبي إِسْحَاق أَن الشَّافِعِي (علق) القَوْل فِي جَوَاز إِخْرَاجه بِصِحَّة الحَدِيث ، فَلَمَّا صَحَّ قَالَ بِهِ ، وَقَالَ فِي تذنيبه عقيب هَذِه القولة بعد أَن أخرجه من رِوَايَة الشَّافِعِي عَن مَالك ، والشيخين : لَيْسَ فِي صِحَة الحَدِيث تردد . قلت : وَأما ابْن حزم فضعفه فِي محلاه ، وَقد بيّنت وهمه فِيهِ فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط فَرَاجعه مِنْهُ . تَنْبِيهَانِ : أَحدهمَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : فَإِن جَوَّزنَا - يَعْنِي إِخْرَاج الأقط - فقد ذكر فِي الْكتاب أَن اللَّبن و(الْجُبْن) فِي مَعْنَاهُ . وَهَذَا أظهر الْوَجْهَيْنِ ، وَفِيه وَجه أَن الْإِخْرَاج مِنْهُمَا لَا يُجزئ ؛ لِأَن الْخَبَر لم يرد بهما . قلت : أما (الْجُبْن) فَهُوَ كَمَا (ذكر) ، وَأما اللَّبن فقد ورد الْخَبَر بِهِ ، لكنه ضَعِيف ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أَحْمد بن رشدين ، عَن سعيد بن عفير ، عَن الْفضل بن الْمُخْتَار ، حَدثنِي (عبيد الله) بن موهب ، عَن عصمَة بن مَالك ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي صَدَقَة الْفطر : مدان من قَمح ، أَو صَاع من شعير أَو تمر أَو زبيب ، فَمن لم يكن عِنْده أقط وَعِنْده لبن فصاعين من لبن . وَالْفضل (هَذَا) قَالَ أَبُو حَاتِم (فِي حَقه) : مَجْهُول يحدث بالأباطيل . الثَّانِي : قَالَ الرَّافِعِيّ : لَا يُجزئ الدَّقِيق وَلَا السويق وَلَا الْخبز ؛ لِأَن النَّص ورد بالحب ، فَإِنَّهُ يصلح (لما لَا تصلح) لَهُ هَذِه الْأَشْيَاء ، فَوَجَبَ اتِّبَاع مورد النَّص . قلت : قد ورد النَّص فِي الدَّقِيق (والسويق) ، أما الدَّقِيق فمرويٌّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ ، أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة ، من حَدِيث نصر بن عَلّي ، عَن عبد الْأَعْلَى ، عَن هِشَام ، (عَن) مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَنهُ قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نُؤَدِّي زَكَاة رَمَضَان ، صَاعا من طَعَام ، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالْحر والمملوك ، من أَدَّى سلتًا - وَأَحْسبهُ قَالَ : من أَدَّى دَقِيقًا - قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى سويقًا قبل مِنْهُ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، من حَدِيث (الثَّقَفِيّ) ، عَن هِشَام ، وَلَفظه : أمرنَا أَن نعطي صَدَقَة رَمَضَان ، عَن الصَّغِير وَالْكَبِير ، وَالْحر والمملوك ، صَاعا من طَعَام ، من أَدَّى برًّا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى شَعِيرًا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى زبيبًا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى سلتًا قَالَ : قبل مِنْهُ ، وَأَحْسبهُ قَالَ : وَمن أَدَّى دَقِيقًا قبل مِنْهُ ، وَمن أَدَّى سويقًا قبل مِنْهُ . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ نصر بن عَلّي فَذكره كَمَا سَاقه ابْن خُزَيْمَة ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر . ولعلَّ ابْن خُزَيْمَة اعْتبر عَدَالَة الروَاة ، وهم كَذَلِك ، وَلم يلْتَفت إِلَى غرابته ، نعم هُوَ مُنْقَطع فِيمَا بَين مُحَمَّد بن سِيرِين وَابْن عَبَّاس . قَالَ أَحْمد : لم يسمع مِنْهُ ، كلهَا يَقُول : نبئت عَن ابْن عَبَّاس . وَقَالَ خَالِد الْحذاء : كل شَيْء يَقُول : نبئت عَن ابْن عَبَّاس إِنَّمَا سَمعه من عِكْرِمَة أَيَّام الْمُخْتَار . قيل : وَذَلِكَ فِي حَيَاة ابْن عَبَّاس . قلت : وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس أَيْضا ، رَوَاهُ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب ، نَا أَيُّوب ، عَن مُحَمَّد ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول : صَدَقَة رَمَضَان صَاعا من طَعَام من جَاءَ ببرٍّ قُبِل مِنْهُ ، وَمن جَاءَ بشعير قبل مِنْهُ ، وَمن جَاءَ بِتَمْر قبل (مِنْهُ) ، وَمن جَاءَ بسلتٍ قبل مِنْهُ ، وَمن جَاءَ بزبيب قبل مِنْهُ ، وَأَحْسبهُ قَالَ : وَمن جَاءَ بسويق أَو دَقِيق قبل مِنْهُ . وَأما حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، من حَدِيث ابْن عجلَان ، عَن عِيَاض ، عَنهُ : لَا أخرج أبدا إِلَّا صَاعا ، إنَّا كُنَّا نخرج عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَاع تمر أَو شعير أَو أقط أَو زبيب : زَاد (سُفْيَان) فِيهِ : أَو صَاعا من دَقِيق . قَالَ حَامِد بن يَحْيَى : فأنكروا عَلَيْهِ فَتَركه سُفْيَان . قَالَ أَبُو دَاوُد : فَهَذِهِ الزِّيَادَة وهم من ابْن عُيَيْنَة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا أعلم أحدا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث دَقِيق غير ابْن عُيَيْنَة ، وَلَفظ النَّسَائِيّ فِيهِ : أَو صَاعا من سلت . قَالَ : ثمَّ شكّ سُفْيَان فَقَالَ : دَقِيق أَو سلت . وَأما السويق فمرويٌّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس كَمَا عَلمته . تَنْبِيه ثَالِث : رَوَى أَبُو دَاوُد مُعَلّقا ، وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلا ، (من) حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ : أَو صَاعا من حِنْطَة . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ . وَخَالف الْحَاكِم فَقَالَ : صَحِيح . وأخرجها ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ، وَقَالَ : ذكر الْحِنْطَة غير مَحْفُوظ وَلَا أَدْرِي مِمَّن الْوَهم . وأخرجها ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِسَنَد ابْن خُزَيْمَة ، ثمَّ قَالَ : فِيهِ بَيَان أَن قَول أبي سعيد فِي الحَدِيث (الآخر) : صَاعا من طَعَام أَرَادَ : صَاع حِنْطَة . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : نصف صَاع من بر ثمَّ قَالَ : وَهُوَ وهم . وللحاكم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي رواد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : كَانَ النَّاس يخرجُون [ صَدَقَة الْفطر ] عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من شعير ، أَو سلت ، أَو زبيب . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَعبد الْعَزِيز ثِقَة عَابِد . وَخَالفهُ ابْن عبد الْبر فِي تَصْحِيحه . وَلابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : صَدَقَة الْفطر صَاعا من شعير ، أَو صَاعا من تمر ، أَو صَاعا من سلت . خَاتِمَة : اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَن الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث فَقَط بِنَقْل أهل الْمَدِينَة خلفا عَن سلف ، ثمَّ قَالَ : ولمالك مَعَ أبي يُوسُف - رحمهمَا الله - فِيهِ قصَّة مَشْهُورَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي أَحْمد (بن) مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب ، قَالَ : سَمِعت أبي يَقُول : سَأَلَ أَبُو يُوسُف مَالِكًا عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الصَّاع كم هُوَ رطلا ؟ قَالَ : السّنة عندنَا أَن الصَّاع لَا يُرطَل . ففحمه . قَالَ أَبُو أَحْمد : سَمِعت الْحُسَيْن بن الْوَلِيد يَقُول : (قَالَ أَبُو يُوسُف) : فَقدمت الْمَدِينَة فجمعنا (أَبنَاء) أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ودعوت بصاعاتهم ، فَكل (حَدثنِي) عَن آبَائِهِم ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن هَذَا (صاعه فقدرتها) فَوَجَدتهَا مستوية ، فَتركت قَول أبي حنيفَة وَرجعت إِلَى هَذَا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْحُسَيْن بن الْوَلِيد قَالَ : قدم علينا أَبُو يُوسُف من الْحَج ، فأتيناه ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيد أَن أفتح عَلَيْكُم بَابا من الْعلم همني ففحصت (عَنهُ) ، فَقدمت الْمَدِينَة ، فَسَأَلت عَن الصَّاع فَقَالُوا : [ صاعنا ] هَذَا صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت لَهُم : مَا حجتكم فِي ذَلِك ؟ فَقَالُوا : نَأْتِيك بِالْحجَّةِ غَدا . فَلَمَّا أَصبَحت أَتَانِي نَحْو من خمسين شَيخا من أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ، مَعَ كل رجل مِنْهُم الصَّاع تَحت رِدَائه ، كل رجل مِنْهُم يخبر عَن أَبِيه أَو أهل بَيته أَن هَذَا صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَظَرت فَإِذا هِيَ سَوَاء ، قَالَ : فَعَيَّرْته فَإِذا هُوَ خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، ينقصان مَعَه يَسِيرا ، فَرَأَيْت أمرا قويًّا فقد تركت قَول أبي حنيفَة فِي الصَّاع ، وَأخذت بقول أهل الْمَدِينَة . قَالَ الْحُسَيْن : فحججت من عَامي ذَلِك فَلَقِيت مَالك بن أنس فَسَأَلته عَن الصَّاع ، فَقَالَ : صاعنا هَذَا صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت : كم رطلا (هُوَ) ؟ قَالَ : إِن الْمِكْيَال لَا يرطل ، هُوَ هَذَا . قَالَ الْحُسَيْن : فَلَقِيت عبد الله بن زيد بن أسلم فَقَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن جدي ، أَن هَذَا صَاع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي مَعْنَاهُ أَيْضا من حَدِيث إِسْحَاق بن سُلَيْمَان ، ورد مَالك عَلَى أبي حنيفَة فِي قَوْله . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه : فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قيل لَهُ : إِن صاعنا أَصْغَر الصيعان ، فَدَعَا لَهُم بِالْبركَةِ . بَيَان وَاضح أَن صَاع الْمَدِينَة أَصْغَر الصيعان ، وَلم يخْتَلف أهل الْعلم من لدن الصَّحَابَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا فِي الصَّاع وَقدره ، إِلَّا مَا قَالَه الحجازيون من أَنه خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، والعراقيون من أَنه ثَمَانِيَة ، (فَكَمَا) لم نجد بَين أهل الْعلم خلافًا فِي قدر الصَّاع إِلَّا مَا وَصفنَا ، صَحَّ أَن صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، إِذْ هُوَ أَصْغَر الصيعان ، وَبَطل قَول من زعم أَن الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال من غير دَلِيل يثبت لَهُ عَلَى صِحَّته . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : وجدنَا أهل الْمَدِينَة لَا يخْتَلف مِنْهُم اثْنَان فِي أَن مُدَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الَّذِي يُؤدى بِهِ الصَّدقَات لَيْسَ أَكثر من رَطْل وَنصف وَلَا أقل من رَطْل وَربع . وَقَالَ بَعضهم : رَطْل وَثلث ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافا وَلكنه عَلَى حسب (رزانة) الْمكيل من التَّمْر وَالْبر وَالشعِير . وَصَاع ابْن أبي ذِئْب خَمْسَة أَرْطَال وَثلث ، [ قَالَ أَبُو دَاوُد : ] وَهُوَ صَاع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ عَلَيْكُم فِي الذَّهَب شَيْء حَتَّى يبلغ عشْرين مِثْقَالا . هَذَا (الحَدِيث) تقدم بَيَانه فِي بَاب زَكَاة الذَّهَب وَالْفِضَّة وَاضحا ، وكرره الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب أَيْضا .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَفِي الرِّكَاز (الْخمس) قيل : يَا رَسُول الله ، وَمَا الرِّكَاز ؟ قَالَ : هُوَ الذَّهَب وَالْفِضَّة المخلوقان فِي الأَرْض يَوْم خلق (الله) السَّمَاوَات وَالْأَرْض . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي يُوسُف ، عَن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : فِي الرِّكَاز الْخمس . قيل : وَمَا الرِّكَاز يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : الذَّهَب وَالْفِضَّة (الَّذِي) خلقه (الله) فِي الأَرْض يَوْم خلقت . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن أَيْضا والْمعرفَة من حَدِيث حبَان - بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة - ابن عَلّي (الْعَنزي) ، عَن عبد الله بن سعيد ابن أبي سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : الرِّكَاز (الذَّهَب) الَّذِي ينْبت فِي الأَرْض . وَعبد الله بن (سعيد) هَذَا هُوَ المَقْبُري ، وَهُوَ واه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : تفرد بِهِ وَهُوَ ضَعِيف جدًّا . وَقد جرحه أَحْمد وَيَحْيَى بن معِين وَجَمَاعَة من أَئِمَّة الحَدِيث . وَلما ذكره عبد الْحق فِي أَحْكَامه من الطَّرِيق الأولَى بِلَفْظ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الرِّكَاز فَقَالَ : هُوَ الذَّهَب الَّذِي خلقه الله فِي الأَرْض يَوْم خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض قَالَ : عبد الله هَذَا مَتْرُوك الحَدِيث ؛ قَالَه ابْن أبي حَاتِم . وَوَقع فِي كِفَايَة ابْن الرّفْعَة عقب ذكر الحَدِيث : (وَرَاوِيه) مَتْرُوك الحَدِيث . كَمَا نَقله عبد الْحق عَن أبي حَامِد الْقزْوِينِي ، وَهَذَا وهم ، وَصَوَابه عَن ابْن أبي حَاتِم ، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ . وَقَالَ الشَّافِعِي - فِيمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ - : قد رَوَى أَبُو سَلمَة وَسَعِيد وَابْن سِيرِين وَمُحَمّد بن زِيَاد وَغَيرهم عَن أبي هُرَيْرَة (حَدِيثه) ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فِي الرِّكَاز الْخمس . لم يذكر أحد مِنْهُم شَيْئا من الَّذِي ذكره (المَقْبُري فِي حَدِيثه قَالَ : وَالَّذِي رَوَى فِي ذَلِك شيخ ضَعِيف ، إِنَّمَا رَوَاهُ [ عبد الله بن سعيد ] المَقْبُري ، وَعبد الله قد اتَّقَى النَّاس حَدِيثه ، فَلَا يَجْعَل (خبر) رجل قد اتَّقَى النَّاس حَدِيثه (حجَّة) . هَذَا آخر كَلَام . الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ . وحبان الْعَنزي الْمَذْكُور فِي الطَّرِيقَة الْأَخِيرَة قَالَ يَحْيَى بن معِين فِي رِوَايَة : صَدُوق . و(قَالَ) فِي رِوَايَة : لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء . وَقَالَ ابْن نمير : فِي حَدِيثه وَحَدِيث أَخِيه منْدَل بعض الْغَلَط . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لين . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : لَا أكتب حَدِيثه ، وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء ، وَقَالَ النَّسَائِيّ والدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ البُخَارِيّ : لَيْسَ عِنْدهم بِالْقَوِيّ . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ فِي علله : هُوَ وهم [ لِأَن هَذَا ] لَيْسَ من حَدِيث الْأَعْمَش ، و[ لَا ] من حَدِيث أبي صَالح ، إِنَّمَا يرويهِ رجلٌ مَجْهُول ، عَن آخر ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَنقل عبد الْحق عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : (إِنَّه) حَدِيث لَا يَصح . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله .
الحَدِيث الثَّامِن أَن رجلا وجد كنزًا ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن وجدته فِي قَرْيَة مسكونة أَو طَرِيق ميتاء فَعرفهُ ، وَإِن وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة ، أَو قَرْيَة غير مسكونة فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان ، عَن دَاوُد (بن) شَابُور - بالشين الْمُعْجَمَة - وَيَعْقُوب بن عَطاء ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي كنزٍ وجده رجل فِي خربة جَاهِلِيَّة : إِن وجدته فِي قَرْيَة مسكونة أَو سَبِيل ميتاء فَعرفهُ ، وَإِن وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة أَو (فِي) قَرْيَة غير مسكونة فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من هَذَا الْوَجْه ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد قبل ذَلِك بورقتين ، من حَدِيث عَمْرو بن الْحَارِث وَهِشَام بن سعد ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رجلا من مزينة أَتَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، كَيفَ ترَى فِي (حريسة) الْجَبَل وَالثَّمَر الْمُعَلق ؟ - فَذكر حكمهمَا - قَالَ : فَكيف ترَى فِيمَا يُوجد فِي الطَّرِيق الميتاء (أَو) الْقرْيَة المسكونة ؟ قَالَ : عرفه سنة ، فَإِن جَاءَ باغيها فادفعها إِلَيْهِ ، وَإِلَّا فشأنك (بهَا) ، فَإِن جَاءَ طَالبه يَوْمًا من الدَّهْر فأدها (إِلَيْهِ) ، وَمَا كَانَ فِي الطَّرِيق غير الميتاء وَفِي الْقرْيَة غير المسكونة فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، من حَدِيث ابْن عجلَان ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه سُئِلَ عَن الثَّمر الْمُعَلق والجرين الحَدِيث . قَالَ : وَسُئِلَ عَن اللّقطَة ، فَقَالَ : مَا كَانَ مِنْهَا فِي طَرِيق الميتاء أَو الْقرْيَة الجامعة فعرفها سنة ، فَإِن جَاءَ طالبها فادفعها إِلَيْهِ ، وَإِن لم يَأْتِ فَهِيَ لَك ، وَمَا كَانَ فِي الخراب فَفِيهَا وَفِي الرِّكَاز الْخمس . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، من حَدِيث عبيد الله بن الْأَخْنَس ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن اللّقطَة ، فَقَالَ : مَا كَانَ فِي طَرِيق مأتي أَو (فِي) قَرْيَة عامرة فعرفها سنة ، فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فلك ، وَمَا لم يكن فِي طَرِيق مأتي وَلَا (فِي) قَرْيَة عامرة فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ : إِنَّه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ فِي كنزٍ وجده رجل : إِن كنت وجدته فِي قَرْيَة مسكونة أَو فِي سَبِيل ميتاء فَعرفهُ ، وَإِن كنت وجدته فِي خربة جَاهِلِيَّة ، أَو فِي قَرْيَة غير مسكونة ، أَو (فِي) غير سَبِيل ميتاء ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : أجَاب من قَالَ بِالْأولِ - أَي أَن الْمَعْدن لَيْسَ بركاز - عَن هَذَا بِأَن الْخَبَر ورد فِيمَا يُوجد من أَمْوَال الْجَاهِلِيَّة ، ظَاهرا فَوق الأَرْض فِي الطَّرِيق غير الميتاء ، وَفِي الْقرْيَة غير المسكونة ، فَيكون فِيهِ وَفِي الرِّكَاز الْخمس ، وَلَيْسَ ذَلِك من الْمَعْدن بسبيل . ثمَّ حَكَى عَن الشَّافِعِي مَا ملخصه : إِن كَانَ حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب [ حجَّة ] فالمخالف احْتج مِنْهُ بِشَيْء وَاحِد ، إِنَّمَا هُوَ توهم ، (وَخَالفهُ فِي غير حكم ، وَإِن (كَانَ) غير حجَّة ، فالحجة بِغَيْر حجَّة جهل . ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَوْله : إِنَّمَا هُوَ توهم) أَشَارَ إِلَى مَا ذكرنَا أَنه لَيْسَ بوارد فِي الْمَعْدن ، إِنَّمَا هُوَ فِي مَعْنَى الرِّكَاز من أَمْوَال الْجَاهِلِيَّة . فَائِدَة : الميتاء - بِكَسْر الْمِيم وبالمد - : الطَّرِيق المسلوك الَّذِي يَأْتِيهِ النَّاس . قَالَه الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه قَالَ : وَقيل : ميتاء الطَّرِيق وميداؤه : محجته . (وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : هُوَ بِكَسْر الْمِيم وَبعدهَا همزَة وبالمد ، وتسهل فَيُقَال بياء سَاكِنة ، كَمَا فِي نَظَائِره ، قَالَ صَاحب الْمطَالع : مَعْنَاهُ كثير السلوك ، فَيُقَال من الْإِتْيَان) . قَالَ (الْمُنْذِرِيّ) : وَقَوله : وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الخراب يُرِيد بالخراب العادي الَّذِي لَا يعرف لَهُ مَالك ، وسبيله سَبِيل الرِّكَاز ، وَفِيه الْخمس ، (فَالْمَال الْمَوْجُود فِيهِ) وسائره لواجده ، فَأَما الخراب الَّذِي كَانَ (مرّة) عَامِرًا ملكا لمَالِكه ثمَّ خرب فَالْمَال الْمَوْجُود فِيهِ ملك لصَاحب الخراب ، فَإِن لم يعرف صَاحبه فَهُوَ لقطَة .
بَاب : زَكَاة الْمَعْدن والركاز ذكر رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ ثَمَانِيَة أَحَادِيث : الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطع بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ (الْمَعَادِن) الْقبلية وَأخذ مِنْهَا الزَّكَاة . (هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك) فِي موطئِهِ عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ، عَن غير وَاحِد من عُلَمَائهمْ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطع لِبلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ معادن الْقبلية ، وَهِي من نَاحيَة الْفَرْع فَتلك الْمَعَادِن لَا يُؤْخَذ (مِنْهَا) إِلَّا الزَّكَاة إِلَى الْيَوْم . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي سنَنه كَذَلِك . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن الْحُسَيْن بن إِسْحَاق ، عَن هَارُون بن عبد الله ، عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، (عَن حميد) بن صَالح ، عَن عمَارَة وبلال ابْني يَحْيَى بن بِلَال بن الْحَارِث ، عَن أَبِيهِمَا ، عَن جدهما بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطعه هَذِه الْقطعَة ، وَكتب لَهُ : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، هَذَا مَا أعْطى مُحَمَّد رَسُول الله بِلَال بن الْحَارِث ، أعطَاهُ معادن الْقبلية غوريها وجلسيها وَذَات النصب وَحَيْثُ صلح للزَّرْع من قدس (إِن كَانَ للزَّرْع صَالحا) وَكتب مُعَاوِيَة . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة بِلَال بن الْحَارِث بِسَنَدِهِ إِلَى حميد ، وَقَالَ : بدل عمَارَة : الْحَارِث وَذكر الْبَاقِي مَعَ اخْتِلَاف يسير . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك بِلَفْظِهِ السالف ، ثمَّ قَالَ : لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُثبتهُ أهل الحَدِيث ، وَلَو ثبتوه لم تكن [ فِيهِ ] رِوَايَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا إقطاعه ، فَأَما الزَّكَاة فِي الْمَعَادِن دون الْخمس فَلَيْسَتْ مروية عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي ، فِي رِوَايَة مَالك . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي ، عَن ربيعَة مَوْصُولا . فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن نعيم بن حَمَّاد ، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ، عَن الْحَارِث بن بِلَال بن الْحَارِث ، (عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ من الْمَعَادِن الْقبلية الصَّدَقَة ، [ وَإنَّهُ ] أقطع بِلَال بن الْحَارِث) العقيق أجمع ، فَلَمَّا كَانَ عمر بن الْخطاب قَالَ لِبلَال : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يقطعك إِلَّا لتعمل . قَالَ : فأقطع عمر بن الْخطاب للنَّاس العقيق . وَرَوَاهُ من (هَذَا) الْوَجْه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، (ثمَّ) قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ ، وَقد احْتج البخاري بنعيم بن حَمَّاد ، وَمُسلم بالدراوردي . قلت : نعيم والدراوردي لَهما مَا يُنكر ، والْحَارث لَا أعرف حَاله ، لَا جرم قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : لعلّ الْحَاكِم علم حَال الْحَارِث . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة بِلَال ، من وَجه آخر كَمَا سلف . قَالَ (أَبُو عمر) بن عبد الْبر : هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ عِنْد جَمِيع الروَاة مُرْسلا ، وَلم يخْتَلف فِيهِ عَن مَالك ، وَذكر أَن الدَّرَاورْدِي رَوَاهُ عَن ربيعَة ، عَن الْحَارِث بن بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ ، عَن أَبِيه ، وَقَالَ أَيْضا : وَإسْنَاد ربيعَة فِيهِ صَالح حسن . وَقَالَ (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فِي محلاه : هَذَا لَيْسَ بِشَيْء ؛ لِأَنَّهُ مُرْسل . وَمنع ابْن الْجَوْزِيّ تَسْمِيَته بذلك ، فَقَالَ فِي تَحْقِيقه بعد استدلاله بِهِ : إِن قيل قَوْله : عَن غير وَاحِد يَقْتَضِي الْإِرْسَال . قُلْنَا : ربيعَة قد لَقِي الصَّحَابَة ، وَالْجهل بالصحابي لَا يضر ، وَلَا يُقَال : هَذَا مُرْسل . قَالَ : ثمَّ قد رَوَاهُ الدَّرَاورْدِي ، عَن ربيعَة ، عَن الْحَارِث بن بِلَال ، عَن بِلَال ؛ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَخذ مِنْهُ زَكَاة الْمَعَادِن الْقبلية ، (قَالَ) : قَالَ ربيعَة : وَهَذِه الْمَعَادِن تُؤْخَذ مِنْهَا الزَّكَاة إِلَى هَذَا الْوَقْت . قَالَ : وَرَوَاهُ ثَوْر ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، مثل حَدِيث بِلَال . قلت : وَله طَرِيق آخر أخرجه أَبُو دَاوُد ، من حَدِيث كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف الْمُزنِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أقطع بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ معادن الْقبلية جلسيها وغوريها ، وَحَيْثُ يصلح الزَّرْع من قدس وَلم (يُعْطه) حق مُسلم ، وَكتب لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، هَذَا مَا أعْطى مُحَمَّد رَسُول الله بِلَال بن الْحَارِث الْمُزنِيّ ، أعطَاهُ معادن الْقبلية جلسها وغورها ، وَحَيْثُ يصلح الزَّرْع من قدس ، وَلم يُعْطه حق مُسلم . قَالَ أَبُو دَاوُد : ونا غير وَاحِد ، عَن حُسَيْن بن مُحَمَّد ، نَا أَبُو أويس ، قَالَ : وحَدثني ثَوْر بن يزِيد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله . زَاد ابْن النَّضر : وَكتب أبي بن كَعْب . وَكثير هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَأَبُو أويس عبد الله بن عبد الله أخرج لَهُ مُسلم ، وَضَعفه غير وَاحِد . قَالَ ( ابْن) عبد الْبر فِي تمهيده : كثير مجمع عَلَى ضعفه لَا يحْتَج بِمثلِهِ ، ( وَهُوَ غَرِيب من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، لَيْسَ يرويهِ غير أبي أويس عَن ثَوْر ) . قلت : وَأَبُو أويس قد علمت حَاله . قَالَ (الْحَافِظ جمال الدَّين) الْمزي : وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ، عَن أَبِيه أبي أويس ، وَعَن عَمه مُوسَى ابْن يسَار جَمِيعًا عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس . وَنقل عبد الْحق فِي الْأَحْكَام [ عَن ابْن عبد الْبر ] أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث : إِنَّه مُنْقَطع . وَلم أر ذَلِك فِي تمهيده وَلَا استذكاره ، وَقد تعقبه ابْن الْقطَّان [ فَقَالَ : ] نعم هُوَ مُنْقَطع ؛ من أجل أَن أَبَا دَاوُد قَالَ : نَا غير وَاحِد عَن حُسَيْن بن مُحَمَّد . فَائِدَة فِي ضبط مَا وَقع من الْأَلْفَاظ الغريبة الَّتِي قد تصحف : الْفَرْع بِضَم الْفَاء وَبعدهَا رَاء سَاكِنة ؛ كَذَا قيدها (الْحَافِظ أَبُو بكر) الْحَازِمِي فِي المؤتلف ، قَالَ : وَهُوَ قَرْيَة من نَاحيَة الربذَة عَن يسَار السقيا ، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد ، وَقيل : أَربع لَيَال ، بهَا مِنْبَر ونخل ومياه ، وَهِي لقريش وَالْأَنْصَار وَمُزَيْنَة . وضبطها الْبكْرِيّ بِضَم الأول وَالثَّانِي وَالْعين الْمُهْملَة ، وَقَالَ : حجازي من أَعمال الْمَدِينَة (الواسعة) والصفراء ، وأعمالها من الْفَرْع ومضافة إِلَيْهِمَا . وَكَذَا ضَبطهَا الْمُنْذِرِيّ فِي مُخْتَصر السّنَن ثمَّ قَالَ : وسكَّن الْفَاء بَعضهم . قَالَ : وَهُوَ مَوضِع بِأَعْلَى الْمَدِينَة ، وَاسع ، عَلَى طَرِيق مَكَّة ، وَفِيه مَسَاجِد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ومنابره ، وقرى كَثِيرَة . وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : هُوَ مَوضِع بَين نَخْلَة وَالْمَدينَة . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : هِيَ قَرْيَة ذَات نخل وَزرع ومياه جَامِعَة ، بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ، عَلَى نَحْو أَربع مراحل من الْمَدِينَة . قَالَ الْبكْرِيّ : وَالْفرع من أشرف ولايات الْمَدِينَة . والقبلية : بِفَتْح الْقَاف ، وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة أَيْضا وَكسر اللَّام بعْدهَا ، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام وَالنَّوَوِيّ فِي تهذيبه ومَجْمُوعه وَادَّعَى فِي مَجْمُوعه أَنه لَا خلاف فِي هَذَا الضَّبْط ، قَالَ : وَقد تصحف ، قَالَ : وَهُوَ مَوضِع (من) نَاحيَة الْفَرْع . وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَاهُ من نفي الْخلاف ؛ فقد نقل الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه عَن كتاب الْأَمْكِنَة أَن الْقبلية بِكَسْر الْقَاف (وَفتح الْبَاء ثمَّ قَالَ : وَالْمَحْفُوظ فِي الحَدِيث أَن الْقبلية مَنْسُوب إِلَى قبل بِفَتْح الْقَاف) وَالْبَاء الْمُوَحدَة ، وَهِي نَاحيَة من سَاحل الْبَحْر ، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة خَمْسَة أَيَّام . وجَلْس : بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام ثمَّ سين مُهْملَة ، قَالَ الْأَصْمَعِي : كل مُرْتَفع جلْس . والغوْر : مَا (انخفض) من الأَرْض ، يُرِيد أَنه أقطعه وِهَادَهَا ورُبَاها ، هَذَا كَلَامه . وَيُقَال (لنجد) جَلْس ، قَالَ أَبُو عبيد وَابْن قُتَيْبَة : الغَوْريُّ : مَا كَانَ من بِلَاد تهَامَة ، والجلْس : مَا (كَانَ) من بِلَاد نجد . وقُدْس : (بِضَم) الْقَاف وَسُكُون الدَّال ، جبل مَعْرُوف من جبال تهَامَة ، قَالَه الْبكْرِيّ . وَهُوَ جبل العَرْج . قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي : قُدس مُؤَنّثَة . وَقَالَ ابْن الْأَثِير : قدس جبل مَعْرُوف ، وَقيل : هُوَ الْموضع (الْمُرْتَفع) الَّذِي يصلح للزِّرَاعَة . قَالَ : وَفِي كتاب الْأَمْكِنَة إِنَّه (قديس ، وَقدس) جبلان ، وَأما قَدَس بِفَتْح الْقَاف وَالدَّال فموضع بِالشَّام . وَوَقع فِي أبي دَاوُد : (جِرسها) بِكَسْر الْجِيم ثمَّ رَاء مُهْملَة ، وَالْمَحْفُوظ بِاللَّامِ وَفتح الْجِيم .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِي الرِّكَاز الْخمس ، وَفِي الْمَعْدن الصَّدَقَة . هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى الْفرق بَين الرِّكَاز والمعدن ، ورد بِهِ عَلَى من (جَعلهمَا) وَاحِدًا ، وَهُوَ غَرِيب كَذَلِك ، لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، أَعنِي بِذكر الْقطعَة الثَّانِيَة مَعَ (الأولَى) . أما الأولَى فثابتة فِي الصَّحِيحَيْنِ ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : العجماء جَبَّار ، والبئر جَبَّار ، والمعدن جَبَّار ، وَفِي الرِّكَاز الْخمس . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الْإِعْلَام : وَهَكَذَا رُوِيَ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا ، قَالَ : وَأما حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا : فِي الرِّكَاز الْعشْر فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَل ، وَالْأول أثبت مِنْهُ . قلت : لم يجتمعا فِي الثُّبُوت الْبَتَّةَ ، بل هَذَا واه ، كَمَا بَينه ابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِي الرقة ربع الْعشْر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، من رِوَايَة أنس ، وَقد سلف بِطُولِهِ أَوله الزَّكَاة . والرِّقة : بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف هِيَ الْوَرق ، وَهُوَ كل الْفضة ، وَقيل : الدَّرَاهِم خَاصَّة ، وَنقل صَاحب الْبَيَان عَن أَصْحَابنَا أَن الرقة الذَّهَب وَالْفِضَّة . وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّه غلط فَاحش ، قَالَ : وَلم أر لِأَصْحَابِنَا وَلَا لغَيرهم من أهل اللُّغَة أَن الرقة تطلق عَلَى الذَّهَب .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا زَكَاة فِي حجر . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي (سعد) الْمَالِينِي ، عَن ابْن عدي الْحَافِظ ، عَن زيد بن عبد الله ، عَن كثير بن عبيد ، عَن بَقِيَّة ، عَن عمر الكلَاعِي الدِّمَشْقِي ، عَن عَمْرو (بن) شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا ، بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ أَيْضا عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن الوقاصي ، عَن عَمْرو بن (شُعَيْب) ، عَن أَبِيه ، عَن جده (مَرْفُوعا) . قَالَ : وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده (مَرْفُوعا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : (ورواة) هَذَا الحَدِيث عَن عَمْرو كلهم ضَعِيف . وَهُوَ كَمَا قَالَ ( فعمر هُوَ) ابْن أبي عمر الكلَاعِي (الدِّمَشْقِي ) . قَالَ ابْن عدي : إِنَّه مَجْهُول ، وَإِن أَحَادِيثه غير مَحْفُوظَة . وَعُثْمَان الوقاصي تَرَكُوهُ ، والعرزمي واه .
الحَدِيث السَّابع عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَن رَسُول صلى الله عليه وسلم قَالَ : فِي الرِّكَاز الْخمس . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، مُتَّفق عَلَيْهِ ، كَمَا تقدم قَرِيبا ، وَقد (ذكره) الرَّافِعِيّ بَعْدُ أَيْضا .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ( فِي) خمس من الْإِبِل شَاة ، وَلَا شَيْء فِي زيادتها حَتَّى تبلغ عشرا . هَذَا الحَدِيث تقدم (بَيَانه) فِي بَاب زَكَاة النعم من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما .
الحَدِيث الْعَاشِر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي حَدِيث أنس : فِي خمس من الْإِبِل شَاة ، فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت مَخَاض . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه بِطُولِهِ فِي الْبَاب الْمَذْكُور أَيْضا .
الحَدِيث السَّادس عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أَتَاهُ قوم بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ : اللَّهُمَّ صلِّ عَلَيْهِم ، فَأَتَاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ : (اللَّهُمَّ) صلِّ عَلَى آل أبي أَوْفَى . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته كَذَلِك ، وَوَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ فِي الأول : اللَّهُمَّ صلِّ عَلَى آل أبي أوفى أَيْضا ، وَقد أصلح (فِي بعض النّسخ كَمَا) ذَكرْنَاهُ أَولا . وَأوردهُ القَاضِي حُسَيْن ، وَالْمَاوَرْدِيّ بِلَفْظ : جِئْت إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بصدقات [ قومِي ] فَقلت : يَا رَسُول الله ، ادْع لي . فَقَالَ : اللَّهُمَّ صلِّ عَلَى آل أبي أوفى . فَائِدَة : اسْم أبي أوفى عَلْقَمَة بن خَالِد ، وَعبد الله ووالده صحابيان ، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْكُوفَةِ ، مَاتَ بعد الثَّمَانِينَ . وَمَعْنى الصَّلَاة هُنَا الرَّحْمَة ، وَآل أبي أوفى قيل : المُرَاد نَفسه ، وَمثله : من مَزَامِير آل دَاوُد .
الحَدِيث الْحَادِي عشر قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فِي أَرْبَعِينَ شَاة شَاة . هَذَا الحَدِيث هُوَ بعض من حَدِيث ابْن عمر ، وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره مطولا كَمَا أسلفناه أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور .
الحَدِيث الثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (تسلفت) من الْعَبَّاس صَدَقَة عَاميْنِ ) . هَذَا الحَدِيث مرويٌّ من طرق ؛ إِحْدَاهَا : من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن عَم الرجل صنو أَبِيه ، وَإِن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تعجل صَدَقَة الْعَبَّاس عَاميْنِ فِي عَام . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، من حَدِيث ابْن ذكْوَان ، عَن مَنْصُور ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة ، عَن عبد الله (بِهِ) . وَمُحَمّد بن ذكْوَان هَذَا قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : ضَعِيف كثير الْخَطَأ . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَابْن حبَان فِي ثقاته . ثَانِيهَا : من حَدِيث مُوسَى بن طَلْحَة ، عَن طَلْحَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يَا عمر ، أما علمت أَن عَم الرجل صنو أَبِيه ، إنَّا كُنَّا احتجنا إِلَى مَال فتعجلنا من الْعَبَّاس صَدَقَة مَاله لِسنتَيْنِ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث وليد بن حَمَّاد ، عَن الْحسن بن زِيَاد ، عَن الْحسن بن عمَارَة ، عَن الحكم ، (عَن) مُوسَى بِهِ . وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، الْحسن (بن) زِيَاد كَذَّاب ، قَالَه غير واحدٍ ، وَالْحسن بن عمَارَة أحد الهلكى . قَالَ السَّاجِي : أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه . وَأغْرب الْبَزَّار فَقَالَ فِي مُسْنده فِي هَذَا الحَدِيث : سكت أهل الْعلم عَن حَدِيثه . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : اخْتلفُوا فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى الحكم فِي إِسْنَاده ، وَالصَّحِيح عَن الْحسن بن مُسلم مُرْسل . ثَالِثهَا : من حَدِيث الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس ؛ قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عمر ساعيًا ، قَالَ : فَأَتَى الْعَبَّاس يطْلب صَدَقَة مَاله ، قَالَ : فَأَغْلَظ لَهُ الْعَبَّاس (القَوْل) ، فَخرج إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأخْبرهُ ، (فَقَالَ) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الْعَبَّاس قد أسلفنا زَكَاة مَاله الْعَام وَالْعَام الْمقبل . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه أَيْضا كَذَلِك ، وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف ، فِيهِ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي وَقد تَرَكُوهُ . رَابِعهَا : من حَدِيث الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث عمر عَلَى الصَّدَقَة ، فَرجع (وَهُوَ) يشكو الْعَبَّاس ، فَقَالَ : إِنَّه مَنَعَنِي صدقته . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : يَا عمر ، أما علمت أَن عمّ الرجل صِنْو أَبِيه ، إِن الْعَبَّاس أسلفنا صَدَقَة عَاميْنِ فِي عَام . وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف ؛ لأجل منْدَل بن عَلّي رَاوِيه عَن الحكم ، وَقد ضعفه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ . خَامِسهَا : من حَدِيث أبي البخْترِي ، عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّا كُنَّا احتجنا فأسلفنا الْعَبَّاس صَدَقَة عَاميْنِ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، ثمَّ قَالَ : فِيهِ إرْسَال بَين أبي البختري وَعلي . قلت : لِأَنَّهُ لم يُدْرِكهُ كَمَا نصَّ عَلَيْهِ شُعْبَة وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهم . وَاحْتج الْبَيْهَقِيّ للتعجيل بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : وَأما الْعَبَّاس فَهِيَ عليَّ وَمثلهَا مَعهَا الحَدِيث بِطُولِهِ . (قَالَ) الْبَيْهَقِيّ : حملُوا هَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أخر عَنهُ الصَّدَقَة (عَاميْنِ) من حَاجَة (بِالْعَبَّاسِ) إِلَيْهَا ، وَالَّذِي رَوَاهُ وَرْقَاء عَلَى أَنه تسلف مِنْهُ صَدَقَة عَاميْنِ . قَالَ : وَفِي كل ذَلِك دَلِيل عَلَى جَوَاز تَعْجِيل الصَّدَقَة . أما حَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الَّذِي قَالَ فِيهِ : فَهِيَ (عَلّي) صَدَقَة وَمثلهَا مَعهَا فَإِنَّهُ يبعد من أَن يكون مَحْفُوظًا ، (لِأَن) الْعَبَّاس كَانَ (رجلا) من (صلبية) بني هَاشم تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة ، فَكيف يَجْعَل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا عَلَيْهِ من صَدَقَة عَاميْنِ صَدَقَة عَلَيْهِ ؟ قَالَ : وَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة ، عَن أبي الزِّنَاد ؛ فَقَالَ فِي الحَدِيث : فَهِيَ لَهُ وَمثلهَا مَعهَا وَقد يُقَال : لَهُ بِمَعْنى عَلَيْهِ ، فروايته مَحْمُولَة عَلَى سَائِر الرِّوَايَات ، وَقد يكون المُرَاد بقوله فَهِيَ عَلَيْهِ : أَي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيكون مُوَافقا لرِوَايَة وَرْقَاء ، وَرِوَايَة وَرْقَاء أولَى بِالصِّحَّةِ ؛ لموافقتها الرِّوَايَات الصَّحِيحَة بالاستسلاف والتعجيل . قَالَ : وَقد رَوَى الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع أَن عبد الله بن عمر كَانَ يبْعَث زَكَاة الْفطر إِلَى الذي تجمع عِنْده قبل الْفطر بيومين أَو ثَلَاثَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَذهب أَكثر أهل الْعلم إِلَى جَوَاز تَعْجِيل الزَّكَاة . قلت : فَحصل الِاسْتِدْلَال إِذن من مَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ عَلَى جَوَاز التَّعْجِيل ، وَالشَّافِعِيّ يحْتَج بالمرسل إِذا اعتضد بِأحد أُمُور مِنْهَا : أَن يسند من جِهَة أُخْرَى أَو يُرْسل ، أَو يَقُول بِهِ بعض الصَّحَابَة أَو أَكثر الْعلمَاء . وَقد (وجدنَا) هَذِه الْأُمُور ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ ، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا سلف ، وَرُوِيَ مُرْسلا وَمُسْندًا كَمَا سلف فِي الحَدِيث (الَّذِي) قبله أَيْضا ، وَقَالَ بِهِ بعض الصَّحَابَة كَمَا سلف عَن ابْن عمر ، وَقَالَ بِهِ أَكثر الْعلمَاء كَمَا أسلفناه عَن (التِّرْمِذِيّ) ، فَللَّه الْحَمد .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا جلب وَلَا جنب . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا جلب وَلَا جنب ، وَلَا تُؤْخَذ صَدَقَاتهمْ إِلَّا فِي دُورهمْ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة من سنَنه كَذَلِك (ثمَّ) رُوِيَ (عَن) مُحَمَّد بن إِسْحَاق (أَن) مَعْنَى لَا جلب أَن تصدق الْمَاشِيَة فِي موَاضعهَا ، وَلَا تجلب إِلَى الْمُصدق ، ولَا جنب (لَا) يكون الْمُصدق بأقصى مَوَاضِع أَصْحَاب الصَّدَقَة فتجنب إِلَيْهِ ، وَلَكِن تُؤْخَذ فِي مَوْضِعه . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، من حَدِيث ابْن إِسْحَاق أَيْضا ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده عبد الله بن عَمْرو قَالَ : لما دخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْفَتْح قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاس فَذكر حَدِيثا ، وَفِيه : لَا جلب وَلَا جنب (وَفِيه) : وَلَا تُؤْخَذ صَدَقَاتهمْ إِلَّا فِي دَارهم . ثَانِيهَا : من حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ ، عَن عمرَان بن الْحصين ، مَرْفُوعا بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِيهِ ، وَفِي (النِّكَاح) ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي النِّكَاح بِزِيَادَة : وَلَا شغار فِي الإِسْلام ، و(من) انتهب نهبة فَلَيْسَ منا . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا . قلت : وَسَمَاع الْحسن من عمرَان مُخْتَلف فِيهِ ، ذكر (عَلّي) بن الْمَدِينِيّ وَأَبُو حَاتِم الرازي وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة أَنه لم يسمع مِنْهُ . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَلم يثبت مَا رُوِيَ (من قَوْله) : أَخذ عمرَان بيدي قَالَ : وَقد أنكر أَحْمد بن حَنْبَل عَلَى مبارك بن فضَالة قَوْله فِي غير حَدِيث : (عَن) الْحسن ، ثَنَا عمرَان . وَأَصْحَاب الْحسن غَيره لَا يَقُولُونَ ذَلِك ، وَكَانَ كثير التَّدْلِيس . وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر كِتَابه : الَّذِي عِنْدِي أَنه سمع مِنْهُ ، ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ مَا يدل عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه : زَاد يَحْيَى بن خلف : فِي الرِّهَان . (يَعْنِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : لَا جلب وَلَا جنب فِي الرِّهَان . وأعلَّ ابْن الْقطَّان هَذِه الرِّوَايَة بِعَنْبَسَةَ بن سعيد الْقطَّان الْمَذْكُور فِي إسنادها ، وَقَالَ : إِنَّهَا لَا تصح قَالَ أَبُو حَاتِم : هُوَ ضَعِيف الحَدِيث يَأْتِي بالطامات . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي : كَانَ مختلطًا لَا يرْوَى عَنهُ . ثَالِثهَا : من حَدِيث أنس رضي الله عَنهُ مَرْفُوعا : لَا جلب وَلَا جنب وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام . رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي مسنديهما ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي علله ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه (ثمَّ) قَالَ : إِنَّه خطأ فَاحش وَالصَّوَاب حَدِيث بشر . يَعْنِي حَدِيث عمرَان ؛ ذكره فِي النِّكَاح ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَقَالَ : لَا أعرفهُ إِلَّا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، وَلَا أعلم أحدا رَوَاهُ عَن ثَابت غير معمر ، وَرُبمَا قَالَ عبد الرَّزَّاق فِي هَذَا الحَدِيث [ عَن معمر ] عَن ثَابت وَأَبَان (عَن) أنس . وَقَالَ الْبَزَّار : لَا نعلم رَوَاهُ عَن ثَابت عَن أنس (إِلَّا معمر . قلت : وَقد أخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن كثير عَن الْفَزارِيّ عَن حميد عَن أنس) كَمَا سقناه . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ ؟ فَقَالَ : مُنكر جدًّا . وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ صَححهُ من حَدِيث ثَابت عَن أنس ؛ فَقَالَ فِي صَحِيحه : حَدثنَا ابْن خُزَيْمَة ، نَا مُحَمَّد بن يَحْيَى ، نَا عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن ثَابت ، عَن أنس ، رَفعه : ( لَا إسعاد فِي الْإِسْلَام) ، وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام ، وَلَا عقر فِي الْإِسْلَام ، وَلَا جلب وَلَا جنب ، وَمن انتهب فَلَيْسَ منَّا . رَابِعهَا : من حَدِيث ابْن عمر رضي الله عَنهُ مَرْفُوعا : لَا جلب وَلَا جنب وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن قراد (أبي) نوح ، أَنا عبد الله ابن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر (فَذكره) . فَائِدَة : فسَّر الرافعيُّ هُنَا الجلب وَالْجنب بِأَن قَالَ : أَي لَا يكلفوا بِأَن يجلبوها إِلَى الْبَلَد ، وَلَيْسَ لَهُم أَن يجنبوها السَّاعِي فيشقوا عَلَيْهِ . وَقد أسلفنا تَفْسِير ابْن إِسْحَاق أَيْضا . وَقَالَ مَالك : الجلب أَن يتَخَلَّف الْفرس فِي السباق فيحرك وَرَاءه الشَّيْء يستحث بِهِ فَيَسْبق ، والْجنب أَن يجنب مَعَ الْفرس الَّذِي يسابق بِهِ فرسا آخر ، حَتَّى إِذا دنى تحول (رَاكب الْفرس عَلَى) المجنوب ، فَأخذ (السَّبق) ، وَبِهَذَا التَّفْسِير فسّره الرَّافِعِيّ فِي بَاب السَّبق وَالرَّمْي ، وَجزم بِهِ (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد . وَقَالَ ابْن الْأَثِير : لَهُ تفسيران ؛ أَحدهمَا فِي الزَّكَاة وَالثَّانِي فِي السَّبق ، فذكرهما بِمَعْنى قَول مَالك وَابْن إِسْحَاق . وَفِي كتاب الْجِهَاد للْقَاضِي أبي بكر أَحْمد بن (عَمْرو) بن أبي عَاصِم النَّبِيل ، عِنْد ذكر حَدِيث أنس السالف : لَا جلب وَلَا جنب الجلب : الرجل يجلب الْفرس خلف الآخر وَهُوَ يعدو ، وَالْجنب : الْفرس بِجنب الآخر وَهُوَ يَعْدو .
الْأَثر الْخَامِس : أَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما كَانَ يبْعَث صَدَقَة الْفطر إِلَى الَّذِي تجمع عِنْده قبل الْفطر بيومين . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَالشَّافِعِيّ كَمَا سلف ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا ، وَلَفظ (الشَّافِعِي وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ) : بيومين أَو ثَلَاثَة وَلَفظ البَاقِينَ : بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ . وَفِي البُخَارِيّ : أَن ابْن عمر كَانَ يُعْطِيهَا الَّذين يقبلونها ، وَكَانُوا يُعْطون قبل الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ .
وَأما آثَار الْبَاب فخمسة : أَولهَا : عَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَنه قَالَ فِي الْمحرم : هَذَا شهر زَكَاتكُمْ ، فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليقض دينه ، ثمَّ ليزك مَاله . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ عَنهُ ، عَن ابْن شهَاب ، عَن السَّائِب بن يزِيد ؛ أَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَانَ يَقُول : هَذَا شهر زَكَاتكُمْ ، فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليؤد دينه حَتَّى (تخلص) أَمْوَالكُم ، فتؤدون مِنْهَا الزَّكَاة . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي أَحْكَام الْقُرْآن بِلَفْظ : فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليقضه ، وأدوا زَكَاة أَمْوَالكُم . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، عَن الشَّافِعِي كَمَا سلف ، وَمن طَرِيق آخر بِإِسْنَاد صَحِيح أَيْضا ، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : أَخْبرنِي السَّائِب بن يزِيد أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان خَطِيبًا عَلَى مِنْبَر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : هَذَا شهر زَكَاتكُمْ - وَلم يسم (لي) السَّائِب الشَّهْر ، وَلم أسأله عَنهُ ، قَالَ : فَقَالَ عُثْمَان : - فَمن كَانَ مِنْكُم عَلَيْهِ دين فليقض دينه حَتَّى تخلص أَمْوَالكُم فتؤدوا مِنْهَا الزَّكَاة . ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب (الدَّين هَل يمْنَع) الصَّدَقَة ، من كتاب الزَّكَاة ، قَالَ : وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح ، عَن أبي الْيَمَان ، عَن شُعَيْب ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَكَذَا عزاهُ إِلَى البُخَارِيّ من هَذَا الْوَجْه : الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (الإِمَام) ، وَأنكر النَّوَوِيّ فِي شَرحه للمهذب عَلَى الْبَيْهَقِيّ هَذَا الْعزو ، وَقَالَ : البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِي صَحِيحه هَكَذَا ، وَإِنَّمَا ذكر عَن السَّائِب بن يزِيد ؛ أَنه سمع عُثْمَان بن عَفَّان عَلَى مِنْبَر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يزدْ عَلَى هَذَا ، ذكره فِي كتاب الِاعْتِصَام فِي ذكر الْمِنْبَر ، وَكَذَا ذكره الْحميدِي فِي جمعه عَن البُخَارِيّ ، كَمَا ذكرنَا . قَالَ : ومقصود البُخَارِيّ بِهِ إِثْبَات الْمِنْبَر . قَالَ : وَكَأن الْبَيْهَقِيّ أَرَادَ : رَوَى البُخَارِيّ أَصله لَا كُله . قلت : لَكِن الْبَيْهَقِيّ نَفسه فِي خلافياته سرده بِلَفْظِهِ السالف عَن سنَنه فَقَالَ : وَعند البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح ، عَن السَّائِب بن يزِيد ؛ أَنه سمع عُثْمَان فَذكره سَوَاء . فلعلَّ الْبَيْهَقِيّ ظفر بِهِ كَذَلِك فِي نُسْخَة من نسخ البُخَارِيّ .
الْأَثر الثَّانِي وَالثَّالِث وَالرَّابِع : أَن سعد بن أبي وَقاص ، وَأَبا هُرَيْرَة ، وَأَبا سعيد الْخُدْرِيّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ، سئلوا عَن الصّرْف إِلَى الْوُلَاة الجائرين فَأمروا بِهِ . هَذِه الْآثَار مَشْهُورَة عَنْهُم ، رَوَاهَا سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، قَالَ : اجْتمع (عِنْدِي) نَفَقَة فِيهَا صدقتي - يَعْنِي بلغت نِصَاب الزَّكَاة - فَسَأَلت ( سعد) بن وَقاص وَابْن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَأَبا سعيد الْخُدْرِيّ ؛ أَن أقسمها أَو أدفعها إِلَى السُّلْطَان (فأمروني جَمِيعًا أَن أدفعها إِلَى السُّلْطَان) مَا اخْتلف عليَّ (مِنْهُم) أحد . وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : فَقلت لَهُم : هَذَا السُّلْطَان يفعل مَا ترَوْنَ ، فأدفع إِلَيْهِ زكاتي ؟ فَقَالُوا كلهم : نعم . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَنْهُم وَعَن غَيرهم .
الحَدِيث السَّابِع عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن الْعَبَّاس سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي تَعْجِيل صدقته قبل أَن تحل فرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، من حَدِيث حجاج بن دِينَار ، عَن الحكم بن عتيبة ، عَن حُجَيَّة - بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة ، وَفتح الْجِيم ، وَتَشْديد الْمُثَنَّاة تَحت وَفتحهَا ، ثمَّ هَاء - عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . وحجاج هَذَا هُوَ الوَاسِطِيّ ، وَثَّقَهُ ابْن الْمُبَارك وَيَعْقُوب بن شيبَة وَالْعجلِي ، وَقَالَ يَحْيَى بن معِين وَغَيره : هُوَ صَدُوق . وَخَالف أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فَقَالَ : يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ . وَالدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وحُجَيَّة هُوَ ابْن عدي ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : (لَا) يحْتَج بحَديثه ، شَبيه الْمَجْهُول ، شَبيه بشريح بن النُّعْمَان وهبيرة بن يريم . وَقَالَ فِي بابهما في حَقّهمَا : شبيهان بالمجهولين لَا يحْتَج بحديثهما . وَقَالَ ابْن حزم (فِي محلاه) فِي حَقه : هُوَ غير مَعْرُوف بِالْعَدَالَةِ . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : مَا علمت أحدا رَوَى عَنهُ غير سَلمَة بن كهيل . قلت : قد رَوَى عَنهُ الحكم بن عتيبة كَمَا تقدم ، وَأَبُو إِسْحَاق السبيعي . وَقَالَ عبد الْحق : لَا يحْتَج بِهِ . وَأنكر ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق هَذِه الْعبارَة وَقَالَ : حُجَيَّة رجل مَشْهُور روى عَنهُ جماعات ، وعددهم كَمَا أسلفت قَالَ : رَوَوْا عَنهُ عدَّة أَحَادِيث ، وَهُوَ فِيهَا مُسْتَقِيم لم يعْهَد مِنْهُ خطأ وَلَا اخْتِلَاط وَلَا نَكَارَة وَقَالَ فِيهِ الْكُوفِي : إِنَّه تَابِعِيّ ثِقَة . قَالَ : والعالم حجَّة عَلَى الْجَاهِل . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان فَقَالَ بعد مقَالَة أبي حَاتِم فِيهِ : رَوَى (عَنهُ) (جمَاعَة) وعددهم ، وَهُوَ صَدُوق - إِن شَاءَ الله - وَقد قَالَ الْعجلِيّ : ثِقَة . قلت : وَلما أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة الْعَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - من هَذَا الْوَجْه قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث حُجَيَّة هَذَا فَقَالَ فِي علله : يرويهِ الحكم بن عتيبة ، وَاخْتلف عَنهُ ، فَرَوَاهُ حجاج بن دِينَار ، وَاخْتلف عَن حجاج ، فَقَالَ : إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا عَنهُ عَن الحكم عَن حُجَيّة عَن عَلّي ، (وَقَالَ إِسْرَائِيل : عَن حجاج عَن الحكم عَن (حجر) عَن عَلّي) . وَقَالَ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي : عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس . وَكلهمْ وهم وَالصَّوَاب مَا رَوَاهُ مَنْصُور عَن الحكم عَن الْحسن بن مُسلم بن ينَّاق مُرْسلا ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت : وَطَرِيقَة الحكم عَن (حجر) ذكرهَا التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن دِينَار عَنهُ عَن عَلّي أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ لعمر : إنَّا أَخذنَا من الْعَبَّاس صَدَقَة (الْعَام) عَام الأول وَالْحكم هَذَا وَقع فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ غير مَنْسُوب ، وَنسبه التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته فَقَالَ : (ابْن) جحل وَهُوَ (ثِقَة) كَمَا قَالَ ابْن معِين فِي رِوَايَة . قَالَ ( ابْن) الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : هَذَا الحَدِيث أَقْوَى من الأول . قلت : لَكِن حجر الْعَدوي هَذَا لَا أعرفهُ أصلا ، وَهُوَ مِمَّا انْفَرد التِّرْمِذِيّ بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : حجر (عَن) عليّ لَا يعرف . وَقَالَ فِي الكاشف : حجر عَن عَلّي وَعنهُ رجل وَلم يَصح . وَالتِّرْمِذِيّ خَالف فِي هَذَا فَقَالَ : لَا أعرف حَدِيث تَعْجِيل الزَّكَاة (إِلَّا) من حَدِيث إِسْرَائِيل ، عَن حجاج بن دِينَار ، إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . قَالَ : وَحَدِيث إِسْمَاعِيل - يَعْنِي الأول - عِنْدِي أصح من حَدِيث إِسْرَائِيل عَن الْحجَّاج بن دِينَار [ وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث ] عَن الحكم بن عتيبة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ مُرْسلا ] . وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه : رَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا هشيم ، عَن مَنْصُور بن زَاذَان ، عَن الحكم ، عَن الْحسن بن مُسلم ، التَّابِعِيّ - يَعْنِي فَيكون مُرْسلا - قَالَ : وَهَذَا أصح . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، كَمَا أسلفناه عَنهُ : إِنَّه الصَّوَاب . وَنقل الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن الرّبيع ، عَن الشَّافِعِي قَالَ : وَيروَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أَدْرِي أيثبت أم لَا ؟ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تسلف صَدَقَة مَال الْعَبَّاس ، قبل أَن تحل . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : عَنى بِهِ حَدِيث حجية بن عدي عَن عَلّي السالف ، ثمَّ ذكر (مثل) مَا أسلفناه عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَهَذِه لَفظه : وَهَذَا حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ عَلَى الحكم بن عتيبة ، فَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا ، عَن حجاج ، عَن الحكم هَكَذَا ، وَخَالفهُ إِسْرَائِيل ، عَن حجاج فَقَالَ : عَن الحكم عَن حجر الْعَدوي عَن عَلّي . وَخَالفهُ فِي لَفظه فَقَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعمر : إِنَّا قد أَخذنَا من الْعَبَّاس زَكَاة الْعَام عَام الأول . وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن (عبيد الله) ، هُوَ الْعَرْزَمِي ، عَن الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس فِي قصَّة عمر ، وَرَوَاهُ الْحسن بن عمَارَة عَن الحكم ، عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن طَلْحَة ، وَرَوَاهُ هشيم ، عَن مَنْصُور (بن) زَاذَان ، عَن الحكم ، عَن الْحسن بن مُسلم ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، إِلَّا أَنه قَالَ لعمر فِي هَذِه (الْقِصَّة : إنّا) كُنَّا تعجلنا صَدَقَة مَال الْعَبَّاس لِعَامِنَا هَذَا عَام أول . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا هُوَ الْأَصَح من هَذِه الرِّوَايَات ، قَالَ : وَاعْتمد الشَّافِعِي فِي هَذَا الْبَاب عَلَى مَا ثَبت (عَن) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْيَمين : فليكفّر عَن يَمِينه ، وليأتِ الَّذِي هُوَ خير ، (ثمَّ) عَلَى مَا ثَبت عَن (بعض) أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ذَلِك ، مِنْهُم عبد الله بن عمر بن الْخطاب : رُبمَا كفر (عَن) يَمِينه قبل أَن يَحْنَث وَرُبمَا كفّر بَعْدَمَا يَحْنَث .
بَاب : أَدَاء الزَّكَاة وتعجيلها ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثاراً . أما الْأَحَادِيث فأحد عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالْخُلَفَاء بعده كَانُوا يبعثون السعاة لأخذ الزَّكَاة . هَذَا صَحِيح مَشْهُور عَنْهُم ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث عمر بن الْخطاب عَلَى الصَّدَقَة . وَفِيهِمَا أَيْضا : عَن أبي حميد عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ قَالَ : اسْتعْمل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا من الأزد عَلَى صدقَات بني سليم يُدعَى ابْن اللتبية فَلَمَّا جَاءَ حَاسبه . وَفِيهِمَا أَيْضا : عَن عمر رضي الله عَنهُ أَنه اسْتعْمل (ابْن) السَّعْدِيّ ، واسْمه عَمْرو بن وقدان (الْمَالِكِي) عَلَى الصَّدَقَة . وَفِي سنَن أبي دَاوُد : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث أَبَا مسعودٍ الْأنْصَارِيّ ساعيًا وَفِيه : إِن زيادًا أَو بعض الْأُمَرَاء أرسل عمرَان بن حُصَيْن ساعيًا . وَرَوَاهُ الْحَاكِم ، وَقَالَ : إِن زيادًا - أَو ابْن زِيَاد - بعث عمرَان بن الْحصين ساعيًا ، فجَاء وَلم يرجع مَعَه دَرَاهِم ، فَقَالَ لَهُ : أَيْن المَال ؟ قَالَ : وللمال أرسلتني ؟ أخذناها كَمَا [ كُنَّا ] نأخذها عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ووضعناها فِي الْموضع الَّذِي كُنَّا نضعها عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (ثمَّ) قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث أبي عَمْرو بن حَفْص بن الْمُغيرَة لما قَالَ عمر : إِنِّي أعْتَذر إِلَيْكُم من خَالِد بن الْوَلِيد ، وَإِنِّي أَمرته أَن يحبس هَذَا المَال عَلَى ضعفة الْمُهَاجِرين ، فَأعْطَاهُ ذَا الْبَأْس ، و(ذَا) الشّرف ، وَذَا اللِّسَان ، فنزعته وأمَّرت أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح . قَالَ : وَالله لقد نزعت عَاملا اسْتَعْملهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الحَدِيث . وَفِيه أَيْضا : من حَدِيث عَائِشَة أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بعث أَبَا جهم بن حُذَيْفَة (مُصدقا) فلاجَّه رجل بِصَدَقَتِهِ فَضَربهُ [ أَبُو جهم ] فَشَجَّهُ . الحَدِيث . وَفِيه أَيْضا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث عقبَة بن عَامر ساعيًا ، قَالَ : فاستأذنته أَن آكل من الصَّدَقَة فَأذن لي . فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة . وَفِيه أَيْضا : من حَدِيث (قُرَّة) بن دعموص النميري قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الضَّحَّاك بن قيس ساعيًا . وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث قيس بن سعد (بن) عبَادَة ساعيًا . ثمَّ قَالَ : إِنَّه عَلَى شَرط مُسلم . وَفِيه نظر ؛ فَإِن رَاوِيه عَن قيس بن (سعد) هُوَ عَاصِم بن عمر ، وَهُوَ لم يدْرك قيسا ، نبه عَلَيْهِ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره لَهُ . وَفِيه أَيْضا فِي كتاب الْفَضَائِل ، فِي تَرْجَمَة ( عبَادَة) بن الصَّامِت : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بَعثه عَلَى (أهل) الصَّدقَات . ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَتعقبه الذَّهَبِيّ فَقَالَ : ( إِنَّه) مُنْقَطع ؛ لِأَنَّهُ عَن ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَنهُ . قَالَ أَبُو نعيم فِي الْمعرفَة : وَبعث النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْوَلِيد بن عقبَة بن (أبي) معيط إِلَى بني المصطلق ساعيًا . وَرَوَى الشَّافِعِي : أَن أَبَا بكر وَعمر كَانَا يبعثان عَلَى الصَّدَقَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِي كل أَرْبَعِينَ من الْإِبِل السَّائِمَة بنت لبون ، (من أَعْطَاهَا) مُؤْتَجِرًا فَلهُ أجرهَا ، وَمن منعهَا فإِنَّا آخِذُوهَا وَشطر مَاله ، عَزمَة من عَزمَات رَبنَا ، لَيْسَ لآل مُحَمَّد مِنْهَا شَيْء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث بهز - بالزاي - ابْن (حَكِيم) - بِفَتْح أَوله - ابن مُعَاوِيَة بن حيدة - بِفَتْح الْحَاء (الْمُهْملَة) ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة - عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لَهُم ، إِلَّا أَن أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ قَالُوا : شطر (إبِله بدل) مَاله وَإِلَّا أَحْمد وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فَقَالُوا : لَا يحل لآل مُحَمَّد مِنْهَا شَيْء بدل لَيْسَ . وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح إِلَى بهز ، وَاخْتلف الْحفاظ فِي الِاحْتِجَاج بِحَدِيث بهز ، فَقَالَ يَحْيَى بن معِين : هُوَ ثِقَة . وَسُئِلَ أَيْضا عَن أَبِيه عَن جده ؟ فَقَالَ : إِسْنَاده صَحِيح إِذا كَانَ دونه ثِقَة . قلت : وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَنهُ أَبُو أُسَامَة حَمَّاد بن أُسَامَة ، وَيَحْيَى بن سعيد ، ومعتمر ، وَعبد الْوَارِث . وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : ثِقَة . وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد السجسْتانِي : هُوَ عِنْدِي حجَّة . وَقَالَ مرّة أُخْرَى : أَحَادِيثه صِحَاح وَحسن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام حبس رجلا فِي تُهْمَة فخلى سَبيله وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد عَلَى مَا قدمنَا ذكره من تَصْحِيح هَذِه الصَّحِيفَة وَلم يخرجَاهُ . وَأَشَارَ الْحَاكِم بذلك إِلَى مقَالَته فِي أول كتاب الْإِيمَان : لَا أعلم خلافًا بَين أَكثر أَئِمَّة أهل النَّقْل فِي عَدَالَة بهز بن حَكِيم وَأَنه يجمع حَدِيثه . قَالَ : وَقد ذكره البُخَارِيّ فِي الْجَامِع الصَّحِيح . قلت : وَإِن كَانَ (قَالَ) فِي حَقه : خَارِجَة مُخْتَلفُونَ فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي الضُّعَفَاء : بهز كَانَ يُخطئ كثيرا . (فَأَما أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَإِنَّهُمَا يحتجان بِهِ ويرويان عَنهُ) ، وَتَركه جمَاعَة من أَصْحَابنَا وأئمتنا ، وَلَوْلَا هَذَا الحَدِيث لَأَدْخَلْنَاهُ فِي الثِّقَات ، وَهُوَ مِمَّن أستخير الله فِيهِ . وَاعْترض الذَّهَبِيّ عَلَيْهِ فِي هَذِه الْعبارَة ، فَقَالَ فِي الْمِيزَان : مَا تَركه عَالم قطّ ، وَإِنَّمَا (اخْتلفُوا) فِي الِاحْتِجَاج بِهِ . قلت : سَيَأْتِي (أَي) عَن بَعضهم عدم الِاحْتِجَاج بِهِ (كَمَا) قَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ فِي رواياته ، وَلم أر أحدا تخلف عَنهُ فِي الرِّوَايَة من الثِّقَات ، وَلم أر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا ، وَأَرْجُو أَنه إِذا حدث عَنهُ ثِقَة فَلَا بَأْس بحَديثه ، وَرَوَى عَنهُ ثِقَات النَّاس وَجَمَاعَة من الْأَئِمَّة . وعدهم ، وَقَالَ صَالح جزرة : بهز عَن أَبِيه عَن جده إِسْنَاد أَعْرَابِي . وَقَالَ أَحْمد بن بشير : أَتَيْته فَوَجَدته يلْعَب بالشطرنج . وَنقل الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان عَن الْحَاكِم أَنه (قَالَ) : هُوَ ثِقَة ، إِنَّمَا أسقط من الصَّحِيح ؛ لِأَن رِوَايَته عَن أَبِيه عَن جده شَاذَّة لَا متابع لَهُ عَلَيْهَا . قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : هُوَ شيخ يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : صَالح وَلكنه لَيْسَ بالمشهور . وَقَالَ الشَّافِعِي : لَيْسَ بِحجَّة . وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه : هَذَا خبر لَا يَصح ؛ لِأَن بهز بن حَكِيم غير مَشْهُور بِالْعَدَالَةِ ووالده كَذَلِك . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر (مِنْهُ) : بهز لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَحَكِيم ضَعِيف . وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى أبي حَاتِم فِي قَوْله : لَا يحْتَج بِهِ ، فَقَالَ : يَنْبَغِي أَن لَا يقبل مِنْهُ إِلَّا بِحجَّة ، وبهز ثِقَة عِنْد من علمه . وَقد وَثَّقَهُ غير من ذكر ؛ كَابْن الْجَارُود وَالنَّسَائِيّ ، وَصحح التِّرْمِذِيّ رِوَايَته عَن أَبِيه عَن جده وَقَالَ ( أَبُو) جَعْفَر السبتي : إِسْنَاد بهز عَن أَبِيه عَن جده صَحِيح . قَالَ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن : سَأَلت ابْن معِين : هَل رَوَى شُعْبَة عَن بهز ؟ قَالَ : نعم رَوَى عَنهُ حَدِيث (أَتَرْعَوْنَ) عَن ذكر الْفَاجِر وَقد كَانَ شُعْبَة متوقفًا عَنهُ ، فَلَمَّا رَوَى هَذَا الحَدِيث كتبه وأبرأه مِمَّا اتهمه بِهِ . قلت : فكم لَهُ عَن أَبِيه عَن جده ؟ قَالَ : أَحَادِيث . قلت لأبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل : مَا تَقول فِي بهز ؟ قَالَ : سَأَلت غندرًا عَنهُ فَقَالَ : ثِقَة كَانَ شُعْبَة مَسّه ، ثمَّ تبين مَعْنَاهُ فَكتب عَنهُ . وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة : كَانَ من خِيَار النَّاس . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَلَيْسَ بضار لَهُ حِكَايَة الشطرنج الْمُتَقَدّمَة فَإِن استباحته مَسْأَلَة فقهية (مشتبهة) . قلت : وَمن أغرب الْعبارَات (فِيهِ) قَول ابْن الطلاع فِي أَوَائِل أَحْكَامه : بهز بن حَكِيم مَجْهُول عِنْد بعض أهل الْعلم ، وَأدْخلهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْوضُوء فَدلَّ عَلَى أَنه مَعْرُوف . وَلَا أعلم أحدا أطلق هَذِه الْعبارَة عَلَيْهِ ، وَأما طعن (ابْن) حزم فِي وَالِده فَفِيهِ وَقْفَة ، فقد قَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ الْعجلِيّ : ثِقَة . وعلق عَنهُ البُخَارِيّ وَعَن وَالِده فِي الصَّحِيح ، وَرَوَى لَهما فِي الْأَدَب خَارجه . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : قَالَ الشَّافِعِي : وَلَا يثبت أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ أَن تُؤْخَذ الصَّدَقَة وَشطر إبل (الغال) لصدقته ، وَلَو ثَبت قُلْنَا بِهِ . وَهَذَا تَصْرِيح من الإِمَام الشَّافِعِي بِأَن أهل الحَدِيث ضعفوا هَذَا الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا حَدِيث قد أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، فَأَما البُخَارِيّ وَمُسلم فَإِنَّهُمَا لم [ يخرجَاهُ جَريا عَلَى عَادَتهمَا فِي أَن الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ إِذا لم يكن لَهُ إِلَّا راو وَاحِد لم ] يخرّجا حَدِيثه فِي الصَّحِيح ، وَمُعَاوِيَة بن حيدة [ الْقشيرِي ] لم يثبت عِنْدهمَا رِوَايَة ثِقَة عَنهُ ، غير ابْنه ، فَلم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح . وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك الْمُنْذِرِيّ ، فَقَالَ فِي حَوَاشِي السّنَن : بهز ثِقَة ، وجده مُعَاوِيَة بن حيدة (الْقشيرِي) صحبته مَشْهُورَة ، وَمُعَاوِيَة بن حيدة لم تثبت عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم رِوَايَة ثِقَة عَنهُ ، غير ابْنه . وَهَذَا الْكَلَام معترض عَلَيْهِ من وَجْهَيْن ؛ أَحدهمَا : أَن دَعْوَى عَادَتهمَا فِي أَن الصحابي أَو التَّابِعِيّ إِذا لم يكن لَهُ إِلَّا راو واحد لم يخرجَا حَدِيثه فِي الصَّحِيح لم يثبت ، وَقد أبطل ذَلِك الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْمصْرِيّ فِي كِتَابه الَّذِي يبين فِيهِ أَوْهَام الْمدْخل للْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي هَذِه الْمقَالة [ مَعَ ] الْحَاكِم ، وَذكر ابْن الصّلاح فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث جمَاعَة خرج لَهُم فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُم إِلَّا راو وَاحِد ، لَكِن (نقضته) عَلَيْهِ فِي اختصاري لَهُ ، فراجع ذَلِك مِنْهُ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات . وَمِمَّنْ أبطل مقَالَة الْحَاكِم ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته فَإِنَّهُ قَالَ : هَذِه مجازفة مِنْهُ وَظن ، وَهُوَ ظن غلط . ثمَّ ذكر الْأَمْثِلَة الَّتِي نقلناها عَن ابْن الصّلاح والِاعْتِرَاض عَلَيْهِ . الْوَجْه الثَّانِي : أَن قَوْله لم تثبت (عِنْدهمَا) رِوَايَة (ثِقَة) عَنهُ ، غير ابْنه ، لَيْسَ عَلَى جِهَة النَّقْل عَنْهُمَا بذلك ، وَكَأَنَّهُ من بَاب الظَّن . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَلَا يتعيَّن أَن يكون تَركهمَا لتخريجه هَذِه الْعلَّة الَّتِي ذكرهَا ، فَيجوز أَن يكون ذَلِك لِأَنَّهُمَا لم يريَا بَهْزًا من شَرطهمَا . تَنْبِيهَانِ : أَحدهمَا : بهز بالزاي كَمَا سلف ، وبإسكان الْهَاء وَفتح الْبَاء . وَقَوله : مُؤْتَجِرًا أَي طَالبا لِلْأجرِ . وَقَوله : عَزمَة هُوَ بِإِسْكَان الزَّاي ، وَهُوَ مَرْفُوع ؛ لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره : ذَلِك عَزمَة . وَقَوله : (من) عَزمَات هُوَ بِفَتْح الزَّاي ؛ أَي حقّ لا بد مِنْهُ . وَفِي رِوَايَة للبيهقي : عَزِيمَة بِكَسْر الزَّاي ، ثمَّ يَاء (مثناة تَحت) ، وَالْمَشْهُور عَزمَة . وَقَوله : وَمن منعهَا هَكَذَا هُوَ بِالْوَاو وَمن مَعْطُوف عَلَى أول الحَدِيث وَهُوَ من أَعْطَاهَا . الثَّانِي : هَذَا الحَدِيث جعله الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب ، وَمِنْهُم الْبَيْهَقِيّ فِي كتبه مَنْسُوخا ؛ ذكره فِي سنَنه وخلافياته ومَعْرفَته ، وَأَنه كَانَ حِين كَانَت الْعقُوبَة بِالْمَالِ ، قَالَ فِي سنَنه : وَقد كَانَ تضعف الغرامة عَلَى من سرق فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام ، ثمَّ صَار مَنْسُوخا . وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي عَلَى نسخه بِحَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِيمَا أفسدت نَاقَته ، فَلم ينْقل عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي تِلْكَ الْقِصَّة أَنه أَضْعَف الغرامة ، بل نقل فِيهَا حكمه بِالضَّمَانِ فَقَط ، فَيحْتَمل أَن يكون هَذَا من ذَلِك . وضعَّفَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب القَوْل بذلك فَقَالَ : أجَاب الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة - قلت : والسّنَن والخلافيات - عَن حَدِيث بهز بِأَنَّهُ مَنْسُوخ . قَالَ : و(هَذَا) الْجَواب ضَعِيف من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَن مَا ادعوهُ من كَون الْعقُوبَة كَانَت بالأموال فِي أول الْإِسْلَام لَيْسَ بِثَابِت وَلَا مَعْرُوف . وَالثَّانِي : أَن النّسخ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ إِذا علم التَّارِيخ ، وَلَيْسَ هُنَا علم بذلك . قَالَ : وَالْجَوَاب الصَّحِيح تَضْعِيف الحَدِيث كَمَا قَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ - رَحمهَما الله تَعَالَى - هَذَا آخر كَلَامه . وَالظَّاهِر حسن الحَدِيث ، (فَلهَذَا) احْتج بِهِ (الْأَكْثَرُونَ) كَمَا سلف ، وَقد قَالَ هُوَ فِي كِتَابه تَهْذِيب الْأَسْمَاء : إِن يَحْيَى بن معِين وَالْجُمْهُور وثقوه وَاحْتَجُّوا بِهِ . وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح الْإِسْنَاد . كَمَا سلف ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : حَدِيث حسن . وَذكر هَذَا الحَدِيث الإِمَام أَحْمد فَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا وَجهه . وَسُئِلَ عَن إِسْنَاده ؟ فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي صَالح الْإِسْنَاد . وَنقل ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه جَامع الْأُصُول وَكَذَلِكَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه جَامع المسانيد ، عَن إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ الْحَافِظ ؛ أَنه قَالَ : غلط الرَّاوِي فِي لفظ رِوَايَة هَذَا الحَدِيث ، وَإِنَّمَا هُوَ شطر مَاله يَعْنِي أَنه يَجْعَل (مَاله) شطرين فَيتَخَيَّر عَلَيْهِ الْمُصدق ، (وَيَأْخُذ) الصَّدَقَة من خير الشطرين ؛ عُقُوبَة لمَنعه الزَّكَاة ، فَأَما مَا لَا يلْزمه فَلَا . قَالَ ابْن الْأَثِير : وَنقل عَن الشَّافِعِي أَنه رَجَعَ إِلَى هَذَا الحَدِيث فِي الْقَدِيم ، وَخَالفهُ فِي الْجَدِيد وَجعله مَنْسُوخا ؛ فَإِن ذَلِك كَانَ حَيْثُ كَانَت الْعقُوبَة بِالْمَالِ ثمَّ نسخ . قَالَ : وَهَذَا القَوْل من الشَّافِعِي يرد مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَرْبِيّ (من تغليط) الرَّاوِي ، فَإِن الشَّافِعِي جعله (حجَّة) لقَوْله الْقَدِيم .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته كَمَا سلف أول الْوضُوء .
الحَدِيث الثَّالِث يرْوَى أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِي المَال حق سُوَى الزَّكَاة . هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : أَصْحَابنَا يَرْوُونَهُ فِي تعاليقهم ، لست أحفظ لَهُ إِسْنَادًا . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث ضَعِيف جدًّا لَا يعرف . قلت : قد أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، من حَدِيث شريك ، عَن أبي حَمْزَة - بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة - عَن الشّعبِيّ ، عَن فَاطِمَة بنت قيس أَنَّهَا سَمِعت تَعْنِي - النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَيْسَ فِي المَال حق سُوَى الزَّكَاة . وَكَذَا عزاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام إِلَيْهِ ، وَقَالَ : هَكَذَا هُوَ فِي النُّسْخَة الَّتِي فِيهَا روايتنا بِهَذَا اللَّفْظ ، وَقد (أدرجه تَحت) تَرْجَمَة : مَا أُدي زَكَاته فَلَيْسَ بكنز ، قَالَ : وَهُوَ دَلِيل عَلَى أَن لفظ الحَدِيث كَذَلِك . قلت : وَكَذَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه سَوَاء ، وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن هَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد رُوِيَ بِهِ حَدِيث (فِي ضد) هَذَا الْمَعْنى وَهَذَا لَفظه : إِن فِي المَال حقًّا سُوَى الزَّكَاة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ ، وَأَبُو حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر يضعف . قَالَ : وَرَوَاهُ بَيَان وَإِسْمَاعِيل بن سَالم عَن الشّعبِيّ قَوْله ، وَهَذَا أصح . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : يرويهِ رجلَانِ ضعيفان . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عقب مقَالَته السالفة : وَرُوِيَ فِي مَعْنَاهُ أَحَادِيث (مِنْهَا) حَدِيث فَاطِمَة بنت قيس أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَو قَالَت : سُئل - عَن هَذِه الْآيَة : فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قَالَ : إِن فِي المَال حقًّا سُوَى الزَّكَاة وتلا هَذِه الْآيَة : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ إِلَى قَوْله تَعَالَى : وَآتَى الزَّكَاةَ . ثمَّ قَالَ : وَهَذَا حَدِيث يعرف بِأبي حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر كُوفِي ، وَقد جرحه أَحْمد وَيَحْيَى فَمن بعدهمَا من حفاظ الحَدِيث . وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن مُحَمَّد بن الصَّباح ، عَن هشيم ، عَن عذافر ، عَن الْحسن ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا : من أَدَّى زَكَاة مَاله فقد أدّى الْحق الَّذِي عَلَيْهِ ، وَمن زَاد فَهُوَ أفضل . وَمِنْهَا : حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، رَفعه : إِذا أدّيت الزَّكَاة فقد قضيت مَا عَلَيْك ، وَمن جمع مَالا حَرَامًا ثمَّ تصدق بِهِ ، لم يكن لَهُ فِيهِ أجر ، وَكَانَ (إصره) عَلَيْهِ . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ هَذَا ، وَقَالَ : غَرِيب . وَمِنْهَا : حَدِيث جَابر ، (رَفعه) : إِذا أدّيت زَكَاة مَالك فقد أذهبت عَنْك شَره . قَالَ : رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا ، وَالْمَوْقُوف أصح ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ : وَشَاهده حَدِيث أبي هُرَيْرَة . قَالَ : وَهُوَ شَاهد صَحِيح .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَابه وَاضحا . (انتهي الْكَلَام عَلَى الْأَحَادِيث) .
وَأما الْأَثر : مَا اعْتَمدهُ الشَّافِعِي عَن [ أبي ] عَمْرو بن حماس ، أَن أَبَاهُ حماسًا قَالَ : مَرَرْت عَلَى عمر بن الْخطاب وَعَلَى عنقِي أدمة أحملها ، فَقَالَ : أَلا تُؤدِّي زكاتك يَا حماس ؟ فَقلت : مَا لي غير هَذَا وَأهب فِي الْقرظ . قَالَ : ذَلِك مَال فضع . فَوَضَعتهَا بَين يَدَيْهِ ، فحسبها ، فَوجدت قد وَجب فِيهَا الزَّكَاة ، فَأخذ مِنْهَا الزَّكَاة . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حَمَّاد بن زيد ، نَا يَحْيَى بن سعيد ، عَن أبي عَمْرو بن حماس ، أَو [ عَن ] عبد الله بن أبي سَلمَة ، عَن أبي عَمْرو بن حماس ، عَن أَبِيه أَنه قَالَ : كنت أبيع (الْأدم والجعاب) ، فمرّ بِي عمر بن الْخطاب ، فَقَالَ لي : أدِّ صَدَقَة مَالك . فَقلت : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، إِنَّمَا هُوَ (فِي) الْأدم . قَالَ : قوّمه ثمَّ أخرج صدقته . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان ، نَا يَحْيَى (بن سعيد) عَن عبد الله بن أبي سَلمَة ، عَن أبي عَمْرو بن حماس ؛ أَن أَبَاهُ قَالَ : مَرَرْت بعمر بن الْخطاب فَذكره ، وَقَالَ فِيهِ فَقلت : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، مَا لي غير هَذِه الَّتِي عَلَى ظَهْري وأهبة فِي الْقرظ . فَقَالَ : (ذَاك) مَال (بدل مَا) ذكر وَالْبَاقِي بِمثلِهِ سَوَاء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ جَعْفَر بن (عون) ، عَن يَحْيَى مُخْتَصرا قَالَ : كَانَ حماس يَبِيع الْأدم و(الجعاب) ، فَقَالَ لَهُ عمر : أدِّ زَكَاة مَالك . فَقَالَ : إِنَّمَا مَالِي (جعاب) وأدم فَقَالَ : قوِّمه وأدّ زَكَاته . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن سُفْيَان ، نَا ابْن عجلَان ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن أبي (عَمْرو) بن حماس ، عَن أَبِيه . مثل رِوَايَة سُفْيَان الأولَى . وَفِي رِوَايَة لسَعِيد بن مَنْصُور عَن حماس - وَكَانَ يَبِيع الْأدم - قَالَ : قَالَ لي عمر بن الْخطاب : يَا حماس ، أدّ زَكَاة مَالك . فَقلت : مَا لي مَال ، إِنَّمَا أبيع الْأدم . قَالَ : قوّمه وأدّ زَكَاة مَالك . فَفعلت . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق كَمَا حَكَاهُ أَبُو عمر عَنهُ ، عَن الثَّوْريّ [ عَن يَحْيَى بن سعيد ] عَن أبي سَلمَة ، عَن ابْن حماس ، عَن أَبِيه . وجَهَّلَ ابنُ حزمٍ حماسًا وَابْنه ، فَقَالَ : أَبُو عَمْرو ابْن حماس مَجْهُول (كأبيه) فَقَالَ : وروينا من طَرِيق عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل ، نَا عَارِم ابن الْفضل ، قَالَ : سَمِعت أَبَا الْأسود - هُوَ حميد بن الْأسود - يَقُول : ذكرت لمَالِك بن أنس حَدِيث ابْن حماس فِي الْمَتَاع يزكَّى ، عَن يَحْيَى بن سعيد . فَقَالَ مَالك : يَحْيَى قماش . قَالَ ابْن حزم : مَعْنَاهُ أَنه يجمع القماش ، وَهُوَ الكناسة ، أَي يروي عَمَّن لَا قدر لَهُ وَلَا يسْتَحق . فَائِدَة : حِمَاس بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الْمِيم وَآخره سين مُهْملَة . (وَقَوله : أدمة اعْلَم أَن الْأَدِيم يجمع عَلَى أَدم ، بِفَتْح الْهمزَة ، وَعَلَى آدمة بِأَلف بعد الْهمزَة ، كرغيف وأرغفة . وَأما الأَدمة بِفَتْح الْهمزَة وَالدَّال وبالتاء فَهُوَ بَاطِن الْجلد الَّذِي يَلِي اللَّحْم و[ الْبشرَة ] ظَاهرهَا ، كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي ، وحينئذٍ فَيتَعَيَّن عَلَى مَا نَقله أَن تكون اللَّفْظَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا هِيَ جمع الْأَدِيم ؛ فَإِن الْمَفْتُوحَة لَا يظْهر ضمهَا هُنَا . والإهاب : الْجلد ، وَجمعه أَهَب ، بِفَتْح الْهمزَة وَالْهَاء ، عَلَى غير الْقيَاس ، كأديم وأدم . وَقد قَالُوا أَيْضا : أُهب بِالضَّمِّ . [ قَالَه ] الْجَوْهَرِي وَمُقْتَضَى كَلَامه أَن الأول هُوَ الْمَعْرُوف) .
بَاب : زَكَاة التِّجَارَة ذكر فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَحَادِيث وأثرًا وَاحِدًا . أما الْأَحَادِيث فَثَلَاثَة : الحَدِيث الأول عَن أبي ذَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِي الْإِبِل صدقتها ، (وَفِي الْبَقر صدقتها ، وَفِي الْغنم صدقتها) وَفِي الْبَز صدقته . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، من طرق (عَن أبي ذَر ، إِحْدَاهَا) : من حَدِيث أبي عَاصِم ، عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي ، قَالَ : حَدثنِي عمرَان بن أبي أنس ، عَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان ، عَنهُ مَرْفُوعا ، كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء . وَقَالَ عِنْد قَوْله : وَفِي الْبَز صدقته قَالَهَا بالزاي . ثَانِيهَا : من حَدِيث (سعيد) بن سَلمَة ، نَا مُوسَى ، عَن عمرَان ، عَن مَالك ، عَنهُ مَرْفُوعا (بِهِ) سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : كتبته من الأَصْل الْعَتِيق ، وَفِي الْبَز مُقَيّد . ثَالِثهَا : من حَدِيث عبد الله بن مُعَاوِيَة ، نَا مُحَمَّد بن بكر ، عَن ابْن جريج ، عَن عمرَان ، عَن مَالك ، عَنهُ مَرْفُوعا بِهِ ، سَوَاء ، إِلَّا أَنه قَالَ : لم يذكر الْبَقر . وَرَوَاهُ أَحْمد ، عَن مُحَمَّد بن بكر ، عَن ابْن جريج ، عَن عمرَان ، بلغه عَنهُ ، عَن مَالك بن أَوْس (بِهِ) ، وَذكر الْبَقر . والطريقان الْأَوَّلَانِ معللان بمُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي ، وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ أَحْمد : لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ . وَالطَّرِيق الثَّالِث مُعَلل بِعَبْد الله بن مُعَاوِيَة ، وَلَا أعلم حَاله ، وَلَا أتحقق أَنه عبد الله بن مُعَاوِيَة بن عَاصِم الضَّعِيف ، وَإِن كَانَ ابْن حبَان ذكره فِي ثقاته وَقَالَ : رُبمَا يُخَالف ، يعْتَبر بحَديثه إِذا بيَّنَ السماع فِي رِوَايَته . فَإِن سلم أَنه هُوَ فقد صرح (هُنَا) بِالتَّحْدِيثِ ، فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بكر . كَمَا سلف ، وَجزم ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه بِأَنَّهُ المضعف ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : إسنادها حسن وَإِن (كَانَ) عبد الله فِيهِ أدنَى كَلَام . قلت : وَلم ينْفَرد بِهِ ، بل تَابعه عَلَيْهِ يَحْيَى بن مُوسَى كَمَا سَيَأْتِي ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف إِلَّا بمُوسَى بن عُبَيْدَة وَهُوَ ضَعِيف ، عَن عمرَان بن أبي أنس . قَالَ : فَأَما رِوَايَة ابْن جريج عَن عمرَان فَلَا تصح إِلَى ابْن جريج . قَالَ : وَعبد الله بن مُعَاوِيَة هَذَا لَا يعرف حَاله . وَأقرهُ صَاحب الإِمَام عَلَى هَذِه الْمقَالة . قَالَ ابْن الْقطَّان : فَإِن قلت : قد رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن بكر غَيره ، وَهُوَ يَحْيَى بن مُوسَى الْبَلْخِي الْمَعْرُوف بخت وَهُوَ ثِقَة . فَالْجَوَاب : أَن الْمُؤَاخَذَة إِنَّمَا هِيَ عَلَى رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ ، عَلَى أَن لرِوَايَة ابْن جريج عَن عمرَان لَو صحت من رِوَايَة يَحْيَى بن مُوسَى شَأْنًا آخر وَهُوَ الِانْقِطَاع . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب الْعِلَل : نَا يَحْيَى بن مُوسَى ، نَا مُحَمَّد بن (بكر) ثَنَا ابْن جريج ، عَن عمرَان ، عَن مَالك ، عَن أبي ذَر قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : فِي الْإِبِل صدقتها ، وَفِي الْغنم صدقتها ، وَفِي الْبَقر صدقتها ، وَفِي الْبَز صدقته ثمَّ قَالَ : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث ؟ فَقَالَ : ابْن جريج لم يسمع من عمرَان بن أبي أنس ، يَقُول : حدثت عَن عمرَان بن أَبَى أنس . انْتَهَى . (وَقد أسلفنا ذَلِك عَن رِوَايَة أَحْمد) . قَالَ ابْن الْقطَّان : فَالْحَدِيث عَلَى هَذَا مُنْقَطع ، وَابْن جريج لم يقل : نَا عمرَان وَهُوَ مُدَلّس . قلت : قد أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث سعيد بن سَلمَة بن أبي الحسام ، نَا عمرَان بن أبي أنس ، عَن مَالك بن أَوْس ، عَن أبي ذَر ، مَرْفُوعا كَمَا سلف . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من هَذَا الْوَجْه أَيْضا ، فَهَذِهِ الطَّرِيقَة سَالِمَة (من) الِانْقِطَاع . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : تَابعه ابْن (جريج) عَن عمرَان ، ثمَّ سَاقه كَمَا سلف ، ثمَّ قَالَ : كلا الإسنادين صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَاعْترض الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَلَى ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ : مَا ذكره من جِهَة التِّرْمِذِيّ عَن يَحْيَى بن مُوسَى ، يَقْتَضِي صِحَّته إِلَى ابْن جريج ، لَا كَمَا ذكر أَولا ، وَالتَّعْلِيل بالانقطاع غير التَّعْلِيل بِعَدَمِ الصِّحَّة إِلَى ابْن جريج . قَالَ : وَطَرِيق ابْن جريج أخرجهَا الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من (غير) جِهَة عبد الله بن مُعَاوِيَة ، عَن مُحَمَّد بن بكر ، فتزول الْعلَّة الَّتِي ذكرهَا ابْن الْقطَّان فِي كَون الحَدِيث لَا يَصح إِلَى ابْن جريج ، ثمَّ سَاقه من حَدِيث الْحَاكِم ، (من) طَرِيق ابْن جريج ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا وَإِن كَانَ يزِيل مَا اعْترض بِهِ من عدم الصِّحَّة إِلَى ابْن (جريج) ، فَلَا يزِيل مَا ذكر عَن البُخَارِيّ من أَن ابْن جريج لم يسمع من عمرَان ، فَمن هَذَا الْوَجْه يسْتَدرك عَلَى الْمُسْتَدْرك ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ الْحَاكِم من جِهَة سعيد بن سَلمَة ، ثَنَا عمرَان بن أبي أنس ، فَهَذَا الْوَجْه خرج مِنْهُ ابْن جريج عَن عمرَان ، وَقد وَقع فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاع سعيد مِنْهُ ، وَهُوَ من رجال مُسلم . ثمَّ اعْترض عَلَى الْحَاكِم فِي قَوْله : إِن الإسنادين عَلَى شَرطهمَا بِأَن قَالَ : كِلَاهُمَا يرجع إِلَى عمرَان (بن) أبي أنس ، وَهُوَ مَذْكُور فِيمَن انْفَرد (مُسلم بِهِ فَكيف يكون عَلَى شَرطهمَا ؟ قلت : قد أسلفنا فِي أَوَائِل كتَابنَا هَذَا أَن مُرَاد) الْحَاكِم بقوله : عَلَى شَرطهمَا أَو عَلَى شَرط أَحدهمَا أَن رِجَاله ثِقَات احْتج الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا بمثلهم (لَا أَنهم) أنفسهم ، فَلَا إِيرَاد عَلَيْهِ إِذن . ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَن ابْن الْجَوْزِيّ ذكر الطّرق الثَّلَاثَة الأول ، من (عِنْد) الدَّارَقُطْنِيّ ، عَلَى وَجه الِاحْتِجَاج بهَا ، و(قَالَ) إِن الطَّرِيق الَّتِي فِيهَا عبد الله بن مُعَاوِيَة أصلح من اللَّتَيْنِ قبلهَا ؛ لأجل مُوسَى بن عُبَيْدَة ؛ فَإِنَّهُ أَشد ضعفا . وَعِنْدِي أَن طَريقَة الْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ من جِهَة سعيد بن سَلمَة أولَى مِنْهَا وَلم (يعْتَبر) بهَا ابْن الْجَوْزِيّ . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : وَفِي الْبَز صدقته هُوَ بِفَتْح الْبَاء وبالزاي ، هَكَذَا رَوَاهُ ، وَصرح بالزاي الدَّارَقُطْنِيّ كَمَا سلف ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا . قَالَ أهل اللُّغَة : الْبَز : هِيَ الثِّيَاب الَّتِي هِيَ أَمْتعَة الْبَزَّاز . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : وَهَذَا التَّقْيِيد وَإِن كَانَ ظَاهرا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ ، فَإِنَّمَا قيدته بِهِ لِأَن بَعضهم صحفه بِالْبرِّ بِالْبَاء وَالرَّاء . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : (ثمَّ) اعْلَم أَن (هُنَا) أَمرا لَا بُد من التَّنْبِيه عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ أَن الأَصْل الَّذِي نقلت مِنْهُ (من) كتاب الْمُسْتَدْرك لَيْسَ (فِيهِ) الْبَز بالزاي الْمُعْجَمَة ، وَفِيه ضم الْبَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَيحْتَاج إِلَى كشف من أصل آخر مُعْتَبر ، فَينْظر إِلَى الْمُوَافقَة والمخالفة ، فَإِن اتّفق عَلَى (ضمة الْبَاء) فَلَا يكون دَلِيلا عَلَى مَسْأَلَة زَكَاة التِّجَارَة ، فَليعلم ذَلِك ، فَإِنَّمَا قصدنا الْخُرُوج عَن الْعهْدَة . قلت : الْوَاقِع فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة وَالْبَيْهَقِيّ التَّقْيِيد بِأَنَّهُ بالزاي يزِيل هَذَا التَّوَقُّف . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق .
الحَدِيث الثَّانِي عَن سَمُرَة بن جُنْدُب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَأْمُرنَا أَن نخرج الزَّكَاة مِمَّا نعده للْبيع . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث جَعْفَر بن سعد بْن سَمُرَة بن جُنْدُب ، قَالَ : حَدثنِي خبيب - يَعْنِي بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة - ابْن سُلَيْمَان ، عَن أَبِيه سُلَيْمَان بن سَمُرَة ، عَن سَمُرَة بن جُنْدُب : أما بعد ، فَإِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَأْمُرنَا أَن نخرج الصَّدَقَة من الَّذِي يعد للْبيع . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي (عمر) مَرْوَان بْن جَعْفَر بن سعد بن سَمُرَة بن جُنْدُب قَالَ : حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خبيب بن سُلَيْمَان بن سَمُرَة بن جُنْدُب ، عَن [ جَعْفَر بن ] سعد بن سَمُرَة بن جُنْدُب ، عَن خبيب بن سُلَيْمَان بن (سَمُرَة) بن جُنْدُب ، عَن أَبِيه ، عَن سَمُرَة بن جُنْدُب : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (من سَمُرَة بن جُنْدُب) إِلَى بنيه سَلام عَلَيْكُم ، أما بعد ، فَإِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَأْمُرنَا برقيق الرجل وَالْمَرْأَة الَّذِي هُوَ تلاد لَهُ وهم عملة لَا يُرِيد بيعهم ، فَكَانَ يَأْمُرنَا أَن لَا نخرج عَنْهُم من الصَّدَقَة شَيْئا ، وَكَانَ يَأْمُرنَا أَن نخرج من الرَّقِيق الَّذِي يعد للْبيع . وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث جيد ، وَخَالف ( أَبُو مُحَمَّد) بن حزم (فَقَالَ : سَاقِط) ؛ لِأَن جَمِيع رُوَاته مَا بَين سُلَيْمَان (بن مُوسَى) وَسمرَة مَجْهُولُونَ ، لَا يعرف من هم . وَتَبعهُ ابْن الْقطَّان فَقَالَ : مَا من هَؤُلَاءِ من يعرف حَاله ، وَقد جهد المحدثون فيهم جهدهمْ ، وَهُوَ إِسْنَاد تروى بِهِ جملَة أَحَادِيث ، ذكر الْبَزَّار مِنْهَا نَحْو الْمِائَة . وَلَيْسَ كَمَا قَالَا ، فسليمان هَذَا الَّذِي (هَذَا) الحَدِيث عِنْده عَن جَعْفَر هُوَ الزُّهْرِيّ ، رَوَى عَنهُ مَرْوَان (الطاطري) - وَقَالَ : ثِقَة - وَجَمَاعَة أُخر ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : حَدِيثه مُسْتَقِيم مَحَله الصدْق ، صَالح الحَدِيث . وجعفر بن سعد وخبيب (ووالده) سُلَيْمَان بن سَمُرَة ذكرهم ابْن حبَان فِي ثقاته فَقَالَ : جَعْفَر بن سعد بن سَمُرَة الْفَزارِيّ ، يروي عَن خبيب ابْن سُلَيْمَان ، رَوَى عَنهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خبيب . وَقَالَ فِي تَرْجَمَة خبيب : خبيب بن سُلَيْمَان بن سَمُرَة بن جُنْدُب الْفَزارِيّ ، يروي عَن أَبِيه ، رَوَى عَنهُ جَعْفَر بن سعد أَبُو سُلَيْمَان . وَقَالَ فِي تَرْجَمَة وَالِده ( سُلَيْمَان بن سَمُرَة بن جُنْدُب الْفَزارِيّ ، يروي عَن أَبِيه ، رَوَى عَنهُ عَلّي بن ربيعَة وخبيب بن) سُلَيْمَان ابْنه . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه : جَعْفَر بن سعد عَن أَبِيه ، وَعنهُ سُلَيْمَان بن مُوسَى وَغَيره ، لَهُ هَذَا الحَدِيث وَغَيره عَن خبيب ، ردّه ابْن حزم فَقَالَ : هما مَجْهُولَانِ . وخبيب هَذَا يجهل حَاله عَن أَبِيه . قلت : قد ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . قَالَ : وَقَالَ عبد الْحق : خبيب ضَعِيف وَسكت عَنهُ فِي الْجِهَاد ، وَقَالَ مرّة : إِنَّه لَيْسَ بالمشهور ، وَلَا أعلم رَوَى عَنهُ إِلَّا جَعْفَر بن سعد ، وَلَيْسَ جَعْفَر مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ . قَالَ الذَّهَبِيّ : وَسليمَان هَذَا زهري من أهل الْكُوفَة لَيْسَ بالمشهور . وَقَالَ فِي تَرْجَمَة خبيب : إِنَّه - أَعنِي خبيبًا - لَا يعرف . قَالَ : وَبِكُل حَال هَذَا إِسْنَاد مظلم لَا ينْهض بِحكم . قلت : لَا يسلم لَهُ ذَلِك ، فقد قَالَ ابْن عبد الْبر : ذكره أَبُو دَاوُد وَغَيره بِالْإِسْنَادِ الْحسن ، عَن سَمُرَة . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ فِي عمدته الْكُبْرَى : إِسْنَاده مقارب ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : فِيهِ رجال لَا أعرف حَالهم ، وَلَكِن لم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن أَو صَحِيح عَلَى قَاعِدَته . وَقَالَ شَيخنَا فتح الدَّين الْيَعْمرِي : هَذَا إِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ ، وَأَقل مراتبه أَن يكون حسنا ؛ فَإِن جَعْفَر بن سعد مَسْتُور الْحَال ، وخبيب وَأَبوهُ (وثقهما) ابْن حبَان . قلت : وَكَذَا جَعْفَر أَيْضا كَمَا أسلفناه عَنهُ .
الحَدِيث الثَّالِث عَن سعد بن أبي وَقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا يجمع بَين مفترق ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع ، خشيَة الصَّدَقَة ، والخليطان مَا اجْتمعَا فِي الْحَوْض والفحل والراعي . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث الْوَلِيد ، عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن السَّائِب (بن يزِيد) ؛ قَالَ : صَحِبت سعد بن أبي وَقاص ؛ فَذكر كلَاما ، وَقَالَ (أَلا) إِنِّي سمعته ذَات يَوْم يَقُول : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يفرق بَين مُجْتَمع ، وَلَا يجمع بَين مفترق ، والخليطان مَا (اجْتمع) عَلَى الْحَوْض والراعي والفحل . وَرَوَاهُ كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ؛ وَقَالَ : أجمع أَصْحَاب الحَدِيث عَلَى ضعف ابْن لَهِيعَة وَترك الِاحْتِجَاج بِمَا ينْفَرد بِهِ وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل عِنْدِي ، وَلَا أعلم أحدا رَوَاهُ (غير) ابْن لَهِيعَة . قَالَ : وَيروَى هَذَا من كَلَام سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقد أوضح ضعفه الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل فأجاد فِيهِ وشفى ، فَذكره بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك إِلَّا أَنه عَن السَّائِب صَحِبت سَعْدا زَمَانا فَلم أسْمَعْهُ يحدث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا فَذكره ، (ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر عَن السَّائِب : صَحِبت سَعْدا عشْرين سنة مَا سمعته يَقُول قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا فِي حَدِيث وَاحِد فَذكره) . ثمَّ قَالَ : لم يسمع ابْن لَهِيعَة هَذَا الحَدِيث من يَحْيَى بن سعيد إِنَّمَا كَانَ يرويهِ عَن كِتَابه إِلَيْهِ ذكره أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام ، عَن أبي الْأسود ، عَن ابْن لَهِيعَة قَالَ : كتب إِلَيّ (يَحْيَى) بن سعيد أَنه سمع السَّائِب بن يزِيد يحدث عَن سعد عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الخليطان مَا اجْتمعَا عَلَى الْفَحْل والمرعى والحوض قَالَ أَبُو الْأسود : وكل شَيْء حدث بِهِ ابْن لَهِيعَة عَن يَحْيَى بن سعيد فَإِنَّمَا هُوَ كتاب كتب (إِلَيْهِ) قَالَ الْخَطِيب : وَمَتنه لَا يثبت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام يَحْيَى بن سعيد (قَالَ ابْن (أبي) مَرْيَم : لم يسمع ابْن لَهِيعَة من يَحْيَى بن سعيد) شَيْئا وَلَكِن كتب إِلَيْهِ يَحْيَى وَكَانَ فِيمَا كتب إِلَيْهِ يَحْيَى هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث السَّائِب صَحِبت ابْن أبي وَقاص كَذَا وَكَذَا سنة فَلم أسمعهُ يحدث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا حَدِيثا (وَاحِدًا) وعقبه عَلَى إثره لَا يفرق بَين مُجْتَمع وَلَا يجمع بَين متفرق فِي الصَّدَقَة (فَظن ابْن لَهِيعَة أَنه من حَدِيث سعد يَعْنِي بقوله : إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا لا يفرق بَين مُجْتَمع وَلَا يجمع بَين متفرق) (فِي الصَّدَقَة) ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا كلَاما مُبْتَدأ من الْمسَائِل الَّتِي كتب بهَا إِلَيْهِ . قَالَ يَحْيَى بن معِين : الحَدِيث الَّذِي حدث بِهِ ابْن لَهِيعَة ، عَن يَحْيَى (بن) سعيد ، عَن السَّائِب صَحِبت طَلْحَة بن عبيد الله وسعدًا فَلم أسمعهم يحدثُونَ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالُوا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يجمع (بَين) متفرق بَاطِل إِنَّمَا هُوَ من قَول يَحْيَى بن سعيد لَا يفرق بَين مُجْتَمع وَلَا يجمع بَين متفرق هَكَذَا حدث بِهِ اللَّيْث بن (سعد) وَغَيره قَالَ الْخَطِيب : وَقد رَوَى سُلَيْمَان بن بِلَال وَحَمَّاد بن زيد ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن السَّائِب بن يزِيد ، عَن سعد هَذَا الحَدِيث ، فَلم يذكرَا فصل الْجمع و(لَا) التَّفْرِيق ، وَلَا ذكرا الخليطين ، وَرَوَى اللَّيْث بن سعد عَن (يَحْيَى بن سعيد فِي) الخليطين مثل رِوَايَة (ابْن) لَهِيعَة غير أَن اللَّيْث جعله من قَول يَحْيَى بن سعيد ثمَّ ذكره بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك قَالَ أَبُو عبيد : لم يسْندهُ اللَّيْث . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة الرَّعْي بدل الرَّاعِي قلت : رَوَاهَا كَذَلِك الْخَطِيب فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، وَلَفظه : الْمرْعَى بدل الرَّعْي . قَالَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شرح الْمُهَذّب وَابْن الصّلاح (قبله) فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : رَوَى الرَّعْي بِلَفْظ الْمصدر ، والراعي عَلَى اسْم الْفَاعِل . وَذكر الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثا فِي الْبَاب قبله ، كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر فِيهِ ، وَهُوَ النَّهْي عَن الْمَرِيضَة والمعيبة ، ذكره فِي الْكَلَام عَلَى رداءة النَّوْع ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . قَالَ أَبُو دَاوُد : (قَرَأت) فِي كتاب عبد الله بن سَالم بحمص ، عِنْد آل عَمْرو بن الْحَارِث الْحِمصِي ، عَن الزبيدِيّ ، قَالَ : وَأَخْبرنِي يَحْيَى بن جَابر ، عَن جُبَير بن نفير ، عَن عبد الله بن مُعَاوِيَة الغاضري ، من غاضرة قيس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ثَلَاث من فعلهن فقد طعم طعم الْإِيمَان ، من عبد الله وَحده وَأَنه لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأعْطَى زَكَاة مَاله ، طيبَة بهَا نَفسه ، رافدة عَلَيْهِ كل عَام ، وَلم يُعْط الهرمة وَلَا (الدرنة) وَلَا الْمَرِيضَة وَلَا الشَّرْط اللئيمة وَلَكِن (من) وسط أَمْوَالكُم ، فَإِن الله لم يسألكم خَيره ، وَلم يَأْمُركُمْ بشره . وجوده الطَّبَرَانِيّ بِزِيَادَة عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير ، عَن أَبِيه وأسقطه أَبُو دَاوُد ، وَفِي آخِره : وزكى عَن نَفسه ، فَقَالَ رجل : مَا تَزْكِيَة الْمَرْء (عَن) نَفسه يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : يعلم أَن الله مَعَه حَيْثُ مَا كَانَ (قَوْله : رافدة هِيَ فاعلة) من الرفد رفدته أرفده إِذا أعنته : أَي تعينه نَفسه عَلَى أَدَائِهَا قَالَه ابْن الْأَثِير ، قَالَ : وَمِنْه حَدِيث عبَادَة : أَلا ترَوْنَ أَنِّي لَا أقوم إِلَّا رافدًا أَي إِلَّا أَن أعَان عَلَى الْقيام ، وَيروَى بِفَتْح الرَّاء ، وَهُوَ الْمصدر . والغاضر : بالغين وَالضَّاد المعجمتين ، وَهِي مُشْتَقّ من الغضارة (وَهِي النضارة) وَالشّرط : بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء الْمُهْملَة مَعًا أَي : رذال المَال وَالنَّاس وَالْخَيْل ، يُقَال : الْغنم أَشْرَاط المَال .
بَاب صَدَقَة الخلطاء ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث . الأول وَالثَّانِي حَدِيث أنس وَابْن عمر ، وَغَيرهمَا ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يجمع بَين مفترق ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع ، خشيَة الصَّدَقَة ، وَمَا كَانَ من خليطين الحَدِيث . هَذَانِ الحديثان سلفا فِي الْبَاب قبله بطولهما . وَقَوله : وَغَيرهمَا ، أَرَادَ بِهِ حَدِيث (عَمْرو) بن حزم ؛ أخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم ، كَمَا سَيَأْتِي فِي (الْجِنَايَات) - إِن شَاءَ الله - وَلَفظه : وَلَا يجمع بَين مفترق ، وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع ، خشيَة الصَّدَقَة ، وَمَا أَخذ من الخليطين ، فإنهما يتراجعان (بَينهمَا) بِالسَّوِيَّةِ .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ بِمَعْنَاهُ ، وَلَفظه : وَفِي صَدَقَة الْغنم فِي سائمتها إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى عشْرين وَمِائَة شَاة الحَدِيث بِطُولِهِ كَمَا سلف فِي الْبَاب قبله من حَدِيث أنس رضي الله عَنهُ . وَقد ذكره الرَّافِعِيّ إِثْر هَذَا من هَذِه الطَّرِيق . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ : فِي سَائِمَة الْغنم إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاة . وَفِي حَدِيث عَمْرو بن حزم : فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة سَائِمَة شَاة . رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَغَيره ، وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ فِي الدِّيات - إِن شَاءَ الله تَعَالَى . قَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف - مَوْجُود مَعْنَاهُ فِي صَحِيح البُخَارِيّ ، وأحسب أَن قَول (الْفُقَهَاء) والأصوليين : فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة اخْتِصَار مِنْهُم للمفصل فِي لفظ الحَدِيث من مقادير الزَّكَاة الْمُخْتَلفَة باخْتلَاف النُصب .
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِي الْبَقر العوامل صَدَقَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث سوار ، عَن لَيْث ، عَن مُجَاهِد وَطَاوُس ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - مَرْفُوعا كَذَلِك سَوَاء ، وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، سوار هُوَ ابْن مُصعب مَتْرُوك كَمَا قَالَه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ ، ( وَلَيْث قد علمت حَاله فِي الْوضُوء قَالَ ( أَحْمد ) : هُوَ) مُضْطَرب الحَدِيث لَكِن قد حدث عَنهُ النَّاس . وأجمل الْبَيْهَقِيّ القَوْل فِي تَضْعِيفه ، فَقَالَ : إِسْنَاده ضَعِيف . ثَانِيهَا : من حَدِيث غَالب الْقطَّان ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، مَرْفُوعا ، إِلَّا أَنه قَالَ : الْإِبِل بدل الْبَقر . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : كَذَا قَالَ : غَالب الْقطَّان ، وَهُوَ عِنْدِي غَالب بن عبيد الله . قلت : (ليته) الْقطَّان (فَإِنَّهُ) ثِقَة ، وجرحه ابْن حبَان بِلَا حجَّة ، أما غَالب بن عبيد الله فَهُوَ (الْجَزرِي ) تَرَكُوهُ . قَالَ أَبُو حَاتِم : مَتْرُوك الحَدِيث مُنكر . ثَالِثهَا : من حَدِيث الصَّقْر بن حبيب ، عَن أبي رَجَاء العطاردي ، يحدث عَن ابْن عَبَّاس ، عَن عَلّي ؛ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِي العوامل صَدَقَة ، وَلَا فِي الْجَبْهَة صَدَقَة . قَالَ الصَّقْر : الْجَبْهَة الْخَيل وَالْبِغَال وَالْعَبِيد وَقَالَ أَبُو عبيد : الْجَبْهَة الْخَيل . قلت : والصقر هَذَا ضَعِيف ، وَابْن حبَان يُسَمِّيه الصَّعق ، وَالدَّارَقُطْنِيّ يُسَمِّيه الصَّقْر . قَالَ ابْن حبَان : لَيْسَ من كَلَام رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا يعرف بِإِسْنَاد مُنْقَطع (فقلبه) الصَّعق (عَلَى) أبي رَجَاء و(هُوَ) يَأْتِي بالمقلوبات عَن الْأَثْبَات . رَابِعهَا : من حَدِيث جَابر ، رَفعه : لَيْسَ فِي المثيرة صَدَقَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فِي (إِسْنَاده) ضعف . خَامِسهَا - وَهُوَ أمثلها ، بل هُوَ عِنْدِي صَحِيح - : من رِوَايَة مُحَمَّد بن عبيد الله بن المنادي ، نَا أَبُو بدر - هُوَ شُجَاع بن الْوَلِيد - نَا زُهَيْر ، نَا أَبُو إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث وَعَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ فِي الْبَقر العوامل شَيْء . وَفِي حَدِيث الْحَارِث : لَيْسَ عَلَى الْبَقر العوامل شَيْء . وَقد أسلفنا الْكَلَام عَلَى هَذَا الْإِسْنَاد فِي الحَدِيث الأول وَابْن الْقطَّان لما ذكره من حَدِيث الصَّقْر (قَالَ : الصَّقْر ) هَذَا مَجْهُول . قلت : لَا ، بل ضَعِيف كَمَا مر . قَالَ : وَأحمد بن الْحَارِث الْبَصْرِيّ - بِالْبَاء - الَّذِي يرويهِ عَنهُ مثله . قلت : بل مَتْرُوك كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وَهُوَ الغساني ، مَعْرُوف . قَالَ : وَلِهَذَا الحَدِيث إِسْنَاد أَجود من هَذَا ، بل هُوَ صَحِيح ، إِلَّا أَنه (لَيْسَ (فِيهِ) ذكر الْجَبْهَة ، ثمَّ سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ ، كَمَا أسلفناه ، ثمَّ قَالَ : لم أعن) إِلَّا رِوَايَة عَاصِم لَا رِوَايَة الْحَارِث . قَالَ : وكل من فِي هَذَا الْإِسْنَاد ثِقَة مَعْرُوف ، وَابْن الْمُنَادِي أحد الْأَثْبَات . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : ابْن الْقطَّان لَيْسَ يُعلل الحَدِيث بالاختلاف فِي رَفعه وَوَقفه ، فَلذَلِك قَالَ بِالصِّحَّةِ ، وَقد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا ، وَبَنَى ابْن الْقطَّان تَصْحِيحه عَلَى تَوْثِيق عَاصِم بن ضَمرَة والاحتجاج بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : وَأشهر مَا رُوِيَ فِي ذَلِك مُسْندًا وموقوفًا حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي مَرْفُوعا ، ثمَّ رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي مَرْفُوعا ، باللفظين السَّالفين ، ثمَّ قَالَ : رَفعه أَبُو الْبَدْر شُجَاع بن الْوَلِيد ، عَن زُهَيْر (من) غير شكّ ، وَرَوَاهُ النُّفَيْلِي ، عَن زُهَيْر بِالشَّكِّ ، فَقَالَ : قَالَ زُهَيْر : أَحْسبهُ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ غَيره عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عَلّي (مَوْقُوفا) عَلَيْهِ : لَيْسَ عَلَى العوامل من الْبَقر الحراثة شَيْء وَفِي لفظ (لَهُ) : لَيْسَ فِي الْإِبِل العوامل ، وَلَا فِي الْبَقر العوامل صَدَقَة ثمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي الزبير ، عَن جَابر أَنه قَالَ : لَيْسَ عَلَى مثير الأَرْض زَكَاة . قَالَ : وَرُوِيَ عَن جَابر مَرْفُوعا ، وَفِي إِسْنَاده ضعف ، وَقد أسلفنا هَذَا عَنهُ ، وَالصَّوَاب مَوْقُوف ، ثمَّ (رُوِيَ) بِإِسْنَادِهِ عَن جَابر قَالَ : لَا يُؤْخَذ من الْبَقر الَّتِي يحرث عَلَيْهَا من الزَّكَاة شَيْء . قَالَ : وَإِسْنَاده صَحِيح . قَالَ : وَهُوَ قَول مُجَاهِد ، وَسَعِيد بن جُبَير ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز ، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ . قَالَ : وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ : لَيْسَ فِي الْبَقر العوامل صَدَقَة إِذا كَانَت فِي مصر .
الحَدِيث الْخَامِس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فدين الله أَحَق بِالْقضَاءِ . هَذَا الحَدِيث (صَحِيح) ، أخرجه الشَّيْخَانِ ، من حَدِيث ابْن عَبَّاس رضي الله عَنهُمَا ؛ أَن امْرَأَة أَتَت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : إِن أُمِّي (مَاتَت) وَعَلَيْهَا صَوْم شهر ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَيْهَا دين أَكنت تقضينه ؟ قَالَت : نعم . قَالَ : فدين الله أَحَق بِالْقضَاءِ . وَفِي رِوَايَة : فدين الله أَحَق بِأَن يُقْضَى . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : من حَدِيث ابْن عَبَّاس (أَيْضا) أَن امْرَأَة من جُهَيْنَة (جَاءَت) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : إِن أُمِّي نذرت أَن تحج فَلم تحج حَتَّى مَاتَت ، أفأحج عَنْهَا ؟ قَالَ : نعم ، حجي عَنْهَا ، أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أمك دين أَكنت قاضيته ؟ اقضوا الله فَالله أَحَق بِالْوَفَاءِ . هَذَا لَفظه فِي كتاب الْحَج ، فِي بَاب : الْحَج (وَالنُّذُور) عَن الْمَيِّت وَالرجل يحجّ عَن الْمَرْأَة . وَفِي النَّسَائِيّ : أَمَرَتِ امْرَأَة سِنَان بن سَلمَة الْجُهَنِيّ أَن يَسْأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ - أَعنِي - البُخَارِيّ أَيْضا ، فِي بَاب : من مَاتَ وَعَلِيهِ نذر ، فِي أَبْوَاب الأَيمَان وَالنُّذُور ، عَن ابْن عَبَّاس جَاءَ رجل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لَهُ : إِن أُخْتِي نذرت أَن تحج ، وَإِنَّهَا مَاتَت ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو كَانَ عَلَيْهَا دين أَكنت قاضيه ؟ قَالَ : نعم قَالَ : فَاقْض الله ؛ فَهُوَ أَحَق بِالْقضَاءِ . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم فِي صَحِيحه بِلَفْظ : عَن ابْن عباسٍ ؛ قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ : إِن أُخْتِي مَاتَت وَلم تحج ، أفأحج عَنْهَا ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَيْهَا دين (تقضيه) فَالله أَحَق (بِالْقضَاءِ) . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ : إِن أبي قد مَاتَ وَلم يحجّ ، أفأحج عَنهُ ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين أَكنت قاضيه ؟ قَالَ : نعم ، قَالَ : فدين الله أَحَق .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ابْتَغوا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى لَا تأكلها الزَّكَاة . (مَعْنَاهُ : اطْلُبُوا الرِّبْح بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِالتِّجَارَة) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن عبد الْمجِيد ، عَن ابْن جريج ، عَن يُوسُف بن ماهَكَ أنّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ابْتَغوا فِي مَال الْيَتِيم - أَو فِي مَال الْيَتَامَى - لَا تذهبها - أَو (لَا) تستهلكها - الصَّدَقَة . وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي الْأَمْوَال عَن حجاج ، عَن ابْن جريج بِهِ : ابْتَغوا فِي أَمْوَال الْيَتَامَى لَا تذهبها الزَّكَاة . قلت لحجاج : عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : نعم . وَهَذَا مُرْسل ؛ لِأَن يُوسُف تَابِعِيّ ، وَمَعَ إرْسَاله فعبد الْمجِيد هَذَا فِيهِ مقَال ، أخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِهِشَام بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ ، وَالْأَرْبَعَة ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي حَقه : ثِقَة دَاعِيَة إِلَى الإرجاء . وَقَالَ البُخَارِيّ : كَانَ الحميدي يتَكَلَّم فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِقَوي ، يكْتب حَدِيثه . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يعْتَبر بِهِ وَلَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ أَحْمد : ثِقَة ، وَكَانَ فِيهِ غلوّ فِي الإرجاء . (وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ الإرجاء) وَقَالَ ابْن حبَان : يقلب الْأَخْبَار ، ويروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير فَاسْتحقَّ التّرْك . وأكّد الشَّافِعِي (هَذَا) الْمُرْسل بِعُمُوم الحَدِيث الصَّحِيح فِي إِيجَاب الزَّكَاة مُطلقًا ، وَبِمَا رُوِيَ عَن الصَّحَابَة رضي الله عَنهُم فِي ذَلِك ، مِنْهُم عمر بن الْخطاب ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث (ابْن) الْمسيب عَنهُ أَنه قَالَ : ابْتَغوا بأموال الْيَتَامَى لَا تأكلها الصَّدَقَة . ثمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح ، وَله شَوَاهِد عَن عمر . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : كَأَنَّهُ أَرَادَ ثِقَة رُوَاته ، وَفِيه من النّظر مَا قيل فِي سَماع سعيد (من) عمر أَو عدم سَمَاعه . قلت : وَسَعِيد ولد لثلاث سِنِين مضين من خلَافَة عمر ، قَالَه مَالك وَأنكر سَمَاعه مِنْهُ ، وَقَالَ ابْن معِين : رَآهُ وَكَانَ صَغِيرا ، وَلم يثبت لَهُ سَماع مِنْهُ . قلت : وَمَعَ ذَلِك فَاخْتلف فِيهِ ، فَقيل : عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن عمر . وَقيل : عَن (عَمْرو) بن دِينَار ، عَن مَكْحُول . ذكرهمَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله كَمَا سلف فِي الحَدِيث قبله . ثمَّ رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ) من طَرِيقين آخَرين عَنهُ ، وَقَالَ : كِلَاهُمَا مَحْفُوظ . وَمِنْهُم : ابْنه رضي الله عَنهُ ، ذكره الْبَيْهَقِيّ وَابْن عبد الْبر بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه كَانَ يُزكي مَال الْيَتِيم . وَقَالَ الشَّافِعِي : أَنا سُفْيَان ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَنهُ ، فَذكره . وَمِنْهُم : جَابر رضي الله عَنهُ ذكره ابْن عبد الْبر بِإِسْنَادِهِ ، وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ : وَرُوِيَ (ذَلِك) ، عَن الْحسن بن عَلّي وَجَابِر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَمِنْهُم : عَائِشَة رضي الله عَنْهَا رَوَى مَالك عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه قَالَ : كَانَت عَائِشَة تليني وأخًا لي (يَتِيم) فِي حجرها ، وَكَانَت تخرج من أَمْوَالنَا الزَّكَاة . وَمِنْهُم : عَلّي بن أبي طَالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - رُوِيَ عَنهُ من طرق ذكرهَا ابْن عبد الْبر وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ . وَقَالَ الْمروزِي : قَالَ أَبُو عبد الله - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل - : خَمْسَة من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (كَانُوا) يزكون مَال الْيَتِيم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَأَما (مَا) رُوِيَ عَن مُعَمَّر - أَي بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وَتَشْديد ثالثه - ابْن سُلَيْمَان ، عَن عبد الله بن (بشر) - أي بالشين الْمُعْجَمَة - عَن لَيْث بن أبي سليم ، عَن مُجَاهِد ، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : من ولي مَال يَتِيم فليحص عَلَيْهِ السنين ، فَإِذا دفع إِلَيْهِ مَاله (أخبرهُ) بِمَا عَلَيْهِ من الزَّكَاة ، فَإِن شَاءَ زَكى ، وَإِن شَاءَ لم يزك فقد ضعفه الشَّافِعِي من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَنه مُنْقَطع لِأَن مُجَاهدًا لم يدْرك ابْن مَسْعُود . وَالثَّانِي : (أَن لَيْث بن) أبي سليم ضَعِيف ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ضعف أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ليثًا . قَالَ : وَقد رُوِيَ أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس ، إِلَّا أَنه انْفَرد بِهِ ابْن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ .
الحَدِيث الثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا زَكَاة فِي مَال الْمكَاتب حَتَّى يعْتق . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، عَن عبد الْبَاقِي بن قَانِع وَعبد الصَّمد بن عَلّي ، (نَا الْفضل بن الْعَبَّاس) الصَّواف ، نَا يَحْيَى بن غيلَان ، نَا (عبد الله) بن بزيع ، عَن ابْن جريج ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . وَهَذَا حَدِيث مَعْلُول من أوجه : أَحدهَا : عبد الْبَاقِي بن قَانِع شيخ الدَّارَقُطْنِيّ ، فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ فِي حَقه : إِنَّه كَانَ يُخطئ كثيرا ويصر عَلَى الْخَطَأ . ثَانِيهَا : عبد الله بن بزيع الْأنْصَارِيّ قَاضِي تستر ؛ قَالَ ابْن عدي : لَيْسَ هُوَ عِنْدِي مِمَّن يحْتَج بِهِ ، قَالَ : وَأَحَادِيثه (أَو عامتها) لَيست مَحْفُوظَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لين الحَدِيث لَيْسَ بمتروك . ثَالِثهَا : يَحْيَى بن غيلَان ، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال ، نبه عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان فِي علله قَالَ : وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يروي عَن مَالك ، ذَاك ثِقَة . رَابِعهَا : تَدْلِيس أبي الزبير ، وَقد عنعن عَنهُ فِي هَذَا الحَدِيث . وأجمل الْبَيْهَقِيّ القَوْل فِي تَضْعِيفه ، فَقَالَ فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث رَفعه ضَعِيف ، وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى جَابر . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن جَابر قَالَ : لَيْسَ فِي مَال الْمكَاتب وَلَا العَبْد زَكَاة حَتَّى يعْتق (ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن الْعمريّ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : لَيْسَ فِي مَال الْمكَاتب وَلَا العَبْد زَكَاة ) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وبالأول قَالَ (مَسْرُوق) وَسَعِيد بن الْمسيب وَسَعِيد بْن جُبَير وَعَطَاء وَمَكْحُول . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث السَّادِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ولي يَتِيما فليتجر لَهُ وَلَا يتْركهُ حَتَّى تَأْكُله الصَّدَقَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ؛ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خطب النَّاس فَقَالَ : أَلا من ولي يَتِيما لَهُ مَال فليتجر فِيهِ ، وَلَا يتْركهُ حَتَّى تَأْكُله الصَّدَقَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رُوِيَ من هَذَا الْوَجْه ، وَفِي إِسْنَاده مقَال ؛ لِأَن الْمثنى بن الصبَّاح يضعَّف فِي الحَدِيث . قَالَ : وَرَوَى بَعضهم هَذَا الحَدِيث ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ؛ أَن عمر بن الْخطاب (قَالَ) : فَذكره . قَالَ : وَعَمْرو بن شُعَيْب هُوَ (ابْن) مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ، وَشُعَيْب قد سمع من جده عبد الله بن عَمْرو ، (وَقد تكلم يَحْيَى بن سعيد فِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، وَقَالَ : هُوَ عندنَا واهٍ ، وَمن ضعّفه فَإِنَّمَا ضعفه من قبل أَنه يحدث من صحيفَة جده عبد الله بن عَمْرو) ، وَأما (أَكثر) أهل الحَدِيث فيحتجون بِحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ويثبتونه ، مِنْهُم : أَحْمد وَإِسْحَاق وَغَيرهمَا . هَذَا آخر كَلَامه ، وَقد أسلفنا فِي بَاب الْوضُوء (أَقْوَال) أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ فِيهِ مَبْسُوطا ، وَذكرنَا هُنَاكَ أَن الْجُمْهُور احْتَجُّوا بِهِ ، وَأَنه سمع من جده (عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي) ، وَذكرنَا (هُنَاكَ) عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : لَا يَصح حَدِيثه وَيسلم من الْإِرْسَال إِلَّا أَن يَقُول فِيهِ عَن جده (عبد الله ابن عَمْرو) ، وَهَذَا الحَدِيث قد سَمّى فِيهِ جده عبد الله بن عَمْرو ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك ، لَكِن الطَّرِيق إِلَيْهِ كَمَا قد علمت فِيهِ الْمثنى بن الصَّباح وَهُوَ مَتْرُوك (كَمَا) قَالَ النَّسَائِيّ : وَله عَن عَمْرو طَرِيقَانِ آخرَانِ . رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ، إِحْدَاهمَا من حَدِيث منْدَل ، (عَن أبي إِسْحَاق) الشَّيْبَانِيّ ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : احْفَظُوا الْيَتَامَى فِي أَمْوَالهم لَا تأكلها الزَّكَاة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : منْدَل هَذَا لَيْسَ بِقَوي . ثَانِيهمَا : من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، مَرْفُوعا : فِي مَال الْيَتِيم الزَّكَاة . وَمُحَمّد هَذَا تَرَكُوهُ ، قَالَ ابْن حبَان : كَانَ صَدُوقًا إِلَّا أَن كتبه ذهبت وَكَانَ يحدث من حفظه فَيهِم . وَله طَرِيق ثَالِث : قَالَ عبد الْحق : (رَوَاهُ) عبد الله بن عَلّي بن مهْرَان ، عَن ( عَمْرو بن شُعَيْب ، وَهُوَ ضَعِيف أَو مَجْهُول ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب هَذَا يرويهِ حُسَيْن الْمعلم ، عَن مَكْحُول ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن ( عمر ) ، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن عمر ، وَلم يذكر ابْن الْمسيب . وَخَالفهُ حَمَّاد بن زيد ، فَرَوَاهُ عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن مَكْحُول ، عَن ( عمر ) وَلم يذكر فِيهِ عَمْرو بن شُعَيْب وَلَا ابْن الْمسيب ، وَرَوَاهُ الْمثنى بن الصَّباح ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده . قَالَ : وَحَدِيث عمر أصح . ( وَقَالَ) مهنا : سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اتَّجرُوا (بأموال) الْيَتَامَى لَا تأكلها الزَّكَاة فَقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيح ، هَذَا يرويهِ الْمثنى بن الصَّباح عَن عَمْرو .
وَأما آثاره فاثنان : أَحدهمَا : أثر عمر ، وَقد تقدم فِي آخر الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا . وَثَانِيهمَا : أثر عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : اعْتد عَلَيْهِم بالصغار والكبار . وَهُوَ غَرِيب ، لَا يحضرني من خرجه ، وَذكره صَاحب الْمُهَذّب بِلَفْظ : عد الصغار مَعَ الْكِبَار . وَلم يعزه النَّوَوِيّ فِي شَرحه وَلَا الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه ، وَأوردهُ الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه مَرْفُوعا ؛ فَقَالَ : رَوَى مُحَمَّد بن إِسْحَاق (عَن) ابْن حزم ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ لساعيه : عد عَلَيْهِم صغارها وكبارها ، وَلَا تَأْخُذ هرمة وَلَا ذَات عوار . كَذَا رَأَيْته (فِيهِ) . قلت : وَقد سلف فِي الحَدِيث الثَّانِي من أَحَادِيث الْبَاب عَن (عليّ) أَنه قَالَ : من اسْتَفَادَ مَالا فَلَا زَكَاة فِيهِ حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . وَهُوَ يُخَالف مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَغَيره عَن عَلّي . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه وَقَوله : عد الصغار هُوَ بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا وَضمّهَا ، وَكَذَا مَا أشبهه مِمَّا هُوَ مضعف مضموم الأول كشد وَشبهه ، وَهُوَ كَمَا قَالَ .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِي مَال المستفيد زَكَاة حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا ، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عمر ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من اسْتَفَادَ مَالا فَلَا زَكَاة عَلَيْهِ حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ ، وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ السالف . وَعبد الرَّحْمَن هَذَا ضَعِيف ، (كَمَا أسلفته فِي بَاب النَّجَاسَات قَالَ التِّرْمِذِيّ : عبد الرَّحْمَن هَذَا ضَعِيف) فِي الحَدِيث ، ضعفه أَحْمد وَعلي وَغَيرهمَا من أهل الحَدِيث ، وَهُوَ كثير الْغَلَط . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن لَا زَكَاة فِي المَال الْمُسْتَفَاد حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول ، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَاد عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه قَالَ : من اسْتَفَادَ مَالا فَلَا زَكَاة فِيهِ (حَتَّى) يحول عَلَيْهِ الْحول (عِنْد ربه) . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَهَذَا أصح من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ، قَالَ : وَرَوَاهُ أَيُّوب ، وَعبيد الله بن عمر ، وَغير وَاحِد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَوْقُوفا . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِن الصَّحِيح (وَقفه) ، وَإِن عبد الرَّحْمَن ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ . وَكَذَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : إِنَّه لَا يَصح رَفعه ، وَإِن عبد الرَّحْمَن ضعفه الْكل . قلت : وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم (الحنيني) ، عَن مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَالصَّحِيح عَن مَالك مَوْقُوف . قلت : والحنيني ضَعَّفُوهُ . وَروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عَلّي وَالصديق وَعَائِشَة مَوْقُوفا عَلَيْهِم ، مثل مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر رضي الله عَنهُم .
بَاب لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا أما الْأَحَادِيث فثمانية : الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . هَذَا الحَدِيث مرويٌّ من طرق (أحْسنهَا) من حَدِيث عَلّي رضي الله عَنهُ ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، من حَدِيث الْحَارِث الْأَعْوَر وَعَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، والْحَارث ضعفه الْجُمْهُور وَوَثَّقَهُ بَعضهم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب فرض التَّشَهُّد : هُوَ غير مُحْتَج بِهِ ، وَكَانَ ابْن الْمُبَارك يُضعفهُ . وَعَاصِم وَثَّقَهُ ابْن الْمَدِينِيّ وَابْن معِين وَالنَّسَائِيّ فَقَالَ فِي تَمْيِيزه : لَا بَأْس بِهِ ، وَالْحَاكِم يصحح حَدِيثه ، وَأما ابْن عدي وَابْن حبَان فضعفاه ، وَاعْتمد عَلَيْهِ صَاحب الإِمَام لأجل عَاصِم . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي خلاصته : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد حسن (أَو صَحِيح) وَخَالف فِي شَرحه للمهذب فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف . قَالَ : وَلذَلِك احْتج صَاحب الْمُهَذّب فِي الْمَسْأَلَة بالآثار المنتشرة عَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم دونه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الِاعْتِمَاد فِي اشْتِرَاط الْحول عَلَى الْآثَار الصَّحِيحَة فِيهِ ، عَن أبي بكر وَعُثْمَان وَابْن عمر وَغَيرهم . قلت : وَالصَّوَاب الأول وَيَكْفِي رِوَايَة غَيره - يَعْنِي الْحَارِث الْأَعْوَر وَقد نحى الْقُرْطُبِيّ فِي مفهمه إِلَى تَصْحِيحه أَيْضا فَقَالَ : يعْتَمد عَلَى رِوَايَة الثِّقَة - يَعْنِي عَاصِم بن ضَمرَة . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث ثَابت عَنهُ ؛ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِي مَال زَكَاة حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . إِسْنَاده ضَعِيف ؛ لِأَن فِيهِ حسان بن سياه الْبَصْرِيّ ؛ (رَاوِيه) عَن ثَابت ، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حبَان ، وَكَذَا ابْن عدي وَقَالَ : حدث (عَن) ثَابت وَعَاصِم بن بَهْدَلَة (وَالْحسن) بن ذكْوَان وَغَيرهم بِمَا لَا يتابعونه عَلَيْهِ . وَلما أورد هَذَا الحَدِيث قَالَ : لَا أعلم يرويهِ عَن ثَابت غير [ حسان بن سياه ] . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث عَائِشَة رضي الله عَنْهَا ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ بِلَفْظ : لَيْسَ فِي المَال زَكَاة حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . إِسْنَاده ضَعِيف ؛ لِأَن فِيهِ حَارِثَة بن أبي الرِّجَال ، (وَهُوَ ضَعِيف) . قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ . قَالَ : وَرَوَاهُ (الثَّوْريّ) عَن حَارِثَة مَوْقُوفا عَلَى عَائِشَة . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع حَارِثَة عَلَى هَذَا الحَدِيث إِلَّا من هُوَ دونه أَو مثله . قَالَ : وَله غير حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث مَوْقُوفا عَلَى عَائِشَة وَمَرْفُوعًا ، وَيُشبه أَن يكون هَذَا من عمل حَارِثَة . الطَّرِيق الرَّابِع : من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن إِسْمَاعِيل ، عَن عبيد الله (بن عمر) ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : لَا زَكَاة فِي مَال امْرِئ حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن عَيَّاش ، وَهُوَ ضَعِيف فِي رِوَايَته عَن غير الشاميين ، وَعبيد الله هَذَا مدنِي . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن نمير ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : لَيْسَ فِي مَال زَكَاة حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول ثمَّ قَالَ : هَذَا هُوَ الصَّحِيح مَوْقُوف . قَالَ : رَوَاهُ بَقِيَّة ، عَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن عبيد الله بن عمر مَرْفُوعا ، وَلَيْسَ بِصَحِيح . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : رَوَاهُ مُعْتَمر وَغَيره مَوْقُوفا . وَقَالَ فِي علله : إِنَّه الصَّحِيح وَإنَّهُ لَا يَصح رَفعه . قلت : والاعتماد فِي (هَذِه) الْمَسْأَلَة عَلَى الحَدِيث الأول وأقوال الصَّحَابَة ، وَإِن كَانَ الْبَيْهَقِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتمد فِيهَا عَلَى الْآثَار كَمَا سلف .
الحَدِيث الثَّالِث عَن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : هاتوا ربع الْعشْر من الْوَرق ، وَلَا شَيْء (فِيهِ) حَتَّى يبلغ (مِائَتي) دِرْهَم وَمَا زَاد فبحسابه . وَرُوِيَ مثله فِي الذَّهَب . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي ، نَا زُهَيْر ، قَالَ : نَا أَبُو إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة وَعَن الْحَارِث الْأَعْوَر ، عَن عَلّي - قَالَ زُهَيْر : أَحْسبهُ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : هاتوا ربع (العشور) ، من كل أَرْبَعِينَ درهما دِرْهَم ، وَلَيْسَ عَلَيْكُم شَيْء حَتَّى تتمّ مِائَتي دِرْهَم ، فَإِذا كَانَت عِنْده مِائَتي دِرْهَم فَفِيهَا خَمْسَة (دَرَاهِم) ، فَإِن زَاد فعلَى حِسَاب ذَلِك ثمَّ ذكر صَدَقَة الْغنم وَغَيرهَا . ثمَّ رَوَى عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد ، أَنا ابْن وهب ، أَخْبرنِي جرير بن (حَازِم) ، وَسَمَّى آخر ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة والْحَارث الْأَعْوَر ، عَن عَلّي (عَن) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِبَعْض أول الحَدِيث ، قَالَ : فَإِذا كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَم ، وَحَال عَلَيْهَا الْحول ، فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم ، وَلَيْسَ عَلَيْك شَيْء - يَعْنِي فِي الذَّهَب - حَتَّى يكون لَك عشرُون دِينَارا ، فَإِذا كَانَت لَك عشرُون دِينَارا ، وَحَال عَلَيْهَا الْحول ، فَفِيهَا نصف دِينَار ، فَمَا زَاد (فبحساب) ذَلِك . قَالَ : لَا أَدْرِي أعليٌّ يَقُول : [ فبحساب ] ذَلِك ، أَو رَفعه إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ : رَوَى هَذَا الحَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي إِسْحَاق ، كَمَا قَالَ أَبُو عوَانَة ، وَرَوَاهُ شَيبَان [ أَبُو مُعَاوِيَة ] وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث ، (عَن عَلّي) ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَى حَدِيث النُّفَيْلِي : شُعْبَة وسُفْيَان وَغَيرهمَا ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عليٍّ لم يرفعوه . وَقَالَ (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فِي محلاه : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن وهب ، عَن جرير بن حَازِم ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة والْحَارث الْأَعْوَر ، قرن فِيهِ أَبُو إِسْحَاق (بَين) عَاصِم والْحَارث ، والْحَارث كَذَّاب ، وَكثير من الشُّيُوخ يجوز عَلَيْهِ مثل هَذَا ، وَهُوَ أَن الْحَارِث أسْندهُ وَعَاصِم لم يسْندهُ ، فجمعهما جرير ، وَأدْخل حَدِيث أَحدهمَا فِي الآخر ، وَقد رَوَاهُ شُعْبَة وسُفْيَان وَمعمر ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عليٍّ ، مَوْقُوفا عَلَى عليٍّ ، وَكَذَلِكَ كل ثِقَة رَوَاهُ عَن عَاصِم إِنَّمَا وَقفه عَلَى عليٍّ ، وَقد بيَّنَّا أَنه حَدِيث هَالك ، فَلَو أَن جَرِيرًا أسْندهُ عَن عَاصِم وَحده لأخذنا بِهِ ، وَلَكِن لما (لم) يسْندهُ إِلَّا عَن الْحَارِث مَعَه لم يَصح لنا إِسْنَاده من طَرِيق عَاصِم . هَذَا آخر كَلَامه . وَلما نَقله عبد الْحق فِي أَحْكَامه عَنهُ نقل عَن غَيره أَن هَذَا لَا يلْزم ؛ لِأَن جَرِيرًا ثِقَة ، وَقد أسْندهُ عَنْهُمَا ، وَقد أسْندهُ (أَيْضا) أَبُو عوَانَة ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عليٍّ مَرْفُوعا فِي زَكَاة الْوَرق ؛ ذكر حَدِيثه التِّرْمِذِيّ ، وَأَبُو عوَانَة ثِقَة . قلت : وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن سَلمَة بن صَالح وَأَيوب بن جَابر رَفَعَاهُ عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عَلّي فهذان قد رَفَعَاهُ أَيْضا ، ثمَّ إِن ابْن حزم نَاقض كَلَامه فِي آخر الْمَسْأَلَة فَقَالَ : ثمَّ استدركنا فَرَأَيْنَا أَن حَدِيث جرير بن حَازِم مُسْند صَحِيح ، لَا يجوز خِلَافه ، وَأَن الاعتلال فِيهِ بِأَن عَاصِم بن ضَمرَة أَو أَبَا إِسْحَاق أَو جَرِيرًا خلط إِسْنَاد الْحَارِث بإرسال عَاصِم ، وَهُوَ الظَّن الَّذِي لَا يجوز ، وَمَا علينا من مُشَاركَة الْحَارِث لعاصم ، وَجَرِير ثِقَة ، وَالْأَخْذ بِمَا أسْندهُ لَازم . هَذَا لَفظه وَلَا يلتئم مَعَ الأول . وَأما قَوْله : (فبحساب) ذَلِك فقد أسْندهُ زيد بن حبَان (الرقي) - وَأَصله كُوفِي - عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عليٍّ مَرْفُوعا . وَزيد هَذَا وَثَّقَهُ ( يَحْيَى ) ، وَقَالَ أَحْمد : تركُوا حَدِيثه . وَقَالَ ابْن عدي : لَا أرَى بروايته بَأْسا . قَالَ ابْن حزم : وَرَوَى [ الْمنْهَال بن الْجراح ] - وَهُوَ كَذَّاب - عَن حبيب (بن) نجيح - وَهُوَ مَجْهُول - عَن عبَادَة بن نسي ، عَن معَاذ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمره حِين وَجهه إِلَى الْيمن : أَن لَا يَأْخُذ من الكسور شَيْئا إِذا بلغ الْوَرق مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم ، وَلَا يَأْخُذ (مِمَّا) زَاد حَتَّى يبلغ أَرْبَعِينَ درهما) . ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، قَالَ : وَلم يسمع ( عبَادَة ) من معَاذ . قَالَ : وَرُوِيَ من طَرِيق الْحسن بن عمَارَة - وَهُوَ مَتْرُوك - عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم ، عَن عَلّي مَرْفُوعا ، فِي صَدَقَة الْوَرق : لَا زَكَاة فِيمَا زَاد عَلَى المائتي دِرْهَم حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ درهما . قَالَ : وَرُوِيَ مثله من طَرِيق أبي أويس ، عَن عبد الله وَمُحَمّد ابْني أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ، عَن أَبِيهِمَا ، عَن جدهما . قَالَ : وَهَذِه صحيفَة مُنْقَطِعَة . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : لم يثبت عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي زَكَاة الذَّهَب شَيْء من جِهَة نقل الْآحَاد الْعُدُول الثِّقَات . وَكَلَامه هَذَا يحمل عَلَى تَقْدِير نصابه ، لَا عَلَى أصل إِيجَاب الزَّكَاة فِيهِ ، كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب الإِمَام . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ : غَالب مَا (كَانُوا) يتعاملون بِهِ من أَنْوَاع الدَّرَاهِم فِي عصر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (والصدر الأول بعده نَوْعَانِ : بغليَّة وَهُوَ ثَمَانِيَة دوانق ، وطبريَّة) وَهُوَ أَرْبَعَة ، فَأخذُوا وَاحِدًا من هَذِه وواحدًا من هَذِه وقسموها نِصْفَيْنِ ، وَجعلُوا كل وَاحِد درهما ، يُقَال : فعل ذَلِك فِي زمَان بني أُميَّة . وَنسبه الْمَاوَرْدِيّ إِلَى فعل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَهَذَا لم أره عَن عمر فِي كتاب حَدِيثي فليبحث عَنهُ .
الحَدِيث الْعَاشِر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اتخذ خَاتمًا من فضَّة . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ؛ أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس وَابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما .
الحَدِيث السَّادِس أنّ امْرَأتَيْنِ أتتا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَفِي أَيْدِيهِمَا (سواران) من ذهب ؛ فَقَالَ لَهما : أتؤديان زَكَاته ؟ قَالَتَا : لَا فَقَالَ لَهما رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أتحبان أَن يسوركما الله بسوارين من نَار ؟ قَالَتَا : لَا . قَالَ : فأديا زَكَاته . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، عَن قُتَيْبَة ، عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن امْرَأتَيْنِ فَذكره بِمثلِهِ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث قد رَوَاهُ الْمثنى بن الصَّباح ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب نَحْو هَذَا ، والمثنى وَابْن لَهِيعَة يُضعفَانِ فِي الحَدِيث ، قَالَ : وَلَا يَصح (فِي هَذَا الْبَاب) عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شَيْء - أَي فِي زَكَاة الْحلِيّ - وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك صَاحب الْمُغنِي من الْحفاظ والكبار فَقَالَ : بَاب زَكَاة الْحلِيّ لَا يَصح فِيهِ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَبِير شَيْء . وَهَذَا من التِّرْمِذِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا ذكره لِأَنَّهُ لم يَقع (لَهُ) الحَدِيث إِلَّا من طَرِيق الْمثنى بن الصَّباح وَابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو ، وَإِلَّا فَلهُ طَريقَة أُخْرَى صَحِيحَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث حُسَيْن الْمعلم ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن (حميد بن مسْعدَة وَأبي كَامِل الجحدري ، عَن خَالِد بن الْحَارِث) عَن حُسَيْن . وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود ، عَن خَالِد ، (عَن) حُسَيْن ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن امْرَأَة أَتَت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهَا ابْنة لَهَا ، وَفِي يَد ابْنَتهَا مسكتان غليظتان من ذهب ، فَقَالَ لَهَا : أتعطين زَكَاة هَذَا ؟ قَالَت : لَا . قَالَ : أَيَسُرُّك أَن يسورك الله (بهما) يَوْم الْقِيَامَة بسوارين من نَار ؟ قَالَ : فخلعتهما فألقتهما إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَقَالَت) : هما لله وَلِرَسُولِهِ . اللَّفْظ لأبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ . والمسكتان : - بِفَتْح الْمِيم وَالسِّين - تَثْنِيَة مَسَكة ، وَهِي السوار . وحسين الْمعلم وَمن قبله ثِقَات احْتج بهم فِي الصَّحِيح ، خلا شيخ النَّسَائِيّ فَإِنَّهُ لم يخرج لَهُ فِيهِ ، وَهُوَ صَدُوق ، فَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، وَلَا (يقبل) تَضْعِيف ابْن الْجَوْزِيّ لَهُ بقوله : حُسَيْن بن ذكْوَان أخرج لَهُ فِي الصِّحَاح لَكِن قَالَ يَحْيَى ابْن معِين : فِيهِ اضْطِرَاب . وَقَالَ الْعقيلِيّ : ضَعِيف . هَذَا كَلَامه ، فالعقيلي ضعفه بِلَا حجَّة ذكر لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا غَيره يُرْسِلهُ فَكَانَ مَاذَا ؟ وَقَول ابْن الْجَوْزِيّ : قَالَ ( يَحْيَى بن معِين ) : فِيهِ اضْطِرَاب ؛ مِمَّا وهم فِيهِ ، وَصَوَابه : قَالَ يَحْيَى بن سعيد . كَمَا نَقله غَيره ، وَقد قَالَه يَحْيَى بن سعيد مرّة . وَلَا يقبل أَيْضا تَضْعِيف ابْن حزم لَهُ فِي مُحلاَّه حَيْثُ قَالَ : احْتج من رَأَى إِيجَاب الزَّكَاة فِي الْحلِيّ بآثار واهية ، وَهُوَ خبر رَوَيْنَاهُ من حَدِيث خَالِد بن الْحَارِث عَن حُسَيْن الْمعلم فَذكره ، وَقَوله هُوَ (الواهي) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ ( عَمْرو ) . قلت : لَا يضرّهُ ؛ لِأَنَّهُ ثِقَة ، وَقد نقل هُوَ فِي كتاب الطَّلَاق قبل النِّكَاح عَن ابْن رَاهَوَيْه (أَنه) إِذا كَانَ الرَّاوِي عَنهُ ثِقَة فَهُوَ كأيوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر ، وَذكر عَن جمَاعَة من الْحفاظ أَنهم يحتجون بحَديثه فَلَا يضر حينئذٍ تفرده بِالْحَدِيثِ . وَأما الإِمَام الشَّافِعِي فَقَالَ فِي الْقَدِيم : قَالَ بعض النَّاس : فِي الْحلِيّ زَكَاة ، وَرَوَى (فِيهِ) شَيْئا ضَعِيفا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَأَن الشَّافِعِي أَرَادَ حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق حُسَيْن الْمعلم ، عَن عَمْرو كَمَا سلف ، وَمن طَرِيق الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَضَعفه ، (ثمَّ) قَالَ : حُسَيْن أوثق من الْحجَّاج ، غير أَن الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ (كالمتوقف) فِي رِوَايَة عَمْرو ابْن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، إِذا لم يَنْضَم إِلَيْهَا مَا يؤكدها ؛ لِأَنَّهُ قيل : إِن رِوَايَته عَن أَبِيه عَن جده صحيفَة كتبهَا عبد الله بن عَمْرو . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد ذكرنَا فِي كتاب الْحَج مَا يدل عَلَى صِحَة سَماع عَمْرو (من) أَبِيه ، وَسَمَاع أَبِيه (من) جده عبد الله بن عَمْرو . قَالَ : وَقد انْضَمَّ إِلَى حَدِيثه هَذَا حَدِيث أم سَلمَة وَحَدِيث عَائِشَة فِي مثل ذَلِك . قلت : وَكَذَا حَدِيث أَسمَاء . قَالَ أَحْمد فِي مُسْنده : نَا عَلّي بن عَاصِم ، عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم ، عَن شهر بن حَوْشَب ، عَن أَسمَاء بنت يزِيد قَالَت : دخلت أَنا وخالتي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وعلينا) أسورة من ذهب ، فَقَالَ لنا : أتعطيان زَكَاته ؟ فَقُلْنَا : لَا . قَالَ : أما تخافان أَن يسوركما الله بأسورة من نَار ؟ أديا زَكَاته . وعليٌّ ضَعَّفُوهُ ، وَعبد الله من رجال مُسلم ، وَهُوَ ثِقَة ، وَلينه ابْن معِين مرّة ، وَشهر تَرَكُوهُ ، وَقَول الْبَيْهَقِيّ : حُسَيْن الْمعلم أوثق من الْحجَّاج فِيهِ وَقْفَة ؛ فحسين أخرج لَهُ فِي الصِّحَاح مستقلاًّ ، وحجاج أخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا وَتَكَلَّمُوا فِيهِ كثيرا . وَقَول الْبَيْهَقِيّ : إِن الشَّافِعِي كالمتوقف فِي عَمْرو بن شُعَيْب قد نقل عَنهُ غَيره أَنه صرَّح بذلك ، فَقَالَ : لَا أحتج بحَديثه حَتَّى أعلم عَن أَي جديه يروي ، فَإِن رَوَاهُ عَن جده مُحَمَّد بن عبد الله فَهُوَ مُرْسل لَا أحتج بِهِ ، وَإِن رَوَاهُ عَن جد أَبِيه ، فجد أَبِيه عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ، فَهُوَ صَحِيح ، يجب الْعَمَل بِهِ . كَذَا نَقله عَنهُ ابْن (معن) فِي تنقيبه والقلعي أَيْضا . وَرَوَى النَّسَائِيّ هَذَا الحَدِيث مرّة من حَدِيث مُعْتَمر بن سُلَيْمَان مُرْسلا ، ثمَّ قَالَ : خَالِد أثبت عندنَا من مُعْتَمر ، (وَحَدِيث مُعْتَمر أولَى بِالصَّوَابِ) .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة من حَدِيث عَافِيَة بن أَيُّوب ، عَن اللَّيْث ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : لَا أصل لَهُ . وَقَالَ : وفقهاؤنا يَرْوُونَهُ مَرْفُوعا وَلَا أصل لَهُ . (قَالَ) : وَإِنَّمَا (يرْوَى) عَن جَابر من قَوْله غير مَرْفُوع . قَالَ : وعافية بن أَيُّوب مَجْهُول ، فَمن احْتج بِهِ كَانَ مغررًا بِدِينِهِ ، دَاخِلا فِيمَا نعيب بِهِ الْمُخَالفين من الِاحْتِجَاج بِرِوَايَة الْكَذَّابين ، وَالله يعصمنا من أَمْثَاله . وَقَالَ فِي خلافياته : لَا أصل لَهُ مَرْفُوعا (وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى جَابر . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَرَوَاهُ فِي تَحْقِيقه مَرْفُوعا) ثمَّ قَالَ : إِن قيل : (إِن) عَافِيَة ضَعِيف . قُلْنَا : مَا عرفنَا أحدا طعن فِيهِ . ثمَّ قَالَ : فَإِن قيل : فقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث (مَوْقُوفا) عَلَى جَابر . قُلْنَا : الرَّاوِي (قد) يسند الشَّيْء تَارَة ، ويفتي بِهِ أُخْرَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَافِيَة بن أَيُّوب ، وَلم يبلغنِي عَنهُ مَا يُوجب تَضْعِيفه . وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، فَقَالَ فِي الإِمَام : يحْتَاج المحتج بِهِ أَن يبلغهُ (فِيهِ) مَا يُوجب تعديله . قلت : قد عدل وَللَّه الْحَمد ، ذكره ابْن أبي حَاتِم ، وَقَالَ : رَوَى عَن أُسَامَة بن زيد بن أسلم ، رَوَى عَنهُ عبد الْعَزِيز بن عمرَان . ثمَّ نقل عَن أبي زرْعَة أَنه قَالَ : هُوَ أَبُو عُبَيْدَة مصري ، لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَفِي الْإِكْمَال لِابْنِ مَاكُولَا : عَافِيَة بن أَيُّوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُسلم مولَى دوس أَبُو عُبَيْدَة ، يروي عَن حَيْوَة بن شُرَيْح ، وَمُعَاوِيَة بن صَالح ، وَالْمُحَرر بن بِلَال بن أبي هُرَيْرَة ، وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز ، وَاللَّيْث بن سعد ، وَمَالك بن أنس ، وَغَيرهم ، آخر من حدث عَنهُ (بِمصْر) بَحر بن نصر . قلت : فقد زَالَت عَنهُ الْجَهَالَة العينية والحالية إِذا ، والحافظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه تبع الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ : عَافِيَة بن أَيُّوب رَوَى عَن اللَّيْث بن سعد ، تكلم فِيهِ ، مَا هُوَ بِحجَّة ، وَفِيه جَهَالَة . هَذَا لَفظه .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمِيزَان ميزَان أهل مَكَّة ، والمكيال مكيال (أهل) الْمَدِينَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع ، وَالنَّسَائِيّ هُنَا ، من حَدِيث سُفْيَان عَن حَنْظَلَة ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا (بِهِ وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد ، وَلَفظ النَّسَائِيّ : عَلَى مكيال وَعَلَى ميزَان ، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (من) سُفْيَان إِلَى آخِره ، لَا جرم قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : إِسْنَاده عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ صَاحب الإِمَام : رِجَاله رجال الصَّحِيح . وَفِي رِوَايَة لَهما : وزن الْمَدِينَة ومكيال مَكَّة . قَالَ أَبُو دَاوُد : (وَرَوَاهُ) بَعضهم من رِوَايَة ابْن عَبَّاس فَأَخْطَأَ . قلت : وَمن هَذَا الطَّرِيق أخرجهَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَلَفظه : الْوَزْن وزن مَكَّة ، والمكيال مكيال [ أهل ] الْمَدِينَة . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنْهُمَا فَقَالَ : أَخطَأ أَبُو نعيم فِي حَدِيث ابْن عمر ، وَالصَّحِيح حَدِيث ابْن عَبَّاس . وَهَذَا مُخَالف لما ذكره أَبُو دَاوُد ، وَلَكِن وَافقه الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي علله : الصَّحِيح حَدِيث ابْن عمر . قَالَ : وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ عَن الثَّوْريّ ، وَخَالفهُ فِي الْمَتْن ، فَقَالَ : الْمِكْيَال (مكيال) أهل مَكَّة ، وَالْوَزْن وزن أهل الْمَدِينَة وَالصَّحِيح اللَّفْظ الآخر . وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا : إِن الصَّوَاب الآخر . وَرَوَاهُ مَالك بن دِينَار عَن عَطاء ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّوَاب مَا تقدم . فَائِدَة : قَالَ الْخطابِيّ : مَعْنَى الحَدِيث أَن الْوَزْن الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ حق الزَّكَاة وزن أهل مَكَّة ، و(هِيَ) دَار الْإِسْلَام . قَالَ ابْن حزم : وبحثت غَايَة الْبَحْث (عَن) كل من (وثقت) بتمييزه ، فَكل اتّفق لي عَلَى أَن دِينَار الذَّهَب بِمَكَّة وَزنه اثْنَان وَثَمَانُونَ حَبَّة ، وَثَلَاثَة أعشار حَبَّة بالحب من الشّعير الْمُطلق ، وَالدِّرْهَم سَبْعَة أعشار المثقال ، فوزن الدِّرْهَم الْمَكِّيّ سَبْعَة وَخَمْسُونَ حَبَّة وَسِتَّة أعشار حَبَّة وَعشر عشر حَبَّة ، فالرطل مائَة دِرْهَم وَاحِدَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما (بالدرهم) الْمَذْكُور .
الحَدِيث الْحَادِي عشر ثَبت أَن قبيعة سيف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَت من فضَّة . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه مَبْسُوطا فِي الْأَوَانِي فَرَاجعه مِنْهُ وتأمَّل قَوْله : ثَبت هُنَاكَ .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَابه وَاضحا .
وَأما آثاره فثمانية : أَولهَا : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا قَالَت : لَا زَكَاة فِي اللُّؤْلُؤ . وَهَذَا (الْأَثر) لَا يحضرني من خرجه عَنْهَا ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن سعيد بن جُبَير ، أَنه قَالَ : لَيْسَ فِي حجر زَكَاة إِلَّا مَا كَانَ لتِجَارَة من جوهرٍ ، وَلَا ياقوت وَلَا لُؤْلُؤ وَلَا غَيره إِلَّا الذَّهَب وَالْفِضَّة . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن الحكم ، عَن عَلّي قَالَ : لَيْسَ فِي جَوْهَر زَكَاة . ثمَّ قَالَ : هَذَا مُنْقَطع وَمَوْقُوف . قَالَ : وروينا نَحْو هَذَا عَن عَطاء وَسليمَان بن يسَار وَعِكْرِمَة وَالزهْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَمَكْحُول . فَائِدَة : اللُّؤْلُؤ (فِيهِ) أَربع لُغَات ، قُرِئَ بهنَّ فِي السَّبع ، بهمزتين ، ودونهما ، وبهمز (أَوله) دون ثَانِيه ، وَعَكسه . قَالَ جُمْهُور أهل اللُّغَة : اللُّؤْلُؤ : الْكِبَار ، والمرجان : الصغار ، وَقيل عَكسه . ثَانِيهَا : عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : لَا شَيْء فِي العنبر . وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنهُ ، تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم ، وَهَذَا لَفظه : قَالَ ابْن عَبَّاس : لَيْسَ العنبر بركاز ، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر . وأسنده الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَنهُ صَحِيحا ، بِلَفْظ : لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة ، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر . وَفِي لَفْظَة لَهُ كَلَفْظِ البُخَارِيّ ، وَفِي آخر لَهُ : أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَن العنبر ؛ فَقَالَ : إِن كَانَ فِيهِ شَيْء فَفِيهِ الْخمس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَابْن عَبَّاس علق القَوْل فِيهِ فِي هَذِه الرِّوَايَة ، وَقطع بِأَن لَا زَكَاة فِيهِ فِي الرِّوَايَة الأولَى ، وَالْقطع أولَى . ودسره (الْبَحْر) - بدال وسين مهملتين مفتوحتين - أَي : قذفه وَدفعه . ثَالِثهَا ، وَرَابِعهَا ، وخامسها : عَن عمر ، وَابْن عَبَّاس ، وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أَنهم أوجبوا الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح . أما أثر عمر فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مساور الْوراق ، عَن شُعَيْب بْن يسَار قَالَ : كتب عمر إِلَى أبي مُوسَى أَن مُر مَن قِبلك من نسَاء (الْمُسلمين) أَن (يصدقن) من حليهن ثمَّ قَالَ : هَذَا مرسلٌ (شُعَيْب) بن يسَار لم يدْرك عمر ، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن مساور ، عَن شُعَيْب أَن عمر بن الْخطاب (كتب) أَن يزكَّى الْحلِيّ . قَالَ البُخَارِيّ : هَذَا مُرْسل . وَأما أثر ابْن عَبَّاس ؛ فحكاه ابْن الْمُنْذر عَنهُ ، عَلَى مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ . قَالَ الشَّافِعِي : (وَيروَى) عَن ابْن عَبَّاس وَأنس بن مَالك ، وَلَا أَدْرِي (أيثبت) عَنْهُمَا أَنه لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة . وَأما أثر (ابْن مَسْعُود) ؛ فحكاه ابْن الْمُنْذر ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، وأسنده الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث حجاج بن منهال ، نَا حَمَّاد بن سَلمَة ، [ عَن حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ] عَن ابْن مَسْعُود أَن امْرَأَته (أَتَتْهُ) فَقَالَت : يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ، هَل من حليي زَكَاة ؟ قَالَ : نعم . قَالَت : فَإِن بني أخي أَيْتَام أفأجعله فيهم ؟ قَالَ : اجعليه فيهم . وأسنده الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ، من حَدِيث سُفْيَان ، (عَن) حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة أَن امْرَأَة عبد الله - يَعْنِي ابْن مَسْعُود - سَأَلته عَن حُلِيٍّ لَهَا ؟ فَقَالَ : إِذا بلغ مِائَتي دِرْهَم فَفِيهِ الزَّكَاة . قَالَت : أضعها فِي بني أَخ لي فِي حجري ؟ قَالَ : نعم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَيْسَ بِشَيْء . (قلت) أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث قبيصَة ، عَن سُفْيَان ، عَن حَمَّاد ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة ، عَن عبد الله أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : إِن لي حليًّا وَإِن زَوجي خَفِيف ذَات الْيَد ، وَإِن لي بني أَخ ، أفيجزئ (عني) أَن أجعَل زَكَاة الْحلِيّ فِيهِ ؟ قَالَ : نعم . ثمَّ قَالَ : هَذَا وهم ، وَالصَّوَاب عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عبد الله ، مُرْسل مَوْقُوف . الْأَثر السَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن : عَن ابْن عمر وَجَابِر وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أَنهم لم يوجبوا الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح . أما أثر ابْن عمر فَصَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يحلي بَنَاته وجواريه بِالذَّهَب فَلَا يخرج مِنْهُ الزَّكَاة . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَنهُ : إِنَّه كَانَ يحلي بَنَاته بأربعمائة دِينَار وَلَا يخرج زَكَاته . وَفِي رِوَايَة لَهُ : لَيْسَ فِي (الْحلِيّ زَكَاة) . وَفِي رِوَايَة لَهُ : زَكَاة الْحلِيّ عاريته . وَأما أثر جَابر فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (بِإِسْنَادِهِ) الصَّحِيح ، عَن الشَّافِعِي ، قَالَ : أَنا سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ : سَمِعت رجلا يسْأَل جَابر بن عبد الله عَن الْحلِيّ : أفيه زَكَاة ؟ فَقَالَ جَابر : لَا . فَقَالَ : وَإِن كَانَ يبلغ ألف دِينَار ؟ فَقَالَ جَابر : كثير . وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن جَابر أَنه سُئِلَ عَن زَكَاة الْحلِيّ فَقَالَ : زَكَاته عاريته . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، من حَدِيث أبي حَمْزَة ، عَن الشّعبِيّ ، عَن جَابر : لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة . ثمَّ قَالَ : أَبُو حَمْزَة هَذَا ضَعِيف الحَدِيث . وَأما أثر عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَصَحِيح ؛ رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ ، عَن [ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ] ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تلِي بَنَات (أَخِيهَا) - يتامى فِي حجرها لَهُنَّ الْحلِيّ ، فَلَا تخرج مِنْهُ الزَّكَاة . لَكِن فِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب ، أَنا حُسَيْن الْمعلم ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : لَا بَأْس بِلبْس الْحلِيّ إِذا أعطي زَكَاته . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح . قلت : وَرُوِيَ مثل مقالتهم عَن أنس بن مَالك وَأَسْمَاء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . أما أثر أنس فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (و) الْبَيْهَقِيّ ؛ بِإِسْنَاد جيد ، من حَدِيث عَلّي بن سليم (قَالَ) : سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْحلِيّ فَقَالَ : لَيْسَ فِيهِ زَكَاة . وَأما أثر أَسمَاء (فروياه) أَيْضا ، بإسنادٍ جيد ، عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر ، عَن أَسمَاء بنت أبي بكر أَنَّهَا كَانَت تحلي بناتها الذَّهَب وَلَا تزكيه ، نَحْو من خمسين ألف . قَالَ الْأَثْرَم : سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول فِي زَكَاة الْحلِيّ عَن خَمْسَة من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يرَوْنَ فِيهِ زَكَاة ، وهم أنس وَجَابِر وَابْن عمر وَعَائِشَة وَأَسْمَاء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : وَمن قَالَ : لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ زعم أَن الْأَحَادِيث والْآثَار الْوَارِدَة فِي وجوب الزَّكَاة فِيهِ حِين كَانَ التحلي بِالذَّهَب حَرَامًا عَلَى النِّسَاء ، فَلَمَّا أُبِيح لَهُنَّ سَقَطت زَكَاته . قَالَ : وَكَيف يَصح هَذَا القَوْل مَعَ حَدِيث عَائِشَة - إِن كَانَ ذكر الْوَرق فِيهِ مَحْفُوظًا - وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَنْهَا أَنَّهَا دخلت عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَرَأَى فِي يَدهَا صخابًا من ورق ، فَقَالَ : (مَا هَذَا يَا عَائِشَة ؟ فَقَالَت : صنعتهن أتزين لَك بهنَّ يَا رَسُول الله . قَالَ :) أتؤدين زكاتهن ؟ قَالَت : لَا ، قَالَ : هُوَ حَسبك من النَّار . وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ مَجْهُول . (وَتَبعهُ ابْن الْجَوْزِيّ) ، وَخَالفهُ الْبَيْهَقِيّ وَابْن الْقطَّان (فَقَالَا) : هُوَ مَعْرُوف . وَهُوَ الصَّوَاب ، فَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ . وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ أعلَّه بِيَحْيَى بن أَيُّوب الغافقي ، وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى فِي رِوَايَة ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، لَا جرم قَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : غير أَن رِوَايَة الْقَاسِم وَابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة فِي تَركهَا إِخْرَاج زَكَاة الْحلِيّ ، مَعَ مَا ثَبت من مَذْهَبهمَا من إِخْرَاج [ الزَّكَاة عَن ] أَمْوَال الْيَتَامَى ، فَوَقع رِيبَة فِي هَذِه الرِّوَايَة المرفوعة ، فَهِيَ لَا تخَالف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيمَا ترويه إِلَّا فِيمَا عَلمته مَنْسُوخا .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الذَّهَب وَالْحَرِير : هَذَانِ حرَام عَلَى ذُكُور أمتِي حلٌّ لإناثها . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب الْآنِية وَاضحا فَرَاجعه من ثَم .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا بلغ مَال أحدكُم خمس أَوَاقٍ مِائَتي دِرْهَم فَفِيهِ خَمْسَة دَرَاهِم . هَذَا الحَدِيث ذكره صَاحب الْمُهَذّب من رِوَايَة ابْن عمر ، وَلم يعزه الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه إِلَى أحد ، وَاسْتَغْرَبَهُ النَّوَوِيّ فِي شَرحه وَقَالَ : (يُغني) عَنهُ الْإِجْمَاع ، فالمسلمون مجمعون عَلَى مَعْنَاهُ . وَقَالَ ابْن (معن) فِي تنقيبه : (رَاوِيه) أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَاهُ ، وَقد سلف فِي الحَدِيث الأول . ورأيته أَنا فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يزِيد بن سِنَان ، عَن زيد بن أبي أنيسَة ، عَن أبي الزبير ، عَن جابرٍ قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا زَكَاة فِي شَيْء من الْفضة حَتَّى تبلغ خمس (أَوَاقٍ) ، وَالْأُوقِية أَرْبَعُونَ درهما . وَيزِيد هَذَا مَتْرُوك . وفيهَا أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عبد الْكَرِيم ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِي أقل من خمس ذود شَيْء [ وَلَا فِي أقل من أَرْبَعِينَ من الْغنم شَيْء ، وَلَا فِي أقل من ثَلَاثِينَ من الْبَقر شَيْء ] وَلَا فِي أقل من عشْرين مِثْقَالا [ من الذَّهَب ] شَيْء ، وَلَا فِي أقل من مِائَتي دِرْهَم شَيْء [ وَلَا فِي أقل من خَمْسَة أوسق شَيْء ، وَالْعشر فِي التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير ، وَمَا سقِِي سيحًا فَفِيهِ الْعشْر ، وَمَا سقِِي بالغرب فَفِيهِ نصف الْعشْر ] . وَابْن أبي لَيْلَى سيئ الْحِفْظ ، وَعبد الْكَرِيم ضَعَّفُوهُ . وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث أبي عوَانَة ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم (بن ضَمرَة) ، عَن عَلّي قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قد عَفَوْت عَن الْخَيل وَالرَّقِيق ، فهاتوا صَدَقَة الرقة ، من كل أَرْبَعِينَ درهما (درهما) ، وَلَيْسَ فِي تسعين وَمِائَة شَيْء ، فَإِذا بلغت مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه كَذَلِك ، وَكَذَا أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالْبَزَّار أَيْضا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ : قد عَفَوْت عَن الْخَيل وَالرَّقِيق) ، فأدوا زَكَاة أَمْوَالكُم ، فِي كل مِائَتَيْنِ خَمْسَة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : قد عَفَوْت عَن الْخَيل وَالرَّقِيق ، وَلَيْسَ فِيمَا دون مِائَتَيْنِ زَكَاة . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث (عَن) عَلّي بِلَفْظ : ( قد) عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل وَالرَّقِيق ، وَلَكِن هاتوا (ربع) العشور من كل أَرْبَعِينَ [ درهما ] دِرْهَم . قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن (رَوَاهُ) : رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وَغير وَاحِد عَن (أبي) إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي قَالَ : وَسَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق ، يحْتَمل أَن يكون عَنْهُمَا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الصَّوَاب وَقفه عَلَى عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقَالَ الْبَزَّار : لَا يرويهِ غير عَاصِم عَن عَلّي . قلت : قد رَوَاهُ الْحَارِث عَنهُ ، وَلَا يعرف مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عليٍّ .
بَاب زَكَاة الذَّهَب وَالْفِضَّة ذكر - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فاثنا عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول عَن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ فِيمَا دون خمس (أَوَاقٍ) من الْوَرق صَدَقَة . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ ، أخرجه (الشَّيْخَانِ) بِهَذَا اللَّفْظ من هَذَا الْوَجْه ، وَانْفَرَدَ مُسلم بِإِخْرَاجِهِ من حَدِيث جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقد كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، فَذكره فِي كَلَامه عَلَى النّصاب ، فَقَالَ : لنا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : لَيْسَ فِيمَا دون خمس (أَوَاقٍ) من الْوَرق صَدَقَة وَسَائِر الْأَخْبَار . فَائِدَة : الْأُوقِيَّة الحجازية أَرْبَعُونَ درهما . وَفِي الْوَرق أَربع لُغَات : فتح الْوَاو وَكسر الرَّاء (وإسكانها ، وبكسر الْوَاو) وَإِسْكَان الرَّاء ، ثَلَاث لُغَات مشهورات . وَحَكَى الصغاني فِي (كِتَابه) الشوارد من اللُّغَات فَفتح الْوَاو وَالرَّاء ، قَالَ : وَقَرَأَ أَبُو (عَمْرو) : ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ ) وَالْوَرق الدَّرَاهِم المضروبة وَكَذَلِكَ الرقة ، وَقيل : الْوَرق : المسكوك خَاصَّة ، والرقة : الْفضة كَيْفَمَا كَانَت ، وَقيل : الْوَرق والرقة سَوَاء يقعان عَلَى مسكوك وَغير مسكوك ، وَقيل : لَا يُقَال لما (لم) يضْرب من الدَّرَاهِم ورق ، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ فضَّة ؛ حكاهن الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه ، وَفِي تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ فِي أثْنَاء سُورَة الْفَاتِحَة : الْوَرق بِكَسْر الرَّاء الدَّرَاهِم ، وَبِفَتْحِهَا المَال .
الحَدِيث الثَّانِي عشر ورد فِي الْخَبَر ذمّ تحلية الْمُصحف بِالذَّهَب . الَّذِي يحضرني الذَّم فِي تحليته مُطلقًا ، وَذَلِكَ فِي عدَّة أَحَادِيث وآثار ، أما الْأَحَادِيث فأولها : عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَفعه : من اقتراب السَّاعَة اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ خصْلَة : إِذا رَأَيْتُمْ النَّاس أماتوا الصَّلَاة إِلَى أَن قَالَ : وحليت الْمَصَاحِف ، وصورت الْمَسَاجِد الحَدِيث بِطُولِهِ . رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي الْحِلْية فِي تَرْجَمَة عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ ، من حَدِيث فرج بن فضَالة عَنهُ ، عَن حُذَيْفَة ، (بِهِ) ثمَّ قَالَ : غَرِيب من حَدِيث عبد الله بن (عُمَيْر) عَن حُذَيْفَة ، لم يروه عَنهُ - فِيمَا أعلم - إِلَّا فرج بن فضَالة . قلت : قد ضَعَّفُوهُ . ثَانِيهَا : عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : إِن من (أَشْرَاط) السَّاعَة (أَن) تحلى الْمَصَاحِف الحَدِيث . رَوَاهُ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه ذكر شُمُول الدَّلَائِل عِنْد حُلُول الزلازل من حَدِيث جرير ، عَن عَطاء عَنهُ ، وَقد أسلفنا الْكَلَام عَلَى هَذِه التَّرْجَمَة ، وَهِي جرير عَن عَطاء ، فِي بَاب الْأَحْدَاث ، فِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين مِنْهُ . ثَالِثهَا : عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا : إِذا زخرفتم مَسَاجِدكُمْ وحليتم مصاحفكم فالدبار عَلَيْكُم . ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره ، عَن الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِر الْأُصُول ، وَلم يبرز إِسْنَاده ، وَسَيَأْتِي مَوْقُوفا . وَأما الْآثَار فَمِنْهَا : عَن أُبَيِّ بن كَعْب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ؛ أَنه قَالَ : إِذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مَسَاجِدكُمْ فالدبار عَلَيْكُم . رَوَاهُ ابْن أبي دَاوُد فِي كتاب الْمَصَاحِف بسندٍ لَا بَأْس بِهِ ، وَرُوِيَ مثله عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي هُرَيْرَة ، وَفِي إِسْنَاد أبي الدَّرْدَاء مَجْهُول . وَذكر هَذَا الْخَطِيب فِي تلخيصه (وَلَفظه : فالدبار عَلَيْكُم وَعَزاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه فِي بَاب الْمَسَاجِد إِلَى الْبَغَوِيّ بِلَفْظ : زخرفتم بدل زوقتم ثمَّ قَالَ : الدبار - بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة - : أَي الْهَلَاك . وَرَوَى ابْن أبي دَاوُد (أَيْضا) فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، بسندٍ جيد ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يكره أَن يُحلَّى الْمُصحف ، و(قَالَ) : تغرون بِهِ السَّارِق وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : أَنه رَأَى مُصحفا قد زُيِّنَ بِفِضَّة ، فَقَالَ : تغرون السَّارق ؟ زينته فِي جَوْفه . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله وقوته .
الحَدِيث التَّاسِع أَن رجلا قطع أَنفه يَوْم الْكلاب ، فَاتخذ أنفًا من فضَّة ، فَأَنْتن عَلَيْهِ ، فَأمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتَّخذ (أنفًا) من ذهبٍ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن طرفَة أَن جده عرْفجَة - بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ، ثمَّ رَاء سَاكِنة ، ثمَّ فَاء ، ثمَّ جِيم ، ثمَّ هَاء - بن (أسعد) أُصِيب أَنفه يَوْم الْكلاب فِي الْجَاهِلِيَّة ، فَاتخذ أنفًا من ورق الحَدِيث . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبي الْأَشْهب عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة ، وَقد رَوَى (سَلم) بن (زَرير) - أَي بِفَتْح الزَّاي - عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة ، نَحْو حَدِيث أبي الْأَشْهب ، وزرير أصح . وَقَالَ ابْن مهْدي : سلم بن (وَزِير) وَهُوَ وهم ، وَقد رَوَى غير وَاحِد من أهل الْعلم أَنهم شدوا أسنانهم بِالذَّهَب ، وَفِي هَذَا الحَدِيث حجَّة لَهُم . قلت : ( سلم ) هَذَا ثِقَة من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَإِن ضعفه ابْن معِين . وَأَبُو الْأَشْهب جَعْفَر بن الْحَارِث ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ ( البُخَارِيّ ) : مُنكر الحَدِيث . وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي ثقاته ، وَقَالَ : إِنَّه ثِقَة . قَالَ : وَلَيْسَ هُوَ بِأبي الْأَشْهب (العطاردي) ، ذَلِك بَصرِي وَهَذَا واسطي . قَالَ : وهما جَمِيعًا ثقتان . وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي صَحِيحه من جِهَته ، وَخَالف ابْن الْقطَّان فضعفه ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة أبي الْأَشْهب ، وَاخْتلف عَنهُ ؛ فالأكثر يَقُول : عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة (بن) عرْفجَة عَن جده ، وَابْن عليَّة يَقُول : عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة (عَن أَبِيه عَن) عرْفجَة . فعلَى طَريقَة الْمُحدثين يَنْبَغِي أَن تكون رِوَايَة الْأَكْثَرين مُنْقَطِعَة ؛ فَإِنَّهَا معنعنة ، وَقد زَاد فِيهَا ابْن علية وَاحِدًا ، وَلَا يدْرَأ هَذَا قَوْلهم : إِن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة سمع من جده . وَقَول يزِيد بن زُرَيْع : إِنَّه سمع من جده . فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يقل فِيهِ : إِنَّه سَمعه مِنْهُ ، وَقد أَدخل بَينهمَا فِيهِ (الْأَب) ، وأنى هَذَا ؟ فَإِن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة الْمَذْكُور لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث ، وَلَا يعرف (رَوَى) عَنهُ غير أبي الْأَشْهب ، فَإِن احْتِيجَ فِيهِ إِلَى أَبِيه طرفَة - عَلَى مَا قَالَ ابْن علية عَن أبي الْأَشْهب - كَانَ الْحَال أَشد ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْرُوف الْحَال وَلَا مَذْكُور فِي رُوَاة الْأَخْبَار . فَائِدَتَانِ : (الأولَى) : رَوَى ابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ فِي تَرْجَمَة أبان (بن) سُفْيَان وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة عبد الله بن (عبد الله) بن أبيّ أَنه أُصِيب ثنيته - (أَعنِي) عبد الله هَذَا - يَوْم أحد ، فَأمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتَّخذ ثنية من ذهب . قَالَ ابْن حبَان : وَأَبَان هَذَا يروي عَن الثِّقَات أَشْيَاء مَوْضُوعَة . قَالَ : وَهَذَا الْخَبَر مَوْضُوع ، وَكَيف يَأْمر المصطفى صلى الله عليه وسلم باتخاذ ثنية من ذهب و(قد) قَالَ : إِن الذَّهَب وَالْحَرِير محرمان عَلَى ذُكُور أمتِي ، و(حل) لإناثهم ؟ لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهَذَا الشَّيْخ و(لَا) الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار . قلت : وَحكمه عَلَى الْوَضع بِمُجَرَّد هَذَا غير جيد ، وَقد أخرج هُوَ فِي صَحِيحه حَدِيث اتِّخَاذ الْأنف من ذهب ، وَأي فرق بَينهمَا ؛ وَخص ذَلِك من النَّهْي كَمَا خص لبس الْحَرِير للحكة وَغَيرهَا ، نعم أبان هَذَا مُتَّهم ، وَفِي إِسْنَاد الْحَاكِم : عَاصِم بن سُلَيْمَان الْكذَّاب . الثَّانِيَة : الكُلاَب - (بِضَم) الْكَاف وَفتح اللَّام المخففة - : اسْم لماءٍ من مياه الْعَرَب ، كَانَت عِنْده وقْعَة فسمّي ذَلِك الْيَوْم بِهِ . وَقيل : كَانَ عِنْده يَوْمَانِ مشهوران يُقَال فيهمَا : الْكلاب الأول وَالْكلاب الثَّانِي . حَكَاهُ ابْن الصّلاح ثمَّ النَّوَوِيّ . وَقَالَ الْحَازِمِي بعد أَن ضَبطه كَمَا أسلفته : هُوَ مَاء بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة ، عَلَى سبع لَيَال من الْيَمَامَة ، يذكر فِي أَيَّام الْعَرَب . قَالَ : وكُلاب أَيْضا اسْم وَاد بثهلان بِهِ نخل ، وثهلان جبل لباهلة ؛ ذكره فِي كِتَابه الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن . وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم : الكُلاب - بِضَم أَوله وبالباء الْمُوَحدَة - هُوَ قِدَةُ بِعَينهَا ، وَبَين أدناه وأقصاه مسيرَة يَوْم ، أَعْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْيمن ، وأسفله مِمَّا يَلِي الْعرَاق . وَقَالَ ابْن (معن) فِي تنقيبه : الْكلاب - بِضَم الْكَاف - اسْم لموضعين : أَحدهمَا : مَاء بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة عَلَى سبع لَيَال من الْيَمَامَة ، وَفِيه كَانَ الكُلاب الأول ، وَأما الْمَكَان الثَّانِي ، وَهُوَ الكُلاب الثَّانِي : فَهُوَ اسْم لماء بَين جبلة وشمام وَهُوَ جبل . قَالَ : وَقيل : الكُلاب اسْم مَوضِع من الْيَمَامَة بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة ، وَقعت فِيهِ وقعتان : إِحْدَاهمَا بَين مُلُوك كِنْدَة ، وَالْأُخْرَى بَين الْحَارِث وَتَمِيم . فَائِدَة ثَالِثَة : العرفج (شجرٌ) مَعْرُوف (وَبِه) سمي (عرْفجَة) هَذَا .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّلَاثِينَ عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : الصّيام جُنة ، فَإِذا كَانَ أحدكُم صَائِما فَلَا يرْفث وَلَا يجهل ، فَإِن امْرُؤ شاتمه أَو قَاتله فَلْيقل إِنِّي صَائِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مُخْتَصرا بِلَفْظ : إِذا أصبح أحدكُم يَوْمًا صَائِما فَلَا يرْفث ، وَلَا يجهل ، فَإِن امْرُؤ شاتمه أَو قَاتله فَلْيقل : إِنِّي صَائِم وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا فِي أثْنَاء حَدِيث طَوِيل قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : قَالَ الله : كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصّيام فَإِنَّهُ لي وَأَنا أجزي بِهِ . وَالصِّيَام جنَّة ، فَإِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث يَوْمئِذٍ وَلَا يصخب ، فَإِن (سابه) أحد أَو قَاتله فَلْيقل : إِنِّي امْرُؤ صَائِم ، إِنِّي صَائِم . وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله عَزَّ وَجَلَّ - زَاد مُسلم : يَوْم الْقِيَامَة - من ريح الْمسك ، وللصائم فرحتان يفرحهما إِذا أفطر فَرح بفطره ، وَإِذا لَقِي الله - تبَارك وَتَعَالَى - فَرح بصومه . فَائِدَة : قَوْله : الصّيام جنَّة أَي : ستر من النَّار ومانع . و الرَّفَث : الْكَلَام الْقَبِيح . و الصخب : الصياح . و لَا يجهل : وَلَا يقل قَول أهل الْجَهْل من رفث الْكَلَام وَشبهه . وَمَعْنى شاتمه : شَتمه (متعارضاً بمشاتمته) . وَاخْتلفُوا فِي قَوْله : فَلْيقل إِنِّي صَائِم : هَل يَقُوله بِلِسَانِهِ أَو بِقَلْبِه ، أَو يجمع بَينهمَا ، أَو يفرق بَين الْفَرْض والتطوع ؟ عَلَى آراء ، وَقد ذكرتها فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره ، فَرَاجعهَا مِنْهُ إِن شِئْت . وَجزم بِالثَّانِي ابْن حبَان فِي صَحِيحه مستدلاًّ بِمَا أخرجه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا تسابَّ وَأَنت صَائِم وَإِن سَابَّك أحَدٌ فَقل : إِنِّي صَائِم ، وَإِن كنت قَائِما فاجلس .
الحَدِيث التَّاسِع عَن حَفْصَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من لم يُجمع الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ وَيروَى : من لم ينْو الصّيام (من اللَّيْل) فَلَا صِيَام لَهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة : نَا عبد الله بن أبي بكر ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم ، عَن حَفْصَة مَرْفُوعا (بِهِ بِاللَّفْظِ الأول هَكَذَا) هُوَ فِي الْمسند من حَدِيث سَالم ، عَن حَفْصَة ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا ، وَيَحْيَى بن أَيُّوب عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم بن عبد الله ، عَن أَبِيه ، عَن حَفْصَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الأول أَيْضا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يَحْيَى بْن أَيُّوب ، عَن عبد الله بِهِ أَيْضا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث يَحْيَى بِهِ بِلَفْظ يُبَيِّتِ بدل يُجْمِع وَمن حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب ، وَذكر آخر أَن عبد الله بن أبي بكر فَذكره بِلَفْظ : من لم يُجْمِع الصّيام قبل طُلُوع الْفجْر فَلَا يَصُوم . وَمن حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن شهَاب بِهِ ، بِلَفْظ : من لم يبيت الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ . وَمن حَدِيث مُعْتَمر عَن عبيد الله ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه ، عَن حَفْصَة أَنَّهَا كَانَت تَقول : من لم يجمع الصَّوْم من اللَّيْل فَلَا يَصُوم . وَمن حَدِيث ابْن وهب ، عَن يُونُس ، عَن ابْن شهَاب ، عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر ، عَن أَبِيه ، قَالَ : قَالَت حَفْصَة : لَا صِيَام لمن (لم) يُجْمِع قبل الْفجْر ، وَمن حَدِيث سُفْيَان وَمعمر ، عَن الزُّهْرِيّ (عَن حَمْزَة ، عَن أَبِيه عَنْهَا (مَوْقُوفا) سَوَاء . وَمن حَدِيث مَالك ، عَن الزُّهْرِيّ) عَن عَائِشَة وَحَفْصَة مَوْقُوفا : لَا يَصُوم إِلَّا من أجْمَعَ الصّيام قبل الْفجْر وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث إِسْحَاق بن حَازِم ، عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه ، عَن حَفْصَة مَرْفُوعا : لَا صِيَام لمن لم يَفْرِضْهُ من اللَّيْل . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِأَلْفَاظ مِنْهَا : لَا صِيَام لمن لم [ يفرضه ] قبل الْفجْر . وَمِنْهَا : لمن لم يفرضه من اللَّيْل وَمِنْهَا : كَلَفْظِ أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ . وَهَذَا الحَدِيث كَمَا علمت رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفاً ، وَاخْتلف الْحفاظ فِي أَيهمَا أرجح ، فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : قَالَ أبي : لَا أَدْرِي أَيهمَا أصح ، لَكِن الثَّانِي أشبه . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : أوقفهُ (معمر والزبيدي وَابْن عُيَيْنَة وَيُونُس الْأَيْلِي عَلَى حَفْصَة . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : : لَا يعرف مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن نَافِع عَن ابْن عمر من قَوْله وَهُوَ أصح . وَقَالَ النَّسَائِيّ : الصَّوَاب فِي هَذَا أَنه مَوْقُوف) وَلم يَصح رَفعه . وَقَالَ أَحْمد : مَا لَهُ عِنْدِي ذَلِك الْإِسْنَاد إِلَّا أَنه عَن ابْن عمر وَحَفْصَة إسنادان جيدان . وَقَالَ مَالك ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عَائِشَة ، عَن حَفْصَة قَوْلهمَا : مُرْسل . وَقَالَ الْحَاكِم فِي أربعينه الَّتِي خرجها فِي شعار أهل الحَدِيث . وَقد أخرجه بِاللَّفْظِ الأول : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَالزِّيَادَة عِنْدهمَا جَمِيعًا من الثِّقَة مَقْبُولَة . قَالَ : وَقد أخرجه ابْن خُزَيْمَة محتجًّا بِهِ فِي صَحِيحه . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا حَدِيث قد اخْتلف عَلَى الزُّهْرِيّ فِي إِسْنَاده ، وَفِي رَفعه إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . قَالَ : وَعبد الله بن أبي بكر أَقَامَ إِسْنَاده وَرَفعه ، وَهُوَ من الثِّقَات الْأَثْبَات . وَقَالَ فِي خلافياته : هَذَا الحَدِيث رُوَاته ثِقَات . قَالَ : وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْهَا مَرْفُوعا : من لم يبيت الصّيام من اللَّيْل فَلَا صِيَام لَهُ . قَالَ : وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا أَنه قد رُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى حَفْصَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ( رَفعه) عبد الله بن أبي بكر ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَهُوَ من الثِّقَات الرفعاء . وَقَالَ الْخطابِيّ : عبد الله بْن أبي بكر قد أسْندهُ ، وزيادات الثِّقَة مَقْبُولَة . وَقَالَ عبد الْحق : الَّذِي أسْندهُ ثِقَة . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : عبد الله من الثِّقَات (الرفعاء) وَالرَّفْع زِيَادَة وَهِي من الثِّقَة مَقْبُولَة . وَقَالَ ابْن حزم : لَا يضر إِسْنَاد ابْن جريج لَهُ - أَي الَّذِي رَفعه - أَن أوقفهُ معمر ، وَمَالك ، وَعبد الله ، وَيُونُس ، وَابْن عُيَيْنَة ، وَابْن جريج لَا يتَأَخَّر عَن أحد من هَؤُلَاءِ فِي الثِّقَة وَالْحِفْظ ، وَالزهْرِيّ وَاسع الرِّوَايَة ، فَمرَّة يرويهِ عَن سَالم ، عَن أَبِيه ، وَمرَّة عَن حَمْزَة عَن أَبِيه وَكِلَاهُمَا ثِقَة ، وَابْن عمر كَذَلِك ، مرّة [ يرويهِ ] مُسْندًا وَمرَّة رَوَى أَن حَفْصَة أفتت بِهِ ، وَمرَّة أفتَى هُوَ بِهِ ، وكل هَذَا قُوَّة للْخَبَر . قلت : وَرُوِيَ أَيْضا من وَجه آخر ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي الزِّنْبَاع روح بن الْفرج ، عَن عبد الله بن عباد ، عَن (الْمفضل) بن فضَالة قَالَ: حَدثنِي يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من لم يبيت الصّيام قبل الْفجْر فَلَا صِيَام لَهُ ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ عبد الله بن عباد (عَن) الْمفضل بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَكلهمْ ثِقَات . وَنَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي خلافياته وسنَنه وَأقرهُ عَلَيْهِ . و[ عبد الله بن ] عباد هَذَا قَالَ ابْن حبَان فِيهِ : رَوَى عَنهُ روح نُسْخَة مَوْضُوعَة ، وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : هَذَا مقلوب ، إِنَّمَا هُوَ عِنْد يَحْيَى بن أَيُّوب (عَن عبد الله بن أبي بكر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه ، عَن حَفْصَة [ صَحِيح من غير هَذَا الْوَجْه ] فِيمَا يشبه هَذَا . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الضُّعَفَاء : عبد الله هَذَا واه . قلت : وَيَحْيَى بن أَيُّوب ) من رجال الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِيه لين . فَائِدَة : يُجَمِّع بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه ، وَكسر ثالثه ، مشدداً . وَرُوِيَ بتَخْفِيف (الثَّالِث) مَعَ فتح أَوله ، وَهُوَ بِمَعْنى يبيت ، وَرُوِيَ يثبت أَي يجْزم ، وَرُوِيَ من لم يورضه من اللَّيْل أَي : يهيئه .
الحَدِيث التَّاسِع بعد (الثَّلَاثِينَ) عَن خباب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : إِذا صمتم فاستاكوا بِالْغَدَاةِ ، وَلَا تستاكوا بالْعَشي ، فَإِنَّهُ لَيْسَ من صَائِم تيبس شفتاه بالْعَشي إِلَّا كَانَتَا نورا بَين عَيْنَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك وضعفاه بِسَبَب كيسَان [ أبي ] عمر [ الْقصار ] رَاوِيه عَن عَمْرو بن عبد الرَّحْمَن ، عَن خباب وَقَالا : إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ يَحْيَى : ضَعِيف الحَدِيث . وَضَعفه أَيْضا السَّاجِي فِي كِتَابه وروياه عَن عَلّي مَوْقُوفا كَذَلِك وَفِي إِسْنَاده كيسَان الْمَذْكُور ، عَن يزِيد بن بِلَال ، عَن عَلّي . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وكيسان لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَمن بَينه وَبَين عَلّي غير مَعْرُوف - يَعْنِي يزِيد بن بِلَال . وَقد وهاه الْأَزْدِيّ وَابْن حبَان وَقَالا : إِنَّه مُنكر الحَدِيث . قَالَ ابْن حبَان : يروي عَن عَلّي مَا لَا يشبه حَدِيثه ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد ، وَإِن اعْتبر بِهِ مُعْتَبر فِيمَا وَافق الثِّقَات من غير أَن يحْتَج بِهِ لم أر بِهِ بَأْسا .
الحَدِيث الثَّامِن عَن كريب قَالَ : رَأينَا الْهلَال بِالشَّام لَيْلَة الْجُمُعَة ثمَّ قدمت الْمَدِينَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس : مَتى رَأَيْتُمْ الْهلَال ؟ قلت : (لَيْلَة) الْجُمُعَة . قَالَ : أَنْت رَأَيْت ؟ قلت : نعم ، وَرَآهُ النَّاس وصاموا وَصَامَ مُعَاوِيَة . فَقَالَ : لَكنا رَأَيْنَاهُ لَيْلَة السبت فَلَا نزال نَصُوم حَتَّى نكمل (الْعدَد) أَو نرَاهُ . قلت : أَولا تكتفي بِرُؤْيَة مُعَاوِيَة ؟ قَالَ : لَا ، هَكَذَا أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث كريب أَن أم الْفضل بعثته إِلَى مُعَاوِيَة بِالشَّام (قَالَ : فَقدمت الشَّام) فَقضيت (حَاجَتهَا) واستهل عَلّي رَمَضَان وَأَنا بِالشَّام ، فَرَأَيْت الْهلَال (لَيْلَة) الْجُمُعَة ، ثمَّ قدمت الْمَدِينَة فِي آخر الشَّهْر ، فَسَأَلَنِي عبد الله بن عَبَّاس ، ثمَّ ذكر الْهلَال فَقَالَ : مَتى رَأَيْتُمْ الْهلَال ؟ فَقلت : رَأَيْنَاهُ لَيْلَة الْجُمُعَة . فَقَالَ : أَنْت رَأَيْت ؟ قلت : نعم ، وَرَآهُ النَّاس فصاموا وَصَامَ مُعَاوِيَة (فَقَالَ : لَكنا رَأَيْنَاهُ لَيْلَة السبت ، فَلَا نزال نَصُوم حَتَّى نكمل (ثَلَاثِينَ) أَو نرَاهُ فَقلت : (أَولا) تكتفي بِرُؤْيَة مُعَاوِيَة) وصيامه ؟ فَقَالَ : لَا ، هَكَذَا أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ شكّ (أحد رُوَاته) فِي نكتفي أَو تكتفي . وَرَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَكلهمْ قَالُوا : [ رَأَيْنَاهُ ] (لَيْلَة) الْجُمُعَة وَوَقع فِي كتاب الْحميدِي : (يَوْم) الْجُمُعَة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : أَولا تكتفي بِرُؤْيَة مُعَاوِيَة (وَأَصْحَابه) وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : فَقلت : رَآهُ النَّاس وصاموا وَلم يقل عَن نَفسه أَنه رَآهُ . فَائِدَة : كريب (هَذَا) بِضَم الْكَاف ، قَالَ القَاضِي حُسَيْن : وَاخْتلف فِي قَوْله : هَكَذَا أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَمنهمْ من قَالَ : أَرَادَ بِهِ قَوْله صُومُوا لرُؤْيَته الْخَبَر . وَمِنْهُم من قَالَ : كَانَ يحفظ حَدِيثا أخص مِنْهُ فِي هَذِه الْحَادِثَة . وَذكر هَذَا فِي الْبَحْر عَلَى سَبِيل (الْإِجْمَال) . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَن ابْن عَبَّاس أَمر كريباً أَن يَقْتَدِي بِأَهْل الْمَدِينَة وَهَذَا غَرِيب .
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يصبح جنبا من جماع أَهله ثمَّ يَصُوم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة ( وَأم سَلمَة ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يصبح جنبا من جماع غير احْتِلَام ثمَّ يَصُوم فِي رَمَضَان وَمن حَدِيث أم سَلمَة أَيْضا قَالَ : ( كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصبح جنبا من جماع لَا حلم ثمَّ لَا يفْطر زَاد مُسلم : ( وَلَا يقْضِي وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان من حَدِيث عَائِشَة : كَانَ يصبح جنبا من طروقه ثمَّ يَصُوم .
الحَدِيث السَّابِع عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : ترَاءَى النَّاس الْهلَال فَأخْبرت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنِّي رَأَيْته ، فصَام وَأمر النَّاس بالصيام . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تفرد بِهِ مَرْوَان بن مُحَمَّد عَن ابْن وهب ، وَهُوَ ثِقَة . قلت : لَا ؛ فقد رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي ، عَن ابْن وهب وَصَححهُ كَمَا سلف . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث يعد فِي أَفْرَاد (مَرْوَان) ثمَّ ذكر رِوَايَة الْحَاكِم هَذِه ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : هَذَا خبر صَحِيح . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : رجال إِسْنَاده احْتج بهم مُسلم فِي صَحِيحه ، وَفِيه رجلَانِ احْتج بهما البُخَارِيّ أَيْضا ، وهما : عبد الله بن وهب ، وَنَافِع . وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : هَذَا الْخَبَر مدحض لقَوْل من زعم أَن خبر ابْن عَبَّاس - يَعْنِي الَّذِي قبله - تفرد بِهِ سماك بن حَرْب وَأَن رَفعه غير مَحْفُوظ فِيمَا زعم .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْأَرْبَعين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من أصبح جنبا فَلَا صَوْم لَهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - (وَهُوَ مذْهبه) ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك لما أخبر عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام (كَانَ) يصبح جنبا من غير حلم ثمَّ يَصُوم . وَقَالَ : سَمِعت ذَلِك من الْفضل وَلم أسمعهُ من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ : روينَا عَن ابْن الْمُنْذر أَنه قَالَ : أحسن مَا سَمِعت فِي هَذَا الحَدِيث أَنه مَنْسُوخ ؛ لِأَن الْجِمَاع فِي أول الْإِسْلَام كَانَ محرما عَلَى الصَّائِم فِي اللَّيْل بعد النّوم كالطعام وَالشرَاب ، فَلَمَّا أَبَاحَ الله - تَعَالَى - الْجِمَاع إِلَى طُلُوع الْفجْر جَازَ للْجنب إِذا أصبح قبل الِاغْتِسَال أَن يَصُوم ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة يُفْتِي بِمَا سَمعه من الْفضل بن عَبَّاس ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَلَى الْأَمر الأول ، وَلم يعلم النّسخ ، فَلَمَّا سمع خبر عَائِشَة وَأم سَلمَة رَجَعَ إِلَيْهِ ، وَأجَاب الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب وَغَيره بِأَنَّهُ مَحْمُول عِنْد الْأَئِمَّة عَلَى مَا إِذا أصبح مجامعاً واستدامه مَعَ علمه بِالْفَجْرِ . وَأجَاب ابْن الْجَوْزِيّ فِي إِعْلَامه بِحمْلِهِ عَلَى من أجنب من الْجِمَاع بعد طُلُوع الْفجْر ، وَفِيه بعد .
الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْت الْهلَال . فَقَالَ : أَتَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : أَتَشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ؟ قَالَ : نعم . قَالَ: فَأذن فِي النَّاس يَا بِلَال أَن يَصُومُوا غَدا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث سماك ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : رَوَاهُ جمَاعَة [ عَن سماك ] عَن عِكْرِمَة مُرْسلا ، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ أَنه رُوِيَ مُرْسلا عَن عِكْرِمَة عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من غير ذكر ابْن عَبَّاس . وَقَالَ النَّسَائِيّ : إِنَّه أولَى بِالصَّوَابِ . قَالَ : وَسماك يَتَلَقَّن ، فَإِذا انفرد بِأَصْل لم يكن حجَّة . ورده ابْن حزم بسماك كعادته ، وَقَالَ : رِوَايَته لَا يحْتَج بهَا . وَأما رده بِالْإِرْسَال فقد علم مَا فِي تعَارض (الْوَصْل) والإرسال ، وَلَا شكّ أَن الْوَصْل زِيَادَة ، وَهِي من الثِّقَة مَقْبُولَة ، لَا جرم صححها ابْن حبَان وَالْحَاكِم ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ عَن عِكْرِمَة مُرْسلا فَأمر بِلَالًا فَنَادَى (فِي النَّاس) أَن يقومُوا وَأَن يَصُومُوا قَالَ أَبُو دَاوُد : لم يذكر (الْقيام) أحد إِلَّا حَمَّاد بن سَلمَة . تَنْبِيه : أورد صَاحب الْهِدَايَة الْحَنَفِيّ هَذَا الحَدِيث بِلَفْظ : شهد أَعْرَابِي بِرُؤْيَة الْهلَال فَقَالَ لله : من أكل فَلَا يَأْكُل بَقِيَّة يَوْمه ، وَمن لم يَأْكُل فليصم وَأوردهُ صَاحب الْخُلَاصَة الْحَنَفِيّ أَيْضا بِلَفْظ : شهد بعد ارْتِفَاع الشَّمْس فصَام لله وَأمر النَّاس بالصيام وَلم أره بِهَذِهِ السِّيَاقَة فِي كتب الحَدِيث ، وَالْمَوْجُود فِيهَا مَا قَدمته .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين عَن معَاذ : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِذا أفطر قَالَ : اللَّهُمَّ لَك صمت وَعَلَى رزقك أفطرت . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ عَن مُسَدّد ، نَا هشيم ، عَن حُصَيْن ، عَن معَاذ بن زهرَة أَنه بلغه أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ إِذا أفطر قَالَ (فَذكره) وَهَذَا إِسْنَاد حسن لكنه مُرْسل ؛ معَاذ بن زهرَة لم يدْرك النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وَأخرجه الْبَغَوِيّ فِي شرح السّنة كَذَلِك وَلم يذكر فِيهِ أَنه بلغه ، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث مُتَّصِلا أَيْضا ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَقَالَ : صمنا وأفطرنا بدل : صمت وَأَفْطَرت وَزَاد فِي آخِره : فَتقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بِلَفْظ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا أفطر قَالَ : لَك صمت وَعَلَى رزقك أفطرت وَفِي إسنادهما عبد الْملك بن هَارُون ، وَقد ضَعَّفُوهُ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ وَأَبوهُ ضعيفان . وَقَالَ يَحْيَى : عبد الْملك كَذَّاب . زَاد السَّعْدِيّ : دجال . وَقَالَ ابْن حبَان : وَضاع . قَالَ : وَهُوَ الَّذِي يُقَال لَهُ : عبد الْملك بن أبي عَمْرو حَتَّى لَا يعرف . وَذكره صَاحب الْمُهَذّب من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، ثمَّ بيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ ، و(استغربه) النَّوَوِيّ وَقَالَ : إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف . وَقد ذكرته فِي تخريجي (لأحاديثه) مُسْندًا فاستفده مِنْهُ . فَائِدَة : فِي سنَن أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، والطَّبَرَانِيّ الْكَبِير ومُسْتَدْرك الْحَاكِم ، وسنَن الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عمر (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ :) كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِذا أفطر قَالَ : ذهب الظمأ وابتلت الْعُرُوق ، وَثَبت الْأجر إِن شَاءَ الله - تَعَالَى قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده حسن . وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
الحَدِيث الْخَامِس (رُوِيَ) أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته ، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَّا أَن يشْهد شَاهِدَانِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ كُله النَّسَائِيّ ، عَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب ، ثَنَا سعيد بن شبيب أَبُو عُثْمَان - وَكَانَ شَيخا صَالحا بِطَرْسُوسَ - نَا ابْن أبي زَائِدَة ، عَن حُسين بن الْحَارِث الجدليِّ ، عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب أَنه خطب النَّاس فِي الْيَوْم الَّذِي يشك (فِيهِ) فَقَالَ : أَلا إِنِّي جالستُ أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وساءلتهم ، وَإِنَّهُم حَدثُونِي أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : صُومُوا لرُؤْيَته ، وأفطروا لرُؤْيَته ، وانسكوا لَهَا ، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا ثَلَاثِينَ (فَإِن) شهد شَاهِدَانِ فصوموا وأفطروا . وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد ، عَن يَحْيَى بن زَكَرِيَّا ، عَن حجاج ، عَن (حُسَيْن بن) الْحَارِث بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ : فَإِن شهد شَاهد ، أَو شَاهِدَانِ (مسلمان) فصوموا وأفطروا . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث حجاج بِهِ وَقَالَ : ( فَإِن) شهد ذَوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا . وحجاج هَذَا هُوَ ابْن أَرْطَاة ، وَقد سلف حَاله فِي غير مَا مرّة ، وَقد تَابعه ابْن أبي زَائِدَة كَمَا سلف . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ ، عَن حُسَيْن (بن) الْحَارِث بن حَاطِب أَمِير مَكَّة خطب ثمَّ قَالَ : عهد إِلَيْنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن ننسك للرؤية ، فَإِن لم (نره) وَشهد شَاهدا عدل نسكنا بِشَهَادَتِهِمَا [ فَسَأَلت الْحُسَيْن بن الْحَارِث : من أَمِير مَكَّة ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . ثمَّ لَقِيَنِي بعد فَقَالَ : هُوَ الْحَارِث بن حَاطِب أَخُو مُحَمَّد بن حَاطِب ] ثمَّ قَالَ الْأَمِير : إِن فِيكُم من هُوَ أعلم بِاللَّه وَرَسُوله مني ، وَشهد هَذَا من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى [ رجل ، قَالَ الْحُسَيْن : فَقلت لشيخ إِلَى جَنْبي : من هَذَا الَّذِي أَوْمَأ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : هَذَا عبد الله ] بن عمر [ وَصدق ، كَانَ أعلم بِاللَّه مِنْهُ ] فَقَالَ : بذلك أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاد مُتَّصِل صَحِيح . وَأما ابْن حزم فأعله فِي محلاه بِحُسَيْن بن الْحَارِث ، وَقَالَ : إِنَّه مَجْهُول . وَهُوَ وهم مِنْهُ ، فقد رَوَى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ، وَرَوَى (عَنهُ) جمَاعَة (أَيْضا) وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : إِنَّه مَعْرُوف . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر الصَّوْم وَشطر الصَّلَاة . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طَرِيقين : إِحْدَاهمَا : عَن عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قدمت عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ لي : (أَلا تنْتَظر) الْغَدَاء يَا أَبَا أُميَّة ؟ قلت : إِنِّي صَائِم (ثمَّ قَالَ) : تعال أخْبرك عَن الْمُسَافِر ، إِن الله وضع عَنهُ يَعْنِي : الصّيام وَنصف الصَّلَاة رَوَاهُ النَّسَائِيّ . ثَانِيهمَا : عَن أنس بن مَالك الكعبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - مَرْفُوعا : إِن الله وضع شطر الصَّلَاة عَن الْمُسَافِر ، وأرخص لَهُ فِي الْإِفْطَار ، وأرخص فِيهِ للمرضع والحبلى إِذا خافتا عَلَى ولديهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَهَذَا لَفظه ، وَفِي آخر لَهُ : إِن الله (وضع) شطر الصَّلَاة عَن الْمُسَافِر ، وَوضع عَنهُ الصَّوْم ، وَوضع عَن الْحَامِل والمرضع الصّيام . وَالله لقد قالهما رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كليهمَا ، أَو (أَحدهمَا) وَالتِّرْمِذِيّ ، وَلَفظه : إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر [ الصَّوْم و] شطر الصَّلَاة ، وَعَن الْحَامِل أَو الْمُرْضع الصَّوْم [ أَو الصّيام ] . وَالنَّسَائِيّ وَلَفظه كَمَا فِي الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَفِي آخر لَهُ : إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر الصَّوْم وَنصف (الصَّلَاة) وَرخّص للحبلى والمرضع . وَفِي آخر لَهُ : إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر الصَّلَاة - يَعْنِي نصفهَا - وَالصَّوْم وَعَن الحبلى والمرضع وَابْن مَاجَه وَلَفظه : إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر شطر الصَّلَاة ، وَعَن الْمُسَافِر وَالْحَامِل والمرضع الصَّوْم ، أَو الصّيام . وَالله لقد (قالهما) النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كلتاهما أَو (إِحْدَاهمَا) ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ الْكتاب وَزِيَادَة : وَعَن الحبلى أَو الْمُرْضع وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه كَلَفْظِ النَّسَائِيّ الثَّانِي إِلَّا أَنه قَالَ : شطر بدل نصف . وَرَوَاهُ فِي خلافياته بِلَفْظ : إِن الله وضع عَن الْمُسَافِر وَالْحَامِل والمرضع الصَّوْم وَشطر الصَّلَاة قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَلَا نَعْرِف لأنس هَذَا عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ غير هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ عبد الْحق : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اخْتِلَاف كثير . قلت : سنداً ومتناً . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة : اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث (اخْتِلَاف كثير) ، وَفِي اسْم (رَاوِيه) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : اخْتلف فِيهِ ، وَالصَّحِيح أنس بن مَالك (الْقشيرِي) .
الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ ، وَلَا تستقبلوا (رَمَضَان) بِصَوْم يَوْم من شعْبَان . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ النَّسَائِيّ فِي سنَنه عَن قُتَيْبَة بن سعيد ، ثَنَا ابْن أبي عدي ، عَن (أبي يُونُس) ، عَن سماك بن حَرْب ، قَالَ : دخلت عَلَى عِكْرِمَة فِي يَوْم يَعْنِي قد أشكل من رَمَضَان هُوَ أَو من شعْبَان وَهُوَ يَأْكُل خبْزًا وبقلاً ولبناً ، فَقَالَ لي : هَلُمَّ . فَقلت : إِنِّي صَائِم . ثمَّ قَالَ وَحلف بِاللَّه : لتفطرن . قلت : سُبْحَانَ الله - مرَّتَيْنِ - فَلَمَّا رَأَيْته يحلف لَا يَسْتَثْنِي تقدّمت ، فَقلت : هَات الْآن مَا عنْدك . قَالَ : سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : صُومُوا لرُؤْيَته (وأفطروا لرُؤْيَته) فَإِن حَال بَيْنكُم وَبَينه سَحَابَة أَو ظلمَة فأكملوا الْعدة عدَّة شعْبَان ، وَلَا تستقبلوا الشَّهْر اسْتِقْبَالًا ، وَلَا تصلوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم من شعْبَان . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، عَن ابْن خُزَيْمَة ، ثَنَا يَحْيَى بن مُحَمَّد بن السكن ، نَا يَحْيَى بن كثير ، ثَنَا شُعْبَة ، عَن سماك بن حَرْب قَالَ : دخلت عَلَى عِكْرِمَة فِي الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ من رَمَضَان وَهُوَ يَأْكُل فَقَالَ : ادن وكل . قلت : إِنِّي صَائِم . قَالَ : وَالله لَتَدْنونَّ [ قلت ] : فَحَدثني . قَالَ : حَدثنِي ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تستقبلوا الشَّهْر اسْتِقْبَالًا ، صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته ، فَإِن حَال بَيْنكُم وَبَينه غبرة سَحَاب أَو قترة فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ . وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث شُعْبَة ، عَن سماك ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : لَا تستقبلوا الشَّهْر اسْتِقْبَالًا الحَدِيث ، إِلَّا أَن فِي (رِوَايَته) : وَبَين منظره سَحَابَة أَو قترة بدل مَا ذكره ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج عَام الْفَتْح إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان فصَام حَتَّى بلغ كرَاع الغميم فصَام النَّاس ، ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء فرفعه حَتَّى نظر النَّاس ثمَّ شرب ، فَقيل لَهُ بعد ذَلِك : إِن بعض النَّاس قد صَامَ . فَقَالَ : أُولَئِكَ العصاة ، أُولَئِكَ العصاة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَمَا سقته لَك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَقيل : إِن النَّاس قد شقّ عَلَيْهِم الصّيام ، وَإِنَّمَا ينظرُونَ فِيمَا فعلت . فَدَعَا بقدح من مَاء بعد الْعَصْر . والرافعي ذكره (بعد) مُخْتَصرا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَاحْتج الْمُزنِيّ بِجَوَاز الْفطر للْمُسَافِر بعد أَن أصبح صَائِما مُقيما بِأَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صَامَ فِي مخرجه إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان حَتَّى بلغ كرَاع الغميم ثمَّ أفطر (وَبَنَى هَذَا) الِاحْتِجَاج عَلَى ظَنّه أَن ذَلِك كَانَ فِي يَوْم وَاحِد . قَالَ الْأَصْحَاب : وَهُوَ وهم ؛ فَإِن بَين الْمَدِينَة وكراع الغميم ثَمَانِيَة أَيَّام ، وَالْمرَاد من الحَدِيث أَنه صَامَ أَيَّامًا فِي سَفَره ، ثمَّ أفطر . وَقيل : إِن الْمُزنِيّ تبين لَهُ ذَلِك فَرجع عَن هَذَا الِاحْتِجَاج وَإِن لم يرجع عَن مذْهبه . هَذَا لَفظه ، وَذكر غَيره أَن كرَاع الغميم عِنْد عسفان ، وَأَن بَينه وَبَين الْمَدِينَة نَحْو سَبْعَة أَيَّام ، أَو ثَمَانِيَة . وَعبارَة بَعضهم أَنه وادٍ أَمَام عُسفان بِثمَانِيَة أَمْيَال ، وَعبارَة الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه : كُراع - بِضَم أَوله وبعين مُهْملَة فِي آخِره - منزل من منَازِل بني عبس . وَقَالَ فِي رسم العقيق : الغميم : وادٍ ، والكراع : جبل أسود عَن يسَار الطَّرِيق شَبيه بِالْكُرَاعِ . وَقَالَ صَاحب الْمطَالع : كرَاع الغميم : بِفَتْح الْغَيْن وَكسر الْمِيم ، وبضم الْغَيْن أَيْضا وَفتح الْمِيم . وَفرق الْحَازِمِي بَينهمَا فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن ، فَقَالَ : هُوَ بِفَتْح الْغَيْن ، مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة ، لَهُ ذكر فِي الحَدِيث والمغازي ، وَبِضَمِّهَا وبفتح الْمِيم : وادٍ فِي ديار حَنْظَلَة من بني تَمِيم . وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خرج إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان (فصَام) حَتَّى بلغ (الكديد) أفطر فَأفْطر النَّاس . قَالَ أَبُو عبد الله : (الكديد) مَاء بَين عسفان وقديد . وَفِي رِوَايَة لَهُ : خرج من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة (فصَام) حَتَّى بلغ عُسفان ، ثمَّ دَعَا بِمَاء فرفعه إِلَى (فِيهِ يرِيه) النَّاس فَأفْطر حَتَّى قدم مَكَّة ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَان ، وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : قد صَامَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَأفْطر ، فَمن شَاءَ صَامَ ، وَمن شَاءَ أفطر . فَائِدَة : (هَذَا) الَّذِي وَقع للمزني رَأَيْته فِي الْبُوَيْطِيّ أَيْضا ، وَهَذَا لَفظه : من أصبح فِي حضر صَائِما ثمَّ سَافر فَلَيْسَ لَهُ أَن يفْطر إِلَّا أَن يثبت حَدِيث النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنه أفطر يَوْم (الكديد) انْتَهَى . وَهُوَ وكراع الغميم متقاربان .
الحَدِيث الرَّابِع أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : صُومُوا لرُؤْيَته . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ كَمَا فَرغْنَا مِنْهُ آنِفا .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أفطر بعد الْعَصْر بكراع الغميم بقدح مَاء لما قيل : إِن النَّاس (شقّ) عَلَيْهِم الصّيام . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سقناه أَيْضا من حَدِيث جَابر .
الحَدِيث الثَّالِث عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر رَمَضَان فَقَالَ : لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال ، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه ، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : إِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال فصوموا ، وَإِذا رَأَيْتُمُوهُ فأفطروا ، فَإِن غم عَلَيْكُم (فصوموا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ) . وَفِي لفظ آخر : صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته ، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا (الْعدة) . [ وَفِي لفظ آخر : فَإِن غمي عَلَيْكُم الشَّهْر فعدوا ثَلَاثِينَ ] . وَفِي لفظ آخر كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، إِلَّا أَنه قَالَ : فاقدروا لَهُ بدل : فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ (وَفِي لفظ آخر : فَإِن غم عَلَيْكُم الشَّهْر فعدوا ثَلَاثِينَ للْبُخَارِيّ : فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ غير ذَلِك من الْأَلْفَاظ . فَائِدَة : قَوْله : فاقدروا لَهُ هُوَ بالوصل وَكسر الدَّال وَضمّهَا . قَالَه صَاحب الْمطَالع ، وَقَالَ المطرزي : الضَّم خطأ . وَمَعْنَاهُ : قدرُوا لَهُ تَمام الْعدَد ثَلَاثِينَ يَوْمًا . قَالَه مَالك وَأَبُو حنيفَة ، وَالشَّافِعِيّ ، وَقيل : مَعْنَاهُ ضيقوا لَهُ، وقدروه تَحت السَّحَاب . قَالَه الإِمَام أَحْمد ، وَأوجب صِيَام لَيْلَة الْغَيْم ، وَأغْرب الْحَافِظ أَبُو نعيم فَقَالَ فِي مستخرجه عَلَى صَحِيح مُسلم : قَوْله : فاقدروا لَهُ أَي (اقصدوا) بِالنّظرِ و(الطّلب) الْموضع الَّذِي تقدرون أَنكُمْ تَرَوْنَهُ فِيهِ .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : غزونا مَعَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لست عشرَة مَضَت من رَمَضَان ، فمنا من صَامَ ، وَمنا من أفطر ، فَلم يعب الصَّائِم عَلَى الْمُفطر ، وَلَا الْمُفطر عَلَى الصَّائِم هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ (يرَوْنَ) أَن من وجد قُوَّة فصَام إِن ذَلِك حسن ، ويرون أَن من وجد ضَعفاً فَأفْطر ، فَإِن ذَلِك حسن وَفِي رِوَايَة لَهُ : لثمان عشرَة خلت وَفِي أُخْرَى لَهُ : فِي ثِنْتَيْ عشرَة ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : لسبع عشرَة أَو تسع عشرَة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ قَالَ الرَّافِعِيّ : وكراهية الْوِصَال كَرَاهِيَة تَحْرِيم ؛ لظَاهِر النَّهْي ولمبالغة النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي منع من وَاصل . هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس : وَاصل رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي آخر شهر رَمَضَان ، فواصل نَاس من الْمُسلمين ، فَبَلغهُ ذَلِك فَقَالَ : لَو مد لنا الشَّهْر لواصلنا وصالاً يدع (المتعمقون) تعمقهم ، إِنَّكُم لَسْتُم مثلي - أَو قَالَ : إِنِّي لست مثلكُمْ - إِنِّي أظل يطعمني رَبِّي ويسقيني . و(فيهمَا) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه لما نهَى عَن الْوِصَال ، فَلَمَّا أَبَوا أَن ينْتَهوا عَنهُ وَاصل بهم يَوْمًا ثمَّ يَوْمًا ثمَّ رَأَوْا الْهلَال فَقَالَ : لَو تَأَخّر الْهلَال لزدتكم . كالمنكل لَهُم حِين أَبَوا أَن ينْتَهوا وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ : كالمنكر بالراء .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ لِحَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ : إِن شِئْت فَصم ، وَإِن شِئْت فَأفْطر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة أَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ سَأَلَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أَصوم فِي السّفر ؟ - وَكَانَ كثير الصّيام - فَقَالَ : إِن (شِئْت) فَصم ، وَإِن شِئْت فَأفْطر . وَفِي رِوَايَة : إِنِّي أسرد الصَّوْم وَفِي رِوَايَة : سَأَلَهُ عَن صَوْم السّفر . وَادَّعَى ابْن (حزم) أَنه إِنَّمَا سَأَلَهُ عَن التَّطَوُّع لرِوَايَة إِنِّي أسرد الصَّوْم وَلَيْسَ كَمَا ذكره فَفِي سنَن أبي دَاوُد أَنه سَأَلَهُ عَن الْفَرْض ، وأعلها ابْن حزم بِمَا رددت عَلَيْهِ فِي تحفة الْمُحْتَاج إِلَى أَدِلَّة الْمِنْهَاج فراجع ذَلِك مِنْهُ .
كتاب الصّيام كتاب الصّيام ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثاراً . أما الْأَحَادِيث فأحد وَسِتُّونَ حَدِيثا ؟ الحَدِيث الأول أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : بني الْإِسْلَام عَلَى خمس الحَدِيث . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : بني الْإِسْلَام عَلَى خمس : شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، وإقام الصَّلَاة ، وإيتاء الزَّكَاة ، وَحج الْبَيْت ، وَصَوْم رَمَضَان . وَفِي رِوَايَات تَقْدِيم الْحَج عَلَى الصَّوْم ، وَفِي رِوَايَة : خَمْسَة بدل خمس .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين عَن جَابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ زمَان غَزْوَة تَبُوك فَمر بِرَجُل فِي ظلّ شجر يرش المَاء عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا بَال هَذَا ؟ فَقَالُوا : صَائِم . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : لَيْسَ من الْبر الصّيام فِي السّفر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَفظ البُخَارِيّ ، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي سفر فَرَأَى زحاماً و[ رجلا ] قد ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : صَائِم . قَالَ : لَيْسَ من الْبر الصَّوْم فِي السّفر . وَلَفظ مُسلم : فَرَأَى رجلا قد اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس ، وَقد ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَا لَهُ ؟ قَالُوا : رجل صَائِم . فَقَالَ لله : لَيْسَ [ من ] الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان من حَدِيث (عمَارَة بن غزيَّة ، عَن مُحَمَّد) بن عبد الرَّحْمَن بن زُرارة ، عَن جَابر ، قَالَ : خرجنَا مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي تَبُوك و[ كَانَت ] تُدعَى غَزْوَة [ الْعسرَة ] فَبَيْنَمَا (رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يسير) بَعْدَمَا أَضْحَى [ النَّهَار ] فَإِذا هُوَ بِرَجُل تَحت ظلّ شَجَرَة ، فَقَالُوا : يَا رَسُول الله [ رجل ] صَامَ فجهده الصَّوْم . فَقَالَ لله : لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ ، حَدثنِي يَحْيَى بْن أبي كثير ، قَالَ : أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ : أَخْبرنِي جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مر بِرَجُل فِي ظلّ شَجَرَة يرش عَلَيْهِ المَاء ، فَقَالَ : مَا بَال صَاحبكُم ؟ قَالُوا : يَا رَسُول الله ، صَائِم . قَالَ : إِنَّه لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر ، وَعَلَيْكُم بِرُخْصَة الله الَّتِي رخص لكم (فاقبلوها) . قَالَ ابْن الْقطَّان : وإسنادها صَحِيح مُتَّصِل . قلت : وَمُحَمّد هَذَا الْوَاقِع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ هُوَ (ابْن) ثَوْبَان . كَذَا ذكرُوا هَذَا الحَدِيث فِي (تَرْجَمته) . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لم يسمعهُ من جَابر ، وَوَقع فِي صَحِيح ابْن حبَان : ابْن زُرَارَة ، كَمَا سلف وَهُوَ مُمكن ؛ لِأَنَّهُ فِي الطَّبَقَة . وَفِي مُسلم قَالَ شُعْبَة : وَكَانَ يبلغنِي عَن يَحْيَى بن أبي كثير أَنه كَانَ يزِيد فِي هَذَا الحَدِيث أَنه قَالَ : عَلَيْكُم بِرُخْصَة الله الَّتِي رخص لكم قَالَ : (فَلَمَّا) سَأَلته لم يحفظه . قلت : وَهَذَا الْبَلَاغ قَدمته من رِوَايَة النَّسَائِيّ مُسْندًا من غير طَرِيق شُعْبَة ، عَن يَحْيَى فاستفدها . فَائِدَة : فِي مُسْند أَحْمد ومُعْجم الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث كَعْب بْن عَاصِم مَرْفُوعا : لَيْسَ من امبر (امصيام) فِي امسفر .
الحَدِيث الْعَاشِر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يدْخل عَلَى بعض أَزوَاجه فَيَقُول : هَل من غداء ؟ فَإِن (قَالُوا) : لَا ، قَالَ : إِنِّي إِذا صَائِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : قَالَ لي رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذَات يَوْم : يَا عَائِشَة ، هَل عنْدكُمْ شَيْء ؟ (قَالَت) فَقلت : يَا رَسُول الله ، مَا عندنَا شَيْء . قَالَ : فَإِنِّي صَائِم (قَالَت) : فَخرج رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (فأهديت لنا هَدِيَّة - أَو جَاءَنَا زور - قَالَت : فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) قلت : يَا رَسُول الله ، أهديت لنا هَدِيَّة - أَو جَاءَنَا زور - وَقد خبأت لَك شَيْئا . قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قلت : حيس . قَالَ : هاتيه . فَجئْت بِهِ فَأكل ، ثمَّ قَالَ : قد كنت أَصبَحت صَائِما . قَالَ طَلْحَة : فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث مُجَاهدًا فَقَالَ : (ذَاك) بِمَنْزِلَة الرجل يخرج الصَّدَقَة من مَاله ، فَإِن شَاءَ أمضاها ، وَإِن شَاءَ أمْسكهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَت : دخل عليّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذَات يَوْم فَقَالَ : هَل عنْدكُمْ من شَيْء ؟ فَقُلْنَا : لَا . فَقَالَ : إِنِّي إِذا صَائِم . ثمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخر فَقُلْنَا : يَا رَسُول الله ، أهدي لنا حيس . قَالَ (أرينيه) فَلَقَد أَصبَحت صَائِما فَأكل . زَاد النَّسَائِيّ ثمَّ قَالَ : إِنَّمَا مثل صَوْم (المتطوع) مثل الرجل يخرج من مَاله الصَّدَقَة ، فَإِن شَاءَ أمضاها ، وَإِن شَاءَ حَبسهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : يَا عَائِشَة ، إِنَّمَا منزلَة من صَامَ فِي غير رَمَضَان [ أَو غير قَضَاء رَمَضَان ] أَو فِي التَّطَوُّع بِمَنْزِلَة رجل أخرج صَدَقَة مَاله فجاد مِنْهَا بِمَا شَاءَ فأمضاه ، وبخل مِنْهَا بِمَا شَاءَ فأمسكه . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَابْن حبَان بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، قَالَت عَائِشَة : فَقُلْنَا : يَا رَسُول الله ، أهدي لنا حيس [ فخبأناه لَك ] فَقَالَ : أدْنيه . فَأصْبح صَائِما ثمَّ أفطر وَفِي رِوَايَة (للدارقطني) عَنْهَا قَالَت : كَانَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يأتينا فَيَقُول : هَل عنْدكُمْ من غداء ؟ فَإِن قُلْنَا : نعم . تغدى ، وَإِن قُلْنَا : لَا . قَالَ : إِنِّي صَائِم . وَإنَّهُ أَتَانَا ذَات يَوْم وَقد أهدي لنا حيس [ فَقلت : يَا رَسُول الله ، قد أهدي لنا حيس ] وَإِنَّا قد خبأنا لَك . قَالَ : (أما) إِنِّي أَصبَحت صَائِما . فَأكل . ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح ، وَهَذِه الرِّوَايَة مُطَابقَة لما أوردهُ الرَّافِعِيّ لأجل (لَفْظَة الْغَدَاء) فِيهَا ، وَهِي مَوضِع الشَّاهِد ، فَإِن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بهَا عَلَى أَن النِّيَّة فِي التَّطَوُّع تُجزئ قبل الزَّوَال (حَيْثُ قَالَ : أَلا ترَى أَنه طلب الْغَدَاء أَي - وَهُوَ بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة والدَّال الْمُهْملَة - : مَا يُؤْكَل قبل الزَّوَال) وَمَا يُؤْكَل بعده يُسمى عشَاء . فَائِدَة : الحيس - بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة ، ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة ، ثمَّ سين مُهْملَة - هُوَ : التَّمْر وَالسمن والأقط . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى : إِنِّي إِذن صَائِم . قلت : صَحِيحَة رَوَاهَا مُسلم كَمَا سبق ، وَفِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دخل عَلَيْهَا ذَات يَوْم فَقَالَ : هَل عنْدك شَيْء ؟ قلت : لَا . قَالَ : (فَإِنِّي) إِذا أَصوم . قَالَت : وَدخل عليَّ [ يَوْمًا ] آخر ، فَقَالَ : أعندك شَيْء ؟ قلت : نعم . قَالَ : إِذا (أفطر) وَإِن كنت قد فرضت الصَّوْم قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ : (إِسْنَاد حسن صَحِيح ) . وَخَالف أَبُو حَاتِم فَقَالَ - فِيمَا حَكَاهُ ابْنه عَنهُ - : إنه مُنكر . وَكَانَ سَببه أَن فِي إسنادها سُلَيْمَان بن قرم الضَّبِّيّ الرافضي ، خرج لَهُ خَ تَعْلِيقا ، وم مُتَابعَة ، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره ، ووهاه ابْن معِين وَابْن حبَان ، وَفِي إسنادها أَيْضا سماك بن حَرْب ، وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَهُوَ صَالح الحَدِيث ، وَكَانَ شُعْبَة يُضعفهُ . وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ : قرِّبيه واقضي يَوْمًا مَكَانَهُ قَالَا : وَهَذِه الزِّيَادَة غير مَحْفُوظَة .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَمر النَّاس بِالْفطرِ عَام الْفَتْح ، وَقَالَ : تقووا لعدوكم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث قزعة قَالَ : أتيت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَهُوَ مكثور عَلَيْهِ ، فَلَمَّا تفرق النَّاس عَنهُ قلت : [ إِنِّي ] لَا أَسأَلك عَمَّا يَسْأَلك هَؤُلَاءِ (عَنهُ) فَسَأَلته عَن الصَّوْم فِي السّفر ، فَقَالَ : سافرنا مَعَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِلَى مَكَّة وَنحن صِيَام ، قَالَ : فنزلنا منزلا فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : إِنَّكُم قد دنوتم من عَدوكُمْ وَالْفطر أَقْوَى لكم . فَكَانَت رخصَة ، فمنا من صَامَ وَمنا من أفطر ، ثمَّ نزلنَا منزلا آخر فَقَالَ : إِنَّكُم مصبحو عَدوكُمْ وَالْفطر أَقْوَى لكم فأفطروا . فَكَانَت عَزمَة فأفطرنا . ثمَّ [ قَالَ ] : لقد رَأَيْتنَا نَصُوم بعد ذَلِك مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي السّفر .
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ كَذَلِك مُنْفَردا بِهِ ، وَزَاد بعد : وَالْعَمَل بِهِ : وَالْجهل . خرجه هُنَا ، وَفِي الْأَدَب من صَحِيحه ، وَرَوَاهُ أَيْضا أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة . وَقَالَ ابْن تَيْمِية فِي الْمُنْتَقَى : لم يروه النَّسَائِيّ وَهُوَ غَرِيب . وَمِمَّنْ عزاهُ إِلَى النَّسَائِيّ ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ أَجود النَّاس بِالْخَيرِ ، وَكَانَ أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة فِي آخِره : حِين يلقاه جِبْرِيل لله وَكَانَ جِبْرِيل لله يلقاه كل لَيْلَة فِي رَمَضَان حَتَّى يَنْسَلِخ ، يعرض عَلَيْهِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الْقُرْآن فَإِذا لقِيه جِبْرِيل كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَجود بِالْخَيرِ من الرّيح الْمُرْسلَة . فَائِدَة : أَجود رُوِيَ (وَكَانَ أجودُ) بِرَفْع الدَّال ونصبها ، وَالرَّفْع أَجود وَقَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه : قَالَ شَيخنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل السّلمِيّ الْمُفَسّر الْمُحدث الْفَقِيه الأصولي النَّحْوِيّ : (هُوَ) بِالرَّفْع وَلَا يجوز نَصبه ؛ لِأَن مَا مَصْدَرِيَّة مُضَافَة (إِلَى) أَجود وَتَقْدِير الْكَلَام : وَكَانَ جوده الْكثير فِي رَمَضَان . وَإِذا (قيل : وَكَانَ جوده) فِي رَمَضَان بِالنّصب عَلَى الْخَبَر لم يجز ذَلِك إِلَّا اتساعاً (وَهُوَ قَبِيح) وَلَو قَدرنَا مَا نكرَة مُضَافَة لدخل فِي ذَلِك من يتَصَوَّر مِنْهُ الْجُود وَمن لَا يتَصَوَّر ، وَذَلِكَ غير شَائِع فِي اللِّسَان . قَالَ (الْمُحب) : وَيُمكن أَن يُقَال : يخص النكرَة باقتران الْجُود بهَا فَلَا يدْخل (فِيهَا) إِلَّا من يتَصَوَّر مِنْهُ الْجُود وَحِينَئِذٍ يجوز النصب . قَالَ أَبُو عبد الله : وَالرَّفْع من ثَلَاثَة أوجه : أَحدهَا : أَن تكون بَدَلا من (الْمُضمر) بدل اشْتِمَال (كَقَوْلِك) نَفَعَنِي زيد علمه (الغزير) . وَالثَّانِي : أَن يكون مُبْتَدأ وفِي رَمَضَان خَبره ، وَالْجُمْلَة خبر اسْم كَانَ الْمُضمر . وَالثَّالِث : (أَن) يكون (هُوَ) نَفسه اسْم كَانَ ، وَالْخَبَر فِي رَمَضَان . (وَقَوله : كَالرِّيحِ) الْمُرْسلَة : يَعْنِي فِي الْإِسْرَاع والعموم ، قد جَاءَ فِي مُسْند أَحْمد وَهُوَ أَجود من الرّيح الْمُرْسلَة لَا يسْأَل عَن شَيْء إِلَّا أعطَاهُ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الشَّهْر الَّذِي هلك بعده عرضه عَلَيْهِ عرضتين وَحَكَى صَاحب الْمطلب فِي آخر قسم الصَّدقَات فِي ذَلِك وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَنه أسْرع إِلَى الْخَيْر من الرّيح تهب . (وَثَانِيهمَا : أَنه أَعم بِالْخَيرِ من) غَيره ؛ فخيره يعم الْبر والفاجر وكل أحدٍ ، كَالرِّيحِ تهب عَلَى كل صعُود وهبوط ، وخبيث وَطيب ، وَرطب ويابس .
الحَدِيث الثَّالِث عشر رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اكتحل فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : (أَحدهَا) من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : اكتحل النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَهُوَ صَائِم . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من رِوَايَة بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، نَا الزبيدِيّ ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْها) مَرْفُوعا كَذَلِك . والزبيدي هَذَا هُوَ سعيد بن أبي سعيد كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن عدي فَإِنَّهُ ذكره فِي تَرْجَمته ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالا : إِنَّه مَجْهُول . لَكنا أسلفنا فِي الحَدِيث الرَّابِع من بَاب بَيَان النَّجَاسَات أَن ابْن حبَان والخطيب وثقاه ، وَصرح بِأَنَّهُ سعيد بن أبي سعيد أَيْضا من الْمُتَأَخِّرين النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد ضَعِيف من رِوَايَة بَقِيَّة ، عَن سعيد بن أبي سعيد الزبيدِيّ ، عَن شيخ بَقِيَّة ، عَن هِشَام بِهِ . ثمَّ ذكر كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِي سعيد ثمَّ قَالَ : وَقد اتّفق الْحفاظ عَلَى أَن رِوَايَة بَقِيَّة عَن المجهولين مَرْدُودَة ، وَاخْتلفُوا فِي رِوَايَته عَن المعروفين ، فَلَا يحْتَج بحَديثه هَذَا بِلَا خلاف . قلت : قد وَثَّقَهُ الْخَطِيب وَابْن حبَان فالجهالة زائلة عَنهُ إِذن ، وَخَالف الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فَقَالَ : الزبيدِيّ هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد ، وَهُوَ ثِقَة من رجال الصَّحِيحَيْنِ . وَلم يذكر للْأولِ تَرْجَمَة فِي كِتَابه ، وَالْقلب إِلَى مَا قَالَه ابْن عدي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ ، أَنه إِلَى الأول أميل ، وَالله - تَعَالَى - أعلم . (الطَّرِيق الثَّانِي) : من (طَرِيق) مُحَمَّد بن عبيد الله بن أبي رَافع مولَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يكتحل بالإثمد وَهُوَ صَائِم . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَإِسْنَاده ضَعِيف ؛ بِسَبَب مُحَمَّد بن [ عبيد الله بن ] أبي رَافع هَذَا قَالَ عبد الرَّحْمَن : سَأَلت أبي عَنهُ (فَقَالَ) : ضَعِيف الحَدِيث ، مُنكر الحَدِيث جدّاً ، ذَاهِب . وَقَالَ خ : مُنكر الحَدِيث . وألان الْبَيْهَقِيّ القَوْل فِيهِ ، فَقَالَ فِي سنَنه : إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ . (و) أما شَيْخه الْحَاكِم فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ وَأخرج لَهُ فِي مُسْتَدْركه فِي مَنَاقِب الْحسن وَالْحُسَيْن . (الطَّرِيق الثَّالِث) : من حَدِيث نَافِع ، عَن ابْن عمر ، قَالَ : خرج علينا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَعَيناهُ مملوءتان من الْكحل من الإثمد ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَان ، كحلته أم سَلمَة ، وَكَانَ ينْهَى عَن كل كحل لَهُ طعم . ذكره ابْن طَاهِر فِي تَذكرته وَأعله بِسَعِيد بن زيد ، وَقَالَ : هُوَ أَخُو حَمَّاد بن زيد . وَذكره النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَى قَوْله : فِي رَمَضَان وَزِيَادَة : وَهُوَ صَائِم وَلم يعزه لأحد ، ثمَّ قَالَ : فِي إِسْنَاده من اخْتلف فِي توثيقه . وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس مَرْفُوعا فِي الْإِذْن فِيهِ لمن اشتكت عينه ، ثمَّ قَالَ : لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي هَذَا الْبَاب شَيْء . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : رُوِيَ عَن أنس مَرْفُوعا بِإِسْنَاد ضَعِيف بِمرَّة أَنه لم ير بِهِ بَأْسا . قلت : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من فعل أنس بِإِسْنَاد جيد .
الحَدِيث الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من كَانَ عَلَيْهِ صَوْم من رَمَضَان فليسرده وَلَا يقطعهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من ثَلَاث طرق عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء ، ومدارها عَلَى عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم (القَاضِي) الْكرْمَانِي وَفِيه مقَال ، قَالَ أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين مرّة : ثِقَة . وَمرَّة : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا بَأْس بِهِ ، أَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَحَكَى البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي نَفْس هَذَا الحَدِيث عَن حبَان بن هِلَال رَاوِيه عَنهُ أَنه ثِقَة . وَقَالَ ابْن عدي فِي كَامِله وَذكر حَدِيثا لعبد الرَّحْمَن هَذَا عَن الْعَلَاء (بن) عبد الرَّحْمَن : هَذَا قد رَوَى عَن الْعَلَاء غير هَذَا الحَدِيث ، وَلم يتَبَيَّن فِي حَدِيثه ورواياته حَدِيث مُنكر فأذكره بِهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : (هَذَا حَدِيث لَا يَصح) ، وَعبد الرَّحْمَن ضعفه يَحْيَى بن معِين وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَقد علمت عَن يَحْيَى أَنه اخْتلف قَوْله (فِيهِ) ، وَقَالَ عبد الْحق : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن [ إِبْرَاهِيم ] الْقَاص ، وَقد أنكرهُ عَلَيْهِ أَبُو حَاتِم ووثق وَضعف . قَالَ ابْن الْقطَّان : كَذَا قَالَ ، وَهُوَ يروي عَنهُ أَحَادِيث ، وَلم يبين أَبُو حَاتِم أَن الَّذِي أَنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه ، وَلَعَلَّه حَدِيث آخر . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سُئِلَ أبي عَنهُ فَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، رَوَى حَدِيثا (مُنْكرا) عَن الْعَلَاء . قَالَ أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَرِجَاله لَا بَأْس بهم ، وَلَيْسَ فيهم من يوضع النّظر فِيهِ إِلَّا هَذَا (الْقَاص) ، وَهُوَ لَا بَأْس بِهِ ، وَمَا جَاءَ من ضعفه بِحجَّة . قَالَ : وَإِذا وجدت عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : لَيْسَ بِشَيْء . فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ قَلِيل الرِّوَايَات ، وَقد يُفَسر ذَلِك عَنهُ فِي رجال هَكَذَا ، وَإِلَّا فَهَذَا توثيقه إِيَّاه ، نَقله عَنهُ الدوري . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَالْمَقْصُود أَن يعلم أَنه مُخْتَلف فِيهِ ، والْحَدِيث من رِوَايَته حسن .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن الْوِصَال فَقيل : يَا رَسُول الله ، إِنَّك تواصل ! فَقَالَ : إِنِّي لست مثلكُمْ ، إِنِّي أطْعم وأسقى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن الْوِصَال ، قَالُوا : إِنَّك تواصل ! قَالَ : إِنِّي لست كهيئتكم إِنِّي أطْعم وأسقى وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَعَائِشَة ، وَأنس ، وَانْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَقد ذكرتها فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط فَرَاجعهَا مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْخمسين عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ : هَلَكت . قَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : واقعت امْرَأَتي فِي رَمَضَان . قَالَ : تَسْتَطِيع تعْتق رَقَبَة ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَهَل تَسْتَطِيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فاجلس . فَأتي النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعرق فِيهِ تمر - والعرق : المكتل الضخم - فَقَالَ : خُذ هَذَا فَتصدق بِهِ . قَالَ : عَلَى أفقر منا ؟ فَضَحِك النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ، وَقَالَ : أطْعمهُ عِيَالك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه وَزَادا فِيهِ : فوَاللَّه مَا بَين لابتيها - يُرِيد الحرتين - أهل بَيت أفقر من أهل بَيْتِي وَفِي رِوَايَة لَهما أنيابه بدل نَوَاجِذه وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، وَقد ذكرته بِطُولِهِ فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط بِزِيَادَة فَوَائِد فَرَاجعه مِنْهُ . فَائِدَة : العَرَق بِفَتْح الْعين وَالرَّاء ، وَيُقَال : بإسكانها ، وَالصَّحِيح الأول ، وَيُقَال لَهُ : المكتل والزنبيل ، والقفة ، والسفيفة - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة ، وبفاء مكررة - وَكله اسْم لهَذَا الْوِعَاء الْمَعْرُوف ، لَيْسَ لسعته قدر مضبوط بل يصغر وَيكبر ، وَلِهَذَا اخْتلفت الرِّوَايَات فِي قدر مَا يسع . وَقَوله : مَا بَين لابتيها يُرِيد (حرتيها) والحرة : أَرض يركبهَا حِجَارَة سود . والنواجذ - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - : هِيَ الأنياب ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي اللُّغَة ، وَهُوَ مُتَعَيّن جمعا بَين الرِّوَايَتَيْنِ .
الحَدِيث السَّادِس عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك من حَدِيث حَفْصَة رَضِي الله عَنْهَا وَهُوَ من أَفْرَاده ، واتفقا عَلَى إِخْرَاجه من حَدِيث أم سَلمَة أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ كَانَ يقبلهَا وَهُوَ صَائِم .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْخمسين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته الحَدِيث . هَذَا الحَدِيث تقدم أول الْبَاب .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أَنه كَانَ بَين تسحر رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مَعَ زيد بن ثَابت ودخوله فِي (الصَّلَاة) قدر مَا يقْرَأ الرجل خمسين آيَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث قَتَادَة ، عَن أنس ، عَن زيد بن ثَابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : تسحرنا مَعَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ قمنا إِلَى الصَّلَاة . قَالَ أنس : فَقلت : كم كَانَ قدر مَا بَينهمَا ؟ قَالَ : خمسين آيَة وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي بَاب وَقت الْفجْر : خمسين أَو سِتِّينَ (وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي : قدر قِرَاءَة خمسين آيَة وَفِي رِوَايَة للنسائي : قدر مَا يقْرَأ الرجل خمسين آيَة ) . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن أنس أَن نَبِي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَزيد بن ثَابت تسحرا ، فَلَمَّا فرغا من سحورهما قَامَ نَبِي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِلَى الصَّلَاة (فَصَلى) . قَالَ : قُلْنَا لأنس : كم كَانَ بَين فراغهما من سحورهما ودخولهما فِي الصَّلَاة ؟ قَالَ : قدر مَا يقْرَأ الرجل خمسين آيَة .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْخمسين أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لم يَأْمر الْأَعرَابِي بِالْقضَاءِ مَعَ الْكَفَّارَة ، وَرُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه قَالَ للرجل : واقض يَوْمًا مَكَانَهُ . هُوَ كَمَا قَالَه ؛ فقد رُوِيَ الْأَمر بِالْقضَاءِ من أوجه : أَحدهَا : من حَدِيث ( أبي هُرَيْرَة ، وَرُوِيَ عَنهُ من أوجه : أَحدهَا : من حَدِيث) هِشَام بن سعد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سَلمَة عَنهُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَأعله ابْن حزم ثمَّ ابْن الْقطَّان بِهِشَام هَذَا ، لكنه من رجال الصَّحِيح فَجَاز القنطرة ، وَتَابعه إِبْرَاهِيم بن سعد ، كَمَا أخرجه أَبُو عوَانَة (فِي صَحِيحه) . ثَانِيهَا : من حَدِيث أبي أويس ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : تَابعه عبد الْجَبَّار بن عمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَأعله ابْن حزم بِأبي أويس لكنه من رجال مُسلم ووثق . ثَالِثهَا : من حَدِيث عبد الْجَبَّار بن عمر ، عَن يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب عَنهُ ، وَعبد الْجَبَّار هَذَا ضَعَّفُوهُ وَإِن وَثَّقَهُ ابْن سعد . الْوَجْه الثَّانِي : من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا بِهِ . رَوَاهُ الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن عَطاء ، عَن عَمْرو بِهِ . وَالْحجاج حَالَته مَعْلُومَة . الثَّالِث : من حَدِيث مَالك ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا . الرَّابِع : من حَدِيث ابْن جريج ، عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم مُرْسلا . الْخَامِس : من حَدِيث أبي معشر الْمدنِي ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ مُرْسلا . إِذا عرف ذَلِك فَقَوْل الرَّافِعِيّ أَولا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لم يَأْمر الْأَعرَابِي بِالْقضَاءِ مُرَاده بِهِ أَنه لم يَأْمُرهُ بِهِ فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة ، و(ورد) فِي بعض الرِّوَايَات الْأَمر بِهِ ، وَقد علمت مَا فِيهِ .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من ذرعه الْقَيْء وَهُوَ صَائِم فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ ، وَمن استقاء فليقض . هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ( بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات ) وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لأبي دَاوُد ، وَابْن حبَان ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : من ذرعه الْقَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء ، وَمن استقاء عمدا فليقض وَلَفظ ابْن مَاجَه : من ذرعه الْقَيْء فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ ، وَمن استقاء فَعَلَيهِ الْقَضَاء . وَلَفظ النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى : إِذا ذرع الصَّائِم الْقَيْء فَلَا إفطار عَلَيْهِ ، وَإِذا تقيأ فَعَلَيهِ الْقَضَاء ثمَّ قَالَ : وَقفه عَطاء بن أبي رَبَاح عَلَى أبي هُرَيْرَة : من قاء وَهُوَ صَائِم فليفطر . وَلَفظ الدَّارمِيّ : إِذا ذرع الصَّائِم الْقَيْء وَهُوَ لَا يُريدهُ فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ ، وَإِذا استقاء فَعَلَيهِ الْقَضَاء . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِأَلْفَاظ (مِنْهَا) : من استقاء عمدا فَعَلَيهِ الْقَضَاء ، وَمن ذرعه الْقَيْء فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ . وَمِنْهَا : إِذا ذرع الصَّائِم الْقَيْء فَلَا فطر عَلَيْهِ وَلَا قَضَاء (عَلَيْهِ) ، وَإِذا تقيأ فَعَلَيهِ الْقَضَاء وَمِنْهَا : من ذرعه الْقَيْء فليتم (عَلَى) صَوْمه وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ ، وَمن قاء مُتَعَمدا فليقض قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ (عقب) الرِّوَايَة الأولَى : رُوَاته كلهم ثِقَات . وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِث : ( عبد الله) بن سعيد بن أبي سعيد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَقه : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . قلت : بل تَرَكُوهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث هِشَام ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس (و) قَالَ البُخَارِيّ : لَا أرَاهُ مَحْفُوظًا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَلَا يَصح إِسْنَاده . وَقَالَ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده : قَالَ عِيسَى بن يُونُس - يَعْنِي الرَّاوِي عَن هِشَام بن حسان - : زعم أهل الْبَصْرَة أَن هشاماً أوهم فِيهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا (حَدِيث) تفرد بِهِ هِشَام بْن حسان القردوسي ، وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَبَعض الْحفاظ لَا يرَاهُ مَحْفُوظًا ، قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول : لَيْسَ من ذَا شَيْء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ فِي الْقَيْء : لَا يفْطر قَالَ : وَرُوِيَ فِي ذَلِك عَن عَلّي . ثمَّ سَاقه من حَدِيث الْحَارِث عَنهُ ، قَالَ : إِذا تقيأ وَهُوَ صَائِم فَعَلَيهِ الْقَضَاء (و) إِذا ذرعه الْقَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاء . قلت : وَقد أسلفنا عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ : رُوَاته كلهم ثِقَات . وَتَابعه عَلَى ذَلِك عبد الْحق فِي أَحْكَامه ، وَصَاحب الْإِلْمَام وَقد صَححهُ ابْن حبَان كَمَا سلف ، واستدركه الْحَاكِم من حَدِيث حَفْص بن غياث ، عَن هِشَام بِهِ بِلَفْظ : إِذا استقاء الصَّائِم أفطر ، وَإِذا ذرعه الْقَيْء لم يفْطر ثمَّ قَالَ : تَابعه عِيسَى بن يُونُس ، عَن هِشَام ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : من ذرعه الْقَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء ، وَمن استقاء فليقض ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقد حسنه من الْمُتَأَخِّرين الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب ، وَالنَّوَوِيّ فِي شَرحه وَقَالَ : إِسْنَاده إِسْنَاد الصَّحِيح ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ عِنْده حجَّة إِمَّا صَحِيح أَو حسن . وَله شَوَاهِد ، مِنْهَا : حَدِيث ثَوْبَان وَأبي الدَّرْدَاء ، كَمَا ستعلمه عَلَى الإثر . قَالَ : وَكَذَا نَص عَلَى حسنه غير وَاحِد من الْحفاظ . قلت : وَقَول التِّرْمِذِيّ بعد تحسينه لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث ( عِيسَى) بن يُونُس غير قَادِح فِيهِ ، (فَإِنَّهُ ثِقَة كَمَا شهد لَهُ بذلك ابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة ، وَاحْتج بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَهُوَ أحد الْحفاظ ، وَكَذَا قَول الْبَيْهَقِيّ أَنه حَدِيث تفرد بِهِ هِشَام بن حسان غير قَادِح فِيهِ أَيْضا ، لِأَنَّهُ ثِقَة حَافظ ، وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة عِنْد الْجُمْهُور من أهل الحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم أَن الصَّائِم إِذا ذرعه الْقَيْء لَا قَضَاء عَلَيْهِ ، وَإِذا استقاء عمدا قَضَى . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر مَوْقُوفا . هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَاهُ مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، أَنه قَالَ : من استقاء وَهُوَ صَائِم فَعَلَيهِ الْقَضَاء ، وَمن ذرعه الْقَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاء وَرَوَاهُ الشَّافِعِي من طَرِيقه أَيْضا . فَائِدَة : ذرعه - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - : غَلبه . واستقاء : طلب الْقَيْء .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْخمسين رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ للأعرابي الَّذِي جَاءَهُ وَقد وَاقع : صم شَهْرَيْن . فَقَالَ : هَل أتيت إِلَّا من قبل الصَّوْم ثمَّ ذكر الْبَاقِي . هَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة لَا أعرفهَا فِي هَذَا الحَدِيث ، وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : إِنَّهَا لَا تعرف . قَالَ : وَالْمَذْكُور (بدلهَا) فِي الرِّوَايَات الْمَعْرُوفَة (أَنه) لَا يَسْتَطِيع ذَلِك . قلت : لَكِن فِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن سَلمَة بن صَخْر البياضي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ للمظاهر من زَوجته حَتَّى يَنْسَلِخ رَمَضَان ، ثمَّ وطئ فِي أَثْنَائِهِ : صم شَهْرَيْن مُتَتَابعين . قَالَ : وَهل أصبت الَّذِي أصبت إِلَّا من الصّيام وَهَذَا المجامع فِي رَمَضَان ، هُوَ سَلمَة بْن صَخْر ، أَو (سلمَان) بن صَخْر الَّذِي ظَاهر من امْرَأَته أَنه لَا يَطَؤُهَا فِي رَمَضَان . كَمَا حَكَاهُ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ بن سعيد ، فَقَالَ : إِنَّه سَلمَة بن صَخْر البياضي . ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ أَنه قَالَ : لما دخل شهر رَمَضَان ظَاهَرت من امْرَأَتي وَذكر الْقِصَّة ، وَفِي النَّفس من كَونهَا وَاقعَة وَاحِدَة موقف عِنْدِي . وَفِي الْجمع بَين مبهمات ابْن طَاهِر وَابْن بشكوال للشَّيْخ قطب الدَّين ابْن (الْقُسْطَلَانِيّ) حِكَايَة قَوْلَيْنِ فِي اسْم هَذَا المجامع : أَحدهمَا : أَنه سَلمَة بن صَخْر البياضي ، وَالثَّانِي : (سلمَان) بن صَخْر وَحَقِيقَة الْقَوْلَيْنِ قولا وَاحِدًا ؛ فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ : سَلمَة وسلمان كَمَا أسلفناه ، وَسَلَمَة أصح وَأشهر . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَإِذا جرينا عَلَى الْقيَاس حملنَا قصَّة الْأَعرَابِي عَلَى (خاصيته وخاصية) أَهله . قَالَ الإِمَام : وَكَثِيرًا مَا كَانَ يفعل ذَلِك رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَمَا فِي الْأُضْحِية ، وإرضاع الْكَبِير وَنَحْوهمَا . وَأَشَارَ الإِمَام بالأضحية إِلَى حَدِيث أبي بردة بن نيار فِي الْجذع وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام : وَلنْ تُجزئ عَن أحد بعْدك وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله فِي بَابه . وَأَشَارَ بإرضاع الْكَبِير إِلَى قصَّة سَالم الثَّابِتَة فِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : جَاءَت سهلة بنت سُهَيْل إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (فَقَالَت) : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أرَى فِي وَجه أبي حُذَيْفَة من دُخُول سَالم - وَهُوَ حليفه - فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أرضعيه . قَالَت : وَكَيف أرضعه وَهُوَ رجل كَبِير ؟ ! فَتَبَسَّمَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَقَالَ : قد علمت أَنه رجل كَبِير . وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : أرضعيه تحرمي عَلَيْهِ ، وَيذْهب الَّذِي فِي نَفْس أبي حُذَيْفَة . فَرَجَعت فَقَالَت : (إِنِّي) قد أَرْضَعَتْه فَذهب الَّذِي فِي نَفْس أبي حُذَيْفَة وَفِي رِوَايَة لَهُ : أرضعيه حَتَّى يدْخل عَلَيْك . وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَقَالَت : إِنَّه ذُو لحية ! فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أرضعيه يذهب مَا فِي وَجه أبي حُذَيْفَة . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أم سَلمَة أَنَّهَا كَانَت تَقول : أَبَى [ سَائِر ] أَزوَاج النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن يدخلن عَلَيْهِنَّ أحدا بِتِلْكَ الرضَاعَة ، وقلن لعَائِشَة : مَا نرَى هَذِه إِلَّا رخصَة أرخصها رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خَاصَّة ، فَمَا هُوَ بداخل علينا أحد بِهَذِهِ [ الرضَاعَة ] وَلَا رائينا وَفِي رِوَايَة لمَالِك وَأحمد أَنَّهَا أَرْضَعَتْه خمس رَضعَات فَكَانَ وَلَده .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يقبل بعض نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِم ، وَكَانَ أملككم لإربه . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته عَنْهَا : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقبل إِحْدَى نِسَائِهِ وَهُوَ صَائِم . ثمَّ تضحك . وَفِي لفظ : كَانَ يقبل وَهُوَ صَائِم ، ويباشر وَهُوَ صَائِم ، وَلكنه أملككم لإربه وَفِي لفظ : كَانَ يقبل فِي شهر الصَّوْم وَفِي آخر : كَانَ يقبل فِي رَمَضَان وَهُوَ صَائِم وَفِي آخر لمُسلم : كَانَ يقبلني وَهُوَ صَائِم ، وَأَيكُمْ يملك إربه (كَمَا) كَانَ يملك إربه وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد كَانَ يقبلني وَهُوَ صَائِم ويمص لساني وَهِي معلولة - كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان - بِأبي يَحْيَى مصدع الْأَعْرَج المعرقب فِي التَّشَيُّع ، (قَالَ السَّعْدِيّ :) كَانَ زائغاً (جائراً) عَن الطَّرِيق . وَقَالَ عبد الْحق : لَا تصح هَذِه الزِّيَادَة فِي مص اللِّسَان . ثمَّ أعلها بِمَا نازعه ابْن الْقطَّان فِيهِ ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي : بَلغنِي عَن أبي دَاوُد أَنه قَالَ : هَذِه الرِّوَايَة لَيست صَحِيحَة . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سَلمَة عَنْهَا قَالَت : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (يقبل بعض نِسَائِهِ) وَهُوَ صَائِم . قَالَ أَبُو سَلمَة : قلت لعَائِشَة : فِي الْفَرِيضَة والتطوع ؟ قَالَت عَائِشَة : فِي كل ذَلِك فِي الْفَرِيضَة والتطوع ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة قَالَت : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لَا (يمس) من وَجْهي من شَيْء وَأَنا صَائِمَة . قَالَ ابْن حبَان : كَانَ الْمُصْطَفَى أملك النَّاس لإربه ، وَكَانَ يقبل نِسَاءَهُ إِذا كَانَ صَائِما ، أَرَادَ بِهِ التَّعْلِيم أَن مثل هَذَا الْفِعْل مِمَّن يملك إربه وَهُوَ صَائِم جَائِز ، (وَكَانَ يتنكب) اسْتِعْمَال مثله إِذا كَانَت هِيَ صَائِمَة علما مِنْهُ بِمَا ركب (فِي) النِّسَاء من الضعْف عِنْد الْأَسْبَاب الَّتِي ترِدُ عَلَيْهِنَّ ، فَكَانَ يُبقي عَلَيْهِنَّ بترك اسْتِعْمَال ذَلِك الْفِعْل إِذا كن بِتِلْكَ الْحَالة من غير أَن يكون بَين هذَيْن (الْخَبَرَيْنِ) تضادٌّ أَو (تهاتر) . فَائِدَة : قَوْلهَا لإربه هُوَ بِكَسْر الْهمزَة مَعَ إسكان الرَّاء ، وَرُوِيَ أَيْضا بفتحهما جَمِيعًا ، مَعْنَاهُ : لِحَاجَتِهِ .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْخمسين عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وموقوفاً عَلَيْهِ : من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم فليطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مِسْكينا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث قُتَيْبَة ، ثَنَا عَبْثَر بن الْقَاسِم ، عَن أَشْعَث ، عَن مُحَمَّد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام شهر فليطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مِسْكينا وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث قُتَيْبَة أَيْضا وَقَالَ : عَن مُحَمَّد بن سِيرِين . وَهُوَ وهم ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث لَا نعرفه مَرْفُوعا إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر . قَالَ : وَأَشْعَث هُوَ ابْن سوار ، وَمُحَمّد هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بْن أبي لَيْلَى . قلت : وَكِلَاهُمَا ضَعِيف ، أما أَشْعَث بن سوار فالأكثر عَلَى أَنه غير مرضِي وَلَا مُخْتَار كَمَا ستعلمه فِي بَاب حج الصَّبِي - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَأما ابْن أبي لَيْلَى فصدوق سيئ الْحِفْظ ، قَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ مرّة : ضَعِيف . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَحَله الصدْق ، شغل بِالْقضَاءِ فسَاء حفظه ، لَا يتهم بِشَيْء من الْكَذِب ، إِنَّمَا يُنكر عَلَيْهِ كَثْرَة الْخَطَأ . وَقَالَ الْعجلِيّ : كَانَ فَقِيها صَاحب سنة جَائِز الحَدِيث . وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وَغَيره من الْحفاظ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الْمَحْفُوظ وَقفه عَلَيْهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنَّه الصَّحِيح . قَالَ : وَقد رَوَاهُ ابْن أبي لَيْلَى ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَفعه فِي الَّذِي يَمُوت وَعَلِيهِ رَمَضَان لم يقضه قَالَ : يطعم عَنهُ لكل يَوْم نصف صَاع [ من برّ ] قَالَ : وَهَذَا خطأ من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : رَفعه فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف . وَالثَّانِي : قَوْله : نصف صَاع وَإِنَّمَا قَالَ ابْن عمر : مدًّا من حِنْطَة قَالَ : وَرُوِيَ من (وَجه) آخر عَن ابْن أبي لَيْلَى لَيْسَ فِيهِ ذكر الصَّاع . ثمَّ ذكر الرِّوَايَة الَّتِي (رويناها) أَولا .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : تسحرُوا فَإِن (فِي) السّحُور بركَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كَذَلِك ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه و(أَبُو زرْعَة فِي صَحِيحه أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَابْن مَسْعُود ، وَرَوَاهُ) أَبُو عوَانَة فِي صَحِيحه أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى ، عَن أَخِيه ، عَن أَبِيه ، عَن أبي لَيْلَى ، عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بِمثلِهِ . فَائِدَة : فِي سنَن ابْن مَاجَه ومُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : اسْتَعِينُوا بِطَعَام السحر عَلَى صِيَام النَّهَار ، وبقيلولة النَّهَار عَلَى قيام اللَّيْل . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا من (عَزِيز) الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب ، وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي علله من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - مَرْفُوعا : اسْتَعِينُوا بالقيلولة عَلَى (الْقيام) ، وبالسحور عَلَى الصّيام . ثمَّ قَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : إِسْنَاده مَجْهُول .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْخمسين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم صَامَ عَنهُ وليه . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده حسن . قَالَ عبد الْحق : وَعلله بَعضهم بالاختلاف فِي إِسْنَاده وَلَا يضر ؛ لِأَن (الَّذين) أسندوه ثِقَات . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم : قد رُوِيَ فِي الصَّوْم عَن الْمَيِّت شَيْء ، فَإِن كَانَ ثَابتا صيم عَنهُ (كَمَا يحجّ) عَنهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد ثَبت ذَلِك . وَفِي رِوَايَة للبزار من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا : من مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَام فليصم عَنهُ وليه إِن شَاءَ وَفِي إسنادها ابْن لَهِيعَة وَهُوَ مَعْرُوف الْحَال ، ودونه يَحْيَى بن كثير الزيَادي ، وَهُوَ ضَعِيف عِنْدهم .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان ويواظب عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان حَتَّى توفاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - ثمَّ اعْتكف أَزوَاجه من بعده . وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعْتَكف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وَأَخْرَجَاهُ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتكف الْعشْر الْأَوْسَط مَعَه .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ فِي الْحَامِل والمرضع : إِذا خافتا عَلَى (ولديهما) أفطرتا وافتدتا . هَذَا الحَدِيث تقدم فِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين إِلَّا قَوْله : وافتدتا وَسَيَأْتِي ذَلِك من قَول ابْن عَبَّاس فِي الْآثَار إِن شَاءَ الله .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب شُرُوط الصَّلَاة ، فَرَاجعه من ثمَّ .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْخمسين عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من أدْرك رَمَضَان فَأفْطر لمَرض ثمَّ صَحَّ وَلم يقضه حَتَّى (دخل) رَمَضَان آخر صَامَ الَّذِي أدْركهُ ثمَّ يقْضِي مَا عَلَيْهِ ، ثمَّ يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن نَافِع الْجلاب ، ثَنَا عمر بن مُوسَى بن وجيه ، حَدثنَا الحكم ، عَن مُجَاهِد ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي رجل أفطر فِي رَمَضَان [ من ] مرض ، ثمَّ صَحَّ وَلم يصمه حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر ، قَالَ : يَصُوم الَّذِي أدْرك ، ثمَّ يَصُوم الشَّهْر الَّذِي أفطر فِيهِ ، وَيطْعم مَكَان كل يَوْم مِسْكينا ثمَّ قَالَ : إِبْرَاهِيم بن نَافِع وَابْن وجيه ضعيفان . زَاد عبد الْحق فِي أَحْكَامه : وَلَا يَصح فِي الْإِطْعَام شَيْء . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِشَيْء ، إِبْرَاهِيم وَعمر مَتْرُوكَانِ . وَقَالَ فِي خلافياته : لَا يَصح لضعفهما . ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَى أبي هُرَيْرَة من طرق ، ثمَّ قَالَ فِي كل (مِنْهَا) : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته أَيْضا قَالَ : وَصَحَّ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا عَلَيْهِ مثله .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من وجد التَّمْر فليفطر عَلَيْهِ ، وَمن لم يجد التَّمْر فليفطر عَلَى المَاء فَإِنَّهُ طهُور . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث حَفْصَة بنت سِيرِين ، عَن الربَاب بنت صُلَيع ، عَن عَمها سلمَان بن عَامر الضَّبِّيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : إِذا أفطر أحدكُم فليفطر عَلَى تمر فَإِنَّهُ بركَة ، فَإِن لم يجد تَمرا فالماء فَإِنَّهُ طهُور هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ وَلَفظ أَحْمد وَأبي دَاوُد وَالْحَاكِم : إِذا كَانَ أحدكُم صَائِما فليفطر عَلَى التَّمْر ، فَإِن لم يجد التَّمْر فعلَى المَاء فَإِنَّهُ طهُور . وَلَفظ النَّسَائِيّ كَلَفْظِ التِّرْمِذِيّ ، ثمَّ قَالَ : وَلَا أعلم أحدا قَالَ : فَإِنَّهُ بركَة غير سُفْيَان . وَلَفظ ابْن مَاجَه : إِذا أفطر أحدكُم فليفطر عَلَى تمر ، فَإِن لم يجد فليفطر عَلَى المَاء فَإِنَّهُ طهُور . وَلَفظ ابْن حبَان : من وجد تَمرا فليفطر عَلَيْهِ ، وَمن لم يجد فليفطر عَلَى المَاء فَإِنَّهُ طهُور وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِذا أفطر أحدكُم فليفطر عَلَى تمر فَإِن لم يجد (فليحسو حسوات) من مَاء ذكر هَذِه (اللَّفْظَة) من الطَّرِيق (الأولَى) ، وَالْأولَى من حَدِيث حَفْصَة عَن سلمَان ، كَذَا وجدته ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن (صَحِيح) . وَلَعَلَّه علم حَال الربَاب بنت صليعٍ فَإِنَّهَا مستورة ، وَقد ذكرهَا ابْن حبَان فِي ثقاته . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : صَحِيح من طريقيه . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ ، وَرَوَاهُ هِشَام الدستوَائي ، عَن حَفْصَة بنت سِيرِين ، عَن الربَاب ، عَن سلمَان فَلم يرفعهُ . قلت : غَرِيب عَن الدستوَائي لم نره إِلَّا عِنْد الْبَيْهَقِيّ ، وَهُوَ عِنْد ابْن مَنْدَه فِي معرفَة الصَّحَابَة عَن هِشَام بن حسان ، عَن حَفْصَة مَوْقُوفا ، وَفِي النَّسَائِيّ كَذَلِك عَن هِشَام لكنه لم ينْسبهُ ، وَهُوَ هُوَ . قَالَ الْحَاكِم : وَله شَاهد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى أنس بن مَالك ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفْطر عَلَى رطبات قبل أَن يُصَلِّي ، فَإِن لم يكن رطبات فعلَى تمرات ، فَإِن لم يكن تمرات حسا حسوات من مَاء وَفِي رِوَايَة لَهُ : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لَا يُصَلِّي الْمغرب حَتَّى يفْطر وَلَو كَانَ عَلَى شربة من مَاء . وَرَوَى حَدِيث أنس هَذَا أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِاللَّفْظِ الأول . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حسن غَرِيب . وَقَالَ النَّسَائِيّ : هُوَ خطأ ، وَإِن الصَّوَاب حَدِيث سلمَان . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاد صَحِيح . وَقَالَ الْبَزَّار : لَا أعلم من رَوَاهُ عَن ثَابت ، عَن أنس إِلَّا جَعْفَر بن سُلَيْمَان . وَذكره ابْن عدي أَيْضا فِي أَفْرَاد جَعْفَر ، عَن ثَابت . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَنهُ فَقَالَا : لم يرفع إِلَّا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، وَلَا نَدْرِي من أَيْن جَاءَ بِهِ . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أنس أَيْضا أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من وجد تَمرا الحَدِيث ، بِمثل لفظ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . تَنْبِيه : حَدِيث مُوسَى الطَّوِيل ، عَن أنس الْمَرْفُوع : من أفطر عَلَى تَمْرَة حَلَال زيد فِي صلَاته أَرْبَعمِائَة صَلَاة مَوْضُوع ، ذكره ابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ . وَقَالَ : مُوسَى رَوَى عَن أنس أَشْيَاء مَوْضُوعَة كَانَ يَضَعهَا أَو وضعت لَهُ ، لَا يحل كتب حَدِيثه إِلَّا تَعَجبا . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح فَتنبه لَهُ .
الحَدِيث السِّتُّونَ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : دخل (عليَّ) رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقلت : إِنَّا خبأنا لَك حَيْسًا . قَالَ : أما إِنِّي كنت أُرِيد الصَّوْم (و) لَكِن قربيه . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الْعَاشِر مِنْهُ وَمَعْنى قربيه : أدنيه مني لأشرب مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن أبي الدَّرْدَاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاء فَأفْطر - أَي : استقاء - قَالَ ثَوْبَان : صدق أَنا صببت لَهُ الْوضُوء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَالطَّبَرَانِيّ ، وَابْن مَنْدَه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث معدان بن أبي طَلْحَة ، عَن أبي الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاء فَأفْطر ، قَالَ معدان : فَلَقِيت ثَوْبَان مولَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي مَسْجِد دمشق فَقلت لَهُ : إِن أَبَا الدَّرْدَاء أَخْبرنِي أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قاء فَأفْطر ، فَقَالَ : صدق ، أَنا صببت عَلَيْهِ وضوءه قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي هَذَا الْبَاب : هَذَا حَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده . قَالَ : فَإِن صَحَّ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى الْقَيْء عَامِدًا ، وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ صَائِما تَطَوّعا . قَالَ : وَقد رُوِيَ من وَجه آخر عَن ثَوْبَان فَذكره بِإِسْنَادِهِ . وَقَالَ فِي أَوَائِل سنَنه : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مُضْطَرب ، وَاخْتلفُوا فِيهِ اخْتِلَافا شَدِيدا . وَكَذَا قَالَ فِي خلافياته أَن إِسْنَاده مُضْطَرب ، وَأَن فِيهِ يعِيش بن الْوَلِيد ، وَأَن بعض الْعلمَاء تكلم فِيهِ ، وَأَنه لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الصَّحِيح قَالَ : وبمثل هَذَا لَا تقوم الْحجَّة . هَذَا كَلَام الْبَيْهَقِيّ ، وَخَالفهُ فِي ذَلِك جماعات ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : إِسْنَاده مُتَّصِل صَحِيح عَلَى رسم أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ . قَالَ : وَتَركه الشَّيْخَانِ لاختلافٍ فِي إِسْنَاده . وَصَححهُ ابْن حبَان كَمَا سلف وَسكت التِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي هَذَا الْبَاب . وَقَالَ فِي كتاب الطَّهَارَة : جَوَّد حُسَيْن الْمعلم هَذَا الحَدِيث (و) هُوَ أصح شَيْء فِي الْبَاب . وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ : إِنَّه حسن صَحِيح . وَلم أره كَذَلِك فِيهِ ، وَالَّذِي رَأَيْته فِيهِ مَا سلف ، وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَن الْأَثْرَم ، أَنه قَالَ لِأَحْمَد : قد اضْطَرَبُوا فِي هَذَا الحَدِيث . فَقَالَ : حُسَيْن الْمعلم يجوده . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَالِاخْتِلَاف الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ أَن التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ من حَدِيث حُسَيْن الْمعلم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يعِيش بن الْوَلِيد المَخْزُومِي ، عَن أَبِيه ، عَن معدان ، عَن أبي الدَّرْدَاء ثمَّ قَالَ : قد جود حُسَيْن الْمعلم هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَرَوَى معمر هَذَا الحَدِيث ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير فَأَخْطَأَ فِيهِ فَقَالَ : عَن يعِيش بن الْوَلِيد ، عَن خَالِد بن معدان (عَن أبي الدَّرْدَاء وَلم يذكر فِيهِ الْأَوْزَاعِيّ . وَقَالَ : عَن خَالِد بن معدان ، وَإِنَّمَا هُوَ معدان) بن أبي طَلْحَة . وَهَذَا مَعْنَى قَول ابْن حزم فِي محلاه : هَذَا تَدْلِيس لم يسمعهُ يَحْيَى (من) يعِيش . وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود وَالدَّارَقُطْنِيّ كَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا ، وَفِي رِوَايَته عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن الْأَوْزَاعِيّ أَن يعِيش بن الْوَلِيد حَدثهُ أَن أَبَاهُ حَدثهُ ، قَالَ : حَدثنِي معدان بن أبي طَلْحَة ، عَن أبي الدَّرْدَاء . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، عَن خَالِد بن معدان ، عَن أبي الدَّرْدَاء ، قَالَ الشَّيْخ : وَقيل أَيْضا : عَن يَحْيَى ، عَن رجل ، عَن يعِيش . وَقيل : عَن يَحْيَى ، حدث الْوَلِيد (بن) هِشَام ، عَن معدان (وَقيل :) بِإِسْقَاط وَالِد يعِيش مَعَ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ عَن معدان ، ذكره النَّسَائِيّ ، وَقيل : عَن هِشَام الدستوَائي ، عَن يَحْيَى بِإِسْقَاط وَالِد يعِيش ، ذكره النَّسَائِيّ أَيْضا . ثمَّ شرع الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين يُجيب عَن هَذَا الِاخْتِلَاف فَقَالَ : أما رِوَايَة من رَوَى عَن يَحْيَى ، عَن رجل ، عَن يعِيش فَغير ضارة ؛ لِأَن هَذَا الرجل الْمُبْهم فِي هَذِه الرِّوَايَة قد تبين فِي غَيرهَا أَنه الْأَوْزَاعِيّ ، وَكَذَلِكَ (من) قَالَ عَن يَحْيَى : حَدِيث الْوَلِيد بن هِشَام لَا يضر أَيْضا ؛ لِأَنَّهَا تتفق مَعَ الْأُخْرَى بِأَن يكون يَحْيَى ذكرهَا مُرْسلَة بترك من حَدثهُ وَهُوَ الْأَوْزَاعِيّ عَن يعِيش ، ثمَّ بَين مرّة أُخْرَى من حَدثهُ ، وَكَذَلِكَ مَا زعم فِي الِاخْتِلَاف فِي معدان بن طَلْحَة ومعدان بن أبي طَلْحَة لَا يضر ؛ لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا قَول صَحِيح . قَالَ : وَفِي الحَدِيث عِلّة أُخْرَى ، وَهِي أَن ابْن حزم قَالَ فِي يعِيش بن الْوَلِيد وَأَبِيهِ : إنَّهُمَا ليسَا (مشهورين) . وَالْجَوَاب (عَنْهَا) أَن الْعجلِيّ قَالَ فِي يعِيش : هُوَ شَامي ثِقَة . وَقد صَححهُ ابْن مَنْدَه . قلت : وَابْن حبَان وَالْحَاكِم كَمَا سلف ، وَقَالَ عبد الْحق فِي الرَّد عَلَى الْمُحَلَّى : هَذَا الَّذِي قَالَه ابْن حزم خطأ بَين ؛ فالوليد بن هِشَام قَالَ فِيهِ ابْن أبي حَاتِم : رَوَى عَن (أم) الدَّرْدَاء ، وَعبد الله بن محيريز ، ومعدان (بن) طَلْحَة . وَرَوَى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ ، وَابْنه يعِيش بن الْوَلِيد ، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ، وَمُحَمّد بن عمر الطَّائِي . سَمِعت أبي يَقُول ذَلِك ، ذكره أبي عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور ، عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : الْوَلِيد بن [ هِشَام ] ثِقَة . فَانْظُر قَوْله فِي هَذَا أَنه غير مَشْهُور ، وَقد خرج عَنهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَلم يذكرهُ الْحَاكِم فِيمَن عيب عَلَيْهِ التَّخْرِيج عَنهُ (فقد) رَوَى عَنهُ الْأَئِمَّة وَوَثَّقَهُ إمامان : يَحْيَى بن معِين ، وَمُسلم بن الْحجَّاج ، وَيَقُول فِيهِ : لَيْسَ بِمَشْهُور ! وَأما ابْنه يعِيش فروَى عَنهُ يَحْيَى بن أبي كثير وَالْأَوْزَاعِيّ (وَعِكْرِمَة وَإِسْمَاعِيل بن رَافع وَمن رَوَى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ) وَيَحْيَى بن أبي كثير كَيفَ يكون غير مَشْهُور ؟ !
الحَدِيث الْحَادِي بعد السِّتين عَن أم هَانِئ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : دخل عليَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَأَنا صَائِمَة ، فناولني فضل شرابه ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي كنت صَائِمَة ، وَإِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك . فَقَالَ : إِن كَانَ قَضَاء من رَمَضَان فصومي يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضيه ، وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من حَدِيث سماك بن حَرْب ، عَن هَارُون بن أم هَانِئ ، عَن أم هَانِئ ، قَالَ ( التِّرْمِذِيّ ) : فِي إِسْنَاده مقَال . وَقَالَ النَّسَائِيّ : اخْتلف عَلَى سماك فِيهِ ، وَسماك لَيْسَ يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ . وَقَالَ عبد الْحق بعد أَن رَوَاهُ من طَرِيق النَّسَائِيّ ، عَن حَمَّاد بْن سَلمَة ، عَن سماك بِهِ : هَذَا أحسن أَسَانِيد هَذَا الحَدِيث ، وَإِن كَانَ لَا يحْتَج بِهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ كَمَا ذكر إِلَّا أَن الْعلَّة لم يبينها وَهِي الْجَهْل بهَارُون بن أم هَانِئ أَو ابْن ابْنة أم هَانِئ فَكل ذَلِك قيل فِيهِ ، وَهُوَ لَا يعرف أصلا . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي مُخْتَصر السّنَن : فِي إِسْنَاده مقَال وَلَا يثبت . قَالَ : وَفِي إِسْنَاده اخْتِلَاف كثير أَشَارَ إِلَيْهِ النَّسَائِيّ . قلت : وَحَاصِل الِاخْتِلَاف فِيهِ أَنه اخْتلف عَلَى سماك ، فَتَارَة رَوَاهُ عَن أبي صَالح باذان ، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا مر فِي الْجَنَائِز ، وَتارَة عَن جعدة وَهُوَ مَجْهُول . قَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه : جعدة من ولد أم هَانِئ ، عَن أبي صَالح ، عَن أم هَانِئ رَوَى عَنهُ شُعْبَة ، لَا يعرف إِلَّا بِحَدِيث فِيهِ نظر . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لم يسمعهُ جعدة من أم هَانِئ وَتارَة عَن هَارُون ، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طرق عَن سماك وفِيهِ قَوْله : فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه . وَرَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق حَمَّاد عَنهُ (فَقَط ، وَحَمَّاد هَذَا هُوَ ابْن سَلمَة ثِقَة ثَبت من رجال مُسلم ، لَكنا) أسلفنا عَن الْبَيْهَقِيّ أَنه قَالَ فِي الحَدِيث الثَّالِث عشر من بَاب شُرُوط الصَّلَاة (إِن حماداً) اخْتلف فِي عَدَالَته ، وَقَالَ فِي بَاب من أَدَّى الزَّكَاة : سَاءَ حفظه فِي آخر عمره ، فالحفاظ لَا يحتجون بِمَا يُخَالف فِيهِ ، ويتجنبون مَا ينْفَرد بِهِ عَن قيس بن ثَابت وَأَمْثَاله . قلت : ووراء ذَلِك كُله أَمر آخر وَهُوَ أَن هَذَا من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يَوْم الْفَتْح - كَمَا أخرجه النَّسَائِيّ ، وَالطَّبَرَانِيّ وَغَيرهمَا من حَدِيث يَحْيَى بن جعدة السالف عَن أم هَانِئ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ دخل عَلَيْهَا يَوْم الْفَتْح ، فَأتي بِإِنَاء فَشرب مِنْهُ ، ثمَّ ناولني فَقلت : إِنِّي صَائِمَة ؟ فَقَالَ : إِن المتطوع أَمِير عَلَى نَفسه ، فَإِن شِئْت فصومي ، وَإِن شِئْت فأفطري هَذَا لفظ النَّسَائِيّ ، وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ : فَشرب مِنْهُ وسقاها . قَالَت : إِنِّي كنت صَائِمَة وَلَكِن كرهت أَن أرد عَلَيْك (شرابك . قَالَ : كنت تقضين ؟ قلت : لَا . قَالَ : لَا يَضرك انْتَهَى . فَلْيتَأَمَّل ذَلِك) وَكَيف يَقع الْقَضَاء فِي رَمَضَان . فَائِدَة : السؤر بِالْهَمْزَةِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله وَمِنْه .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من نسي وَهُوَ صَائِم فَأكل أَو شرب فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِهَذَا اللَّفْظ ، وَعند البُخَارِيّ : فَأكل وَشرب وللدارقطني - وَقَالَ : إِسْنَاده صَحِيح ، وَرِجَاله كلهم ثِقَات : إِذا أكل الصَّائِم نَاسِيا (أَو شرب نَاسِيا) فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْهِ وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَفِي رِوَايَة لَهما وللحاكم : من أفطر فِي شهر رَمَضَان نَاسِيا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ تفرد بِهِ ابْن مَرْزُوق وَهُوَ ثِقَة (عَن الْأنْصَارِيّ : قلت) : لم ينْفَرد بِهِ ، بل تَابعه أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ .
وَأما الْآثَار فخمسة عشر أثرا . الأول : عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : لِأَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إليَّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من جِهَته : أَنا عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان ، عَن أمه فَاطِمَة بنت حُسَيْن أَن رجلا شهد عِنْد عَلّي بِرُؤْيَة هِلَال رَمَضَان فصَام - وَأَحْسبهُ قَالَ : وَأمر النَّاس أَن يَصُومُوا - وَقَالَ : أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إليَّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان . الثَّانِي : عَن شَقِيق بن سَلمَة قَالَ : أَتَانَا كتاب عمر بن الْخطاب وَنحن بخانقين : إِن الْأَهِلّة بَعْضهَا أكبر من بعض ، فَإِذا رَأَيْتُمْ الْهلَال نَهَارا فَلَا تفطروا حَتَّى تمسوا وَفِي رِوَايَة : فَإِذا رَأَيْتُمْ [ الْهلَال ] من أول النَّهَار فَلَا تفطروا حَتَّى يشْهد شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رأياه بالْأَمْس . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح باللفظين الْمَذْكُورين ، وَزَاد فِي آخر الأول : إِلَّا أَن يشْهد (شَاهِدَانِ) رجلَانِ مسلمان أَنَّهُمَا أهلاه بالْأَمْس عَشِيَّة ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَابَيْنِ من سنَنه : أَحدهمَا : فِي بَاب الْهلَال يرَى بِالنَّهَارِ . وَالثَّانِي : فِي بَاب من لم يقبل عَلَى رُؤْيَة هِلَال الْفطر إِلَّا شَاهِدين عَدْلَيْنِ . وَقَالَ فِي هَذَا الْبَاب : هَذَا أثر صَحِيح عَنهُ . وَرَوَى عَنهُ - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ - التَّفْرِقَة بَين رُؤْيَته قبل الزَّوَال وَبعده ، ثمَّ قَالَ : إِنَّه مُنْقَطع وَحَدِيث شَقِيق أصح مِنْهُ . (وَرَوَى عَنهُ أَيْضا إِنَّمَا يَكْفِي الْمُسلمين الرجل وَهُوَ من رِوَايَة عبد الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيّ) عَن ابْن أبي لَيْلَى عَنهُ ، وَنقل عَن يَحْيَى بن معِين أَنه لم يثبت سَماع ابْن أبي لَيْلَى من عمر ، وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبد الْأَعْلَى غَيره أثبت مِنْهُ ، وَحَدِيث شَقِيق أصح إِسْنَادًا مِنْهُ . فَائِدَة : قَوْله بخانقين هُوَ بخاء مُعْجمَة ، ثمَّ نون ثمَّ قَاف مكسورتين : بَلْدَة بالعراق قريبَة من بَغْدَاد ، وَفِي أَسمَاء الْأَمَاكِن للبكري خانقون عَلَى وزن فاعلون : مَوضِع من بِلَاد فَارس ، وَهُوَ طَسُّوج من طساسيج حُلْوان . قَالَ كرَاع : سمي خانقين لِأَن عديًّا خُنق فِيهِ . وَقيل : الخانق مضيق فِي الْوَادي . وَقيل : شعب ضيق فِي أَعلَى الْجَبَل ، وَبِه سمي خانقون . وَقَوله : إِن الْأَهِلّة بَعْضهَا أكبر من بعض أَرَادَ ارْتِفَاع الْمنَازل لَا عظم الدارة . وَوَقع فِي بعض نسخ الْكتاب سُفْيَان بدل شَقِيق وَهُوَ من تَحْرِيف النَّاسِخ . الثَّالِث : أثر ابْن عمر فِي الاستقاءة تقدم فِي آخر الحَدِيث الْحَادِي عشر . الرَّابِع : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه قَالَ : الْفطر مِمَّا دخل ، وَالْوُضُوء مِمَّا خرج . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَنهُ تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم وَلَفظه : قَالَ ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة : [ الصَّوْم ] مِمَّا دخل ، وَلَيْسَ مِمَّا خرج . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَلَفظه عَن ابْن عَبَّاس : أَنه ذكر عِنْده الْوضُوء من الطَّعَام - قَالَ الْأَعْمَش مرّة : والحجامة للصَّائِم - فَقَالَ : إِن الْوضُوء مِمَّا يخرج وَلَيْسَ مِمَّا دخل ، وَإِنَّمَا الْفطر مِمَّا دخل وَلَيْسَ مِمَّا خرج . وَقد ذكره الرَّافِعِيّ مَرْفُوعا فِي الإحداث ، وتكلمنا عَلَيْهِ هُنَاكَ . الْخَامِس : أَن النَّاس أفطروا فِي زمَان عمر ثمَّ انْكَشَفَ السَّحَاب وَظَهَرت الشَّمْس . وَهَذَا أثر صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أَخِيه خَالِد بن أسلم أَن عمر بن الْخطاب أفطر فِي رَمَضَان فِي يَوْم ذِي غيم ، وَرَأَى أَنه قد أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْس ، فَجَاءَهُ رجل فَقَالَ : قد طلعت الشَّمْس . فَقَالَ : الخَطْب يسير وَقد اجتهدنا قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك : يَعْنِي قَضَاء يَوْم مَكَانَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من وَجْهَيْن آخَرين عَن عمر مُفَسرًا فِي الْقَضَاء . فذكرهما بِإِسْنَادِهِ . إِحْدَاهمَا : عَن عَلّي بن حَنْظَلَة ، عَن أَبِيه - وَكَانَ أَبوهُ صديقا لعمر - قَالَ : كنت عِنْد عمر فِي رَمَضَان فَأفْطر وَأفْطر النَّاس ، فَصَعدَ الْمُؤَذّن ليؤذن فَقَالَ : أَيهَا النَّاس ، هَذِه الشَّمْس (مَا) تغرب . فَقَالَ عمر : [ كفانا الله شرك ، إِنَّا لم نبعثك رَاعيا . ثمَّ قَالَ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ] : من كَانَ قد أفطر فليصم يَوْمًا مَكَانَهُ وَفِي الْأُخْرَى فَقَالَ عمر : مَا نبالي وَالله نقضي يَوْمًا مَكَانَهُ ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي (نَظَائِر) هَذِه الرِّوَايَات عَن عمر فِي الْقَضَاء دَلِيل عَلَى خطأ رِوَايَة زيد بن وهب فِي ترك الْقَضَاء . ثمَّ سَاقهَا وَبَين (ضعفها) . السَّادِس وَالسَّابِع : رُوِيَ عَن عَلّي وَابْن عمر أَنه لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب . أما أثر عَلّي فَلَا يحضرني من خرجه ، وَأما أثر ابْن عمر فَذكره البُخَارِيّ بِنَحْوِهِ ، وَهَذَا لَفظه : وَقَالَ ابْن عمر : يستاك أول النَّهَار وَآخره وَفِي الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَنه كَانَ يستاك وَهُوَ صَائِم وَرُوِيَ عَنهُ مَرْفُوعا ، وَفِي إِسْنَاده أَحْمد بن عبد الله بن ميسرَة النهاوندي ، قَالَ ابْن حبَان : لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ ابْن عدي : يحدث عَن الثِّقَات بِالْمَنَاكِيرِ وَيسْرق حَدِيث النَّاس . وَالصَّحِيح وَقفه عَلَى ابْن عمر . الثَّامِن وَالتَّاسِع والعاشر وَالْحَادِي عشر : عَن ابْن عمر ، وَابْن عَبَّاس ، وَأنس ، وَأبي هُرَيْرَة (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجوب الْفِدْيَة عَلَى الشَّيْخ الْكَبِير الْمُفطر بِعُذْر الْهَرم) . أما أثر ابْن عمر : فَذكره صَاحب الْمُهَذّب وَلم يعزه النَّوَوِيّ وَلَا الْمُنْذِرِيّ ، وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث نَافِع مولَى ابْن عمر أَنه سُئِلَ عَن رجل مرض فطال عَلَيْهِ مَرضه حَتَّى مرَّ عَلَيْهِ رمضانان أَو ثَلَاثَة ، فَقَالَ نَافِع : كَانَ ابْن عمر يَقُول : من أدْركهُ رَمَضَان وَلم يكن صَامَ رَمَضَان (الجائي) فليطعم مَكَان كل يَوْم مِسْكينا مدًّا من حِنْطَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه قَرَأَ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ : هِيَ مَنْسُوخَة . وَأما أثر ابْن عَبَّاس ، فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كتاب التَّفْسِير مِنْهُ ، عَن عَطاء سمع ابْن عَبَّاس يقْرَأ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ ابْن عَبَّاس : لَيست مَنْسُوخَة ، وَهُوَ الشَّيْخ الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة لَا يستطيعان أَن يصوما فيطعمان مَكَان كل يَوْم مِسْكينا . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ : كَانَت رخصَة للشَّيْخ الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة وهما يطيقان الصّيام أَن يفطرا (و) يطعما مَكَان كل يَوْم مِسْكينا ، والحبلى والمرضع إِذا خافتا - قَالَ أَبُو دَاوُد : يَعْنِي (عَلَى) أولادهما - أفطرتا وأطعمتا . وَفِي أبي دَاوُد أَيْضا من حَدِيث عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : (أَثْبَتَت) للحبلى والمرضع . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من هَذَا الْوَجْه عَنهُ بِلَفْظ : رخص للشَّيْخ الْكَبِير والعجوز (الْكَبِيرَة) فِي ذَلِك ، وهما يطيقان الصَّوْم أَن (يفطرا إِن شاءا) ويطعما مَكَان كل يَوْم مِسْكينا ، ثمَّ نسخ ذَلِك فِي هَذِه الْآيَة فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . وَثَبت للشَّيْخ الْكَبِير والعجوز الْكَبِيرَة إِذا كَانَا لَا يطيقان الصَّوْم ، وَالْحَامِل والمرضع إِذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مَكَان كل يَوْم مِسْكينا وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس : يطعم نصف صَاع [ من حِنْطَة ] مَكَان يَوْم ثمَّ قَالَ : كَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة نصف صَاع من حِنْطَة وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ : مدًّا لطعامه ، ومدًّا لإدامه وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِذا عجز الشَّيْخ الْكَبِير عَن الصّيام أطْعم عَن كل [ يَوْم مدًّا مدًّا ] وَفِي رِوَايَة لَهُ : رخص للشَّيْخ الْكَبِير أَن يفْطر وَيطْعم عَن كل يَوْم مِسْكينا وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ . (وَرَوَاهُ) الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِهَذَا اللَّفْظ الْأَخير ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ فِي قَوْله تَعَالَى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِد فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا (قَالَ : و) زَاد مِسْكينا آخر فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَلَيْسَت بمنسوخة إِلَّا أَنه قد وضع للشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصّيام وَأمر أَن يطعم الَّذِي [ يعلم أَنه ] لَا يطيقه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَأما أثر أنس ، فَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك أَن أنس بن مَالك كبر حَتَّى كَانَ لَا يقدر عَلَى الصّيام فَكَانَ يفتدي قَالَ الشَّافِعِي : وَخَالفهُ مَالك فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِب . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : هَذَا مُنْقَطع ، وَقد رَوَيْنَاهُ عَن قَتَادَة مَوْصُولا عَن أنس أَنه ضعف عَاما قبل مَوته فَأفْطر وَأمر أَهله أَن يطعموا مَكَان كل يَوْم مِسْكينا . قلت : وَأخرج هَذَا الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا . وَأما أثر أبي هُرَيْرَة ، فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن مُوسَى ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : من أدْركهُ الْكبر فَلم يسْتَطع صِيَام شهر رَمَضَان فَعَلَيهِ لكل يَوْم مد من قَمح . الْأَثر الثَّانِي عشر : أَن ابْن عَبَّاس قَرَأَ وَعَلَى الَّذين (يطوقونه) فديَة طَعَام مِسْكين وَمَعْنَاهُ يكلفون الصَّوْم فَلَا يطيقُونَهُ . وَهَذِه الْقِرَاءَة مَشْهُورَة عَنهُ فِي كتب التَّفْسِير . الْأَثر الثَّالِث عشر : عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ : إِنَّهَا مَنْسُوخَة الحكم إِلَّا فِي حق الْحَامِل والمرضع . وَهَذَا الْأَثر سلف بَيَانه قَرِيبا . الْأَثر الرَّابِع عشر : عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه قَالَ : فِيمَن عَلَيْهِ صَوْم فَلم يصمه حَتَّى أدْركهُ رَمَضَان آخر : يطعم عَن الأول . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة نَافِع عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول : من أدْركهُ رَمَضَان وَعَلِيهِ من رَمَضَان شَيْء فليطعم (مَكَان كل يَوْم مِسْكينا) مدًّا من حِنْطَة وَفِي رِوَايَة لَهُ مثلهَا تقدّمت فِي الْأَثر الثَّامِن . قَالَ ابْن حزم : روينَا - يَعْنِي الْإِطْعَام - عَن عمر وَابْن عمر من طَرِيق مُنْقَطِعَة ، وَبِه يَقُول الْحسن ، وَعَطَاء ، وروينا عَن ابْن عمر من طَرِيق صَحِيحَة أَنه يَصُوم رَمَضَان الآخر وَلَا يقْضِي الأول بصيام لَكِن يطعم عَنهُ مَكَان كل يَوْم مِسْكينا مِسْكينا مًدًّا مدًّا قَالَ : وروينا عَنهُ أَيْضا يهدي (مَكَان) كل (يَوْم) فرط فِي قَضَائِهِ بَدَنَة مقلدة . الْأَثر الْخَامِس عشر : عَن ابْن عَبَّاس مثله . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مَيْمُون بن مهْرَان عَنهُ فِي رجل أدْركهُ رَمَضَان وَعَلِيهِ رَمَضَان آخر قَالَ : يَصُوم (عَن) هَذَا ، وَيطْعم عَن ذَاك كل يَوْم مِسْكينا ويقضيه .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يلقى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي كل لَيْلَة (من) رَمَضَان (فيتدارسان) الْقُرْآن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَهُوَ بعض من الحَدِيث الَّذِي قبله كَمَا (ترَاهُ) .
بَاب صَوْم التَّطَوُّع ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَلَاثَة عشر حَدِيثا : الحَدِيث الأول أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : صِيَام يَوْم عَرَفَة كَفَّارَة سنتَيْن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث أبي قَتَادَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَن صَوْم يَوْم عَرَفَة فَقَالَ : يكفر السّنة الْمَاضِيَة والباقية ، وَسُئِلَ عَن صَوْم يَوْم عَاشُورَاء فَقَالَ : يكفر السّنة الْمَاضِيَة وَفِي رِوَايَة لَهُ : صِيَام يَوْم عَرَفَة أحتسب عَلَى الله أَن يكفر السّنة الَّتِي قبله وَالسّنة الَّتِي بعده ، وَصِيَام يَوْم عَاشُورَاء أحتسب عَلَى الله أَن يكفر السّنة الَّتِي قبله . قَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه : هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي الْبَاب . قَالَ : وَرُوِيَ من طَرِيق عَائِشَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يعدل صَوْمه بِصَوْم ألف يَوْم - يَعْنِي يَوْم عَرَفَة قَالَ : وَفِي إِسْنَاد هَذَا سُلَيْمَان بن مُوسَى الْكُوفِي وَلَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه ، وَلَا يعرف إِلَّا بِهِ . قلت : وَرُوِيَ من طرق أُخْرَى : إِحْدَاهَا : عَن زيد بن أَرقم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن صِيَام يَوْم عَرَفَة فَقَالَ : يكفر السّنة الَّتِي أَتَت فِيهَا وَالسّنة الَّتِي بعْدهَا . ثَانِيهَا : عَن سهل بن سعد مَرْفُوعا : من صَامَ يَوْم عَرَفَة غفر لَهُ ذَنْب سنتَيْن متتابعتين . ثَالِثهَا : عَن قَتَادَة (بن) النُّعْمَان مَرْفُوعا : (من صَامَ) يَوْم عَرَفَة غفر لَهُ سنة أَمَامه ، وَسنة خَلفه . رَابِعهَا : عَن ابْن عمر قَالَ : كُنَّا نعدل صَوْم (يَوْم) عَرَفَة وَنحن مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بِصَوْم سنة . رواهن الطَّبَرَانِيّ . خَامِسهَا : عَن عَائِشَة رفعته : صَوْم يَوْم عَرَفَة يكفر الْعَام (الَّذِي) قبله رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر عَنْهَا بِهِ . سادسها : عَن أنس عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنه كَانَ فِي جمَاعَة من أَصْحَابه فَقَالَ لَهُم : أَي يَوْم هَذَا ؟ قَالُوا : يَوْم عَرَفَة . فَقَالَ : كَذَلِك يعرف الله بَين أهل التَّقْوَى فِي الْقِيَامَة ، وَهُوَ يَوْم صَوْمه ثَوَاب أَرْبَعِينَ سنة . ذكره الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فِي تَرْجَمَة عبد الْمُؤمن بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الإسكاف فِي العقد الْمُثمن فِيمَن تسمى بِعَبْد الْمُؤمن من حَدِيث حبيب بْن الشَّهِيد ، عَن الْحسن ، عَن أنس بِهِ .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ لعبد الله بن عَمْرو : لَا صَامَ من صَامَ الدَّهْر ، صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر صَوْم الدَّهْر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه (بِلَفْظ) لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد ثَلَاثًا وَفِي آخر صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى آخِره . كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَسَقَطت الْوَاو فِي بعض نسخ الْكتاب ، وَهُوَ من النساخ ، وَهُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ .
الحَدِيث الثَّانِي أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يصم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أم الْفضل بنت الْحَارِث أَن نَاسا اخْتلفُوا عِنْدهَا يَوْم عَرَفَة فِي صَوْم النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ بَعضهم : (هُوَ صَائِم . وَقَالَ بَعضهم) لَيْسَ بصائم . فَأرْسلت إِلَيْهِ بقدح لبن وَهُوَ وَاقِف عَلَى بعيره فَشرب وَأَخْرَجَا مثله من حَدِيث أُخْتهَا مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مصححاً لَهُ ، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أفطر بِعَرَفَة ، وَأرْسلت إِلَيْهِ أم الْفضل بِلَبن فَشرب قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر الاقتراح : وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ . تَنْبِيه : اقْتصر ابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول عَلَى عزو حَدِيث أم الْفضل إِلَى البُخَارِيّ وَحده وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ . فَائِدَة : اسْم أم الْفضل : لبَابَة الْكُبْرَى ، وَهِي أم ابْن عَبَّاس وَإِخْوَته وَكَانُوا سِتَّة نجباء ، وَلها أُخْت يُقَال لَهَا : لبَابَة الصُّغْرَى ، وَهِي أم خَالِد بن الْوَلِيد ، وَكن عشر أَخَوَات ، ومَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ إِحْدَاهُنَّ ، وَذكر ابْن سعد وَغَيره أَن أم الْفضل أول امْرَأَة أسلمت بعد خَدِيجَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه و(الدَّارمِيّ) فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن بُسر - بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَإِسْكَان السِّين الْمُهْملَة - عَن أُخْته الصماء أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم فَإِن لم يجد أحدكُم إِلَّا لحاء عنبة أَو عود شَجَرَة فليمضغه . وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ : إِلَّا لحاء شَجَرَة فليقضمه وَلَفظ الدَّارمِيّ كَذَلِك وَقَالَ : إِلَّا (كفًّا) أَو لحاء شَجَرَة (فليمضغه) . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن بسر ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك من طَرِيقين ، وَرَوَاهُ ابْن السكن فِي صحاحه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِي فَرِيضَة فَإِن لم يجد أحدكُم إِلَّا عود كرم أَو لحاء شَجَرَة فليمضغه . قَالَ التِّرْمِذِيّ عقب إِخْرَاجه (لَهُ) من حَدِيث الصماء : (هَذَا) حَدِيث حسن . قَالَ : وَمَعْنى الْكَرَاهِيَة فِي هَذَا أَن يخص الرجل يَوْم السبت بصيام ؛ لِأَن الْيَهُود يعظمون يَوْم السبت . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الْأَوْزَاعِيّ مَا زلت بِهَذَا الحَدِيث كَاتِما ثمَّ رَأَيْته انْتَشَر . وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط [ البُخَارِيّ ] . قَالَ : وَله معَارض بِإِسْنَاد صَحِيح ، وَقد أَخْرجَاهُ . فَذكر حَدِيث (جوَيْرِية السالف فِي) الحَدِيث الَّذِي قبله ، وَقد علمت أَنه من أَفْرَاد البُخَارِيّ ، ثمَّ رَوَى عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ إِذا ذكر لَهُ أَنه نهي عَن صِيَام يَوْم السبت قَالَ : هَذَا حَدِيث حمصي . قَالَ الْحَاكِم : وَله معَارض بِإِسْنَاد صَحِيح . فَذكر بِإِسْنَادِهِ عَن كريب مولَى ابْن عَبَّاس أَن [ ابْن عَبَّاس ] وناساً من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعثوني إِلَى أم سَلمَة أسألها عَن [ أَي ] الْأَيَّام [ كَانَ ] رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَكثر لَهَا صياما . فَقَالَت : يَوْم السبت والأحد . فَرَجَعت إِلَيْهِم فَأَخْبَرتهمْ ، فكأنهم أَنْكَرُوا ذَلِك ، فَقَامُوا بأجمعهم إِلَيْهَا (فَقَالُوا : إِنَّا) بعثنَا إِلَيْك هَذَا فِي كَذَا وَكَذَا . فَذكر أَنَّك قلت كَذَا وَكَذَا فَقَالَت : صدق ، إِن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَكثر مَا كَانَ يَصُوم من الْأَيَّام يَوْم السبت والأحد ، وَكَانَ يَقُول : إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين وَأَنا أُرِيد أَن أخالفهم . هَذَا آخر كَلَامه . وَحَدِيث أم سَلمَة هَذَا أخرجه النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ : فِيهِ مَجْهُولَانِ . وَأما الْحَاكِم فقد صَححهُ كَمَا علمت ، وَكَذَا ابْن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه (فِي صَحِيحه) عَن الْحسن بن سُفْيَان ، نَا حبَان بن مُوسَى [ أخبرنَا عبد الله ] ، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَلّي بن أبي طَالب ، حَدثنِي [ أبي ] عَن كريب فَذكره ، وَقَول الْحَاكِم إِنَّه معَارض لحَدِيث الصماء لَيْسَ كَذَلِك بل يحمل حَدِيث الصماء عَلَى إِفْرَاده بِالصَّوْمِ ، وَحَدِيث أم سَلمَة وَحَدِيث جوَيْرِية عَلَى مَا إِذا مَا صَامَ يَوْمًا قبله أَو يَوْمًا بعده ، وَحَدِيث جوَيْرِية صَرِيح فِي ذَلِك كَمَا سلف . وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ - وَقَالَ : حسن - من حَدِيث عَائِشَة قَالَت : كَانَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَصُوم من الشَّهْر : السبت والأحد والاثنين ، وَمن الشَّهْر الآخر : الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس . ثمَّ اعْلَم أَن حَدِيث الصماء أعل بِأُمُور : أَحدهَا : بِالِاضْطِرَابِ حَيْثُ رُوِيَ عَن عبد الله بن بسر (عَنْهَا) ، وَعنهُ عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَعَن أَبِيه بسر عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَعَن الصماء ، عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . قَالَ النَّسَائِيّ : وَهَذِه أَحَادِيث مضطربة . قلت : وَلَك أَن تَقول وَإِن كَانَت مضطربة فَهُوَ اضْطِرَاب غير قَادِح ؛ فَإِن عبد الله بْن بسر صَحَابِيّ ، وَكَذَا وَالِده والصماء مِمَّن ذكرهم فِي الصَّحَابَة ابْن حبَان فِي أَوَائِل الثِّقَات فَتَارَة سَمعه من أَبِيه ، وَتارَة من أُخْته ، وَتارَة من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَتارَة سمعته أُخْته من عَائِشَة ، وسمعته من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . قَالَ عبد الْحق : وَقيل فِي هَذَا الحَدِيث : عَن عبد الله بن بسر ، عَن عمته الصماء . قَالَ : وَهُوَ أصح . قلت : وَأخرجه من هَذَا الطَّرِيق الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : إِن الصَّحِيح عَن عبد الله بن بسر ، عَن أُخْته الصماء . ثَانِيهَا : أَنه حَدِيث كذب ، قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، قَالَ مَالك : هَذَا الحَدِيث كذب . وَتَبعهُ ابْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ فِي القبس : وَأما يَوْم السبت فَلم يَصح فِيهِ الحَدِيث ، وَلَو صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ مُخَالفَة أهل الْكتاب (وَفِيه نظر) . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَهَذَا القَوْل لَا يقبل من مَالك فقد صَححهُ الْأَئِمَّة . وَاعْتذر عَنهُ عبد الْحق فَقَالَ : لَعَلَّ مَالِكًا إِنَّمَا جعله كذبا من أجل رِوَايَة ثَوْر بن يزِيد الكلَاعِي ، فَإِنَّهُ كَانَ يُرْمَى بِالْقدرِ ، وَلكنه كَانَ ثِقَة فِيمَا رَوَى ، قَالَه يَحْيَى وَغَيره ، وَقد رَوَى عَنهُ الجلة مثل : يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَابْن الْمُبَارك ، و[ الثَّوْريّ ] وَغَيرهم . ثَالِثهَا : أَنه مَنْسُوخ ، قَالَه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَفِيه نظر ، قَالَ (النَّوَوِيّ) فِي شَرحه : هَذَا القَوْل لَيْسَ بمقبول وَأي دَلِيل عَلَى نسخه ؟ ! قلت : وَالْحق أَنه حَدِيث صَحِيح غير مَنْسُوخ . فَائِدَة : فِي اسْم الصماء أَقْوَال : أَحدهَا : أَنه اسْمهَا صمية فسميت الصماء ، قَالَه ابْن حبَان فِي ثقاته . ثَانِيهَا : بُهية بِضَم الْبَاء ، حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَحَكَاهُ عبد الْحق أَيْضا . ثَالِثهَا : بَهِيمَة ، حَكَاهُ عبد الْحق فَقَالَ : اسْمهَا بهية ، وَقيل : بَهِيمَة . وَهِي أُخْت عبد الله بن بسر ، وَقيل : إِنَّهَا أُخْت بسر . وَالْأول أصح . تَنْبِيه : لم يعز هَذَا الحَدِيث ابْن الْأَثِير فِي جَامعه إِلَى النَّسَائِيّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي سنَنه الصُّغْرَى ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْكُبْرَى كَمَا عزيته لَك أَولا فَتنبه لذَلِك .
الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن صَوْم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ من حَدِيث حَوْشَب بن عقيل ، عَن مهْدي الهجري الْعَبْدي ، عَن عِكْرِمَة مولَى ابْن عَبَّاس ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وحوشب هَذَا وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ ، وَضَعفه الْأَزْدِيّ وَابْن حزم . ومهدي رَوَى عَن عِكْرِمَة ، وَعنهُ حَوْشَب بن عقيل فَقَط . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه عَن ابْن معِين : أَنه سُئِلَ عَنهُ فَقَالَ : لَا أعرفهُ . وَنقل الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه عَن أبي حَاتِم أَنه قَالَ : لَا أعرفهُ . وَالَّذِي فِي كِتَابه مَا حكيته ، وَقَالَ ابْن حزم : مَجْهُول . إِلَّا أَنه سَمَّاهُ مهْدي بن هِلَال . وَسَماهُ عبد الْحق مهْدي بن حَرْب وَقَالَ : إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف . وَسَماهُ الْحَاكِم مهْدي بن حسان ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ( وَأخرج) الْحَاكِم الحَدِيث الْمَذْكُور فِي مُسْتَدْركه من طَرِيقه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء ، ثمَّ قَالَ : وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأسانيد جِيَاد أَنه لم يصم يَوْم عَرَفَة وَلَا يَصح عَنهُ أَنه نهَى عَن صَوْمه ، وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ : صَوْم عَرَفَة كَفَّارَة سنتَيْن سنة مَاضِيَة ، وَسنة مُسْتَقْبلَة .
الحَدِيث الْعَاشِر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا (يَصُوم) أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن يَصُوم قبله أَو يَصُوم بعده . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : لَا يصم أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن يَصُوم قبله أَو يَصُوم بعده وَهَذَا لفظ مُسلم ، وَلَفظ البُخَارِيّ : لَا (يصومن) أحدكُم يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن يَصُوم يَوْمًا قبله أَو بعده وَفِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا : لَا (تخصوا) لَيْلَة الْجُمُعَة (بِصَلَاة) من بَين اللَّيَالِي ، وَلَا تخصوا يَوْم الْجُمُعَة بصيام من بَين الْأَيَّام إِلَّا أَن يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن عباد قَالَ : سَأَلت جَابر بن عبد الله وَهُوَ يطوف بِالْبَيْتِ : أنهَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة قَالَ : نعم وَرب هَذَا الْبَيْت . زَاد البُخَارِيّ فِي رِوَايَة مُنْقَطِعَة يَعْنِي أَن ينْفَرد بصومه وَفِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من حَدِيث (جوَيْرِية) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دخل عَلَيْهَا يَوْم الْجُمُعَة وَهِي صَائِمَة ، فَقَالَ لَهَا : أصمت أمس ؟ قَالَت : لَا . قَالَ : أَتُرِيدِينَ أَن (تصومي) غَدا ؟ قَالَت : لَا . قَالَ : فأفطري . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن (عَمْرو) قَالَ : دخل النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَلَى جوَيْرِية بنت الْحَارِث [ يَوْم جُمُعَة ] وَهِي صَائِمَة الحَدِيث . وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة سَواد بن قَارب ، وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط [ مُسلم ] من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة قَالَ : دخلت عَلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي نفر من الأزد يَوْم الْجُمُعَة ، فَدَعَانَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِلَى طَعَام بَين يَدَيْهِ (فَقُلْنَا : إِنَّا صِيَام) فَقَالَ : أصمتم أمس ؟ قُلْنَا : لَا . قَالَ : أفتصومون غَدا ؟ قُلْنَا : لَا . قَالَ : فأفطروا . ثمَّ قَالَ : لَا تَصُومُوا يَوْم الْجُمُعَة مُفردا . وَأخرج هَذَا الحَدِيث أَحْمد فِي مُسْنده بِنَحْوِهِ . وَحَدِيث عبد الله بن مَسْعُود : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَصُوم من غرَّة كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام ، وقلما كَانَ يفْطر يَوْم الْجُمُعَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ : حسن غَرِيب . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : صَحِيح لَا يُخَالف هَذِه الْأَحَادِيث ؛ فَإِنَّهُ مَحْمُول عَلَى أَنه لله كَانَ يصله بِيَوْم الْخَمِيس . قَالَ ابْن عبد الْبر فِي استذكاره : اخْتلفت الْآثَار عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي صِيَام يَوْم الْجُمُعَة . فَذكر حَدِيث ابْن مَسْعُود هَذَا ، وَذكر عَن ابْن عمر (أَنه) قَالَ : مَا رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (مُفطرا) يَوْم الْجُمُعَة قطّ وَعَزاهُ إِلَى ابْن أبي شيبَة ، وَأَنه رَوَاهُ عَن حَفْص بن غياث ، عَن (لَيْث) بن أبي سليم ، عَن عُمَيْر بن أبي عُمَيْر ، عَن ابْن عمر . وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة ويواظب عَلَيْهِ وَرَوَى الدَّرَاورْدِي عَن صَفْوَان بن سليم ، عَن رجل من بني (حثْمَة) أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : من صَامَ يَوْم الْجُمُعَة كتبت لَهُ عشرَة أَيَّام (غُرر زهر) من أَيَّام الْآخِرَة لَا تشاكلهن أَيَّام الدُّنْيَا . رَوَاهُ عَلّي بن الْمَدِينِيّ وَغَيره عَن الدَّرَاورْدِي .
الحَدِيث الرَّابِع أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : صِيَام يَوْم عَاشُورَاء يكفر سنة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي أول الْبَاب وَلَفظه : يكفر السّنة الْمَاضِيَة وَفِي لفظ : السّنة الَّتِي قبله وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ الْكتاب .
الحَدِيث الثَّالِث عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن صِيَام الدَّهْر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بِلَفْظ : لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد كَمَا سلف ، وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث أبي قَتَادَة أَن عمر قَالَ : يَا رَسُول الله ، كَيفَ بِمن يَصُوم الدَّهْر ؟ قَالَ : لَا صَامَ وَلَا أفطر - أَو لم يصم وَلم يفْطر . وَفِي مُسْند أَحْمد وصَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث عبد الله بن الشخير رَفعه : من صَامَ الْأَبَد فَلَا صَامَ وَلَا أفطر . وَمن حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قيل لَهُ : إِن فلَانا لَا يفْطر نَهَار الدَّهْر إِلَّا لَيْلًا . فَقَالَ لله : لَا صَامَ وَلَا أفطر . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من صَامَ الدَّهْر (ضيقت) عَلَيْهِ جَهَنَّم هَكَذَا . وَعقد (تسعين) وَرَوَاهُ مَوْقُوفا (عَلَى) أبي مُوسَى أَيْضا . وَهَذَا الحَدِيث احْتج بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَلَى أَنه لَا كَرَاهَة فِي صَوْم الدَّهْر ، وَمَعْنى (ضيقت) عَلَيْهِ ؛ أَي : عَنهُ فَلم يدخلهَا . أَو (ضيقت) عَلَيْهِ أَي لَا يكون لَهُ فِيهَا مَوضِع . وَلما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ قَالَ فِي آخِره : قَالَ أَبُو الْوَلِيد يَعْنِي : أَن يدخلهَا (وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَأَشَارَ غَيره إِلَى الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى كَرَاهَته . و) أوردهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه فِي بَاب من كره صَوْم الدَّهْر . وَاسْتدلَّ بِهِ أَيْضا كَذَلِك ابْن حزم ، وَقَالَ : إِنَّمَا أوردهُ رُوَاته كلهم عَلَى التَّشْدِيد وَالنَّهْي عَن صَوْمه . وَلما رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه حمله عَلَى من صَامَ الدَّهْر الَّذِي فِيهِ أَيَّام التَّشْرِيق وَالْعِيدَيْنِ .
الحَدِيث الْخَامِس أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَئِن عِشْت إِلَى قَابل لأصومن التَّاسِع . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَئِن بقيت إِلَى قَابل لأصومن التَّاسِع . وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَلم يَأْتِ الْعَام الْمقبل حَتَّى توفّي رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي (صَوْم) التَّاسِع مَعْنيانِ منقولان عَن ابْن عَبَّاس . أَحدهمَا : الِاحْتِيَاط ؛ فَإِنَّهُ رُبمَا يَقع فِي الْهلَال غلط فيظن الْعَاشِر التَّاسِع . وَثَانِيهمَا : مُخَالفَة الْيَهُود فَإِنَّهُم لَا يَصُومُونَ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا ، فعلَى هَذَا لَو لم يصم التَّاسِع مَعَه اسْتحبَّ أَن يَصُوم الْحَادِي عشر . قلت : المعنيان رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، الأول : من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب عَن شُعْبَة مولَى ابْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ ابْن عَبَّاس يَصُوم عَاشُورَاء يَوْمَيْنِ ويوالي بَينهمَا مَخَافَة أَن يفوتهُ . وَالثَّانِي : من حَدِيث الشَّافِعِي : أَنا سُفْيَان أَنه سمع عبيد الله بن أبي يزِيد يَقُول : سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول : صُومُوا التَّاسِع والعاشر وَلَا تشبهوا باليهود . وَفِي الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى ، عَن دَاوُد بن عَلّي ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : (لَئِن) بقيت لآمرن بصيام يَوْم قبله أَو يَوْم بعده ، يَوْم عَاشُورَاء وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : صُومُوا يَوْم عَاشُورَاء وخالفوا فِيهِ الْيَهُود وصوموا قبله يَوْمًا أَو بعده يَوْمًا وَفِي رِوَايَة لَهُ : صُومُوا قبله يَوْمًا وَبعده يَوْمًا .
الحَدِيث التَّاسِع أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : تعرض الْأَعْمَال عَلَى الله يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَأحب أَن يعرض عَمَلي وَأَنا صَائِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حسن غَرِيب . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أُسَامَة بن زيد قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّك تَصُوم حَتَّى لَا تكَاد تفطر ، وتفطر حَتَّى لَا تكَاد [ أَن ] تَصُوم إِلَّا يَوْمَيْنِ إِن دخلا فِي صيامك وَإِلَّا صمتهما . قَالَ : أَي يَوْمَيْنِ ؟ قلت : يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس . قَالَ : ذَاك يَوْمَانِ تعرض فيهمَا الْأَعْمَال عَلَى رب الْعَالمين ، فَأحب أَن يعرض عَمَلي وَأَنا صَائِم هَذَا لفظ النَّسَائِيّ ، وَلَفظ أبي دَاوُد نَحوه ، وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ النَّسَائِيّ بِزِيَادَة : وَلم أرك [ تَصُوم ] من شهر من الشُّهُور مَا تَصُوم من شعْبَان . قَالَ : ذَاك شهر يغْفل النَّاس عَنهُ بَين رَجَب ورمضان ، وَهُوَ شهر ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رب الْعَالمين فَأحب أَن يرفع عَمَلي وَأَنا صَائِم . وَرَوَى النَّسَائِيّ هَذِه الزِّيَادَة وَحدهَا من حَدِيث أُسَامَة أَيْضا ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَكثر مَا يَصُوم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس فَقيل لَهُ فَقَالَ : الْأَعْمَال تعرض كل اثْنَيْنِ وخميس [ - أَو كل يَوْم اثْنَيْنِ وخميس - ] فَيغْفر [ الله ] لكل مُسلم - أَو لكل مُؤمن - إِلَّا (المتهاجرين) فَيُقَال : أخروهما .
الحَدِيث السَّادِس أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ (بست) من شَوَّال فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح حفيل جليل من حَدِيث سعد بن سعيد الْأنْصَارِيّ أخي يَحْيَى (و) عبد ربه ابْني سعيد ، رَوَاهُ عَن عمر بن ثَابت ، عَن أبي أَيُّوب خَالِد بن زيد الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا . وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لأبي دَاوُد ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلَفظ مُسلم : ثمَّ أتبعه ستًّا من شَوَّال بدل بست من شَوَّال وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن سعد بن سعيد هَذَا (تِسْعَة) وَعِشْرُونَ رجلا أَكْثَرهم ثِقَات حفاظ أثبات ، وَقد ذكرت كل ذَلِك عَنْهُم موضحاً فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب مَعَ الْجَواب عَمَّن طعن فِي سعد بن سعيد وَأَنه لم ينْفَرد بِهِ وتوبع عَلَيْهِ ، وَذكرت لَهُ ثَمَان شَوَاهِد ، وأجبت عَن كَلَام ابْن دحْيَة الْحَافِظ فَإِنَّهُ طعن فِيهِ ، فراجع ذَلِك جَمِيعه مِنْهُ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات الَّتِي يرحل إِلَيْهَا . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : بست من شَوَّال أَو ستًّا من شَوَّال هُوَ بِغَيْر هَاء التَّأْنِيث فِي آخِره ، هَذِه لُغَة الْعَرَب الفصيحة الْمَعْرُوفَة (تَقول) : صمنا خمْسا ، وصمنا ستًّا ، وصمناً عشرا وَثَلَاثًا ، وَشبه ذَلِك بِحَذْف الْهَاء ، وَإِن كَانَ المُرَاد مذكراً وَهُوَ الْأَيَّام ، فَمَا لم يصرحوا بِذكر الْأَيَّام ، يحذفون الْهَاء ، فَإِن ذكرُوا الْمُذكر أثبتوا الْهَاء فَقَالُوا : صمنا سِتَّة أَيَّام ، وَعشرَة أَيَّام ، وَشبهه . وَنقل ذَلِك عَن الْعَرَب : الفرَّاء ، ثمَّ ابْن السّكيت ، وَغَيرهمَا .
الحَدِيث الثَّامِن أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يتَحَرَّى صِيَام يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس . هَذَا الحَدِيث لم أره فِي النّسخ الثَّابِتَة من الرَّافِعِيّ ، ورأيته فِي بَعْضهَا ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ التِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا الْوَجْه . وَفِي رِوَايَة للنسائي وَابْن حبَان أَن رجلا سَأَلَ عَائِشَة عَن الصّيام فَقَالَت : إِن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله [ حَتَّى يصله برمضان ] ويتحرى صِيَام الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس . وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن رَاوِيه عَن عَائِشَة ربيعَة الجرشِي وَهُوَ إِن لم يكن لَهُ صُحْبَة فَلَا يعرف أَنه ثِقَة ، وَقد قَالَ بعض النَّاس إِن لَهُ صُحْبَة ، وَكَانَ فَقِيه النَّاس أَيَّام مُعَاوِيَة ، قَالَه أَبُو المتَوَكل النَّاجِي ، وَلَكِن لَيْسَ كل فَقِيه ثِقَة فِي الحَدِيث . قَالَ : وَلست أرَى هَذَا الحَدِيث صَحِيحا من أَجله ، وَمن أجل الِاخْتِلَاف فِي ثَوْر بن يزِيد الرَّاوِي عَن خَالِد بن معدان عَنهُ وَمَا رمي بِهِ من الْقدر . هَذَا آخر كَلَامه ، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه كُله .
الحَدِيث السَّابِع أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَوْصَى أَبَا ذَر بصيام أَيَّام الْبيض الثَّالِث عشر ، وَالرَّابِع عشر ، وَالْخَامِس عشر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث أبي ذَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِذا صمت من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام فَصم ثَلَاث عشرَة ، وَأَرْبع عشرَة ، وَخمْس عشرَة . وَفِي رِوَايَة للنسائي : أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن نَصُوم من الشَّهْر ثَلَاثَة أَيَّام الْبيض : ثَلَاث عشرَة ، وَأَرْبع عشرَة ، وَخمْس عشرَة . وَرَوَاهَا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَفِي رِوَايَة لَهُ : أمرنَا بِصَوْم ثَلَاث عشرَة ، وَأَرْبع عشرَة ، وَخمْس عشرَة . وللنسائي من حَدِيث ابْن الحوتكية قَالَ : قَالَ أبي : جَاءَ أَعْرَابِي أَي فَذكر قصَّة ، وَفِي آخرهَا قَالَ لله : إِن كنت صَائِما فَعَلَيْك بالغر الْبيض : ثَلَاث عشرَة ، وَأَرْبع عشرَة ، وَخمْس عشرَة . ثمَّ قَالَ النَّسَائِيّ : وَالصَّوَاب عَن أبي ذَر ، وَيُشبه أَن يكون وَقع من الْكَاتِب ذَر فَقيل أبي . وَله - أَعنِي النَّسَائِيّ - وَكَذَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، إِلَى قَوْله : الغر قَالَ ابْن حبَان : سمع هَذَا (الْخَبَر) مُوسَى بن طَلْحَة ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وسَمعه ابْن الحوتكية عَن أبي ذَر والطريقان جَمِيعًا محفوظان . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : عَن جرير مَرْفُوعا : صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر صِيَام الدَّهْر ، الْأَيَّام الْبيض ثَلَاث عشرَة ، وَأَرْبع عشرَة ، (وَخمْس عشرَة) قَالَ أَبُو زرْعَة : رُوِيَ مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا وَهُوَ أصح
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا عجلوا الْفطر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث سهل بن سعد السَّاعِدِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه : لَا تزَال أمتِي عَلَى سنتي مَا لم تنْتَظر بفطرها النُّجُوم . قَالَ الْخَطِيب فِي المدرج : وَفِي رِوَايَة زِيَادَة فِي آخِره : وَلم يؤخروا تَأْخِير أهل الْمشرق ثمَّ قَالَ : قَالَ عَلّي بن عمر : قَالَ لنا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي هَذِه الزِّيَادَة وهم عِنْدِي من مطرف . قَالَ الْخَطِيب : الْأَمر كَمَا قَالَه . قلت : وَأخرجه الْبَزَّار من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا عجلوا الْفطر ، وَلم (يؤخروا) تَأْخِير الْمُشْركين وَفِي سَنَده عبد الْعَزِيز بن عبد الله الْأَصَم وَفِيه جَهَالَة . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث رُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي ذَر : لَا تزَال أمتِي بِخَير الحَدِيث . رَوَاهُ أَحْمد ، وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَعَلِيهِ اقْتصر صَاحب الْمُهَذّب وَقد أوضحته فِي تخريجي لأحاديثه .
الحَدِيث الْعشْرُونَ عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن صَوْم يَوْمَيْنِ : يَوْم الْفطر ، وَيَوْم الْأَضْحَى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه ، واتفقا عَلَى إِخْرَاجه أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعمر وَابْنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَانْفَرَدَ بِهِ مُسلم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها .
الحَدِيث الْخَامِس عشر رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : ثَلَاث لَا يفطرن الصَّائِم : الْقَيْء ، والحجامة ، والاحتلام . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا كَذَلِك سَوَاء . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث زيد بن أسلم ، عَن رجل من أَصْحَابه ، عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : لَا يفْطر من (قاء) وَلَا من احْتَلَمَ وَلَا من احْتجم . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث هِشَام بن (سعد) ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا : ثَلَاثَة لَا يفطرن الصَّائِم : الْقَيْء ، والحجامة ، والاحتلام . وَعبد الرَّحْمَن بن (زيد) بن أسلم ضَعَّفُوهُ ، وَهِشَام بن (سعد) من رجال مُسلم لكنه لين . وَأعله ابْن الْجَوْزِيّ بهما ، وَقَالَ فِي الأول : أَجمعُوا عَلَى ضعفه . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه : هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ ، وَقد رَوَى عبد الله بن زيد بن أسلم وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد وَغير وَاحِد هَذَا الحَدِيث ، عَن زيد بن أسلم مُرْسلا ، وَلم يذكرُوا فِيهِ : عَن أبي سعيد . وَعبد الرَّحْمَن يضعف فِي الحَدِيث ، قَالَ : وَسمعت أَبَا دَاوُد يَقُول : سَأَلت أَحْمد عَن عبد الرَّحْمَن ، فَقَالَ : أَخُوهُ عبد الله لَا بَأْس بِهِ . وَسمعت مُحَمَّدًا يذكر عَن عَلّي بن عبد الله قَالَ : عبد الله بْن زيد بن أسلم ثِقَة ، وَعبد الرَّحْمَن أَخُوهُ (ضَعَّفُوهُ) . قَالَ مُحَمَّد - يَعْنِي البُخَارِيّ - : وَلَا أروي عَنهُ شَيْئا . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي ، وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث عبد الرَّحْمَن هَذَا ، وَحَدِيث أُسَامَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد (الْخُدْرِيّ) أَيْضا ، فَقَالَا : هَذَا خطأ ، رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن زيد بن أسلم ، عَن رجل من أَصْحَابه ، عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَهُوَ الصَّحِيح . قَالَ : وسألتهما مرّة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ أبي : إِنَّه أشبه بِالصَّوَابِ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : إِنَّه أصح . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : عبد الرَّحْمَن ضَعِيف ، وَالْمَحْفُوظ عَن زيد بن أسلم فَذكر لفظ أبي دَاوُد وَإِسْنَاده ، ثمَّ قَالَ : هُوَ مَحْمُول - إِن صَحَّ - عَلَى من ذرعه الْقَيْء . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : يرويهِ زيد بن أسلم ، وَاخْتلف عَنهُ ؛ فَرَوَاهُ أَوْلَاد زيد بن أسلم : أُسَامَة وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن ، عَن والدهم زيد ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد ، وَحدث بِهِ كَامِل بن طَلْحَة (عَن مَالك) ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء ، عَن أبي سعيد ، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ ، وَلَيْسَ هَذَا من حَدِيث مَالك ، وَحدث بِهِ شيخ يعرف بِمُحَمد بن أَحْمد بن أنس السَّامِي - وَكَانَ ضَعِيفا - عَن أبي عَامر الْعَقدي ، عَن هِشَام بن سعد ، عَن زيد بن أسلم بِهِ ، وَلَا يَصح عَن هِشَام . (وَرَوَاهُ) سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن زيد بن أسلم ، عَن رجل ، عَن آخر ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وَهُوَ الصَّحِيح . وَرَوَاهُ الدَّرَاورْدِي ، عَن زيد بن أسلم ، (عَمَّن حَدثهُ أَن) النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . قَالَ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، عَن زيد بن أسلم مُرْسلا عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وَالصَّحِيح مَا قَالَه الثَّوْريّ . قلت : وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار يرفعهُ : ثَلَاث لَا يفطرن الصَّائِم الحَدِيث . وَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث هِشَام بن (سعد) السالف ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا . ثمَّ قَالَ : هَكَذَا يَقُول هِشَام ، وَغَيره يرويهِ عَن أبي سعيد ، وَمِنْهُم من يُرْسِلهُ ، وَقَالَ : الرعاف بدل الْحجامَة وَهِشَام يكْتب حَدِيثه (لَا يحْتَج بِهِ) .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف بَيَانه أول الْبَاب .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رخص للمتمتع إِذا لم يجد الْهَدْي وَلم يصم الثَّلَاثَة فِي الْعشْر ، أَن يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يَحْيَى بن أبي أنيسَة عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة قَالَت : سَمِعت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَقُول : من لم يكن مَعَه هدي فليصم ثَلَاثَة أَيَّام قبل يَوْم النَّحْر ، وَمن لم يكن صَامَ تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة فليصم أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام منى . وَيَحْيَى هَذَا مَتْرُوك ، كَمَا قَالَه أَحْمد وَغَيره ، وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي : كَانَ صَدُوقًا لكنه كَانَ يهم . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : (ضَعِيف . وَرَوَاهُ أَيْضا - أَعنِي الدَّارَقُطْنِيّ -) من حَدِيث عبد الْغفار بن الْقَاسِم ، عَن الزُّهْرِيّ ، حَدثنِي عُرْوَة بن الزبير قَالَ : قَالَت عَائِشَة ، وَابْن عمر لم يرخص رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأحد فِي صِيَام أَيَّام التَّشْرِيق إِلَّا لمتمتع أَو محصر قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : أَخطَأ فِي إِسْنَاده عبد الْغفار وَهُوَ ضَعِيف . قلت : وَكذبه سماك بن حَرْب وَأَبُو دَاوُد ، وَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِثِقَة ، كَانَ يحدث ببلايا فِي عُثْمَان بن عَفَّان ، وَعَامة أَحَادِيثه بَوَاطِيلُ . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : كَانَ يضع الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، كَانَ من رُؤَسَاء الشِّيعَة . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن سَلام ، عَن شُعْبَة ، عَن [ عبد الله ] بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن ابْن عمر قَالَ : رخص رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ للمتمتع إِذا لم يجد الْهَدْي أَن يَصُوم أَيَّام التَّشْرِيق ثمَّ قَالَ : يَحْيَى بن سَلام لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقَالَ فِي علله : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عُرْوَة عَن عَائِشَة ، وَسَالم عَن ابْن عمر ، قَالَا : لم يرخص فِي صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق إِلَّا لمن لم يجد الْهَدْي فجعلاه كالمرفوع (وَرَوَاهُ) قعنب بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِمَا ونحا بِهِ نَحْو الرّفْع ، [ وَوهم فِيهِ ، إِنَّمَا هُوَ عبد الله بن عِيسَى ] وقعنب (ضَعِيف ) . وَرَوَاهُ عبد الْغفار بن الْقَاسِم من حَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر مَرْفُوعا ، وَوهم فِيهِ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سَلام بِإِسْنَادِهِ إِلَى سَالم عَن أَبِيه مَرْفُوعا ، وَيَحْيَى لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَرَوَاهُ عُرْوَة عَنْهَا من فتواها . قلت : وَمَا ذكره أَيْضا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة ، وَسَالم عَن ابْن عمر قَالَا : لم يرخص فِي أَيَّام التَّشْرِيق أَن يصمن إِلَّا (لمن (لم) يجد الْهَدْي وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن عمر قَالَ : الصّيام ) لمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج إِلَى يَوْم عَرَفَة ، فَإِن لم يجد هَديا وَلم يصم صَامَ أَيَّام منى وَلما رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من طَرِيق البُخَارِيّ بِلَفْظ : لم يرخص فِي صَوْم هَذِه الْأَيَّام - أَيَّام التَّشْرِيق - إِلَّا لمن (لم) يجد الْهَدْي . قَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح . وَلما رَوَاهُ من طَرِيق عُرْوَة عَنْهَا وَحدهَا : لم يرخص فِي صَوْم أَيَّام التَّشْرِيق إِلَّا لمتمتع لم يجد الْهَدْي . قَالَ : إِسْنَاد صَحِيح . قلت : وَهَذَا كُله فِي حكم الْمَرْفُوع ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة قَول الصَّحَابِيّ : أمرنَا بِكَذَا ، ونهينا عَن كَذَا ، وَرخّص لنا فِي كَذَا . وكل هَذَا وَشبهه مَرْفُوع بِمَنْزِلَة قَوْله : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ والحافظ أَبُو الْحسن بْن الْفضل الْمَقْدِسِي فِي كتاب الصَّوْم : هَذَا شَبيه بالمسند . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي رِوَايَة حَرْمَلَة : بَلغنِي أَن ابْن شهَاب يرويهِ مُرْسلا عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . تَنْبِيه : ذكر صَاحب الشَّامِل هَذَا الحَدِيث من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ (السالفة) (وَلم يعرج) عَلَى رِوَايَة البُخَارِيّ (السالفة) فينكر ذَلِك عَلَيْهِ .
الحَدِيث الْخَمْسُونَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (سُئِلَ) عَن قَضَاء رَمَضَان ، فَقَالَ : إِن شَاءَ فرقه ، وَإِن شَاءَ تَابعه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه) من حَدِيث سُفْيَان بن بشر ، ثَنَا عَلّي بن مسْهر ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (قَالَ فِي قَضَاء رَمَضَان : إِن شَاءَ فرق ، وَإِن شَاءَ تَابع) . ثمَّ قَالَ : لم يسْندهُ غير سُفْيَان بن بشر . قَالَ : وَرَوَى عَن عَطاء ، عَن عبيد بن عُمَيْر ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) مثله . وَعَن عَطاء عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مثله ، قَالَ : وَفِي إِسْنَاد حَدِيث عبيد بن عُمَيْر : عبد الله بن خرَاش ، وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ : وَرَوَى عَن (عبد الله بن) عَمْرو بن الْعَاصِ أَنه قَالَ : فرق قَضَاء رَمَضَان ، إِنَّمَا قَالَ الله : (فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرٌ) وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ : وَرَوَى عَنهُ مَرْفُوعا ، وَفِي إِسْنَاده الْوَاقِدِيّ وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ وَرَوَى عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر قَالَ : بَلغنِي أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سُئِلَ عَن تقطيع قَضَاء صِيَام شهر رَمَضَان ، فَقَالَ : ذَلِك إِلَيْك ، أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أحدكُم دين فَقَضَى الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ ألم يكن قَضَاء ؟ فَالله أَحَق أَن يعْفُو - أَو يغْفر . ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده حسن إِلَّا أَنه مُرْسل . قَالَ : وَقد وَصله (غير) أبي بكر ، عَن يَحْيَى بن سليم ، وَلَا يثبت مُتَّصِلا . وَرَوَاهُ عَن جَابر مَرْفُوعا بِمثل حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر . وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، وَنقل (كَلَام) الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ ثمَّ قَالَ : وَقد رُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَمن وَجه آخر عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا فِي جَوَاز التَّفْرِيق وَلَا يَصح شَيْء من ذَلِك . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فصحح فِي تَحْقِيقه حَدِيث ابْن عمر السالف أَولا ؛ فَإِنَّهُ ذكر عقب قَول الدَّارَقُطْنِيّ : لم يسْندهُ غير سُفْيَان بن بشر قُلْنَا : مَا عرفنَا أحدا طعن فِيهِ ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . وَأما ابْن الْقطَّان فَقَالَ : سُفْيَان هَذَا غير مَعْرُوف الْحَال . وَأعله أَيْضا بِعَبْد الْبَاقِي بن قَانِع شيخ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقد قدم عبد الْحق تَضْعِيفه واختلاطه قبل مَوته بِسنة وَترك أَصْحَاب الحَدِيث لَهُ ، وَابْن الْجَوْزِيّ نَفسه ذكر عبد الْبَاقِي هَذَا فِي كتاب الضُّعَفَاء وَنقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ فِي حَقه إِنَّه كَانَ يُخطئ كثيرا ويصر عَلَى الْخَطَأ .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن صِيَام سِتَّة أَيَّام أَحدهَا الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْوَاقِدِيّ : نَا دَاوُد بن خَالِد بن دِينَار وَمُحَمّد بن مُسلم ، عَن المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : نهَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَن صَوْم سِتَّة أَيَّام : الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ من رَمَضَان ، وَيَوْم الْفطر ، وَيَوْم الْأَضْحَى ، وَأَيَّام التَّشْرِيق ثمَّ قَالَ : الْوَاقِدِيّ غَيره أثبت مِنْهُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الثَّوْريّ ، عَن أبي عباد ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن صِيَام قبل رَمَضَان بِيَوْم ، والأضحى ، وَالْفطر ، وَأَيَّام التَّشْرِيق ثَلَاثَة أَيَّام بعد يَوْم النَّحْر ثمَّ قَالَ : أَبُو عباد (هَذَا) هُوَ عبد الله بن سعيد المَقْبُري غير قوي . وَقَالَ فِي كتاب الزَّكَاة : ضَعِيف جدّاً (جَرَّحَهُ) أَحْمد وَيَحْيَى بن معِين وَجَمَاعَة من الْأَئِمَّة . وَقَالَ فِي أثْنَاء أَبْوَاب الْجُمُعَة : مُنكر الحَدِيث ، مَتْرُوك الحَدِيث ، قَالَه ابْن حَنْبَل . وَقَالَ فِي الْمعرفَة : هَذَا مِمَّا يتفرد بِهِ أَبُو عباد وَهُوَ غير مُحْتَج بِهِ . قَالَ : وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَاد لَهُ وَهُوَ ضَعِيف .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تَصُومُوا فِي هَذِه الْأَيَّام فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال . هَذَا الحَدِيث (صَحَّ) من طرق بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة (الْأَخِيرَة) : الطَّرِيق الأول : من حَدِيث نُبَيْشَةَ - بِضَم النُّون ، وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة ، ثمَّ شين مُعْجمَة - الْهُذلِيّ الصَّحَابِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب (وَذكر الله) رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ . ثَانِيهَا : من حَدِيث كَعْب بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (بَعثه و) أَوْس بن الْحدثَان أَيَّام التَّشْرِيق (منادياً) أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَأَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ أَيْضا . ثَالِثهَا : عَن ابْن شهَاب أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث عبد الله بن حذافة أَيَّام منى يطوف ، يَقُول : إِنَّمَا هِيَ أَيَّام أكل وَشرب وَذكر الله رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَعَزاهُ خلف الوَاسِطِيّ إِلَى مُسلم ، وَقَالَ الْحميدِي : لم أَجِدهُ فِيمَا عندنَا من كتاب مُسلم . وَهُوَ كَمَا قَالَ . رَابِعهَا : من حَدِيث عقبَة بن عَامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : يَوْم عَرَفَة ، وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق ، عيدنا أهل الْإِسْلَام ، وَهِي أَيَّام أكل وَشرب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ : حسن صَحِيح . وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن حبَان ، وَالْحَاكِم وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . خَامِسهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : أَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام طعم وَذكر . سادسها : من حَدِيث بشر بن سحيم مَرْفُوعا : لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن ، وَأَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب رَوَاهُ النَّسَائِيّ . سابعها : وَأما هَذِه الزِّيَادَة الْأَخِيرَة ، وَهِي : وبعال فرواها الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيقين : إِحْدَاهمَا : من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الزرقي قَالَ : حَدثنِي عبد الله بن حذافة السَّهْمِي قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَلَى رَاحِلَته أَيَّام منى أنادي : أَيهَا النَّاس ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال رَوَاهَا فِي آخر كتاب الصَّوْم ، وَفِي سندها الْوَاقِدِيّ و(حَالَته) مَشْهُورَة ، ثمَّ قَالَ : الْوَاقِدِيّ ضَعِيف . ثَانِيهمَا : من حَدِيث سعيد بن سَلام الْعَطَّار ، نَا عبد الله بن بديل الْخُزَاعِيّ ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : بعث رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ عَلَى جمل أَوْرَق يَصِيح فِي فجاج منى : أَلا إِن الذَّكَاة فِي الْحلق واللبة ، أَلا وَلَا تعجلوا الْأَنْفس أَن تزهق ، وَأَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب وبعال وَهَذِه الطَّرِيقَة أخرجهَا فِي أَوَاخِر سنَنه بأوراق . وَكَذَا الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب معرفَة الصَّحَابَة وَهِي ضَعِيفَة جدًّا ؛ سعيد بن سَلام هَذَا وَضاع مَتْرُوك ، قَالَ أَحْمد وَابْن نمير : كَذَّاب . وَقَالَ خَ : يذكر بِوَضْع الحَدِيث . وَأطلق التّرْك عَلَيْهِ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَخَالف ( الْعجلِيّ ) فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ . وَأما عبد الله بن بديل فَفِيهِ خلف ، غمزه الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ ابْن عدي : لَهُ (أَحَادِيث) مِمَّا يُنكر عَلَيْهِ [ الزِّيَادَة ] فِي مَتنه أَو إِسْنَاده . وَقَالَ ابْن معِين : (صَالح) وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ولهذه اللَّفْظَة طرق أُخْرَى : (أَولهَا) من طَرِيق عمر بن (خلدَة) ، عَن [ أمه ] أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث عليًّا يُنَادي بمنى : إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال . رَوَاهُ الحافظان أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة والخطيب فِي تلخيصه كَذَلِك ، وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه أَنه لله بعث منادياً يُنَادي : أَيهَا النَّاس ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال وَعبد بن حميد عَن مُوسَى بن (عُبَيْدَة) الربذي ، حَدثنِي مُنْذر بن (الجهم) ، عَن عمر بن (خلدَة) الْأنْصَارِيّ ، عَن (أمه) وَلَفظه (كَلَفْظِ الْأَوَّلين) ومُوسَى هَذَا ضَعَّفُوهُ . ثَانِيهَا : من حَدِيث يُوسُف بن مَسْعُود بن الحكم الْأنْصَارِيّ الزرقي أَن جدته حدثته أَنَّهَا رَأَتْ وَهِي بمنى فِي زمَان رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رَاكِبًا يَصِيح يَقُول : أَيهَا النَّاس ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وَنسَاء وبعال وَذكر الله . قَالَت : فَقلت : من هَذَا ؟ فَقَالُوا : عَلّي بن أبي طَالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة ، وَهَذَا (سِيَاقه) : إِنَّهَا لَيست أَيَّام صِيَام ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وَذكر رَوَاهُ من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الزرقي ، عَن (أمه) ، وَذكر أَبُو نعيم الِاخْتِلَاف فِي سَنَد حَدِيث ابْن مَسْعُود الزرقي ، وَقَالَ فِي رِوَايَته إِن الْمُنَادِي بِلَالً . ثَالِثهَا : من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي (حَبِيبَة) عَن دَاوُد بْن الْحصين ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرسل أَيَّام منى صائحاً يَصِيح أَن لَا تَصُومُوا هَذَا الْأَيَّام فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال والبعال : وقاع النِّسَاء . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه كَذَلِك . وَإِبْرَاهِيم هَذَا مُخْتَلف فِيهِ ، وَثَّقَهُ أَحْمد وَضَعفه غَيره ، وَدَاوُد من رجال الصَّحِيحَيْنِ ، وَهُوَ ثِقَة قدري ، لينه أَبُو زرْعَة ، واستغرب الْمُنْذِرِيّ هَذِه اللَّفْظَة (فَقَالَ) فِي اختصاره للسنن : هَذِه اللَّفْظَة غَرِيبَة . فَائِدَتَانِ : الأولَى : البعال - بباء مُوَحدَة ، ثمَّ عين مُهْملَة - : وقاع النِّسَاء . كَمَا سلف فِي الحَدِيث السَّابِق فِي آخِره . وَفِي النِّهَايَة : البعال : النِّكَاح وملاعبة الرجل أَهله . وَكَذَا قَالَه أَبُو عبيد وَغَيره ، وَكَذَا فِي الصِّحَاح (البعال) : ملاعبة الرجل أَهله . وَذكر الحَدِيث ، وَالْمَرْأَة تباعل زَوجهَا أَي تلاعبه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه فَضَائِل الْأَوْقَات لما ذكر حَدِيث جدة يُوسُف الزرقي : المُرَاد - وَالله أعلم - بِالنسَاء والبعال : أَن إِبَاحَة مباشرتهن للْحَاج بعد التَّحَلُّل الثَّانِي ، وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) يَعْنِي بِهِ الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم . (وَنقل ابْن حزم عَن أهل اللُّغَة أَن البعل اسْم الزَّوْج وَالسَّيِّد ، وَذكر ذَلِك فِي حَدِيث النَّهْي عَن الصَّوْم إِلَّا بِإِذن بَعْلهَا إِذا كَانَ حَاضرا ) . الثَّانِيَة : ذكر أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي تَرْجَمَة أبي الْغَنَائِم النَّرْسِي الْحَافِظ من ذيله ، قَالَ : قَرَأت بِخَط الإِمَام وَالِدي : سَمِعت أَبَا الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَلّي بن مَيْمُون النَّرْسِي يَقُول فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : أَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب قَالَ : هُوَ شَرب بِفَتْح الشين ، وَاسْتشْهدَ بقوله تَعَالَى : (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ) قَالَ : وسمعته يَقُول فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : وَمن يرع حول الْحمى يُوشك أَن (يحتش) قَالَ : هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة من قَوْلهم : (حَش) إِذا رعى . وَهَذَا أَيْضا ضبط غَرِيب ، والضبط الأول حَكَاهُ أَبُو عبيد عَن الْكسَائي - أَعنِي فتح الشين - قَالَ : وَلم أر من الْمُحدثين أحدا يقف عَلَى شُرب ، وشَرب .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تستقبلوا الشَّهْر بِصَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ إِلَّا أَن يُوَافق ذَلِك صياما كَانَ يَصُومهُ أحدكُم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه ، وَلَفظ مُسلم : لَا تقدمُوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم (أَو) يَوْمَيْنِ إِلَّا رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه . وَلَفظ البُخَارِيّ : لَا يتقدمن أحدكُم رَمَضَان بِصَوْم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ ، إِلَّا أَن يكون رجلا كَانَ يَصُوم (صوما) فليصم ذَلِك الْيَوْم وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ : (أَلا لَا تتقدموا) قبل الشَّهْر بصيام إِلَّا رجلا كَانَ يَصُوم (صياما) أَتَى ذَلِك الْيَوْم عَلَى صِيَامه . وَفِي النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَفعه : لَا تتقدموا الشَّهْر بصيام يَوْم أَو يَوْمَيْنِ إِلَّا أَن يُوافق ذَلِك يَوْمًا كَانَ يَصُومهُ أحدكُم . ثمَّ قَالَ : هَذِه الرِّوَايَة خطأ .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ احْتجم وَهُوَ صَائِم محرم فِي حجَّة الْوَدَاع . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أَيُّوب ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ احْتجم وَهُوَ محرم ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من هَذَا الْوَجْه بِدُونِ (الْقطعَة) الأولَى ، وَكَذَا التِّرْمِذِيّ وَلَفظه : وَهُوَ محرم صَائِم وَكَذَا النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى بِلَفْظ البُخَارِيّ وبلفظ أبي دَاوُد ، وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث يزِيد بن أبي (زِيَاد) ، عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ احْتجم وَهُوَ صَائِم محرم وَاللَّفْظ لَهُم خلا التِّرْمِذِيّ ، فَإِن لَفظه : احْتجم فِيمَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَهُوَ محرم صَائِم وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكُبْرَى من حَدِيث (شُعْبَة) عَن الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : احْتجم رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَهُوَ صَائِم . وَحَكَى أَحْمد ، عَن شُعْبَة أَنه قَالَ : لم يسمع الحكم حَدِيث مقسم فِي الْحجامَة فِي الصّيام . وَقَالَ النَّسَائِيّ : يزِيد بن أبي زِيَاد لَا يحْتَج بحَديثه ، وَالْحكم [ لم ] يسمعهُ من مقسم . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث خصيف ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : احْتجم رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَهُوَ صَائِم محرم . وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث حبيب بن الشَّهِيد ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا مُنكر ، وَلَا أعلم رَوَاهُ عَن حبيب غير مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ، وَلَعَلَّه (أَرَادَ) أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تزوج مَيْمُونَة . وَقَالَ مهنا : سَأَلت أَحْمد عَنهُ فَقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيح ، قد أنكرهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، إِنَّمَا كَانَت أَحَادِيث (مَيْمُون) ، عَن ابْن عَبَّاس خَمْسَة عشر حَدِيثا . وَقَالَ الْأَثْرَم : سَمِعت أَبَا عبد الله ذكر هَذَا الحَدِيث وَضَعفه . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث (قبيصَة) ، عَن الثَّوْريّ ، عَن حَمَّاد ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه لله احْتجم وَهُوَ صَائِم . ثمَّ قَالَ : هَذَا خطأ لَا نعلم أَن أحدا رَوَاهُ عَن سُفْيَان ، غير قبيصَة ، وَقبيصَة كثير الْخَطَأ ، وَقد رَوَاهُ أَبُو هَاشم عَن حَمَّاد مُرْسلا . وَقَالَ مهنا : سَأَلت أَحْمد عَنهُ فَقَالَ : هُوَ خطأ من قبل قبيصَة ، وَسَأَلت يَحْيَى ، عَن قبيصَة بن عقبَة ، فَقَالَ : صَدُوق ، وَهَذَا الحَدِيث خطأ من قبله ، وَأَصْحَاب ابْن عَبَّاس لَا يذكرُونَ صَائِما . وَأما حَدِيث : أفطر الحاجم والمحجوم فطرقه ابْن مَنْدَه عَن ثَمَانِيَة وَعشْرين من الصَّحَابَة . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث ثَوْبَان ، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم ، وَقَالَ : عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ أَحْمد : إِنَّه أصح مَا رُوِيَ فِي [ هَذَا ] الْبَاب . وَصَححهُ ابْن حبَان من حَدِيث شَدَّاد ، وَقَالَ الْحَاكِم : قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي : إِن إِسْنَاده صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة . وصححاه أَيْضا الدَّارمِيّ وَأحمد ، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث رَافع بن خديج ، قَالَ الْحَاكِم : هُوَ عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : لَا أعلم فِي الْبَاب أصح مِنْهُ . وَأجَاب الشَّافِعِي والخطابي وَالْبَيْهَقِيّ وَسَائِر أَصْحَابنَا أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِحَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَذْكُور أَولا وَمَا أشبهه من الْأَحَادِيث . بَيَانه أَن الشَّافِعِي ، وَالْحَاكِم ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ رووا بإسنادهم الصَّحِيح عَن شَدَّاد بن أَوْس قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ زمَان الْفَتْح فَرَأَى رجلا يحتجم لثمان عشرَة خلت من رَمَضَان ، فَقَالَ وَهُوَ آخذ بيَدي : أفطر الحاجم والمحجوم وَثَبت كَمَا سلف من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه لله احْتجم وَهُوَ محرم صَائِم قَالَ الشَّافِعِي : وَابْن عَبَّاس إِنَّمَا صحب النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ محرما فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة ، وَلم يَصْحَبهُ محرما قبل ذَلِك ، وَكَانَ الْفَتْح سنة ثَمَان بِلَا شكّ ، فَحَدِيث ابْن عَبَّاس بعد حَدِيث شَدَّاد بِسنتَيْنِ وَزِيَادَة . قَالَ : فَحَدِيث ابْن عَبَّاس نَاسخ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَيدل عَلَى النّسخ أَيْضا حَدِيث أنس قَالَ : ( أول) مَا كرهت الْحجامَة للصَّائِم ؛ أَن جَعْفَر بن أبي طَالب احْتجم وَهُوَ صَائِم ، فَمر بِهِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَقَالَ : أفطر هَذَانِ . ثمَّ رخص النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعد للصَّائِم فِي الْحجامَة ، وَكَانَ (أنس) يحتجم وَهُوَ صَائِم . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : رُوَاته كلهم ثِقَات ، وَلَا أعلم لَهُ عِلّة ، وَحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : رخص رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيقين ، وَقَالَ : كل مِنْهُمَا إِسْنَاده كلهم ثِقَات . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وغالب مَا يسْتَعْمل الترخيص بعد النَّهْي . وَنقل الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن ابْن خُزَيْمَة أَنه قَالَ : ثبتَتْ الْأَخْبَار عَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَنه قَالَ : أفطر الحاجم والمحجوم فَقَالَ (بعض) من خَالَفنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة : إِن الْحجامَة لَا تفطر الصَّائِم . وَاحْتج بِأَنَّهُ لله احْتجم وَهُوَ صَائِم محرم ، وَهَذَا الْخَبَر غير دَال عَلَى أَن الْحجامَة لَا تفطر الصَّائِم ؛ لِأَنَّهُ لله إِنَّمَا احْتجم وَهُوَ صَائِم محرم فِي سفر لَا فِي حضر ؛ لِأَنَّهُ لم يكن قطّ محرما مُقيما بِبَلَدِهِ إِنَّمَا كَانَ محرما وَهُوَ مُسَافر ، وَالْمُسَافر وَإِن كَانَ نَاوِيا للصَّوْم وَقد مَضَى عَلَيْهِ بعض النَّهَار وَهُوَ (صَائِم) لَهُ الْأكل وَالشرب ، وَإِن كَانَ الْأكل وَالشرب يفطرانه ، لَا كَمَا توهم بعض الْعلمَاء أَن الْمُسَافِر إِذا دخل فِي الصَّوْم لم يكن لَهُ أَن يفْطر إِلَى أَن يتم صَوْمه ذَلِك الْيَوْم الَّذِي دخل فِيهِ ، فَأَما إِذا كَانَ لَهُ أَن يَأْكُل وَيشْرب [ وَقد دخل ] فِي الصَّوْم ونواه وَمَضَى بعض النَّهَار وَهُوَ صَائِم جَازَ لَهُ أَن يحتجم وَهُوَ مُسَافر فِي بعض نَهَار الصَّوْم ، وَإِن كَانَت الْحجامَة (مفطرة) . وَقد أجَاب بِهَذَا الْجَواب أَيْضا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى أَن الْحجامَة غير مفطرة ، و(فِيهِ الحدس) الَّذِي أسلفناه عَن ابْن خُزَيْمَة أَنه كَانَ مُسَافِرًا .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن عمار بن يَاسر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ : من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عَصَى أَبَا الْقَاسِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث صلَة بن زفر ، قَالَ : كُنَّا عِنْد عمار فِي الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ من شعْبَان أَو رَمَضَان ، فأتيناه بشاةٍ مَصْلية ، فَتنَحَّى بعض الْقَوْم ، فَقَالَ : إِنِّي صَائِم . فَقَالَ عمار : من صَامَ هَذَا الْيَوْم فقد عَصَى أَبَا الْقَاسِم قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث (حسن غَرِيب صَحِيح) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده حسن [ صَحِيح ] ، وَرِجَاله كلهم ثِقَات . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا بِلَفْظ : قَالَ صلَة بن زفر ، عَن عمار : من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ فقد عَصَى أَبَا الْقَاسِم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ . وَذكر أَبُو الْقَاسِم الْجَوْهَرِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة : فقد عَصَى الله وَرَسُوله أَنه مَوْقُوف ، وَذكر ابْن عبد الْبر أَن هَذَا مُسْند عِنْدهم وَلَا يَخْتَلِفُونَ - يَعْنِي فِي ذَلِك - وَمن الأوهام القبيحة عزو صَاحب التنقيب عَلَى الْمُهَذّب حَدِيث عمار هَذَا إِلَى مُسلم .
الحَدِيث الثَّانِي أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : قَالَ للأعرابي الَّذِي سَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام فَذكر لَهُ شهر رَمَضَان ، وَقَالَ : هَل عليَّ غَيره ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَن تطوع . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أَيْضا ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أهل نجد ثَائِر الرَّأْس ، نسْمع دوِي صَوته وَلَا نفقه مَا يَقُول ، حَتَّى دنا من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَإِذا هُوَ يسْأَل عَن الْإِسْلَام ، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : خمس صلوَات فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة . قَالَ : هَل عَلّي غَيْرهنَّ ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَن تطوع . فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : وَصِيَام شهر رَمَضَان . قَالَ : هَل عليَّ غَيره ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَن تطوع . وَذكر لَهُ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الزَّكَاة ، قَالَ : هَل عَلّي غَيرهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَن تطوع . فَأَدْبَرَ الرجل وَهُوَ يَقُول : وَالله لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أنقص . فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أَفْلح إِن صدق . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ (ذكرهَا) فِي أول كتاب الصّيام : أَخْبرنِي مَاذَا فرض الله عليَّ من الصَّلَاة ؟ فَقَالَ : الصَّلَوَات الْخمس إِلَّا أَن تطوع شَيْئا . فَقَالَ : أَخْبرنِي (بِمَا) فرض الله عليَّ من الصّيام ؟ فَقَالَ : شهر رَمَضَان إِلَّا أَن تطوع شَيْئا . [ فَقَالَ : أَخْبرنِي مَا فرض الله عليَّ من الزَّكَاة ؟ ] قَالَ : فَأخْبرهُ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بشرائع الْإِسْلَام ، قَالَ : وَالَّذِي أكرمك بِالْحَقِّ لَا أتطوع شَيْئا وَلَا أنقص مِمَّا فرض الله عليَّ شَيْئا . فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : (أَفْلح إِن صدق . أَو دخل الْجنَّة إِن صدق ) (وَهَذِه الزِّيَادَة وَهِي لَا أتطوع شَيْئا نفيسة لِأَن) الرِّوَايَة الأولَى لَيست ناصة عَلَى امْتِنَاعه من التَّطَوُّع ، بل كَانَ يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ لَا أَزِيد عَلَى هَذَا وَلَا أنقص أَي : أبلغ كَمَا سمعته من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان . فَائِدَة : قَوْله : ثَائِر هُوَ مَرْفُوع صفة للرجل ، وَقيل : يجوز نَصبه عَلَى الْحَال . وَمَعْنى ثَائِر الرَّأْس : قَائِم شعره منتفشه . وَقَوله : نسْمع ونفقه هَاهُنَا بنُون مَفْتُوحَة ، وَرُوِيَ بياء مَضْمُومَة و(الدوي) بِفَتْح الدَّال عَلَى الْمَشْهُور ، وَحَكَى (صَاحب) الْمطَالع ضمهَا . فَائِدَة ثَانِيَة : هَذَا السَّائِل اسْمه ضمام بن ثَعْلَبَة ، كَذَا قَالَه ابْن الْعَرَبِيّ فِي سباعياته ، وَالْمُنْذِرِي فِي حَوَاشِيه ، وَابْن باطيش فِي الْمُغنِي وَابْن معن فِي تنقيبه عَلَى الْمُهَذّب ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : فِيهِ (نظر ، ووفادة) ضمام ، وَحَدِيثه مَعْرُوف فِي الصَّحِيحَيْنِ [ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ ] وَإِن كَانَ يُقَارِبه . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث مَعْنَاهُ ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما .
الحَدِيث الثَّانِي أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان حَتَّى قَبضه الله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان حَتَّى توفاه الله ، ثمَّ اعْتكف أَزوَاجه من بعده وَقد تقدم فِي أثْنَاء كتاب الصّيام أَيْضا .
الحَدِيث التَّاسِع أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَمر ضباعة بالإهلال بِشَرْط التَّحَلُّل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا كَمَا ستعلمه فِي الْحَج إِن شَاءَ الله فَهُوَ أليق بِهِ .
كتاب الِاعْتِكَاف كتاب الِاعْتِكَاف ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ اثْنَي عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : من اعْتكف فوَاق نَاقَة فَكَأَنَّمَا أعتق نسمَة . هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا أعرفهُ بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ ، ورأيته بِلَفْظ : من رابط بدل من اعْتكف (وَذكره الْجَوْهَرِي فِي صحاحه بِلَفْظ : العيادة قدر فوَاق نَاقَة . قَالَ : والفواق - بِالضَّمِّ وَالْكَسْر - : مَا بَين الحلبتين من الْوَقْت ؛ لِأَنَّهَا تحلب ثمَّ تتْرك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ، ثمَّ تحلب فَيُقَال : مَا أَقَامَ [ عِنْده ] إِلَّا فواقاً . ثمَّ قَالَ : وَفِي الحَدِيث فَذكره كَمَا أوردناه) . وَفِي ضعفاء الْعقيلِيّ من حَدِيث أنس بن عبد الحميد ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، (عَن) عَائِشَة مَرْفُوعا : من رابط فوَاق (نَاقَة) حرمه الله عَلَى النَّار ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَقد رَأَيْت لأنس هَذَا غير حَدِيث من هَذَا النَّحْو . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر عَنْهَا (مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يعرف إِلَّا بِسُلَيْمَان وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ) وَكَانَ سُلَيْمَان مُنكر الحَدِيث . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ من هَذَا الْوَجْه فِي علله ووهاه أَيْضا . وَورد فِي فضل الِاعْتِكَاف حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَرْفُوع : الْمُعْتَكف هُوَ يعكف الذُّنُوب ، ويجرى لَهُ من الْحَسَنَات كعامل الْحَسَنَات كلهَا . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث فرقد السبخي ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ، بعد أَن ترْجم عَلَيْهِ بَاب فِي ثَوَاب الِاعْتِكَاف . وفرقد هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَضَعفه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَحَدِيث الْحُسَيْن مَرْفُوعا : اعْتِكَاف عشر فِي رَمَضَان كحجتين وعمرتين رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بِإِسْنَاد ضَعِيف ، بِسَبَب الْهياج بن بسطَام الْمَتْرُوك ، وَغَيره . وَأثر عبد الله بن عمر أَنه قَالَ : حق (عَلَى) الله - عَزَّ وَجَلَّ - من عكف نَفسه فِي الْمَسْجِد بعد الْمغرب إِلَى الْعشَاء لَا يتَكَلَّم إِلَّا (بقرآن) أَو دُعَاء ، أَو صَلَاة أَن يُبْنَى لَهُ (قصران) فِي الْجنَّة عرض كل قصر (مِنْهُمَا) مائَة عَام . رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي كناه . فَائِدَة : فوَاق - بِضَم الْفَاء وَفتحهَا - مَا بَين الحلبتين من الْوَقْت ؛ لِأَنَّهَا تحلب ثمَّ تتْرك سويعة ثمَّ يرضعها الفصيل لتدر ثمَّ تحلب . وَقيل : مَا بَين الشخبتين .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ إِذا اعْتكف لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيثهَا قَالَت : إِنْ كانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليُدْخل عليَّ رَأسه وَهُوَ فِي الْمَسْجِد فأُرَجِّله ، وَكَانَ لَا (يدْخل) (الْبَيْت) إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان إِذا كَانَ معتكفاً (وَلَفظ) الْإِنْسَان لَيست فِي رِوَايَة البُخَارِيّ ، وموجودة فِي صَحِيح مُسلم فِي كتاب الطَّهَارَة و(ثَبت لفظ) الْإِنْسَان (أَيْضا) فِي سنَن أبي دَاوُد بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، (قَالَت) : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِذا اعْتكف يُدني إليَّ رَأسه ، وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان . وَفِي سنَن النَّسَائِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد صَحِيح قَالَت : إِن (كنت) لآتي الْبَيْت وَفِيه الْمَرِيض فَمَا أسألُ عَنهُ إِلَّا وَأَنا قَائِمَة ، وإِنْ كَانَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليُدْخِل عليَّ رَأسه فأرجِّله ، وَكَانَ لَا يَأْتِي الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان .
الحَدِيث الثَّالِث أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : تحروا لَيْلَة الْقدر فِي الْوتر من الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا كَذَلِك ، وَلم يذكر مُسلم لَفْظَة فِي الْوتر .
الحَدِيث الثَّامِن أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد : مَسْجِدي هَذَا ، وَالْمَسْجِد الْحَرَام ، وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَذَلِك .
الحَدِيث الرَّابِع عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يعْتَكف (الْعشْر) الْأَوْسَط من رَمَضَان ، فاعتكف عَاما فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي يخرج فِي صبيحتها من اعْتِكَافه قَالَ : من كَانَ اعْتكف معي فليعتكف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر . قَالَ : فَأريت هَذِه اللَّيْلَة ثمَّ أنسيتها ، وَرَأَيْت (أَنِّي) أَسجد فِي صبيحتها فِي مَاء وطين ، فالتمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر ، والتمسوها فِي كل وتر . فأمطرت السَّمَاء تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَ الْمَسْجِد عَلَى عَرِيش ، فوكف الْمَسْجِد . قَالَ أَبُو سعيد : فَأَبْصَرت عَيْنَايَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ انْصَرف وَعَلَى جَبهته وَأَنْفه أثر المَاء والطين من صَبِيحَة إِحْدَى وَعشْرين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه من طرق بِأَلْفَاظ .
الحَدِيث السَّابِع أَن نسَاء رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كن يعتكفن فِي الْمَسْجِد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت : كَانَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِذا أَرَادَ أَن يعْتَكف صَلَّى الْفجْر ، ثمَّ دخل مُعْتَكفه وَأَنه أُمر بخبائها فَضرب - أَرَادَ الِاعْتِكَاف فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر رَمَضَان - فَأمرت زَيْنَب بخبائها فَضرب ، وَأمر غَيرهَا من أَزوَاج النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بخبائهم فَضرب ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الْفجْر نظر فَإِذا الأخبية ، فَقَالَ : آلبر تردن ؟ فَأمر بخبائه فقوض وَترك الِاعْتِكَاف فِي شهر رَمَضَان حَتَّى اعْتكف فِي الْعشْر الأول من شَوَّال .
الحَدِيث الْخَامِس عَن عبد الله بن أنيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه قَالَ لرَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : إِنِّي أكون بباديتي وَإِنِّي أُصَلِّي بهم فمرني بليلة فِي هَذَا الشَّهْر أنزلهَا فِي الْمَسْجِد فأصلي فِيهِ . فَقَالَ : أنزل فِي لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ . والسياق الْمَذْكُور لأبي دَاوُد من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، عَن ابْن عبد الله بن أنيس (عَن أَبِيه ) أَنه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِن لي بادية أكون فِيهَا وَأَنا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْد الله ، فمرني بليلة أنزلهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد (فَقَالَ) : انْزِلْ لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين ثمَّ ذكر فِيهِ قصَّة . وسياقة مُسلم عَن عبد الله بن أنيس أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : أريت لَيْلَة الْقدر ثمَّ أنسيتها ، وَأرَانِي (صبحتها) أَسجد فِي مَاء وطين . فمطرنا لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين فَصَلى بِنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَانْصَرف وَإِن أثر المَاء والطين عَلَى جَبهته وَأَنْفه . (قَالَ) : وَكَانَ عبد الله بن أنيس يَقُول : ثَلَاث وَعِشْرُونَ .
الحَدِيث الْعَاشِر أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يُدْني رَأسه إِلَى عَائِشَة فترجِّله وَهُوَ معتكف فِي الْمَسْجِد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كَمَا ستعلمه بَعْدُ . والترجيل : التسريح .
الحَدِيث السَّادِس أَن عمر بن الْخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت فِي الْجَاهِلِيَّة أَن أعتكف لَيْلَة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أوف بِنَذْرِك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عمر أَن عمر قَالَ الحَدِيث . زَاد البُخَارِيّ : فاعتكف لَيْلَة . وَفِي رِوَايَة للدارقطني ، وَالْبَيْهَقِيّ أَن عمر نذر أَن يعْتَكف فِي الشّرك ويصوم ، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أوف بِنَذْرِك . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ذكر نذر الصَّوْم غَرِيب تفرد بِهِ عبد الله بن بشر . وَقَالَ عبد الْحق : إِسْنَاد حسن ، تفرد بِهَذَا اللَّفْظ سعيد بن بشير ، عَن [ عبيد الله ] بن عمر . قَالَ ابْن الْقطَّان وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ ؛ لِأَن سعيد بن بشير يخْتَلف فِيهِ . وَضَعفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَقَالَ : تفرد بِهِ سعيد هَذَا ، قَالَ يَحْيَى وَابْن نمير : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف .
الحَدِيث الثَّانِي عشر رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ لَا يسْأَل عَن الْمَرِيض إِلَّا مارًّا فِي اعْتِكَافه وَلَا يُعرّج عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كَانَ يمر بالمريض وَهُوَ معتكف فيمر كَمَا هُوَ وَلَا يُعرِّج ، وَيسْأل عَنهُ . وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سُليم ، وَقد علمتَ حَاله فِيمَا مَضَى ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مَوْقُوفا عَلَيْهَا من فعلهَا قَالَت : إِن كنت لأدخل الْبَيْت للْحَاجة وَالْمَرِيض فِيهِ فَمَا أسأَل عَنهُ إِلَّا وَأَنا مارَّة .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ( أنس ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يصْرخ بهما صراخًا : لبيْك (بِحجَّة) وَعمرَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ (فِي صَحِيحَيْهِمَا) بِمَعْنَاهُ من حَدِيث بكر بن عبد الله عَن أنس قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة جَمِيعًا . قَالَ بكر : فَحدثت بذلك ابْن عمر فَقَالَ : لَبَّى بِالْحَجِّ وَحده . فَلَقِيت أنسا فَحَدَّثته بقول ابْن عمر ، فَقَالَ أنس : مَا تعدوننا إِلَّا صبيانًا ، سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لبيْك عمْرَة وحجًّا وَهَذَا لفظ مُسلم ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَسَأَلت ابْن عمر فَقَالَ : أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ . وَقَالَ البُخَارِيّ عَن أنس : كنت رِدْفَ أبي طَلْحَة (وَإِنَّهُم) يصرخون بهما جَمِيعًا الْحَج وَالْعمْرَة خرَّجَهُ فِي الْجِهَاد فِي الارْتداف فِي الْغَزْو (عَن أبي قلَابَة) عَنهُ ، فِي بَاب الْخُرُوج بعد الظّهْر من كتاب الْجِهَاد : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا ، وَالْعصر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ ، وسمعتهم يصرخون بهما جَمِيعًا وخرَّجَهُ فِي (الْحَج) أَيْضا وَقَالَ : بهما . وَلمُسلم عَن يَحْيَى بن أبي إِسْحَاق وَعبد الْعَزِيز بن صُهَيْب وَحميد الطَّوِيل ، وَهُوَ حميد بن عبد الرَّحْمَن أَنهم سمعُوا أنسا قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أهل بهما : لبيْك عمْرَة وحجًّا . وَرَوَاهُ حميد ابن هِلَال أَيْضا ، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن أنس قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لبيْك بِحَجّ وَعمرَة مَعًا ، رَوَاهُ أَبُو يُوسُف القَاضِي ، وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو أَسمَاء عَن أنس قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُلبِّي بهما ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ . (وَرَوَاهُ أَيْضا الْحسن وَسليمَان التَّيْمِيّ عَن أنس مثله ، رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ) أَيْضا . (وَرَوَاهُ) وَكِيع من حَدِيث مُصعب بن (سليم) وثابت (عَن أنس) مثله ، وَرَوَاهُ أَيْضا قَتَادَة ، وَزيد (بن أسلم) ، وَأَبُو قدامَة عَاصِم عَنهُ ، وَوَافَقَ أنسا من الصَّحَابَة فِي كَونه عَلَيْهِ السَّلَام قرن : عَائِشَة ، وَجَابِر ، وَابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة عَنْهُم ، وَعمر ، وَعلي ، وَعُثْمَان وَعمْرَان بن (الْحصين) والبراء ابن عَازِب ، وَحَفْصَة ، وَأَبُو قَتَادَة ، وَابْن أبي أَوْفَى ، والهرماس بن زِيَاد الْبَاهِلِيّ ، وَأم سَلمَة ، وَسعد ابن (أبي) وَقاص ، قَالَ ابْن حزم : ذكر اثْنَا عشر من الصَّحَابَة بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ قَارنا وهم : عمر ، وَابْنه ، وَعلي ، وَابْن عَبَّاس ، وَجَابِر ، وَعمْرَان ، والبراء ، وَأنس ، وَعَائِشَة ، وَحَفْصَة ، وَأَبُو قَتَادَة ، وَابْن أبي أَوْفَى ، وَرُوِيَ أَيْضا عَن سراقَة و (أبي) طَلْحَة ، وَأم سَلمَة ، والهرماس .
بَاب (بَيَان) وُجُوه الْإِحْرَام وآدابه وسننه ذكر فِيهِ أَحَادِيث وأثرًا وَاحِدًا ، أما الْأَحَادِيث (فتسعة) عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا قَالَت : (خرجنَا) مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام حجَّة الْوَدَاع ، فمِنَّا منَ أهلَّ بِالْحَجِّ ، (وَمنا من أهل بِالْعُمْرَةِ) وَمنا من أهل بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك بِزِيَادَة وأَهَلَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحَجِّ (فَأَما) من أهل بِعُمْرَة (فحلّ) ، وَأما من أهل بِالْحَجِّ أَو جمع الْحَج وَالْعمْرَة فَلم يحلّوا حَتَّى كَانَ يَوْم النَّحْر .
الحَدِيث (الثَّالِث) عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : وَالْمُسْتَحب لَهُ أَن يحرم يَوْم التَّرويَة بعد الزَّوَال مُتَوَجها إِلَى (منى) ، لما رُوِيَ (عَن) جَابر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا توجهتم إِلَى منى فأهلوا بِالْحَجِّ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أَحللنَا أَن نحرم إِذا توجهنا إِلَى منى . قَالَ : فأهللنا من الأبطح . وللبخاري قَالَ أَبُو الزبير : عَن جَابر : أَهْلَلْنَا من الأبطح . وَاعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ مطابقًا لما اسْتدلَّ بِهِ ، بل السّنة الثَّابِتَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى الظّهْر بمنى كَمَا (أسلفناه) من حَدِيث جَابر ، ثمَّ مَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ هُنَا من كَون خُرُوجهمْ بعد الزَّوَال خلاف مَا ذكره بعد ذَلِك فِي كَلَامه عَلَى الْوُقُوف بِعَرَفَة من أَن الْمَشْهُور أَن خُرُوجهمْ قبله بِحَيْثُ يصلونَ الظّهْر بمنى .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا سقت الْهَدْي ، ولجعلتها عمْرَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ (من) حَدِيث جَابر بن عبد الله مَرْفُوعا بِلَفْظ : لَو اسْتقْبلت من أمري مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهَدْي . فحلوا وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي كتاب الشّركَة : لَو أَنِّي اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا أهديت ، وَلَوْلَا أَن معي الْهَدْي لأحللت . وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل بِلَفْظ لَو أَنِّي اسْتقْبلت من أَمْرِي (مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهَدْي وجعلتها عمْرَة) .
الحَدِيث (السَّادِس) عشر أَنَّهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحرم إحرامًا مُطلقًا وانتظر الْوَحْي . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي السَّابِع .
الحَدِيث الرَّابِع عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أفرد الْحَج . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرجح الشَّافِعِي رِوَايَته عَلَى رِوَايَة من رَوَى الْقرَان والتمتع ؛ فَإِن جَابِرا أقدم صُحْبَة وَأَشد عناية بضبط الْمَنَاسِك وأفعال النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من لدن خُرُوجه من الْمَدِينَة إِلَى أَن يحلل . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (من) حَدِيثه (بِلَفْظ) : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أهل هُوَ وَأَصْحَابه بِالْحَجِّ . وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل (بِلَفْظ) : خرجنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لسنا ننوي إِلَّا الْحَج وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن جَابر قَالَ : أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُهِلِّين (بِحَجّ) مُفْرد . وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا عَنهُ قَالَ : أَهْلَلْنَا أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم (بِالْحَجِّ خَالِصا وَحده (فقدمنا) صَبِيحَة رَابِعَة من ذِي الْحجَّة ، فَأمرنَا أَن (نحل) وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَابْن مَاجَه أَهْلَلْنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحَجِّ خَالِصا لَا نخلطه بِغَيْرِهِ . وَحَدِيث جَابر هَذَا هُوَ ظَاهر حَدِيثه كَمَا ستعلمه ، وَرَأَيْت أَن أذكرهُ هُنَا بِطُولِهِ ؛ فَإِن الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذكر قطعا مِنْهُ فِي مَوَاضِع ، وَهُوَ حَدِيث كثير الْفَوَائِد مُشْتَمل عَلَى حجَّةِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من أَولهَا إِلَى آخرهَا أَو غالبها . وَقد أخرجه مُسلم من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن ، عَن أَبِيه ، قَالَ : دَخَلنَا عَلَى جَابر بن عبد الله فَسَأَلَ عَن الْقَوْم حَتَّى انْتَهَى إليَّ فَقلت : أَنا مُحَمَّد بن عَلّي بن حُسَيْن ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَنزع زِرِّي الْأَعْلَى ، ثمَّ نزع زِرِّي الْأَسْفَل ، ثمَّ وضع كفَّه بَين ثديي ، وَأَنا يَوْمئِذٍ غُلَام شَاب ، فَقَالَ : مرْحَبًا بك يَا ابْن أخي ، سل عَمَّا شِئْت . فَسَأَلته - وَهُوَ أَعْمَى - وَقد (حضر) وَقت الصَّلَاة ، فَقَامَ فِي نساجة ملتحفًا بهَا كلما وَضعهَا عَلَى مَنْكِبه رَجَعَ طرفاها إِلَيْهِ مِن صِغَرِها ، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جنبه عَلَى المشجب فصلَّى بِنَا ، فَقلت : أَخْبرنِي عَن حجَّة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعقدَ بِيَدِهِ تِسعًا فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مكث تسع سِنِين لم يحجّ ، ثمَّ أذن فِي النَّاس الْعَاشِرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَاج ، فَقدم الْمَدِينَة بشر كثير ، كلهم يلْتَمس أَن يأتم برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَيعْمل مثل عمله ، فخرجنا مَعَه حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الحليفة ، فَولدت أَسمَاء بنت عُمَيْس مُحَمَّد بن أبي بكر ، فَأرْسلت إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كَيفَ أصنع ؟ قَالَ : اغْتَسِلِي (واستثفري) بِثَوْب وأَحْرِمي . فَصَلى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْمَسْجِد وَركب الْقَصْوَاء ، حَتَّى إِذا اسْتَوَت بِهِ نَاقَته عَلَى الْبَيْدَاء نظرت إِلَى مد بَصرِي بَين يَدَيْهِ من رَاكب وماش ، وَعَن يَمِينه مثل ذَلِك ، وَعَن يسَاره مثل ذَلِك ، وَمن خَلفه مثل ذَلِك ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَين أظهرنَا وَعَلِيهِ ينزل الْقُرْآن وَهُوَ يعرف (تَأْوِيله) ، وَمَا عمل من شَيْء عَملنَا بِهِ ، فَأهل بِالتَّوْحِيدِ : لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك (لبيْك) لَا شريك لَك لبيْك ، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك لَا شريك لَك . وَأهل النَّاس بِهَذَا الَّذِي يهلون بِهِ ، فَلم يرد عَلَيْهِم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شَيْئا مِنْهُ ، وَلزِمَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تلبيته ، قَالَ جَابر : لسنا نَنْوِي إِلَّا الْحَج ، لسنا نَعْرِف الْعمرَة ، حَتَّى إِذا أَتَيْنَا الْبَيْت مَعَه اسْتَلم الرُّكْن فَرمَلَ ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا ، ثمَّ (نفذ) إِلَى مقَام إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام (فَقَرَأَ) : (وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مُصَلَّى) فَجعل الْمقَام بَينه وَبَين الْبَيْت ، فَكَانَ أبي يَقُول : وَلَا أعلم (ذكره) إِلَّا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ : (قل هُوَ الله أحد (و (قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ (ثمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْن فاستلمه ، ثمَّ خرج من الْبَاب إِلَى الصَّفَا ، فَلَمَّا دنا من الصَّفَا قَرَأَ (إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله) أبدأ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ . فَبَدَأَ بالصفا فرقى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْت ، فَاسْتقْبل الْقبْلَة فَوحد الله وَكبره وَقَالَ : لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير ، لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده أنْجز وعده وَنصر عَبده ، وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده . ثمَّ دَعَا بَين ذَلِك قَالَ (مثل) هَذَا ثَلَاث مَرَّات ، ثمَّ نزل إِلَى الْمَرْوَة حَتَّى إِذا (انصبت) قدماه فِي بطن الْوَادي (رمل) حَتَّى إِذا صعدنا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَة فَفعل عَلَى الْمَرْوَة كَمَا فعل عَلَى الصَّفَا ، حَتَّى إِذا كَانَ آخر (طواف) عَلَى الْمَرْوَة قَالَ : لَو (أَنِّي) اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهَدْي وجعلتها عُمرة ؛ فَمن كَانَ مِنْكُم لَيْسَ مَعَه هدي فليحل وليجعلها عمْرَة . فَقَامَ سراقَة بن جعْشم فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، ألعامنا هَذَا أم لأبد ؟ فشبك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَصَابِعه وَاحِدَة فِي الْأُخْرَى وَقَالَ : دخلت الْعمرَة فِي الْحَج مرَّتَيْنِ (لَا) بل لأبد (أَبَد) ، وَقدم عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه من الْيمن ببدن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوجدَ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِمَّن حلَّ ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت ، فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهَا فَقَالَت : أبي أَمرنِي بِهَذَا . (قَالَ) : وَكَانَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعنها يَقُول بالعراق : فَذَهَبت إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - محرشًا عَلَى فَاطِمَة للَّذي صنعت مستفتيًا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيمَا ذكرت عَنهُ ، فَأَخْبَرته أَنِّي أنْكرت ذَلِك عَلَيْهَا ، فَقَالَ : صدقت . (مَاذَا) قلت (حِين) فرضت الْحَج ؟ قَالَ : قلت : اللَّهُمَّ إِنِّي أهل بِمَا أهل بِهِ (رَسُولك) صلى الله عليه وسلم . قَالَ : فَإِن معي الْهَدْي . قَالَ : (فَلَا) تحل . (قَالَ) : فَكَانَ جمَاعَة الْهَدْي الَّذِي قدم بِهِ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه من الْيمن ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مائَة . قَالَ : فَحل النَّاس كلهم وَقصرُوا إِلَّا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمن كَانَ مَعَه هدي ، فَلَمَّا كَانَ يَوْم التَّرويَة توجهوا إِلَى منى (فأهلوا) بِالْحَجِّ ، وَركب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَصَلى بهَا الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَالْفَجْر ، ثمَّ مكث قَلِيلا حَتَّى طلعت الشَّمْس ، وَأمر بقبة من شعر فَضربت لَهُ بنمرة فَسَار رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَا تشك قُرَيْش [ إِلَّا ] أَنه وَاقِف عِنْد الْمشعر الْحَرَام بِالْمُزْدَلِفَةِ كَمَا كَانَت قُرَيْش تصنع فِي الْجَاهِلِيَّة ، فَأجَاز رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى أَتَى عَرَفَة فَوجدَ الْقبَّة قد ضربت لَهُ بنمرة ، فَنزل بهَا حَتَّى إِذا زَالَت الشَّمْس أَمر بالقصواء فرحلت لَهُ ، فَأَتَى بطن الْوَادي فَخَطب النَّاس ، وَقَالَ : إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ حرَام عَلَيْكُم كَحُرْمَةِ يومكم هَذَا فِي شهركم هَذَا فِي بلدكم هَذَا ، أَلا كل شَيْء من أَمر الْجَاهِلِيَّة تَحت قدمي مَوْضُوع ، وَدِمَاء الْجَاهِلِيَّة (مَوْضُوعَة) ، وَإِن أول دم (أَضَعهُ) من دمائنا : دم ابْن ربيعَة بن الْحَارِث كَانَ مسترضعًا فِي بني سعد فَقتلته هُذَيْل ، وَربا الْجَاهِلِيَّة مَوْضُوعَة ، وَأول رَبًّا أَضَع [ ربانا ] رَبًّا الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوع كُله ، فَاتَّقُوا الله فِي النِّسَاء فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَان الله - سُبْحَانَهُ - واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله ، وَلكم عَلَيْهِنَّ أَن لَا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ؛ فَإِن فعلن ذَلِك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عَلَيْكُم رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ ، وَقد تركت فِيكُم (مَا لن) تضلوا (بعده) إِن (اعْتَصَمْتُمْ) بِهِ : كتاب الله ، وَأَنْتُم تسْأَلُون عني فَمَا أَنْتُم قَائِلُونَ ؟ ! قَالُوا : (نشْهد) أَنَّك قد بلغت وَأديت وَنَصَحْت . (فَقَالَ) بإصبعه السبابَة يرفعها إِلَى السَّمَاء وينكتها إِلَى النَّاس اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، اللَّهُمَّ (اشْهَدْ) - ثَلَاث مَرَّات - ثمَّ أذن (بِلَال فَأَقَامَ) فَصَلى الظّهْر ، ثمَّ أَقَامَ فَصَلى الْعَصْر وَلم يصل بَينهمَا شَيْئا ، ثمَّ ركب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى (أَتَى) الْموقف فَجعل (بطن) نَاقَته الْقَصْوَاء إِلَى الصخرات ، وَجعل حَبل المشاة بَين يَدَيْهِ واستقبل الْقبْلَة فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى غربت الشَّمْس وَذَهَبت الصُّفْرَة قَلِيلا حَتَّى غَابَ القرص وَأَرْدَفَ أُسَامَة خَلفه ، وَدفع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد شنق (للقصواء) الزِّمَام حَتَّى إِن رَأسهَا ليصيب مورك رَحْله وَيَقُول بِيَدِهِ [ الْيُمْنَى ] : أَيهَا النَّاس ، السكينَة السكينَة . كلما أَتَى حبلاً من الحبال أَرْخَى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تصعد ، حَتَّى أَتَى الْمزْدَلِفَة فَصَلى بهَا الْمغرب وَالْعشَاء بِأَذَان وَاحِد وَإِقَامَتَيْنِ وَلم يسبح بَينهمَا شَيْئا ، ثمَّ اضْطجع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى طلع الْفجْر فَصَلى الْفجْر (حِين) تبين [ لَهُ ] الصُّبْح بِأَذَان وَإِقَامَة ثمَّ ركب الْقَصْوَاء حَتَّى أَتَى الْمشعر الْحَرَام (اسْتقْبل الْقبْلَة) فَدَعَاهُ وكبّره وهلّله ووحّده ، فَلم يزل وَاقِفًا حَتَّى (أَسْفر) جدًّا ، فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس وَأَرْدَفَ الْفضل ابن الْعَبَّاس وَكَانَ رجلا حسن الشّعْر أَبيض وسيمًا ، فَلَمَّا (دفع) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مرّت ظُعُن يَجْرِينَ فَطَفِقَ الْفضل ينظر إلَيْهِنَّ (فَوضع) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَده عَلَى (وَجه) الْفضل ، فحول الْفضل وَجهه إِلَى الشق الآخر ينظر ، فحول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَده من الشق الآخر عَلَى وَجه الْفضل (فصرف) وَجهه من الشق الآخر (ينظر) حَتَّى أَتَى بطن محسر فحرك قَلِيلا ، ثمَّ سلك الطَّرِيق الْوُسْطَى الَّتِي تخرج عَلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَة الَّتِي عِنْد الشَّجَرَة (فَرَمَاهَا) بِسبع حَصَيَات يكبر مَعَ كل حَصَاة مِنْهَا - حَصى الْخذف - رَمَى من بطن الْوَادي ، ثمَّ انْصَرف إِلَى المنحر فَنحر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ ، ثمَّ أعْطى عليًّا فَنحر مَا غبر وأشركه فِي هَدْيه ، ثمَّ أَمر من كل بَدَنَة ببضعة فَجعلت فِي قدر فطبخت فأكلا من لَحمهَا وشربا من مرقها ، ثمَّ ركب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَصَلى بِمَكَّة الظّهْر (فَأَتَى) بني عبد الْمطلب يسقون عَلَى زَمْزَم ، فَقَالَ : انزعوا بني عبد الْمطلب ؛ فلولا أَن يغلبكم النَّاس عَلَى سِقَايَتكُمْ لنزعت مَعكُمْ ، فناولوه دلوًا فَشرب مِنْهُ هَذَا كُله لفظ مُسلم فِي صَحِيحه بِحُرُوفِهِ .
الحَدِيث الْخَامِس عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أفرد الْحَج . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه عَنهُ قَالَ : أهلّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحَجِّ ؛ فَقدم لأَرْبَع مضين من ذِي الْحجَّة (فَصَلى) الصُّبْح ، وَقَالَ لما صَلَّى الصُّبْح : من شَاءَ أَن يَجْعَلهَا عمْرَة فليجعلها عمْرَة وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى الظّهْر بِذِي الحليفة ، ثمَّ أَتَى (ببدن) فأشعر صفحة سنامها الْأَيْمن وسَلَتَ (الدَّم) وقلدها نَعْلَيْنِ ، ثمَّ ركب رَاحِلَته فَلَمَّا اسْتَوَت [ بِهِ ] عَلَى (الْبَيْدَاء) أهلّ بِالْحَجِّ .
الحَدِيث السَّادِس عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أفرد الْحَج . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْهَا قَالَت : أهلّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحَجِّ . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أفرد الْحَج وَفِي رِوَايَة لَهُ : أنَّه أحرم) بِالْحَجِّ مُفردا وَفِي رِوَايَة لَهما ، (قَالَت) : خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وَلَا) نذْكر إِلَّا الْحَج ، فَلَمَّا جِئْنَا سرف طمثت) وذكَرَتْ تمامَ الحَدِيث إِلَى قَوْلهَا : (ثمَّ) راحوا مهلّين بِالْحَجِّ - يَعْنِي : إِلَى منى وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث مَالك ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أفرد الْحَج، ثمَّ قَالَ : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ مَالك عَن عبد الرَّحْمَن . ثمَّ أخرجه من حَدِيث الثَّوْريّ ، عَن عبد الرَّحْمَن ثمَّ قَالَ : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذِه اللَّفْظَة تفرد بهَا الْقَاسِم . ثمَّ أخرجه من حَدِيث مَالك عَن أبي الْأسود مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن نَوْفَل ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة بِهِ .
(الحَدِيث السَّابِع) قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأما قَوْله : " لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت . " الْخَبَر (فَإِنَّمَا) ذكره تطييبًّا لقلوب أَصْحَابه واعتذارًا لَهُم ؛ وَتَمام الْخَبَر مَا رُوِيَ عَن جَابر : " أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أحرم إحرامًا (مُبْهما) ، وَكَانَ ينْتَظر الْوَحْي فِي اخْتِيَار الْوُجُوه الثَّلَاثَة ، فَنزل الْوَحْي بِأَن من سَاق الْهَدْي فليجعله حَجًّا ، وَمن لم يَسُقْ فليجعله عمْرَة ، وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قد سَاق الْهَدْي دون (غَيره) (فَأَمرهمْ) أَن (يجْعَلُوا) إحرامهم عمْرَة ويتمتعوا ، وَجعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِحْرَامه حجًّا فشق عَلَيْهِم ذَلِك ؛ لأَنهم (كَانُوا) يَعْتَقِدُونَ من قبل أَن الْعمرَة فِي أشهر الْحَج من أكبر الْكَبَائِر (وَأظْهر) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الرَّغْبَة فِي موافقتهم ، وَقَالَ : لَو لم أسق الْهَدْي " . هَذَا الحَدِيث غَرِيب من طَرِيق جَابر وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان ، أَنا ابْن طَاوس وَإِبْرَاهِيم بن ميسرَة وَهِشَام بن حُجَيْر ، سمعُوا طاوسًا يَقُول : " خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الْمَدِينَة لَا يُسَمِّي حجًّا وَلَا عمْرَة ينْتَظر الْقَضَاء - يَعْنِي نزُول جِبْرِيل (بِمَا) يصرف إِحْرَامه الْمُطلق إِلَيْهِ - فَنزل عَلَيْهِ الْقَضَاء بَين الصَّفَا والمروة ، فَأمر أَصْحَابه من كَانَ مِنْهُم أهلّ بِالْحَجِّ وَلم يكن مَعَه هدي أَن يَجْعَلهَا عمْرَة ، وَقَالَ : لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا سقت الْهَدْي وَلَكِنِّي لبدت رَأْسِي وسقت هَدْيِي فَلَيْسَ (لي) مَحل إلاّ محلّ هَدْيِي . فَقَامَ إِلَيْهِ سراقَة بن مَالك فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، اقْضِ لنا قَضَاء قوم كَأَنَّمَا ولدُوا الْيَوْم ، أعمرتنا هَذِه لِعَامِنَا هَذَا أم لِلْأَبَد ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بل لِلْأَبَد (دخلت) الْعمرَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ : فَدخل عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه من الْيمن فَسَأَلَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِمَا أهللتَ ؟ فَقَالَ (أَحدهمَا) : لبّيك إهلال النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ الآخر : لبيْك حجَّة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر : " أهلّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ (أحد) مِنْهُم هدي غير النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " .
الحَدِيث (الثَّامِن) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أحرم مُتَمَتِّعا . هَذَا الحَدِيث (صَحِيح) أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر ، قَالَ : تمتّع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأهْدَى فساق الْهَدْي من ذِي الحليفة ، وَبَدَأَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فَأهل) بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أهل بِالْحَجِّ . فَذكر الحَدِيث ، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن ، قَالَ : تمتّع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وتمتعنا مَعَه وحسَّنَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس : تمتّع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ، وَأول من نهَى عَنْهَا مُعَاوِيَة .
الحَدِيث (التَّاسِع) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعَائِشَة : طوافك بِالْبَيْتِ وسعيك بَين الصَّفَا والمروة يَكْفِيك لحجك وعمرتك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه عَنْهَا بِلَفْظ (يسعك) طوافك لحجك وعمرتك وَفِي رِوَايَة لَهُ يُجزئ عَنْك طوافك بالصفا والمروة عَن حجك وعمرتك .
الحَدِيث (الْعَاشِر) أَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَحرمت بِالْعُمْرَةِ لما خرجت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام حجَّة الْوَدَاع فَحَاضَت وَلم يُمكنهَا أَن تَطوف للْعُمْرَة وخافت فَوَات الْحَج لَو أخرت إِلَى أَن تطهر ، فَدخل عَلَيْهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لَهَا : مَا بالك ، أنفست ؟ قَالَت : بلَى . قَالَ : ذَلِك شَيْء كتبه الله عَلَى بَنَات آدم ، أهلّي بِالْحَجِّ واصنعي مَا يصنع الْحَاج ، غير أَن لَا تطوفي بِالْبَيْتِ وطوافك يَكْفِيك لحجك وعمرتك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم بِنَحْوِهِ من حَدِيثهَا ، وَكَذَا البُخَارِيّ (و) رَوَاهُ أَيْضا (مُسلم) بِنَحْوِهِ من حَدِيث جَابر ، وَكَذَا البُخَارِيّ ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد من حَدِيث جَابر : غير أَن لَا تطوفي بِالْبَيْتِ وَلَا تصلي .
الحَدِيث (الْحَادِي عشر) عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : أهْدَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بقرة وَنحن قارنات . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ عَنْهَا ، قَالَت : خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة لَا نرَى إِلَّا أَنه الْحَج ، حَتَّى إِذا دنونا من مَكَّة أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من لم يكن مَعَه هدي إِذا طَاف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة أَن يحل ، قَالَت : فَدُخِلَ علينا يَوْم النَّحْر بِلَحْم بقرٍ ، فَقلت : مَا هَذَا ؟ فَقيل : ذبح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أَزوَاجه وَفِي حَدِيث آخر عَنْهَا فأتينا بِلَحْم بقرٍ فَقلت : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : أهْدَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن نِسَائِهِ الْبَقر أَخْرجَاهُ أَيْضا ، (وَأخرج) مُسلم من حَدِيث أبي الزبير ، عَن جَابر ، قَالَ : ذبح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن عَائِشَة بقرة يَوْم النَّحْر وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول : نحر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن نِسَائِهِ وَفِي رِوَايَة عَن عَائِشَة : بقرة فِي حجَّته ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَلَى هذَيْن الْحَدِيثين بَاب الْقَارِن يهريق دَمًا ، ثمَّ قَالَ : وَحَدِيث أبي الزبير عَن جَابر قَاطع بِكَوْن عَائِشَة قارنة . ثمَّ قَالَ : بَاب الْعمرَة قبل الْحَج . وسَاق فِيهِ : أَن عَائِشَة أهلّت من التَّنْعِيم بِعُمْرَة مَكَان عمرتها فَقَضَى الله عمرتها . وَلم يكن فِي ذَلِك هدي وَلَا صِيَام وَلَا صَدَقَة ، قَالَ : وَقَوله : وَقَضَى (الله) عمرتها من قَول عُرْوَة . (قَالَ) : وَإِنَّمَا لم يكن فِي ذَلِك هدي ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ قد أهْدَى عَنْهَا وَعَمن اعْتَمر من أَزوَاجه بقرة بَينهُنَّ . وَهُوَ كَمَا قَالَ فَفِي سنَن ابْن مَاجَه و صَحِيح الْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : ذبح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَمَّن اعْتَمر من نِسَائِهِ فِي حجَّة الْوَدَاع بقرة بَينهُنَّ قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ الْوَلِيد بن مُسلم وَلم يذكر سَمَاعه فِيهِ ، وَالْبُخَارِيّ كَانَ يخَاف أَن يكون أَخذه عَن يُوسُف بن السّفر . ثمَّ رَوَاهُ مرّة أُخْرَى بالتصريح بِالتَّحْدِيثِ ، ثمَّ قَالَ : (فَإِن) كَانَ قَوْله : (ثَنَا) الْأَوْزَاعِيّ مَحْفُوظًا صَار الحَدِيث جيدا . وَفِي النَّسَائِيّ عَن عَائِشَة قَالَت : ذبح عَنَّا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم حجِّنا (بقرة بقرة) .
الحَدِيث (الثَّانِي) عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر أَصْحَابه أَن يحرموا من مَكَّة وَكَانُوا متمتعين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : حجَجنَا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام سَاق الْهَدْي مَعَه - يَعْنِي حجَّة الْوَدَاع - وَقد أهلوا بِالْحَجِّ مُفردا ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أحلُّوا من إحرامكم فطوفوا بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة وَقصرُوا وَأقِيمُوا حَلَالا ، حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم التَّرويَة فأهلوا بِالْحَجِّ وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتم (بهَا) مُتْعَة . قَالُوا : كَيفَ نَجْعَلهَا مُتْعَة وَقد سمّينا الْحَج ؟ ! قَالَ : افعلوا مَا (أَمرتكُم) بِهِ ، فلولا أَنِّي سقت الْهَدْي لفَعَلت مثل الَّذِي أَمرتكُم بِهِ ، وَلَكِن لَا يحل مني حرَام حَتَّى يبلغ الْهَدْي مَحَله . فَفَعَلُوا وَقَالَ البُخَارِيّ : حلوا من إحرامكم بِطواف (الْبَيْت) وَبَين الصَّفَا والمروة وَقَالَ : قبل التَّرويَة بِثَلَاثَة أَيَّام ، وَلَهُمَا أَيْضا من حَدِيثه قصَّة (الْإِحْلَال) ، قَالَ : (فأحللنا) ووطئنا النِّسَاء وَفعلنَا مَا يفعل الْحَلَال ، حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم التَّرويَة وَجَعَلنَا مَكَّة بظهرٍ أَهْلَلْنَا بالحجِّ .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أَن أَبَا مُوسَى قدم من الْيمن مهلاًّ بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يُنكر عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من) حَدِيثه (هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب) . وَأما أَثَره فَذكر فِيهِ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : كَانَ أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعتمرون فِي أشهر الْحَج ؛ فَإِذا لم يحجوا من عَامهمْ ذَلِك لم يهدوا . وَهَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث مُسلم بن (إِبْرَاهِيم) نَا هِشَام ، نَا قَتَادَة ، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : كَانَ أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يتمتعون فِي أشهر الْحَج ؛ فَإِذا لم يحجوا عَامهمْ ذَلِك لم يهدوا شَيْئا .
الحَدِيث (الْخَامِس) عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج ، وَسَبْعَة إِذا رجعتم إِلَى أمصاركم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ مطولا وَذكر هَذَا فِي آخِره ، قَالَ الْحميدِي : قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي : هَذَا الحَدِيث عَزِيز لم أره إِلَّا عِنْد مُسلم ، وَلم يُخرجهُ فِي صَحِيحه من أجل عِكْرِمَة ؛ فَإِنَّهُ لم (يَرْوِ) عَنهُ فِي صَحِيحه وَعِنْدِي أَن البُخَارِيّ أَخذه عَن مُسلم .
الحَدِيث (الثَّامِن) عشر أَن عليًّا قدم من الْيمن مهلاًّ بِمَا أهل بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يُنكر عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح (أخرجه) الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من (حَدِيث أنس ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر وَكَذَا مُسلم فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث النزال بن سُبْرَة عَن عَلّي ، وَأحمد من حَدِيث ابْن عمر .
الحَدِيث (الرَّابِع) عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للمتمتعين : من كَانَ مَعَه هدي فليهد ، وَمن لم يجد هَديا فليصم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : تمتّع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وسَاق (الْهَدْي) . الحَدِيث بِطُولِهِ إِلَى أَن قَالَ : ثمَّ ليهد ، فَمن لم يجد هَديا فليصم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ إِلَى أَهله .
الحَدِيث (السَّابِع) عشر عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قدمنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَنحن نقُول : لبيْك بِالْحَجِّ . ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى أَن التَّعْيِين أفضل من الْإِطْلَاق ، ( وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقد سلف فِي الْبَاب بِلَفْظِهِ) . وَذكره الرَّافِعِيّ بعد دَلِيلا عَلَى اسْتِحْبَاب (التَّلَفُّظ) بِمَا عَيَّنَهُ .
بَاب الْمَوَاقِيت ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث (سِتَّة) عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) كَذَلِك من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لامْرَأَة من الْأَنْصَار - سَمَّاهَا ابْن عَبَّاس - : مَا مَنعك أَن تَحُجِّي مَعنا ؟ قَالَت : لم يكن لنا إِلَّا ناضحان فحج أَبُو وَلَدهَا وَابْنهَا عَلَى ناضحٍ ، وَترك لنا ناضحًا ننضح عَلَيْهِ . فَقَالَ : إِذا جَاءَ رَمَضَان فاعتمري (فَإِن) عمْرَة فِيهِ تعدل حجَّة هَذَا لفظ مُسلم ، وَلَفظ البُخَارِيّ مثله إِلَّا أَنه قَالَ : (فَإِن) عمْرَة فِي رَمَضَان حجَّة أَو نَحوا مِمَّا قَالَ ، قَالَ عبد الْحق : وَخرج أَيْضا - أَعنِي فِي هَذَا الحَدِيث - من حَدِيث جَابر تَعْلِيقا ، وَلمُسلم فِي طَرِيق أُخْرَى من حَدِيث ابْن عَبَّاس تقضي حجَّة أَو حجَّة معي وَسَمَّى الْمَرْأَة : أم سِنَان . قَالَ عبد الْحق : وَأخرج البُخَارِيّ هَذِه الطَّرِيقَة ، وَقَالَ : أم سِنَان الْأَنْصَارِيَّة . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه ، وللإسماعيلي فِي مُعْجَمه ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : حج أَبُو طَلْحَة وَابْنه وتركاني . فَقَالَ (لي) : يَا أم سليم ، عمْرَة فِي رَمَضَان تجزئك من حجَّة وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة معي روياها من حَدِيث مُسَدّد ، (و) عَن عبد الْوَارِث بن سعيد ، عَن عَامر الْأَحول ، عَن بكر بن عبد الله الْمُزنِيّ ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ الْحَاكِم : (صَحِيح) عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قلت : وعامر هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم ، وَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَرَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ ، ثمَّ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه من حَدِيث أنس أَيْضا عمْرَة فِي رَمَضَان حجَّة معي، ثمَّ قَالَ الْعقيلِيّ : الرِّوَايَة فِي هَذَا ثَابِتَة من غير هَذَا الْوَجْه . وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى رِوَايَة ابْن عَبَّاس ، وَرَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث أبي طليق أَن امْرَأَته أم طليق قَالَت : يَا نَبِي الله ، مَا يعدل الْحَج مَعَك ؟ قَالَ : عمْرَة فِي رَمَضَان ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة أم معقل الصحابية رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب ، وَقَالَ ( الْحَاكِم : صَحِيح) عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ التِّرْمِذِيّ : قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق : هَذَا الحَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَفِي الْبَاب - يَعْنِي : عمْرَة رَمَضَان - عَن ابْن عَبَّاس ، وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة [ وَأنس ] ، ووهب بن خنبش . وَيُقَال : هرم بن خنبش ، قَالَ الْخَطِيب فِي الموضح : ونقلته (من) خطه : وهب (هَذَا) هُوَ الصَّوَاب ، وهرم وهم . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَقَالَ إِسْحَاق : مَعْنَى هَذَا الحَدِيث مثل مَا رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : من قَرَأَ : (قل هُوَ الله أحد (فقد قَرَأَ ثلث الْقُرْآن . فَائِدَة : قد ذكرت لَك أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : عمْرَة فِي رَمَضَان تعدل حجَّة لجَماعَة : أم سِنَان ، وَأم سليم ، وَأم طليق ، وَأم معقل ، زَاد الْمُحب فِي أَحْكَامه : وَأم الْهَيْثَم .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَعْمَرَ) عَائِشَة من التَّنْعِيم لَيْلَة المحصّب . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيثهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : أرْدف أختك - يَعْنِي : عَائِشَة - (فَأَعْمِرْها) من التَّنْعِيم ؛ فَإِذا هَبَطت (بهَا) إِلَى الأَكَمَةِ فمُرْهَا فلتُحْرِم ؛ فإنَّهَا عمْرَة متقبَّلَة . وَرَوَى هَذِه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا . فَائِدَة : التَّنْعِيم - بِفَتْح التَّاء - من الحِلِّ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة عَلَى ثَلَاثَة أميالٍ من مَكَّة ، وَقيل : أَرْبَعَة . حَكَاهُ النَّوَوِيّ ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ : إِنَّه عَلَى فَرسَخ من مَكَّة . وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه : عَلَى فرسخين مِنْهَا . وعبارةُ المنذريِّ وَصَاحب الإِمَام : هُوَ بَين مَكَّة وسرف عَلَى فرسخين من مَكَّة . وَقيل : عَلَى أَرْبَعَة أَمْيَال ، سُمِّي بذلك ؛ لِأَن عَن يَمِينه جبلا يُقَال لَهُ : نعيم ، وَعَن شِمَاله جبل يُقَال لَهُ : ناعم ، والوادي : نعْمَان . قَالَه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه : وَتَبعهُ النوويُّ ، ثمَّ المنذريُّ ، ثمَّ صَاحب الإِمَام .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعمر عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فِي سنة وَاحِدَة مرَّتَيْنِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ مطولا ومختصرًا أَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (أَحرمت) بِعُمْرَة عَام حجَّة الْوَدَاع فَحَاضَت فَأمرهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تحرم بِحَجّ فَفعلت ، وَصَارَت قارنة ونسكت الْمَنَاسِك كلهَا ، فَلَمَّا طهرت طافت وسعت فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ السَّلَام : قد حللت من حجك وعمرتك ، فطلبت من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يعمرها عمْرَة أُخْرَى ، (فَأذن) لَهَا فَاعْتَمَرَتْ من التَّنْعِيم عُمرة أُخْرَى قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الشَّافِعِي : كَانَت عمرتها فِي ذِي الْحجَّة ثمَّ سَأَلته أَن يعمرها فأعمرها فِي ذِي الْحجَّة ، فَكَانَت هَذِه عمرتان فِي شهر . وَفِي سنَن سعيد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان ، عَن صَدَقَة بن يسَار ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أنَّ عائشةَ اعتمرتْ فِي سنة ثلاثَ مراتٍ ، فَقلت : (تعيب) ذَلِك عَلَيْهَا ؟ فَقَالَ : أَعلَى أم الْمُؤمنِينَ ؟ ! نَا سُفْيَان ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن سعيد بن الْمسيب أَن عَائِشَة اعْتَمَرت من الْجحْفَة وَذي الحليفة فِي سنة وَهَؤُلَاء ثِقَات مشاهير .
الحَدِيث الرَّابِع (يُرْوَى) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (إِن) أفضل الْحَج أَن يحرم من دويرة أَهله . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ من حَدِيث جَابر بن نوح ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة ، ( عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) فِي قَوْله - عَزَّ وَجَلَّ - : (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله) قَالَ : من تَمام الْحَج أَن تُحْرِم من دُوَيْرة (أهلك) ، ثمَّ قَالَ : وَفِي رَفعه نظر . وَذكره الْغَزالِيّ فِي وسيطه بِلَفْظ من تَمام الْحَج وَالْعمْرَة أَن تحرم (بهما) من دُوَيْرة أهلك . قَالَ ابْن الصّلاح : وَهُوَ (يُرْوَى) بِإِسْنَاد (ضَعِيف) . قلت : وَصَحَّ مَوْقُوفا عَلَى عَلِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي (فِي) آخر الْبَاب .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحرم عَام الْحُدَيْبِيَة وَأَرَادَ الدُّخُول مِنْهَا للْعُمْرَة ، فَصَدَّه الْمُشْركُونَ عَنْهَا . هَذَا الحَدِيث (صَحِيح) أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خرج مُعْتَمِرًا ، فحال كفارُ قُرَيْش بَينه وَبَين الْبَيْت ، فَنحر هَدْيه وحَلَق رَأسه بِالْحُدَيْبِية وَوَقع فِي بسيط الْغَزالِيّ (وَغَيره) : أَنه هَمَّ بِالْإِحْرَامِ بالعُمرة من الْحُدَيْبِيَة فصد ، وَهُوَ غلط ؛ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام وردهَا بعد أَن أحرم من (ذِي) الحليفة ، رَوَى ذَلِك البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي كتاب الْمَغَازِي عَن الْمسور ومروان قَالَا : خرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْحُدَيْبِيَة فِي بضع عشرَة (مائَة) من أَصْحَابه فَلَمَّا كَانَ بِذِي الحليفة قلد الْهَدْي وأشعر وَأحرم بِالْعُمْرَةِ بهَا وخرجه فِي الْحَج أَيْضا من صَحِيحه (هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب) . وَذكر فِيهِ من الْآثَار : أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (فسر) الْإِتْمَام فِي قَوْله تَعَالَى : (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله) أَن يحرم بهما من دويرة أَهله . وَهَذَا أثر صَحِيح ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي كتاب التَّفْسِير من مُسْتَدْركه من حَدِيث عَمْرو بن مرّة ، عَن عبد الله بن سَلمَة سُئِلَ عَلّي عَن قَوْله تَعَالَى : (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله) قَالَ : يحرم (بهما) من دُوَيْرةِ أَهْلِهِ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَذكر فِيهِ أَيْضا عَن عمر مثله (وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي الْمعرفَة) .
الحَدِيث الْخَامِس عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقت لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة ، وَلأَهل الشَّام الْجحْفَة ، وَلأَهل نجد قرن الْمنَازل ، وَلأَهل الْيمن (يَلَمْلَمَ) وَقَالَ : هن لَهُنَّ وَلمن أَتَى عَلَيْهِنَّ من غير أهلهن مِمَّن أَرَادَ الْحَج وَالْعمْرَة ، وَمن كَانَ (دون) ذَلِك فَمن حَيْثُ أنشأ حَتَّى أهل مَكَّة يهلون مِنْهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذَا اللَّفْظ وَفِي رِوَايَة لَهما فَمن كَانَ دُونهن فمِنْ أَهْلِه ، وَكَذَلِكَ حَتَّى أهل مَكَّة يُهلون مِنْهَا وَأَخْرَجَا قَرِيبا مِنْهُ من رِوَايَة ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب قطعا مِنْهُ ، فَذكر مِنْهُ مرّة هن لَهُنَّ وَلمن أَتَى عَلَيْهِنَّ من غَيْرهنَّ وَمرَّة فَمن كَانَ يُرِيد الْحَج وَالْعمْرَة وَمرَّة فَمن كَانَ دونهن (فمهلُّه) من أَهله . فَائِدَة : هَذِه الْمَوَاضِع قد بينتها وَاضِحَة فِي شرح الْمِنْهَاج و تَخْرِيج أَحَادِيث المهذّب فَرَاجعه مِنْهُمَا . وَوَقع من الرَّافعي أَن بَين الْمَدِينَة وَذي الحليفة ميل (وَهُوَ غَرِيب) وَالْمَعْرُوف أَن بَينهمَا سِتَّة (و) قيل : سَبْعَة . نعم لم ينْفَرد بذلك ؛ فقد سبقه إِلَى ذَلِك صَاحب الشَّامِل و الْبَحْر والبندنيجي فِي تَعْلِيقه ، وَقد حَكَى فِي الشَّرْح الصَّغِير الْخلاف فِيهِ فَقَالَ : إِنَّه (عَلَى) ميل من الْمَدِينَة ، وَقيل : عَلَى سِتَّة أَمْيَال ، أَو (سَبْعَة) . وَفِي الْبَسِيط (أَنه عَلَى فَرْسَخَيْن مِنْهَا) وَفِي مَنَاسِك ابْن الْحَاج : أَنه عَلَى خَمْسَة أَمْيَال أَو سِتَّة مِنْهَا . قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ : والحِسُّ يَرُدُّ مَا قَالُوهُ ؛ بل هِيَ فَرسَخ أَو يزِيد قَلِيلا . قلت : وَأما من جِهَة مَكَّة فَهِيَ عَلَى عشر مراحِل مِنْهَا . قَالَه ابْن الصّلاح ، ثمَّ النَّوَوِيّ ، قَالَ الرَّافِعِيّ ، (و) النَّوَوِيّ : وَهُوَ أبعد الْمَوَاقِيت من مَكَّة ، وَفِي حَدِيث رَافع بن خديج : كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِذِي الحليفة من تهَامَة . قَالَ (الرَّازِيّ) : ذُو الحليفة هَذِه لَيست الْمهل الَّتِي (بِقرب) الْمَدِينَة . (أُخْرَى : قَالَ الرَّافِعِيّ : السماع الْمُعْتَمد عَن المتقنين فِي قرن هُوَ التسكين ، ورأيته مَنْقُولًا عَن أبي عُبَيْدَة وَغَيره ، وَرَوَاهُ صَاحب الصِّحَاح بِالتَّحْرِيكِ ، وَادَّعَى أَن أويسًا مَنْسُوب إِلَيْهِ . قلت : قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : اتّفق الْعلمَاء عَلَى تغليط الْجَوْهَرِي فِي فتح الرَّاء ، وَفِي نِسْبَة أويس إِلَيْهِ . قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : وَإِنَّمَا هُوَ مَنْسُوب إِلَى قرن قَبيلَة من مُرَاد بِلَا خلاف بَين أهل الْمعرفَة ، وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : أويس بن عَامر من مُرَاد (ثمَّ من مُرَاد إِلَى قَرَنٍ )) .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أَن عَائِشَة لما أَرَادَت أَن تعتمر أَمر أخاها عبد الرَّحْمَن أَن يعمرها من التَّنْعِيم فأعْمَرَها مِنْهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ وَقد سلف .
الحَدِيث السَّادِس عَن طَاوس أَنه قَالَ : [ لم يُوَقت ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (ذَات عرق) [ وَلم ] يكن حِينَئِذٍ أهل الشرق أَي مُسلمين . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مُسلم وَسَعِيد ، عَن ابْن جريج [ قَالَ ] : فراجعت عَطاء ، فَقلت (لَهُ) : إِنَّه عَلَيْهِ السَّلَام - زَعَمُوا - لم يُوَقت ذَات عرق ، وَلم يكن أهل مشرق حِينَئِذٍ . قَالَ : (وَكَذَلِكَ) سمعنَا أَنه وَقت ذَات عرق أَو العقيق لأهل الْمشرق . قَالَ : (وَلم) يكن عراق وَلَكِن لأهل الْمشرق . وَلم يعزه إِلَى أحد دون النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وَلكنه يَأْبَى إِلَّا أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) وَقَّتَهُ . قَالَ الشَّافِعِي : و (أَنا) مُسلم (بن) خَالِد ، عَن ابْن جريج (عَن عَمْرو بن دِينَار) ، عَن ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، قَالَ : لم يُوَقت رَسُول الله (ذَات عرق وَلم يكن أهل (مشرق) حِينَئِذٍ فوقت (النَّاس) ذَات عرق . قَالَ الشافعيُّ : وَلَا أَحْسبهُ إِلَّا كَمَا قَالَ طَاوس . ذكرهمَا عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة ، وَذكر الأول فِي سنَنه، ثمَّ قَالَ : هَذَا هُوَ الصَّحِيح (عَن عَطاء) ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا . وَقد (رَوَاهُ) الْحجَّاج بن أَرْطَاة وضَعْفُه ظَاهر - عَن عَطاء وَغَيره فوصله . فَائِدَة : ذَات عرق عَلَى مرحلَتَيْنِ من مَكَّة . كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ ، قَالَ الْحَازِمِي : وَهِي الْحَد بَين نجد وتهامة .
الحَدِيث الرَّابِع عشر نقلوا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة مرَّتَيْنِ : مرّة (عمْرَة) الْقَضَاء ، وَمرَّة عمْرَة هوَازن . هَذَا (الحَدِيث) غَرِيب (غير مُسْتَقِيم فِي عمْرَة الْقَضَاء مِنْهَا ؛ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام خرج من الْمَدِينَة عَلَى قصد الْإِحْرَام ، وميقاتها : ذُو الحليفة حجًّا وَعمرَة) وَالْمَعْرُوف فِي الْأَحَادِيث أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة مرّة وَاحِدَة . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر أَربع عُمَر ، كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته عمْرَة من الْحُدَيْبِيَة - أَو زمن الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة - وَعمرَة (من) الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْقعدَة ، وَعمرَة من الْجِعِرَّانَة حَيْثُ قسّم غَنَائِم حنين فِي ذِي الْقعدَة ، وَعمرَة مَعَ حجَّته . وَقَالَ البُخَارِيّ : من الْحُدَيْبِيَة وَلم يقل أَو زمن الْحُدَيْبِيَة وَله فِي لفظ آخر (عمْرَة) الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة حَيْثُ صده الْمُشْركُونَ ، وَعمرَة من الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْقعدَة حَيْثُ صَالحهمْ . (وَذكر) الحَدِيث ، وأَتْبَعَه مُسلم بِحَدِيث قَتَادَة سَأَلت أنسا : كم حج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : حجَّة وَاحِدَة ، وَاعْتمر أَربع عمر، ثمَّ أَحَالَ فِي تَمام الحَدِيث عَلَى مَا تقدَّم ، وَسَاقه البخاريُّ (بِطُولِهِ) ، وَفِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ : اعْتَمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ذِي الْقعدَة قبل أَن يحجّ مرَّتَيْنِ . وَفِي سنَن أبي دَاوُد و ابْن مَاجَه و جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، قَالَ اعْتَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَربع عُمَر : عمْرَة (الْحُدَيْبِيَة) ، وَالثَّانيَِة : حِين تواطئوا عَلَى عمْرَة قَابل ، وَالثَّالِثَة : من الْجِعِرَّانَة ، وَالرَّابِعَة : الَّتِي قرن مَعَ حجَّته وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، ( وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : صَحِيح) الْإِسْنَاد . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الاقتراح : إِنَّه عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَذكر التِّرْمِذِيّ أَنه رُوِيَ مُرْسلا . وَرَوَى الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ اعتماره عَلَيْهِ السَّلَام من الْجِعِرَّانَة من رِوَايَة مُحَرِّش الكعبي الْخُزَاعِيّ (الصَّحَابِيّ) ، ثمَّ حسنه ، قَالَ : (وَلَا يعرف لَهُ) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَيره . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ ؛ لِأَن فِيهِ مُزَاحم بن أبي مُزَاحم وَهُوَ لَا يعرف لَهُ حَال . قلت : بلَى ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَقد أسلفنا فِي بَاب (صَلَاة) الْمُسَافِر عَن (أبي حَاتِم) بن حبَان أَن عمْرَة الْجِعِرَّانَة كَانَت فِي شَوَّال وَأَن عمْرَة الْقَضَاء فِي رَمَضَان ، وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ وَالْمَعْرُوف أَنَّهُمَا كَانَتَا فِي ذِي الْقعدَة . وَذكر ابْن سعد بِسَنَدِهِ إِلَى (عتبَة) مولَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : لما قدم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الطَّائِف نزل الْجِعِرَّانَة فقسم بهَا الْغَنَائِم ، ثمَّ اعْتَمر مِنْهَا ، وَذَلِكَ لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال وكأَنَّ ابْن حبَان تَبِع هَذَا ، وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل السِّير أَنه عَلَيْهِ السَّلَام انْتَهَى إِلَى الْجِعِرَّانَة لَيْلَة الْخَمِيس لخمس لَيَال خلون من ذِي الْقعدَة ، فَأَقَامَ (بهَا) (ثَلَاث) عشرَة لَيْلَة ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف إِلَى الْمَدِينَة خرج لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة (بقيت) من ذِي الْقعدَة لَيْلًا ، فَأحْرم بِعُمْرَة وَدخل مَكَّة وَمن الْغَرِيب رِوَايَة نَافِع أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يعْتَمر من الْجِعِرَّانَة ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَهُوَ وهم ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة الْإِنْكَار عَلَى ابْن عمر فِي (كَونه) عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر فِي رَجَب ، وَأجَاب ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِأَن (الْحَبْر الْفَاضِل قد ينسَى بعض مَا يسمع من السّنَن أَو يشهدها) . وَفِي سنَن أبي دَاوُد عَنْهَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر عمرتين : عمْرَة فِي ذِي الْقعدَة ، وَعمرَة فِي شَوَّال . فَائِدَة : الجِعْرانة بِكَسْر الْجِيم وَإِسْكَان الْعين ، وَتَخْفِيف الرَّاء ، وَكَذَا الْحُدَيْبِيَة بتَخْفِيف الْبَاء ، هَذَا قَول الشَّافِعِي فيهمَا ، وَبِه قَالَ أهل اللُّغَة وَالْأَدب وَبَعض الْمُحدثين ، وَقَالَ ابْن وهب - صَاحب مَالك - : هما بِالتَّشْدِيدِ . وَهُوَ قَول أَكثر الْمُحدثين ، وَالصَّحِيح تخفيفهما ، قَالَ صَاحب الْمطَالع : الْجِعِرَّانَة مَا بَين الطَّائِف وَمَكَّة وَهِي إِلَى مَكَّة أقرب . قَالَ : وَالْحُدَيْبِيَة عَلَى نَحْو مرحلة من مَكَّة . وَقَالَ الرَّافِعِيّ : الْجِعِرَّانَة وَالْحُدَيْبِيَة كِلَاهُمَا عَلَى (سِتّ) فراسخ من مَكَّة ، وَالْحُدَيْبِيَة قَرْيَة لَيست بالكبيرة ، سميت ببئر هُنَاكَ عِنْد مَسْجِد الشَّجَرَة ، وَقد جَاءَ فِي (الحَدِيث) هِيَ بِئْر ، قَالَ مَالك : هِيَ من الْحرم ، وَقيل : بَعْضهَا من الحِلِّ .
الحَدِيث السَّابِع فِي الصَّحِيح عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : لما فتح هَذَانِ المصران (أَتَوْا عُمَر) رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالُوا : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَدَّ لأهل نجد قرنا ، وَهُوَ جور عَن طريقنا ، وَإِنَّا إِن أردناه شقّ علينا ، (قَالَ) : فانظروا حذوها من طريقكم . فحدَّ لَهُم ذَات عرق . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ ، والمصران : الْبَصْرَة والكوفة . (وَالْمرَاد بفتحهما لِأَنَّهُمَا إسلاميتان بُنيا فِي خلَافَة عمر) . وَقَوله : جور عَن طريقنا أَي : مائل منحرف ، وَمِنْه جور فِي الْأُمُور وَغَيرهَا . وَقَوله : حذوها أَي : مَا يدانيها وَيقرب مِنْهَا ، وأصل الْمُحَاذَاة الْمُقَابلَة .
الحَدِيث الثَّالِث عشر أَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لما أَرَادَت أَن تعتمر بعد التحلُّل أمرهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِأَن تخرج إِلَى الْحل فتُحْرِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيثهَا .
الحَدِيث الثَّامِن عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقت لأهل الْمشرق ذَات عرق . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا بِإِسْنَاد صَحِيح من رِوَايَة أَفْلح بن حميد (الْمدنِي) ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقت لأهل الْعرَاق ذَات عرق هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ النَّسَائِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام وَقت لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة ، وَلأَهل الشَّام ومصر الْجحْفَة ، وَلأَهل الْعرَاق ذَات عرق ، وَلأَهل الْيمن يَلَمْلَم وأفلح هَذَا نقل ابْن عدي وَغَيره ، عَن (أَحْمد) بن حَنْبَل أَنه أنكر عَلَيْهِ (رِوَايَته) هَذَا الحَدِيث وانفراده بِهِ ، (لكنه) ثِقَة (فَلَا يضر تفرده) . فقد احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَنقل عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه سَأَلَ أَبَاهُ عَنهُ ، فَقَالَ : صَالح . وَقَالَ ابْن عدي : (هُوَ عِنْدِي) صَالح ، وَهَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ الْمعَافى بن عمرَان ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه : هُوَ حَدِيث صَحِيح غَرِيب . قلت : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من (طرق) أُخْرَى غير (طَرِيق) عَائِشَة . (إِحْدَاهَا) : من طَرِيق جَابر ، رَوَاهُ مُسلم وَابْن مَاجَه . ثَانِيهَا : من طَرِيق الْحَارِث (بن) عَمْرو السَّهْمي الصَّحَابِيّ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه . ثَالِثهَا : من طَرِيق أنس ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي أَحْكَام الْقُرْآن . رَابِعهَا : من طَرِيق ابْن عَبَّاس ، رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده . خَامِسهَا : من طَرِيق (عبد الله) بن عَمْرو ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَفِيه : حجاج بن أَرْطَاة . سادسها : من طَرِيق عَطاء مُرْسلا ، (وَهُوَ) كَمَا سلف ، وَعَطَاء من كبار التَّابِعين ، وَمذهب الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاحْتِجَاج بمرسل كبار التَّابِعين إِذا اعتضد بِأحد أُمُور : مِنْهَا أَن يَقُول بِهِ بعض الصَّحَابَة أَو أَكثر الْعلمَاء ، وَقد اتّفق عَلَى الْعَمَل بِهِ الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ ، وَقد وَصله عَطاء بِضعْف كَمَا تقدم .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أحرم من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام بِحجَّة أَو عمْرَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، عَن جَعْفَر بن ربيعَة ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة ، عَن أم حَكِيم السلمِيَّة ، عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) قَالَ : من أَحْرَمَ من بَيت الْمُقَدّس غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَفِي لفظ : من أَهَلَّ من الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِعُمْرَة ، أَو (بِحجَّة) ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَن أَحْمد بن صَالح نَا ابْن أبي فديك ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يُحَنَّس ، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان الأخنسي ، عَن جدَّته حُكيمة أم حَكِيم ، عَن أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من أَهَلَّ بحجةٍ أَو عُمرةٍ من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام ؛ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر ، أَو وَجَبت لَهُ الْجنَّة شكّ عبد الله السالف أَيهمَا قَالَ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيقين ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، إِحْدَاهمَا : عَنهُ قَالَ : حَدثنِي سُلَيْمَان بن سحيم ، عَن أم حَكِيم بنت أُميَّة ، عَن أم سَلمَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أَهَلَّ بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس غفر لَهُ . (ثَانِيهمَا) : عَنهُ ، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان ، عَن أمه أم حَكِيم بنت أُميَّة ، عَن أم سَلمَة ، (قَالَت) : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من أهل بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس ، كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب . (قَالَت) : فَخَرَجْتُ - (أَي) من بيتِ المقدسِ - بعمرةٍ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من طرق إِحْدَاهَا : طَرِيق أبي دَاوُد وَلَفظه ، إِلَّا أَنه قَالَ : بحجٍّ بدل بحجَّةٍ وَقَالَ : وَوَجَبَت لَهُ الْجنَّة من غير شكّ . ثَانِيهَا كَذَلِك إِلَّا أَنه (قَالَ) : عَن يَحْيَى ، عَن أمه ، عَن أم سَلمَة - رفعته - : من (أقدم) (من) بَيت الْمُقَدّس بِحَجّ أَو عمْرَة كَانَ من ذنُوبه (كَيَوْم) وَلدته أمه وَفِي سَنَد هَذِه : الْوَاقِدِيّ ، عَن عبد الله بن يحنس . ثَالِثهَا : من طَرِيق ابْن مَاجَه الأولَى ، لكنه قَالَ : عَن سُلَيْمَان بن سليم ، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان ، عَن أمه أم حَكِيم ، عَن أم سَلمَة مَرْفُوعا : من أهل بِحجَّة أَو عمْرَة من بَيت الْمُقَدّس غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وأعل هَذَا الحَدِيث (أَبُو مُحَمَّد) ابن حزم فَإِنَّهُ ذكره فِي محلاه من طَرِيق أبي دَاوُد وَمن طَرِيق ابْن مَاجَه الأولَى ، ثمَّ قَالَ : (هَذَانِ) الأثران لَا يشْتَغل بهما من لَهُ أدنَى علم بِالْحَدِيثِ (لِأَن) يَحْيَى بن [ أبي ] سُفْيَان الأخنسي ، وجدته حكيمة ، وَأم حَكِيم بنت أُميَّة لَا يُدْرى من هم من النَّاس ، وَلَا يجوز مُخَالفَة مَا صَحَّ بِيَقِين بِمثل هَذِه المجهولات الَّتِي لم تصح قطّ . هَذَا آخر كَلَامه ومقتضاهُ أنَّ أم حَكِيم غير حكيمة وَهِي هِيَ ؛ فَإِنَّهَا أم حَكِيم حكيمة بنت أُميَّة بن الْأَخْنَس بن عبيد جدة يَحْيَى بن أبي سُفْيَان ، وَقيل : أمه ، وَقيل : خَالَته ، رَوَى عَنْهَا (يَحْيَى) بن أبي سُفْيَان ، (وَسليمَان) بن سحيم ذكرهَا ابْن حبَان فِي ثقاته . وَيَحْيَى بن أبي سُفْيَان الأخنسي رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : شيخ من شُيُوخ الْمَدِينَة لَيْسَ بالمشهور . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، رَوَى عَن أم حَكِيم فارتفعت (عَنْهَا) الْجَهَالَة العينية والحالية ، لَا جرم أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق سُلَيْمَان ابن سُحيم [ عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان الأخنسي ] عَن أمه أم حَكِيم ، عَن أم سَلمَة سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يَقُول) : من أهل من الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِعُمْرَة غُفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه . (قَالَ) : (فركبَتْ) أمُّ حَكِيم إِلَى بَيت الْمُقَدّس (حَتَّى) (أَهَلَّتْ) بِعُمْرَة . وأعلَّه عبد الْحق بِمَا ناقشهُ فِيهِ ابْن الْقطَّان ؛ فَإِن ( عبد الْحق ) قَالَ : فِي إِسْنَاده يَحْيَى الأخنسي ، قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ : إِنَّه شيخ من شُيُوخ الْمَدِينَة ، لَيْسَ بالمشهور مِمَّن يحْتَج بِهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : كَذَا ذكر عَن أبي حَاتِم ، وَلَيْسَ عِنْده فِي كِتَابه لَفْظَة : مِمَّن يحْتَج بِهِ . وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَلَعَلَّ الإشبيلي ظَفَر بِهَذِهِ اللَّفْظَة فِي غير الْجرْح وَالتَّعْدِيل ، وأَعَلَّه غَيرهمَا بأمرٍ آخر ، ذكر الدارقطني فِي علله أَنه اختُلِف فِي إِسْنَاده ، وَهُوَ كَمَا قَالَ كَمَا شاهدته ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : اخْتلفت (الروَاة) فِي مَتنه وَإِسْنَاده اخْتِلَافا كثيرا . وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب : إِنَّه حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ . ثمَّ أنكر عَلَى صَاحب الْمُهَذّب حَيْثُ رَوَى حَدِيث أم سَلمَة هَذَا بِلَفْظ : وَوَجَبَت لَهُ الْجنَّة بِالْوَاو ، فَقَالَ : كَذَا وَقع فِي أَكثر كتب الْفِقْه . قَالَ : وَالصَّوَاب أَو وَجَبت بـأَو بِالشَّكِّ ، أَي كَمَا تقدم عَن أبي دَاوُد ، قَالَ : وَكَذَا هُوَ ب أَو فِي كتب الحَدِيث ، وصرحوا بِأَنَّهُ شكّ من عبد الله بن عبد الرَّحْمَن . وَقد (أسلفناه) لَك من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث (عبد الله) الْمَذْكُور (من) غير شكّ ، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه : مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن يحنس حَدِيثه فِي الْإِحْرَام من بَيت الْمُقَدّس (لَا يثبت) . وجزمَ بِهَذَا الذَّهَبِيّ فِي ضُعَفَائِهِ ، فِي حرف الْمِيم ، لكنه قَالَ : لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَلم أر أَنا هَذَا فِي طَرِيق الحَدِيث ، وَالَّذِي فِيهِ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن لَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فَلْيتَأَمَّل .
الحَدِيث التَّاسِع عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقت لأهل الْمشرق العقيق . هَذَا الحَدِيث (رَوَاهُ) أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، من طَرِيق يزِيد بن أبي زِيَاد ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي بن عبد الله بن عَبَّاس ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا ، كَذَلِك قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . قلت : يزِيد هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَقد تفرد بِهِ كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ ، قَالَ ابْن (فُضَيْل) : كَانَ من أَئِمَّة الشِّيعَة الْكِبَار . وَقَالَ أَحْمد : لم يكن بِالْحَافِظِ لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ ابْن معِين : لَا يحْتَج بحَديثه . وَقَالَ مرّة : ضَعِيف الحَدِيث . قيل لَهُ : أَيّمَا أحب إِلَيْك هُوَ أَو عَطاء بن السَّائِب ؟ قَالَ : (مَا أقربهما) . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : (لَيِّن) يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ضَعِيف . وَقَالَ الْجوزجَاني : سمعتهم يضعفون حَدِيثه . (وَأخرج) لَهُ مُسلم (مَقْرُونا) ، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا . وَقَالَ الْعجلِيّ : جَائِز الحَدِيث وَكَانَ بِأخرَة [ يُلقَّن ] . وَقَالَ جرير : كَانَ أحسن حفظا من عَطاء بن السَّائِب . وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك : أَكْرِمْ بِهِ . ووقعَ فِي كلامِ ابْن حزم وَابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ : ارْمِ بهِ بدل أَكْرِمْ بِهِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَا أعلم أحدا ترك حَدِيثه . وَقَالَ ابْن عدي : مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه . وَاعْترض النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب ، فَقَالَ : يزِيد هَذَا ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين . قَالَ : وَقَول التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن لَيْسَ كَمَا قَالَ . وَأَشَارَ إِلَى الْإِنْكَار عَلَى التِّرْمِذِيّ أَيْضا الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب وَلَا إِنْكَار (عَلَيْهِ) فِي ذَلِك ؛ فَإِنَّهُ لأجل اخْتِلَاف الْأَئِمَّة فِيهِ حسن حَدِيثه ، نعم الشَّأْن فِيمَا أبداه ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام ، وَهُوَ أَن هَذَا الحَدِيث مَشْكُوك فِي اتِّصَاله ؛ لِأَن مُحَمَّد بن عَلّي بن عبد الله بن عَبَّاس إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف بالرواية عَن أَبِيه ، عَن جده ابْن عَبَّاس ، وَبِذَلِك ذكر فِي كتب الرِّجَال وَفِي حديثين (ذكرهمَا) كَذَلِك ، أَحدهمَا فِي كتاب مُسلم ، وَالْآخر فِي كتاب الْبَزَّار ، ثمَّ قَالَ : وَلَا أعلمهُ يروي عَن جده إِلَّا هَذَا الحَدِيث ، وأخاف أَن يكون مُنْقَطِعًا وَلم يذكر البُخَارِيّ ، وَلَا ابْن أبي حَاتِم أَنه يروي عَن جده ، وَقد ذكر أَنه رَوَى عَن أَبِيه ، وَقَالَ مُسلم فِي كتاب الكنى : لَا يعلم لَهُ سَماع من جده (و) لَا أَنه لَقِيَهُ . هَذَا (آخر) مَا أبداه ، ولقاؤه لَهُ مُمكن ؛ فَإِنَّهُ ولد (فِي) سنة سِتِّينَ وجده توفّي سنة سبعين ، أَو سنة ثَمَان وَسِتِّينَ ، أَو تسع وَسِتِّينَ . تَنْبِيه : جملَة مَا يَجِيء فِي رُوَاة الحَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد أَرْبَعَة : أحدهم هَذَا وَأَهْمَلَهُ (الْحَافِظ جمال الدَّين) ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ . (ثانيهم) : الشَّامي الْمَتْرُوك . وَاقْتصر عَلَيْهِ . (ثالثهم) : يروي عَن الشّعبِيّ ، قَالَ أَبُو حَاتِم : لَا تقوم بِهِ حجَّة . (رابعهم) : (الْوَاقِع) فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَانَ يَمِين رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا وَأَسْتَغْفِر الله يرويهِ عَن مُحَمَّد بن هِلَال ، عَن أَبِيه عَنهُ بِهِ . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : ضَعِيف ، وَكَانَ هَذَا مَوْضُوعا . فَائِدَة : العَقِيقُ وادٍ يدفق مَاؤُهُ فِي غَوْرَى تهَامَة ، كَذَا ذكره الْأَزْهَرِي فِي تَهْذِيب اللُّغَة ، وَفِي بِلَاد الْعَرَب أَرْبَعَة أَعِقَّة ، وَهِي أَوديَة عَارِية ، وَالْمَذْكُور هُنَا أبعد من ذَات عرق بِقَلِيل ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي نكته عَلَى مُخْتَصره لصحيح مُسلم : العقيق : وَاد عَلَيْهِ أَمْوَال أهل الْمَدِينَة ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال ، وَقيل : ميلين ، وَقيل : أَرْبَعَة ، وَقيل : سِتَّة ، وَقيل : سَبْعَة ، وهما عقيقان : أَحدهمَا عقيق الْمَدِينَة عَقَّ (عَن) (حَرَّتِها) أَي : قطع ، فَهُوَ عقيق (بِمَعْنى) معقوق ، وَهُوَ العَقيق الْأَصْغَر (وَفِيه بِئْر رومة) وَالْآخر أكبر من هَذَا ، وَفِيه بِئْر عُرْوَة (الَّذِي) ذكره الشُّعَرَاء ، وثَمَّ عَقِيق (بقُرْبه) وَهُوَ من بِلَاد مزينة ، وَهُوَ الَّذِي أَقْطَعَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بلالَ بن الْحَارِث ، ثمَّ أَقْطَعَهُ عُمر (بن الْخطاب) الناسَ ، والعَقِيق الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنه مهلّ أهل الْعرَاق هُوَ من ذَات عرق ، وكل (مَسِيلٍ) شقَّهُ ماءُ السَّيْل يوسّعه فَهُوَ عقيق ، وَالْجمع أَعِقَّة ، وعَقَائِق ، والمواضع الَّتِي تسمى بالعقيق عشرَة مَوَاضِع أشهرها عقيق الْمَدِينَة ، وَأكْثر مَا يذكر فِي الْأَشْعَار ، وإيَّاه يعنون .
الحَدِيث الْحَادِي الْعشْر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يحرم إِلَّا من الْمِيقَات . هَذَا لَا شكّ فِيهِ وَلَا ريب ، وَمن تَأمل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فِي حجَّته حجَّة الْوَدَاع وجده مطابقًا لذَلِك .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا : من ترك نسكا فَعَلَيهِ دم . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ مَرْفُوعا بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَوَقفه عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي نعرفه عَن ابْن عَبَّاس ، كَذَلِك رَوَاهُ إِمَام دَار الْهِجْرَة مَالك فِي موطئِهِ عَن أَيُّوب - هُوَ ابْن (أبي تَمِيمَة) - عَن سعيد بن جُبَير ، أَن ابْن عَبَّاس قَالَ : من نسي من نُسكه شَيْئا أَو تَركه ، فليهرق دَمًا قَالَ (مَالك) : لَا أَدْرِي قَالَ : ترك (أم) نسي . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : (فَكَأَنَّهُ) قالهما (جَمِيعًا . وَفِي) الْبَيْهَقِيّ أَن أَو لَيست للشَّكّ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ مَالك ؛ بل للتقسيم ، وَالْمرَاد : يريق دَمًا سَوَاء تَركه عمدا أم سَهوا . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك كَمَا سلف ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ من جِهَته ، ثمَّ قَالَ : وَرَوَى لَيْث بن أبي سليم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : (إِذا) جَاوز الْوَقْت فَلم يحرم فَإِن خشِي أَن يرجع إِلَى الْوَقْت ، فَإِنَّهُ يحرم وأهراق (دَمًا لذَلِك) .
بَاب حَجّ الصَّبِي ذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَحَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَهُوَ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام مر بِامْرَأَة وَهِي فِي محفتها ، فَأخذت بعضد صبي كَانَ مَعهَا ؛ فَقَالَت : أَلِهَذَا حَجّ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : نعم ، وَلَك أجر . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ مُرْسلا عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب مولَى ابْن عَبَّاس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِامْرَأَة وَهِي فِي محفتها ، فَقيل لَهَا : هَذَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخذتْ بضبعي صبي كَانَ مَعهَا ، فَقَالَت : أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر . قَالَ ابْن عبد الْبر : وصل هَذَا الحَدِيث عَن مَالك : ابْن وهب وَالشَّافِعِيّ وَابْن عَثْمَة وَأَبُو (المصعب) وَعبد الله بن يُوسُف التنيسِي ، رَوَوْهُ عَن مَالك ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب ، (عَن) ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (قلت : وَلَفظ رِوَايَة الشَّافِعِي : بعضد صبي بدل بضبعي صبي ، وَرَوَاهُ أَحْمد ، عَن سُفْيَان ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة بِنَحْوِهِ ، وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب ، عَن ابْن عَبَّاس ) [ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] لَقِي ركبًا بِالرَّوْحَاءِ ، فَقَالَ : من الْقَوْم ؟ قَالَ : الْمُسلمُونَ . فَقَالُوا : من أَنْت ؟ قَالَ : رَسُول الله . فَرفعت إِلَيْهِ امْرَأَة صبيًّا فَقَالَت : أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر . ثمَّ رَوَاهُ (من حَدِيث سُفْيَان) عَن مُحَمَّد بن عقبَة ، عَن كريب ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : رفعت امْرَأَة صبيًّا لَهَا ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر . وَمن حَدِيث سُفْيَان ، عَن إِبْرَاهِيم بن عقبَة ، عَن كريب : أَن امْرَأَة رفعت صبيًّا صَغِيرا ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، أَلِهَذَا حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر . وَمن حَدِيث سُفْيَان ، عَن مُحَمَّد بن عقبَة ، عَن كريب ، عَن ابْن عَبَّاس مثله . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ كَلَفْظِ مُسلم الأول ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِأَلْفَاظ ، أَحدهَا : كَرِوَايَة الشَّافِعِي . ثَانِيهَا : بَيْنَمَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يمشى فِي بطن الروحاء ، (إِذْ) أقبل وَفد ، فَقَالَ رجل مِنْهُم : من أَنْتُم ؟ فَقَالَ : نَحن الْمُسلمُونَ ، ثمَّ قَالَت امْرَأَة : من أَنْت ؟ قَالَ : أَنا رَسُول الله . فأخرجت صبيًّا ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، أَلِهَذَا حج ؟ فَقَالَ : نعم ، وَلَك أجر . ثَالِثهَا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صدر من مَكَّة ، فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ ، استقبله ركب فَسلم عَلَيْهِم ، فَقَالَ : من الْقَوْم ؟ قَالُوا : الْمُسلمُونَ . من أَنْتُم ؟ (قَالَ) : رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ففزعتْ امْرَأَة مِنْهُم ، فَرفعت صبيًّا لَهَا من محفة ، وَأخذت بعضده ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، (هَل لهَذَا) حج ؟ قَالَ : نعم ، وَلَك أجر . قَالَ إِبْرَاهِيم بن عقبَة : حدثت بِهَذَا الحَدِيث ابْن الْمُنْكَدر ، فحجَّ بأَهْله أَجْمَعِينَ . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه : أَن امْرَأَة رفعت صبيًّا لَهَا فِي خرقَة ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله . الحَدِيث . (و) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث جَابر وَقَالَ : غَرِيب . فَائِدَة : المِحَفة : بِكَسْر الْمِيم ، وَفتح الْحَاء ، كَذَا قَيده النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث المهذَّب : المحفة : بِكَسْر الْمِيم وَبِفَتْحِهَا ، وَهِي شبه الهودج ، إِلَّا أَنه لَا قبَّة عَلَيْهَا . والرَّوْحاء : بِفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان الْوَاو وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة (ممدودة) ، مَوضِع من عمل الفُرْع - بِضَم الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء - (بَينهَا) وَبَين الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا ، كَذَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم من كَلَام طَلْحَة بن نَافِع التَّابِعِيّ الْمَشْهُور ، (و) حَكَى صَاحب الْمطَالع (أَن بَينهمَا أَرْبَعُونَ) ميلًا ، وَأَن فِي كتاب ابْن أبي شيبَة : بَينهمَا ثَلَاثُونَ ميلًا . وَكَانَ سُؤال الْمَرْأَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة ، قبل وَفَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِنَحْوِ ثَلَاثَة أشهر . ذكره النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ بعد ذَلِك فِي (تَوْجِيهه) الطَّرِيقَة القاطعة بِأَن الْأُم تحرم عَن الصَّبِي : أَنهم احْتَجُّوا بِخَبَر ابْن عَبَّاس هَذَا ، وَقَالُوا : الظَّاهِر أَنَّهَا كَانَت تحرم عَن الَّذِي رفعته فِي محفتها . انْتَهَى . أما كَونهَا أمه ، فَهُوَ ظَاهر رِوَايَة ابْن حبَان الثَّانِيَة وَرِوَايَة الطَّبَرَانِيّ أَيْضا ، وَأما أَنَّهَا الَّتِي أحْرمت عَنهُ فَلَيْسَ فِي الرِّوَايَات التَّصْرِيح بذلك ، نعم هُوَ الظَّاهِر كَمَا قَالُوهُ . وَأما حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : حجَجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ومعنا النِّسَاء وَالصبيان فلبينا عَن الصّبيان ورمينا عَنْهُم . فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث أَشْعَث بن سوار ، عَن أبي الزبير ، عَنهُ (بِهِ) ، وَاللَّفْظ لِابْنِ مَاجَه ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : كُنَّا إِذا حجَجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكُنَّا نلبي عَن النِّسَاء ونرمي عَن الصّبيان . وَهُوَ حَدِيث مَعْلُول من أوجه ، أَحدهَا : أَن أَشْعَث بن سوار (هَذَا) كوفيّ كِنْديّ ، يعرف بالنجار التوابيتي الأفرق القَاضِي ، من رجال مُسلم مُتَابعَة ، وَلينه جمَاعَة ، قَالَ أَبُو زرْعَة : فِيهِ لين . وَقَالَ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . (وَاخْتلف النَّقْل عَن يَحْيَى فِيهِ فَنقل عَبَّاس عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ : ضَعِيف) . وَنقل ( ابْن) الدَّوْرَقِي (عَنهُ) أَنه قَالَ : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ ابْن حبَان : فَاحش الْخَطَأ ، كثير الْوَهم . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . وَقَالَ عبد الْحق : أحسن مَا سَمِعت فِيهِ قَول ابْن عدي : لم أجد لَهُ متْنا مُنْكرا ، إِنَّمَا يخلط فِي الْأَسَانِيد فِي الْأَحَايِين . الثَّانِي : أَن أَبَا الزبير مُدَلّس ، وَقد عنعن . الثَّالِث : أَنه مُضْطَرب الْمَتْن ، فمتن التِّرْمِذِيّ فِيهِ كَمَا مر : نلبي عَن النِّسَاء ونرمي عَن الصّبيان أَي : يُلَبِّي الرِّجَال عَن النِّسَاء ، ويرمون عَن الصّبيان . وَلَفظ ابْن مَاجَه كَمَا مر ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة سَوَاء - أَعنِي : التَّلْبِيَة عَن الصّبيان أَيْضا - وَلم يذكر التَّلْبِيَة عَن النِّسَاء . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا أولَى بِالصَّوَابِ وأشبه بِهِ ؛ فَإِن الْمَرْأَة لَا يُلَبِّي عَنْهَا غَيرهَا ، أجمع أهل الْعلم عَلَى ذَلِك ، حَكَاهُ هَكَذَا التِّرْمِذِيّ ، قَالَ : وَإِنَّمَا لَا ترفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ فَقَط . وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه : لَعَلَّ أَنه يُرِيد أَنه لما كره لَهَا رفع صَوتهَا بِالتَّلْبِيَةِ كَانَ (رفع) أصواتنا بهَا كَأَنَّهَا عَنْهُن ، وَكَأَنَّهُم لبوا عَنْهُن ؛ إِذْ هَذَا الشعار مَقْصُود فِي الْحَج .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الحَرَم : لَا ينفر صَيْدُه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم فتح مَكَّة : إنَّ هَذَا الْبَلَد حرَّمه الله يَوْم خلق السَّمَاوَات ، لَا يعضد شَوْكُهُ ، وَلَا يُخْتلى خَلاَهُ ، وَلَا ينفر صيدُه ، وَلَا تُلْتقط لُقَطَتُهُ إِلَّا لمعَرِّف . فَقَالَ الْعَبَّاس : إِلَّا الْإِذْخر ؛ فَإِنَّهُ لَا بُد مِنْهُ (للقُيُون) والبيوت . فَقَالَ : إِلَّا الْإِذْخر وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لمَّا فتح مكةَ قَالَ : لَا ينفر صيدُها ، وَلَا يُخْتَلى خَلاهَا ، وَلَا تَحِلُّ ساقطتها إِلَّا لِمُنْشِد . فَقَالَ الْعَبَّاس : إِلَّا الْإِذْخر ؛ فَإنَّا نجعله لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا . فَقَالَ : إِلَّا الْإِذْخر . فَائِدَة : الْعَضُد : القطْع . والإِذْخر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ، كَذَا قيَّدَهُ (غيرُ واحدٍ) ، مِنْهُم صاحبُ الإِمَام ، وَهُوَ نَبْت طيب الرّيح ، قَالَ الْخطابِيّ : وَهُوَ مكسور الأوَّل ، والعامَّةُ تفتحه وَلَيْسَ بصوابٍ . والقَيْن : الحَدَّاد .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن كَعْب بن عجْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى فِي بَيْضِ نعَامٍ أَصَابَهُ المُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عباد بن يَعْقُوب ، نَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، عَن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عباسٍ ، عَن كَعْب بن عجْرَة : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى فِي بَيْضِ النَّعَام أَصَابَهُ مُحْرِم بِقَدْر ثمنه . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ مُوسَى بن دَاوُد ، عَن إِبْرَاهِيم وَقَالَ : بِقِيمَتِه وَهَذَا مَا فِي الرَّافِعِيّ وَعباد هَذَا هُوَ الروَاجِنِي ، من رجال البُخَارِيّ ، لَكِن قَالَ ابْن حبَان : هُوَ رَافِضِي دَاعِيَة ، يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير ؛ فَاسْتحقَّ التركَ . وَقَالَ ابْن عدي : يروي أَحَادِيث أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ فِي فَضْلِ أهل البَيْتِ ومثالبِ غيرِهم . وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد علمتَ حالَهُ فِي كتاب الطَّهَارَة وحُسَين هَذَا تَركه النسائيُّ وابْنُ الْمَدِينِيّ ، وَقَالَ يَحْيَى : ضَعِيف . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، يُكْتَبُ حديثُه . لَا جرم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بشيءٍ . قلت : وَرُوِيَ من طَرِيق آخر ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي المهزم ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى فِي بَيْضٍ يُصِيبهُ الْمحرم ثمنه . وَأَبُو المهزم هَذَا فتح الأميرُ (ابْن مَاكُولَا) الزايَ مِنْهُ ، وَقَالَ ابْن نَاصِر : بِكَسْرِهَا . حَكَاهُ ابْن قُتَيْبَة فِيمَا غيَّرَهُ أَصْحَاب الحَدِيث من الْأَسْمَاء ، واسْمه يزِيد بن سُفْيَان بَصرِي ضعَّفوه ، قَالَ شُعْبَة : لَو أَعْطَوه فِلْسًا لَحَدَّثهم سبعين حَدِيثا . وَقَالَ ابْن حزم فِي مُحَلاه : هَالك . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَالَّذِي رَوَاهُ عَن أبي المهزم هُوَ عَلّي بن غرابٍ ، (وَقد) عنعن وَلم يُصَرح (بِالتَّحْدِيثِ) ، وَهُوَ مَشْهُور بالتدليس وإنْ كَانَ صَدُوقًا . قلت : بَين عَلّي بن غراب وَأبي المهزم حسينُ المُعَلم (كَذَا) هُوَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ . وأمَّا ابْن مَاجَه فَفِي سَنَده بدل عَلّي بن غرابٍ : عَلّي بن عبد الْعَزِيز ، وَقيل : إِنَّه هُوَ ، فتنبّه لذَلِك . قَالَ الرّبيع : قلت للشَّافِعِيّ : (هَل) تروي (فِي) هَذِه المسألةِ شَيْئا عَالِيا ؟ فَقَالَ : أما شَيْء يَثْبُتْ مِثْلُه فَلَا . فَقلت : مَا هُوَ ؟ قَالَ : أَخْبرنِي الثِّقَة عَن أبي الزِّنَاد أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي بَيْضِ النعام يُصِيبهَا المُحْرِمُ قيمتهَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوي هَذَا مَوْصُولا ، إِلَّا أَنه مُخْتَلف فِيهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : وأجودُ مَا ورد فِي هَذَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن يَحْيَى بن خلف ، نَا أَبُو عَاصِم ، عَن ابْن جريج قَالَ : أَخْبرنِي زِيَاد ، عَن أبي الزِّنَاد قَالَ : بَلغنِي عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حكم فِي بيض النعام فِي كلِّ بَيْضَة صيامُ يَوْم . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَقد أسْند هَذَا الحَدِيث ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : إِن الصَّحِيح رِوَايَة زِيَاد ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن رجل ، عَن عَائِشَة ، قَالَه أَبُو دَاوُد السجستانيُّ وغيرُه من الحُفَّاظِ . وَقَالَ عبد الْحق : لَا يُسْنَدُ من وَجه صَحِيح . قلت : وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا رَوَاهُ الدارقطنيُّ ، وَقَالَ فِيهِ : زِيَاد بن سعد ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن رجل ، عَن عَائِشَة . وَهَذَا فِي حُكْم الْمُنْقَطع ، وَوَصله من حَدِيث أبي الزِّنَاد ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سألتُ أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الوليدُ بن مُسلم ، عَن ابْن جريج قَالَ : أحسن مَا سمعتُ فِي بيض النعام حَدِيث أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي بَيْضِ النعامِ : فِي كل بَيْضَةٍ صِيَام يومٍ ، أَو إطْعَام مسكينٍ . فَقَالَ : هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح عِنْدِي ، وَلم يسمع ابْنُ جريج من أبي الزِّنَاد شَيْئا ، يُشْبِهُ أَن يكون ابْن جريج أَخذه من إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : ذكر لِأَحْمَد بن حَنْبَل هَذَا الحديثُ فَقَالَ : لم يسمع ابْن جريج من أبي الزِّنَاد ، إِنَّمَا يُرْوى عَن زِيَاد بن سعد عَن أبي الزِّنَاد .
الحَدِيث الثَّامِن عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العَادِي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ كَذَلِك أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سنَنَيْهِمَا ، والترمذيُّ فِي جَامعه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عمَّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ ؟ قَالَ : الحَيَّة ، وَالْعَقْرَب ، والفُوَيسقة ، وَيَرْمِي الغرابَ وَلَا يقْتله ، وَالْكَلب الْعَقُور ، والسَّبع العادي ، والحدأة . وَهُوَ من رِوَايَة يزِيد بن أبي زِيَاد ، وَقد تكلم فِيهِ غيرُ واحدٍ ، وَأخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة ، وحسَّن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه هَذَا وَلم يُصَحِّحهُ لأَجْلِهِ ، وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه : لم نَأْخُذ بِهَذَا الْخَبَر فِي النَّهْي عَن قَتْلِ الْغُرَاب ؛ لِأَن (رَاوِيه) يزِيد بن أبي زِيَاد ، وَقد قَالَ فِيهِ ابنُ الْمُبَارك : ارمِ بِهِ . عَلَى جمود لِسَان ابْن الْمُبَارك وَشدَّة توقيه ، وَتكلم فِيهِ شعبةُ وأحمدُ ، وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى : لَا يحْتَج بحَديثه . وكذَّبه أَبُو أُسَامَة وَقَالَ : لَو حلف خمسين يَمِينا مَا صدقته . قلت : وَمَا نَقله عَن ابْن الْمُبَارك من قَوْله : ارْم بِهِ كَذَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ أَيْضا . لَكِن الَّذِي نَقله الحافظُ جمالُ الدِّين (الْمزي) عَنهُ أَنه قَالَ : أَكْرِم بِهِ . كَذَا هُوَ بخَطِّهِ ، وَبَينهمَا تفَاوت لائح ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب : إِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث حُمِلَ قَوْلُهُ : ويَرْمي الغرابَ وَلَا يقْتله عَلَى أَنه لَا يتَأَكَّد ندب قَتله كتأكُّدِه فِي الحيَّة والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خَمْسُ فواسق يقتلن فِي الحَرَم : الْغُرَاب ، والحدأة ، وَالْعَقْرَب ، والفأرة ، وَالْكَلب الْعَقُور . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، وَفِي رِوَايَة (لَهما) : فِي الحِلِّ وَالْحرم . وَلمُسلم عد الْحَيَّة منهُن ، وَلم يذكرهَا البخاريُّ فِي هَذَا الحَدِيث ، إِنَّمَا قَالَ : الْعَقْرَب وَلَا (قيد) الغرابَ بالأبقع ، وَقَيده مُسلم بِهِ فِي رِوَايَة . فَائِدَة : خَمْس فواسق : هُوَ بِإِضَافَة خمس لَا بتنوينه ، كَمَا ذكره النوويُّ فِي شَرحه لمُسلم . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيُّ الدِّين فِي شرح العُمْدة : الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة خمس بِالتَّنْوِينِ ، (أَي) : و فواسق صفة لَهُ ، وَتجوز بِالْإِضَافَة من غير تَنْوِين .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خَمْس من الدَّوَابّ لَيْسَ عَلَى المُحْرم فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاح . فَذكر (هَذَا) الحَدِيث الْمَذْكُور . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِي رِوَايَة لَهما : فِي الحِلِّ وَالْإِحْرَام ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم : خمس من قتلهن وَهُوَ محرم فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن زيد بن جُبَير قَالَ : سَأَلَ رجل ابْن عمر : مَا يقتل الرجل مِنَ الدَّواب وَهُوَ مُحْرِم ؟ قَالَ : حدثتني إحْدَى نِسْوَةِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه كَانَ يأمرُ بقتْل الْكَلْب ، والفأرة ، وَالْعَقْرَب ، والحدأة ، والغراب ، والحيَّة . قَالَ : وَفِي الصَّلَاة أَيْضا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي مَعْنَى هَذِه الْمَذْكُورَات الْحَيَّة وَالذِّئْب . قلت : قد ورد النصُّ فيهمَا ، أمَّا الْحَيَّة ؛ فقد أسلفناها فِي حَدِيث عَائِشَة قَرِيبا عِنْد مسلمٍ ، وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر [ محرما ] بقَتْلِ حَيَّةٍ بمنى قَالَ الْحَاكِم : وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَعند أَحْمد من حَدِيث (جرير) عَن لَيْث ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خمس كُلهنَّ فاسقة ، يقتلهن المُحْرِمُ ويُقْتَلْنَ فِي الْحرم : الْفَأْرَة ، وَالْعَقْرَب ، والحية ، وَالْكَلب الْعَقُور ، والغراب . وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ذكرهَا ، وَقد (أسلفناه) فِي الحَدِيث الثَّامِن عشر . وَأما الذِّئْب : فَفِي مَرَاسِيل أبي دَاوُد عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يقتل المُحْرِمُ الذئبَ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَن (وبرة) ونافعٍ عَن ابْن عمر مَرْفُوعا .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين ورد النَّهْي عَن قَتْلِ النَّحْل والنمل . هَذَا صَحِيح ، فَفِي مُسْند أَحْمد و سنَن أبي دَاوُد فِي بَاب الْأَدَب - فِي آخِره - و ابْنِ مَاجَه فِي الصَّيْد ، و صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن قَتْلِ أَربع مِنَ الدَّوَابّ : النملة ، والنحلة ، والهدهد ، والصرد . إِسْنَاده صَحِيح ، قَالَ صَاحب الإِمَام : رِجَاله رجال الصَّحِيح . وَخَالف أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة ، فَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سألتُ أبي عَنهُ فَقَالَ : هُوَ حَدِيث مُضْطَرب . قَالَ : وَقَالَ أَبُو زرْعَة : الصَّحِيح أَنه مُرْسل . وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي أَوَائِل بَاب الْأَطْعِمَة من طرق عَن ابْن عَبَّاس ، وَقَالَ : إِنَّه أَقْوَى مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب . قَالَ : وَقد رُوي من حَدِيث عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس بن سهل بن سعد (السَّاعِدِيّ) قَالَ : سمعتُ أبي يذكر عَن (جَدِّي ) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَنه نهَى عَن قَتْلِ الْخَمْسَة : عَنِ النملة ، والنحلة ، والضفدع ، والصرد ، والهدهد . قَالَ : وَهَذِه الطَّرِيق تفرد بهَا عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس (وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : ورُوي هَذَا الحَدِيث أَيْضا من طَرِيق أبي هُرَيْرَة) ، وَهُوَ وهم ، وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنه عَن عبد الله بن عَبَّاس .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين ورد النَّهْي عَن قَتْل الخطاف . هُوَ كَمَا قَالَ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة أبي الْحُوَيْرِث عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة - وَهُوَ من تَابِعِيّ التَّابِعين (أَو من التَّابِعين) - عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَنه نهَى عَن قَتْل الخطاطيف ، وَقَالَ : لَا تقتلُوا هَذِه العوذ ، إِنَّهَا تعوذ بكم من غَيْركُمْ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن عباد بن إِسْحَاق ، عَن أَبِيه قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن (الخطاطيف) عُوَّذِ البيوتِ . وَمن هَذَا الْوَجْه أخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كِلَاهُمَا مُنْقَطع . قَالَ : وَرَوَى حَمْزَة النصيبي فِيهِ حَدِيثا مُسْندًا ، إِلَّا أَنه كَانَ يُرْمى بِالْوَضْعِ . وصَحَّ عَن عبد الله بن عَمرو بن الْعَاصِ (مَوْقُوفا) عَلَيْهِ أَنه قَالَ : لَا تقتلُوا الضفادع ؛ فَإِن نقيقها تَسْبِيح ، وَلَا تقتلُوا الخفاش ؛ فَإِنَّهُ لمَّا خَرِبَ بيتُ المقْدِسِ قَالَ : يَا ربِّ سَلطنِي (عَلَى) الْبَحْر حَتَّى أُغْرِقَهُمْ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده صَحِيح . وَفِي بعض نُسَخ التَّذْكِرَة لِابْنِ طَاهِر الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا النهيُّ عَن قَتْلِ الخطاطيف والأمرُ بقَتْل العنكبوت ، وَكَانَ يُقَال : إِنَّهَا مسخ . أعلَّه ب عَمرو بْنِ جُمَيْع ، قَالَ يَحْيَى : كَانَ كذابا خبيثًا .
الْأَثر السَّادِس عشر : عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ أَنه أوجب فِي الْقبْلَة شَاة . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشَّافِعِي ، ثَنَا شريك ، عَن جَابر ، عَن أبي جَعْفَر ، عَنهُ أَنه قَالَ : من قبل امْرَأَته وَهُوَ محرم فليهرق دَمًا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُنْقَطع : يُرِيد فِيمَا بَين أبي جَعْفَر وَهُوَ مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن وَبَين عَلّي بن أبي طَالب . قلت : وَجَابِر هُوَ الْجعْفِيّ ، وحالته علمت .
الْأَثر الثَّامِن عشر : عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَنه أوجب الْجَزَاء بقتل الْجَرَاد . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، عَن شُعَيْب ، عَن عَلّي بن عبد الله الْبَارِقي ، قَالَ : كَانَ عبد الله بن عمر يَقُول : (فِي الْجَرَاد قَبْضَة من طَعَام) . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن عَبدة ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة أَن محرما أصَاب جَرَادَة فَحكم عَلَيْهِ عبد الله بن عُمر وَرجل آخر ، فَحكم عَلَيْهِ أَحدهمَا بتمرة ، وَالْآخر بكسرة . وَرَوَاهُ عبد الله بن عَمْرو أَيْضا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، عَن خَالِد بن عبد الله ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة عَنهُ أَنه حكم فِي الْجَرَاد بتمرة . وَسَيَأْتِي فِي آخر الْبَاب أَيْضا ، وَرَوَاهُ عمر أَيْضا ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سعيد [ عَن ] ابْن جريج ، عَن يُوسُف بن مَاهك أَن عبد الله بن أبي عمار أخبرهُ أَنه أقبل مَعَ معَاذ بن جبل وَكَعب الْأَحْبَار فِي أنَاس محرمين من بَيت الْمقدس بِعُمْرَة ، حَتَّى إِذا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق ، وَكَعب عَلَى (نَار) يصطلي مرت بِهِ رِجْل (من) جرادٍ ، فَأخذ جرادتين (قَتلهمَا) وَنسي إِحْرَامه ، ثمَّ ذكر إِحْرَامه فألقاهما ، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة دخل الْقَوْم عَلَى عمر بن الْخطاب وَدخلت مَعَهم ، فَقص كَعْب قصَّة الجرادتين (عَلَى عمر فَقَالَ عمر : مَا جعلت فِي نَفسك ؟ قَالَ) : دِرْهَمَيْنِ قَالَ : بخ ، دِرْهَمَانِ خير من مائَة جَرَادَة ، اجْعَل مَا جعلت فِي نَفسك .
الْأَثر التَّاسِع عشر : عَن ابْن عَبَّاس مثله . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، عَن سعيد [ عَن ] ابْن جريج قَالَ : أَخْبرنِي بكير بن عبد الله ، قَالَ : سَمِعت الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، قَالَ : كنت جَالِسا عِنْد ابْن عَبَّاس فَسَأَلَهُ رجل عَن جَرَادَة قَتلهَا وَهُوَ محرم ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس : فِيهَا قَبْضَة من طَعَام ، ولنأخذن بقبضة جرادات ، (وَلَكِن لَو) . قَالَ الشَّافِعِي : قَوْله : ولنأخذن بقبضة جرادات :) أَي إِنَّمَا فِيهَا الْقيمَة وَقَوله : وَلَو . يَقُول : تحتاط ، فَتخرج أَكثر مِمَّا عَلَيْك بعد أَن أعلمتك أَنه أَكثر مِمَّا عَلَيْك . ورويا أَيْضا بإسنادهما الصَّحِيح ، عَن عَطاء ، قَالَ : سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن صيد الْجَرَاد فِي الْحرم ؟ فَقَالَ : لَا . وَنَهَى عَنهُ ، قَالَ : إِمَّا قلت لَهُ أَو رجل من الْقَوْم : فَإِن قَوْمك يأخذونه وهم محتبون فِي الْمَسْجِد ؟ فَقَالَ : لَا يعلمُونَ . وَفِي رِوَايَة : منحنون . قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا أصوب ، كَذَا رَوَاهُ الْحفاظ منحنون بنونين بَينهمَا حاء مُهْملَة . وَقَالَ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه : حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب ، عَن عَمْرو بن الْحَارِث ، عَن بكير بن عبد الله ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَن ابْن عَبَّاس أفتَى محرما قتل جَرَادَة ، أَن يتَصَدَّق بقبضة من طَعَام . قَالَ : وثنا هشيم ، أَنا أَبُو يُونُس ، عَن يُوسُف بن مَاهك ، قَالَ : جَاءَ (رِجْل) من جرادٍ حَتَّى دخل الْحرم ، فَجعل غلْمَان مَكَّة يَأْخُذُونَ مِنْهُ ، فنهاهم ابْن عَبَّاس ، فَقَالَ : لَو أَنهم يعلمُونَ مَا فِيهِ مَا أخذُوا مِنْهُ شَيْئا .
الْأَثر الثَّانِي وَالثَّالِث : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلَا بَأْس أَيْضا بشد الْهِمْيَان والمنطقة عَلَى الْوسط لحَاجَة النَّفَقَة ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . أما أثر عَائِشَة : فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا سُئلت عَن الْهِمْيَان للْمحرمِ ، فَقَالَت : وَمَا بَأْس ليستوثق من نَفَقَته . وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة : ثَنَا حَفْص بن غياث ، (عَن) يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلت عَن الْهِمْيَان للْمحرمِ (فَقَالَت) أوثق نَفَقَتك فِي حقويك . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة : أَنَّهَا كَانَت ترخص فِي المنطقة للْمحرمِ . فَقَالَ : يرويهِ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، وَاخْتلف عَنهُ) : فَرَوَاهُ يَحْيَى بن سيعد الْقطَّان وَيَحْيَى بن أَيُّوب الْمصْرِيّ ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة . وَخَالَفَهُمَا ابْن فُضَيْل فَرَوَاهُ ، عَن يَحْيَى ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، قَال : وَالْأول أشبه بِالصَّوَابِ . وَأما أثر ابْن عَبَّاس ، فَرَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ) فِي سنَنه من حَدِيث شريك ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَطاء ، وَسَعِيد بن جُبَير عَنهُ قَالَ : رخص للْمحرمِ فِي الْخَاتم والهميان . وَفِي رِوَايَة لَهُ من هَذَا الْوَجْه : لَا بَأْس بالهميان والخاتم للْمحرمِ ترْجم عَلَيْهِمَا الْبَيْهَقِيّ وَعَلَى أثر عَائِشَة السالف (الْمحرم يلبس المنطقة والهميان للنَّفَقَة والخاتم) ، وَلم يذكر المنطقة فِي روايتهما . فَكَأَنَّهُ قاسها عَلَى الْهِمْيَان . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن وَكِيع ، عَن سُفْيَان ، عَن حميد الْأَعْرَج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : لَا بَأْس بِهِ أَي : بالهميان للْمحرمِ . وَرَوَاهُ ابْن عدي وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث يُوسُف بن خَالِد السَّمتي ، ثَنَا زِيَاد بن سعد ، عَن صَالح مولَى التَّوْأَمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرَى بالهميان للْمحرمِ بَأْسا . رَوَى ذَلِكَ ابْن عَبَّاس ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ويوسف هَذَا واهٍ ، وَصَالح مولَى التَّوْأَمَة تغير بِأخرَة . وَرَوَاهُ ابْن عدي فِي كَامِله أَيْضا بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رخص للهميان فِي الْمحرم . وَفِي سَنَده مَعَ صَالح أَحْمد بن ميسرَة ، قَالَ أَحْمد : لَا أعرفهُ . وَقَالَ ابْن عدي : لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث ، وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ ، قَالَ : عَلَى أَنه قد رَوَاهُ عَن صَالح : إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، وَإِبْرَاهِيم يحْتَمل تَضْعِيفه ، وَزِيَاد لَا يحْتَمل ؛ لِأَنَّهُ ثِقَة ، وَهُوَ مُنكر من حَدِيث زِيَاد بن سعد ، عَن صَالح . (وَرَوَاهُ) من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : رخص فِي الْهِمْيَان للْمحرمِ يُشَدُّ فِيهِ نَفَقَته . الْأَثر الرَّابِع : قَالَ الرَّافِعِيّ : والحناء لَيْسَ بِطيب كَانَ نسَاء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يختضبن وَهن مُحرمَات . وَهَذَا الْأَثر ذكره صَاحب الْمُهَذّب أَيْضا ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه : إِنَّه غَرِيب . قَالَ : وَقد حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر فِي الإشراف بِغَيْر إِسْنَاد ، وَإِنَّمَا رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَسْأَلَة حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلت عَن الْحِنَّاء والخضاب ، فَقَالَت : كَانَ خليلي صلى الله عليه وسلم (لَا يحب رِيحه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فِيهِ كالدلالة عَلَى أَن الْحِنَّاء لَيْسَ بِطيب ؛ فقد كَانَ صلى الله عليه وسلم (يحب الطّيب ، وَلَا يحب [ ريح ] الْحِنَّاء . انْتَهَى . وَهَذَا الْأَثر الَّذِي استغربه النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قد ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام أَيْضا وَلم يعزه . وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمعرفَة فَقَالَ : وروينا عَن عِكْرِمَة أَن عَائِشَة وَأَزْوَاج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كن يختضبن بِالْحِنَّاءِ وَهن مُحرمَات . ذكره ابْن الْمُنْذر . قلت : وَهَذَا قد أسْندهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه (فَقَالَ : حَدَّثَنَا عبد الله بن أَحْمد ، حَدَّثَني أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَيُّوب صَاحب الْمَغَازِي) ، ثَنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش ، عَن يَعْقُوب (بن) عَطاء ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : كن أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يختضبن بِالْحِنَّاءِ وَهن مُحرمَات ، ويلبسن المعصفر وَهن مُحرمَات . وَيَعْقُوب بن عَطاء ، الظَّاهِر أَنه ابْن أبي رَبَاح وهاه أَحْمد ، وَضَعفه ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَعَمْرو بن دِينَار سمع من ابْن عَبَّاس كَمَا صرح بِهِ الرَّامَهُرْمُزِيُّ فِي كِتَابه الْفَاصِل ، وَلَا تغتر بقول الْحَاكِم : عَامَّة أَحَادِيثه (عَن الصَّحَابَة) غير مسموعة ، فَزَالَتْ إِذن الغرابة الَّتِي ادَّعَاهَا النَّوَوِيّ ، وَعرف مخرجه ، وَللَّه الْحَمد . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : وروينا عَن عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلت عَن خضاب الْحِنَّاء فَقَالَت : كَانَ خليلي صلى الله عليه وسلم لَا يحب رِيحه . وَهَذَا قد أسْندهُ فِي سنَنه بِإِسْنَاد حسن ، قَالَ : وَمَعْلُوم أَنه كَانَ يحب الطّيب فَيُشبه أَن يكون الْحِنَّاء غير دَاخل فِي جملَة الطّيب . وَهَذَا قد قدمْنَاهُ عَن شيبَة أَيْضا . وَذكر فِي الْمعرفَة عَن خَوْلَة بنت حَكِيم ، عَن أَبِيهَا مَرْفُوعا : لَا تطيبي وَأَنت مُحرمَة ، وَلَا تمسي الْحِنَّاء ؛ فَإِنَّهُ طيب . وَقَالَ : إِسْنَاده ضَعِيف ؛ فِيهِ ابْن لَهِيعَة غير مُحْتَج بِهِ . وَفِي سنَن ابْن مَاجَه : ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى ، ثَنَا حجاج ، ثَنَا يزِيد بن إِبْرَاهِيم ، ثَنَا أَيُّوب ، عَن (معَاذَة) أَن امْرَأَة سَأَلت عَائِشَة قَالَت : تختضب الْحَائِض ؟ فَقَالَت : كُنَّا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَنحن نختضب (فَلم يكن) ينهانا عَنهُ وَهَذَا عَام . فَائِدَة : عدَّ أَبُو حنيفةَ الدِّينوَرِي وَغَيره من أهل اللُّغَة الْحِنَّاء من أَنْوَاع الطّيب . وَقَالَ الْهَرَوِيّ فِي غَرِيبه فِي الحَدِيث : سيد رياحين الْجنَّة (الفاغية) قَالَ الْأَصْمَعِي : هُوَ نَوْر الحِنَّاء ، وَفِي الحَدِيث أَيْضا عَن أنس : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تعجبه الفاغية . قلت : رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده . وَقَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ : الفاغية مَا أنبتت الصَّحرَاء من الأَنْوَار الريحة الَّتِي لَا تزرع .
الْأَثر الْخَامِس عشر : عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما أَنه قَالَ فِي المجامع امْرَأَته فِي الْإِحْرَام : فَإِذا أَتَيَا الْمَكَان الَّذِي أصابا فِيهِ مَا أصابا يفترقا . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَمَا سلف قَرِيبا ، وَرَوَاهُ (أَبُو دَاوُد) فِي مراسيله مَرْفُوعا ، لكنه مُرْسل وَضَعِيف ، رَوَاهُ عَن يزِيد بن نعيم أَو زيد بن نعيم - شكّ (أَبُو تَوْبَة) - أَن رجلا من جذام جَامع امْرَأَته وهما محرمان ، فَسَأَلَ الرجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لَهما : اقضيا نسككما ، وأهديا هَديا ، ثمَّ ارْجِعَا ، حَتَّى إِذا كنتما بِالْمَكَانِ الَّذِي أصبْتُمَا فِيهِ مَا أصبْتُمَا فتفرقا وَلَا يرَى وَاحِد مِنْكُمَا صَاحبه ، وعليكما حجَّة أُخْرَى ، فتقبلان حَتَّى إِذا كنتما بِالْمَكَانِ الَّذِي أصبْتُمَا فِيهِ مَا أصبْتُمَا فأحرما ، وأتما نسككما وأهديا . قَالَ ابْن الْقطَّان : زيد بن نعيم لَا يعرف و ( يزِيد) بن نعيم ثِقَة . قَالَ ابْن وهب فِي موطئِهِ : أَخْبرنِي ابْن لَهِيعَة ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن عبد الرَّحْمَن (بن حَرْمَلَة) ، عَن ابْن الْمسيب أَن رجلا من جذام جَامع امْرَأَته وهما محرمان ، فَسَأَلَ الرجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لَهما : أتِمَّا حجَّكما ، ثمَّ ارْجِعَا وعليكما حجَّة أُخْرَى ، فَأَقْبَلَا حَتَّى إِذا كنتما بِالْمَكَانِ الَّذِي أصبْتُمَا فِيهِ مَا أصبْتُمَا فأحرما وتفرقا ، وَلَا يرَى وَاحِد مِنْكُمَا صَاحبه ، ثمَّ أتِمَّا نسككما وأهديا . فَهَذَا الحَدِيث يُفَسر مَا أُمرا بِهِ ، وَهُوَ أَن يَتَفَرَّقَا فِي العودة ، وَالْأول فِيهِ الْأَمر بِالتَّفْرِيقِ فِي الرُّجُوع لَا فِي العودة . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا غير بَين وَوَقع فِي أَحْكَام عبد الْحق ، عَن مَرَاسِيل أبي دَاوُد : الْأَمر بِالتَّفْرِيقِ فِي العودة ، فَقَالَ : بعد قَوْله : مَا أصبْتُمَا فتفرقا وَلَا يرَى أحد مِنْكُمَا صَاحبه فأحرما إِلَى آخِره .
الْأَثر السَّابِع عشر : عَن ابْن عَبَّاس مثله . هَذَا الْأَثر أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ بِأَنَّهُ قَالَ لما رَوَى أثر عَلّي ، قَالَ : وَمَا رُوِيَ فِي مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس : فَإِنَّهُ يتم حَجَّه قَالَ : وَهُوَ قَول سعيد بن جُبَير ، وَقَتَادَة ، وَالْفُقَهَاء .
الْأَثر السَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ : عَن عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها ( أَنَّهَا) كَانَت تنقل مَاء زَمْزَم . هَذَا الْأَثر حسن رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن من حَدِيث عُرْوَة ابْن الزبير عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تحمل مَاء زَمْزَم وتخبر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَفْعَله . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد - حَدَّثَنِيهِ ابْن خُزَيْمَة إِمَام الْأَئِمَّة وَغَيره - وَلم يخرجَاهُ . وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ هَكَذَا وبلفظ حمله رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الأداوى والقرب ، وَكَانَ يصب عَلَى الْمَرْضَى ويسقيهم نقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : لَا يُتَابع خَلاد بن يزِيد عَلَى هَذَا الحَدِيث . قلت : وخلاد هَذَا فِي رِوَايَة من سُقْنَا حَدِيثه وَهُوَ من رجال التِّرْمِذِيّ فَقَط ، وَذكره الْمزي فِي تهذيبه ، عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ لأَجله . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه : وَهَذَا الحَدِيث انْفَرد بِهِ . خَاتِمَة : اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ لأحد الْأَقْوَال فِيمَا إِذا حلق شَعْرَة أَو شعرتين ، وأوجبنا فِي الشعرة الْوَاحِدَة درهما وَفِي الشعرتين (دِرْهَمَيْنِ) بِأَن قَالَ : كَانَت الشَّاة تقوَّم فِي عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِثَلَاثَة دَرَاهِم تَقْرِيبًا فاعتبرت تِلْكَ الْقيمَة عِنْد الْحَاجة عِنْد التَّوْزِيع . وَكَذَا علل هَذَا القَوْل (غَيره) من الْأَصْحَاب وَهَذِه دَعْوَى غَرِيبَة وَقد أبطلها النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : هَذَا مُجَرّد دَعْوَى لَا أصل لَهَا - يَعْنِي تَقْوِيم الشَّاة فِي عَهده عَلَيْهِ السَّلَام بِثَلَاثَة دَرَاهِم - فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام عَادل بَينهَا وَبَين عشرَة دَرَاهِم فِي الزَّكَاة فَجعل الْجبرَان شَاتين أَو عشْرين درهما . وَقد سبقه إِلَى إِنْكَار ذَلِكَ الْمُتَوَلِي ، وَقَالَ : إِنَّه بَاطِل لأوجه : أَحدهَا : أَن الْموضع الَّذِي يُصَار (فِيهِ) إِلَى التَّقْوِيم فِي فديَة الْحَج لَا تَخْرِيج الدَّرَاهِم بل يصرف الطَّعَام ، وَهُوَ جَزَاء الصَّيْد وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يصرف إِلَى الطَّعَام . ثَانِيهَا : أَن الِاعْتِبَار فِي الْقيمَة بِالْوَقْتِ لِأَن مَا كَانَ فِي عَهده عَلَيْهِ (الصَّلَاة) وَالسَّلَام كَانَ فِي جَزَاء الصَّيْد فَإِنَّهُ يقوم بالأمثل (لَهُ) من النعم بِقِيمَة الْوَقْت ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن تجب قيمَة (ثلث شَاة) . ثَالِثهَا : أَن الشَّرْع خير بَين الشَّاة وَالطَّعَام ، (وَالطَّعَام) يحْتَمل التَّبْعِيض كَمَا ذكرنَا .
وَأما آثاره فسبعة وَثَلَاثُونَ أثرا . أَولهَا : أَن أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قدمُوا مَكَّة متقلدين بسيوفهم عَام عمْرَة الْقَضَاء . وَهَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، عَن عبد الله بن أبي بكر ، أَن أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قدمُوا فِي عمْرَة الْقَضَاء متقلدين السيوف وهم محرمون . وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من رِوَايَة الْبَراء قَالَ : اعْتَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ذِي الْقعدَة ، فَأَبَى أهل مَكَّة أَن يَدعُوهُ يدْخل مَكَّة حَتَّى قاضاهم لَا يدْخل مَكَّة سِلَاحا إِلَّا فِي القراب . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج مُعْتَمِرًا فحال كفار قُرَيْش بَينه وَبَين الْبَيْت ، فَنحر هَدْيه وَحلق رَأسه بِالْحُدَيْبِية ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَن يعْتَمر الْعَام الْمقبل ، وَلَا يحمل سِلَاحا عَلَيْهِم إِلَّا سيوفًا وَلَا يُقيم [ بهَا ] إِلَّا مَا أحَبُّوا ، فَاعْتَمَرَ من الْعَام الْمقبل فَدَخلَهَا كَمَا كَانَ صَالحهمْ فَلَمَّا أَقَامَ بهَا ثَلَاثًا أَمرُوهُ أَن يخرج فَخرج .
الْأَثر السَّابِع ، وَالثَّامِن ، وَالتَّاسِع ، والعاشر : قَالَ الرَّافِعِيّ : وللجماع فِي الْحَج وَالْعمْرَة نتائج ، فَمِنْهَا : فَسَاد النّسك ، يروون ذَلِكَ عَن عمر ، وَعلي ، وَابْن عَبَّاس ، وَأبي هُرَيْرَة ، وَغَيرهم من الصَّحَابَة . انْتَهَى . أما أثر عمر : فَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ بلاغًا وَهَذَا لَفظه : أَنه بلغه أَن عمر بن الْخطاب ، وَعلي بن أبي طَالب ، وَأَبا هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهم سئلوا : عَن رجل أصَاب أَهله وَهُوَ محرم بِالْحَجِّ ؟ قَالُوا : ينفذان لوجههما - يَعْنِي (يقضيان) حجهما - ثمَّ عَلَيْهِمَا الْحَج من قَابل وَالْهَدْي . وَقَالَ عَلّي : فَإِذا أَهلا بِالْحَجِّ (من) عَام قَابل ، تفَرقا حَتَّى يقضيا حجهما . وأسنده الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَطاء أَن عمر بن الْخطاب قَالَ فِي محرم بِحجَّة أصَاب (امْرَأَته) يَعْنِي وَهِي مُحرمَة - فَقَالَ : يقضيان حجهما وَعَلَيْهِمَا الْحَج من قَابل من حَيْثُ كَانَا أحرما ، ويفترقان حَتَّى يُتِمَّا حجهما . قَالَ عَطاء : وَعَلَيْهِمَا بَدَنَة إِن أَطَاعَته أَو استكرهها ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمَا بَدَنَة . وَهَذَا مُنْقَطع فَإِن عَطاء لم يدْرك (عمر) إِنَّمَا ولد فِي آخر خلَافَة عُثْمَان . وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، عَن سُفْيَان ، [ عَن يزِيد بن ] يزِيد بن جَابر قَالَ : سَأَلت مُجَاهدًا عَن الرجل يَأْتِي امْرَأَته وَهُوَ محرم فَقَالَ : قد كَانَ ذَلِكَ عَلَى عهد عمر بن الْخطاب فَقَالَ عمر : يقضيان حجهما ، وَالله أعلم بحجهما ، ثمَّ يرجعان حَلَالا حَتَّى إِذا كَانَا من قَابل حَجَّا وأهديا . وَأما أثر عَلّي فقد سلف آنِفا . وَأما أثر ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، عَن هشيم ، ثَنَا أَبُو بشر ، حَدَّثَني رجل من قُرَيْش أَن رجلا وَقع بامرأته وهما محرمان ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس : اقضيا (مَا) عَلَيْكُمَا من نسككما هَذَا ، وعليكما الْحَج من قَابل . وَهَذَا فِيهِ جَهَالَة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شُعْبَة عَن أبي بشر ، قَالَ أَبُو بشر : سَمِعت رجلا من بني عبد الدَّار قَالَ : أَتَى رجل ابْن عَبَّاس فَسَأَلَهُ عَن محرم وَقع بامرأته ، فَقَالَ : يقضيان مَا بَقِي من (نسكهما) فَإِذا كَانَ قَابل حجَّا ، فَإِذا أَتَيَا الْمَكَان الَّذِي أصابا فِيهِ مَا أصابا تفَرقا وَعَلَى كل واحدٍ مِنْهُمَا هدي ، أَو قَالَ : عَلَيْهِمَا الْهَدْي . قَالَ أَبُو بشر : فَذكرت ذَلِكَ لسَعِيد بن جُبَير فَقَالَ : هَكَذَا كَانَ يَقُول ابْن عَبَّاس . وَهَذَا أَيْضا فِيهِ جَهَالَة كَمَا ترَى . (وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي) حَدِيث عِكْرِمَة أَن رجلا وَامْرَأَته من قُرَيْش لقيا ابْن عَبَّاس بطرِيق الْمَدِينَة ، فَقَالَ : أصبت أَهلِي ! فَقَالَ ابْن عَبَّاس : أما حجكما هَذَا فقد بَطل فحجَّا عَاما قَابلا ، ثمَّ أهِلَّا من حَيْثُ أهللتما حَتَّى إِذا بلغتما حَيْثُ وَقعت عَلَيْهَا ففارقها ، فَلَا تراك وَلَا ترَاهَا حَتَّى ترميا الْجَمْرَة ، ولتهد نَاقَة . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَنه سُئِلَ عَن رجل وَقع عَلَى امْرَأَته وَهُوَ محرم ، قَالَ : اقضيا نسككما وارجعا إِلَى بلدكما ، فَإِذا كَانَ عَام قَابل ، (فاخرجا) حاجين ، فَإِذا أحرمتما فتفرقا وَلَا تلتقيا حَتَّى تقضيا نسككما ، وأهديا هَديا) . وَفِي رِوَايَة لَهُ : ثمَّ أهِلَّا من حَيْثُ أهللتما أول مرّة . وَرَوَى ابْن خُزَيْمَة ثمَّ الْبَيْهَقِيّ إِلَيْهِ بِإِسْنَاد صَحِيح أَنه قَالَ : إِذا جَامع فعلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا بَدَنَة وَفِي رِوَايَة لَهما : يُجزئ بَينهمَا جزور . وَفِي الْمُوَطَّأ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن رجل وَقع عَلَى أَهله وَهُوَ بمنى قبل أَن يفِيض ، فَأمره أَن ينْحَر بَدَنَة . وَفِي رِوَايَة لَهُ الَّذِي يُصِيب أَهله قبل أَن يفِيض يعْتَمر ويُهْدي . وَفِي مُسْند أبي حنيفَة عَنهُ ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن ابْن عَبَّاس الرجل يواقع امْرَأَته بَعْدَمَا وقف بِعَرَفَة ، قَالَ : عَلَيْهِ بَدَنَة ، وَتمّ حجه . وَأما أثر أبي هُرَيْرَة فَتقدم عَن رِوَايَة مَالك ، وَقَول الرَّافِعِيّ وَغَيرهم من الصَّحَابَة هُوَ كَمَا قَالَ ، وستعلمه عَن ابْن عَمْرو ، وَابْن عمر .
الْأَثر الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ : عَن ابْن الزبير رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : إِن الشَّجَرَة الْكَبِيرَة تضمن ببقرة ، وَإِن الصَّغِيرَة تضمن بِشَاة . هَذَا الْأَثر ذكره الشَّافِعِي فَقَالَ (كَمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ من قطع من شجر الْحرم شَيْئا جَزَاؤُهُ حَلَالا كَانَ أَو محرما ، فِي الشَّجَرَة الْكَبِيرَة بقرة ، وَفِي الصَّغِيرَة شَاة . وَرُوِيَ هَذَا عَن ابْن الزبير وَعَطَاء . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْإِمْلَاء كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا) : والفدية فِي مُتَقَدم الْخَبَر عَن ابْن الزبير وَعَطَاء مجتمعة فِي أَن فِي الدوحة بقرة ، والدَوْحَة : الشَّجَرَة الْعَظِيمَة . وَقَالَ عَطاء : فِي الشَّجَرَة دونهَا شَاة . قَالَ الشَّافِعِي : فَالْقِيَاس أَولا مَا وصفت فِيهِ أَنه يفْدِيه من أَصَابَهُ بِقِيمَتِه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وروينا [ عَن ابْن جريج ] عَن عَطاء فِي الرجل يقطع من شجر الْحرم قَالَ : (فِي الْقَضِيب دِرْهَم ، وَفِي الدَّوْحَة بقرة) . قلت : وَقَالَ سعيد بن مَنْصُور بعد أَن قَالَ : أبنا هشيم ، قَالَ : أَخْبرنِي بعض أشياخنا ، عَن عَطاء أَنه كَانَ يَقُول : الْمحرم إِذا قطع شَجَرَة عَظِيمَة من شجر الْحرم فَعَلَيهِ بَدَنَة . وَهَذَا الشَّيْخ مَجْهُول لَا تقوم الْحجَّة بروايته . [ عَن هشيم ] أَخْبرنِي حجاج قَالَ : سَأَلت عَطاء غير مرّة عَمَّن قطع من شجر الْحرم قَالَ : يسْتَغْفر الله وَلَا يعود . قلت : فَهَذَا خلاف عَن عَطاء . فَائِدَة : الدَوْحَة - بِفَتْح الدَّال وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - : الشَّجَرَة الْعَظِيمَة . والجَزْلة - بِفَتْح الْجِيم وبالزاي الْمُعْجَمَة الساكنة - هِيَ الغليظة . كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد : الدَوْحَة : الشَّجَرَة الْكَبِيرَة ذَات الأغصان ، والجَزْلة : الَّتِي لَا أَغْصَان لَهَا . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَأطلق أَكثر الْأَصْحَاب أَن الجزلة هِيَ الشَّجَرَة الصَّغِيرَة .
الْأَثر الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ : عَن الصَّحَابَة رَضي اللهُ عَنهم أَنهم حكمُوا فِي الْجَرَاد بِالْقيمَةِ وَلم يقدروا . هَذَا صَحِيح عَنْهُم وَقد تقدم ذَلِكَ فِي الْأَثر الثَّامِن عشر عَن عمر وَابْنه ، وَعبد الله بن عَمْرو ، وَفِي الْأَثر التَّاسِع عشر عَن (ابْن) عَبَّاس مثله أَيْضا ، وَفِي الْأَثر الَّذِي يَلِيهِ عَن عمر أَيْضا ، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار أَن رجلا سَأَلَ عمر بن الْخطاب عَن جَراد أصابهن وَهُوَ محرم ، فَقَالَ : فِي الجرادة تَمْرَة . وَهَذَا رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ لَكِن مُنْقَطِعًا ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عمر . وَرَوَاهُ سعيد أَيْضا عَن هشيم ، (أبنا) أَبُو بشر ، عَن يُوسُف بن مَاهك قَالَ : قَالَ كَعْب : مَرَرْنَا برِجْلٍ من جَراد ، وَنحن محرمون ، فَعمد رجل منا إِلَى جرادتين فألقاهما فِي النَّار ، ثمَّ أكلهما ، فَلَمَّا قدمت عَلَى عمر بن الْخطاب ذكرت ذَلِكَ (لَهُ) فَقَالَ عمر : لَعَلَّك أَنْت هُوَ ؟ قلت : نعم . قَالَ : فَمَا نَوَيْت فِي نَفسك ؟ قلت : دِرْهَمَيْنِ . فَقَالَ عمر : إِنَّكُم معاشر أهل حمص كَثِيرَة دراهمكم ، لتمرتين أحب إليَّ من جرادتين . ثمَّ قَالَ : أمض الَّذِي نَوَيْت فِي نَفسك . وَقد سلف هَذَا عَن عمر من طَرِيق آخر قبل الْأَثر الْحَادِي بعد الْعشْرين ، وَمن طَرِيق آخر فِي الْأَثر الثَّامِن عشر . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن فُضَيْل ، عَن يزِيد ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن كَعْب فَذكره . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش ، عَن الْأسود ، عَن عمر بِمثلِهِ .
الْأَثر الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ : عَن عَطاء مثله . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَلّي بن الْجَعْد ، أبنا شريك ، عَن عبد الْكَرِيم عَنهُ ، أَنه قَالَ فِي عِظَام الطير شَاة الكركي ، والحُبَارى والوز ، وَنَحْوه . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن ابْن فُضَيْل ، عَن عَطاء بن السَّائِب قَالَ : نزلنَا منزلا فأغلقنا بَاب الْمنزل عَلَى حمامة فَمَاتَتْ فسألنا عَطاء ، فَقَالَ : فِيهَا شَاة . قَالَ : وثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ، عَن أَشْعَث ، عَن عَطاء قَالَ : من قتل حمامة من حمام مَكَّة فَعَلَيهِ شَاة . قَالَ : وثنا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، قَالَ : عَلَيْهِ شَاة . وَرَوَاهُ عَطاء عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم : ابْن عَبَّاس ، وَابْن عمر ، وَعُثْمَان كَمَا سلف . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ عَن عَاصِم بن عمر مثله . قلت : ذكره الشَّافِعِي بِغَيْر إِسْنَاد ، كَمَا حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ عَن سعيد بن المسيب مثله . قلت : ذكره الشَّافِعِي أَيْضا بِغَيْر إِسْنَاد ، وأسنده الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مَالك ، عَن يَحْيَى بن سعيد عَنهُ ، أَنه كَانَ يَقُول فِي حمام مَكَّة إِذا قتل شَاة . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن سعيد بن الْمسيب ، قَالَ : (عَلَيْهِ شَاة) . قَالَ : وثنا عَبدة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن سعيد بن الْمسيب أَنه كَانَ يَقُول فِي حمام الْحرم إِذا قتل بِمَكَّة فَفِيهِ شَاة .
الْأَثر الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ : عَن نَافِع بن الْحَارِث مثله . هَذَا الْأَثر سلف قَرِيبا لَكِن عَن نَافِع بن عبد الْحَارِث .
الْأَثر الْحَادِي بعد الْعشْرين : عَن الصَّحَابَة أَيْضا أَنهم قضوا فِي حمَار الْوَحْش وبقرة بقرة . هَذَا مَشْهُور عَنْهُم ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَيَّاش عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود كَمَا سلف . وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن هِشَام بن عُرْوَة أَن أَبَاهُ كَانَ يَقُول فِي بقر الْوَحْش بقرة ، وَفِي الشَّاة من الظباء شَاة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ فِي النعامة بَدَنَة ، وَفِي الْبَقَرَة بقرة (وَفِي الأرْويَّة بقرة) ، وَفِي الظبي شَاة ، وَفِي حمام مَكَّة شَاة ، وَفِي الأرنب شَاة ، وَفِي [ الجرادة ] قَبْضَة من طَعَام .
الْأَثر الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ : عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ مثله . هَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ عَن سُفْيَان ، عَن عَمْرو ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَضَى فِي حمامة من حمام مَكَّة بِشَاة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الْملك ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه جعل فِي حمام الْحرم عَلَى الْمحرم والحلال (بِكُل) حمامة شَاة . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سعيد ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء أَن عُثْمَان بن (عبد الله) بن حميد قتل ابْن لَهُ حمامة ، فجَاء ابْن عَبَّاس فَقَالَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس : يذبح شَاة فَيتَصَدَّق بهَا . قَالَ ابْن جريج : فَقلت لعطاء : أَمن حمام مَكَّة ؟ قَالَ : نعم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : فِي الْحَمَامَة شَاة لَا يُؤْكَل مِنْهَا ، يتَصَدَّق بهَا . وَعَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس فِي الخضري ، والدبسي ، والقمري ، والقطاة ، والحجل شَاة شَاة . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، أَن غُلَاما من قُرَيْش قتل حمامة من حمام مَكَّة ، فَأمر ابْن عَبَّاس أَن يفدى عَنهُ بِشَاة . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن وَكِيع ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس فِي طير الْحرم شَاة شَاة .
الْأَثر الثَّلَاثُونَ : عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ مثله . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن شُعْبَة ، عَن رجل أَظُنهُ أَبَا بشر ، عَن يُوسُف بن مَاهك ، عَن ابْن عمر فِي رجل أغلق بَابه عَلَى حمامة وفرخيها - يَعْنِي فَرجع وَقد موتت - فأغرمه ابْن عمر ثَلَاث شياة من الْغنم . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث ابْن أبي شيبَة ، عَن هشيم ، عَن أبي بشر ، عَن عَطاء ويوسف بن مَاهك وَمَنْصُور ، عَن عَطاء ، أَن رجلا أغلق بَابه عَلَى حمامة وفرخيها ثمَّ انْطلق إِلَى عَرَفَات وَمنى فَرجع وَقد موتت ، فَأَتَى ابْن عمر فَذكر ذَلِكَ لَهُ فَجعل عَلَيْهِ ثَلَاثًا من الْغنم ، وَحكم مَعَه رجل .
الْأَثر التَّاسِع بعد الْعشْرين : عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ (أَنه أوجب فِي الْحَمَامَة شَاة) . هَذَا الْأَثر غَرِيب عَنهُ ، لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ .
الْأَثر السَّابِع وَالثَّامِن بعد الْعشْرين : عَن عمر وَعُثْمَان رَضي اللهُ عَنهما أَنه أوجب فِي الْحَمَامَة شَاة . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، عَن سعيد بن سَالم ، عَن عمر بن سعيد بن أبي حُسَيْن ، عَن عبد الله بن كثير الدَّارِيّ ، عَن طَلْحَة بن أبي حَفْصَة ، عَن نَافِع بن عبد الْحَارِث ، قَالَ : قدم عمر بن الْخطاب مَكَّة فَدخل دَار الندوة فِي يَوْم الْجُمُعَة ، وَأَرَادَ أَن يستقرب مِنْهَا الرواح إِلَى الْمَسْجِد ، فَألْقَى رِدَاءَهُ عَلَى واقفٍ فِي الْبَيْت ، فَوَقع عَلَيْهِ طير من هَذَا الْحمام فأطاره ، فَوَقع عَلَيْهِ ، فانتهزته حَيَّة فَقتلته ، فَلَمَّا صَلَّى الْجُمُعَة دخلت عَلَيْهِ أَنا وَعُثْمَان فَقَالَ : احكما عليَّ فِي شَيْء صَنعته الْيَوْم ، إِنِّي دخلت هَذِه الدَّار وَأَرَدْت أَن أستقرب مِنْهَا الرواح إِلَى الْمَسْجِد فألقيت رِدَائي عَلَى هَذَا الْوَاقِف فَوَقع عَلَيْهِ طير من هَذَا الْحمام فَخَشِيت أَن يلطخه بسلحه فأطرته عَنهُ ، فَوَقع عَلَى هَذَا الْوَاقِف الآخر فانتهزته حَيَّة فَقتلته ، فَوجدت فِي نَفسِي أَنِّي أطرته من منزلةٍ كَانَ فِيهَا آمنا إِلَى (موقفة) كَانَ فِيهَا حتفه ، فَقلت لعُثْمَان بن عَفَّان : كَيفَ ترَى فِي عنز ثنية عفراء نحكم بهَا عَلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ ؟ قَالَ : أرَى ذَلِكَ . فَأمر بهَا عمر رَضي اللهُ عَنهُ . قَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاده حسن . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن غنْدر ، عَن شُعْبَة ، [ عَن الحكم ] ، عَن شيخ من أهل مَكَّة (أَن حَماما كَانَ عَلَى الْبَيْت فخرَّ عَلَى يَد عمر ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ فطار ، فَوَقع عَلَى بعض بيُوت أهل مَكَّة ، فَجَاءَت حَيَّة فأكلته ، فَحكم عمر عَلَى نَفسه بِشَاة) . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سعيد ، عَن ابْن جريج ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : أَمر عمر بن الْخطاب بحمامة فأطيرت ، فَوَقَعت فِي الْمَرْوَة فأخذتها حَيَّة ، فَجعل فِيهَا شَاة . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، عَن مُحَمَّد ابن أبي يَحْيَى ، عَن صَالح بن الْمهْدي أَن أَبَاهُ أخبرهُ قَالَ : (حججْت مَعَ عُثْمَان فقدمنا مكة ، ففرشت لَهُ فِي بَيت فرقد فَجَاءَت حمامة فَوَقَعت فِي كُوّة عَلَى فرَاشه ، فَجعلت تبحث برجلها ، فَخَشِيت أَن تنثر عَلَى فرَاشه ، فيستيقظ فأطرتها ، فَوَقَعت فِي كُوَّة أُخْرَى فَخرجت حيّة فقتلتها ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُثْمَان أخْبرته ، فَقَالَ : أدِّ عَنْك شَاة فَقلت : إِنَّمَا أطرتها من أَجلك . قَالَ : وعني شَاة) . وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة أَيْضا عَن وَكِيع ، عَن إِسْرَائِيل ، عَن جَابر ، عَن عَطاء قَالَ : أول من فدى طير الْحرم بِشَاة عُثْمَان .
الْأَثر السَّادِس بعد الْعشْرين : أَن رجلا قتل (ضبًّا) فَسَأَلَ عمر رَضي اللهُ عَنهُ فَقَالَ : احكم فِيهِ . قَالَ : أَنْت خير مني وَأعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ . فَقَالَ : إِنَّمَا أَمرتك أَن تحكم فِيهِ ، وَلم آمُرك أَن تزكيني . فَقَالَ : أرَى فِيهِ جديا ، قَالَ : فَذَاك فِيهِ) . هَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، عَن سُفْيَان : أَنا مُخَارق ، عَن طَارق بن شهَاب ، قَالَ : خرجنَا حجاجًا فأوطأ رجل منا يُقَال لَهُ أَرْبَد ضبًا ففزر ظَهره ، فقدمنا عَلَى عمر فَسَأَلَهُ أَرْبَد فَقَالَ لَهُ عمر : احكم يَا أَرْبَد . ثمَّ ذكر الْبَاقِي بِمثلِهِ . وَقَالَ : قَوْله فِيهِ جديًا قد جمع المَاء وَالشَّجر .
الْأَثر الْخَامِس بعد الْعشْرين : عَن بَعضهم (أَن فِي الْإِبِل بقرة) . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سعيد - يَعْنِي ابْن سَالم - عَن إِسْرَائِيل ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم ، عَن ابْن عَبَّاس ، أَنه قَالَ فِي بقرة الْوَحْش بقرة ، وَفِي الأُيل بقرة . وَهُوَ مُنْقَطع كَمَا سلف من أَن الضَّحَّاك لم يثبت سَمَاعه من ابْن عَبَّاس . والأُيل - بمثناة تَحت - ذكر الوعُول . قَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه : الأُيل - بِضَم الْهمزَة ، وَيُقَال : بِكَسْرِهَا - ذكر الوعول . والأروى : الْأُنْثَى مِنْهَا ، وَكَذَا قَالَ فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات : ضم الْهمزَة أرجح من كسرهَا ، قَالَ : ورأيته فِي الْمُجْمل مضبوطًا بِالْكَسْرِ فَقَط .
الْأَثر السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ : عَن ابْن عَبَّاس مثله . هَذَا الْأَثر تبع فِي إِيرَاده عَنهُ الإِمَام وَلم أَر من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ . وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وَلم يعزه . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى عَن غَيرهمَا أَيْضا مثلهَا . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أسلفنا عَن عَطاء . وَذكر الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه أَن سُفْيَان رَوَى عَن دَاوُد بن شَابُور ، عَن مُجَاهِد ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : فِي الدوحة إِذا [ قطعت ] من أَصْلهَا (بقرة ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَى عَن عَطاء لَكِن الشَّافِعِي لم يذكرهُ . قلت : بلَى قد ذكره كَمَا سلف .
الْأَثر الرَّابِع بعد الْعشْرين : عَن عمر أَن فِي الضَّب جديًا هَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ : أَنا سُفْيَان ، عَن مُخَارق ، عَن طَارق ، أَن أَرْبَد أوطأ ضبًا ففزر ظَهره ، فَأَتَى عمر فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ عمر : مَا ترَى ؟ فَقَالَ : جديًا قد جمع المَاء وَالشَّجر . قَالَ عمر فَذَلِك فِيهِ) . وروياه أطول من هَذَا كَمَا سَيَأْتِي . وَوَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ عزو هَذَا الْأَثر إِلَى عُثْمَان ، وَهُوَ من النَّاسِخ ، وَصَوَابه عزوه إِلَى عمر كَمَا قَرَّرْنَاهُ .
الْأَثر الْحَادِي عشر إِلَى الرَّابِع عشر : رُوِيَ عَن عمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهم قَالُوا : من أفسد حجه (قَضَى فِي فاسده) ، وَقَضَى من قَابل . وَهَذِه الْآثَار قد سلفت فِي الْآثَار قبلهَا . وَرَوَى أَحْمد بن حَنْبَل ، عَن إِسْمَاعِيل ، ثَنَا أَيُّوب ، عَن غيلَان بن جرير ، أَنه سمع عليًّا الْأَزْدِيّ قَالَ : سَأَلت ابْن عمر عَن رجل وَامْرَأَة من عمان أَقبلَا حاجين فقضيا الْمَنَاسِك حَتَّى لم يبْق (عَلَيْهِمَا) إِلَّا الْإِفَاضَة وَقع عَلَيْهَا ؟ فَقَالَ : ليحجَّا قَابلا . وَفِي الْبَيْهَقِيّ هُنَا وَآخر الْبيُوع من الْمُسْتَدْرك ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه أَن رجلا أَتَى عبد الله بن عَمْرو يسْأَله عَن محرم وَقع بامرأته فَأَشَارَ إِلَى عبد الله بن عمر فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ فسله . قَالَ شُعَيْب : فَلم يعرفهُ الرجل فَذَهَبت مَعَه ، فَسَأَلَ ابْن عمر ، فَقَالَ : بَطل حجك . فَقَالَ الرجل : فَمَا أصنع ؟ قَالَ : اخْرُج مَعَ النَّاس واصنع مَا يصنعون ؛ فَإِذا أدْركْت قابلَ فحُج وأهْدِ . فَرجع إِلَى عبد الله بن عَمْرو وَأَنا مَعَه فَأخْبرهُ ، فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى عبد الله بن عَبَّاس فسله . قَالَ شُعَيْب : فَذَهَبت مَعَه إِلَى ابْن عَبَّاس فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ ابْن عمر ، فَرجع إِلَى عبد الله بن عَمْرو وَأَنا مَعَه (فَأَخْبَرته) بِمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ثمَّ قَالَ : مَا تَقول أَنْت ؟ فَقَالَ : قولي مثل مَا قَالَا . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث رُوَاته ثِقَات حفاظ وَهُوَ كالآخذ بِالْيَدِ فِي صِحَة سَماع شُعَيْب بن مُحَمَّد من جده عبد الله بن عَمْرو ، قَالَ : كنت أطلب الْحجَّة الظَّاهِرَة فِي سَماع شُعَيْب بن مُحَمَّد من عبد الله بن عَمْرو ، قَالَ : فظفرت بهَا الْآن . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده صَحِيح . قَالَ : وَفِيه دَلِيل عَلَى صِحَة سَماع شُعَيْب بن مُحَمَّد بن عبد الله ، من جده عبد الله بن عَمْرو ، وَابْن عمر ، وَابْن عَبَّاس . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : إِنَّه حَدِيث حسن . وتعجب صَاحب الإِمَام مِنْهُ ، قَالَ الْحَافِظ : رِجَاله كلهم مَشْهُورُونَ ، فَقَالَ : فَلَا أَدْرِي لِم لَم يُصَحِّحهُ .
الْأَثر الْخَامِس : عَن عُثْمَان رَضي اللهُ عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن الْمحرم هَل يدْخل الْبُسْتَان ؟ قَالَ : نعم ويشم الريحان . وَهَذَا الْأَثر ذكره صَاحب الْمُهَذّب ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه : إِنَّه غَرِيب . وَذكره الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه (لأحاديثه) من حَدِيث أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد ، ثَنَا الباغندي مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ، ثَنَا أَحْمد بن الْمَرْزُبَان ، عَن عبد الله بن الأرطبان ، عَن الْمعَافى بن عمرَان ، عَن جَعْفَر بن برْقَان ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان ، عَن أبان بن عُثْمَان ، عَن عُثْمَان بن عَفَّان فِي الْمحرم يدْخل الْبُسْتَان ؟ قَالَ : نعم ، ويشم الريحان . وَهَذَا من المسلسلات الغريبة ، وسلسله ابْن عَسَاكِر أَيْضا من عِنْده إِلَى عُثْمَان كَمَا ذكرته عَنهُ فِي تخريجي لأحاديثه . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : هُوَ أثر غَرِيب . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا ، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس قَالَ : الْمحرم يشم الريحان وَيدخل الْحمام . قَالَ : وَهَذَا حَدِيث حسن ، وَإِسْنَاده ثِقَات . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه : إِسْنَاده مُتَّصِل صَحِيح . وَلَفظ رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يرَى بَأْسا للْمحرمِ بشم الريحان . وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا عَنهُ : يشم الْمحرم الريحان ، وَينظر فِي الْمرْآة ، ويتداوى بِمَا يُؤْكَل : الزَّيْت وَالسمن . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ خلاف هَذَا عَن ابْن عمر وَجَابِر بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ : أَحدهمَا : عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكره شم الريحان للْمحرمِ . ثَانِيهمَا : عَن أبي الزبير أَنه سمع جَابِرا يسْأَل عَن الريحان أيشمه الْمحرم (و) الطّيب والدهن ؟ فَقَالَ : لَا .
الْأَثر الثَّالِث بعد الْعشْرين : عَن عُثْمَان رَضي اللهُ عَنهُ : أَنه قَضَى فِي أم حُبَيْن بُحلَّان من الْغنم . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من جِهَته : أَنا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن مطرف - وَهُوَ ابْن مَازِن - عَن أبي السّفر ، أَن عُثْمَان قَضَى فِي أم حُبَيْن بحلَّان من الْغنم . قَالَ فِي الْمعرفَة : قَالَ الشَّافِعِي فِي رِوَايَة أبي سعيد ، والحُلَّان : الحَمَل . قَالَ الشَّافِعِي (فِي) رِوَايَة أبي عبد الله : فَإِن كَانَت الْعَرَب تأكلها فَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَن عُثْمَان يقْضِي فِيهَا بِولد شَاة حمل أَو مثله من الْمعز مِمَّا لا يفوته . قلت : ومطرف السالف هُوَ قَاضِي الْيمن ، واهٍ ، كذبه ابْن معِين . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يحدث بِمَا لم يسمع لَا تجوز الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا للاعتبار . فَائِدَة : أم حُبَيْن بحاء مُهْملَة مَضْمُومَة ، ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَفْتُوحَة تَصْغِير (أم حبن) ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَلْقَى بَطْنه . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَهِي دَابَّة عَلَى خلقَة الحرباء عَظِيمَة الْبَطن . قَالَ وَمِنْه : (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ممازحًا لِبلَال - وَقد تدحرج (بَطْنه - : بطن) أم حُبَيْن) . فَائِدَة ثَانِيَة : الحُلَّان - بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة ، وَتَشْديد اللَّام - وَهِي : الحمَل كَمَا سلف عَن الشَّافِعِي أَي بِفَتْح الْحَاء ، وَالْمِيم وَهُوَ الخروف . وَقَالَ الْأَزْهَرِي : هُوَ الجدي ، وَيُقَال لَهُ : حُلَّام بِالْمِيم أَيْضا . وَذكر (الرَّافِعِيّ هَذَا عَن عَطاء وَمُجاهد أَنَّهُمَا حكما فِي الْوَبر بِشَاة . وَهَذَا رَوَاهُ) الشَّافِعِي عَن سعيد ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء أَنه قَالَ فِي الْوَبر إِن كَانَ يُؤْكَل بِشَاة . قَالَ : وَأخْبرنَا سعيد أَن مُجَاهدًا قَالَ فِي الْوَبر شَاة) . قَالَ الشَّافِعِي : فَإِن كَانَت الْعَرَب تَأْكُل الْوَبر فَفِيهِ جفرة ، فَلَيْسَ بِأَكْثَرَ من جفرة بدنًا . قَالَ الرَّافِعِيّ : والوبر دَابَّة كالجراد إِلَّا أَنَّهَا أنبل وأكبر مِنْهَا تكون فِي الفلوات . وَذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا (عَن عَطاء) أَن فِي الثَّعْلَب شَاة . وَهَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سعيد ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء بِهِ . ثمَّ رَوَى عَن عبد الله بن معبد مثله ، ذكرهمَا عَنهُ فِي الْمعرفَة . وَذكر فِي السّنَن الأول بِغَيْر إِسْنَاد ، وَرَوَى فيهمَا عَن شُرَيْح أَنه قَالَ : (لَو كَانَ معي حكم حكمت فِي الثَّعْلَب بجدي ) .
الْأَثر الثَّانِي بعد الْعشْرين : ( أَنهم قضوا أَيْضا فِي الغزالِ بعنز ، وَفِي الأرنب بعناق ، وَفِي اليربوع جفرة ) . هَذَا مَشْهُور عَنْهُم ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر أَن عمر بن الْخطاب قَضَى فِي الضبع بكبش ، وَفِي الغزال (بعنز) وَفِي الأرنب بعناق ، وَفِي اليربوع بجفرة . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَقد أسلفته لَك مَرْفُوعا فِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين ، وصوبنا وَقفه . وَفِي رِوَايَة للبيهقي من حَدِيث [ اللَّيْث ] بن سعد : حَدَّثَني أَبُو الزبير ، عَن جَابر ، عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَضَى فِي الضبع يُصِيبهَا الْمحرم بكبش ، وَفِي الظبي بِشَاة ، وَفِي الأرنب بعناق ، وَفِي اليربوع بجفرة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عِكْرِمَة ، قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ : إِنِّي قتلت أرنبًا وَأَنا محرم فَكيف ترَى ؟ قَالَ : هِيَ تمشي عَلَى أَربع والعناق يمشي عَلَى أَربع ، وَهِي تَأْكُل الشّجر ، والعناق تَأْكُل الشّجر وَهِي تجتر والعناق تجتر ، أهد مَكَانهَا عنَاقًا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سماك بن حَرْب ، عَن النُّعْمَان بن حميد ، عَن عمر أَنه قَضَى فِي الأرنب بحلان - يَعْنِي إِذا قَتله الْمحرم قَالَ الْأَصْمَعِي وَغَيره : الحلان : الجدي . وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أَيُّوب ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، عَن عمر أَنه قَضَى فِي الضبع كَبْشًا ، وَفِي الظبي شَاة ، وَفِي اليربوع جفرًا أَو جفرة . وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود ، عَن أَبِيه ابْن مَسْعُود أَنه قَضَى فِي اليربوع بجفر ، أَو جفرة . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد أَن ابْن مَسْعُود حكم فِي [ الْيربوع ] بجفرة أَو جفر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ عَن ابْن مَسْعُود مُرْسَلَتَانِ ، وإحداهما تؤكد الْأُخْرَى . وَرَوَى الشَّافِعِي ، عَن سعيد عَن إِسْرَائِيل ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي الأرنب شَاة قَالَ : وأبنا سعيد ، عَن ابْن جريج ، أَن مُجَاهدًا قَالَ : فِي الأرنب شَاة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : كَذَا وجدته فِي ثَلَاث نسخ ، وَالصَّوَاب عَن ابْن عَبَّاس : فِي الأرنب عنَاق . وَسَقَطت رِوَايَة سعيد ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء : فِي الأرنب شَاة ، وَدخل حَدِيث عَطاء فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَكَلَامه يدل عَلَى صِحَة مَا قلت . قَالَ : وَالضَّحَّاك لَا يثبت سَمَاعه من (ابْن) عَبَّاس عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَرُوِيَ فِي سنَنه و مَعْرفَته من طَرِيق مَالك ، [ عَن عبد الْملك بن قرير الْبَصْرِيّ ] ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن عمر أنَّه - أوجب فِي الظبي عَنْزًا هُوَ وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَهَذَا مُنْقَطع ، مُحَمَّد لم يدْرك عمر ) . وَرُوِيَ فِي سنَنه من طَرِيق قبيصَة بن جَابر ، عَن عمر أَنه أوجب فِي الظبي شَاة . فَائِدَة : العنز : هِيَ الْأُنْثَى من الْمعز الَّتِي تمت لَهَا سنة ، قَالَه الْأَزْهَرِي . والعناق - بِفَتْح الْعين - من أَوْلَاد الْمعز خَاصَّة ، وَهِي الَّتِي لَهَا دون سنة ، وَهِي الْأُنْثَى . والجفرة هِيَ : الَّتِي بلغت أَرْبَعَة أشهر وفصلت عَن أمهَا ، وَالذكر : جفر ، وَقيل : (الجفرة الْأُنْثَى) من ولد الضَّأْن . (زَاد فِي الدقائق والتحرير : إِذا قويت مَا لم تسْتَعْمل سنة . وَعبارَة أصل الرَّوْضَة : أَنَّهَا من حِين تولد إِلَى أَن ترعى . وَوَافَقَ فِي تهذيبه فِي جفر ، وَقَالَ فِي غَيره نقلا عَن الْأَزْهَرِي : إِنَّهَا الْأُنْثَى من أَوْلَاد الْمعز إِذا أَتَت عَلَيْهَا سنة ، وَغلط عَلَيْهِ فِي زاهره : أَنَّهَا الَّتِي لم تأت عَلَيْهَا سنة) .
الْأَثر الْعشْرُونَ : عَن الصَّحَابَة ( أَنهم قضوا فِي النعامة ببدنة) . هَذَا مَشْهُور عَنْهُم ؛ فَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَلّي بن أبي طَلْحَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : إِن قتل نعَامَة فَعَلَيهِ بَدَنَة من الْإِبِل . وَمن حَدِيث عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس فِي حمام الْحرم : فِي الْحَمَامَة شَاة وَفِي بيضتين دِرْهَم ، وَفِي النعامة جزور ، وَفِي الْبَقَرَة بقرة ، وَفِي الْحمار بقرة . وَفِي إِسْنَاده عباد بن يَعْقُوب الروَاجِنِي من رجال البُخَارِيّ ، لكنه رَافِضِي دَاعِيَة ، وَقد حسنه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة كَمَا سَيَأْتِي . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث الشَّافِعِي ، عَن سعيد بن سَالم ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي أَن عمر وَعُثْمَان وَعلي بن أبي طَالب وَزيد بن ثَابت وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة رَضي اللهُ عَنهم قَالُوا : فِي النعامة يَقْتُلهَا الْمحرم بَدَنَة من الْإِبِل . قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا غير ثَابت عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَول الْأَكْثَر مِمَّن لقِيت فبقولهم : إنَّ فِي النعامة بَدَنَة ، وبالقياس قُلْنَا : فِي النعامة بَدَنَة ، لَا بِهَذَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَجه ضعفه كَونه مُرْسلا ؛ فَإِن عَطاء الْخُرَاسَانِي ولد سنة خمسين - قَالَ فِي الْمعرفَة : كَمَا قَالَه يَحْيَى بن معِين وَغَيره - وَلم يدْرك عمر وَلَا عُثْمَان ، وَلَا عليًّا ، وَلَا زيدا ، وَكَانَ فِي زمن مُعَاوِيَة صبيًّا ، وَلم يثبت لَهُ سَماع من ابْن عَبَّاس ، وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون سمع مِنْهُ ؛ فَإِن ابْن عَبَّاس توفّي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ ، إِلَّا أَن عَطاء الْخُرَاسَانِي مَعَ انْقِطَاع حَدِيثه عَمَّن سمينا تكلم فِيهِ أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ . قَالَ فِي الْمعرفَة : وَقد روينَا عَن عَلّي بن أبي طَلْحَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ ذَلِكَ ، وَفِيه أَيْضا إرْسَال . وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس ، وَإِسْنَاده حسن ، وَهَذَا قد أسْندهُ فِي السّنَن كَمَا سلف . وَفِي السّنَن لَهُ أَيْضا فِي حَدِيث المَسْعُودِيّ ، عَن قَتَادَة ، عَن أبي الْمليح الهُذَلي أَنه كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود يسْأَله عَن الْمحرم يُصِيب حمَار وحشٍ ، أَو نعامةٍ ، أَو بيض نعامةٍ ، وَعَن الجرادة يُصِيبهَا الْمحرم ، فَكتب إِلَيْهِ أما يُصِيب حمَار وحشٍ فَفِيهِ بَدَنَة ، وَفِي النعامة بَدَنَة ، وَفِي بيض النعام (صِيَام) يَوْم أَو إطْعَام مِسْكين ، وَأما الجرادة فَإِن رجلا من أهل حمص أصَاب جَرَادَة وَهُوَ محرم ، فَأَتَى عمر فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ لَهُ عمر : مَا أَعْطَيْت عَنْهَا ؟ قَالَ : أَعْطَيْت عَنْهَا درهما ، فَقَالَ : إِنَّكُم معشر أهل حمص كَثِيرَة دراهمكم ، ولتمرة أحب إليَّ من جَرَادَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا فِي رِوَايَة المَسْعُودِيّ ، وَرُوِيَ عَن ابْن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ : فَكتب إِلَيْهِ أَن ابْن مَسْعُود يَقُول فِيهَا - يَعْنِي : فِي النعامة - بَدَنَة . قَالَ مَالك : وَلم أزل أسمع أَن فِي النعامة إِذا قَتلهَا الْمحرم بَدَنَة .
الْأَثر السَّادِس : عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ أَنه دخل حمام الْجحْفَة محرما وَقَالَ : إِن الله لَا يعبأ بأوساخكم شَيْئا . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه (إِلَيْهِ) : أبنا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، عَن أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه دخل حَماما وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ ، وَقَالَ : مَا يعبأ الله بأوساخنا شَيْئا . وَإِبْرَاهِيم هَذَا قد عرفت حَاله غير مَا مرّة ، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور قَالَ : (إِن) الله لَغَنِيّ عَن درني ووسخي . قَالَ الشَّافِعِي : وَأَنا الثِّقَة - إِمَّا سُفْيَان وَإِمَّا غَيره - عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه دخل حمام الْجحْفَة وَهُوَ محرم . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَنهُ ، قَالَ : وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه أَبَاحَ ذَلِكَ . وَهَذَا أسْندهُ فِي سنَنه من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ : الْمحرم يشم الريحان ، وَيدخل الْحمام ، وَينْزع ضرسه ، ويفقأ القرحة ، وَإِذا انْكَسَرَ عَنهُ ظفره أماط عَنهُ الْأَذَى . وَفِي البُخَارِيّ : وَقَالَ ابْن عَبَّاس : يدْخل الْمحرم الْحمام . فَائِدَة : قَوْله مَا يعبأ بِهَذَا الْمَعْنى : مَا يصنع ، وَمِنْه قَوْله : مَا عبأت بفلان عبئًا أَي : مَا باليت بِهِ ، وَبَيَان أَيْضا مَا يعبأ بِهَذَا بِمَعْنى : مَا يصنع بِهِ . وَمِنْه قَوْله تَعَالَى : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ . والدَّرَن : الْوَسخ .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنِّي (أحرم) مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها ، أَو يقتل صيدها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضي اللهُ عَنهُ بِهَذَا اللَّفْظ وَزِيَادَة . واللابتان : الحرتان وَهِي أَرض (تلبسها) حِجَارَة سود ، والعِضاه : الشّجر .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْمحرم الَّذِي خر (عَن) بعيره وَمَات : خمروا (وَجهه) وَلَا تخمروا رَأسه . هَذَا الحَدِيث أَصله فِي الصَّحِيحَيْنِ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ ، وَقد سلف أول الْبَاب بِلَفْظ : وَلَا تخمروا رَأسه . (و) قدَّمنا أَنه سلف فِي الْجَنَائِز ، وَأما بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف فَلَيْسَ بالمشهور ، حَتَّى إِن ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه لم يعزه لأحد عَلَى خلاف عَادَته ، وَإِنَّمَا قَالَ : رَوَاهُ أَصْحَابنَا . نعم رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي الْجَنَائِز من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن أبي حرَّة ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خمروا وَجهه وَلَا تخمروا رَأسه ، وَلَا تمسوه طيبا ، فَإِن الله يَبْعَثهُ يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا . ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَطاء عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : خمروا وُجُوه مَوْتَاكُم ، وَلَا تشبهوا بيهود . ثمَّ قَالَ : إِن صَحَّ هَذَا يشْهد لرِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي حرَّة فِي الْأَمر بتخمير الْوَجْه . (قَالَ) : إِلَّا أَن عبد الله بن أَحْمد قَالَ : (حدثت) أبي بِهَذَا (الحَدِيث) فَأنكرهُ وَقَالَ : هَذَا أَخطَأ فِيهِ حَفْص فرفعه ، وَرَوَاهُ غيرُه مُرْسلا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَلِك رَوَاهُ الثَّوْريّ وَغَيره عَن ابْن جريج مُرْسلا . قَالَ : وَرُوِيَ عَن عليّ بن عَاصِم ، عَن ابْن جريج كَمَا رَوَاهُ حَفْص ، وَهُوَ وهم . قلت : وَإِبْرَاهِيم بن أبي حرَّة ضعفه السَّاجِي ، لَكِن وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأحمد وَأَبُو حَاتِم ، وَزَاد : لَا بَأْس بِهِ . وَعلي بن عَاصِم : ضَعِيف ، كثير الْغَلَط ، وَكَانَ فِيهِ لُجَاج ، وَلم يكن مُتَّهمًا . كَمَا قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل . قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : قيل لِابْنِ معِين : إِن أَحْمد يَقُول فِيهِ : ثِقَة . قَالَ : لَا واللَّهِ ، مَا كَانَ عِنْده قطّ ثِقَة ، وَلَا حدَّث عَنهُ بحرفٍ قطّ ، فَكيف صَار عِنْده الْيَوْم ثِقَة ؟ ! . ولمَّا ذكره ابْنُ الْقطَّان من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حَفْص بن غياث ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس رَفَعَهُ : خَمِّرُوا وُجُوهَ (مَوْتَاكُم) ، وَلَا تشبَّهُوا باليهود . قَالَ : عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ - (رَاوِيه) عَن حَفْص بن غياث - صَدُوق . قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وباقي الْإِسْنَاد لَا يسْأَل عَنهُ ، قَالَ : وَهُوَ أَعم من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ الأولَى - يَعْنِي : روايةَ عَلّي بن عَاصِم عَن ابْن جريج ، فِي المُحْرم يَمُوت ؛ فَقَالَ : خمِّروهم وَلَا تشبَّهوا باليهود - (وَأَصَح مِنْهَا) وَقَالَ ابْن حزم فِي كِتَابه حجَّة الْوَدَاع فِي رِوَايَة عَطاء الْمُرْسلَة : هَذَا مُرْسل ، لَا يقوم بمِثْله حُجَّة . ورواهُ الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس : أَن مُحْرِمًا . الحَدِيث ، وَفِيه : وَلَا تخمِّرُوا وَجْهَهُ ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْم الْقِيَامَة يُلبِّي . ثمَّ قَالَ : ذكْرُ الْوَجْه تَصْحِيف من بعض الروَاة ؛ لإِجْمَاع الثِّقَات (الْأَثْبَات) مِنْ أَصْحَاب عَمرو بن دِينَار عَلَى رِوَايَته عَنهُ وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَه ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سألتُ أبي عَنهُ ؛ فَقَالَ : حَدِيْث مُنْكَر .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين عَن أبي قَتَادَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه خرج مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَتخلف مَعَ بعض أَصْحَابه ، وَهُوَ حَلَال وهم محرمون ، فَرَأَوْا حمر وَحش ، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسه ثمَّ سَأَلَ أصحابَه أَن يناولوه سَوْطًا فَأَبَوا فسألَهُم رمْحَه ، فَأَبَوا ، فَأَخذه وَحمل عَلَى الْحمر فعقر مِنْهَا أَتَانَا ، فَأكل مِنْهَا بَعضهم وأَبَى بَعضهم ، فلمَّا أَتَوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَأَلُوهُ ، فَقَالَ : هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يحمل عَلَيْهَا أَو أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَكُلُوا مَا بَقِي من لَحمهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنهُ ، قَالَ : كُنْتُ يَوْمًا جَالِسا مَعَ رجالٍ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي منزلٍ فِي طَرِيق مَكَّة ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ نَازل ] أمامنا ، وَالْقَوْم مُحْرِمُون وَأَنا غيرُ مُحْرِم ، عَام الْحُدَيْبِيَة ، فأبْصَرُوا حمارا وحشيًّا وَأَنا مَشْغُول أَخْصِفُ نَعْلي ، فَلم (يُؤْذِنُوني) وأحبوا لَو أَنِّي (أبصرته) ، فقمتُ إِلَى الفرسِ فأسرجته (ثمَّ) ركبتُ ونسيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ ؛ فَقلت لَهُم : نَاوِلُوني السَّوْطَ والرُّمْحَ ، قَالُوا : لَا واللهِ لَا نُعِينكَ عَلَيْهِ [ بِشَيْء ] ، فغضبتُ فنزلتُ (فأخذتُهما) ، ثمَّ ركبتُ ، فشددتُ عَلَى الْحمار فعقرتُه ، ثمَّ جئتُ بِهِ وَقد مَاتَ ، فوقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ ، ثمَّ إنَّهُمْ شكُّوا فِي أكْلِهم إِيَّاه وهم حُرُم ، فرحنا وخبَّأتُ العضدَ (معي) فأدركْنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فسألنَْاهُ) عَن ذَلِك ، فَقَالَ : هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء ؟ فَقلت : نَعَمْ . فناولْتُه العَضُدَ ، فَأكلهَا [ حَتَّى نَفَّدَها ] وَهُوَ مُحْرِم . وَفِي رِوَايَة لَهما : إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمكموها اللَّهُ . وَفِي أُخْرَى لَهما : فَهُوَ حَلَال ، فَكُلُوا . وَفِي رِوَايَة لَهما من حَدِيث أبي قَتَادَة : فَقَالَ لَهُم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل مِنْكُم أحد أمره أَن يَحْمِل عَلَيْهَا ، أَو أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فكُلُوا مَا بَقِي مِنْ لَحمهَا وَفِي رِوَايَة لمُسلم : (هَل) أَعنتم أَو أَشرتم أَو أصدتم . وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ : هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء ؟ قَالَ : مَعنا رِجله . فَأَخذه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأكلهَا . وَفِي رِوَايَة للطحاويِّ فِي شرح الْآثَار : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث أَبَا قَتَادَة (عَلَى) الصَّدَقَة ، وَخرج عَلَيْهِ السَّلَام وأصحابُه وهُمْ مُحْرِمُون ، حَتَّى نزلُوا عسفانَ ، وَجَاء أَبُو قَتَادَة وَهُوَ حل . الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث أبي قَتَادَة أَنه قَالَ حِين اصطاد الْحمار الوحشي : ( فذكرتُ) شَأْنه لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (وذكرتُ) أَنِّي لم أَكُن أحرمتُ ، وَأَنِّي إِنَّمَا اصطدته لَك ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَصْحَابه ، فأكَلُوا وَلم يأكُلْ حِين أخبرتُه أَنِّي اصطدتُه لَهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ أَبُو (بكر) النيسابوريُّ : قَوْله : إِنَّمَا اصطدتُه لَك وَقَوله : (و) لم يأكلْ مِنْهُ لَا أعلم أحدا ذكَرَه فِي هَذَا الحَدِيث غير معمر ، وَهُوَ مُوَافق لِمَا رُوي عَن عُثْمَان . قَالَ ابْن حزم فِي مُحَلَّاه : وَلم يذكر سماعَه من عبد الله ابن أبي قَتَادَة . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الزِّيَادَة غَرِيبَة ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أكل مِنْهُ ، وَإِن كَانَ الإسنادان (صَحِيحَيْنِ) ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب : ويُحْتمل أَنه جَرَى لأبي قَتَادَة فِي تِلْكَ (السفرة) قضيتان للجَمْع (بَين) الرِّوَايَتَيْنِ . وَقَالَ ابْن حزم : إِنَّهَا قَضِيَّة وَاحِدَة فِي وَقت وَاحِد فِي مَكَان وَاحِد ، فِي صيدٍ واحدٍ . قَالَ : وَلَا يشك أحد فِي أَن أَبَا قَتَادَة لم يصد الْحمار إِلَّا لنَفسِهِ ولأصحابه وهم محرمون ، فَلم يمنعهُم رَسُول الله من أكله . وَخَالفهُ ابْن عبد الْبر فَقَالَ : كَانَ اصطياده الْحمار لنَفسِهِ لَا لأَصْحَابه ، وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وجَّه أَبَا قَتَادَة عَلَى طَرِيق الْبَحْر مَخَافَة العدوِّ ، فَلذَلِك لم يكن محرما إِذْ اجْتمع مَعَ أَصْحَابه ؛ لِأَن مخرجهم لم يكن وَاحِدًا . قَالَ : وَكَانَ ذَلِك عَام الْحُدَيْبِيَة أَو بعده بعام عَام الْقَضِيَّة . آخر الْجُزْء الرَّابِع ، بحَمْدِ الله وعونه
الحَدِيث الرَّابِع عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَمَّا يلبس الْمحرم من الثِّيَاب ، فَقَالَ : لَا يلبس الْقَمِيص وَلَا السَّرَاوِيل ، وَلَا العمائم ، وَلَا البرانس ، وَلَا الْخفاف ، إِلَّا أحد لَا يجد نَعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ ، (وليقطعهما) أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِزِيَادَة : وَلَا يلبس ثوبا مَسّه زعفران أَو ورس . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : وَلَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة وَلَا تلبس القفازين . وَوَقع للمحب الطَّبَرِيّ أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي مُسلم ، وَهُوَ من النَّاسِخ ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي البُخَارِيّ وَحده ، وَنقل الْحَاكِم عَن أبي عَلّي الْحَافِظ أَن : لَا تنتقب الْمَرْأَة من قَول ابْن عمر وَقد أدرج فِي الحَدِيث ، وَأقرهُ الْبَيْهَقِيّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا [ يحْتَاج ] إِلَى دَلِيل ؛ فَإِنَّهُ خلاف الظَّاهِر كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب الإِمَام ، وَحَكَى ابْن الْمُنْذر خلافًا فِي أَن هَذِه الزِّيَادَة من الحَدِيث أَو من كَلَام ابْن عمر . وَادَّعَى بَعضهم أَن قَوْله : وليقطعهما من كَلَام نَافِع ، كَذَلِك رَوَاهُ ابْنُ بَشرَان فِي أَمَالِيهِ بِإِسْنَاد جيد ، وَفِيه النّظر السالف ، وَزَاد الْبَيْهَقِيّ فِيهِ : وَلَا تلبس القباء . قَالَ : وَهَذِه (الزِّيَادَة) مَحْفُوظَة . وَزَاد أَبُو مُعَاوِيَة بعد قَوْله زعفران : إِلَّا أَن يكون غسيلاً . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت (أبي) عَن هَذِه الزِّيَادَة ؛ فَقَالَ : أَخطَأ أَبُو مُعَاوِيَة فِيهَا . وَخَالف الطحاويُّ فَقَالَ : قَالَ ابْن (أبي) عمرَان : عجب [ يَحْيَى من ] الْحمانِي (أَن) يحدث بِهَذَا ، يَعْنِي : بِهَذِهِ اللَّفْظَة إِلَّا أَن يكون غسيلاً فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن صَالح الْأَزْدِيّ : هَذَا عِنْدِي . ثمَّ وثب من فوره فجَاء بِأَصْلِهِ ، فَأخْرج مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن أبي مُعَاوِيَة كَمَا ذكره يَحْيَى الْحمانِي ، فَكَتبهُ (يَحْيَى) بن معِين . قَالَ الطَّحَاوِيّ : فَثَبت بِهَذَا الْإِسْنَاد الغسيل مِمَّا مَسّه ورس أَو زعفران . تَنْبِيه : وَقع فِي الْخُلَاصَة عَلَى مَذْهَب أبي حنيفَة النَّهْي عَن المعصفر أَيْضا ، وَهُوَ غَرِيب ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَاب عَكسه وَهُوَ إِبَاحَته للنِّسَاء . فَائِدَة : الْبُرْنُس : قلنسوة طَوِيلَة ، كَانَ الزهاد يلبسونها فِي صدْر الْإِسْلَام . والورس : نبت أصفر يكون بِالْيمن ، يتَّخذ مِنْهُ (الغمرة) للْوَجْه ، وتصبغ بِهِ الثِّيَاب . قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره . والقُفَّاز : بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الْفَاء ، قَالَ الْجَوْهَرِي فِي صحاحه : هُوَ شَيْء يعْمل لِلْيَدَيْنِ ، يحشى بِقطن ، يكون لَهُ أزرار (تزر) عَلَى الساعدين من البَرْد ، تلبسه الْمَرْأَة فِي يَديهَا .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين أَن الصَّعْب بن جَثَّامة أهْدَى للنَّبِي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيًّا فَرده عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجهه قَالَ : إِنَّا لم نَرده عَلَيْك إِلَّا أَنا حرم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) كَذَلِك ، وَفِي روايتهما : أَنه أهداه لَهُ وَهُوَ بالأبواء ، أَو بودان . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : من لحم حمَار وَحش . (وَفِي رِوَايَة لَهُ : رجل حمَار وَحش) . وَفِي رِوَايَة لَهُ : عجز حمَار وَحش يقطر دَمًا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : شقّ حمَار وَحش . وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي حَدِيث زيد بن أَرقم : عُضْو من لحم صيد . وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث (فِي) شرح الْعُمْدَة ، فَليُرَاجع مِنْهُ . والصَّعْب : بِفَتْح الصَّاد ، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة ، وجَثَّامة : بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْمُثَلَّثَة .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - احْتجم عَلَى رَأسه وَهُوَ محرم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن (مَالك ابْن) بُحَيْنَة قَالَ : احْتجم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ محرم بِلحي جمل - من طَرِيق مَكَّة - فِي وسط رَأسه . وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام احْتجم وَهُوَ محرم . وللبخاري : احْتجم وَهُوَ محرم ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم . وَله أَيْضا : احْتجم فِي رَأسه وَهُوَ محرم من وجع كَانَ بِهِ ، بِمَاء يُقَال : لحي جمل . وَفِي رِوَايَة لَهُ : من شَقِيقَة كَانَت (بِهِ) واستدركه الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِلَفْظ : ( أَنه) - عَلَيْهِ السَّلَام - احْتجم وَهُوَ محرم عَلَى رَأسه . ثمَّ (قَالَ) : هَذَا حَدِيث مخرج بِإِسْنَادِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ دون (ذكر) الرَّأْس ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرطهمَا ، وَقد علمت أَنه فِي صَحِيح البُخَارِيّ ، وَرَوَاهُ أَحْمد (أَيْضا) بعد أَن ذكر الشَّاة المسمومة : فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذا وجد من ذَلِك شَيْئا احْتجم ، فسافر مرَّةً ، فلمَّا أحرم وَجَدَ من ذَلِك شَيْئا فاحتجم . وَفِي رِوَايَة لَهُ : احْتجم وَهُوَ محرم فِي رَأسه من صداع كَانَ بِهِ ، أَو شَيْء كَانَ بِهِ (بماءٍ) يُقَال : لحي جملٍ . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْحجَّاج ، عَن الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - احْتجم صَائِما محرما فَغشيَ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَلذَلِك (كره) الْحجامَة للصَّائِم .
الحَدِيث الثَّانِي عَن أم الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : حججْت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجَّة الْوَدَاع ، فَرَأَيْت أُسَامَة بن زيد وبلالاً ، أَحدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَته ، وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الْحر حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك ، زَاد النسائيُّ : فَحَمدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ . وَذكر قولا كثيرا ، وَأغْرب ابْنُ الْجَوْزِيّ فَذكره فِي كِتَابه التَّحْقِيق من طَرِيق أبي دَاوُد وَقَالَ : احْتج بِهِ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ بِجَوَاز تظليل الْمحرم بالمحمل . ثمَّ قَالَ : وَالْجَوَاب : أَن أَبَا عبد الرَّحِيم - الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - (ضَعِيف) . كَذَا قَالَ ، وَأَخْطَأ فِي تَضْعِيفه ، فَأَبُو عبد الرَّحِيم هَذَا ثِقَة ، واسْمه : خَالِد بن (يزِيد) ، وَيُقَال : ابْن أبي يزِيد ، وَقد احْتج بِهِ مُسلم فِي صَحِيحه ، وَأخرج الحديثَ المذكورَ فِي صَحِيحه من جِهَته ، وَكَذَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ .
بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا ؛ أما الْأَحَادِيث فستة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا . الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْمحرم الَّذِي خر من بعيره : لَا تخمروا رَأسه ؛ فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا سلف بَيَانه فِي أوَّل (الْجَنَائِز) .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْفَائِتَة : فَلْيُصَلِّها إِذا ذكرهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا سلف فِي بَاب التَّيَمُّم ، فراجِعْهُ مِنْهُ .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فاتَتْه صلاةُ الصُّبْح فَلم يُصَلِّها حَتَّى خرج من الْوَادي . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا سلف فِي بَاب الْأَذَان ، فراجِعْه مِنْهُ . واعْلَمْ : أَن الرافعيَّ ذكر هَذَا دَلِيلا للمشهور أنَّ غير المتعدِّي لَا يلْزمه الْفَوْر فِي الْقَضَاء ، وَلَك أَن تَقول : إِنَّمَا أخَّر لأمرٍ آخر وَهُوَ أَن فِي الْوَادي شَيْطَانا ، كَمَا أخْبَر بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَسُوق الْهَدْي هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة ، وَعلي وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة رَضي اللهُ عَنهم . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَمَا كَانَت تشد أفواهها فِي الْحرم . قلت : هُوَ الظَّاهِر . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن كَعْب بن عجْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه كَانَ يُوقد تَحت قدر ، والهوام تنتثر من رَأسه ، فَمر بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ : أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَاحْلِقْ رَأسك ، وانسك بِدَم ، أَو صم ثَلَاثَة أَيَّام ، أَو تصدق بفرق من طَعَام عَلَى سِتَّة مَسَاكِين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا برواياتٍ فِي بَعْضهَا : ( فَاحْلِقْ) وصُم ثَلَاثَة أَيَّام ، أَو أطْعم سِتَّة مَسَاكِين ، أَو انسك نسيكةً . قَالَ أَيُّوب - أحد رُوَاته - : فَلَا أَدْرِي بِأَيّ ذَلِك بَدَأَ . وَفِي بَعْضهَا : قَالَ كَعْب : فيَّ نزلتْ هَذِه الْآيَة : (فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه) فأتيتُه ، فَقَالَ : ادنه . فدنوتُ ، فَقَالَ : أَيُؤْذِيك هوَام رَأسك ؟ - قَالَ ابْن عون : (أَظُنهُ) قَالَ : نعم - قَالَ : فَأمرنِي بِصَدقَة أَو صِيَام أَو نسك مَا تيَسّر . وَفِي بَعْضهَا : (أَنه) عَلَيْهِ السَّلَام وقف عَلَيْهِ وَرَأسه تتهافتْ قملاً ، قَالَ : أَيُؤْذِيك هَوَامك ؟ قلت : نَعَمْ . قَالَ : فاحْلِقْ رَأسك ، ففيَّ نزلت هَذِه الْآيَة : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا (إِلَى قَوْله : أَوْ نُسُكٍ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام ، أَو تصدَّقْ بِفِرْقٍ بَين سِتَّةٍ ، أَو انْسك مَا تَيسَّر . وَفِي بَعْضهَا : فَاحْلِقْ رَأسك ، وأطْعِمْ فِرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِين - وَالْفرق ثَلَاثَة آصُع - أَو صُمْ ثَلَاثَة أيامٍ ، أَو (انسك نسيكة وَفِي بَعْضهَا صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام أَو) إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين (نصف صاعٍ ، نصف صَاع) طَعَاما لكل مِسْكين . قَالَ : فنزلَتْ فيَّ خَاصَّة ، وَهِي لكم عَامَّة . وَفِي بَعْضهَا : أَنه خرج مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - محرِمًا ، فَقَمُلَ رأسُهُ ولحيتُه ، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ فأرْسلَ إِلَيْهِ ، فَدَعَا الحلَّاقَ فَحَلَقَ رأسَهُ ، ثمَّ قَالَ (لَهُ) : هَل عنْدك نُسُك ؟ قَالَ : مَا أقدرُ عَلَيْهِ . فَأمره أَن يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام ، أَو يطعم سِتَّة مَسَاكِين كلَّ مسكينٍ نصف صَاع . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : احْلِقْ ثمَّ اذْبَحْ شَاة نُسُكًا ، أَو صُمْ ثَلَاثَة أَيَّام ، أَو أَطْعِمْ ثَلَاثَة آصُع من تَمْر عَلَى سِتَّة مَسَاكِين (وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه فَأمرنِي بصيام أَو صَدَقَة أَو نسك أَو أَيّمَا تيَسّر لَك) (كَذَا) رأيتُه ، وَصَوَابه : أَو نسك مَا تيسَّر .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حمى النَّقيع لإبل الصَّدَقَة ونِعَمَ الْجِزْيَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ بلاغًا ، وَأحمد وَأَبُو دَاوُد مُتَّصِلا ، أما البُخَارِيّ فساق من حَدِيث الصعب بن جَثَّامة رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا حمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ . وَقَالَ : بلغنَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حمى النَّقيع ، وَأَن عمر حمى الشّرف والربذة . وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ ، وَوَقع فِي الْإِلْمَام أَنه مُتَّفق عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِك ، وَقد ذكر هُوَ فِي أَوَاخِر اقتراحه فِي أَحَادِيث عَلَى شَرط الصَّحِيحَيْنِ وَلم يخرجاها . نعم هُوَ فِي البُخَارِيّ كَمَا قَرّرته لَك ، وَوَقع فِي هَذَا الْوَهم ابْن الرّفْعَة فِي مطلبه . وَأما أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ، عَن ابْن شهَاب ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود ، عَن ابْن عَبَّاس عَن الصَّعْب بن جَثَّامة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمى النقيع ، وَقَالَ : لَا حمى إِلَّا للهِ عَزَّ وجَلَّ . هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ أَحْمد : إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ . وَأخرجه الْحَاكِم أَبُو عبد الله بِلَفْظ أَحْمد ثمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . هَكَذَا ! إِنَّمَا اتفقَا عَلَى حَدِيث يُونُس بِإِسْنَادِهِ : لَا حمى إِلَّا لله وَرَسُوله هَذَا لَفظه وَقد علمت أَن [ البُخَارِيّ ] رَوَاهُ وَحده . وَذكر الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث فِي سنَنه ، ثمَّ قَالَ : قَالَ البُخَارِيّ : هَذَا وهم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَوْله : حمى النقيع من قَول الزُّهْرِيّ ، وَكَذَا قَالَه ابْن أبي الزِّنَاد عَن [ عبد الرَّحْمَن ] بن الْحَارِث . قلت : سِيَاق أبي دَاوُد يُخَالف مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث ، وَجعل عبد الْحق فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ فِي بَاب النَّهْي عَن بيع فضل المَاء (إِلَّا لَفظه قَالَ وبلغنا قَول البُخَارِيّ) فَقَالَ : وَقَالَ البُخَارِيّ : بلغنَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حمى النيقع . إِلَى آخِره . وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة عَلَى ذَلِكَ فِي مطلبه . وَفِي مُسْند أَحْمد ، و صَحِيح ابْن حبَان رِوَايَة هَذَا الحَدِيث أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حمى النقيع لخيل الْمُسلمين . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم : الَّذِي عَرفْنَاهُ بِهِ نصًّا وَدلَالَة فِيمَا حمى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه حمى النقيع . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : أَنا غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَنه) حمى النقيع ، وَأَن عمر حمى الشّرف والربذة . فَائِدَة : النقيع - الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث - هُوَ بالنُّون ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، قَالَ صَاحب الْمطَالع : اخْتلفت الروَاة فِي ضَبطه فقيده جماعات بالنُّون . وَكَذَا ذكره الْهَرَوِيّ والخطابي ، قَالَ الْخطابِيّ : وَقد صحفه بعض أَصْحَاب الحَدِيث فقاله بِالْبَاء ، وَهَذَا خطأ ، إِنَّمَا الَّذِي بِالْبَاء بَقِيع الْغَرْقَد مدفن أهل الْمَدِينَة . قَالَ : وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ : هُوَ بِالْبَاء مثل بَقِيع الْغَرْقَد . قَالَ صَاحب الْمطَالع : ومساحته مثل بريد ، وَفِيه شجر كَبِير حَتَّى يغيب الرَّاكِب فِيهِ . قلت : وَجزم الْحَازِمِي فِي مؤتلفه بِأَنَّهُ بالنُّون ، قَالَ : وَهُوَ من ديار مزينة ، قَالَ : وَهُنَاكَ لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَسْجِد . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : عَلَى نَحْو عشْرين ميلًا من الْمَدِينَة ، وَهُوَ فِي صدر وَادي العقيق . والشرف : قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه : قَيده بَعضهم بِفَتْح السِّين وَكسر الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَبَعْضهمْ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة ، قَالَ : وَالثَّانِي هُوَ الصَّوَاب .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : صَيدُ وجّ مُحَرَّمٌ للهِ - تَعَالَى . هَذَا الحَدِيث (صَحِيح) ، أخرجه أَبُو دَاوُد (فِي سنَنه) مُنْفَردا بِهِ ، عَن (حَامِد) بن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْحَارِث ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله الطَّائِفِي ، عَن أَبِيه ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، (عَن أَبِيه ) ، قَالَ : لما أَقبلنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من لِيَّة حَتَّى إِذا كُنَّا عِنْد السِّدْرَة وقف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي طرف القَرْن الْأسود حذوها فَاسْتقْبل نَخِْبا ببصره - وَقَالَ مرّة : واديه - وقف حَتَّى (اتَّقَفَ) النَّاس كلهم ، ثمَّ قَالَ : إِن صيدَ وجٍّ وعِضَاهه حَرْم مُحَرَّمٌ (لله) . وَذَلِكَ قبل نزُول الطَّائِف وحصاره لثقيف . سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد ، وَهُوَ عَلَى قَاعِدَته حسن أَو صَحِيح ، وَكَذَا سكت عَلَيْهِ عبد الْحق ، وَهُوَ قَاض بِصِحَّتِهِ عِنْده . (و) رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، عَن عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي : حَدَّثَني مُحَمَّد بن عبد الله بن إِنْسَان ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خيرا ، ثمَّ سَاقه ، ( وَمُحَمّد بن عبد الله هَذَا) قَالَ أَبُو حَاتِم : إِنَّه لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَفِي حَدِيثه نظر . وَذكره البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : لم يُتَابع عَلَيْهِ ، وَذكر أَبَاهُ وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : لم يَصح . وَكَذَا قَالَ الْأَزْدِيّ ، وَقَالَ ابْن حبَان : رَوَى عَنهُ ابْنه مُحَمَّد ، لم يَصح حَدِيثه . وَنقل مثل هَذِه الْعبارَة فِيهِ أَيْضا عَن البُخَارِيّ ابْن الْقطَّان فِي علله ، وَذكر ابْن أبي خَيْثَمَة ، عَن ابْن معِين أَنه قَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَذكر الْخلال فِي علله أَن أَحْمد ضعفه . وَقَالَ ابْن حبَان فِي ثقاته : كَانَ يُخطئ . وَمثل هَذِه الْعبارَة لَا تقال إِلَّا فِيمَن رَوَى عدَّة أَحَادِيث ، فَأَما عبد الله فَهَذَا الحَدِيث أول مَا عِنْده وَآخره ، فَإِن كَانَ قد أَخطَأ فَحَدِيثه مَرْدُود عَلَى قَاعِدَة ابْن حبَان . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع مُحَمَّد هَذَا إِلَّا من جِهَة تقاربها ، قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء إِلَّا مَرَاسِيل ، وَإسْنَاد آخر يُقَارب هَذَا . وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي علله : يرويهِ عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله (بن عبد الله) بن إِنْسَان ، عَن أَبِيه ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن الزبير ، كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه . (والْحميدِي ، وَحدث الْبَغَوِيّ ، عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، عَن عبد الله بن الْحَارِث ، فَقَالَ : عَن عبد الله بن عبد الله بن إِنْسَان . إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله ، كَذَلِك حدث بِهِ عبد الله بن أَحْمد ومُوسَى بن هَارُون ، عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحميدِي وَإِسْحَاق . وَأغْرب الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِي مِيزَانه : إِن الشَّافِعِي صحّح حَدِيثه وَاعْتمد عَلَيْهِ . قلت : وَضَعفه من الْمُتَأَخِّرين : النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب ، والتهذيب : إِسْنَاده ضَعِيف . قَالَ : وَقَالَ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه : لَا يَصح . وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب ، فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث حسن بعد أَن سَاقه من طَرِيق أبي دَاوُد ، وَقد خَالف هَذَا فِي مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد بِمَا تقدم . فَائِدَة : فِي ضبط مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث من الْأَلْفَاظ الَّتِي قد تُصَحَّف : لِيَّة : بِكَسْر أَوله ، وَتَشْديد ثَانِيه ، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه . وَقَالَ صَاحب الإِمَام : هُوَ مكسور اللَّام . فَفِي رِوَايَة الْخَطِيب مُخَفّفَة ، وَفِي رِوَايَة غَيره مُشَدّدَة كَذَا قَالَ الْبكْرِيّ ، وَهِي من أَرض الطَّائِف عَلَى أَمْيَال يسيرَة ، وَهِي عَلَى لَيْلَة من قرن . والقَرْن : جبل صَغِير ، قَالَه الْخطابِيّ ، قَالَ : ورأيته يشرف عَلَى وهدة . ونَخْب : بِفَتْح أَوله ، وَإِسْكَان ثَانِيه بعده بَاء مُوَحدَة ، وَاد من وَرَاء الطَّائِف ، قَالَه الْبكْرِيّ . قَالَ : وَحَكَى (السكونِي) نَخِب : بِكَسْر الْخَاء عَلَى وزن فَعِل . قلت : وَكَذَا ضَبطه الْحَازِمِي فِي مؤتلفه نقلا عَنهُ ، ثمَّ قَالَ . وَيُقَال : هُوَ وادٍ بالسِّرَاه ، وَقَالَ الْأَخْفَش : وادٍ بِأَرْض هُذَيْل . وَقَالَ الْخطابِيّ : أرَاهُ جبلا أَو موضعا ، وَلست أُحِقُّه . وأيقف مُطَاوع وقف تَقول : وقفته فأيقف ، مثل وعدته فأيعد وَالْأَصْل فِيهِ أييقف وأييعد ، فَلَمَّا ثقل النُّطْق بِهِ أدغموا . (قَالَ) ابْن الْأَثِير : والعِضَاه من الشّجر مَا كَانَ لَهُ شوك . ووَجٌّ بواوٍ مَفْتُوحَة ، ثمَّ جِيم مُشَدّدَة ، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب : وَهُوَ وادٍ بصحراء الطَّائِف . وَهَكَذَا قَالَه غَيره من أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء ، وَقَالَهُ الْخطابِيّ أَيْضا ، وَهَذَا لَفظه : وَجٌّ ذكرُوا أَنه من نَاحيَة الطَّائِف . وَكَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير فِي جَامعه : أَنه وادٍ بَين مَكَّة والطائف . وَقَالَ الْجَوْهَرِي : وجٌّ بلد الطَّائِف . وَنَقله النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب و التَّهْذِيب عَن أهل اللُّغَة كلهم . وَقَالَ الْحَازِمِي فِي مؤتلفه : وجٌّ : اسْم لحصون الطَّائِف ، وَقيل لواحدٍ مِنْهَا . وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه : وَجَّ بِفَتْح أَوله وَتَشْديد ثَانِيه ، هُوَ الطَّائِف ، وَقيل هُوَ وادِ الطَّائِف ، وَفِي الحَدِيث : وَثَقِيف أَحَق النَّاس بوَجَّ . وَعَن خَوْلَة بنت حَكِيم امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون مَرْفُوعا : إِن آخر وَطْأَة وَطئهَا الله - تَعَالَى - بوجّ . قَالَ (أَبُو مُحَمَّد) : يُرِيد أَن آخر مَا أوقع الله بالمشركين بوج ، وَهِي الطَّائِف . وَكَذَلِكَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة : آخر غَزْوَة غَزَاهَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الطَّائِف ، وحنين ، وحنين وَادي الطَّائِف . وَقَالَ غَيره : إِن وَجًّا مقدس ، مِنْهُ عرج الرب - تبَارك وَتَعَالَى - إِلَى السَّمَاء حَتَّى قَضَى إِلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض . قَالَ مُحَمَّد بن سهل : سميت بوج بن عبد الْحَيّ من العمالقة ، هُوَ أول من نزلها . قَالَ الْخطابِيّ : وَلست أعلم لتَحْرِيم صيد وجٍّ مَعْنَى إِلَّا أَن يكون حرمه وقتا مَخْصُوصًا ثمَّ أحله ، وَيدل عَلَى ذَلِكَ قَوْله : قبل نُزُوله الطَّائِف وحصاره ثقيفًا ، ثمَّ عَاد الْأَمر [ فِيهِ ] إِلَى الْإِبَاحَة . قلت : وَرُبمَا اشْتبهَ وَج هَذَا بوح بِالْحَاء الْمُهْملَة ، قَالَ الْحَازِمِي : هِيَ نَاحيَة بعمان .
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن أبي أَيُّوب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يغْتَسل وَهُوَ مُحْرم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مطولا (بِقِصَّةٍ) . (بِلَفْظ) : أَنه رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يغْتَسل وَهُوَ محرم لَا بِلَفْظ : كَانَ . وبذكر الْكَيْفِيَّة : أَنه صَبَّ عَلَى رَأسه ، (ثمَّ حرَّك رأسَهُ) (بيدَيْهِ) ؛ فأَقْبَلَ بهما وأدْبَر ، وَقَالَ : هَكَذَا (رأيتُه) صلى الله عليه وسلم (يفعلُ .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ أَن سعد بن أبي وَقاص أَخذ سلب رجل قتل صيدا فِي الْمَدِينَة ، وَقَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من رَأَى رجلا يصطاد بِالْمَدِينَةِ فليسلبه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عَامر بن سعد : أَن سَعْدا ركب إِلَى قصره بالعقيق فَوجدَ عبدا يقطع شَجرا أَو يخبطه فسلبه ، فَلَمَّا رَجَعَ سعد جَاءَهُ أهل العَبْد (فكلموه) أَن يرد عَلَى غلامهم (أَو) عَلَيْهِم مَا أَخذ من غلامهم ، فَقَالَ : معَاذ الله أَن أرد شَيْئا نفلنيه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبَى أَن يرد عَلَيْهِم . وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم ، واستدركه الْحَاكِم ، وَقَالَ : إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الْبَزَّار بعد أَن أخرجه : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا سعد بن أبي وَقاص ، وَلَا رَوَاهُ عَن سعد إِلَّا (عَامر) بن سعد . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : قد رَوَيْنَاهُ من حَدِيث سُلَيْمَان بن أبي عبد الرَّحْمَن ، عَن سعد ، وَمن حَدِيث مولَى سعد ، عَن سعد ، فَلَعَلَّهُ (أَرَادَ) من وَجه يثبت . (فَائِدَة) : العقيق هَذَا بَينه وَبَين الْمَدِينَة عشرَة أَمْيَال ، وَبِه مَاتَ سعد وَحمل إِلَى الْمَدِينَة وَدفن بهَا ، (هَكَذَا) نقل الْحَافِظ محب الدَّين فِي أَحْكَامه عَن ابْن الْجَوْزِيّ أَن بَينهمَا عشرَة أَمْيَال ، ثمَّ قَالَ : وَمَا أرَاهُ إِلَّا أقرب إِلَى الْمَدِينَة من هَذِه الْمسَافَة . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ : أَنهم كلموا سَعْدا فِي هَذَا السَّلب ، فَقَالَ : مَا كنت لأرد طعمة أطعمنيها رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت : هَذِه الرِّوَايَة بِهَذَا اللَّفْظ أخرجهَا أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة سُلَيْمَان بن أبي عبد الله ، قَالَ : رَأَيْت سعد بن أبي وَقاص أَخذ رجلا يصيد فِي حرم الْمَدِينَة الَّذِي حرم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فسلب ثَوْبه) فجَاء موَالِيه فكلموه فِيهِ ، فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حرم هَذَا الْحرم ، وَقَالَ : من وجد أحدا يصيد فِيهِ فليسلبه ، فَلَا أرد عَلَيْكُم طعمة أطعمنيها رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَكِن إِن شِئْتُم دفعت إِلَيْكُم ثمنه . رِجَاله كلهم ثِقَات ، إِلَّا سُلَيْمَان بن أبي عبد الله ، فَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ هُوَ بالمشهور لَكِن يعْتَبر بحَديثه ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد ، وَذكره أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَن (سَعْدا) كَانَ يخرج من الْمَدِينَة فيجد الحاطب من الْحطاب مَعَه شجر رطب قد عضده من بعض شجر الْمَدِينَة فَيَأْخُذ سلبه ، فَيُكَلَّم فِيهِ . فَيَقُول : لَا أدع غنيمَة غنمنيها رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنِّي لمن أَكثر النَّاس مَالا . وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِهَذَا اللَّفْظ أَيْضا فِي مُسْتَدْركه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح (الْإِسْنَاد) .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَن رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعَلِيهِ جُبَّة ، وَهُوَ متُضَمِّخ بالخلوق ، فَقَالَ لَهُ : إِنِّي أَحْرَمْتُ (بِالْعُمْرَةِ) وَهَذِه عليَّ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : مَا كُنْتَ (تصنعُ فِي حجتك ؟ قَالَ : كنت أنزع هَذِه وأغسلُ هَذَا الخلوق . فَقَالَ صلى الله عليه وسلم (: مَا كنت) صانعًا فِي حجتك فَاصْنَعْ فِي عمرتك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث يعْلى بن أُمَيَّةَ - بِضَم الْهمزَة وَفتح الْمِيم وَتَشْديد الْمُثَنَّاة تَحت ، وَهُوَ أَبوهُ ، وَيُقَال : ابْن مُنْية - بِضَم الْمِيم وَسُكُون النُّون وَتَخْفِيف الْمُثَنَّاة تَحت ، وَهِي أُمُّه - أَن رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ بالجِعْرَانة قد أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ، وَهُوَ مصفّر لحيته وَرَأسه ، وَعَلِيهِ جُبَّة ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أَحْرَمْتُ بِعُمَرةٍ وَأَنا كَمَا ترَى . قَالَ : انْزعْ عَنْك الجُبَّةَ واغْسِلْ عَنْك الصُّفْرَةَ . وَفِي رِوَايَة لَهما : وَهُوَ مُتَضَمِّخ بِطيب ، وفيهَا : إِن الْوَحْي جَاءَهُ إِذْ ذَاك وَأَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُ : اغْسِلْ الطّيب الَّذِي بك ثَلَاث مراتٍ ، وانْزع (عَنْك) الجُبَّةَ ، واصْنَعْ فِي عُمْرَتك مَا تَصْنَعُ فِي (حَجِّك) . قلتُ لعطاء : أَرَادَ الإنقاء حِين أَمَرَه أَن يغسل ثَلَاث مراتٍ ؟ قَالَ : نعم . زَاد النَّسَائِيّ بعد قَوْله : ثَلَاث مراتٍ : ثمَّ أَحْدِثْ (إحرامًا) . (ثمَّ) قَالَ : لَا أحْسبُ هَذِه الزِّيَادَة مَحْفُوظَة . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ : لَا أعلم أَن أحدا قَالَ : ثمَّ أَحْدِث إحرامًا غَيْرَ نوح بن حبيب ، وَلَا أَحْسبهُ مَحْفُوظًا بِهَذِهِ الزِّيَادَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ جماعات فَلم يذكرُوا هَذِه الزِّيَادَة ، وَلم يقبلهَا أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ من نوح . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : اخْلَعْ جُبَّتَك . (فخلعها) من رَأسه . فَائِدَة : الخَلُوق - بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة - طِيْب مَعْرُوف يُتَّخذ من الزَّعْفَرَان وَغَيره من أَنْوَاع الطِّيْب ، وتَغْلُبُ عَلَيْهِ الحُمْرَةُ أَو الصُّفْرَةُ . قَالَه الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السُّنن . (فَائِدَة : المهمل الَّذِي وَقع فِي الحَدِيث الظَّاهِر أَنه عَمْرو بن سَواد ؛ إِذْ فِي كتاب الشِّفَاء لعياض عَنهُ قَالَ : أتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَنا متخلق فَقَالَ : ورس ورس ، حط حط . وغشيني بقضيب فِي يَده فِي بَطْني فأوجعني . الحَدِيث) .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين وَرَدَ النَّهْي عَن قَتْل الضُّفْدَع . هُوَ كَمَا قَالَ ، رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ الصَّحَابِيّ ، وَهُوَ ابْن أخي طَلْحَة بن عبيد الله ، قَالَ : ذكر طَبِيب عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دَوَاء وذَكَرَ الضفدعَ يُجْعَلُ فِيهِ ؛ فَنَهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن قَتْلِ الضفدع قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنَّه أَقْوَى مَا رُوِيَ فِي النهْي . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن قَتْلِ : الصرد ، والضفدع ، والنملة ، والهدهد . وَفِي سَنَدِهِ إِبْرَاهِيم بن الْفضل المَخْزُومِي ، وَقد تَركه غيرُ واحدٍ ، وَقَالَ خَ وغيرُه : مُنْكَر الحَدِيث . تَنْبِيه : وَقع فِي الْخُلَاصَة عَلَى مَذْهَب الْحَنَفِيَّة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن الضفدع يَجْعَل شحمه فِي الدَّوَاء ؟ فَقَالَ : خَبِيث من الْخَبَائِث . وَلم أره بِهَذَا اللَّفْظ ؛ (نعم اللَّفْظ) الْأَخير وَرَدَ فِي (القنفد) ، كَمَا سَتَعْلَمُهُ فِي كتاب الْأَطْعِمَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي المُحْرِم : لَا يَلْبَسُ من الثِّيَاب شَيْئا مَسّه زعفران وَلَا ورس . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا تقدم فِي الحَدِيث الرَّابِع .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَضَى فِي الضَّبع بكبش . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق ، أقواها وأصحها رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار ، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الضبع ، فَقَالَ : هُوَ صيد ، وَيجْعَل فِيهِ كَبْش إِذا صَاده الْمحرم . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ ، (و) التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن صَحِيح . وَالنَّسَائِيّ ، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا وَلَفظه : أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الضبع ، فَقَالَ : هِيَ صيد ، وفيهَا كَبْش، ثمَّ قَالَ : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ جرير بن (حَازِم) يَعْنِي رَاوِيه عَن عبد الله بن عبيد ، عَن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور ، ثمَّ سَاق من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جُريج ، عَن عبد الله بن عبيد ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار ، قَالَ : سَأَلت جَابِرا عَن الضبع آكله ؟ قَالَ : نعم . قلت : أصيد هُوَ ؟ قَالَ : نعم ، قلت : عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : نعم . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ : جعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الضبع يُصِيبهُ الْمحرم كَبْشًا نجديًّا ، وَجعله من الصَّيْد . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك ، إِلَّا أَنه لم يقل نجديًّا . وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الضبع صيد ؛ فَإِذا أَصَابَهُ الْمحرم فَفِيهِ جَزَاء كَبْش مسن ويؤكل، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بقريب من لفظ أبي دَاوُد (و) بقريب من لفظ الْحَاكِم الآخر ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث [ جيد ] تقوم بِهِ الْحجَّة . قَالَ : وَقَالَ أَبُو عِيسَى : سَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ : هُوَ حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ عبد الْحق فِي كتاب الْأَضَاحِي من أَحْكَامه : إِسْنَاده صَحِيح ، و (سكت) عَلَيْهِ هُنَا . وَله طَرِيق أُخْرَى عَن جَابر رَوَاهُ الْأَجْلَح الْكِنْدِيّ ، عَن أبي الزبير عَنهُ مَرْفُوعا . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وروياه أَيْضا مَوْقُوفا . قَالَ ابْن الْقطَّان : الْأَجْلَح يرفعهُ ، وَالْجَمَاعَة تقفه . قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ . الطَّرِيق الثَّانِي : رِوَايَة عَمْرو بن أبي عَمْرو ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الضبع صيد ، وَجعل فِيهِ كَبْشًا . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، وَعَمْرو هَذَا الْأَكْثَرُونَ عَلَى توثيقه كَمَا تقدم قَرِيبا فِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سعيد بن سَالم ، عَن ابْن جريج ، عَن عِكْرِمَة مولَى ابْن عَبَّاس يَقُول : أنزل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ضبعًا (صيدا) ، وَقَضَى فِيهَا كَبْشًا ، ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا حَدِيث لَا يثبت مثله لَو انْفَرد . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لانقطاعه ، ثمَّ أكده بِحَدِيث ابْن أبي عمار السالف ، قَالَ : وَقد رُوِيَ مَوْصُولا ، فَذكره كَمَا أسلفناه . وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : فِي الضبع كَبْش . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة ، عَن عَلّي . الطَّرِيق الثَّالِث : من رِوَايَة الْأَجْلَح ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، عَن عمر بن الْخطاب - قَالَ : لَا أرَاهُ إِلَّا قد رَفعه - : أَنه حكم فِي الضبع بكبش ، وَفِي الغزال (بعنز) ، وَفِي الأرنب بعناق ، وَفِي اليربوع بجفرة . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ : الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى عمر ، كَذَلِك رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر عَنهُ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عبد الْملك بن [ أبي ] سُلَيْمَان ، عَن عَطاء ، عَن جَابر عَنهُ ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : إِن الْمَوْقُوف أصح من الْمسند . قلت : وَالْأَجْلَح صَدُوق شيعي جلد ، قَالَ يَحْيَى : ثِقَة . وَقَالَ ابْن عدي : لم أجد لَهُ شَيْئا مُنْكرا إِلَّا أَنه يعدُّ فِي شيعَة الْكُوفَة ، وَهُوَ صَدُوق . وَقَالَ السَّعْدِيّ : مفتر . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ لَا يدْرِي مَا يَقُول ؛ جعل أَبَا سُفْيَان أَبَا الزبير . وَقَالَ أَحْمد : قد رَوَى غير حَدِيث مُنكر . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَا يحْتَج بِهِ .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة مِثْلَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة ، لَا ينفر صيدها وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، خرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لأَهْلهَا ، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم مَكَّة . وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ بِلَفْظ : اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة فَجَعلهَا حرما ، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة حَرَامًا مَا بَين مأْزِمَيْها ، أَلا يهراق فِيهَا دم ، وَلَا يحمل فِيهَا سلَاح لقِتَال ، وَلَا يُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَة إِلَّا لعلف . وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر بِلَفْظ : إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة مَا بَين لابتيها ، لَا يقطع عضاهها وَلَا يصاد صيدها . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ، من حَدِيث أبي قَتَادَة : اللَّهُمَّ إِنِّي حرمت مَا بَين لابتيها ، كَمَا حرمت عَلَى لِسَان إِبْرَاهِيم الْحرم . وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث رَافع بن خديج ، وَسعد بن أبي وَقاص ، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث أنس .
الحَدِيث التَّاسِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِحْرَام الْمَرْأَة (فِي) وَجههَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطبرانيُّ فِي أكبر معاجمه وابْنُ عدي فِي كَامِله وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من رِوَايَة ابْن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ عَلَى المرأةِ حرم إِلَّا فِي وَجههَا . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ، فِي إِسْنَاده أَيُّوب بن (مُحَمَّد أَبُو) سُهَيْل الْعجلِيّ اليمامي ، يلقب : أَبَا الْجمل ، قَالَ أَبُو زرْعَة : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : ضَعِيف . وَقَالَ مَرَّةً : لَا شَيْء . وَقَالَ ابْن عدي : لَا أعلمهُ يرفعهُ عَن عبيد الله - (يَعْنِي : رَاوِيه) عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر - غير أبي الْجمل (هَذَا ) . وَقَالَ فِي إِسْنَاده كَمَا سَيَأْتِي : إِنَّه ثِقَة . وَقَالَ العُقيلي فِي ضُعَفَائِهِ : لَا يُتابع أَيُّوب بن مُحَمَّد عَلَى رَفْعِهِ ؛ فَإِنَّهُ يَهِم فِي بعض حَدِيثه ، إِنَّمَا يرْوَى مَوْقُوف . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : الصَّوَاب وَقْفُهُ عَلَى ابْن عُمر . قَالَ : وَأَيوب هَذَا من أهل الْيمن ضَعِيف . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَقِبَ إِخْرَاجه من طَرِيق ابْن عدي ، وذكْرِ توثيقه فِي إِسْنَاده : أَيُّوب هَذَا ضَعِيف عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، ضعفه يَحْيَى بْنُ معِين وغيرُه . وَقَالَ فِي خلافياته : قَالَ الْحَاكِم : هَكَذَا رَوَاهُ أَيُّوب عَن ابْن عُمر مُسْندًا مَرْفُوعا ، وحاله عِنْد أَئِمَّة (أهل) النَّقْل بِخِلَاف مَا عدَّله بِهِ عبد الله بن رَجَاء ، قَالَ ابْن معِين : شيخ يماني ضَعِيف . وَنقل الذهبيُّ فِي مِيزَانه عَن الْفَسَوِي توثيقَه . وَقَالَ فِي ضُعَفَائِهِ : ضعفه ابْنُ معِين وَوَثَّقَهُ غيرُه . وَقَالَ عبد الْحق : (أحسن) مَا سمعتُ فِي أَيُّوب هَذَا أَنه لَا بَأْس بِهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ (قَوْلَةُ) أبي حَاتِم فِيهِ . قَالَ : وَقد سمع فِيهِ أحسن مِمَّا سَمعه أَبُو مُحَمَّد ؛ (فَإِن) ابْن عدي ذكر توثيقَه فِي إِسْنَاده ، فَإِنَّهُ لمَّا وصل فِي إِسْنَاده إِلَى يَعْقُوب بن سُفْيَان قَالَ : نَا عبيد الله ابن رَجَاء ، نَا أَيُّوب بن مُحَمَّد أَبُو الْجمل ثِقَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : وَقد رُوي هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر مجهولٍ عَن عبيد الله بن عُمر مَرْفُوعا . قَالَ : وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى ابْن عُمر أَنه قَالَ : إِحْرَام الْمَرْأَة فِي وَجههَا ، وإحرام الرجل فِي رَأسه هَكَذَا رَوَاهُ جماعةُ مَوْقُوفا عَلَيْهِ ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمعرفَة بعد أَن رَوَاهُ هَكَذَا مَوْقُوفا عَلَيْهِ : ورُوي عَنهُ مَرْفُوعا ، ورَفْعه ضَعِيف .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - استهدي بِمَاء زَمْزَم (من) سُهَيْل بن عَمْرو عَام الْحُدَيْبِيَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الله بن المؤمل ، وَقد سلف حَاله فِي أَوَاخِر الْبَاب قبله ، عَن (ابْن مُحَيْصِن) ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : استهدى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُهَيْل بن عَمْرو [ من ] مَاء زَمْزَم . قَالَ : وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، ثمَّ رُوِيَ من حَدِيث خَلاد بن يَحْيَى ، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، ثَنَا أَبُو الزبير قَالَ : كُنَّا عِنْد جَابر بن عبد الله فَذكر حَدِيث : مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ قَالَ : ثمَّ أرسل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ (بِالْمَدِينَةِ) قبل أَن تفتح مَكَّة إِلَى سُهَيْل بن عَمْرو : أَن أهد لنا (من) مَاء زَمْزَم وَلَا يتْرك . قَالَ : فَبعث إِلَيْهِ بمزادتين .
الحَدِيث الثَّامِن قَالَ الرَّافِعِيّ : وَإِن تأتى اتِّخَاذ إِزَار - أَي : من السَّرَاوِيل - (فلبسه) عَلَى هَيئته - أَي : سراويلاً - فَهَل يلْزمه الْفِدْيَة ؟ [ فِيهِ ] وَجْهَان : أَحدهمَا : (لَا) ، لإِطْلَاق الخَبَر . قلت : مُرَاده بذلك مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَنْ لم يجدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سروايلَ ، وَمن لم يجدْ نعلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن . وَفِي رِوَايَة لَهما : سمعتُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخْطب بعرفاتٍ وَهُوَ يَقُول : الحَدِيث ، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْن فليلبسْ خُفَّيْن ، ومَنْ لم يجدْ إزارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله عَزَّ وجَلَّ حرم مَكَّة ، لَا يُخْتَلَى خَلاهَا ، وَلَا يعضد شَجَرهَا وَلَا ينفر صيدها . فَقَالَ الْعَبَّاس : إِلَّا الْإِذْخر يَا رَسُول الله ؛ فَإِنَّهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتنَا ، فَقَالَ : إِلَّا الْإِذْخر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا تقدم فِي الْبَاب ، وَهُوَ الحَدِيث السَّادِس عشر . (وَقَول الرَّافِعِيّ فِي الشوك ، وَفِي وَجه اخْتَارَهُ صَاحب التَّتِمَّة أَنَّهَا مَضْمُونَة لإِطْلَاق الْخَبَر . قلت : بل صَرِيحَة فِيهِ وَهِي لَا يعضد شَوْكهَا) .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَهَى النساءَ فِي إحرامهن عَن النقاب ، و (لتلبس) بعد ذَلِك مَا أحبت من ألوان الثِّيَاب مُعَصْفَرًا أَو خَزًّا أَو حليًّا أَو سَرَاوِيل أَو قَمِيصًا أَو خفًّا . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة عبد الله بن عُمر : أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينْهَى النساءَ فِي إحرامهن عَن القفازين ، والنقاب ، وَمَا مس الورس والزعفران من الثِّيَاب ، (ولتلبس) بعد ذَلِك مَا (أحبَّتْ) من ألوان الثِّيَاب من معصفرٍ أَو خَز أَو حُليّ أَو سَرَاوِيل أَو قميصٍ أَو خُفٍّ . هَذَا لفظ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم ، وَلَفظ أبي دَاوُد كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ الَّذِي أوردناه (بِزِيَادَة) : وَمَا مس الورس والزعفران . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده إِلَى قَوْله : والزعفران من الثِّيَاب ، وَهُوَ مَا قَالَ أَبُو دَاوُد : (رَوَاهُ) عَن ابْن إِسْحَاق (عَبْدَة) بن سُلَيْمَان وَمُحَمّد بن سَلمَة إِلَى قَوْله : وَمَا مس الورس والزعفران من الثِّيَاب . وَلم يذكرَا مَا بعده ، وَرِجَال إِسْنَاده مُحْتَج (بهم) فِي الصَّحِيحَيْنِ خلا محمدُ بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي ، فَإِنَّهُمَا لم يحْتَجَّا بِهِ ، وَإِنَّمَا أخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة ، لَا جرم قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . وَمرَاده : أَنه عَلَى شَرط مُسلم فِي ابْن إِسْحَاق ؛ فَإِنَّهُ أخرج لَهُ كَمَا قُلْنَاهُ ، لكنه لم يخرج لَهُ مُسْتَقلاًّ ، نَعَمْ أَكثر مَا عَابُوا عَلَى ابْن إِسْحَاق التَّدْلِيس ، وَقد صرَّح فِي هَذَا الحَدِيث بِالتَّحْدِيثِ من نَافِع ، والمدلِّس إِذا صرَّح بِالتَّحْدِيثِ احْتُجَّ بحَديثه ؛ فَيكون حَدِيثه هَذَا حسنا ، وَقد رُوِيَ بعضه مَوْقُوفا ، أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول : لَا تنتقب الْمَرْأَة الْمُحرمَة ، وَلَا تَلْبَس القفازين . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده ، وَرَوَاهُ أَبُو قُرَّة مُوسَى بن طَارق ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع مَوْقُوفا عَلَى ابْن عُمر .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَحْمُ الصَّيْد حَلَال لكم فِي الْإِحْرَام مَا لم تصطادوا (أَو) لم يُصد لكم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ ، وابْنُ حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من حَدِيث عَمرو بن أبي عَمرو ميسرةَ مولَى الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب ، عَن مَوْلَاهُ الْمطلب ، عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : صَيْدُ البَرِّ لكم حَلَال مَا لم تصيدوه أَو يُصَاد لكم هَذَا لفظ د ، س ، ت ، إِلَّا أَن ت ، س قَالَا : يصد لكم بِحَذْف الألِف ، وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وحَذَفَ ابْن حبَان لَفْظَة لكم وَلَفظ الْحَاكِم مثل رِوَايَة الْأَوَّلين وَقَالَ : يُصاد بالألِف ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : لحم صيد البَرِّ لكم حَلاَل وَأَنْتُم حرم مَا لم تصيدوه أَو يصاد لكم . وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كهاتين الرِّوَايَتَيْنِ . وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث إِلَى عَمرو (بن أبي عَمرو) صَحِيح ، وأمَّا عَمرو بن أبي عَمرو فقد ليَّنَهُ جَماعة ، قَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِقَوي وَإِن كَانَ قد رَوَى عَنهُ مَالك . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : لَا يحْتَج بحَديثه . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِقَوي وَلَيْسَ بحُجَّةٍ . وَقَالَ السَّعْدِيّ : مُضْطَرب الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَيْسَ بالقويّ . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ مستضعف ، وَأَحَادِيثه تدل عَلَى حالِهِ . (وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه : هَذَا خبر سَاقِط لأَجله) . وَأَشَارَ الترمذيُّ إِلَى تَضْعِيف الحَدِيث من وَجْهٍ آخَر فَقَالَ : لَا نَعْرِف للمطلَّب سَمَاعا من جابرٍ . وَقَالَ فِي موضعٍ آخر : قَالَ مُحَمَّد : لَا أعرف للمطلب سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة إِلَّا قَوْله : حدَّثني مَنْ شهد خُطْبةَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي : الدَّارمِيّ - يَقُول : لَا نَعْرف لَهُ سَمَاعا من أحدٍ من الصَّحَابَة . وطَعَنَ فِي الْمطلب ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ : لَيْسَ يُحتج بحَديثه ؛ لِأَنَّهُ يُرْسل عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كثيرا (و) لَيْسَ لَهُ لِقَاء ، وعامَّة أَصْحَابه يدلِّسُون . وَالْجَوَاب عَن هَذِه التعليلات : أما تَضْعِيف عَمرو فَلَا يقبل ؛ فَإِنَّهُ من رجال الصَّحِيحَيْنِ ، و السّنَن الْأَرْبَعَة رووا عَنهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَاحْتج بِهِ أَيْضا الإمامُ مَالك ، ورَوى عَنهُ وَهُوَ الْقدْوَة ، وَقد عُلِم من عَادتِهِ أَنه لَا يروي فِي كِتَابه إِلَّا عَن ثِقَة ، وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل فِيهِ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ أَبُو زُرْعة : ثِقَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ ابْن عدي : لَا بَأْس بِهِ ؛ لِأَن مَالِكًا رَوَى عَنهُ ، وَلَا يروي مَالك إلَّا عَن صَدُوق ثِقَة . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَقَالَ : رُبمَا أَخطَأ ، يُعْتَبَرُ بحَديثه من رِوَايَة الثِّقَات عَنهُ . وَهَذَا الحَدِيث كل من رَوَاهُ عَنهُ فَهُوَ ثِقَة ، وَقد أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من جِهَته ، ( والحاكمُ ) فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قَالَ : وَرَوَاهُ عَن عَمرو يعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الإسْكَنْدراني وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم ، ومالكُ بْنُ أنسٍ ، وسليمانُ بْنُ بِلَال مسنَدًا مُتَّصِلا ، وهم ثِقَات . قَالَ : وَلَا يُعلل هَذَا بِحَدِيث الشَّافِعِي ، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن عَمرو بن أبي عَمْرو ، عَن رجلٍ مِنَ الْأَنْصَار ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، فَإِن الْأَوَّلين وصَلُوه ، وهم ثِقَات . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : حَدِيث صَحِيح عَن عَمرو بن أبي عَمرو . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : أَقَامَ ثَلَاثَة من الثِّقَات إِسْنَاد هَذَا الحديثِ عَن عَمرو ، وهُمْ : يَحْيَى بْنُ عبد الله بن سَالم ، ويعقوبُ بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ ، وَسليمَان بن بِلَال . قَالَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشافعيُّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (عَن) عَمرو ، وَعَن الثِّقَة عِنْده ، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن عَمروٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أبي دَاوُد ، عَن مَالك (بن) أنس ، عَن عَمرو . قَالَ : ورَوَاهُ عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي ، عَن عَمرو ، عَن رجل من بني سَلمَة ، عَن جابرٍ مَرْفُوعا . قَالَ الشَّافِعِي : وَابْن أبي يَحْيَى أحفظ من الدراورديِّ وَسليمَان مَعَ ابْن أبي يَحْيَى . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن وَيَحْيَى بن عبد الله بن سَالم وهما مَعَ سُلَيْمَان من الْأَثْبَات . قلت : (فَحصل) من ذَلِك كُله تَوْثِيق عَمرو ، (وَتَصْحِيح) هَذَا الحَدِيث ، ومَنْ جرح عَمرو بْنَ أبي (عَمرو) فَلم (يفسِّرْ) جرحه ، وَقد عُرف أَن الْجرْح لَا يقبل إِلَّا مُفَسرًا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا الحَدِيث أَحْسَنُ شَيْء رُوي فِي هَذَا الْبَاب وأَقيس . وأمَّا إِدْرَاك الْمطلب لجابرٍ ، فَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : رَوَى (عَن) جَابر ، وَيُشبه أَن يكون أدْرَكَهُ . هَذَا كَلَامه ؛ فَحصل شكّ فِي إِدْرَاكه ، وَمذهب مُسلم بن الْحجَّاج الَّذِي ادَّعَى فِي مُقَدّمَة صَحِيحه الْإِجْمَاع عَلَيْهِ أَنه لَا يُشْتَرَطُ فِي اتِّصَال الحَدِيث اللِّقَاء (بل) يَكْفِي إِمْكَانه . والإمكان حَاصِل قطعا ، وَمذهب عَلّي بن الْمَدِينِيّ وَالْبُخَارِيّ والأكثرين اشْتِرَاط ثُبُوت اللِّقَاء . فَعَلَى مَذْهَب مُسلم الحَدِيث مُتَّصِل ، وَعَلَى مَذْهَب الْأَكْثَرين يكون مُرْسل بعض التَّابِعين . ومرسل التَّابِعِيّ الْكَبِير حُجَّة إِذا اعتضد بِأحد أمورٍ ، مِنْهَا : قَول بعض الصَّحَابَة بِهِ . وَقد قَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَة عثمانُ بْنُ عَفان ، كَمَا نَقله (ابْن) الْمُنْذر عَنهُ . وَمِنْهَا : أَن يسند من جِهَة أُخْرَى . وَقد وُجدَ ذَلِك أَيْضا ؛ فقد رَوَاهُ الخطيبُ فِي كتاب مَنْ رَوى عَن مَالك من حَدِيث عُثْمَان بن خَالِد الْمدنِي ، نَا مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عُمر (قَالَ) : قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الصَّيْد يَأْكُلهُ الْمحرم مَا لم يصده أَو يصد لَهُ . ثمَّ قَالَ الْخَطِيب : تفرَّد بروايته عُثْمَان عَن مَالك . قلت : وَعُثْمَان ضعَّفوه ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث يُوسُف بن خَالِد (السَّمْتِي) ، عَن عَمرو بن أبي عَمرو ، عَن الْمطلب ، عَن (أبي) مُوسَى الْأَشْعَرِيّ (مَرْفُوعا) : لحمُ الصَّيْد حَلَال لكم مَا لم تصيدوه أَو يُصَدْ لكم وَأَنْتُم حُرُم . ويوسف هَذَا واهٍ . وَأما الْكَلَام فِي الْمطلب (فقد خَالف) ابْنَ سعد أَبُو زرْعَة فَقَالَ : ثِقَة . وَكَذَا وثَّقه الدارقطنيُّ وغيرُه . فَائِدَة : رِوَايَة : أَو يصاد لكم بالألفِ ، لَا إِشْكَال فِيهَا ، وَرِوَايَة مَنْ رَوَى : أَو يُصَدْ بحذفها ، جَائِزَة عَلَى لُغَة ، وَمن ذَلِك : قَوْله تَعَالَى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ عَلَى قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْيَاءِ ، وَمِنْه قَول الشَّاعِر : ألم يأتيك والأنباء تنمي بِمَا لاقتْ لَبُونُ بني زِياد
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان ، وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي شُرُوط الصَّلَاة ، فَرَاجعه من ثمَّ .
الحَدِيث السَّادِس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : لَا تَنْتَقِبُ المرأةُ ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا تقدم بَيَانه فِي أثْنَاء الحَدِيث الرَّابِع .
كتاب الْحَج كتاب الْحَج قَالَ الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : نزلت (فَرِيضَة الْحَج سنة) خمس من الْهِجْرَة ، وأخره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من غير مَانع ، فَإِنَّهُ خرج إِلَى مَكَّة سنة سبع لقَضَاء الْعمرَة وَلم يحجّ ، وَفتح مَكَّة سنة ثمانٍ ، وبعثَ أَبَا بكر أَمِيرا عَلَى (الحاجِّ) سنة تسع ، وَحج هُوَ سنة عشر وعاش بعْدهَا ثَمَانِينَ يَوْمًا ثمَّ قبض . هَذَا لَفظه ، وَمَا جزمَ بِهِ من كونِ الْحَج فُرِضَ سنة خمس مُخَالف لما رَجحه فِي كتاب السِّير ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : فُرِض سنة ستٍّ ، وَقيل : سنة خمس . (وَتَبعهُ فِي الرَّوْضَة عَلَيْهَا ، وصَحَّحَ ابْن (الرّفْعَة) أَيْضًا أَنه سنة سِتّ ، وَنَقله فِي شرح الْمُهَذّب عَن الْأَصْحَاب ، وَقيل : إِنَّه فُرض سنة ثَمَان . قَالَ الماورديُّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة : وَقيل : سنة تسع . حَكَاهُ فِي الرَّوْضَة فِي السّنَن ، وَقيل : قبل الْهِجْرَة . حَكَاهُ فِي النِّهَايَة ، وَقَوله : وعاش بعْدهَا أَي : بعد عَوْدِهِ من الْحَج لَا (بعد) الْحَج نفسِه ، فَإِن الْحَج انْقَضَى ثَالِث عشر ، وَتُوفِّي الشَّارِع ثَانِي عشر ربيع الأول ، وَهَذِه الْأُمُور الَّتِي نقلهَا (الرَّافِعِيّ) (هُنَا) عَنهُ ؛ كلهَا صَحِيحَة) ، ثمَّ ذكر فِي الْبَاب أَحَادِيث وأثرًا وَاحِدًا ، أما الْأَحَادِيث فَثَلَاثَة عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : بني الْإِسْلَام عَلَى خمس . الحَدِيث . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما كَمَا سلف فِي الصَّوْم ، وَهُوَ حَدِيث عَظِيم الْموقع كثير الْفَوَائِد .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله - تَعَالَى . وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا فَقَالَ : وَقَالَ ابْن عَبَّاس : إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله) . وأسنده الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان (عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : وَالله إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله (وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله) . ثمَّ قَالَ : رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان) بن عُيَيْنَة ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن جريج قَالَ : أخْبرت عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : الْعمرَة وَاجِبَة كوجوب الْحَج من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا قَالَ الْحَاكِم : وَإِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَلم يخرجَاهُ (وَرَوَاهُ) سعيد بن مَنْصُور ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عبد الله بن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : الْحَج وَالْعمْرَة واجبتان وَعَن سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس (قَالَ) فِي الْعمرَة وَالْحج : إِنَّمَا أُمِرَ (بهما) فِي كتاب الله - تَعَالَى . وَرَوَاهُ ابْن حزم من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس (أَنه قَالَ فِي الْعمرَة وَالْحج : إِنَّهَا لقرينتها فِي كتاب الله، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا عَن ابْن عَبَّاس) من طرق فِي غَايَة الصِّحَّة أَنَّهَا وَاجِبَة كوجوب الْحَج .
الحَدِيث (الثَّالِث) عشر عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الْعمرَة : أَوَاجِبَة ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أولَى . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ إِلَّا أَن التِّرْمِذِيّ قَالَ : فَهُوَ أفضل بدل فَهُوَ أولَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَن تعتمر خير لَك . وَكَذَا لفظ أَحْمد إِلَّا أَنه قَالَ فِي أَوله : ( أَتَى) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَعْرَابِي فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أَخْبرنِي عَن الْعمرَة ، أَوَاجِبَة هِيَ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَأَن تعتمر خير لَك . (وَذكره) ابْن حزم فِي محلاه بِلَفْظ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْعمرَة : أفريضة هِيَ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَن تعتمر فَهُوَ خير لَك . ومداره عَلَى الْحجَّاج بن أَرْطَاة أَبُو أَرْطَاة النَّخعِيّ الْكُوفِي وَقد عرفت حَاله فِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين من بَاب الْأَذَان ، وَمِمَّا لم أقدمه هُنَاكَ أَن مُسلما أخرج لَهُ (مَقْرُونا) وَرَوَى لَهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَوَصفه الْخَطِيب بِأَنَّهُ أحد الْحفاظ ، وَقَالَ الْعجلِيّ : كَانَ فَقِيها أحد مُفِْتيّ أهل الْكُوفَة ، وَكَانَ (فِيهِ تيه) وَكَانَ يَقُول : أهلكني حبُّ الشَّرَف . وَولي قَضَاء الْبَصْرَة ، وَكَانَ جَائِز الحَدِيث إِلَّا أَنه صَاحب إرْسَال ، وَإِنَّمَا يعيب النَّاس (مِنْهُ) التَّدْلِيس . وَقَالَ ابْن حبَان : تَركه ابْن الْمُبَارك وَيَحْيَى الْقطَّان وَابْن مهْدي وَيَحْيَى بن معِين وَأحمد بن حَنْبَل ، وَكَانَ زَائِدَة يَأْمر بترك حَدِيثه ، وَقَالَ أَحْمد : يزِيد فِي الْأَحَادِيث ويروي عَمَّن لم يلقهُ لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ أَبُو طَالب عَن أَحْمد : كَانَ من الْحفاظ . قيل (لَهُ) : فلِمَ لَيْسَ هُوَ عِنْد النَّاس بِذَاكَ ؟ قَالَ : (لِأَن) فِي (حَدِيثه) زِيَادَة عَلَى أَحَادِيث النَّاس . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : يُدَلس عَن الضُّعَفَاء فَإِذا قَالَ : نَا فلَان (فَلَا) يرتاب . وَقَالَ ابْن عدي : عابوا عَلَيْهِ تدليسه عَن الزُّهْرِيّ وَغَيره ، وَرُبمَا أَخطَأ ، فَأَما أَن يتَعَمَّد الْكَذِب فَلَا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا يحْتَج (بِهِ) . وَقَالَ ابْن الْمُبَارك : رَأَيْته فِي مَسْجِد الْكُوفَة يُحَدِّثهُمْ بِأَحَادِيث الْعَرْزَمِي ويدلسها عَلَى شُيُوخ الْعَرْزَمِي ، (والعرزمي) قَائِم يُصَلِّي لَا يعرفهُ أحد وَالنَّاس عَلَى حجاج . وَقَالَ ابْن حزم : هُوَ سَاقِط . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : (ناهيك) (فِيهِ) أَي : فِي الضعْف . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : كَانَ لَا يُصَلِّي مَعَ الْمُسلمين فِي الْمَسْجِد ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ؟ فَقَالَ : أكره مزاحمة البقالين لَا (ينبل) الْإِنْسَان حَتَّى يدع الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة . وَأَنه أنكر السَّلَام عَلَى الْمَسَاكِين وَقَالَ : عَلَى مثل هَؤُلَاءِ (يسلم !) . (فَهَذِهِ أَقْوَال) الْحفاظ فِي الْحجَّاج مصرحة بضعفه وبتدليسه ، وَقدمنَا توثيقه فِي بَاب الْأَذَان عَن الثَّوْريّ وَشعْبَة وَغَيرهمَا . وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَنهُ ، أحدهم : عمر بن عَلّي الْمقدمِي ، أخرجه التِّرْمِذِيّ من جِهَته ، ومعتمر بن سُلَيْمَان وَأَبُو مُعَاوِيَة ، وَعبد الله بن الْمُبَارك ، أخرجه عَنْهُم الْحَافِظ أَبُو نعيم (الْأَصْبَهَانِيّ) فِي جمعه لأحاديث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر وَقَالَ التِّرْمِذِيّ (عقب) إِخْرَاجه لَهُ من الْوَجْه الْمَذْكُور : هَذَا حَدِيث حسن . وَوَقع فِي رِوَايَة (الْكَرْخِي) دون غَيره كَمَا أَفَادَهُ صَاحب الإِمَام عَنهُ زِيَادَة الصِّحَّة أَيْضا وَهُوَ مَا نَقله صَاحب الْأَحْكَام عَنهُ ، وَفِي تَصْحِيحه نظر كَبِير ، قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه : هَذَا حَدِيث (بَاطِل) حجاج سَاقِط . وَقَالَ الشَّافِعِي - فِيمَا نَقله التِّرْمِذِيّ - : الْعمرَة سنة ، لَا نعلم أحدا رخص فِي تَركهَا ، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْء ثَابت أَنَّهَا وَاجِبَة ، قَالَ الشَّافِعِي : وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ بِإِسْنَاد ] (وَهُوَ) ضَعِيف لَا تقوم بِمثلِهِ الْحجَّة ، وَقد بلغنَا عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يُوجِبهَا . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ حجاج بن أَرْطَاة مَرْفُوعا ، وَالْمَحْفُوظ إِنَّمَا هُوَ عَن جَابر مَوْقُوف عَلَيْهِ غير مَرْفُوع . قَالَ : وَرُوِيَ عَن جَابر مَرْفُوعا (خلاف) ذَلِك . قَالَ : وَكِلَاهُمَا ضَعِيف . ثمَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من رِوَايَة غير الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، رَوَاهُ من طَرِيق سعيد بن (عُفَيْر) الْأنْصَارِيّ ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب (عَن عبيد الله (عَن) أبي الزبير) عَن جَابر أَنه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، الْعمرَة فَرِيضَة كَالْحَجِّ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَن تعتمر فَهُوَ خير لَك كَذَا قَالَ : عَن عبيد الله ، وَهُوَ عبيد الله ابن الْمُغيرَة تفرد بِهِ عَن أبي الزبير ، ذكره يَعْقُوب بن سُفْيَان وَمُحَمّد بن عبد الرَّحِيم البرقي وَغَيرهمَا ، عَن ابْن عفير ، عَن يَحْيَى [ عَن ] (عبيد الله) بن الْمُغيرَة . (وَرَوَاهُ) الباغندي ، عَن جَعْفَر بن مُسَافر ، عَن (ابْن) عفير (وَقَالَ) عَن يَحْيَى (عَن) عبيد الله بن عمر . وَهَذَا وهم من الباغندي ، وَقد رَوَاهُ ابْن أبي دَاوُد ، عَن جَعْفَر كَمَا رَوَاهُ النَّاس ، وَإِنَّمَا يعرف هَذَا الْمَتْن بالحجاج بن أَرْطَاة ، عَن مُحَمَّد ابن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر قَالَ : وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : الْعمرَة تطوع وَكِلَاهُمَا ضَعِيف . وَكَذَا قَالَ الطَّبَرَانِيّ (لما أخرجه من حَدِيث) سعيد بن عفير : عبيد الله هَذَا هُوَ ابْن أبي جَعْفَر الْمصْرِيّ ، وَلم يرو هَذَا الحَدِيث عَن (أبي) الزبير إِلَّا هُوَ ، تفرد بِهِ يَحْيَى بن أَيُّوب ، وَالْمَشْهُور : حَدِيث الْحجَّاج ، عَن (مُحَمَّد) بن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت ، وحجاج بن أَرْطَاة يتفرد بِسَنَدِهِ ، وَرَفعه إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من هَذَا الْوَجْه ، وَخَالفهُ عبد الْملك بن جريج وَغَيره ، فَرَوَوْه عَن ابْن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر من قَوْله ، وَهُوَ الصَّوَاب ، وحجاج لَيْسَ يقبل مِنْهُ مَا ينْفَرد بِهِ من الرِّوَايَات لسوء حفظه ، وَقلة مراعاته لما يحدث بِهِ ، وَكَثْرَة تدليسه ، فَكيف إِذا خَالف الثِّقَات وَرفع الْمَوْقُوفَات والمعضلات ؟ ! وَقَالَ فِي الْمعرفَة : رَفعه ضَعِيف . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : هَذَا حَدِيث ضَعِيف . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : فِي تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ لهَذَا الحَدِيث (نظر) ، فَإِن الْحجَّاج بن أَرْطَاة لم يحْتَج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَقد ضعفه الْأَئِمَّة . وَقَالَ صَاحب الإِمَام : صحّح التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث وَاعْترض عَلَيْهِ بالْكلَام فِي الْحجَّاج بن أَرْطَاة رافعه ، وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا من قَول جَابر . وَقَالَ الإِمَام الظَّاهِرِيّ : اعْترض عَلَى هَذَا الحَدِيث بِأَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : قَول التِّرْمِذِيّ : إِن هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غير مَقْبُول ، وَلَا تغتر بِكَلَامِهِ ؛ فقد اتّفق الْحفاظ عَلَى أَنه حَدِيث ضَعِيف ، وَدَلِيل ضعفه أَن مَدَاره عَلَى الْحجَّاج بن أَرْطَاة لَا يعرف إِلَّا من جِهَته ، وَالتِّرْمِذِيّ إِنَّمَا رَوَاهُ من جِهَته ، وَالْحجاج ضَعِيف ومدلس بِاتِّفَاق الْحفاظ ، وَقد قَالَ فِي حَدِيثه عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر والمدلس إِذا قَالَ فِي رِوَايَته عَن (فَلَا) يحْتَج بهَا بِلَا خلاف ، كَمَا هُوَ مُقَرر فِي كتب أهل الحَدِيث وَأهل (الْأُصُول) وَلِأَن جُمْهُور الْعلمَاء عَلَى تَضْعِيف الْحجَّاج بِسَبَب آخر غير التَّدْلِيس (فَإِذا) كَانَ (فِيهِ سببان يمْنَع) كل وَاحِد مِنْهُمَا الِاحْتِجَاج بِهِ - وهما الضعْف والتدليس - فَكيف يكون حَدِيثا صَحِيحا ، أَو حسنا ! وَقد قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيمَا تقدم عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : لَيْسَ فِي الْعمرَة شَيْء ثَابت أَنَّهَا تطوع . فَالْحَاصِل من هَذَا كُله أَنه حَدِيث ضَعِيف ، وَوَقع فِي الْمُهَذّب أَن هَذَا الحَدِيث رَفعه ابْن لَهِيعَة ، وَهُوَ ضَعِيف فِيمَا يتفرد بِهِ ، وَصَوَابه رَفعه الْحجَّاج بن أَرْطَاة كَمَا أوضحته فِي تخريجي لأحاديثه فَرَاجعه مِنْهُ ، وَاعْترض عَلَى هَذِه الْعبارَة من وَجْهَيْن آخَرين كَمَا ذكرته فِيهِ . تَنْبِيهَانِ : أَحدهمَا : هَذَا الحَدِيث قد أسلفناه من حَدِيث عبيد الله بن عمر ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَاعْترض عَلَيْهِ بِتَضْعِيف عبيد الله الْعمريّ المصغر . ورُويَ من طرق أُخْرَى : إِحْدَاهَا : من حَدِيث أبي صَالح الْحَنَفِيّ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْحَج جِهَاد ، وَالْعمْرَة تطوع ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سعيد بن سَالم ، عَن الثَّوْريّ ، عَن مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق ، عَن أبي صَالح بِهِ ، ثمَّ قَالَ : قلت لَهُ - يَعْنِي بعض المشرقيين - أيثبت (مثل) هَذَا (عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) ؟ فَقَالَ : هُوَ مُنْقَطع . وَكَذَا قَالَ ابْن حزم أَيْضا : إِنَّه مُرْسل . قَالَ : وَأَبُو صَالح ماهان ضَعِيف كُوفِي قد رَوَى عَنهُ جمَاعَة مشاهير ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ من حَدِيث شُعْبَة ، عَن مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَوْصُولا وَالطَّرِيق فِيهِ إِلَى شُعْبَة طَرِيق ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حزم : رَوَاهُ عبد الْبَاقِي مُسْندًا بِزِيَادَة أبي هُرَيْرَة ، وَهُوَ كذب بحت من بلايا عبد الْبَاقِي . وَاعْتَرضهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام ، فَقَالَ : عبد الْبَاقِي من كبار الْحفاظ . قلت : لَكِن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يُخطئ كثيرا (ويُصِرّ) . ثَانِيهَا : من حَدِيث طَلْحَة بن (عبيد الله) مَرْفُوعا رَوَاهُ ابْن قَانِع أَيْضا وتَورَّكَ ابْن حزم عَلَيْهِ ، (فَقَالَ) : اتّفق أَصْحَاب الحَدِيث عَلَى تَركه ، وَهُوَ رَاوِي كل بلية وكذبة . وَاعْتَرضهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (أَيْضا) فَقَالَ : هَذَا لَيْسَ بِشَيْء فَلم ينْفَرد بِهِ . (فَأخْرجهُ) ابْن مَاجَه عَمَّن رَوَى (عَنهُ) عبد الْبَاقِي . ثَالِثهَا : من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة ، عَن سَالم الْأَفْطَس ، عَن ابْن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا ، وَمُحَمّد هَذَا مَتْرُوك . وَقَالَ ابْن حزم : رُوِيَ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَفِيه عبد الْبَاقِي (وَيَكْفِي) ثمَّ هُوَ عَن ثَلَاثَة مجهولين فِي نَسَقٍ لَا يُدْرى [ من هم ] . ثمَّ أَطَالَ ابْن حزم فِي ذَلِك بأَشْيَاء أُخَر . (التَّنْبِيه الثَّانِي) : هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى أحد الْقَوْلَيْنِ أَن الْعمرَة سنة ، قَالَ الْأَصْحَاب : وَلَو صَحَّ لم يلْزم مِنْهُ عدم وجوب الْعمرَة عَلَى النَّاس كلهم ؛ لاحْتِمَال أَن المُرَاد لَيست وَاجِبَة فِي حق السَّائِل لعدم استطاعته . (انْتَهَى) الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ، وَذكر (فِيهِ) اسْتِطْرَادًا حَدِيث واشترطي الْخِيَار ثَلَاثًا وسنتكلم عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - (فَإِنَّهُ أليق بِهِ) .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : خَطَبنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أَيهَا النَّاس ، إِن الله كتب عَلَيْكُم الْحَج . فَقَامَ الْأَقْرَع بن حَابِس فَقَالَ : أَفِي كل عَام يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : لَو قلتهَا لَوَجَبَتْ ، وَلَو وَجَبت لم تعملوا بهَا ، (وَلم تستطيعوا أَن تعملوا بهَا) ، الْحَج مرّة ، فَمن زَاد (فمتطوع) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالنَّسَائِيّ ، فِي سُنَنهمْ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ لفظ أَحْمد ، أخرجه من حَدِيث سُلَيْمَان بن كثير ، عَن ابْن شهَاب ، عَن أبي سِنَان الدؤَلِي ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : خَطَبنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس . فَذكره ، وَقَالَ : فَهُوَ تطوع بدل فمتطوع وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كَلَفْظِ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : تَابعه سُفْيَان بن حُسَيْن ، وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة ، عَن الزُّهْرِيّ عَن (أبي سِنَان) ، وَقَالَ : عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سِنَان ، وَهُوَ أَبُو سِنَان الدؤَلِي . قلت : (أما) مُتَابعَة سُفْيَان ، فأخرجها أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه بِلَفْظ : أَن الْأَقْرَع بن حَابِس سَأَلَ رَسُول الله فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، الْحَج فِي كل سنة أَو مرّة وَاحِدَة ؟ (فَقَالَ : بل مرّة وَاحِدَة) فَمن زَاد (فتطوع) . وَأما مُتَابعَة مُحَمَّد بن أبي حَفْصَة ؛ فأخرجها الْحَاكِم كَمَا سَيَأْتِي . قلت : وتابعهما أَيْضا سُلَيْمَان بن كثير كَمَا سلف ، وَعبد (الْجَلِيل) بن حُمَيْد ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَلَفظه : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام (قَامَ) (فَقَالَ) : إِن الله - تبَارك وَتَعَالَى - كتب عَلَيْكُم الْحَج . فَقَالَ الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي : كل عَام يَا رَسُول الله ؟ فَسكت فَقَالَ : لَو قلت نعم لوَجَبت ، ثُمَّ إِذا لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تطيعون ، وَلكنه حجَّة وَاحِدَة . رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث مُوسَى بن سَلمَة عَنهُ بِهِ ، وأَعلَّه ابْن الْقطَّان بِجَهَالَة مُوسَى وَعبد الْجَلِيل . وَقَالَ : (فَالْحَدِيث) إِذا لَا يَصح من (أجلهما ) . قلت : عبد الْجَلِيل رَوَى عَن الزُّهْرِيّ وَأَيوب ، وَعنهُ جمَاعَة ، وَهُوَ صَدُوق . ومُوسَى (قَالَ) النَّسَائِيّ فِي حَقه : صَالح الحَدِيث . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي موضِعين من كتاب الْحَج من مُسْتَدْركه : أَحدهمَا : فِي أَوله من حَدِيث سُفْيَان (بن) حُسَيْن . كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه ؛ إِلَّا أَنه قَالَ : فَمن أَرَادَ (يتَطَوَّع) بدل فَمن (زَاد) فمتطوع . ثَانِيهمَا : (بعد هَذَا) الْموضع بِنَحْوِ (كراسة) من حَدِيث عبد الله بن صَالح ، نَا اللَّيْث ، حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن [ مُسَافر ] عَن ابْن شهَاب ، عَن أبي سِنَان الدؤَلِي ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : يَا قوم ، كتب الله عَلَيْكُم الْحَج . فَقَالَ الْأَقْرَع بن حَابِس : (أكل) عَام يَا رَسُول الله ؟ فَصمت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ قَالَ : لَا ، بل حجَّة وَاحِدَة ، ثمَّ من حج بعد ذَلِك فَهُوَ تطوع ، وَلَو قلت : نعم . لَوَجَبَتْ عَلَيْكُم ، ثمَّ إِذا لَا تَسْمَعُونَ وَلَا تطيعون، ثمَّ قَالَ فِي الْإِسْنَاد الأول : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَلم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ (فَإِنَّهُمَا) لم يخرجَا ( لِسُفْيَان) بن حُسَيْن ، وَهُوَ من الثِّقَات الَّذين يجمع حَدِيثهمْ . وَقَالَ فِي الحَدِيث الثَّانِي : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ ، وَلم يخرجَاهُ . ثمَّ ذكره قبل هَذَا الحَدِيث من حَدِيث روح بن عبَادَة ، ثَنَا مُحَمَّد ابن أبي حَفْصَة ، عَن ابْن شهَاب ، عَن أبي سِنَان ، (عَن ابْن عَبَّاس ) أَن الْأَقْرَع بن حَابِس سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْحَج كل عَام ؟ قَالَ : (لَا) حجَّة وَاحِدَة ، وَلَو قلت نعم لَوَجَبَتْ ، وَلَو وَجَبت لم تسمعوا وَلم تطيعوا وَذكره أَيْضا فِي كتاب التَّفْسِير من مُسْتَدْركه فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان من حَدِيث سُلَيْمَان بن كثير بِهِ كَمَا سَاقه أَحْمد ، إِلَّا أَنه زَاد : (أَو لم) تستطيعوا أَن تعملوا بهَا ، الْحَج مرّة ؛ فَمن زَاد فتطوع، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَلم (يخرجَاهُ) . قَالَ : وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَان بن حُسَيْن ، عَن الزُّهْرِيّ ، ثمَّ سَاقه بِلَفْظ : سَأَلَ الْأَقْرَع بن حَابِس رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : الْحَج فِي كل عَام مرّة ؟ قَالَ : لَا بل مرّة وَاحِدَة فَمن زَاد (فتطوع) ، ثمَّ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن عَلّي بن أبي طَالب بالشرح وَالْبَيَان عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ عَن عَلّي بن عبد الْأَعْلَى ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البخْترِي ، عَن عَلّي قَالَ : لما نزلت هَذِه الْآيَة (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قَالُوا : يَا رَسُول الله ، أَفِي كل عَام ؟ فَسكت ثمَّ قَالُوا : أَفِي كل (عَام) ؟ فَسكت ، ثمَّ قَالُوا : أَفِي كل عَام ؟ قَالَ : لَا ، وَلَو قلت : نعم لَوَجَبَتْ . فَأنْزل الله (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تسألوا عَن أَشْيَاء) الْآيَة . قلت : وَهَذَا الحَدِيث ضَعِيف مُنْقَطع ، أَبُو البخْترِي لم يسمع من عَلّي ، قَالَ ابْن عبد الْبر : (لَهُ) (مَرَاسِيل) عَنهُ ، وَلم يسمع مِنْهُ عبد الْأَعْلَى ضَعَّفوه . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ضَعِيف الحَدِيث رُبمَا رفع الحَدِيث وَرُبمَا وَقفه . وَرَوَاهُ يَحْيَى بن أبي أنيسَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، فَقَالَ : عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس . وَالصَّوَاب كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، عَن أبي سُفْيَان . وَيَحْيَى بن أبي أنيسَة مَتْرُوك . ثمَّ اعْلَم أَن ابْن حزم ذكر هَذَا الحَدِيث فِي محلاه من طَرِيق أبي دَاوُد (ثمَّ) قَالَ : لَا حجَّة فِيهِ ؛ لِأَن رَاوِيه أَبُو سِنَان الدؤَلِي قَالَ فِيهِ عقيل : سِنَان مَجْهُول غير مَعْرُوف . انْتَهَى (وَهَذَا يُوهم) أنَّ عُقيلاً - أحد (رُوَاته) - قَالَ : سِنَان مَجْهُول وَلَيْسَ كَذَلِك ، فَالَّذِي قَالَه أَبُو دَاوُد ، وَهُوَ أَبُو سِنَان الدؤَلِي ، وَكَذَا (قَالَه) عبد الْجَلِيل بن حميد وَسليمَان بن كثير جَمِيعًا ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَقَالَ عُقيل : سِنَان ؛ يَعْنِي : فِي رِوَايَة عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سِنَان ، فعُرِف بِهَذَا أَن المُضَعِّف لأبي سِنَان : ابْن حزم لَا عُقيلاً ، وَلَيْسَ هُوَ حِينَئِذٍ مَجْهُول ؛ فقد رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ثِقَة . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث ذكره (الرَّافِعِيّ) دَلِيلا عَلَى أَن الْحَج لَا يجب بِأَصْل الشَّرْع إِلَّا مرّة وَاحِدَة ، ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة حَدِيث ثَابت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : خَطَبنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، قد فرض الله عَلَيْكُم الْحَج فحجوا . فَقَالَ (رجل) : يَا رَسُول الله ، أكل عَام ؟ فَسكت حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو قلت نعم لَوَجَبَتْ وَلما اسْتَطَعْتُم . ثمَّ قَالَ : (ذروني) مَا تركتكم فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ وَاخْتِلَافهمْ عَلَى أَنْبِيَائهمْ ، فَإِذا أَمرتكُم (بِأَمْر) فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم ، وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَدَعوهُ . قَالَ صَاحب الإِمَام : وَرَوَاهُ أَبُو الجهم الْمَالِكِي (من) هَذَا الْوَجْه وَفِيه : أَفِي كل عَام ؟ فَسكت ، ثمَّ أعَاد ، فَسكت (فَأَعَادَ) الثَّالِثَة ، فَقَالَ نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو قلت (نعم) لَوَجَبَتْ ، وَلَو وَجَبت مَا قُمْتُم بهَا .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة زيد بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) : إِن الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان لَا يَضرك بِأَيِّهِمَا بدأت . وَهُوَ من رِوَايَة مُحَمَّد بن (سعيد الْعَطَّار ، عَن مُحَمَّد بن) كثير الْكُوفِي ، عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن زيد بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، مُحَمَّد بن كثير لم يَرْضَهُ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَقَالَ : (خرقنا حَدِيثه) . وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَإِسْمَاعِيل هَذَا هُوَ المَخْزُومِي الْمَكِّيّ ، وَقد ضَعَّفُوهُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا عَلَى زيد بن ثَابت ، رَوَاهُ من حَدِيث هِشَام بن حسان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين أَن زيد بن ثَابت سُئِلَ : الْعمرَة قبل الْحَج ؟ قَالَ : صلاتان لَا يَضرك بِأَيِّهِمَا بدأت، ثمَّ قَالَ : وَقد رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن سَالم ، عَن ابْن سِيرِين مَرْفُوعا ، وَالصَّحِيح مَوْقُوف . قلت : كَذَا وَقع فِي الْبَيْهَقِيّ إِسْمَاعِيل بن سَالم ، وَالْمَعْرُوف (ابْن) مُسلم كَمَا قَدمته ، وَكَذَا صحّح الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقفه عَلَى زيد بن ثَابت ، وَعبد الْحق فِي أَحْكَامه أَيْضا صحّح وَقفه ، وَله طَرِيق ثَان من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، عَن عَطاء ، عَن جَابر مَرْفُوعا : الْحَج وَالْعمْرَة فريضتان واجبتان . رَوَاهُ ابْن عدي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من جِهَته ، ثمَّ قَالَ : ابْن لَهِيعَة غير مُحْتَج بِهِ . وَقَالَ ابْن عدي : غير مَحْفُوظ عَن عَطاء . قَالَ عبد الْحق : وَلَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب - يَعْنِي : فِي إِيجَاب الْعمرَة - (إِلَّا حَدِيث أبي رزين الْعقيلِيّ . وَتبع فِي ذَلِك الإِمَام ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا أعلم فِي إِيجَاب الْعمرَة) حَدِيثا أَجود مِنْهُ وَلَا أصح مِنْهُ . وَقد ذكرته فِي (تحفة) دَلَائِل الْمِنْهَاج مَعَ عدَّة أَحَادِيث أخر فِي ذَلِك ، فَرَاجعهَا مِنْهُ ؛ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (أَيّمَا) صبي حج ، ثمَّ بلغ فَعَلَيهِ حجَّة الْإِسْلَام ، وَأَيّمَا عبد حج ثمَّ عتق فَعَلَيهِ حجَّة الْإِسْلَام . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ مُرْسلا ومتصلاً ، أما المرسلُ ؛ فَمن حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنِّي أُرِيد أَن أجدد فِي صُدُور الْمُؤمنِينَ ، أَيّمَا صبي حجَّ بِهِ أَهله فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنهُ ، وَإِن أدْرك فَعَلَيهِ الْحَج ، وَأَيّمَا مَمْلُوك حج بِهِ أَهله فَمَاتَ أَجْزَأَ عَنهُ ، وَإِن أعتق فَعَلَيهِ الْحَج . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله هَكَذَا ، قَالَ عبد الْحق : وَهُوَ مُرْسل ومنقطع وَلَيْسَ بِمُتَّصِل السماع . قلت : وَسَببه أَن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ (عَن) أَحْمد ، ثَنَا وَكِيع ، عَن يُونُس ، قَالَ : سَمِعت شَيخا يحدث أَبَا إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب ، وَمُحَمّد تَابِعِيّ وَلم يذكر عَمَّن أَخذه . وَأما الْمُتَّصِل ؛ فَمن حَدِيث عبد الله (بن عَبَّاس ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَيّمَا صبي حج ثمَّ بلغ الْحِنْث فَعَلَيهِ أَن يحجّ حجَّة أُخْرَى ، وَأَيّمَا أَعْرَابِي حج ثمَّ هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ، وَأَيّمَا عبد حج ثمَّ أعتق فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و خلافياته ، وَأَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمنْهَال ، عَن يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي ظبْيَان ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا . وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ لفظ الْبَيْهَقِيّ ، وَلَفظ الْحَاكِم : إِذا حج الصَّبِي (فَلهُ) حجَّة حَتَّى يعقل ، (وَإِذا) عقل فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ، وَإِذا حج الْأَعرَابِي (فَلهُ) حجَّة ، وَإِذا هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى وَلَفظ ابْن حزم : إِذا حج الصَّبِي فَهِيَ لَهُ حجَّة صبي حَتَّى يعقل (فَإِذا) عقل فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى ، وَإِذا حج الْأَعرَابِي (فَهِيَ لَهُ حجَّة أَعْرَابِي (فَإِذا) هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى، ثمَّ ذكره بِلَفْظ الْبَيْهَقِيّ إِلَّا أَنه أسقط ذكر الْأَعرَابِي) ، نعم ذكره كَذَلِك بِإِسْقَاط الصَّبِي فِي كتاب الْإِعْرَاب عَلَى مَا حَكَاهُ عبد الْحق فِي أَحْكَامه عَنهُ . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ ابْن حزم : هَذَا حَدِيث صَحِيح ورواتُه ثِقَات . وَقَالَ فِي (كتاب) الْإِعْرَاب : هَذَا إِسْنَاد رِجَاله أَئِمَّة وثقات . و (قَالَ) الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته بعد مقَالَة شَيْخه الْحَاكِم هَذِه : أَظن أَن شَيخنَا حمل حَدِيث عَفَّان وَغَيره عَلَى حَدِيث يزِيد بن زُرَيْع (فَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ أَصْحَاب شُعْبَة عَنهُ مَوْقُوفا سُوَى ابْن زُرَيْع) (فَإِن) مُحَمَّد بن الْمنْهَال (ينْفَرد) بِرَفْعِهِ عَنهُ . وَرَوَاهُ فِي سنَنه أَيْضا كَذَلِك مَوْقُوفا عَلَيْهِ ، وَقَالَ : تفرد بِرَفْعِهِ مُحَمَّد بن الْمنْهَال ، عَن يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن (الْأَعْمَش) مَوْقُوفا ، وَهُوَ الصَّوَاب . قلت : وَلَك أَن تَقول : مُحَمَّد بن الْمنْهَال ثِقَة ضَابِط من رجال الصَّحِيحَيْنِ (فَلَا) يضر تفرده بِرَفْعِهِ ، عَلَى أَنه لم ينْفَرد بِهِ ؛ بل توبع . قَالَ ابْن (أبي) شيبَة فِي مُصَنفه : نَا أَبُو مُعَاوِيَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي ظبْيَان ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : احْفَظُوا عني - وَلَا تَقولُوا : قَالَ ابْن عَبَّاس - أَيّمَا عبد حجَّ بِهِ أَهله ثمَّ أُعتق (فَعَلَيهِ) الْحَج ، وَأَيّمَا صبي حج بِهِ أَهله صبيًّا ثمَّ أدْرك فَعَلَيهِ حجَّة الرجل ، وَأَيّمَا أَعْرَابِي حج (أعرابيًّا) ثمَّ هَاجر فَعَلَيهِ حجَّة المُهَاجر وَهَذَا ظَاهر فِي الرّفْع ؛ بل قَطْعِيّ . وَكَذَا أخرجه الطَّحَاوِيّ (بِسَنَدِهِ) ، وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه لحَدِيث الْأَعْمَش من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمنْهَال ، عَن يزِيد بن زُرَيْع ، وَمن حَدِيث الْحَارِث بن سُرَيج أبي عمر الْخَوَارِزْمِيّ (قَالَ) : نَا (يزِيد) بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة بِهِ . (وَذكره) الْخَطِيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد من حَدِيث ابْن الْمنْهَال والْحَارث قَالَا : ثَنَا يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة . فَذكره بِلَفْظ الْحَاكِم ، ثمَّ قَالَ : لم يرفعهُ إِلَّا يزِيد بن زُرَيْع ، عَن شُعْبَة ، وَهُوَ غَرِيب . قلت : والْحَارث هَذَا هُوَ النقال - بالنُّون - ضعفه النَّسَائِيّ وَغَيره ، وَقَالَ الْأَزْدِيّ : تكلمُوا فِيهِ حَسَدًا . فَائِدَة : المُرَاد بالأعرابي هُنَا الْكَافِر إِذْ كَانَ الْكفْر هُوَ الْغَالِب حِينَئِذٍ عَلَى الْأَعْرَاب ، وَقد نَبَّهَ عَلَى ذَلِك ابنُ الصّلاح فِي مشكله (قَالَ) : وَقد (جَاءَ) (إِطْلَاق) الْأَعْرَاب ، وَالْمرَاد (بهم) الْكفَّار فِي غير هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه : احتجَّ مَن لم يَرَ للعبدِ حجًّا بِهَذَا الحَدِيث (قَالَ) : وَلَا يخلُو أَن يكونَ صَحِيحا أَو غيرَ صحيحٍ ، فَإِن كَانَ الثَّانِي (فقد) كفيناه ، وَإِن كَانَ الأول - وَهُوَ الْأَظْهر ؛ لِأَن رُوَاته ثِقَات - فإنَّه خبر مَنْسُوخ بِلَا شكّ ، برهانُ ذَلِك : أنَّ هَذَا الْخَبَر بِلَا شكّ كَانَ قبل فتح مَكَّة ؛ لِأَن فِيهِ إِعَادَة الْحَج (عَلَى من) حجَّ من الْأَعْرَاب قبل هجرته ، وَرَوَى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعا : لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح فَإِذا قد صحَّ - بِلَا شكّ - أَن هَذَا الحَدِيث كَانَ قبل الْفَتْح .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن أُخْتِي نذرت أَن تحج وَمَاتَتْ قبل أَن تحج . فَقَالَ : لَو كَانَ عَلَى (أختك) دين أَكنت قاضيه ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : (فاقضوا) الله فَهُوَ أَحَق بِالْقضَاءِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه كَمَا سلف فِي الزَّكَاة فِي بَاب : لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ ، عَن يزِيد الْأَصَم ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَفِيه ذِكْر الْأَب بدل الْأُخْت وَفِيه (نعم) حج عَن أَبِيك ، فَإِن لم يزده خيرا لم يزده شرًّا . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : تفرد (بِهِ) عبد الرَّزَّاق ، وَلَا يُوجد فِي الدُّنْيَا عِنْد أحد غَيره ، وخطؤه فِيهِ لانفراده بِهِ وَإِن كَانَ ثِقَة ، وَهُوَ لفظ مُنكر لَا يشبه لفظ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ الْبَزَّار : وَلَا نعلمهُ رَوَاهُ إِلَّا الثَّوْريّ من طَرِيق أبي دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة ؛ فَجعل الْمُنْفَرد بِهِ هُوَ الثَّوْريّ .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئل عَن تَفْسِير السَّبِيل ، (قَالَ) : زَاد وراحلة . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرقٍ : (إِحْدَاهَا) : (من) طَرِيق أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث (عَلّي بن سعيد بن (مَسْرُوق) الْكِنْدِيّ) (ثَنَا) ابْن أبي زَائِدَة ، عَن سعيد ابن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة (عَن) أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي قَوْله تَعَالَى : (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قَالَ : قيل : يَا رَسُول الله ، مَا السَّبِيل ؟ قَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَقد تَابع حَمَّاد بن سَلمَة (سعيدًا عَلَى رِوَايَته عَن قَتَادَة . ثمَّ أسْندهُ من حَدِيث أبي قَتَادَة ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة) عَن قَتَادَة ، عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن (قَول الله) - تَعَالَى - : (من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) فَقيل : مَا السَّبِيل ؟ قَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . ورواهما الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي سنَنه وَلم يَسُقْ لَفْظهمَا ؛ بل أحَال بِلَفْظ مثله عَلَى مَا قبله . وَعلي بن سعيد بن مَسْرُوق قَالَ أَبُو حَاتِم فِي حقِّه : هُوَ صَدُوق . و(وَثَّقَهُ) النَّسَائِيّ أَيْضا ، وَأَبُو قَتَادَة هُوَ عبد الله بن وَاقد الْحَرَّانِي ، قَالَ أَبُو حَاتِم : تكلمُوا فِيهِ ، مُنكر الحَدِيث ، وَذهب حَدِيثه . وَقَالَ ( أَبُو) زرْعَة : ضَعِيف الحَدِيث لَا يحدث عَنهُ . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : هُوَ مُنكر الحَدِيث مَتْرُوك ، إِلَّا أَن أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ يَصِفه بالنُّسُكِ وَالْفضل ويُثني عَلَيْهِ . وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد : سُئل أبي عَنهُ فَقَالَ : مَا بِهِ بَأْس ، رجل صَالح يُشبه أهل النّسك وَالْخَيْر إِلَّا أَنه كَانَ رُبمَا أَخطَأ . قيل لَهُ : إِن قوما يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ . قَالَ : لم يكن بِهِ بَأْس . قلت لَهُ : إِنَّه لم يفصل بَين سُفْيَان وَيَحْيَى بن أبي أنيسَة . قَالَ : لَعَلَّه اخْتَلَط ، أما هُوَ فَكَانَ (ذكيًّا) فَقلت لَهُ : إِن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل بن (صبيح ) ذكر أَن أَبَا قَتَادَة الْحَرَّانِي كَانَ يكذب ، فَعظم ذَلِك عِنْده جدًّا ، وَقَالَ : كَانَ أَبُو قَتَادَة الْحَرَّانِي يتَحَرَّى الصدْق (أَثْنَى) عَلَيْهِ (وَذكره بِخَير) وَقَالَ : قد رَأَيْته يشبه أَصْحَاب الحَدِيث ، وَأَظنهُ كَانَ يُدَلس ، وَلَعَلَّه كبر وَاخْتَلَطَ . قلت : قد صرَّح فِي هَذَا الحَدِيث - فِي رِوَايَة الْحَاكِم - بِالتَّحْدِيثِ ، فَقَالَ : نَا حَمَّاد بن سَلمَة . وَأنكر النَّوَوِيّ (عَلَى الْحَاكِم) تَصْحِيحه لحَدِيث أنس ، وَقَالَ : إِنَّه يتساهل فِي التَّصْحِيح . وَهَذَا الْإِنْكَار يَنْبَغِي أَن يكون مَخْصُوصًا ، بطرِيق أبي قَتَادَة هَذَا ، وَأما الأول فَلَا أعلم فِيهَا طَعنا . (وَلما) ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته مقَالَة شيخهِ الحاكمِ قَالَ : هَكَذَا رُوِيَ بِهَذَا الْإِسْنَاد عَن قَتَادَة عَن أنس ، وَالْمَحْفُوظ : عَن قَتَادَة وَغَيره ، عَن الْحسن ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ فِي سنَنه : رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس مَرْفُوعا ، وَلَا أرَاهُ إِلَّا وهما ، وَالصَّوَاب : عَن قَتَادَة ، عَن الْحسن الْبَصْرِيّ مَرْفُوعا وَهُوَ مُرْسل . قلت : وَلَك أَن تَقول لم لَا يحمل (عَلَى) أَن لِقَتَادَة فِيهِ إسنادين ، فَإِنَّهُ أولَى من الحكم بالوهم ؟ . (الطَّرِيق الثَّانِي) : طَرِيق ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، مَا يُوجب الْحَج ؟ فَقَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم أَن الرجل إِذا ملك زادًا وراحلةً وَجب عَلَيْهِ الْحَج . قَالَ : وَفِي إِسْنَاده : إِبْرَاهِيم ، وَهُوَ ابْن يزِيد الخوزي ، وَقد تكلم فِيهِ بعض أهل الحَدِيث من قبل حفظه . قلت : ضَعَّفُوهُ ، وَقيل لَهُ : الخُوزيُ - بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة ثمَّ وَاو ، ثمَّ زَاي (مُعْجمَة) - لِأَنَّهُ سكن شعب (الخوزة وَهُوَ شعب بِمَكَّة و) (بِالضَّمِّ) (وَهُوَ) جيل من النَّاس ينْسب إِلَيْهِ . قَالَ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا : (هُوَ) مَتْرُوك . وَضَعفه يَحْيَى ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ ( ابْن الْمُنْذر ) : (هُوَ) مَتْرُوك الحَدِيث عِنْدهم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : قَالَ الشَّافِعِي : قد رُوي أَحَادِيث عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (تدل عَلَى) أَنه لَا يجب الْمَشْي عَلَى أحد فِي الْحَج وَإِن أطاقه ، غير أَن (مِنْهَا) مَا هُوَ مُنْقَطع وَمِنْهَا (مَا) يمْتَنع أهل الحَدِيث من تثبيته . ثمَّ رَوَى الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم ، عَن إِبْرَاهِيم ابن يزِيد ، عَن مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر قَالَ : قعدنا إِلَى عبد الله بن عمر فَسَمعته يَقُول : سَأَلَ رجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : مَا الْحَاج ؟ فَقَالَ : الشعث التفل . فَقَامَ آخر فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أَي الْحَج أفضل ؟ فَقَالَ : العج والثج . فَقَامَ آخر فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، مَا السَّبِيل ؟ قَالَ : زَاد وراحلة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الَّذِي عَنى الشَّافِعِي بقوله : مِنْهَا مَا يمْتَنع أهل الحَدِيث من تثبيته . قَالَ : وَإِنَّمَا امْتَنعُوا مِنْهُ ؛ لِأَن الحَدِيث يعرف بإبراهيم بن يزِيد الخُوزي ، وَقد ضعفه أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : إِبْرَاهِيم بن يزِيد رَوَى حَدِيث مُحَمَّد بن عباد هَذَا لَيْسَ بِثِقَة . قَالَ : و(قد) رَوَاهُ [ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبيد ] بن عُمَيْر (عَن مُحَمَّد) بن عباد إِلَّا أَنه أَضْعَف من إِبْرَاهِيم بن يزِيد . (قَالَ) : وَرَوَاهُ (أَيْضا) مُحَمَّد (بن الْحجَّاج) عَن جرير بن حَازِم ، عَن مُحَمَّد بن عباد ، وَمُحَمّد بن (الْحجَّاج ) مَتْرُوك . قلت : وَلِحَدِيث (ابْن) عمر هَذَا طَرِيق آخر واه ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سألتُ عليَّ بن الْجُنَيْد ، عَن حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن سَلام الْعَطَّار بن عبد الله بن عمر الْعمريّ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا فِي قَوْله (تَعَالَى) (من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) (قَالَ) : الزَّاد وَالرَّاحِلَة فَقَالَ : حَدِيث بَاطِل . (الطَّرِيق الثَّالِث) : طَرِيق ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . يَعْنِي قَوْله : (من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عِكْرِمَة (عَنهُ) وَفِي إِسْنَاده هِشَام بن سُلَيْمَان بن عِكْرِمَة بن خَالِد بن العَاصِي ، قَالَ أَبُو حَاتِم : مُضْطَرب الحَدِيث وَمحله الصدْق ، مَا أرَى (بِهِ) بَأْسا . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث هِشَام بن سُلَيْمَان وَعبد الْمجِيد (عَن) ابْن جريج ، قَالَ : أَخْبرنِي عمر بن عَطاء ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مثل قَول عمر بن الْخطاب : السَّبِيل : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث حُصَيْن بن مُخَارق ، عَن مُحَمَّد بن خَالِد ، عَن سماك بن حَرْب ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قيل : يَا رَسُول الله ، الْحَج كل عَام ؟ قَالَ : لَا ، بل حجَّة . (قيل) : فَمَا السَّبِيل إِلَيْهِ ؟ قَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . ثمَّ أخرجه من حَدِيث دَاوُد بن (الزبْرِقَان) ، عَن عبد الْملك (عَن عَطاء) ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا من قَوْله . قلت : قد أخرجه ابْن الْمُنْذر كَذَلِك . (الطَّرِيق الرَّابِع) : طَرِيق عَلّي بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حُسَيْن ، عَن أَبِيه ، عَن جده عَنهُ مَرْفُوعا ( وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قَالَ : فَسئلَ عَن ذَلِك ، قَالَ : أَن تَجِد ظهر بعير . وحسين هَذَا هُوَ ابْن عبد الله بن ضميرَة ، وَهُوَ واه وَسَيَأْتِي (لَهُ) طَرِيق (آخر) عَن عَلّي فِي الحَدِيث السَّابِع - إِن شَاءَ الله . (الطَّرِيق الْخَامِس) : طَرِيق جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : لما نزلت هَذِه الْآيَة (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قَامَ رجل فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، مَا السَّبِيل ؟ قَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من (حَدِيث) مُحَمَّد بن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر ، عَن أبي الزبير أَو عَمْرو بن دِينَار ، عَن جَابر (بِهِ) . وَمُحَمّد هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَقد اخُتلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَمَعَهُ فِي الْإِسْنَاد عبد الْملك بن زِيَاد النصيبي قَالَ الْأَزْدِيّ : مُنكر الحَدِيث . (الطَّرِيق السَّادِس) : طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : السَّبِيل (إِلَى الْبَيْت) : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا وَفِيه ابْن لَهِيعَة ، وَهُوَ مَشْهُور الْحَال ، وَقد عَقَدتُ لَهُ فصلا فِي الْوضُوء، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر عَنهُ بِلَفْظ : قَالَ رجل : يَا رَسُول الله ، مَا يُوجب الْحَج ؟ قَالَ : (الزَّاد) وَالرَّاحِلَة وَفِيه ( الْعَرْزَمِي ) الْمَتْرُوك . (الطَّرِيق السَّابِع) : طَرِيق عَلْقَمَة ، (عَن) عبد الله ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي قَوْله تَعَالَى : (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قيل : يَا رَسُول الله ، مَا السَّبِيل ؟ قَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث بهْلُول بن عبيد ، عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن عَلْقَمَة (بِهِ) . وبهلول هَذَا الظَّاهِر أَنه [ التاهرتي ] صَاحب مَالك ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : مَا عرفنَا فِيهِ قدحًا . وأَقَرَّه الذَّهَبِيّ عَلَيْهِ ، وَإِن يكن بهْلُول بن عبيد الْكُوفِي فقد ضَعَّفُوهُ . (الطَّرِيق الثَّامِن) : (من) طَرِيق عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعا كَذَلِك ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عتاب بن أعين ، عَن الثَّوْريّ ، عَن يُونُس بن عبيد ، عَن الْحسن ، (عَن أمه ) عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . قَالَ الْعقيلِيّ : عتاب فِي حَدِيثه وهم . وَضعف هَذِه الطّرق غير وَاحِد من الْحفاظ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن ذكر حَدِيث ابْن عمر : رُوِيَ فِي الْمَسْأَلَة أَحَادِيث أُخَر لَا يَصح مِنْهَا شَيْء وأشهرها حَدِيث الخوزي ، وينضم إِلَيْهِ مُرْسل الْحسن فيتأكد بِهِ (و) إِن كَانَ مُنْقَطِعًا . وَقَالَ عبد الْحق : خرج هَذَا الحَدِيث الدارقطني من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَجَابِر ، وَعبد الله بن عمر ، وَابْن مَسْعُود ، وَأنس ، وَعَائِشَة ، وَغَيرهم ، وَلَيْسَ فِيهَا إِسْنَاد يحْتَج بِهِ . (الطَّرِيق التَّاسِع) : طَرِيق الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ : لما نزلت (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) قَالَ رجل : يَا رَسُول الله ، مَا السَّبِيل ؟ قَالَ : الزَّاد وَالرَّاحِلَة . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله ، عَن يُونُس بن (عبيد) الْبَصْرِيّ عَنهُ ، وَرَوَاهُ أَيْضا كَذَلِك سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه ، عَن هِشَام ، عَن يُونُس (بِهِ) ، وَمن حَدِيث خَالِد بن عبد الله عَن يُونُس بِهِ ، وَمن حَدِيث هشيم ، عَن مَنْصُور ، عَن الْحسن ، وَأَسَانِيده صَحِيحَة إِلَى الْحسن إِلَّا أَنه مُرْسل ، أرْسلهُ الْحسن وَلم يذكر من حَدثهُ (بِهِ ) (و) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ورويناه من أوجه صَحِيحَة ، عَن الْحسن الْبَصْرِيّ ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه قُوَّة لهَذَا الْمسند ، وَأَشَارَ بذلك إِلَى حَدِيث ابْن عمر الَّذِي فِي إِسْنَاده : الخوزي ، وَاعْتَرضهُ صَاحب الإِمَام (فَقَالَ : فِي قَوْله) هَذَا نظر ؛ لِأَن الطَّرِيق الْمَعْرُوف أَنه إِذا كَانَ الطَّرِيق وَاحِدًا رَوَاهُ الثِّقَات مُرْسلا ، وَانْفَرَدَ ضَعِيف بِرَفْعِهِ ، أَن يعللوا هَذَا (الْمسند بالمرسل) ويحملوا الْغَلَط عَلَى رِوَايَة (الضَّعِيف) ، وَإِذا كَانَ ذَلِك مُوجبا لضعف الْمسند فَكيف يكون تَقْوِيَة لَهُ ؟ ! قلت : وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : لَا يثبت الحَدِيث الَّذِي ورد فِيهِ (ذِكْر) الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلَيْسَ بِمُتَّصِل ؛ لِأَن الصَّحِيح من الرِّوَايَات رِوَايَة الْحسن الْبَصْرِيّ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت : وَأما أَنا فَأرَى أَن حَدِيث أنس جيد الْإِسْنَاد صَالح (للاحتجاج) بِهِ كَمَا أسلفته . وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين (الْمَقْدِسِي ) فِي أَحْكَامه : لَا أرَى بِبَعْض طرقه بَأْسا .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن امْرَأَة من خثعم قَالَت : يَا رَسُول الله ، إِن فَرِيضَة الله عَلَى عباده أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يسْتَمْسك عَلَى الرَّاحِلَة أفأحج عَنهُ ؟ قَالَ : نعم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يثبت عَلَى الرَّاحِلَة بدل يسْتَمْسك وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ يَسْتَوِي قَالَا : وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع . وَفِي رِوَايَة للبيهقي يسْتَمْسك كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ ، وَمن الروَاة من جعل هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس ، عَن أَخِيه الْفضل ، (فَجعله [ من ] مُسْند الْفضل) . وَفِي رِوَايَة للنسائي (أَن) امْرَأَة من خثعم سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَدَاة جَمْعٍ . الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَنْدَه فِي كتاب الإرداف لَهُ فِي آخر الحَدِيث : فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن هَذَا يَوْم من ملك فِيهِ سَمعه (وبصره) وَلسَانه غفر لَهُ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى كَمَا لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين (فقضيته) قلت : رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ أَن رجلا قَالَ : يَا نَبِي الله ، إِن أبي مَاتَ وَلم يحجّ أفأحج عَنهُ ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين أَكنت قاضيه ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فدين الله أَحَق بِالْوَفَاءِ وَفِي رِوَايَة لَهُ نَحْو هَذِه ، وَقَالَ فِيهَا : وَهُوَ شيخ كَبِير لَا يثبت عَلَى الرَّاحِلَة ، وَإِن شددته خشيت أَن يَمُوت ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْفضل وَجعل عوض الْمَرْأَة رجلا ، وَأَنه استفتى عَن أمه . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه (أَيْضا) من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أَخِيه الْفضل أَنه كَانَ (رِدْف) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَدَاة النَّحْر فَأَتَتْهُ امْرَأَة من خثعم فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِن فَرِيضَة الله فِي الْحَج (عَلَى عباده) أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يركب أفأحج عَنهُ ؟ قَالَ : نعم فَإِنَّهُ لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين (قَضيته) . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا بِلَفْظ فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك ؟ قَالَ : (نعم) ، كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دين (فقضيته) نَفعه قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الرِّوَايَة لم يذكر فِيهَا أَبُو بكر وَأَبُو زَكَرِيَّا ابْن عَبَّاس وَذكره (غَيرهمَا) . قَالَ ابْن حزم : وَأما رِوَايَة حجي عَنهُ وَلَيْسَ لأحد بعده فَفِيهَا مَجْهُولَانِ . فَائِدَة : رَوَى (ابْن) مَاجَه فِي سنَنه أَن أَبَا الْغَوْث - رجل من الْفَرْع - استفتى أَيْضا فِي الْحَج عَن أَبِيه ، فَقَالَ : (لَهُ) عَلَيْهِ السَّلَام : حج عَن أَبِيك . قَالَ : وَكَذَلِكَ الصّيام (فِي النّذر) يُقْضَى عَنهُ . (وَرَوَاهُ) الدولابي فِي كناه وَقَالَ : رجل من خثعم : (بدل من الْفَرْع) وَفِيه : يتَصَدَّق عَن الرجل و (يصام) عَنهُ وَلَده إِن كَانَ لَهُ ، وَأَخُوهُ وَذُو قرَابَته مِنْهُ ، وَالصَّدَََقَة أفضل ، وَرَوَاهُ أطول من هَذَا أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ بعد أَن ذكر أَن الْإِنْسَان (إِذا مَاتَ) وَلم يجب عَلَيْهِ الْحَج لعدم الِاسْتِطَاعَة هَل يجوز أَن يحجّ عَنهُ ، وَذكر أَنه قَالَ فِي الْوَسِيط بِالْجَوَازِ ، وَاحْتج بِمَا رُوِيَ أَن امْرَأَة قَالَت لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن فَرِيضَة الْحَج عَلَى الْعباد أدْركْت أبي شَيخا كَبِيرا لَا يَسْتَطِيع أَن يحجّ أفأحج عَنهُ ؟ قَالَ : نعم . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلَيْسَ هَذَا الِاحْتِجَاج بِقَوي ؛ لِأَن الحَدِيث هُوَ حَدِيث الخثعمية ، وَاللَّفْظ الْمَشْهُور فِي حَدِيثهَا : لَا يَسْتَطِيع أَن يثبت عَلَى الرَّاحِلَة وَذَلِكَ يدل عَلَى أَن اللَّفْظَة الَّتِي نقلهَا (أَن) يثبت (مَحْمُول) عَلَى نفي استطاعته الْمُبَاشرَة ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي وجوب (الْحَج وَالْمَسْأَلَة) فِيمَن لَا وجوب عَلَيْهِ . قَالَ : وَيجوز أَن يحْتَج لَهُ بِحَدِيث بُرَيْدَة فَإِن الْمَرْأَة قَالَت : إِن أُمِّي مَاتَت وَلم تحج وَلم يفصل الْجَواب انْتَهَى . قلت : فِي الْبَيْهَقِيّ نَحْو (لفظ) الْوَسِيط فَإِنَّهُ رَوَى من حَدِيث زيد بن عَلّي بن الْحُسَيْن عَن أَبِيه ، عَن (عبيد الله) بن (أبي) رَافع عَن عَلّي أَن امْرَأَة من خثعم شَابة قَالَت : يَا رَسُول الله ، إِن أبي شيخ كَبِير أَدْرَكته فَرِيضَة الله عَلَى عباده فِي الْحَج لَا يَسْتَطِيع أداءها ، فَيُجزئ عني أَن أؤديها عَنهُ ؟ قَالَ : نعم . (وَرَوَاهُ) التِّرْمِذِيّ فِي بَاب مَا جَاءَ أَن عَرَفَة كلهَا موقف من هَذَا (الْوَجْه فِي) أثْنَاء حَدِيث طَوِيل فَقَالَت : إِن أبي شيخ كَبِير وَقد (أَدْرَكته) فَرِيضَة الله فِي الْحَج ، أفيجزئ أَن أحج عَنهُ ؟ (قَالَ) : حجي عَن أَبِيك، ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن صَحِيح لَا نعرفه من حَدِيث عَلّي إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث مُجَاهِد عَن مولَى لِابْنِ الزبير ، عَن ابْن الزبير عَن سَوْدَة قَالَت : جَاءَ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِن أبي شيخ كَبِير لَا يَسْتَطِيع أَن يحجّ . قَالَ : أرأيتك لَو كَانَ عَلَى أَبِيك دين (فَقضيت) عَنهُ قبل مِنْك ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَالله أرْحم ، حج عَن أَبِيك .
الحَدِيث الْخَامِس (رُوِيَ) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يركبن أحد الْبَحْر إِلَّا غازيًا أَو مُعْتَمِرًا أَو حاجًّا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ مَرْفُوعا بِزِيَادَة : فَإِن تَحت الْبَحْر نَارا ، وَتَحْت النَّار بحرًا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ البُخَارِيّ : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ (بِصَحِيح ) . وَقَالَ أَحْمد : هَذَا حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ ( أَبُو دَاوُد ) : رُوَاته مَجْهُولُونَ . وَقَالَ الْخطابِيّ : ضعفوا إِسْنَاده . وَقَالَ صاحبُ الإِمَام : اخْتلف فِي إِسْنَاده . أَي فَإِنَّهُ رُوِيَ من حَدِيث بشير بن مُسلم الْكِنْدِيّ ، عَن عبد الله بن عَمْرو ، كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ (وَمن حَدِيث بشير عَن رجل عَن عبد الله بن عَمْرو ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ) مَوْقُوفا عَلَى ( عبد الله بن عَمْرو ) : مَاء الْبَحْر لَا يُجزئ من وضوء ، وَلَا من جَنَابَة ، إِن تَحت الْبَحْر نَارا ثمَّ مَاء ثمَّ نَارا . حَتَّى عَدَّ سَبْعَة أَبْحُرٍ وَسَبْعَة أَنْيَار .
الحَدِيث التَّاسِع عَن بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أَتَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : إِن أُمِّي مَاتَت وَلم تحج . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : حجي عَن أمك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه ، وَكَذَا التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن صَحِيح . وَاقْتصر ابْن (الْأَثِير) فِي جَامعه عَلَى عَزْوِه إِلَى التِّرْمِذِيّ فَقَط (وَلَيْسَ) بجيد مِنْهُ .
الحَدِيث السَّادِس عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : يَا عدي ، إِن طَالَتْ بك الْحَيَاة لترين الظعينة ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف (بِالْكَعْبَةِ) لَا تخَاف إِلَّا الله . قَالَ عدي : فَرَأَيْت ذَلِك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي بَاب : عَلَامَات النُّبُوَّة من حَدِيث مُحِل - بِضَم الْمِيم وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة - ابْن خَليفَة ، عَن عدي قَالَ : بَيْنَمَا أَنا عِنْد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (إِذْ) أَتَاهُ رجل فَشَكا إِلَيْهِ الْفَاقَة ، ثمَّ أَتَاهُ آخر فَشَكا إِلَيْهِ قطع السَّبِيل ، فَقَالَ : يَا عدي ، هَل رَأَيْت الْحيرَة ؟ قلت : لم أرها وَقد أنْبئت عَنْهَا . قَالَ : فَإِن طَالَتْ بك حَيَاة لترينَّ (الظعينة) ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ لَا تخَاف أحدا إِلَّا الله . (قَالَ عدي : فَرَأَيْت الظعينة ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ لَا تخَاف إِلَّا الله) . هَذَا لفظهُ مُخْتَصرا ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من هَذَا الْوَجْه وَفِيه : أما قطع السَّبِيل فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْك إِلَّا (قَلِيل) حَتَّى (تخرج) العير من (الْحيرَة) إِلَى مَكَّة بِغَيْر خفير . وَرَوَاهُ عَن عدي جماعات أُخر : أحدهم ابْن سِيرِين ، رَوَاهُ الدارقطني من حَدِيث عبيد الله بن عمر عَنهُ أَن عدي بن حَاتِم وقف عَلَى (رَسُول) الله فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) : يُوشك أَن تخرج الْمَرْأَة من الْحيرَة بِغَيْر (جوَار) أحد حَتَّى تحج وَلَيْسَ ظَاهر لَفظه يَقْتَضِي أَنه مُسْند (فَتَأَمّله كَمَا) قَالَه صَاحب الإِمَام ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث ابْن سِيرِين ، عَن حُذَيْفَة ، عَن عدي رَفعه : فوالذي (نَفسِي) بِيَدِهِ ليتمّن الله - عَزَّ وَجَلَّ - هَذَا الْأَمر حَتَّى تخرج الظعينة من (الْحيرَة) حَتَّى تَطوف (بِالْبَيْتِ) فِي غير جوَار أحد . قَالَ عدي : فَهَذِهِ الظعينة تخرج من الْحيرَة تَطوف بِالْبَيْتِ فِي غير (جوَار) . ثانيهم : عباد بن حُبَيْش ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث شُعْبَة ، عَن سماك بن حَرْب قَالَ : سَمِعت عباد بن حُبَيْش يَقُول : سَمِعت عدي بن حَاتِم يَقُول : (جَاءَت خيل) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر حَدِيثا فِيهِ إِنِّي (لَا أخْشَى) عَلَيْكُم الْفَاقَة ، لينصرنكم الله - تَعَالَى - وليعطينكم - أَو (ليُسَخّرَنَّ) لكم - حَتَّى تسير الظعينة بَين الْحيرَة ويثرب (إِن أَكثر) مَا تخَاف السرق عَلَى ظعينتها . ثالثهم : مُحَمَّد بن حُذَيْفَة ، رَوَاهُ (الدَّارَقُطْنِيّ) من حَدِيث ابْن عون ، عَن مُحَمَّد قَالَ : حَدثنِي ابْن حُذَيْفَة - شكّ [ ابْن عون اسْمه ] مُحَمَّد بن حُذَيْفَة - عَن عدي . فَذكر حَدِيثا ، وَفِي آخِره : ثمَّ قَالَ : أتيت (الْحيرَة) ؟ قلت : لَا ، وَقد علمت مَكَانهَا . قَالَ : فتوشك الظعينة أَن تخرج مِنْهَا بِغَيْر جوَار حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ . قَالَ : فَرَأَيْت الظعينة (تخرج) من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ ، وَقد أسلفنا رِوَايَة هَذَا الحَدِيث ، (عَن) ابْن سِيرِين ، عَن حُذَيْفَة ، من طَرِيق الإِمَام أَحْمد . وَرَوَاهُ الْبَغَوِيّ من حَدِيث [ أبي عُبَيْدَة ] بن حُذَيْفَة ، قَالَ : كنت أسأَل النَّاس عَن عدي بن حَاتِم وَهُوَ إِلَى جَنْبي (لَا أسأله) فَأَتَيْته فَسَأَلته فَقَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِيه : هَل أتيت الْحيرَة ؟ قلت : لم آتِهَا (و) قد علمت مَكَانهَا . قَالَ : توشك الظعينة أَن ترتحل من الْحيرَة بِغَيْر جوَار حَتَّى تَطوف بِالْبَيْتِ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : قيل : سَنَده حسن . رابعهم : عبد الْملك بن عُمَيْر ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي إِسْمَاعِيل (الْمُؤَدب) ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر (عَنهُ) ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ليَأْتِيَن عَلَى النَّاس زمَان تسير الظعينة من مَكَّة إِلَى الْحيرَة لَا يَأْخُذ أحد بِخِطَام راحلتها . خامسهم : تَمِيم بن عبد الرَّحْمَن ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا ، وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن مجَالد ، عَن الشّعبِيّ عَنهُ . وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا من طَرِيق جَابر بن سَمُرَة . (قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله ، قَالَ أبي : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق جَابر بن سَمُرَة) ، وَمن طَرِيق عدي بن حَاتِم ، وَهَذَا كَأَنَّهُ (أشبه) . فَائِدَة : الْحيرَة - بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة - (بَلْدَة مَعْرُوفَة بِظهْر الْكُوفَة سكنها مُلُوك قحطان . قَالَه الْحَازِمِي فِي أماكنه وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : هِيَ مَدِينَة النُّعْمَان مَعْرُوفَة من بِلَاد الْعرَاق) (قَالَ ابْن دحْيَة : سميت بذلك) لِأَن بخت (نصَّر) لما سلطه الله عَلَى الْعَرَب وقتلهم ، وسبى من سَبَى مِنْهُم (فسكن) السَّبي فِي هَذَا الْمَكَان فتحيروا هُنَالك فسُمِّيت : الْحيرَة . وَقَالَ صَاحب التنقيب : هِيَ مَدِينَة ملاصقة (للكوفة) سميت بذلك ؛ لِأَن تُبَّع الْأَكْبَر لما قصد خُرَاسَان (ترك) (ضعفة جنده) بِهَذَا الْموضع ، وَقَالَ لَهُم : حِيروا فِيهِ ؛ أَي : أقِيمُوا . قَالَ : وَقيل : أول من نزلها مَالك بن زُهَيْر فَلَمَّا نزلها وَجعلهَا مَسْكَنه وأقطعها (قومه) فسميت (الْحيرَة) لذَلِك . قَالُوا : وثَمَّ حيرة أُخْرَى بخراسان (من) عمل نيسابور ، وَلَيْسَت الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : هِيَ اسْم مُشْتَرك بَين مَوَاضِع أشهرها هَذَا الْموضع ، وَهُوَ حيرة الْكُوفَة الَّتِي كَانَ ينزلها (الْمُلُوك) إِلَى (نصر) اللخميون ، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا : حيري ، وحاري ، والحيرة محلّة كَانَت بنيسابور كَبِيرَة (ينْسب) إِلَيْهَا طَائِفَة (جمة) من أهل الْعلم ، والحيرة قَرْيَة بِأَرْض فَارس ، والحيرة بَلْدَة من أعالي (سقِِي الْفُرَات) قريبَة من (فرغانة) . ثمَّ قَالَ : ذكر هَذِه الْمَوَاضِع ياقوت الْحَمَوِيّ ، (و) رَأَيْتهَا بعد (فِيهِ) . والظعينة : الْمَرْأَة ، وَأَصله الهَوْدَج وتُسمَّى الْمَرْأَة بِهِ ، وَقيل : لَا تسمى إِلَّا الْمَرْأَة الراكبة ، وَكثر حَتَّى اسْتعْمل فِي كل امْرَأَة حَتَّى (يَشْمَل) الْجمل الَّذِي ركب عَلَيْهِ ظَعِينَة ، وَلَا يُقَال ذَلِك إِلَّا لِلْإِبِلِ الَّتِي عَلَيْهَا الهوادج . وَقيل : إِنَّمَا سميت ظَعِينَة ؛ لِأَنَّهُ يظعن (بهَا) ويرحل . (وَعبارَة الْجَوْهَرِي : هِيَ الْمَرْأَة فِي الهودج فَإِن لم تكن فِيهِ فَلَيْسَتْ بظعينة) . والجوار : بِالْكَسْرِ أفْصح من الضَّم . تَنْبِيه : الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : احْتج للقائل بِأَن الْمَرْأَة لَهَا أَن تخرج وَحدهَا عِنْد الْأَمْن بِهَذَا الحَدِيث ، وشُوحِح فِي الدّلَالَة عَلَى ذَلِك . وَقَالُوا : إِنَّمَا هَذَا إِخْبَار عَمَّا سيقع وَلَا يلْزم من إِخْبَار وُقُوعه جَوَازه .
الحَدِيث الثَّامِن عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سمع رجلا يَقُول : لبيْك عَن شبْرمَة . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من شبْرمَة ؟ قَالَ : أَخ لي - أَو قريب لي - قَالَ : أحججت عَن نَفسك ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : حج عَن نَفسك ، ثمَّ عَن شبْرمَة (وَفِي) رِوَايَة : هَذِه عَنْك ثمَّ عَن شبْرمَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه فِي (سُنَنهمَا) من حَدِيث عَبدة بن سُلَيْمَان ، عَن ابْن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن عزْرَة ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ بِاللَّفْظِ الأول ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الثَّانِي وَإِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن و الْمعرفَة و الخلافيات بعد تَخْرِيجه لَهُ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أصح مِنْهُ . ثمَّ رَوَاهُ من طرق كَذَلِك مَرْفُوعا ، قَالَ : وَرُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس . قَالَ : وَمن رَوَاهُ مَرْفُوعا حَافظ ثِقَة فَلَا يضرّهُ خلافُ مَن خَالفه ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : سمعته من عَبدة بن سُلَيْمَان مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ غنْدر ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة (فَوَقفهُ) (وَرُوِيَ) عَن ابْن عَبَّاس من وَجه آخر مَوْقُوفا ، وَعَبدَة بن سُلَيْمَان رَفعه وَهُوَ مُحْتَج بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَرَوَاهُ عَنهُ (مَرْفُوعا جمَاعَة من) الثِّقَات ، وَتَابعه عَلَى رَفعه مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ وَمُحَمّد بن بشر ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : أثبت النَّاس سَمَاعا (من) سعيد عَبدة بن سُلَيْمَان . وَقَالَ عبد الْحق : علل بَعضهم هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفا . قَالَ : وَالَّذِي أسْندهُ ثِقَة فَلَا يضرّهُ . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : الرافعون لَهُ ثِقَات ، فَلَا يضرهم وقف الواقفين لَهُ ، إِمَّا (لأَنهم) حفظوا مَا لم يحفظوا ، وَإِمَّا لِأَن (الواقفين) رووا عَن ابْن عَبَّاس (رَأْيه) ، (والرافعين) رووا عَنهُ رِوَايَته . وَخَالف الطَّحَاوِيّ فَقَالَ فِي مشكله : الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف ، قَالَ أَحْمد : رَفعه خطأ . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : لَا يثبت . (قلت : وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ من قَوْله : وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا . قد أخرجه من حَدِيث الشَّافِعِي ، كَمَا سَاقه الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَنهُ) : نَا سُفْيَان ، عَن أَيُّوب ، عَن أبي قلَابَة : سمع ابْن عَبَّاس رجلا يُلَبِّي عَن شبْرمَة ، قَالَ : وَمَا شبْرمَة ؟ فَذكر (قرَابَة) قَالَ : أحججت عَن نَفسك ؟ قَالَ : لَا . (قَالَ) : فحج عَن نَفسك ، ثمَّ حج عَن شبْرمَة وَفِي هَذَا استبعاد تعدد الْقِصَّة بِأَن يكون فِي (زَمَنه) عَلَيْهِ السَّلَام وزمن ابْن عَبَّاس عَلَى سِيَاقَة وَاحِدَة (واتفاق لَفظه) . نَبَّه عَلَى ذَلِك صَاحب الإِمَام وأعلَّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا بِالْإِرْسَال ؛ فَإِن سعيد بن مَنْصُور رَوَاهُ عَن سُفْيَان ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّه أصح . قلت : هَذِه طَرِيقَته وَطَرِيقَة جمَاعَة ، وَرَأَى جماعات تَقْدِيم الْوَصْل (إِذا اجْتمع) مَعَ الْإِرْسَال ، وَأعله بَعضهم (بِأَنَّهُ) رُوِيَ عَن قَتَادَة عَن ابْن جُبَير بِإِسْقَاط عزْرَة ذكره صَاحب الاستذكار ، وَأعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه بِأَن قَالَ : فِيهِ مقَال ، فَإِن فِيهِ عزْرَة وَهُوَ لَا شَيْء . وَهَذَا غلط مِنْهُ (وَكَأَنَّهُ) ظن أَن عزْرَة هَذَا هُوَ ابْن قيس الَّذِي قَالَ فِيهِ يَحْيَى : لَا شَيْء . وَلَيْسَ كَذَلِك ، وَإِنَّمَا هُوَ عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيّ من رجال مُسلم ، وَوَثَّقَهُ عَلّي بن المدينى وَيَحْيَى بن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَأخرجه فِي صَحِيحه من (جِهَته) وَلما ذكر صَاحب الْإِلْمَام هَذَا الحَدِيث قَالَ : رَأَيْت فِي كتاب التَّمْيِيز للنسائي : عزْرَة الَّذِي رَوَى عَنهُ قَتَادَة لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي . ثمَّ (ذكره) - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ - من طَرِيقين آخَرين عَن الدَّارَقُطْنِيّ : أَحدهمَا : من حَدِيث يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن ، عَن حميد بن الرّبيع ، عَن مُحَمَّد بن بشر ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن عزْرَة ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (رجلا) يُلَبِّي عَن شبْرمَة ، قَالَ : أحججت ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : لَبِّ عَن نَفسك ، ثمَّ لبِّ عَن شبْرمَة، ثمَّ أعلَّها بحميد بن الرّبيع وَنقل عَن يَحْيَى أَنه قَالَ فِي حَقه : كذَّاب . وأغفل (رَاوِيه) يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن ، وَفِي (حَدِيثه) وهم كَبِير مَعَ أَن البرقاني قَالَ : رَأَيْت الدَّارَقُطْنِيّ يحسن القَوْل فِي حميد . وَقَالَ مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة : أَنا أعلم النَّاس بِهِ ، هُوَ ثِقَة لكنه شَرِه يُدَلس . قلت : قد صرح فِي هَذَا الحَدِيث بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بشر . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث (الْحسن) بن ذكْوَان ، ثَنَا عَمْرو بن دِينَار ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا يَقُول : لبيْك عَن شبْرمَة . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل حججْت قطّ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : هَذِه عَنْك وَحج عَن شبْرمَة . ثمَّ أعلَّها بالْحسنِ بن ذكْوَان . وَنقل عَن أَحْمد أَن أَحَادِيثه أباطيل ، وَعَن يَحْيَى (أَنه) ضَعِيف . قلت : لكنه من فرسَان البُخَارِيّ ، فاحتجَّ بِهِ فِي صَحِيحه ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس (بِهِ) . وليت ابْن الْجَوْزِيّ أعلَّه بالراوي عَنهُ (و) هُوَ أَبُو بكر الْكَلْبِيّ فَإِنَّهُ مَتْرُوك ، وأعلَّهُ ابْن الْمُغلس الظَّاهِرِيّ بِوَجْه آخر وَهُوَ أَن قَتَادَة رَاوِيه عَن عزْرَة لم يقل : ثَنَا وَلَا سَمِعت ، وَهُوَ إِمَام فِي التَّدْلِيس . قَالَ : وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم : إِن هَذَا (الْخَبَر) لَيْسَ بِثَابِت ؛ لِأَن سعيد بن أبي عرُوبَة كَانَ يحدث هَذَا الحَدِيث بِالْبَصْرَةِ فَيجْعَل هَذَا الْكَلَام من قَول ابْن عَبَّاس وَلَا يسْندهُ ، وبالكوفة يَجعله مُسْندًا . قَالُوا : وَقد (رَوَاهُ) ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَطاء ، عَن عَائِشَة (مَرْفُوعا) قَالُوا : وَقد رَوَاهُ ابْن جريج وَهُوَ أثبت من ابْن أبي لَيْلَى ، فَلم يقل عَن عَائِشَة وأرسله ، وَرَوَاهُ أَبُو قلَابَة عَن ابْن عَبَّاس ، وَأَبُو قلَابَة لم يسمع مِنْهُ شَيْئا ، قَالُوا : فَالْخَبَر بذلك غير ثَابت . قلت : فِي تَقْيِيد المهمل للجياني : (قَالَ البُخَارِيّ : عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيّ) كُوفِي ، عَن سعيد بن جُبَير وَسَعِيد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى ، سمع مِنْهُ قَتَادَة . فقد صرح البُخَارِيّ بِسَمَاع قَتَادَة (من عزْرَة) فقد يُقَال : زَالَت تُهْمَة تدليسه وَقد أسلفنا الْجَواب عَمَّن أوقفهُ . فَائِدَتَانِ : الأولَى : عزْرَة الْمُتَقَدّم فِي الحَدِيث هُوَ عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيّ ، كَذَا ذكره الْأَئِمَّة البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان فِي تواريخهم ، وَكَذَا ذكره صَاحب الْكَمَال ، والمزي فِي تهذيبه ، و أَطْرَافه . وَوَقع فِي سنَن أبي دَاوُد ، و ابْن مَاجَه : عزْرَة . غير مَنْسُوب ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هُوَ عزْرَة بن يَحْيَى . وَنَقله عَن الْحَاكِم ، عَن أبي عَلّي الْحَافِظ ، قَالَ : وَقد رَوَى قَتَادَة أَيْضا عَن عزْرَة بن تَمِيم ، وَعَن عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن . قلت : ونصَّ (عَلَى) أَنه عزْرَة بن يَحْيَى الجيانيُّ فِي تَقْيِيد المهمل قَالَ : وَقَالَ أَحْمد : هُوَ عزْرَة بن دِينَار وَلَا أرَاهُ يَصح . الْفَائِدَة الثَّانِيَة : قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي مبهماته : اسْم (المُلَبى) عَنهُ شبْرمَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فقد جَاءَ صَرِيحًا كَمَا قدمْنَاهُ ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (تلقيحه) : وَفِي حَدِيث تفرد بِهِ ابْن عمَارَة أَن اسْمه : نُبَيْشَة قَالَ : وَهُوَ خطأ ، وَيُقَال : إِن ابْن عمَارَة رَجَعَ عَن تِلْكَ الرِّوَايَة . قَالَ الْخَطِيب : وَلَا أحفظ اسْم (الملبي) . وَقَالَ ابْن باطيش فِي كِتَابه الْمُغنِي فِي غَرِيب الْمُهَذّب : اسْمه نُبَيْشَة . قلت : فِيهِ نظر ، وَكَأَنَّهُ وهم فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ رويا من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة ، عَن عبد الْملك بن ميسرَة ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه (الملبى) عَنهُ ، وَهُوَ خطأ كَمَا (أسلفناه) لَا (الملبي) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الرِّوَايَة وهم ، وَالصَّوَاب مَا تقدم عَن ابْن عَبَّاس . وَيُقَال : إِن الْحسن بن عمَارَة كَانَ يرويهِ ثمَّ رَجَعَ عَنهُ إِلَى الصَّوَاب ، يحدث بِهِ عَلَى الصَّوَاب مُوَافقا لرِوَايَة غَيره عَن ابْن عَبَّاس ، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث عَلَى كل حَال . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : إِنَّه حَدِيث بَاطِل . وَقَالَ ( ابْن) الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : تفرد بِهَذَا الحَدِيث بلفظَيْه هِيَ (عَن) نُبَيْشَة واحجج عَن نَفسك و هَذِه (عَن) نُبَيْشَة واحجج عَن نَفسك الحسنُ بن عمَارَة ، وَهُوَ الَّذِي (كَانَ) (يَقُول) مَكَان شبْرمَة : نُبَيْشَة، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الصَّوَاب فِي آخر عمره ، وَقَالَ فِي علله : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . فَائِدَة ثَالِثَة : شبْرمَة بِضَم الشين وَالرَّاء ، ذكره ابْن مَنْدَه ، وَأَبُو نعيم فِي الصَّحَابَة ، وَهُوَ من الْأَفْرَاد ، و نُبَيْشَة غير مَنْسُوب أَيْضا ، توفّي فِي حَيَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَيْسَ نُبَيْشَة الْهُذلِيّ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة نُبَيْشَة غَيرهمَا . فَائِدَة رَابِعَة (غَرِيبَة) : أَن هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس ، وَمن رِوَايَة عَائِشَة ، وظفرت لَهُ بطرِيق ثَالِث من حَدِيث أبي الزبير ، عَن جَابر ، سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا وَهُوَ يُلَبِّي : لبيْك عَن شبْرمَة . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أحججت عَن نَفسك ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أَفلا حججْت عَن نَفسك ثمَّ حججْت عَن شبْرمَة . رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُعْجَمه ، عَن أَحْمد بن يُوسُف (بن) الضَّحَّاك ، نَا عمر بن يَحْيَى ، نَا ثُمَامَة ، نَا أَبُو الزبير . فَذكره .
بَاب الْهَدْي ذكر فِيهِ أَرْبَعَة أَحَادِيث : أَحدهَا أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أهْدَى مائَة بَدَنَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث عَلّي وَمُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل رَضي اللهُ عَنهما .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْهَدْي إِذا عطب : لَا تَأْكُل مِنْهَا أَنْت وَلَا أحد من أهل رفقتك . هَذَا الحَدِيث انْفَرد مُسلم بِإِخْرَاجِهِ من طَرِيقين : أَحدهمَا عَن أبي التياح عَن مُوسَى بن سَلمَة بن المحبق الْهُذلِيّ قَالَ : انْطَلَقت أَنا وَسنَان بن سَلمَة معتمرين . قَالَ : وَانْطَلق سِنَان مَعَه ببدنة يَسُوقهَا . فأزحفت عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ فَعِييَ بشأنها إِن هِيَ أبدعت كَيفَ يَأْتِي بهَا ، فَقَالَ : لَئِن قدمت الْمَدِينَة لأستحفين عَن ذَلِكَ . قَالَ : فأضحيت . قَالَ : فنزلنا الْبَطْحَاء ، قَالَ : انْطلق بِنَا إِلَى ابْن عَبَّاس نتحدث لَهُ : فَذكر لَهُ شَأْن بدنته . فَقَالَ : عَلَى الْخَبِير سَقَطت ، بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ بست عشرَة ] بَدَنَة مَعَ رجل وأمَّره فِيهَا ، قَالَ : فَمَضَى ثمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، كَيفَ أصنع [ بِمَا ] أبدع عليّ مِنْهَا ؟ قَالَ : (انحرها) ثمَّ اصبغ نعليها فِي دَمهَا ، ثمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صفحتها ، وَلَا تَأْكُل مِنْهَا أَنْت وَلَا أحد من أهل رفقتك . وَفِي رِوَايَة لَهُ ثَمَان عشرَة بَدَنَة . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث ابْن عليَّة ، عَن أبي التياح ، عَن مُوسَى بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لم يسمع ابْن عليَّة من أبي التياح غير هَذَا الحَدِيث ، وَمَعْنى أزحفت : وقفت من الكلال . وأبدعت : كلت أَيْضا . ولأستحفين - بِالْحَاء الْمُهْملَة - أَي : لأسألن سؤالاً بليغًا عَن ذَلِكَ . وأضحيت : (نزلت) فِي وَقت الضُّحَى . (ثَانِيهمَا) : عَن قَتَادَة عَن سِنَان بن سَلمَة عَن ابْن عَبَّاس وَقد ذكره صَاحب الْمُهَذّب من هَذَا الْوَجْه وأوضحت الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تخريجي لأحاديثه ، قَالَ : قَالَ الْحَافِظ رشيد الدَّين الْعَطَّار : وَإِسْنَاده غير مُتَّصِل عِنْد جمَاعَة من أهل النَّقْل ، فَإِن قَتَادَة لم يسمع هَذَا الحَدِيث من سِنَان بن سَلمَة ، قَالَه الإمامان يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَيَحْيَى بن معِين ، وناهيك بهما جلالة وَمَعْرِفَة بِهَذَا الشَّأْن ، وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْمَقْدِسِي أَيْضا أَن هَذَا الحَدِيث مَعْلُول من ثَلَاثَة أوجه : عُمْدَتُها مَا قَالَه يَحْيَى الْقطَّان وَابْن معِين ، قَالَ الْحَافِظ رشيد الدَّين : وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِكَ أَن سِنَان بن سَلمَة هَذَا هُوَ سِنَان بن سَلمَة بن المحبق مَعْدُود فِي الصَّحَابَة ، وَله أَيْضا رِوَايَة عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد نَص أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ عَلَى أَن قَتَادَة لم يلق من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا أنس بن مَالك وَعبد الله بن سرجس ، وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه سمع أنسا وَأَبا الطُّفَيْل وَلم يذكر (من) الصَّحَابَة غَيرهمَا والعذر لمُسلم إِنَّمَا أخرج هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الشواهد ليبين أَنه قد رُوِيَ من غير وَجه عَن ابْن عَبَّاس وَإِلَّا فقد أخرجه قبل ذَلِكَ من حَدِيث أبي التياح عَن مُوسَى بن سَلمَة عَن ابْن عَبَّاس مُتَّصِلا فَثَبت اتِّصَاله . قلت : وَرَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث نَاجِية الْأَسْلَمِيّ رَضي اللهُ عَنهُ بِنَحْوِهِ ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . (فَائِدَة) : الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث أَنه لَا يجوز لفقراء الرّفْقَة الْأكل مِنْهَا ، وَفِيه نظر لاحْتِمَال أَن المُرَاد بالرفقة الْأَغْنِيَاء فَهِيَ وَاقعَة عين لَا عُمُوم فِيهَا .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى الظّهْر بِذِي الحليفة ، ثمَّ دَعَا ببدنة فأشعرها فِي صفحة سنامها الْأَيْمن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم بِهَذَا اللَّفْظ إِلَّا أَنه قَالَ : نَاقَته بدل بَدَنَة وَزَاد : وسلت الدَّم وقلدها نَعْلَيْنِ ، ثمَّ ركب رَاحِلَته ، فَلَمَّا اسْتَوَت عَلَى الْبَيْدَاء أهلَّ بِالْحَجِّ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ : ثمَّ دَعَا ببدنة كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ وَقَالَ : ثمَّ سلت الدَّم عَنْهَا بِيَدِهِ وَفِي رِوَايَة بِأُصْبُعِهِ وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا أَنه أشعر بَدَنَة من الْجَانِب الْأَيْسَر قَالَ ابْن عبد الْبر : هَذَا مُنكر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس وَالصَّحِيح رِوَايَة مُسلم . فَائِدَة : هَذِه الصَّلَاة كَانَت فِي الْيَوْم الثَّانِي من خُرُوجه عَلَيْهِ السَّلَام من الْمَدِينَة نَقله عبد الْحق عَن حجَّة الْوَدَاع لِابْنِ حزم . فَائِدَة أُخْرَى : مَعْنَى سلت الدَّم : أماطه بِأُصْبُعِهِ ، وأصل السلت : الْقطع ، وَيُقَال سلت الله أنف فلَان أَي جدعه . والإشعار : الْإِعْلَام ، وَهُوَ أَن يطعن فِي سنامها حَتَّى يسيل دَمهَا فَيكون ذَلِكَ عَلامَة عَلَى أَنَّهَا هدي .
الحَدِيث الثَّالِث أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أهْدَى مرّة غنما ملقدة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم كَذَلِك من حَدِيث عَائِشَة ، وَالْبُخَارِيّ بِمَعْنَاهُ .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من لم يحْبسهُ مرض ، أَو (مشقة) ظَاهِرَة ، أَو سُلْطَان جَائِر ، فَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا وَإِن شَاءَ نصرانيًّا . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا من حَدِيث أبي أُمَامَة رَضِي اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعا : من لم يحْبسهُ مرض ، أَو حَاجَة ظَاهِرَة ، أَو سُلْطَان جَائِر ، وَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا أَو نصرانيًّا . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شَاذان ، عَن شريك ، عَن لَيْث ، عَن ابْن (سابط) ، عَن أبي أُمَامَة (بِهِ) . (و) قَالَ : هَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ إِسْنَاده غير قوي (فَلهُ) شَاهد من قَول عمر بن الْخطاب . فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ أَنه قَالَ : ليمت يهوديًّا أَو نصرانيًّا - يَقُولهَا ثَلَاث مَرَّات - : رجل مَاتَ وَلم يحجَّ ، وجد لذَلِك سَعَة وخليت سَبيله . وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور بِلَفْظ : لقد هَمَمْت أَن أبْعث رجَالًا إِلَى هَذِه الْأَمْصَار فينظروا كل من كَانَ لَهُ جِدَة وَلم يحجّ ؛ فيضربوا عَلَيْهِم الْجِزْيَة (مَا هم بمسلمين) . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاده حسن ، شَاهد لحَدِيث أبي أُمَامَة . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي كتاب الْإِيمَان : عَن وَكِيع ، عَن (سُفْيَان) عَن لَيْث ، عَن ابْن سابط قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من مَاتَ وَلم يحجّ وَلم يمنعهُ من ذَلِك مرض حَابِس ، أَو سُلْطَان ظَالِم ، أَو حَاجَة ظَاهِرَة ، فليمت عَلَى أَي حَال شَاءَ (إِن شَاءَ) يهوديًّا ، وَإِن شَاءَ نصرانيًّا . وَهَذَا مُرْسل ، وَرَوَاهُ فِي مُسْنده مُتَّصِلا (فِيهِ من لَا أعرف حَاله) - بِلَفْظ : من كَانَ ذَا يسَار فَمَاتَ وَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا (و) إِن شَاءَ نصرانيًّا . (و) (من رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه بِلَفْظ : لقد هَمَمْت أَن أبْعث رجَالًا . إِلَى آخِره ، تقدم) . وَاعْلَم أَن ابْن الْجَوْزِيّ ذكر هَذَا الحَدِيث فِي تَحْقِيقه من حَدِيث أبي عرُوبَة الْحَرَّانِي ، نَا الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن ، نَا يزِيد بن هَارُون ، نَا شريك ، عَن لَيْث ، عَن عبد الرَّحْمَن بن سابط ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا بِلَفْظ الْبَيْهَقِيّ ، ثمَّ قَالَ : قَالَ يَحْيَى بن معِين : الْمُغيرَة لَيْسَ بِشَيْء . وَلَيْث قد تَركه يَحْيَى بن معِين وَابْن مهْدي وَأحمد ، وَقد رَوَاهُ (عمار) بن (نصر) ، عَن شريك ، عَن سَالم ، عَن أبي أُمَامَة ، قَالَ العقيليُّ : عمار يحدث عَن الثِّقَات بِالْمَنَاكِيرِ . وَقَالَ ابْن عدي : مَتْرُوك الحَدِيث . هَذَا آخر كَلَامه ، وَفِيه نظر من وُجُوه : أَحدهَا : يَحْيَى إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَام فِي الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن [ الْحزَامِي ] وَهُوَ مُتَقَدم عَلَى رَاوِي هَذَا الحَدِيث ، يروي عَن أبي الزِّنَاد وَغَيره ، ويروي عَنهُ قُتَيْبَة وَغَيره ، وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ ، وَأما رَاوِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ الْحَرَّانِي شيخ متأخِّر ، رَوَى عَنهُ النَّسَائِيّ وَوَثَّقَهُ وَلَا (نَعْرِف) أحدا تكلم فِيهِ . وَقد ذكر هُوَ - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ - الْحزَامِي فِي ضُعَفَائِهِ ، وَحَكَى كَلَام يَحْيَى فِيهِ ، (و) قَالَ : وَجُمْلَة من فِي الحَدِيث اسْمه (مُغيرَة) بن عبد الرَّحْمَن سِتَّة لَا نَعْرِف قدحًا فِي أحد مِنْهُم غَيره . قلت : وَلم ينْفَرد الْمُغيرَة عَن يزِيد (بِهَذَا) الحَدِيث ؛ بل تَابعه مُحَمَّد بن أسلم الطوسي ، عَن يزِيد . وَرَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير سُورَة آل عمرَان من رِوَايَة سهل بن عمار ، عَن (يزِيد) . وَسَهل كذبه الْحَاكِم ، وَقد رَوَاهُ عَن شريك غير يزِيد ، رَوَاهُ أَبُو يعْلى ، عَن بشر بن الْوَلِيد (الْكِنْدِيّ) ، (عَن شريك) ، عَن لَيْث بِهِ بِلَفْظ : من لم (يمنعهُ) من الْحَج مرض حَابِس أَو حَاجَة ؛ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا ، وَإِن شَاءَ نصرانًّيا ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شَاذان ، نَا شريك ، عَن لَيْث بِهِ ، كَمَا سلف ، وَقد رَوَاهُ عَن لَيْث غير شريك . (رَوَاهُ) سُفْيَان عَنهُ كَمَا سلف ، عَن رِوَايَة الإِمَام أَحْمد فِي كتاب (الْإِيمَان) ، وَإِسْمَاعِيل ابن إِبْرَاهِيم - وَهُوَ ابْن عُلية - عَنهُ ، عَن ابْن سابط رَفعه : من مَاتَ وَلم يحجّ حجَّة الْإِسْلَام وَلم يمنعهُ من ذَلِك حَاجَة ظَاهِرَة ، أَو مرض حَابِس ، أَو سُلْطَان ظَالِم ، فليمت عَلَى أَي حَال شَاءَ إِن شَاءَ يهوديًّا ، وَإِن شَاءَ نصرانيًّا ، رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور . الثَّانِي (قَوْله) : لَيْث قد تَركه يَحْيَى بن معِين وَابْن مهْدي وَأحمد تبع فِيهِ ابْن حبَان ، وَقد رَوَى ابْن مهْدي ، عَن سُفْيَان وَغَيره عَنهُ ، كَمَا (قَالَه) الفلاس ، وَقَالَ أَحْمد : هُوَ مُضْطَرب الحَدِيث لَكِن حدث عَنهُ النَّاس . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : سَأَلت يَحْيَى عَنهُ فَقَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . الثَّالِث (قَوْله) : وَقد رَوَاهُ عمار بن نصر ، عَن شريك صَوَابه ابْن مطر ، (وجد فِي بعض نسخه وَكَذَا ذكره فِي مَوْضُوعَاته ، وَهُوَ عمار بن مطر الرهاوي ، كَذَا أخرجه ابْن عدي فِي تَرْجَمَة عمار بن مطر) وَقَالَ : هَذَا الحَدِيث عَن شريك غير مَحْفُوظ ، وعمار بن مطر (الضعْف) عَلَى رِوَايَته بَين ، وَكَذَا أخرجه أَبُو يعْلى الْموصِلِي ، عَن عمار ، عَن شريك . الرَّابِع : قَوْله : عَن شريك ، عَن سَالم ، عَن أبي أُمَامَة سقط بَين شريك وَسَالم رجل ، وَهُوَ مَنْصُور ، كَذَا أخرجه أَبُو يعْلى فَتنبه لهَذِهِ الْأُمُور ، وَقد ذكر ابْن الْجَوْزِيّ حَدِيث أبي أُمَامَة هَذَا فِي مَوْضُوعَاته من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ و(ضعفهما) بِمَا تقدم ، وَلَا أَدْرِي مَا (مُسْتَنده) فِي وضعهما . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث عَلّي - كرم الله وَجهه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ملك زادًا وراحلة تبلغه إِلَى بَيت الله (الْحَرَام) وَلم يحجّ فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يهوديًّا (أَو نصرانيًّا) ، وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه : (وَللَّه عَلَى النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث هِلَال بن عبد الله مولَى ربيعَة بن عَمْرو بن مُسلم الْبَاهِلِيّ ، عَن أبي إِسْحَاق الْهَمدَانِي ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا (الْوَجْه) . قَالَ : وَفِي إِسْنَاده مقَال . قَالَ : والْحَارث (يضعف) ، وهلال مَجْهُول . قلت : وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه . قَالَ : وَهَذَا الْمَتْن يُروى عَن عَلّي مَوْقُوفا (وَيروَى) مَرْفُوعا من طَرِيق (أصلح) من هَذَا . وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ : حَدِيث أبي أُمَامَة عَلَى مَا فِيهِ أصلحها . (وَأبْعد) ابْن الْجَوْزِيّ ، فَذكر هَذَا الحَدِيث فِي مَوْضُوعَاته ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح عَن رَسُول الله . وَلَو ذكره فِي علله لَكَانَ أنسب ، وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو بكر بن الجهم الْمَالِكِي بعد تَخْرِيجه : سَأَلت إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَنهُ فتبسَّم وَقَالَ : من هِلَال بن عبد الله ؟ ! وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد : لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم . وَقَالَ ابْن عدي : هُوَ مَعْرُوف بِهَذَا الحَدِيث وَلَيْسَ الحَدِيث بِمَحْفُوظ . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَفعه : من مَاتَ وَلم يحجّ حجَّة الْإِسْلَام فِي غير وجع حَابِس ، أَو (حجَّة) ظَاهِرَة ، أَو سُلْطَان جَائِر فليمت (أَي الْميتَتَيْنِ) شَاءَ (إِمَّا) يهوديًّا أَو نصرانيًّا ، رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث عبد الرَّحْمَن الْقطَامِي ، عَن أبي المُهَزِّم - بِضَم الْمِيم وَفتح الْهَاء وَكسر الزَّاي الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة (وَآخره مِيم) ، كَمَا ضَبطه صَاحب الإِمَام - عَن أبي هُرَيْرَة (بِهِ) ، وَأَبُو المهزم اسْمه يزِيد بن سُفْيَان ، وَهُوَ واه قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء . وَقَالَ شُعْبَة : رَأَيْته وَلَو أعطي درهما لوضع خمسين حَدِيثا . وَقَالَ أَيْضا : كَانَ فِي مَسْجِد ثَابت مطروحًا لَو أعطَاهُ إِنْسَان فلسين حَدثهُ سبعين حَدِيثا . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد : (شبه) الْمَتْرُوك . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : (ضَعِيف) . و (أما) عبد الرَّحْمَن الْقطَامِي فَهُوَ واه ، قَالَ الفلاس : كَانَ كذابا . وَقَالَ ابْن حبَان : يجب تنكب رواياته . قلت : وَكَانَ السَّاجِي يَقُول : عبد الرَّحْمَن الْقطَامِي . وَالصَّوَاب : ابْن الْقطَامِي ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته أَيْضا ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . وَفِي الْكتاب الْمُسَمَّى (الْمُغنِي) عَن الْحِفْظ وَالْكتاب بقَوْلهمْ لم يَصح شَيْء فِي الْبَاب لأبي حَفْص الْموصِلِي بَاب حجُّوا قبل أَن لَا تَحُجُّوا : وَمن أمكنه الْحَج فَلم يحجّ فليمت إِن شَاءَ يهوديًّا (و) إِن شَاءَ نصرانيًّا . قَالَ الْعقيلِيّ : لَا يَصح فِي هَذَا شَيْء . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا يَصح (فِيهَا) شَيْء .
الحَدِيث التَّاسِع أَن الَّذين صدوا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحُدَيْبِية كَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة ، وَالَّذين اعتمروا مَعَه فِي عمْرَة الْقَضَاء كَانُوا نَفرا يَسِيرا وَلم يَأْمر النَّاس بِالْقضَاءِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث جَابر رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحرم بِالْعُمْرَةِ سنة سِتّ وَمَعَهُ ألف وَأَرْبَعمِائَة ، ثمَّ عَاد فِي السّنة (الْآخِرَة) وَمَعَهُ جمع يسير قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ الشَّافِعِي ، قَالَ الله - تَعَالَى - : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، وَلم يذكر قَضَاء . قَالَ : وَالَّذِي أَعقل فِي أَخْبَار أهل الْمَغَازِي شَبيه مَا ذكرت من ظَاهر الْآيَة ، وَذَلِكَ أَنا قد علمنَا فِي متواطئ أَحَادِيثهم أَن قد كَانَ مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْحُدَيْبِيَة رجال معروفون بِأَسْمَائِهِمْ ، ثمَّ اعْتَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عمْرَة الْقَضِيَّة ، وتخلف بَعضهم بِالْمَدِينَةِ من غير ضَرُورَة ، وَلَو لَزِمَهُم الْقَضَاء لأمرهم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِن شَاءَ الله - بِأَن لَا يتخلفوا عَنهُ . وَقَالَ الإِمَام مَالك بِنَحْوِ مِمَّا قَالَه الشَّافِعِي ، قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَأكْثر مَا قيل : إِن الَّذين اعتمروا مَعَه فِي الْعَام الْقَابِل سَبْعمِائة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأكْثر الرِّوَايَات أَن أهل الْحُدَيْبِيَة كَانُوا ألفا وَأَرْبَعمِائَة . وَيُؤَيّد مَا قَالَه مَا رَوَى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن جَابر قَالَ : قَالَ لنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : (أَنْتُم) خير أهل الأَرْض ، وكنّا ألفا وَأَرْبَعمِائَة وَقيل : كَانُوا ألفا وَخَمْسمِائة وَصَححهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَقيل : كَانُوا ألفا وثلاثمائة ، وَقد رويت هَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث فِي الصَّحِيح ، وَكَانَت عمْرَة الْقَضَاء ، وَيُقَال لَهَا : الْقَضِيَّة ، فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ ، فصده الْمُشْركُونَ فَصَالحهُمْ وقاضى سُهَيْل بن عَمْرو عَلَى الْهُدْنَة ، ثمَّ اعْتَمر فِي السّنة السَّابِعَة ، وَقيل لَهَا : عمْرَة الْقَضَاء والقضية ؛ لمقاضاة سُهَيْل بن عَمْرو ، لَا أَنَّهَا قَضَاء عمْرَة سنة سِتّ لما ذَكرْنَاهُ ، وَوَقعت عمْرَة سنة سبع فرضا ، وَأما سنة سِتّ فحسبت عمْرَة فِي الثَّوَاب ، فقد جَاءَت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِأَن عمره عَلَيْهِ السَّلَام أَربع : - مِنْهَا - عمْرَة الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ ، وَعمرَة الْقَضَاء سنة سبع ، وَعمرَة الْجِعِرَّانَة سنة ثَمَان ، وَعمرَة مَعَ حجَّته سنة عشر كَمَا سلف فِي بَاب الْمَوَاقِيت .
الحَدِيث السَّادِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي امْرَأَة لَهَا زوج وَلها مَال وَلَا يَأْذَن لَهَا زَوجهَا فِي الْحَج لَيْسَ لَهَا أَن تَنْطَلِق إِلَّا بِإِذن زَوجهَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد القرميسيني ، ثَنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن مجاشع ، ثَنَا مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوب ، ثَنَا حسان بن إِبْرَاهِيم ، ثَنَا إِبْرَاهِيم الصَّائِغ قَالَ : قَالَ نَافِع ، عَن ابْن عمر فَذكره مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه كَذَلِك ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن إِبْرَاهِيم إِلَّا حسان ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و خلافياته كَذَلِك وَقَالَ فِي مَعْرفَته : تفرد بِهِ حسان . قلت : لَا يضرّهُ فقد أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ ثِقَة ، وَإِن قَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَأعله عبد الْحق بِأَن قَالَ فِي إِسْنَاده : رجل مَجْهُول يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوب الْكرْمَانِي رَوَاهُ عَن حسان بن إِبْرَاهِيم الْكرْمَانِي قَالَ ابْن الْقطَّان : تبع فِي ذَلِكَ [ أَبَا ] حَاتِم الرَّازِيّ نصًّا وَالْبُخَارِيّ إِشَارَة ، ورد الْخَطِيب عَلَى البُخَارِيّ وبيَّن أَنه مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يَعْقُوب الْكرْمَانِي وَهُوَ ثِقَة وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي جَامعه قَالَ : وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه وهِم فِي ذَلِكَ فَجَعلهَا ترجمتين مُحَمَّد بن أبي يَعْقُوب الْكرْمَانِي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن [ أبي ] يَعْقُوب الْكرْمَانِي . قَالَ الْخَطِيب : وهما وَاحِد . قَالَ ابْن الْقطَّان : فَإِذا ثَبت هَذَا عرف أَن هَذِه الْعلَّة كَلَا عِلة وَإِنَّمَا الْعلَّة الْجَهْل بِحَال الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن مجاشع فَإِنَّهُ لَا يعرف حَاله . قلت : وَتَابعه أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَزْرَقِيّ كَمَا أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيثه عَن حسان بِهِ وَلم يعله الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقَته بل بوب لَهُ وَاحْتج بِهِ .
بَاب الْإِحْصَار والفوات ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا ؛ أما الْأَحَادِيث فاثنا عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُحصر هُوَ وَأَصْحَابه بِالْحُدَيْبِية فَأنْزل الله تَعَالَى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث جماعات من الصَّحَابَة أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تحلل بِالْحُدَيْبِية حِين (صده) الْمُشْركُونَ عَنْهَا . (مِنْهَا) حَدِيث (عبد الله) بن عمر الْآتِي بعد هَذَا . قَالَ الشَّافِعِي فِيمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فَلم أسمع مِمَّن حفظت عَنهُ من أهل الْعلم بالتفسير مُخَالفا فِي أَن هَذِه الْآيَة وَهِي وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ نزلت بِالْحُدَيْبِية حِين أحْصر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فحال الْمُشْركُونَ بَينه وَبَين الْبَيْت وَأَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نحر بِالْحُدَيْبِية وَحلق وَرجع حَلَالا وَلم يصل إِلَى الْبَيْت وَلَا أَصْحَابه إِلَّا عُثْمَان بن عَفَّان وَحده .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر (سَعْدا) أَن يتَصَدَّق عَن أمه بعد مَوتهَا . هَذَا مَرْوِيّ من طَرِيقين إِحْدَاهمَا : عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن سعد بن عبَادَة أَن أمه مَاتَت فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن أُمِّي مَاتَت أفأتصدق عَنْهَا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَأَي الصَّدَقَة أفضل ؟ قَالَ : سقِِي المَاء . فَتلك سِقَايَة سعد بِالْمَدِينَةِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَهُوَ مُرْسل ، الْحسن لم يدْرك سَعْدا فَإِن الْحسن (ولد) سنة إِحْدَى وَعشْرين ، وَسعد بن عبَادَة أقل مَا فِيهِ أَنه توفّي سنة خمس عشرَة ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من هَذِه الطَّرِيق ، وَهَذَا لَفظه : يَا رَسُول الله ، دلَّنِي عَلَى صَدَقَة ؟ قَالَ : اسْقِ المَاء وَفِيه مبارك بن فضَالة ، ضعفه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ ، وَكَانَ يُدَلس . ثَانِيهمَا : عَن سعيد بن الْمسيب عَن سعد بن عبَادَة : أَنه أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن أُمِّي مَاتَت أفأتصدق عَنْهَا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَأَي الصَّدَقَة أفضل ؟ قَالَ : سقِِي المَاء . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان بِلَفْظ : قلت : يَا رَسُول الله ، أَي (الصَّدَقَة) أفضل ؟ قَالَ : سقِِي المَاء ، وَهُوَ مُرْسل أَيْضا ، سعيد لم يدْرك (سَعْدا) ، قَالَه يَحْيَى الْقطَّان فَإِن سعيدًا ولد سنة خمس عشرَة ، وَتُوفِّي سعد بن عبَادَة بِالشَّام سنة خَمْسَة عشرَة وَقيل : سنة أَربع عشرَة . وَقيل سنة إِحْدَى عشرَة ، فَكيف يُدْرِكهُ . قَالَه (الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد) الْمُنْذِرِيّ وَغَيره ، وَأما (الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين) الْمَقْدِسِي فِي أَحْكَامه ، فَقَالَ : أَظُنهُ أدْركهُ . وَلَعَلَّه أَخذه من تَصْحِيح ابْن حبَان بحَديثه هَذَا من الطَّرِيق الْمَذْكُور ، فَإِن من شَرطه الِاتِّصَال كَمَا شَرط فِي خطْبَة كِتَابه ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من الطَّرِيقَيْنِ (الْمَذْكُورين) ، فَأخْرجهُ من حَدِيث قَتَادَة ، عَن سعيد بن الْمسيب ، وَالْحسن ، عَن سعد بن عبَادَة أَنه أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أَي الصَّدَقَة أعجب إِلَيْك ؟ قَالَ : سقِِي المَاء ذكر لَهُ مُتَابعًا من حَدِيث قَتَادَة عَن سعيد [ أَن سَعْدا ] الحَدِيث ، ثمَّ (قَالَ) : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قلت : وَأخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده وَفِيه سَمِعت الْحسن يحدث عَن سعد بن عبَادَة - وَهُوَ غَرِيب - أَن أمه مَاتَت فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن أُمِّي مَاتَت أَتصدق عَنْهَا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَأَي الصَّدَقَة أفضل ؟ قَالَ : سقِِي المَاء . قَالَ فَتلك سِقَايَة سعد بِالْمَدِينَةِ قلت : وَله طَرِيق ثَالِث من حَدِيث حميد بن أبي الصعب عَن سعد بن عبَادَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : يَا سعد ، أَلا أدلك عَلَى صَدَقَة يسيرَة مؤنتها ، عَظِيم أجرهَا ؟ قَالَ : بلَى . قَالَ : سقِِي المَاء . فسقى سعد المَاء ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث ضرار بن صرد أبي نعيم [ الطَّحَّان ] ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن عمَارَة بن غزيَّة ، عَن حميد ، وَضِرَار هَذَا مَتْرُوك . فَائِدَة : اسْم أم سعد عمْرَة بنت مَسْعُود بن قيس بن عَمْرو بن زيد مَنَاة بن عدي بن عَمْرو بن مَالك بن النجار ، قَالَه ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَكَذَا ذكره ابْن باطيش وَغَيره أَن اسْمهَا عمْرَة بنت مَسْعُود ، أسلمت وبايعت وَتوفيت سنة خمس .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تحلل بالإحصار (عَام) الْحُدَيْبِيَة وَكَانَ محرما بِعُمْرَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فحال كفار قُرَيْش دون الْبَيْت ، فَنحر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هداياه ، وَحلق وَقصر أَصْحَابه . وَمن حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : أحْصر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فحلق رَأسه وجامع نِسَاءَهُ وَنحر هَدْيه حَتَّى اعْتَمر قَابلا قَالَ الشَّافِعِي : وَالْحُدَيْبِيَة مَوضِع من الأَرْض مِنْهُ مَا هُوَ فِي الْحل وَمِنْه مَا هُوَ فِي الْحرم فَإِنَّمَا نحر الْهَدْي عندنَا فِي الْحل وَفِيه مَسْجِد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الَّذِي بُويِعَ فِيهِ تَحت الشَّجَرَة ، فَأنْزل الله فِيهِ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ . فَائِدَة : الْحُدَيْبِيَة بتَخْفِيف الْيَاء وتشديدها كَمَا سلف وَكَانَت قصَّة الْحُدَيْبِيَة سنة سِتّ من الْهِجْرَة .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من رَاح فِي السَّاعَة الأولَى فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة ، وَمن رَاح فِي السَّاعَة الثَّانِيَة فَكَأَنَّمَا قرب (بقرة ) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف وَاضحا فِي بَاب صَلَاة الْجُمُعَة .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لضباعة بنت الزبير : أَتُرِيدِينَ الْحَج ؟ فَقَالَت : أَنا شاكية ، فَقَالَ : حجي واشترطي أَن محلي حَيْثُ حبستني . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها قَالَت : دخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى ضباعة بنت الزبير فَقَالَ لَهَا : لَعَلَّك أردْت الْحَج ؟ فَقَالَت : وَالله مَا أجدني إلَّا وجعة . فَقَالَ : حجي واشترطي ، وَقَوْلِي : اللَّهُمَّ محلي حَيْثُ حبستني وَكَانَت تَحت الْمِقْدَاد وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَت عَائِشَة : دخل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أُرِيد الْحَج وَأَنا شاكية . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : حجي واشترطي أَن محلي حَيْثُ حبستني وَأخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا أَن ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب أَتَت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : إِنِّي امْرَأَة ثَقيلَة ، وَإِنِّي أُرِيد الْحَج ، فَمَا تَأْمُرنِي ؟ قَالَ : أَهلِي بِالْحَجِّ واشترطي أَن محلي حَيْثُ حبستني . قَالَ : فأدركت . وَفِي رِوَايَة : أَن ضباعة أَرَادَت الْحَج ، فَأمرهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تشْتَرط . فَفعلت ذَلِكَ عَن أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بأسانيد صَحِيحَة : أَنَّهَا أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أُرِيد الْحَج أفأشترط ؟ قَالَ : نعم . قَالَت : كَيفَ أَقُول ؟ قَالَ : قولي : لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك ، محلي من الأَرْض حَيْثُ تحبسني زَاد النَّسَائِيّ : فَإِن لَك عَلَى رَبك مَا استثنيت . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : إِنَّه رُوِيَ مُسْندًا ومرسلاً وَهُوَ أصح . وَقَالَ الْأصيلِيّ : لَا يثبت فِي الِاشْتِرَاط إِسْنَاد صَحِيح . وَهُوَ عجب مِنْهُ ؛ فَالْحَدِيث مَشْهُور ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَسَائِر كتب الحَدِيث الْمُعْتَمدَة من طرق مُتعَدِّدَة بأسانيد كَثِيرَة عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا أعلم أسْندهُ عَن الزُّهْرِيّ غير معمر . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : لم يسْندهُ عَن معمر غير عبد الرَّزَّاق فِيمَا أعلم . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي كتاب الْمَنَاسِك وَهُوَ من الْجَدِيد : لَو ثَبت حَدِيث عُرْوَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الِاسْتِثْنَاء لم أعده إِلَى غَيره ؛ لِأَنَّهُ لَا يحل عِنْدِي خلاف مَا ثَبت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد ثَبت هَذَا الحَدِيث من أوجه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ذكر مَا سبق ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : رَوَى ابْن عَبَّاس قصَّة ضباعة بأسانيد ثَابِتَة جِيَاد انْتَهَى . وَثَبت عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يُنكر الِاشْتِرَاط فِي الْحَج كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ : عِنْدِي أَنه لَو بلغه حَدِيث ضباعة لصار إِلَيْهِ وَلم يُنكر الِاشْتِرَاط كَمَا لم يُنكره أَبوهُ فِيمَا روينَا عَنهُ . فَائِدَة : محلي - بِكَسْر الْحَاء - أَي مَكَان محلي ، هُوَ الْمَكَان الَّذِي حَبَسَنِي فِيهِ الْمَرَض . وضباعة - بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَبعدهَا بَاء مُوَحدَة ، وَبعد الْألف عين مُهْملَة ، وتاء تَأْنِيث - لَهَا صُحْبَة ، وَهِي بنت عَم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وكنيتها أم حَكِيم ، كَذَلِك ذكر كنيتها الشَّافِعِي فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي مناقبه وَقَول الْغَزالِيّ فِي وسيطه : ضباعة الأسْلَمِيَّة غلط ، كَمَا نبه عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه و مَجْمُوعَة ، وَصَوَابه الهاشمية ، فَإِنَّهَا ضباعة بنت الزبير بن عبد الْمطلب بن هَاشم بنت عَم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث الثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْحَج عَرَفَة ، من لم يدْرك عَرَفَة قبل أَن يطلع الْفجْر فقد فَاتَهُ الْحَج . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر مَرْفُوعا وَلَفظه فِي الأول : من فَاتَهُ عَرَفَات فَاتَهُ الْحَج فليحلل بِعُمْرَة وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل . وَلَفظه فِي الثَّانِي : من فَاتَهُ عَرَفَات بلَيْل فقد فَاتَهُ الْحَج وَضعفهمَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَقَالَ : هَذَانِ الحديثان ضعيفان ، فِي الأول يَحْيَى بن عِيسَى ، وَتفرد بِالثَّانِي رَحْمَة بن مُصعب ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : ليسَا بِشَيْء . فَأَما تَعْلِيله بِيَحْيَى بن عِيسَى فَلَيْسَ بجيد ، فَإِنَّهُ من رجال مُسلم وَهُوَ صَدُوق ، وَلكنه يهم ، وَضَعفه يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، ويروي هَذَا الحَدِيث عَن ابْن أبي لَيْلَى . وَهُوَ صَدُوق سيئ الْحِفْظ . وَأما تَعْلِيله برحمة بن مُصعب فَأصَاب فِيهِ ، وَرَوَاهُ عَن ابْن أبي لَيْلَى أَيْضا ، وَأما ابْن الْقطَّان فَقَالَ : رَحْمَة هَذَا لَا أعرفهُ مَذْكُورا كَمَا سَاقه الدَّارَقُطْنِيّ ، فَإِنَّهُ كناه فِي الْإِسْنَاد أَبَا هَاشم ونعته بالفراء . وَإِنَّمَا ذكر الْعقيلِيّ رَحْمَة بن مُصعب أَبَا مُصعب الوَاسِطِيّ وسَاق عَن ابْن معِين أَنه قَالَ : لَيْسَ بِشَيْء . يحدث عَن عزْرَة بن ثَابت ، رَوَى عَنهُ الْقَاسِم بن عِيسَى ، فَالَّذِي فِي الْإِسْنَاد مَجْهُول - وَالله أعلم - إِن كَانَ هُوَ إِيَّاه ، وَدَاوُد بن جُبَير الرَّاوِي عَنهُ لَا أعرفهُ أَيْضا مَذْكُورا ، ولسعيد بن جُبَير أَخ يُقَال لَهُ : دَاوُد بن جُبَير ، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال أَيْضا ، وَلَيْسَت هَذِه طبقته قلت : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث القعْنبِي ، ثَنَا عمر بن قيس ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : من أدْرك عَرَفَة قبل طُلُوع الْفجْر فقد أدْرك (الْحَج ) وَعمر هَذَا هُوَ سندول ، وَيُقَال : سندل تَرَكُوهُ ، وَقَالَ خَ : مُنكر الحَدِيث . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الشَّافِعِي ، أبنا أنس بن عِيَاض ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه قَالَ : من أدْرك لَيْلَة النَّحْر من الْحَاج فَوقف بجبال عَرَفَة قبل أَن يطلع الْفجْر فقد أدْرك الْحَج ، وَمن لم يدْرك عَرَفَة قبل أَن يطلع الْفجْر فقد فَاتَهُ الْحَج فليأت الْبَيْت فليطف بِهِ سبعا ، وَيَطوف بَين الصَّفَا والمروة سبعا ، ثمَّ ليحلق أَو يقصر إِن شَاءَ ، وَإِن كَانَ مَعَه هَدْيه فلينحره قبل أَن يحلق ، فَإِذا فرغ من طَوَافه وسعيه فليحلق أَو يقصر ثمَّ ليرْجع إِلَى أَهله ، فَإِن أدْركهُ الْحَج من قَابل فليحج إِن اسْتَطَاعَ وليهد ، فَإِن لم يجد هَديا فليصم عَنهُ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ لأَهله .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُحصر عَام الْحُدَيْبِيَة فذبح بهَا وَهِي من الْحل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف ، وَسلف كَلَام الشَّافِعِي أَيْضا فِيهِ .
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة : أَولهَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : لَا حصر إِلَّا حصر الْعَدو . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس . وَعَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : لَا حصر إِلَّا حصر الْعَدو زَاد أَحدهمَا : ذهب الْحصْر الْآن . قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . ثَانِيهَا : عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن أَبَا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ خرج حاجًّا حَتَّى إِذا كَانَ بالنازية من طَرِيق مَكَّة ضلت رَاحِلَته ، فَقدم عَلَى عمر بن الْخطاب يَوْم النَّحْر فَذكر ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ عمر : اصْنَع كَمَا يصنع الْمُعْتَمِر ، ثمَّ قد حللت ، فَإِذا أدْركْت الْحَج قَابلا فاحجج وأهد مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ، ثمَّ الشَّافِعِي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح ، قَالَ الرَّافِعِيّ : واشتهر ذَلِكَ فِي الصَّحَابَة وَلم يُنكره مُنكر . والنازية بنُون ثمَّ زَاي ثمَّ مثناة تَحت ، ثمَّ هَاء كَذَا ضَبطه صَاحب الإِمَام وَسَبقه إِلَيْهِ الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه فَقَالَ : النازية عَلَى وزن فاعلة مَوضِع . الْأَثر الثَّالِث : عَن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَنه أَمر الَّذين فاتهم الْحَج بِالْقضَاءِ من قَابل ، فَقَالَ : فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن هَبَّار بن الْأسود جَاءَ يَوْم النَّحْر وَعمر بن الْخطاب ينْحَر هَدْيه فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، أَخْطَأنَا الْعدة كُنَّا نرَى أَن هَذَا الْيَوْم يَوْم عَرَفَة . فَقَالَ عمر : اذْهَبْ إِلَى مَكَّة فَطُفْ أَنْت وَمن مَعَك وانحروا هَديا إِن كَانَ مَعكُمْ ، ثمَّ احْلقُوا أَو قصروا وَارْجِعُوا إِذا كَانَ (عَاما) قَابلا فحجوا وأهدوا ، فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَن الْأسود قَالَ : سَأَلت عمر عَن رجل فَاتَهُ الْحَج ، قَالَ : يهل بِعُمْرَة وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل ، ثمَّ خرجت الْعَام الْمقبل فَلَقِيت زيد بن ثَابت فَسَأَلته عَن رجل فَاتَهُ الْحَج قَالَ : يهل بِعُمْرَة وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ عَن إِدْرِيس الأودي عَنهُ فَقَالَ : ويهريق دَمًا . قَالَ : وَرَوَاهُ الْأسود قَالَ : ويهل بِعُمْرَة ويحج من قَابل وَلَيْسَ عَلَيْهِ هدي . قَالَ : فَلَقِيت زيد بن ثَابت بعد عشْرين سنة فَقَالَ مثل قَول عمر وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْأسود قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى عمر قد فَاتَهُ الْحَج قَالَ عمر : اجْعَلْهَا عمْرَة وَعَلَيْك الْحَج من قَابل وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْحَارِث ابن عبد الله بن أبي ربيعَة قَالَ : سَمِعت عمر وجاءه رجل فِي وسط أَيَّام التَّشْرِيق وَقد فَاتَهُ الْحَج فَقَالَ لَهُ عمر : طف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة وَعَلَيْك الْحَج من قَابل . وَلم يهد هَديا قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الرِّوَايَة وَمَا قبلهَا عَن الْأسود عَن عمر متصلتان ، وَرِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار عَنهُ مُنْقَطِعَة . قَالَ الشَّافِعِي : الحَدِيث الْمُتَّصِل عَن عمر يُوَافق حديثنا عَن عمر وَيزِيد حديثنا عَلَيْهِ الْهَدْي ، وَالَّذِي يزِيد فِي الحَدِيث أولَى بِالْحِفْظِ من الَّذِي لم يَأْتِ بِالزِّيَادَةِ ورويناه عَن ابْن عمر كَمَا قُلْنَا مُتَّصِلا ، وَفِي رِوَايَة إِدْرِيس الأودي - إِن صحت - ويهريق دَمًا وَهِي تشهد لرِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار بِالصِّحَّةِ ، وَرَوَى إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن هَبَّار بن الْأسود أَنه حَدثهُ أَنه فَاتَهُ الْحَج فَذكره مَوْصُولا . الْأَثر الرَّابِع : عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : الْأَيَّام المعلومات أَيَّام الْعشْر ، والمعدودات أَيَّام التَّشْرِيق . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ) عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح ، وَصَححهُ ابْن السكن وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ ، وَإِنَّمَا نقل صَاحب الْبَيَان عَنهُ أَنه قَالَ : إِن الْأَيَّام المعلومات أَرْبَعَة : يَوْم عَرَفَة والنحر ويومان بعده . فَغَرِيب ، وَالْمَعْرُوف عَنهُ مَا تقدم ، وَنقل صَاحب الْبَيَان مثله عَن عَلّي ، وَاتفقَ الْعلمَاء عَلَى أَن الْأَيَّام المعدودات هِيَ أَيَّام التَّشْرِيق ، وَهِي ثَلَاثَة بعد يَوْم النَّحْر . قَالَ : ومذهبنا أَن الْأَيَّام المعلومات هِيَ الْعشْر الأول من ذِي الْحجَّة آخرهَا يَوْم النَّحْر . وَقَالَ مَالك : وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام ، يَوْم النَّحْر ويومان بعده . فالحادي عشر وَالثَّانِي عشر عِنْده من المعلومات والمعدودات . وَقَالَ أَبُو حنيفَة : ثَلَاثَة أَيَّام : يَوْم عَرَفَة ، والنحر ، وَالْحَادِي عشر . كَذَا نَقله عَنهُ ، وَنقل الزَّمَخْشَرِيّ (فِي كشافه) عَنهُ وَعَن صَاحِبيهِ (كمذهبنا) قَالَ صَاحب الْبَيَان : وَفَائِدَة الْخلاف أَن عندنَا يجوز ذبح الْهَدَايَا والضحايا فِي أَيَّام التَّشْرِيق كلهَا ، وَعند مَالك لَا يجوز فِي الْيَوْم الثَّالِث . وَقَالَ : فِي الْعِيد فَائِدَة وَصفه بِأَنَّهُ مَعْلُوم جَوَاز النَّحْر فِيهِ (وَفَائِدَة أَنه مَعْدُود ، انْقِطَاع الرَّمْي فِيهِ) .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَشَارَ إِلَى مَوضِع النَّحْر من منى ، وَقَالَ : هَذَا المنحر وكل فجاج مَكَّة منحر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر ، قَالَ : لما وقف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِعَرَفَة ، وَقَالَ : وقفت هَاهُنَا وعرفة كلهَا موقف ، ووقفت هَاهُنَا بِجمع وَجمع كلهَا موقف ، ونحرت هَاهُنَا وَمنى كلهَا منحر فَانْحَرُوا فِي رحالكُمْ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِنَحْوِ من لفظ الرَّافِعِيّ وَهَذَا لَفظه أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : كل عَرَفَة موقف وكل منى منحر ، وكل مُزْدَلِفَة موقف ، وكل فجاج مَكَّة طَرِيق ومنحر . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله ومنِّه .
الحَدِيث السَّابِع أَن رجلا اسْتَأْذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْجِهَاد فَقَالَ : أَلَك أَبَوَانِ ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : استأذنتهما ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : ففيهما فَجَاهد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضي اللهُ عَنهما قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فاستأذنه فِي الْجِهَاد ، فَقَالَ : أحيّ والداك ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : ففيهما فَجَاهد وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان أَن رجلا قَالَ : يَا رَسُول الله ، أتأذن لي فِي الْجِهَاد ؟ قَالَ : أَلَك والدان ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : اذْهَبْ فبرهما . فَذهب وَهُوَ [ يحمل ] الركاب وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه إِنِّي جِئْت أُرِيد الْجِهَاد مَعَك وَلَقَد أتيت وَإِن والديَّ يَبْكِيَانِ . قَالَ : فَارْجِع فأضحكهما كَمَا أبكيتهما ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِهَذَا اللَّفْظ الْأَخير إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا الْهِجْرَة بدل الْجِهَاد، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : لَكِن فِي سَنَده عَطاء بن السَّائِب وَقد أسلفنا فِي بَاب الْأَحْدَاث أَنه تغير بِأخرَة وَأَن جَمِيع من رَوَى عَنهُ رَوَى عَنهُ فِي الِاخْتِلَاط إِلَّا شُعْبَة وسُفْيَان وَغَيرهمَا من الأكابر كَمَا عَيناهُ هُنَاكَ ، وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَة سُفْيَان عَنهُ عِنْد أبي [ دَاوُد ] وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم ، وَمن رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ عِنْد الْحَاكِم أَيْضا ، وَمن رِوَايَة عبد الرَّحْمَن [ الْمحَاربي ] عَنهُ عِنْد ابْن مَاجَه ، وَمن رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَنهُ عِنْد أَحْمد وَمن رِوَايَة ابْن جريج عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وَحَمَّاد بن سَلمَة عَنهُ ، وَرَوَى نَحوه أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان من رِوَايَة أبي سعيد ، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة مُعَاوِيَة بن جاهمة ، ورواهما الْحَاكِم وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : فِي الأول دراج وَقد ضَعَّفُوهُ ، لَكِن التِّرْمِذِيّ صحّح حَدِيثه فَلَهُمَا بِهِ أُسْوَة ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : الْحق أَنَّهَا حسان لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِيهِ .
الحَدِيث الْعَاشِر حَدِيث كَعْب بن عجْرَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رَآهُ وَرَأسه يتهافت قملاً . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي الْبَاب قبله .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مكث بمنى حَتَّى طلعت الشَّمْس ، ثمَّ ركب ، وَأمر بقبة من شعر أَن تضرب لَهُ بنمرة فَنزل بهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، وَقد سلف . ونَمِرة : بِفَتْح (أَوله) وَكسر ثَانِيه ، كَمَا ضَبطه الْبكْرِيّ وَغَيره ، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِقرب عَرَفَات .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رمل من الْحجر إِلَى الْحجر ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عمر ، وَاللَّفْظ لإحدى روايتي مُسلم ، وَلَفظ البخاريِّ وَمُسلم فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى - : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا طَاف بِالْبَيْتِ الطّواف الأوَّل خبَّ (ثَلَاثًا) ومشي أَرْبعا وَمَعْنى خَبَّ : رمل . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : أَن ابْن عمر رمل من الْحجر إِلَى الْحجر ، وَذكر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فعل) ذَلِك . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ : أَن ابْن عمر كَانَ يرمل ثَلَاثًا وَيَمْشي أَرْبعا ، وَيَزْعُم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَفْعَله ، وَكَانَ يمشي (مَا) بَين الرُّكْنَيْنِ وَإِنَّمَا كَانَ يمشي بَينهمَا ليَكُون أيسر لاستلامه . وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِلَفْظ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سَعَى ثَلَاثَة أطواف وَرمل أَرْبَعَة، ثمَّ قَالَ : صَحِيح . وَفِيه نظر ؛ فَإِن فِيهِ عبد الله بن نَافِع وَقد ضُعِّفَ . وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رمل من الْحجر الْأسود حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ثَلَاثَة أطواف . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رمل الثَّلَاثَة (الأطواف) من الْحجر إِلَى الْحجر . هَكَذَا الرِّوَايَة : الثَّلَاثَة الأطواف ، وَهُوَ جَائِز ، وَإِن كَانَ أَكثر أهل الْعَرَبيَّة يبطلونه ، وَقد جَاءَت لَهُ نَظَائِر فِي الصَّحِيح . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد مُسلم من حَدِيث جَابر بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس كَذَلِك . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث ( عبيد الله) بن أبي زِيَاد - وحالته مُخْتَلف فِيهَا - قَالَ : سمعنَا أَبَا الطُّفَيْل يحدِّث : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رمل ثَلَاثًا من الْحجر إِلَى الْحجر . فَائِدَة : حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قَرِيبا فِيهِ (عدم اسْتِيعَاب) الْبَيْت بالرمل ، وَالْأَحَادِيث الَّتِي ذَكرنَاهَا مُخَالفَة لَهُ ، وَيجمع بَينهمَا بِأَن حَدِيث ابْن عَبَّاس (السالف قَرِيبا) كَانَ فِي عمْرَة الْقَضَاء سنة سبع من الْهِجْرَة قبل الْفَتْح ، وَكَانَ أَهلهَا مُشْرِكين حِينَئِذٍ ، وَهَذِه الْأَحَادِيث كَانَت فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة ، فَتعين الْأَخْذ بهَا لتأخرها . فَائِدَة : الرَّمَل : بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم ، (وَهُوَ) : سرعَة الْمَشْي مَعَ تقَارب الخطا ، وَهُوَ الخبب ، وَمن قَالَ : إِن الرمل دون الخبب فَهُوَ غالط .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين (رُوِيَ أَنه صلى الله عليه وسلم ) (رَاح إِلَى الْموقف ؛ فَخَطب النَّاس الْخطْبَة الأولَى ، ثمَّ أذن بِلَال ، ثمَّ أَخذ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْخطْبَة الثَّانِيَة ، ففرغ من الْخطْبَة وبلال من الْأَذَان ، ثمَّ أَقَامَ بِلَال ؛ فَصَلى الظّهْر ، ثمَّ أَقَامَ فصلَّى الْعَصْر . هَذَا الحَدِيث أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ ، وَقد رَوَاهُ كَذَلِك الشَّافِعِي (و) الْبَيْهَقِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وَغَيره ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ هَكَذَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى . قلت : كَيفَ يَقُول : تفرد بِهِ وَالشَّافِعِيّ يَقُول : (نَا) إِبْرَاهِيم وغيرُه ؟ ! إِلَّا أَن يكون مُرَاده : أَنه لم يشْتَهر عَن غَيره . وَفِي مُسْند الشَّافِعِي عقب هَذَا الحَدِيث : أَنا الرّبيع ، أَنا الشَّافِعِي ، أَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل (أَو) عبد الله بن نَافِع ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس - يَعْنِي بذلك - وَأَبُو الْعَبَّاس هَذَا هُوَ الْأَصَم ، فَالَّذِي أبْهَمَه الشَّافِعِي فِي الأول قد فسَّرهُ ثَانِيًا بِأحد هذَيْن الرجلَيْن ، لَكِن سَمِعت من ينْقل أَن هَذَا من أَوْهَام الْأَصَم وَإِنَّمَا حَدِيث سَالم هَذَا عَن أَبِيه فِي الْجمع بِمُزْدَلِفَة لَا (يعرف) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل مَا دَلَّ عَلَى أَنه (خطبه) ثمَّ أذن بِلَال إِلَّا أَنه لَيْسَ فِيهِ ذِكْر : (ثمَّ) أَخذ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْخطْبَة الثَّانِيَة . وَقَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه : رِوَايَة الشَّافِعِي مُغَايرَة (لرِوَايَة) مُسلم من وَجْهَيْن : وَقت الْأَذَان وَمَكَان الْخطْبَة ، فَإِن مُسلما ذكر أَن الْخطْبَة كَانَت بِبَطن الْوَادي قبل إتْيَان عَرَفَة ، وَرِوَايَة الشَّافِعِي تخالفها ، وحديثُ مُسلم أصح ، ويتوجَّه بأمرٍ معقولٍ وَهُوَ : أنَّ الْمُؤَذّن قد أُمِرَ بالإنصات للخطبة كَمَا أُمِر غَيره ، فَكيف يُؤذن مَن قد أُمِرَ بالإنصات ثمَّ لَا يَبْقَى (للخطبة) مَعَه . فَائِدَة : إِذْ يفوت الْمَقْصُود فِيهَا أَكثر النَّاس لاشتغال سمعهم بِالْأَذَانِ عَن استماعها ، وَذكر الملا فِي سيرته : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما فرغ من خطبَته أذن بِلَال ، وَسكت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا فرغ بِلَال من الْأَذَان تكلم بِكَلِمَات ، ثمَّ أَنَاخَ رَاحِلَته ، وَأقَام بِلَال الصَّلَاة . وَهَذَا أقرب مِمَّا ذكره الشَّافِعِي ؛ إِذْ لَيْسَ يفوت بِهِ سَماع الْمُؤَذّن (بِهِ) وَلَا غَيره . تَنْبِيه : فِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جمع بَين الظّهْر وَالْعصر ، ثمَّ خطب النَّاس ، ثمَّ رَاح فَوقف عَلَى الْموقف من عَرَفَة . وَفِيه مُخَالفَة لحَدِيث جَابر فِي (تَقْدِيم) الصَّلَاة عَلَى الْخطْبَة ، (فَإِن) فِي حَدِيث جَابر تَقْدِيم الْخطْبَة عَلَى الصَّلَاة ، وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق ، قَالَ عبد الْحق : وَتَقْدِيم الْخطْبَة هُوَ الْمَشْهُور الَّذِي عمل بِهِ الْمُسلمُونَ وَالْأَئِمَّة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خطب النَّاس قبل التَّرويَة بِيَوْم ، وَأخْبرهمْ (بمناسكهم ) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا كَانَ قبل التَّرويَة خطب النَّاس فَأخْبرهُم مناسكهم . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . (فَائِدَة) : (يَوْم) التَّرويَة : هُوَ ثامن ذِي الْحجَّة ، سمي بذلك لأَنهم كَانُوا (يتروون) (بِحمْل) المَاء مَعَهم من مَكَّة إِلَى عَرَفَات . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَقيل غير ذَلِك مِمَّا أوضحته فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَليقل الإِمَام إِذا سلم أَتموا يَا أهل مَكَّة ؛ فَإنَّا قوم سفر . كَمَا قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ كَمَا قَالَ ، (وَقَالَ هَذَا عَام الْفَتْح ، كَمَا) رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ، عَن عليّ بن زيد بن جدعَان ، (عَن أبي نَضْرة) عَن عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : غزوت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ فَلم يصل إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة ، وَحَجَجْت مَعَه فَلم يصل إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة ، وَشهِدت (مَعَه) الْفَتْح فَأَقَامَ بِمَكَّة ثَمَان عشرَة لَيْلَة لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ، ثمَّ يَقُول لأهل الْبَلَد : أَتمُّوا ؛ فإنَّا سفر . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَلّي بن زيد أَيْضا كَمَا ذكرته فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ ، وَهَذَا لَفظه : حججْت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أبي بكر فَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عمر فَصَلى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُثْمَان سِتّ سِنِين من خِلَافَته - أَو ثَمَان سِنِين - فصلَّى رَكْعَتَيْنِ . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث (حسن ) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِأَلْفَاظ : أَحدهَا : فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثمَّ يَقُول : يَا أهل مَكَّة أَتموا فصلُّوا رَكْعَتَيْنِ ؛ فَإنَّا قوم سفر . ثَانِيهَا : يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقُول : (أَتموا) الصَّلَاة يَا أهل مَكَّة ؛ فَإنَّا سفر . ثَالِثهَا : يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمغرب ، ثمَّ يَقُول : يَا أهل مَكَّة ، أَتموا صَلَاتكُمْ ، فَإنَّا قوم سفر . ومداره من هَذِه الطّرق كلهَا (عَلَى) عليِّ بن زيد بن جدعَان ، وَقد حسنه التِّرْمِذِيّ من طَرِيقه ، وَهُوَ صَاحب غرائب كَمَا أسلفناه فِي بَاب بَيَان النَّجَاسَات ، مَعَ كَلَام الْأَئِمَّة (فِيهِ) (وَظَاهر إِيرَاد الرَّافِعِيّ وُرُوده وَهُوَ غَرِيب ، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ من قَول عمر نَفسه فِي مَكَّة . وسفر : بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْفَاء ، كَمَا سلف إيضاحه فِي بَاب مسح الْخُف) .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أَن أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانُوا (يتئدون) بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين وَذَلِكَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ قد شَرط عَلَيْهِم عَام الصد أَن ينجلوا عَن بطحاء مَكَّة إِذا عَادوا لقَضَاء الْعمرَة ، فَلَمَّا عَادوا وفارقوا قعيقعان - وَهُوَ جبل فِي (مُقَابل) الْحجر والميزاب - (فَكَانُوا) يظهرون الْقُوَّة (والجلادة) حَيْثُ تقع أَبْصَارهم عَلَيْهِم ، (فَإِذا) صَارُوا بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين كَانَ الْبَيْت حَائِلا بَينهم وَبَين أبصار الْكفَّار . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف . وَقَوله : لقَضَاء الْعمرَة صَوَابه : لعمرة الْقَضَاء ، أَي : الشَّرْط ، أَنهم قَاضَوْهُ - أَي : شارطوه - فِي عَام الْحُدَيْبِيَة عَلَى أَن يتَحَلَّل ، وَيعود الْعَام الْقَابِل فِي شُرُوط أُخْرَى ، وَتسَمَّى أَيْضا عمْرَة الْقَضِيَّة كَذَلِك ، قَالَ الْعلمَاء : وَلَيْسَ تَسْمِيَتهَا بِهَذَا الِاسْم من الْقَضَاء ، بِمَعْنى (اسْتِدْرَاك) الْعِبَادَة ، وَمَا يُؤَيّدهُ أَن الْقَضَاء لَا يجب عَلَى الْمحصر . وَقَوله : (يتئدون) كَذَا رَأَيْته وَهُوَ من [ التؤدة ] ، وَذكره بعض شُيُوخنَا بِلَفْظ : (يبازون) ، ثمَّ قَالَ : وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة وزاي مُعْجمَة بعْدهَا ألِف يَقُول : يبازي فلَان فِي مَشْيه ، أَي : حرَّك عجيزته . قَالَ : وَيُقَال أَيْضا بالراء الْمُهْملَة من المباراة وَهِي الْمُسَابقَة والمجاراة ، قَالَ : وَهَذَا الثَّانِي مُنَاسِب فِي الْمَعْنى للدليل) .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين أَن سَالم بن عبد الله قَالَ (للحجاج) : إِن كنت تُرِيدُ تصيب السّنة : فأقصر الْخطْبَة وَعجل الْوُقُوف . فَقَالَ ابْن عمر : صدق . هَذَا الحَدِيث (صَحِيح ) ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث ( سَالم) بن عبد الله قَالَ : كتب عبد الْملك (بن مَرْوَان) (إِلَى) الْحجَّاج أَن لَا تخَالف ابْن عمر فِي الْحَج ، فجَاء ابْن عمر وَأَنا مَعَه يَوْم عَرَفَة حِين زَالَت الشَّمْس ، فصاح عِنْد سرادق الْحجَّاج ، فَخرج وَعَلِيهِ ملحفة معصفرة فَقَالَ : مَا لَك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ؟ فَقَالَ : الرواح إِن كنتَ تُرِيدُ السّنة . قَالَ : هَذِه السَّاعَة ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَأَنْظرْنِي حَتَّى أُفِيض عَلَى رَأْسِي ثمَّ أَخْرُج . فَنزل حَتَّى خرج الْحجَّاج فَسَار بيني وَبَين أبي ، فَقلت : إِن كنت تُرِيدُ السّنة فأقصر الْخطْبَة وَعجل الْوُقُوف . فَجعل ينظر إِلَى عبدِ الله ، فلمَّا رَأَى ذَلِك عبد الله قَالَ : صدق . فَائِدَة : السرادق : الخباء وَشبهه ، وكل مَا أحَاط بالشَّيْء . وَقيل : مَا يدار حول الخباء .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث أَبَا بكر أَمِيرا عَلَى الحجيج فِي السّنة التَّاسِعَة من الْهِجْرَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن (أَبَا بكر) بَعثه فِي الْحجَّة الَّتِي أمره عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل حجَّة الْوَدَاع فِي رهطٍ يُؤذنُونَ فِي النَّاس يَوْم النَّحْر : أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك ، وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وقف واستقبل الْقبْلَة ، وَجعل (بطن) نَاقَته للصخرات . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، وَقد سلف . قَالَ الرَّافِعِيّ (بعد ذَلِك) فِي كَلَامه عَلَى الْوُقُوف وموقف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عِنْد جبل الرَّحْمَة ، مَعْرُوف . وَهُوَ كَمَا قَالَ .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما قدم مَكَّة أَتَى الْحجر فاستلمه ، ثمَّ مَشَى عَلَى يَمِينه ، فَرمَلَ ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ كُله .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وقف بِعَرَفَة رَاكِبًا . هَذَا (الحَدِيث) صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أم الْفضل بنت الْحَارِث زوج الْعَبَّاس ، وَرَوَاهُ مُسلم (من حَدِيث جَابر ) .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْأَرْبَعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَدَأَ بالصفا ، وَختم بالمروة . هَذَا صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل كَمَا (سلف) .
الحَدِيث الْخَمْسُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أفضل الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة ، وَأفضل مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن زِيَاد بن أبي زِيَاد مولَى ابْن عَبَّاس ، عَن طَلْحَة بن (عبيد الله) بن كريز - بِفَتْح الْكَاف وَآخره زَاي - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أفضل الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة ، وَأفضل مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ . وَهَذَا مُرْسل ، طَلْحَة (هَذَا) تَابِعِيّ كُوفِي ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : وَقد رُوِيَ عَن مَالك بِإِسْنَاد آخر مَوْصُولا ، قَالَ : وَوَصله ضَعِيف . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه مطولا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خير الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة ، وَخير مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد ، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَحَمَّاد بن أبي حميد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ أَبُو إِبْرَاهِيم الْمدنِي الْأنْصَارِيّ ، وَلَيْسَ (هُوَ) بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث . وَرَوَاهُ أَحْمد من هَذَا الطَّرِيق بِلَفْظ : كَانَ أَكثر دُعَاء النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم عَرَفَة : لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد ، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير . وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أفضل دعائي وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء قبلي عَشِيَّة عَرَفَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد ، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير . قَالَ الْعقيلِيّ : فِي إِسْنَاده فرج بن فضَالة ، قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مَنَاسِكه من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أفضل مَا قلت والأنبياء (قبلي) عَشِيَّة عَرَفَة : لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك (وَله الْحَمد) وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير . وَفِي إِسْنَاده قيس بن الرّبيع القَاضِي وَقد سَاءَ حفظه بِأخرَة . قَالَ الرَّافِعِيّ : وأضيف (إِلَيْهِ) : لَهُ الْملك وَله الْحَمد ، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير ، اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا ، (وَفِي سَمْعِي نورا) وَفِي بَصرِي نورا ، اللَّهُمَّ اشرح لي صَدْرِي ، وَيسر لي أَمْرِي . قلت : أما قَوْله : لَهُ الْملك إِلَى قَوْله : قدير فقد أسلفناه فِي عدَّة أَحَادِيث ، وَأما قَوْله : اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا إِلَى آخِره فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُوسَى بن عُبَيْدَة ، عَن أَخِيه (عبد الله) بن عُبَيْدَة ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَكثر دعائي وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء قبلي (بِعَرَفَة) : لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد ، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير ، اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا ، وَفِي سَمْعِي نورا ، وَفِي بَصرِي نورا ، اللَّهُمَّ اشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي ، وَأَعُوذ بك من وسواس الصَّدْر ، وشتات الْأَمر ، وفتنة الْقَبْر ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَرّ مَا يلج فِي اللَّيْل ، (وَشر مَا يلج فِي النَّهَار) ، وَشر مَا تهب بِهِ الرِّيَاح ، وَمن شَرّ بوائق الدَّهْر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي ، وَهُوَ ضَعِيف وَلم يدْرك أَخُوهُ عليًّا . قلت : فَصَارَ الحَدِيث ضَعِيفا بِوَجْهَيْنِ ، وَعبد الله أَخُو مُوسَى : ضَعِيف أَيْضا (و) قَالَ ابْن حبَان : مُنكر الحَدِيث جدًّا ، لَيْسَ (لَهُ) راوٍ غير أَخِيه مُوسَى ، ومُوسَى لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث ، وَلَا أَدْرِي الْبلَاء من أَيهمَا .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : فيمَ الرَّمَل الْآن وَقد نَفَى الله الشركَ وأهلَه ، وأعز الْإِسْلَام (وَأَهله) ؟ ! إِلَّا أَنِّي لَا أحب أَن أَدَعَ شَيْئا كُنَّا نفعله عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ (أَبُو دَاوُد) فِي سنَنه من رِوَايَة أسلم ، قَالَ : سَمِعت عمر بن الْخطاب يَقُول : فيمَ الرّملان والكشف عَن المناكب وَقد (أَطَأ) الله الْإِسْلَام ، وَنَفَى الكفرَ وأهلَه ؟ ! لَكِن مَعَ ذَلِك لَا نَدع شَيْئا كُنَّا نفعله (عَلَى عهد) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فِي سنَنه بِإِسْنَاد صَحِيح عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ : سَمِعت عُمَرَ يَقُول : فيمَ الرّملان الْآن وَقد (أطَّأ) الله الْإِسْلَام ، وَنَفَى الكفرَ وَأَهله ؟ ! وايْمُ الله ، مَا نَدَعُ شَيْئا كُنَّا نفعله عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أسلم أَن عُمَرَ قَالَ للركن : أَمَا واللَّهِ إِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر لَا تضر وَلَا تَنْفَع ، وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - استلمك ، وَأَنا أستلمك . فاستلمه وَقَالَ : مَا لنا وللرمل ؛ إِنَّمَا راءينا بِهِ الْمُشْركين ، وَقد أهلكهم الله ؟ ! ثمَّ قَالَ : شَيْء صنعه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ فَلَا نحب أَن نتركه . ثمَّ رمل . ثمَّ قَالَ البيهقيُّ : رَوَاهُ البخاريُّ فِي صَحِيحه . وَهُوَ كَمَا قَالَ بِدُونِ لَفْظَة : رمل ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه أَيْضا عَن أسلم قَالَ : سَمِعت عمر بن الْخطاب يَقُول : فيمَ الرملان الْآن والكشف عَن المناكب ، وَقد (أَضَاء) الله الْإِسْلَام ، وَنَفَى الْكفْر وَأَهله ؟ ! وَمَعَ ذَلِك لَا نَتْرُك شَيْئا كُنَّا نصنعه مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَلم يخرجَاهُ . وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده بِلَفْظ أبي دَاوُد ، ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يُرْوى إِلَّا عَن عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَاد . فَائِدَة : قَوْله فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه : (أَطَّأَ) الله الْإِسْلَام قَالَ المُحِبُّ فِي أَحْكَامه : إِنَّمَا هُوَ وطَّأ أَي : ثَبَّتَهُ وأَرْسَاهُ ، (وَالْوَاو) قد تبدل ألفا ، وَرَأَيْت فِي نُسْخَة قديمَة من ابْن مَاجَه : أَطَالَ بِاللَّامِ . وَقَوله : الرملان قَالَ الْحَرْبِيّ : هُوَ بِكَسْر النُّون تَثْنِيَة الرَّمَل فِي الطّواف ، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة ، وَلم يُقَلْ : السعيان تَغْلِيبًا للأخف (كالقمرين والعمرين) . وَقَالَ غَيره : (إِنَّمَا هُوَ) بِضَم النُّون ، مصدر رمل ، (فكثيرًا) مَا يَجِيء الْمصدر عَلَى هَذَا الْوَزْن ، خُصُوصا فِي أَنْوَاع الْمَشْي وَالْحَرَكَة (كالرَّسَفان) فِي مشي المُقَيَّد ، واللوذان والنَّزَوان والسَّيلان فِي أشباهٍ لَهَا ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى وَغَيره .
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَمن بعده لم يسعوا إِلَّا بعد الطّواف . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَهُوَ مستفيض فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة استفاضة (تغني عَن تدوينها ) .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل مَكَّة عَام الْفَتْح غير محرم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه (من) حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل مَكَّة يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء بِغَيْر إِحْرَام) هَذَا لفظ إِحْدَى رِوَايَات مُسلم ، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : (أَن) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل مَكَّة عَام الْفَتْح وَعَلَى رَأسه المِغْفر قَالَ مَالك : وَلم يكن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيمَا نرَى ، وَالله أعلم - محرما . وَاعْلَم أَن (الرَّافِعِيّ) ذكر هَذَا الحَدِيث (دَلِيلا) عَلَى أَن الْخَائِف من الْقِتَال وَنَحْوه لَا يلْزمه الْإِحْرَام ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ؛ فَإِن من خَصَائِصه عَلَيْهِ السَّلَام دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام ، كَمَا ذكره صَاحب التَّلْخِيص وَغَيره وَالْخلاف فِي حق غَيره .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَى الْمزْدَلِفَة فَجمع (بهَا) بَين الْمغرب وَالْعشَاء . هَذَا الحَدِيث وجدتُه فِي المبيضة من هَذَا (الْكتاب) ، وَلم أره (الْآن) فِي الرَّافِعِيّ ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَأُسَامَة بن زيد ، (و) رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : لمَّا قَدِم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَكَّة لعُمرة الزِّيَارَة ؛ قَالَت قُرَيْش : إِن أَصْحَاب محمدٍ قد أوهنتهم حمى يثرب . فَأَمرهمْ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالرَّمَل والاضطباع ليري الْمُشْركين قوتَّهم ، فَفَعَلُوا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : قَدِم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وأصحابُه مكةَ وَقد وهنتهم حمى يثرب . فَقَالَ الْمُشْركُونَ : إِنَّه يَقْدُم عَلَيْكُم (غَدا) قوم (قد) وهنتهم الحمَّى ، ولقوا مِنْهَا شدَّة . فجلسوا مِمَّا يَلِي الْحجر ، وَأمرهمْ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن (يرملوا) ثَلَاثَة أَشْوَاط ، ويمشوا مَا بَين (الرُّكْنَيْنِ) ليرَى الْمُشْركُونَ جلدهمْ ، فَقَالَ الْمُشْركُونَ - (زَاد البُخَارِيّ) - : هَؤُلَاءِ الَّذين زعمتم أَن الْحمى قد وهنتهم ، هَؤُلَاءِ أجْلَدُ من كَذَا وَكَذَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس : وَلم يمنعهُ أَن يَأْمُرهُم أَن (يرملوا) الأشواط كلهَا (إِلَّا) الْإِبْقَاء عَلَيْهِم . وَفِي رِوَايَة لَهما : إِنَّمَا سَعَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْبَيْتِ ليرَى الْمُشْركُونَ قوته . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : ( لما) قَدِمَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعامه الَّذِي استأمن فِيهِ ، قَالَ : ارملوا ؛ ليُرِي (الْمُشْركين) قوتهم ، وَالْمُشْرِكُونَ من قبل قعيقعان . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قدم مَكَّة ، فَقَالَ الْمُشْركُونَ : إِن مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه لَا (يَسْتَطِيعُونَ) أَن يطوفوا بِالْبَيْتِ من الهزال . (فَكَانُوا) يحسدونه ، (قَالَ) فَأَمرهمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يرملوا ثَلَاثًا ويمشوا أَرْبعا . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : إِن هَؤُلَاءِ أجلدُ منَّا . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد قَالَ أَبُو الطُّفَيْل : وَأَخْبرنِي ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام فعل ذَلِك فِي حجَّة الْوَدَاع . وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَأطلع الله نَبِيَّهُ عَلَى مَا قَالُوا ؛ فَأَمرهمْ بذلك وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اضطبع ، فاستلم وكبَّر ، ثمَّ رمل ثَلَاثَة أطوافٍ ، فَكَانُوا إِذا بلغُوا الرُّكْن الْيَمَانِيّ وتغيبوا (من) قُرَيْش مَشوا ، ثمَّ يطلعون عَلَيْهِم يرملون ، فَتَقول قُرَيْش : كَأَنَّهُمْ (الغزلان) . قَالَ ابْن عَبَّاس : فَكَانَت سُنَّة . فَائِدَة : الحِجْر السالف فِي الحَدِيث : هُوَ بِكَسْر الْحَاء . وقعيقعان : هُوَ الْجَبَل المطل عَلَى مَكَّة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْخمسين قَالَ الرَّافِعِيّ : وسلكَ الناسُ طريقَ المأْزمين وَهُوَ الطَّرِيق الضيّق بَين الجبلين - اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالصَّحَابَة . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أُسَامَة بن زيد قَالَ : دفع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من عَرَفَة ، حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ نزل فَبَال (ثمَّ) تَوَضَّأ وَلم يسبغ الْوضُوء ، (فَقلت لَهُ) : الصَّلَاة يَا رَسُول الله . فَقَالَ : الصَّلَاة أمامك . وَفِي رِوَايَة لَهما : ردفت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من عَرَفَات ، فَلَمَّا بلغ الشّعب الْأَيْسَر الَّذِي دون الْمزْدَلِفَة أَنَاخَ رَاحِلَته ، فَبَال ثمَّ جَاءَ فصببتُ عَلَيْهِ الْوضُوء فَتَوَضَّأ وضُوءًا خَفِيفًا ، فَقلت : الصَّلَاة يَا رَسُول الله . فَقَالَ : الصَّلَاة أمامك . ترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : من اسْتحبَّ سلوك طَرِيق المأْزمين دون (طَرِيق) ضبٍّ . والمأْزم : بِهَمْزَة بعد الْمِيم ، وَكسر الزَّاي ، وَقد فسَّرَهُ الرَّافِعِيّ (كَمَا سلف) .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين عَن عبد الله بن السَّائِب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) ( أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) كَانَ يَقُول فِي ابْتِدَاء الطّواف : بِسم الله واللَّهُ أكبر ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بك ، وَتَصْدِيقًا بكتابك ، ووفاءً بعهدك ، واتباعًا لسنَّة نبيك مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم . هَذَا الحَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه ، لَا يحضرني من خرجه مَرْفُوعا بعد الْبَحْث عَنهُ ، (وَذكره) صَاحب المهذَّب من رِوَايَة جَابر ، (وَلم يعزه الْمُنْذِرِيّ ، وَلَا النَّوَوِيّ فِي شَرحه ، وَلَا صَاحب الإِمَام ، وَرَوَاهُ ابْن نَاجِية ) فِي فَوَائده بِإِسْنَاد غَرِيب (عَنهُ) ؛ رَوَاهُ عَن صباح بن مَرْوَان أبي سهل ، نَا عبد الله بن سِنَان الزُّهْرِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن مُحَمَّد بن عليّ بن حُسَيْن ، عَن جَابر بن عبد الله : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَضَى إِلَى الرُّكْن الَّذِي فِيهِ الْحجر ، وكبَّر (فاستلم) ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ وَفَاء بعهدك ، وَتَصْدِيقًا بكتابك . قَالَ جَابر : وأمرنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن (نقُول) : وَاتِّبَاع سنَّة نبيك . قَالَ ابْن عَسَاكِر فِي تَخْرِيجه لأحاديث المهذَّب : هَذَا مُخْتَصر من حَدِيث جَابر فِي الْمَنَاسِك ، وَهُوَ غَرِيب من هَذَا الْوَجْه وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَفِي كتاب (الْقرى) لِلْحَافِظِ محب الدَّين الطَّبَرِيّ أَن الشَّافِعِي أخرج عَن (سعيد بن سَالم ، عَن) ابْن أبي نجيح قَالَ : أُخْبرت أَن بعض أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يَا رَسُول الله ، كَيفَ نقُول إِذا استلمنا ؟ قَالَ : قُولُوا : بِسم الله ، واللَّهُ أكبر ، إِيمَانًا بِاللَّه ، وَتَصْدِيقًا لإجابة محمدٍ صلى الله عليه وسلم . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ عَن عليّ مَوْقُوفا : أَنه كَانَ إِذا (مَرَّ) بِالْحجرِ الْأسود فَرَأَى عَلَيْهِ زحامًا استقبله وكبَّر ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ تَصْدِيقًا بكتابك وَسنة نبيك صلى الله عليه وسلم . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول إِذا اسْتَلم الْحجر : اللَّهُمَّ إِيمَانًا بك ، وَتَصْدِيقًا (بكتابك) ، واتباعًا لسنَّة نبيك مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم . ومدارها وَالَّتِي قبلهَا عَلَى الْحَارِث الْأَعْوَر ، وحالته سلفت . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل ، عَن ابْن (عُليَّة) عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَنه كَانَ إِذا اسْتَلم الْحجر قَالَ : بِسم الله ، وَالله أكبر . وَهَذَا إِسْنَاد جيد ، وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه أطول من هَذَا ، وَهَذَا لَفظه : كَانَ ابْن عمر إِذا أَرَادَ أَن يسْتَلم يَقُول : اللَّهُمَّ إِيمَانًا بك ، وَتَصْدِيقًا بكتابك وسنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم ( . ثمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يستلمه . وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن (مهَاجر ) عَن نَافِع ، قَالَ البُخَارِيّ : لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه . وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : يَا عمر ، إِنَّك رجل قوي ، لَا تُزاحم عَلَى الْحجر فتؤذي الضَّعِيف ، إِن وجدت خلْوَة فاستلمه ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبلهُ وهلِّل وكبِّر . وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اضطبع ، فاستلم وكبَّر ، ثمَّ رمل ثَلَاثَة أطواف . وَاعْلَم أَن الرافعَّي رَحِمَهُ اللَّهُ بعد أَن ذكر أنواعًا من الْأَدْعِيَة قَالَ : وَلَا بَأْس بِقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الطّواف ، بل هِيَ أفضل من الدُّعَاء (الَّذِي) لم يُؤثر ، وَالدُّعَاء الْمسنون أفضل مِنْهَا تأسيًا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا كَلَامه ، وَأَشَارَ (إِلَى الْأَحَادِيث) الْوَارِدَة فِي الْأَدْعِيَة فِي الطَّواف ، وأمثلها حَدِيث عبد الله بن السَّائِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول فِي الطّواف مَا بَين الرُّكْنَيْنِ : ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه كَذَلِك ، والنسائيُّ وَقَالَ : بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْحجر وابنُ حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : بَين ركن بني جمح والركن الْأسود وأحمدُ فِي مُسْنده كَذَلِك ، وَكَذَا الشَّافِعِي ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد كَالنَّسَائِيِّ ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَقَالَ فِي كتاب التَّفْسِير من مُسْتَدْركه : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله قَالَ أبي : هَكَذَا صَوَاب هَذَا الحَدِيث : عبد الله بن السَّائِب . وَأَخْطَأ أَبُو نعيم فَقَالَ : السَّائِب بن عبد الله . وَقَالَ البخاريُّ أَيْضا فِي تَارِيخه : إِنَّه وهْم . وَأما ابْن الْقطَّان فَإِنَّهُ أَعَلَّه بِأَن قَالَ : رَوَاهُ يَحْيَى بن عبيد ، عَن أَبِيه ، عَن (عبد الله) بن السَّائِب ، (ووالد) هَذَا لَا يُعرف لَهُ حَال ، وَلَا يُعرف (بِغَيْر) رِوَايَة ابْنه يَحْيَى عَنهُ ، وَابْنه يَحْيَى أَيْضا لَا يُعرف رَوَى عَنهُ غيرُ ابْن جريج ، وَلَكِن قد قَالَ فِيهِ النسائيُّ : إِنَّه ثِقَة . فاللَّهُ أعلم إِن كَانَ كَذَلِك ، فَإِن تَعْدِيل غير المعاصر وتجريحه فِيهِ نظر . هَذَا كَلَامه ، و عبيد ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَكَذَا وَلَده وَقَوله : إِن يَحْيَى لَا يعرف رَوَى عَنهُ غير ابْن جريج لَيْسَ كَمَا (ذكر) ؛ فقد رَوَى عَنهُ أَيْضا وَاصل مولَى (أبي) عُيَيْنَة ، ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته فِي تَرْجَمَة يَحْيَى (وَأخرج حَدِيثه ) ، وَقد صحَّح ابنُ الْقطَّان غير مَا حديثٍ ضعفها أَبُو مُحَمَّد ، وَاعْتمد فِي تصحيحها عَلَى تَوْثِيق غير المعاصر : مِنْهَا : حَدِيث جسرة بنت دجَاجَة الراوية عَن عَائِشَة حَدِيث لَا أُحل المسجدَ لحائضٍ وَلَا جُنُب السالف فِي الغُسل ، ردَّ عبدُ الْحق حَدِيثهَا ، وصحَّحَه ابنُ الْقطَّان لقَوْل الْعجلِيّ : إِنَّهَا تابعية ثِقَة . وَمِنْهَا : حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء بَين الرُّكْنَيْنِ : اللَّهُمَّ (قَنِّعْنِي) بِمَا رزقتني ، وَبَارك (لي فِيهِ) ، واخلف عليَّ كل غائبةٍ لي بخيرٍ . رَوَاهُ ابْن (مَاجَه) ، وَالْحَاكِم ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، فَإِنَّهُمَا لم يحْتَجَّا بِسَعِيد بن زيد أخي حَمَّاد بن زيد . قلت : (قد) احْتج بِهِ مُسلم ، ووثَّقه البخاريُّ عَلَى مَا نَقله ( ابْن) الجوزيّ عَنهُ ، وَوَثَّقَهُ أَيْضا غير البخاريّ ، وَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِهِ بَأْس . (نعم) ضعَّفَه يَحْيَى الْقطَّان ، وَقَالَ السعديُّ : يضعفون حَدِيثه وَلَيْسَ بحُجة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَمِنْهَا : حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من طَاف بِالْبَيْتِ سبعا وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بسبحان الله ، وَالْحَمْد لله ، وَلَا إِلَه إِلَّا الله ، وَالله أكبر ، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ، مُحِيَتْ عَنهُ عشرُ سيئات ، وكتبتْ لَهُ عشر حسناتٍ ، وَرفعت لَهُ (بهَا) عشر درجاتٍ ، وَمن طَاف فَتكلم فِي تِلْكَ الْحَال خَاضَ فِي الرَّحْمَة بِرجْليه (كخائض المَاء برجليه ) . رَوَاهُ ابْن مَاجَه بإسنادٍ ضَعِيف ، كَمَا أوضحته فِي تخريجي لأحاديث المهذَّب ، وَفِي أوَّله : ( وكِّلَ) بِهِ - يَعْنِي : الرُّكْن الْيَمَانِيّ - (سَبْعُونَ) ملكا ، فَمن قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْعَفو والعافية فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ، وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة ، وقِنَا عَذَاب (النَّار) قَالُوا : آمين .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْخمسين قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْحَج عَرَفَة ، فَمن أدْرك عَرَفَة فقد أدْرك الْحَج . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن يعمر (الدِّيليِّ ) قَالَ : شهِدت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَات ، وَأَتَاهُ نَاس من أهل نجد ، فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، كَيفَ الْحَج ؟ فَقَالَ : الْحَج عَرَفَة ، من جَاءَ قبل صَلَاة الْفجْر من لَيْلَة جمع فقد تمّ حجه ، وَأَيَّام منى ثَلَاثَة أَيَّام ، فَمن تعجل فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ، وَمن تَأَخّر فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ، وَأَرْدَفَ رجلا خَلفه فَجعل يُنَادي بِهن هَذَا لفظ أَحْمد . وَلَفظ أبي دَاوُد : فجَاء نَاس - أَو نفر - من أهل نجد ، فَأمروا رجلا فَنَادَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كَيفَ الْحَج ؟ فَأمر رجلا فَنَادَى : الْحَج يَوْم عَرَفَة ، وَمن جَاءَ قبل (صَلَاة) الصُّبْح من لَيْلَة جمع يتم حجه . وَفِي رِوَايَة لَهُ : الْحَج عَرَفَات ، (الْحَج عَرَفَات) ، أَيَّام منى ثَلَاث . إِلَى قَوْله : فَلَا إِثْم عَلَيْهِ ، وَمن أدْرك عَرَفَة قبل أَن يطلع الْفجْر فقد أدْرك الْحَج . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ : الْحَج عَرَفَة وَالْبَاقِي بِنَحْوِهِ ، وَفِي لفظ للنسائي : الْحَج عَرَفَة ، فَمن أدْرك عَرَفَة قبل طُلُوع الْفجْر من لَيْلَة جمع فقد تمّ حجه . وَلَفظ ابْن مَاجَه كَلَفْظِ أَحْمد ، وَلَفظ ابْن حبَان : الْحَج عَرَفَات ، فَمن أدْرك عَرَفَة لَيْلَة جمع قبل أَن يطلع الْفجْر فقد أدْرك ، أَيَّام منى إِلَى قَوْله : فَلَا إِثْم عَلَيْهِ . وَلَفظ الْحَاكِم كَلَفْظِ ت س وَلَفظه فِي كتاب التَّفْسِير : الْحَج عَرَفَة - (أَو عَرَفَات) - فَمن أدْرك عَرَفَة قبل طُلُوع الْفجْر فقد أدْرك الْحَج ، أَيَّام منى ثَلَاث بِمثل رِوَايَة ابْن حبَان . وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ : الْحَج عَرَفَات ، الْحَج عَرَفَات ، فَمن أدْرك لَيْلَة جمع قبل أَن يطلع الْفجْر فقد أدْرك . وَالْبَاقِي بِمثلِهِ . وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ : الْحَج عَرَفَة ، (الْحَج عَرَفَة) ، من أدْرك عَرَفَة قبل طُلُوع الْفجْر فِي يَوْم النَّحْر فقد تمّ حجه ، أَيَّام منى ثَلَاثَة الحَدِيث . قَالَ التِّرْمِذِيّ : قَالَ سُفْيَان ابن عُيَيْنَة : هَذَا أَجود حَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ . وَفِي ابْن مَاجَه : قَالَ مُحَمَّد بن يَحْيَى : مَا أرَى (للثوري) حَدِيثا أشرف مِنْهُ . وَفِي التِّرْمِذِيّ (عَن) وَكِيع أَن هَذَا الحَدِيث أُمّ الْمَنَاسِك . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَالْعَمَل (عَلَى هَذَا الحَدِيث) عِنْد أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَغَيرهم . وَقَالَ (ابْن حبَان) وَالْبَيْهَقِيّ : قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة : قلت لِسُفْيَان الثَّوْريّ : لَيْسَ عنْدكُمْ بِالْكُوفَةِ [ حَدِيث ] أحسن وَلَا أشرف من هَذَا . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا (حَدِيث) صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . ذكره فِي أثْنَاء تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة من مُسْتَدْركه . فَائِدَة : عبد الرَّحْمَن هَذَا لَهُ صُحْبَة ، بكري ، ديلي - بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْمُثَنَّاة تَحت - وَقَالَ ابْن [ معن ] فِي تنقيبه : هُوَ بِكَسْر الدَّال وهمز الْيَاء وَفتحهَا ، وَأَبوهُ يَعْمر ، بِفَتْح الْمُثَنَّاة تَحت ، وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ، وَفتح الْمِيم وَضمّهَا ، ثمَّ رَاء مُهْملَة . وَذكر أَبُو عمر بن عبد الْبر : أَنه لم يرو عَنهُ غير هَذَا الحَدِيث . قلت : أخرج لَهُ ت ق ن حَدِيثا آخر فِي النَّهْي عَن الدُّبَّاء والحنتم ، وَذكر أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي مُعْجم الصَّحَابَة أَنه رَوَى حديثين ، وَذكر هذَيْن . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة : رَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن شاهين فِي مُعْجم الصَّحَابَة وَقَالَ : عَن أبي الْأسود الديلِي بدل عبد الرَّحْمَن بن يعمر الديلِي ، وَهُوَ خطأ ، لَا مدْخل لأبي الْأسود فِي هَذَا الحَدِيث .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث : قَالَ الرَّافِعِيّ فِي آخر الْفَصْل الْمَعْقُود للسعي : وَجَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من وظائف السَّعْي ، (قولا وفعلاً) أَي : من التهليل وَالتَّكْبِير (مِمَّا) يَقُوله عَلَى الصَّفَا ، والرقي عَلَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْت ، وَالْمَشْي بَينه وَبَين الصَّفَا والمروة ، (وَالْمَشْي) فِي الْبَعْض ، (والعدو) فِي الْبَعْض ، وَالدُّعَاء فِي السَّعْي مَشْهُور فِي الْأَخْبَار . هَذَا كَلَامه أما مَا (يَقُوله) عَلَى الصَّفَا من التهليل وَالتَّكْبِير فقد سلف فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل بِنَحْوِهِ ، وَفِيه أَيْضا : أَنه رقى عَلَى الصَّفَا حَتَّى (رَأَى) الْبَيْت ، وَفِيه الْمَشْي بَين الصَّفَا والمروة فِي بعضه ، (والعدو) فِي الْبَاقِي أَيْضا . وَأما الدُّعَاء فِي السَّعْي بـ : اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ ، وَتجَاوز عمّا تعلم ، إِنَّك أَنْت الْأَعَز الأكرم فَذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه ، وَالرُّويَانِيّ فِي بحره من غير تعْيين راو كَمَا فعل الرَّافِعِيّ ، وَذكره صَاحب الْمُهَذّب من حَدِيث صَفِيَّة بنت شيبَة عَن امْرَأَة من بني نَوْفَل : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول بَين الصَّفَا والمروة : رب اغْفِر وَارْحَمْ ، إِنَّك أَنْت الْأَعَز الأكرم . وبيَّض لَهُ الْمُنْذِرِيّ ، وَلم يعزه النَّوَوِيّ ، وَعَزاهُ الْمُحب فِي أَحْكَامه إِلَى المُلا فِي سيرته ، وَهَذَا لَفظه : (عَن) امْرَأَة من بني نَوْفَل . إِلَى آخر مَا ذكره الشَّيْخ سَوَاء ، وَعَن أُمِّ سَلمَة قَالَت : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول فِي سَعْيه : رب اغْفِر وَارْحَمْ ، واهد السَّبِيل الأقوم . ثمَّ قَالَ : أخرجهَا المُلا فِي سيرته ، وَهُوَ فِي الْبَيْهَقِيّ من فعل ابْن مَسْعُود وَابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، أما أثر ابْن مَسْعُود ؛ فَرَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن مَنْصُور ، (عَن) أبي وَائِل ، عَن مَسْرُوق عَنهُ : أَنه لمَّا هَبَط إِلَى الْوَادي سَعَى ؛ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ (وَأَنت) الْأَعَز الأكرم . وَرَوَاهُ أَبُو بكر الشَّافِعِي فِي الْجُزْء التَّاسِع من جملَة أَحَادِيث رَوَاهَا إِسْحَاق عَن أبي حُذَيْفَة ، عَن سُفْيَان ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي وَائِل ، عَن مَسْرُوق ، عَن عبد الله أَنه قَالَ : إِذا أتيت عَلَى بطن المسيل فَقل : رب اغْفِر وَارْحَمْ ، وَأَنت الْأَعَز الأكرم . وَفِي نُسْخَة : إِنَّك أَنْت ، وَلما ذكره الْبَيْهَقِيّ كَمَا مَضَى قَالَ : هَذَا أصح الرِّوَايَات فِي ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود . (وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى تَضْعِيف مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي كتاب الدُّعَاء من حَدِيث لَيْث بن أبي سليم ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَلْقَمَة ، عَن ابْن مَسْعُود ) : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا سَعَى بَين الصَّفَا والمروة فِي بطن المسيل قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ ، وَأَنت الْأَعَز الأكرم . وَهُوَ كَذَلِك ؛ فَإِن لَيْث بن أبي سليم قد ضُعِّف ، وَأما إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَادَّعَى فِي نهايته : أَنه صَحَّ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول فِي سَعْيه : اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ ، واعف (عَمَّا) تعلم ، وَأَنت الْأَعَز الأكرم ، ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . وَأما أثر ابْن عمر ؛ (فَرَوَاهُ) من طَرِيق زُهَيْر ، نَا أَبُو إِسْحَاق قَالَ : سَمِعت ابْن عمر يَقُول بَين الصَّفَا والمروة : رب اغْفِر وَارْحَمْ ، وَأَنت - أَو : إِنَّك - الْأَعَز الأكرم .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ( عَرَفَة كلهَا موقف . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : نحرت هَاهُنَا وَمنى كلهَا منحر ، فَانْحَرُوا فِي رحالكُمْ ، ووقفت هَاهُنَا وعرفة كلهَا موقف ، ووقفت هَاهُنَا وَجمع كلهَا موقف . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَلّي مَرْفُوعا : عَرَفَة كلهَا موقف ، وَجمع كلهَا موقف ، وَمنى كلهَا منحر . فَائِدَة : جمع ، والمشعر الْحَرَام ، والمزدلفة ، ثَلَاثَة أَسمَاء لموْضِع وَاحِد . قَالَه ابْن عبد الْبر .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين عَن أبي الطُّفَيْل رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يطوف بِالْبَيْتِ عَلَى بعيرٍ ، ويستلم (الرُّكْن) بمحجنٍ ، وَيقبل المحجن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم ، وَقد سبق بِلَفْظِهِ قَرِيبا ، وَلم أر فِيهِ ذكر الْبَعِير . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد (بِهِ) ، وَهَذَا لَفظه عَن أبي الطُّفَيْل : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يطوف بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَته ، (و) يسْتَلم (الرُّكْن) بِمِحْجَنِهِ ، ثمَّ يقبّله . وَفِي رِوَايَة لَهُ : ثمَّ خرج (إِلَى) الصَّفَا والمروة فَطَافَ (سبعا) عَلَى رَاحِلَته . فَائِدَة : المِحْجَن - بميم مَكْسُورَة ، ثمَّ حاء مُهْملَة ، ثمَّ جِيم مَفْتُوحَة ، ثمَّ نون - عَصَى معقفةُ الرأسِ .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْخمسين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عَرَفَة كلهَا (موقف) ، وارتفعوا عَن وَادي عُرَنَة . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا : عَن جَابر مَرْفُوعا ، إِلَّا أَنه قَالَ : عَن بطن عُرَنَة بدل وَادي عُرَنَة وَزِيَادَة : وَكَذَلِكَ الْمزْدَلِفَة موقف ، وارتفعوا عَن بطن محسر ، وكل منى منحر إِلَّا مَا (وَرَاء) الْعقبَة . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، وَإِسْنَاده ضَعِيف بِسَبَب الْقَاسِم بن عبد الله الْعمريّ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده فَإِنَّهُ واهٍ ، قَالَ أَحْمد : كَانَ يكذب ، وَيَضَع الحَدِيث ، ترك النَّاس حَدِيثه . ثَانِيهَا : عَن ابْن الْمُنْكَدر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : عَرَفَة كلهَا موقف ، وارتفعوا عَن عُرَنَة ، والمزدلفة كلهَا موقف ، وارتفعوا عَن محسر . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب بن عَطاء ، قَالَ ابْن جريج : (وَأَخْبرنِي) مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر . فَذكره ، وَهُوَ مُرْسل ، (وَيَأْتِي) مَوْصُولا من طَرِيقه عَن أبي هُرَيْرَة . ثَالِثهَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ( ارْفَعُوا) عَن بطن عُرَنَة ، و (ارْفَعُوا) عَن بطن محسر . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ : وَله شَاهد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ إِلَّا أَن فِيهِ تقصيرًا فِي سَنَده . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس (قَالَ) : كَانَ يُقَال : ارتفعوا عَن محسر ، وارتفعوا عَن عرنات أما قَوْله : (العرنات) فالوقوف [ بعرنة ] (أَي) لَا تقفوا (بعرنة) . وَأما قَوْله : عَن محسر فالنزول (بِجمع) أَن لَا تنزلوا محسرًا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن شَيْخه الْحَاكِم مَرْفُوعا وموقوفًا ، وَاعْترض النَّوَوِيّ عَلَى الْحَاكِم فِي تَصْحِيحه وَأَنه عَلَى شَرط مُسلم ؛ فَقَالَ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرط مُسلم ، وَلَا إِسْنَاده صَحِيحا ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة مُحَمَّد بن (كثير ) وَلم يرو لَهُ مُسلم ، وَقد ضعفه جُمْهُور الْأَئِمَّة . قلت : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من طَرِيق أُخْرَى ، لَكِنَّهَا ضَعِيفَة ، رَوَاهُ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي - وَهُوَ تَالِف ، قَالَ خ : مُنكر الحَدِيث - عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : عَرَفَة كلهَا موقف ، (وارتفعوا) عَن بطن عُرَنَة ، ومزدلفة كلهَا موقف ، (وارتفعوا) عَن بطن محسر . وَعَزاهُ عبد الْحق من رِوَايَة ابْن عَبَّاس إِلَى الطَّحَاوِيّ بِلَفْظ : عَرَفَة كلهَا موقف ، وارتفعوا عَن بطن عُرَنَة ، ومزدلفة كلهَا موقف ، وارتفعوا عَن بطن محسر ، وشعاب منى كلهَا منحر زَاد ابْن وهب : وَمن جَازَ عَرَفَة قبل أَن تغيب الشَّمْس فَلَا حج لَهُ . رَابِعهَا : عَن مَالك : أَنه بلغه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عَرَفَة كلهَا موقف ، وارتفعوا عَن بطن عُرَنَة ، والمزدلفة كلهَا موقف ، وارتفعوا عَن بطن محسر . كَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ ، قَالَ ابْن عبد الْبر : هَذَا الحَدِيث يرْوَى من حَدِيث عَلّي وَابْن عَبَّاس ، وأكثرها لَيْسَ فِيهِ ذكر بطن عُرَنَة ، واستثناؤه صَحِيح عِنْد الْفُقَهَاء ، ومحفوظ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، ذكره عبد الرَّزَّاق عَن معمر ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن (أبي) هُرَيْرَة . خَامِسهَا : عَن حبيب بن (خماشة ) قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : عَرَفَة كلهَا موقف إِلَّا بطن عُرَنَة ، والمزدلفة كلهَا موقف إِلَّا بطن محسر . رَوَاهُ ابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة : عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن آدم الشَّاشِي ، ثَنَا أَحْمد بن جَعْفَر بن سلم الْجمال ، نَا مُحَمَّد بن عمر بن وَاقد ، نَا صَالح بن خَوات ، عَن يزِيد بن رُومَان ، عَن حبيب بن عُمَيْر ، عَن حبيب بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو نعيم أَيْضا فِي معرفَة الصَّحَابَة عَن أبي بكر بن خَلاد ، نَا الْحَارِث بن أبي أُسَامَة ، نَا مُحَمَّد بن عمر بِهِ سَوَاء ، وَزَاد : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ذَلِك بِعَرَفَة . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مُعْجم الصَّحَابَة : حبيب هَذَا أوسي خطمي ، لَهُ هَذَا الحَدِيث الْغَرِيب . وَقَالَ بعد ذَلِك : حبيب بن عَمْرو ذكره عَبْدَانِ . وسَاق حَدِيثا عَن أبي جَعْفَر الخطمي عَنهُ (ثمَّ قَالَ : حبيب بن عُمَيْر) الخطمي سَاق لَهُ عَبْدَانِ عَن أبي جَعْفَر الخطمي عَن جدّه حبيب ، وَهُوَ الأول ، وَهُوَ حَدِيث ابْن (خماشة) الخطمي ، إِذْ الرَّاوِي عَنْهُم وَاحِد . قلت : وَمُحَمّد بن عمر (بن) وَاقد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده وَضاع . سادسها : عَن عَمْرو بن شُعَيْب وَسَلَمَة بن كهيل أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : هَذَا الْموقف ، وكل عَرَفَة موقف ، وارتفعوا عَن بطن عُرَنَة ، (وَمن) جَازَ بطن عُرَنَة قبل أَن تغيب الشَّمْس فَعَلَيهِ حج قَابل . رَوَاهُ ابْن وهب فِي موطئِهِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْن الْقطَّان وَغَيره عَنهُ ، عَن يزِيد بن عِيَاض ، عَن إِسْحَاق بن عبد الله ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب بِهِ ، وَأعله عبد الْحق بـ يزِيد هَذَا ، وَقَالَ : إِنَّه مَتْرُوك . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَابْن الْقطَّان بـ إِسْحَاق هَذَا ، وَقَالَ : إِنَّه ابْن أبي فَرْوَة ، وَهُوَ مُتَّهم بِالْكَذِبِ ، وَكَذَا يزِيد ابن عِيَاض . سابعها - وَكَانَ يتَعَيَّن تَقْدِيمهَا - : عَن جُبَير بن مطعم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كل عَرَفَات موقف ، (وَارْفَعُوا) عَن (عُرَنَة ، وكل مُزْدَلِفَة موقف ، وارتفعوا عَن) محسر ، وكل فجاج منى منحر ، وَفِي كل أَيَّام التَّشْرِيق ذبح . رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه عَن أَحْمد بن الْحسن بن عبد الْجَبَّار الصُّوفِي ، عَن أبي نصر التمار ، عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز ، عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن ، عَن جُبَير بِهِ . واحتجَّ بِهِ ابْن حزم فِي محلاه ؛ فَأخْرجهُ من حَدِيث سُلَيْمَان بِهِ بِلَفْظ : كل عَرَفَات موقف ، وَارْفَعُوا عَن بطن عُرَنَة ، والمزدلفة كُله موقف ، وَارْفَعُوا عَن بطن محسر . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي الْأَضَاحِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : رَوَاهُ سُلَيْمَان ابن مُوسَى عَن جُبَير بن مطعم ، وَهُوَ الصَّحِيح ، وَهُوَ مُرْسل بِإِسْقَاط عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن . قلت : وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ، و(أخرجه) الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان أَيْضا عَن نَافِع بن جُبَير عَن أَبِيه مَرْفُوعا : كل عَرَفَة موقف ، وَارْفَعُوا عَن عُرَنَة ، وكل مُزْدَلِفَة موقف وَارْفَعُوا عَن بطن محسر . تَنْبِيه : عُرَنة : بِضَم أَوله و (فتح) ثَانِيه ثمَّ نون ثمَّ هَاء ، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه قَالَ : وَهُوَ وَادي عُرَنَة ، قَالَ : وَالْفُقَهَاء (يَقُولُونَهُ) بِضَم الرَّاء وَهُوَ خطأ . قَالَ : وَذكر أَبُو بكر (عُرَنَة) بِضَم أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه ، مَوضِع ، وَلم يُحَدِّده وَأرَاهُ غير الَّذِي بِعَرَفَة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يسْتَلم الرُّكْن الْيَمَانِيّ والحَجَرَ الْأسود فِي كل طوفةٍ ، وَلَا يسْتَلم الرُّكْنَيْنِ اللَّذين يليان الْحجر . هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه ، وَلَفظ البُخَارِيّ : لم أَرَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يسْتَلم من الْبَيْت إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليمانيين . وَلَفظ مُسلم : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يسْتَلم إِلَّا الحَجَرَ والركنَ الْيَمَانِيّ . وَفِي رِوَايَة لَهما : قَالَ ابْن عمر : مَا تركتُ استلام هذَيْن الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيّ وَالْحجر الْأسود مُنْذُ رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يستلمهما بِيَدِهِ . وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا عَنهُ أَنه قَالَ حِين بلغه حَدِيث عَائِشَة السَّابِق لَوْلَا أَن قَوْمك حَدِيث عهدٍ بكفرٍ . الحَدِيث ، قَالَ ابْن عمر : لَئِن كَانَت عَائِشَة سَمِعت هَذَا من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا أرَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ترك استلام الرُّكْنَيْنِ اللَّذين يليان الحَجَرَ ، إلَّا أَن الْبَيْت لم يتم عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم . وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنهُ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يسْتَلم الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْحجر فِي كل طوفةٍ ، وَكَانَ عبد الله بْنُ عمر يَفْعَله . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاد حسن . وَأخرج الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حجاج عَن عَطاء وَابْن أبي مُليكة وَعَن نَافِع عَن ابْن عمر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين دخل مَكَّة اسْتَلم الْحجر الْأسود والركن الْيَمَانِيّ ، وَلم يسْتَلم (غَيرهمَا) من الْأَركان .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْخمسين عَن ( عُرْوَة) بن مضرِّس الطَّائِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من صَلَّى مَعنا هَذِه الصَّلَاة - يَعْنِي : الصُّبْح يَوْم النَّحْر - وَأَتَى عَرَفَات قبل ذَلِك لَيْلًا أَو نَهَارا فقد تمّ حجه ، وَقَضَى تفثه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْأَئِمَّة : أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه . وَلَفظ أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ : عَن عُرْوَة بن مُضرس قَالَ : أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حِين أَقَامَ الصَّلَاة (بالموقف) - يعْنى : بِجمع - فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي جِئْت من جبلي طَيئ ، أكللت راحتي - وَلَفظ د ن : مطيتي - وأتعبت نَفسِي ، وَالله يَا رَسُول الله ، مَا تركت من حَبْل - وَفِي لفظ : من جَبَل - إِلَّا (وقفت) عَلَيْهِ ؛ فَهَل لي من حج ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من شهد صَلَاتنَا هَذِه ، ووقف مَعنا حَتَّى ندفع وَقد وقف بِعَرَفَة قبل ذَلِك لَيْلًا أَو نَهَارا فقد تمّ حجه وَقَضَى تفثه وَلَفظ أَحْمد نَحْو هَذَا ، وَفِي رِوَايَة للنسائي رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ ، فَقَالَ : من صَلَّى مَعنا صَلَاتنَا هَذِه هَاهُنَا ، ثمَّ أَقَامَ مَعنا وَقد وقف قبل ذَلِك بِعَرَفَة لَيْلًا أَو نَهَارًا فقد تمّ حجه . وَفِي رِوَايَة لَهُ : من أدْرك جمعا مَعَ الإِمَام وَالنَّاس حَتَّى يفِيض (مِنْهَا) فقد أدْرك الْحَج ، وَمن لم يدْرك مَعَ النَّاس وَالْإِمَام فَلم (يُدْرِكهُ) . وَلَفظ ابْن مَاجَه عَن عُرْوَة : أَنه حج عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يدْرك النَّاس إِلَّا وهم بِجمع ، قَالَ : فَأتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقلت : يَا رَسُول الله ، أنصبت رَاحِلَتي وأتعبت نَفسِي ، وَالله مَا تركت من جبل إِلَّا وقفت عَلَيْهِ ؛ فَهَل لي من حج ؟ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : من شهد (مَعنا) الصَّلَاة ، وأفاض من عَرَفَات لَيْلًا أَو نَهَارا فقد قَضَى تفثه وَتمّ حجه وَلَفظ ابْن حبَان : أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ بجمْع ، فَقلت : هَل (عَلّي) من حج ؟ قَالَ : من شهد مَعنا هَذَا الْموقف حَتَّى يفِيض ، وَقد أَفَاضَ قبل ذَلِك من عَرَفَات لَيْلًا أَو نَهَارا فقد تمّ حجه وَقَضَى تفثه . وَفِي لفظ (لَهُ) : وَهُوَ وَاقِف بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَالَ : من صَلَّى صَلَاتنَا هَذِه ، ثمَّ أَقَامَ مَعنا وَقد وقف قبل ذَلِك بِعَرَفَة لَيْلًا أَو نَهَارا ، فقد تمّ حجه . وَلَفظ الْحَاكِم : أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ بِجمع ، فَقلت : هَل لي من حج ؟ فَقَالَ : من صَلَّى مَعنا هَذِه الصَّلَاة بِهَذَا الْمَكَان ، ثمَّ وقف مَعنا هَذَا الْموقف حَتَّى يفِيض الإِمَام قبل ذَلِك من عَرَفَات لَيْلًا أَو نَهَارا فقد تمّ حجه وَقَضَى تفثه . وَفِي رِوَايَتَيْنِ لَهُ نَحْو هَذِه . وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ : من صَلَّى مَعنا صَلَاة الْغَدَاة ، ووقف هَاهُنَا حَتَّى نفيض ، وَقد (أُتِي) عَرَفَات قبل ذَلِك لَيْلًا (أَو) نَهَارا فقد تمّ حجه وَقَضَى تفثه . وَفِي رِوَايَة لَهُ : من وقف مَعنا بِعَرَفَة فقد تمّ حجه وَفِي رِوَايَة لأبي يعْلى فِي مُسْنده : ومَنْ لم يدْرك جمْعًا فَلَا حج لَهُ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عِنْد كَافَّة أَئِمَّة الحَدِيث ، وَهُوَ قَاعِدَة من قَوَاعِد الْإِسْلَام ، وَقد أمسك عَن إِخْرَاجه الشَّيْخَانِ عَلَى أَصلهمَا أَن عُرْوَة بن مُضرس لم يحدِّث عَنهُ غير عَامر الشّعبِيّ . قَالَ : وَقد وجدنَا عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام حدَّث عَنهُ . (قلت) : وَقد حدَّث عَنهُ أَيْضا غَيرهمَا ، كَمَا ذكرته فِي (كتابي) : الْمقنع فِي عُلُوم الحَدِيث اختصارُ كتاب أبي عَمرو بْنِ الصّلاح ، فراجعْهُ مِنْهُ ، (قَالَ الْحَاكِم) : وتابع (عُرْوَة) بن المضرس فِي رِوَايَة هَذِه السُّنة من الصَّحَابَة : عبدُ الرَّحْمَن بن يعمر الديلِي . ثمَّ ذكر حَدِيثه السالفَ ، وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْمعَافِرِي : هَذَا الحَدِيث من لَوَازِم الصَّحِيحَيْنِ و (إِن) لم يخرجَاهُ . فَائِدَة : عُرْوَة بن مُضرس هَذَا طائي ، وَكَانَ سيدًا فِي قومه يضاهي عديَّ بْنَ حَاتِم فِي الرياسة ، وَكَانَ أَبوهُ مُضَرِّس - بِضَم الْمِيم ، وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَكسر الرَّاء الْمُهْملَة وتشديدها ، ثمَّ سين مُهْملَة - عَظِيم الرياسة أَيْضا ، وجدُّه أَوْس بن حَارِثَة بن لَام ، (وَعُرْوَة) صَحَابِيّ وَشهد مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجَّة الْوَدَاع ، قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : لم يروِ عَنهُ غير الشّعبِيّ . وَقد أسلفنا أَن جمَاعَة رووا عَنهُ أَيْضا غَيره . فَائِدَة ثَانِيَة : الْحَبل - بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة ، وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ، ثمَّ لَام - قَالَ التِّرْمِذِيّ (فِي) جَامعه : الحَبْل - بِالْحَاء - هُوَ مَا كَانَ من رمْلٍ ، فَإِن كَانَ من حِجَارَة يُقَال لَهُ : جبل - يَعْنِي : بِالْجِيم . وَكَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي : يُقَال للرمل المستطيل : حبْل . وَكَذَا قَالَ القَاضِي عِيَاض : الْحَبل - بِالْحَاء الْمُهْملَة - مَا طَال من الرمل وضَخُم ، وَيُقَال : الحبال دون الْجبَال . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السّنَن : الْحَبل - بِالْحَاء الْمُهْملَة - هُوَ المستطيل من الرمل ، وَقيل : مَا ضخم مِنْهُ ، (وَقيل : مَا طَال وضخم) وَقيل : الَّذِي يسلكونه فِي الرمل ، قَالَ : وَهُوَ الْأَشْبَه . فَائِدَة ثَالِثَة : (جبليّ) طَيئ : هما سلْمَى و أجا . قَالَه الْمُنْذِرِيّ . والتفث : بمثناة ثمَّ فَاء ثمَّ مُثَلّثَة ، قَالَ الْأَزْهَرِي : لَا يُعرف من كَلَام الْعَرَب إِلَّا من قَول ابْن عَبَّاس وَأهل التَّفْسِير . قَالَ : وَهُوَ الْأَخْذ من الشَّارِب وقص الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة ، هَذَا عِنْد الْخُرُوج من الْإِحْرَام . وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل : التفث فِي كَلَام الْعَرَب إذهابُ الشَّعَث .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام (لم) يرمل فِي طَوَافه بَعْدَمَا أَفَاضَ . هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يرمل فِي السَّبع الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وقف بعد الزَّوَال . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف لَك فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، وَكَذَا وقف الْخُلَفَاء فَمن بعدهمْ وهلُمَّ جرًّا ، وَمَا نُقِلَ عَن أحدٍ أَنه (وقف) قبل الزَّوَال ، وَأجَاب أَصْحَابنَا عَن حَدِيث عُرْوَة الْمَذْكُور قبله : أَنه مَحْمُول عَلَى مَا بعد الزَّوَال .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ - وَهُوَ يطوف بالركن - : إِنَّمَا أَنْت حَجَر لَا تضر وَلَا تَنْفَع ، وَلَوْلَا أَنِّي رأيتُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقبِّلُك لَمَا قبَّلْتُك ، ثمَّ تقدم فقبَّله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَلَفظ البُخَارِيّ : أَن عمر قبَّل الحَجَرَ وَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلك (مَا) قبَّلْتُك . وَلَفظ مُسلم : عَن ابْن عمر قَالَ : قبَّل عمرُ بْنُ الْخطاب الحَجَرَ ، ثمَّ قَالَ : (أما) واللّهِ لقد علمتُ أَنَّك حَجَر ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقبِّلك مَا قبَّلتك . وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن عبد الله بن سرجس الصحابيِّ قَالَ : رَأَيْت الأَصْلع - يَعْنِي : عمر بن الْخطاب - يُقبِّل الحَجَر وَيَقُول : واللَّهِ (إِنِّي) لأُقَبِّلُك ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَر (وَأَنَّك) لَا تضر وَلَا تَنْفَع ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يقبِّلك) مَا قبَّلتك وَفِي رِوَايَة لَهُ (وللبخاري) عَن عَابس - بِالْبَاء الْمُوَحدَة - ابن ربيعَة التَّابِعِيّ قَالَ : رَأَيْت عمر يُقبِّل الْحجر وَيَقُول : إِنِّي لأقبلك وَإِنِّي لأعْلم أَنَّك حجر ، وَلَوْلَا (أَنِّي) رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقبلك لم أقبلك . وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن سُوَيْد بن غَفلَة - بِفَتْح الْغَيْن وَالْفَاء - قَالَ : ( رَأَيْت عمر قبَّل الحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ ، وَقَالَ) : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بك حفيًّا . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : حجَجنَا مَعَ عمر بن الْخطاب ، فَلَمَّا دخل الطّواف اسْتقْبل الْحجر فَقَالَ : إِنِّي أعلم أَنَّك حجر لَا تضر وَلَا تَنْفَع ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قبَّلك) مَا قبَّلتك . ثمَّ قَبَّله . والْحَدِيث فِيهِ طول ، ذكرتُه برمَّتِهِ فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط ، فراجِعْهُ مِنْهُ . (تَنْبِيه) : إِنَّمَا قَالَ عُمَرُ مَا قَالَ ليسمع ذَلِك الناسُ مِنْهُ ويشيع بَينهم ، وَقد كَانَ عَهْدُ كثيرٍ مِنْهُم قَرِيبا بعبادةِ الْأَحْجَار وتعظيمها ، واعتقاد نَفعهَا وضرها ، فخاف أَن يغتر بَعضهم بذلك فَقَالَ مَا قَالَ .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْخمسين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ترك نُسُكًَا فَعَلَيهِ دم . هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْمَوَاقِيت ، من قَول ابْن عَبَّاس ، وَلَا يُعرف رَفعه .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَدَأَ بالحَجَرِ فاستلمه ، وفاضت عَيناهُ من البُكاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة أبي جَعْفَر محمدِ بن عَلّي بن الْحُسَيْن ، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ : دَخَلنَا مَكَّة عِنْد ارْتِفَاع الضُّحَى ، فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَاب الْمَسْجِد ، فَأَنَاخَ رَاحِلَته ، ثمَّ دخل الْمَسْجِد ، فَبَدَأَ بِالْحجرِ فاستلمه وفاضت عَيناهُ بالبكاء ، ثمَّ رَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا حَتَّى فرغ ، فلمّا فرغ قبَّل الحَجَرَ ، وَوضع يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَمسح بهما وَجهه . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . أَي : فِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق مُتَابعَة لَا اسْتِقْلَالا ، لكنه عنعن فِيهِ وَهُوَ مُدَلّس . قلت : وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عمر ذكرته فِي أَحَادِيث (الْمُهَذّب) .
الحَدِيث السِّتُّونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يَوْم عَرَفَة الْيَوْم الَّذِي يعرف النَّاس فِيهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله كَذَلِك من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ مُرْسل جيد . قلت : وَعبد الْعَزِيز هَذَا ذكره الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة وَقَالَ : أوردهُ ابْن شاهين فِي الصَّحَابَة ، وَقَالَ : كَذَا قَالَ ابْن أبي دَاوُد ، وَقد اختُلف فِيهِ . وَذكره أَبُو نُعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة عبد الله بن خَالِد بن أسيد المخزومي ، من رِوَايَة وَلَده عبد الْعَزِيز (عَنهُ) ، ثمَّ قَالَ : عبد الله فِي صحبته (ورؤيته) نظر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ مَرْفُوعا ، رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ، عَن سُفْيَان ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن عَائِشَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : عَرَفَة يَوْم يعرف الإِمَام ، والأضحى يَوْم يُضحي الإِمَام ، و (الْفطر) يَوْم يفْطر الإِمَام . قَالَ : و(مُحَمَّد) هَذَا يعرف بالفارسي ، وَهُوَ كُوفِي ، قَاضِي فَارس ، تفرد بِهِ عَن سُفْيَان . وَقَالَ فِي خلافياته : مُحَمَّد ابن الْمُنْكَدر عَن عَائِشَة مُرْسل . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مُسلم بن خَالِد الزنْجِي - إِمَام أهل مَكَّة (ومفتيها) - عَن ابْن جريج قَالَ : قلت لعطاء : رجل حجَّ أول مَا حَجَّ فَأَخْطَأَ الناسَ بِيَوْم النَّحْر ، أيجزئ عَنهُ ؟ (قَالَ : نعم أَي لعمري إِنَّهَا لتجزئ عَنهُ) قَالَ - وَأَحْسبهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فطركم يَوْم تفطرون ، وأضحاكم يَوْم تضحون - وَأرَاهُ قَالَ - وعرفة : يَوْم تعرفُون . وَمُسلم هَذَا مُخْتَلف فِيهِ ، وَذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله من حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا : يَوْم النَّحْر يَوْم ينْحَر النَّاس وَالْإِمَام ، وَيَوْم عَرَفَة يَوْم يعرف النَّاس وَالْإِمَام . ثمَّ قَالَ : (وَقْفه) عَلَيْهَا هُوَ الصَّوَاب . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَيْضا بِلَفْظ آخر : الْفطر يَوْم يفْطر النَّاس ، والأضحى يَوْم يُضحي النَّاس . ثمَّ قَالَ : ( حسن صَحِيح ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : الْفطر يَوْم تفطرون ، والأضحى يَوْم تضحون . وَمُحَمّد هَذَا لم يسمع من أبي هُرَيْرَة وَلم يَلْقَه ؛ كَمَا قَالَه ابْن معِين وَأَبُو زُرْعة . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة ( وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة ، وَحسنه مَعَ الغرابة ) وَزَاد فِي أَوله : الصَّوْم يَوْم تصومون .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ الطّواف صَلَاة بالْخبر . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد سلف هَذَا الْخَبَر مَبْسُوطا فِي بَاب الْأَحْدَاث فَليُرَاجع مِنْهُ .
الحَدِيث الحادي بعد السِّتين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : حجُّكم يَوْم تحجون . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من خرَّجه بِهَذَا اللَّفْظ ، ويُغْني عَنهُ الحَدِيث الَّذِي قبله .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - طَاف رَاكِبًا فِي حَجَّة الْوَدَاع . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام طَاف فِي حجَّة الْوَدَاع عَلَى بعيرٍ ، يسْتَلم الركنَ بمحجن . أَخْرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : وَقع ذكر الْبَعِير فِي أبي دَاوُد دون مُسلم ، وَاعْترض بذلك عَلَى عبد الْحق ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ ؛ (فَهِيَ) ثَابِتَة فِيهِ كَمَا فِي البُخَارِيّ أَيْضا وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَنهُ : أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - طَاف بِالْبَيْتِ وَهُوَ عَلَى بعير ، كلما أَتَى عَلَى الرُّكْن أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْء فِي يَده ، وكبَّرَ . (ثَانِيهَا : من) حَدِيث جَابر بْنِ عبد الله قَالَ : طَاف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (بِالْبَيْتِ) فِي حجَّة الْوَدَاع عَلَى (رَاحِلَته) ، يسْتَلم الْحجر بِمِحْجَنِهِ لِأَن يرَاهُ النَّاس ، (وليشرف) ، وليسألوه ؛ فَإِن النَّاس غشوه . رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : وبالصفا والمروة . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ إِلَى قَوْله : بِمِحْجَنِهِ . ثَالِثهَا : من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : طَاف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حجَّة الْوَدَاع حول الْكَعْبَة عَلَى بعير يسْتَلم الركنَ ، كَرَاهِيَة أَن يُصْرَفَ عَنْهُ الناسُ . رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ . رَابِعهَا : من حَدِيث أبي الطُّفَيْل قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يطوف بِالْبَيْتِ ، ويستلم الرُّكْن بمحجن مَعَه ، وَيُقَبِّلُ المحجنَ . رَوَاهُ مُسلم ، وَقد ذكره الرافعيُّ بعد ، قَالَ الرَّافِعِيّ : (وَكَانَ) أَكثر طَوَافه مَاشِيا ، وَإِنَّمَا ركب فِي حجَّة الْوَدَاع ليراه النَّاس فيستفتونه . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد تقدم كَذَلِك فِي حَدِيث جَابر (الطَّوِيل) السالف . وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا طَاف رَاكِبًا لشكوى عرضت لَهُ . فَرَوَاهُ أَحْمد (وَأَبُو دَاوُد) ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة يزِيد بن أبي زِيَاد ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد تفرد بهَا . وَقَالَ الشَّافِعِي : وَلَا (أعلمهُ) اشْتَكَى فِي تِلْكَ الْحجَّة . وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام طَاف رَاكِبًا يَوْم الْفَتْح ، وَهَذَا لَفظه : طَاف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى رَاحِلَته الْقَصْوَاء يَوْم الْفَتْح ، واستلم الرُّكْن بِمِحْجَنِهِ . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل ، وَفِي الْأُم : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام طَاف طواف الْقدوم عَلَى (عقبه) . وَفِي الْمَاوَرْدِيّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام طَاف مرّة فِي عمره طواف الْإِفَاضَة رَاكِبًا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد السِّتين رَوي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَنْ ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة فَلَا حجَّ لَهُ . هَذَا الحَدِيث أَيْضا غَرِيب ، لَا أعلم من خرَّجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح المهذَّب : إِنَّه لَيْسَ بِثَابِت وَلَا مَعْرُوف . قَالَ : وَيُجَاب عَنهُ عَلَى تَقْدِير ثُبُوته أَن المُرَاد : لَا حجَّ كَامِل . وَقَالَ الْحَافِظ محبُّ الدَّين الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه : (لَا) أَدْرِي مِنْ أَيْن أَخذه الرافعيُّ ؟ .
الحَدِيث التَّاسِع عشر ( أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يقْرَأ فِي رَكْعَتي الطّواف فِي الأولَى : ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ( وَفِي الثَّانِيَة : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ؛ رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل كَمَا أسلفناه ، وَرَوَاهُ البيهقيُّ بِلَفْظ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام طافَ بِالْبَيْتِ ، فَرَمَلَ من الحَجَر الْأسود ثَلَاثًا ثمَّ صلّى رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فيهمَا : ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا وجدتُهُ ، وَإسْنَاد هَذِه الرِّوَايَة صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
الحَدِيث الثَّالِث بعد السِّتين أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْحَج عَرَفَة ، فَمَنْ أدْركهَا فقد أدْرك الحجَّ . هَذَا الحَدِيث قد تقدم بَيَانه قَرِيبا وَاضحا .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَدَأَ بالصفا ، وَقَالَ : ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ . هَذَا الحَدِيث سلف عَن صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، لكنه لَفظه : أبدأ عَلَى الْخَبَر . وَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم فِي مستخرجه عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ أَحْمد وَمَالك وسُفْيَان وَابْن الْجَارُود وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِلَفْظ : نبدأ وَكَذَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَرَوَاهُ النسائيُّ فِي سنَنه الْكَبِير بِلَفْظ : ابدءوا كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ ، وَصَححهُ ابْن حزم ، وَاحْتج بِهِ عَلَى وجوب التَّرْتِيب فِي الْوضُوء ، وَقَالَ : هُوَ عُمُوم لَا يجوز أَن يخص مِنْهُ شَيْء . وَقَالَ النَّوَوِيّ : إسنادها عَلَى شَرط مُسلم . وخرّجها الدَّارَقُطْنِيّ من طرق أَيْضا . قَالَ صَاحب (الإِمَام) فِي الْوضُوء : الحَدِيث وَاحِد والمخرج وَاحِد ، (وَقد) اجْتمع مَالك وسُفْيَان وَيَحْيَى بن سعيد ، (عَن) جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر عَلَى صِيغَة نبدأ ، وَرَوَاهُ حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ، عَن جَعْفَر عَلَى صِيغَة الْإِخْبَار إِمَّا بِلَفْظ أبدأ أَو نبدأ .
الحَدِيث الرَّابِع بعد السِّتين أَن سَوْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أفاضتْ فِي النّصْف الْأَخير من مُزْدَلِفَة بِإِذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يأمرها بِالدَّمِ ، وَلَا النَّفَر الَّذين كَانُوا مَعهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : اسْتَأْذَنت سَوْدَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَيْلَة (جمع) ، وَكَانَت ثَقيلَة ثبطة ، فأذِنَ لَهَا . هَذَا لفظ إِحْدَى رواياتهم ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن عَائِشَة قَالَت : كَانَت سَوْدَة امْرَأَة ضخمة ثبطة ؛ فاستأذنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَن تفيض من جمع بلَيْل ، فَأذن لَهَا ، قَالَت عَائِشَة : فليتني كنت اسْتَأْذَنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) (كَمَا استأذنتْهُ سودةُ) . وَفِي لفظ لَهُ : فأصلي الصُّبْح بمنى ، فأرمي الجمرةَ قبل أَن يَأْتِي النَّاس (وَكَانَت عَائِشَة لَا تفيض إِلَّا مَعَ الإِمَام ) .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي حَدِيث الْأَعرَابِي : لَا إلاّ أنْ تَطَّوع . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف بَيَانه (فِي) أول الصّيام .
الحَدِيث الْخَامِس بعد السِّتين أَن أُمَّ سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أفاضت فِي النّصْف الْأَخير من مُزْدَلِفَة بِإِذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يأمُرُها وَلَا مَنْ مَعهَا بِالدَّمِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث الضَّحَّاك - يَعْنِي : ابْن عُثْمَان - عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا قَالَت : أرسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بأُمِّ سَلمَة لَيْلَة النَّحْر فرمت الجمرةَ قبل الْفجْر ، ثمَّ مَضَت فأفاضت ، وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم (الْيَوْم) الَّذِي يكون رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَعْنِي عِنْدهَا وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح ، لَا جَرَمَ أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : صَحِيح عَلَى (شَرط مُسلم) وَلم يخرجَاهُ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتبه الثَّلَاثَة السّنَن و الْمعرفَة وَقَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ . والخلافيات وَقَالَ : رُوَاته ثِقَات . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي مُرْسلا ، فَقَالَ - وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من جِهَته (أَيْضا) - : أَنا دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْعَطَّار وعبدُ الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه قَالَ : دَار رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أم سَلمَة يَوْم النَّحْر وأمَرَها أَن تتعجَّل الْإِفَاضَة من جمع حَتَّى ترمي الجمرةَ (و) توافي (صَلَاة) الصُّبْح بِمَكَّة ، وَكَانَ يَوْمهَا فَأحب أَن توافقه أَو توافيه . قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم : وَهَذَا لَا يكون إِلَّا وَقد رمت الْجَمْرَة قبل الْفجْر بساعة . قَالَ : وَأَخْبرنِي من أَثِق من المشرقيين عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة ، عَن أم سَلمَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله . هَكَذَا رَوَاهُ فِي الْإِمْلَاء ، وَرَوَاهُ فِي الْمُخْتَصر الْكَبِير بالإسنادين جَمِيعًا ، إِلَّا أَنه قَالَ : ترمي الجمرةَ وتوافي صلاةَ الصُّبْح بِمَكَّة ، وَكَانَ يَوْمهَا ، فَأحب أَن توافقه أَو توافيه . وَقَالَ فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي : أَخْبرنِي الثِّقَة عَن هِشَام . وَكَأنَ الشَّافِعِي أَخذه (من) أبي مُعَاوِيَة الضَّرِير ، وَقد رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة مَوْصُولا فَذكره وَقَالَ فِي (سنَنه) أَيْضا : وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن حَازِم الضَّرِير عَن هِشَام بن عُرْوَة مَوْصُولا ، يَعْنِي : وَفِيه : صلَاتهَا الصُّبْح بِمَكَّة، ثمَّ سَاقه (عَن) الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى (أبي) مُعَاوِيَة ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن زَيْنَب بنت أبي سَلمَة ، عَن أم سَلمَة : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمَرَها أَن (توافيه) صَلَاة الصُّبْح بِمَكَّة يَوْم النَّحْر قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن أبي مُعَاوِيَة ، وَرَوَاهُ أَسد بن مُوسَى عَن أبي مُعَاوِيَة بِإِسْنَادِهِ ، قَالَت : أمرهَا يَوْم النَّحْر أَن توافي مَعَه صَلَاة الصُّبْح بِمَكَّة . قلت : وَهَذَا أنكرهُ الإِمَام أَحْمد وَغَيره ، أَعنِي : الموافاة بهَا فِي صَلَاة الصُّبْح بِمَكَّة ، وَهُوَ لائح ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمكن أَن توافي مَعَه صَلَاة الصُّبْح بِمَكَّة ، فَإِنَّهُ صلَّى الصبحَ يَوْمئِذٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وأفاض يَوْم النَّحْر ، وَأما حَدِيث (أبي الزبير عَن) عَائِشَة وَابْن (عَبَّاس ) أنَّه أخر طواف) الزِّيَارَة إِلَى اللَّيْل فَفِيهِ نظر ثمَّ اعْلَم أَن الرافعيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذكر حَدِيث أمِّ سَلمَة هَذَا ، وَحَدِيث سَوْدَة الَّذِي قبله ، دَلِيلا عَلَى أَنه إِذا دفع من مُزْدَلِفَة بعد انتصاف اللَّيْل لَا شَيْء عَلَيْهِ مَعْذُورًا كَانَ أَو غير مَعْذُور ، وَلَيْسَ فِيهَا التَّحْدِيد بذلك ، نعم فِي حَدِيث أَسمَاء فِي الصَّحِيحَيْنِ التَّوْقِيت بغيبوبة الْقَمَر فَقَط . فَائِدَة : قَالَ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر : قَوْله توافي تجوز قِرَاءَته بِالْيَاءِ وَالتَّاء ، يَعْنِي الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت وَالتَّاء الْمُثَنَّاة فَوق ، قَالَ : لِأَن قَوْله وَكَانَ يَوْمهَا فِيهِ مَعْنيانِ : أَحدهمَا : أَنه أَرَادَ : وَكَانَ يَوْمهَا من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فأحبَّ عَلَيْهِ السَّلَام أَن يوافي التَّحَلُّل وَهِي قد فرغت . ثَانِيهمَا : أَنه أَرَادَ : وَكَانَ يَوْم حَيْضهَا ، (فأحبَّ) أَن توافي أُمُّ سَلمَة التَّحَلُّل قبل أَن تحيض . قَالَ : فَيقْرَأ عَلَى (الأوَّل) بِالْمُثَنَّاةِ تَحت ، وَعَلَى الثَّانِي بِالْمُثَنَّاةِ فَوق . فَائِدَة ثَانِيَة : رَوَى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَيْضا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمَرَ إِحْدَى نِسَائِهِ أَن تنفر من جمع [ لَيْلَة جمع ] ، فتأتي جَمْرَة الْعقبَة فترميها ، (وَتصلي) فِي منزلهَا . هَكَذَا رَوَاهُ ، وَلم يسم الْمَرْأَة ، فَيحْتَمل (حِينَئِذٍ) أَن تكون أمَّ سَلمَة ، وَيحْتَمل أَن تكون سودةَ ، وَيحْتَمل أَن تكون أمَّ حَبِيبَة . فَفِي صَحِيح مُسلم : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بعث بهَا من جمع بلَيْل . (تَنْبِيه : لمَّا ذكر الرَّافِعِيّ أَنه يكره أَن يُرْمَى من المرمى قيل : إِن من تقبل حجّه يرفع حجره ، وَمَا بَقِي فَهُوَ مَرْدُود . وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا ، لَكِن بِإِسْنَاد ضَعِيف ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ويُرْوى من وَجه آخر ضَعِيف أَيْضا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا عَلَيْهِ) .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ : أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَدْعُو فِي رمله : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا ، وذنبًا مغفورًا ، وسعيًا مشكورًا . هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، (لم) أر من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَلم يذكرهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و مَعْرفَته (مَعَ) كَثْرَة إطلاعه إِلَّا من كَلَام الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ . وَرُوِيَ هَذَا مَوْقُوفا ، لَكِن فِي غير هَذَا الموطن ، قَالَ سعيد بن مَنْصُور (فِي سنَنه) : نَا إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا ، عَن لَيْث ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد ، عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : لما رَمَى جَمْرَة الْعقبَة قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا ، وذنبًا مغفورًا . قَالَ : وثنا سُفْيَان ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن ابْن أبي حرَّة سمع ابْن عمر وَهُوَ يَرْمِي الْجمار وَهُوَ يَقُول : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا ، وذنبًا مغفورًا . قَالَ : ونا (هشيم ، أَنا) مُغيرَة ، عَن إِبْرَاهِيم : كَانُوا يحبونَ للرجل إِذا رَمَى الْجمار أَن يَقُول : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا ، وذنبًا مغفورًا . قَالَ : قلت : أَقُول ذَلِك عِنْد كل جَمْرَة ؟ قَالَ : نعم ، إِن شِئْت . وَأما الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الإِمَام فَإِنَّهُ ذكر هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْفَصْل ، (فَإِنَّهُ) قَالَ : فصل فِيمَن قَالَ لَا رمل بَين الرُّكْنَيْنِ . ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف فِي الرمل ، وَذكر هَذِه الْآثَار عقب ذَلِك ، فَلَعَلَّهُ سقط من النُّسْخَة هُنَا شَيْء . (وَقَوله : وذنبًا هُوَ [ مَنْصُوب ] بإضمار فعل ، أَي : وَاجعَل ذَنبي ذَنبا مغفورًا ، وسعيي سعيًا مشكورًا) .
الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : كنتُ فِيمَن قدَّمَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ضعفةِ أَهله (من الْمزْدَلِفَة) إِلَى منى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنهُ ، قَالَ : أَنا (مِمَّن) قَدَّمَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَيْلَة الْمزْدَلِفَة فِي ضعفة أَهله . وَاللَّفْظ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ هُوَ لفظ رِوَايَة الإِمَام الشَّافِعِي كَمَا سَاقه الْبَيْهَقِيّ عَنهُ ، وَفِي رِوَايَة للنسائي : وَقَالَ لَهُم : لَا ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَرْسلنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَعَ ضعفة أَهله ، فصلينا الصُّبْح بمنى ، ورمينا (الْجَمْرَة) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قدم ضعفةَ أَهله وَقَالَ : لَا ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطلع الشَّمْس، ثمَّ قَالَ : حسن صَحِيح ، وَقَالَ بِهِ أَكثر أهل الْعلم ، ورخَّص بعض أهل الْعلم فِي أَن يرموا بليلٍ ، وَالْعَمَل عَلَى حَدِيثه عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي الإشراف : الرَّمْي قبل الْفجْر مُخَالف لسُنَّته عَلَيْهِ السَّلَام ، وَلَا يُجزئ . وَكَأَنَّهُ تشبث بِحَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا ، لَكِن حَدِيث أم سَلمَة وَسَوْدَة يُخَالِفهُ .
الحَدِيث السَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ لما ] صَلَّى بعد الطّواف رَكْعَتَيْنِ تَلا قَوْله تَعَالَى : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، وَقد سلف فِي الْبَاب قبله ، لَكِن ظَاهره أَنه تَلا هَذِه الْآيَة قبل الصَّلَاة كَمَا مرّ ، وَكَذَا رِوَايَة ابْن حبَان فِي صَحِيحه : فَلَمَّا فرغ من طَوَافه انْتقل إِلَى الْمقَام ، فَقَالَ : قَالَ الله : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ، (وَصَلى) خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ (وَكَذَلِكَ رِوَايَة) الْبَيْهَقِيّ : فَلَمَّا طَاف ذهب إِلَى الْمقَام ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) فَصَلى رَكْعَتَيْنِ .
الحَدِيث السَّابِع بعد السِّتين عَن أنس بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَى منى ، فَأَتَى الْجَمْرَة فَرَمَاهَا ، ثمَّ أَتَى منزله بمنى وَنحر ، ثمَّ قَالَ للحلَّاق : خُذْ . وَأَشَارَ إِلَى جَانِبه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ، ثمَّ جعل يُعْطِيهِ النَّاس . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك ، وَهَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ الرَّافِعِيّ ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بعد ذَلِك بقوله : (ثمَّ) إِذا رموا جَمْرَة الْعقبَة نحرُوا إِن كَانَ مَعَهم هدي ، فَذَلِك سُنّة . (فَائِدَة) : هَذَا الحالقُ هُوَ : معمر بن (عبد الله) بن نَافِع بن نَضْلَة الْعَدوي ، كَذَا سَاقه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَأَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة ، (هَذَا) هُوَ الْمَشْهُور ، وَبِه (جزم) ابْنُ (نقطة) فِي (تكملته) . وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ : زَعَمُوا أَنه معمر بن عبد الله ، وَقيل : اسْمه خرَاش بن أُميَّة بن ربيعَة الْكَلْبِيّ مَنْسُوب إِلَى (كُلَيْب) بن (حبشية) .
بَاب دُخُول مَكَّة وَمَا يتَعَلَّق بِهِ ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فستة وَتسْعُونَ حَدِيثا . الحَدِيث الأول أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دخل مَكَّة ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى عَرَفَة . هَذَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور مستفيض عَنهُ صلى الله عليه وسلم ، وَمن ذَلِك حَدِيث جَابر الطَّوِيل السالف ، وَكَذَلِكَ فَعَله الْخلف وَالسَّلَف .
(الحَدِيث الثَّامِن بعد السِّتين) قَالَ الرَّافِعِيّ : " فَإِذا انْتَهوا إِلَى وَادي محسر فالمستحب للراكبِيْن أَن يُحركوا دوابَّهم ، وللماشِيْن أَن يُسرعوا . قدر رمية بِحجر " . رُوِيَ ذَلِك عَن جَابر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث جابرٍ الطَّوِيل بِنَحْوِهِ ، وَهَذَا لَفظه : "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَتَى بطن محسر ، فحرك قَلِيلا ، ثمَّ سلك الطَّرِيق [ الْوُسْطَى ] الَّتِي تخرج عَلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى " . وَقد سبق بِطُولِهِ ، وَفِي "السّنَن" الْأَرْبَعَة من حَدِيث سُفْيَان ، عَن أبي الزبير ، (عَن) جَابر أَيْضا . " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أوضع فِي وَادي محسر - زَاد بشر بن السّري أحد رُوَاته - : وأفاض من جَمْع وَعَلِيهِ السكينَة (وَأمرهمْ بِالسَّكِينَةِ) - وَزَاد فِيهِ أَبُو نعيم أحد رُوَاته - : وَأمرهمْ أَن يرموا بِمثل حَصى الْخذف ، وَقَالَ : لعَلي لَا أَرَاكُم بعد عَامي هَذَا " .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما فرغ من طَوَافه صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر ، قَالَ : قدم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا ثمَّ صَلَّى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ . وَأخرجه مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، كَمَا سلف فِي الْبَاب قبله .
الحَدِيث التَّاسِع بعد السِّتين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلَا ينزل الراكبون حَتَّى يرموا كَمَا فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد صحَّ ذَلِك من طرق : (أَحدهَا) : عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَته يَوْم النَّحْر ، وَهُوَ يَقُول : خُذُوا عني مَنَاسِككُم ، لَا أَدْرِي لعَلي لَا أحج بعد حجتي هَذِه . أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ (أَيْضا) وَقَالَ : إِنِّي لَا أَدْرِي لعَلي لَا أعيش بعد عَامي هَذَا . وَقد سلف حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، وَظَاهر سِيَاقه أَنه رَمَاهَا رَاكِبًا . ثَانِيهَا : من حَدِيث أم الْحصين قَالَت : حجَجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجَّة الْوَدَاع ، فَرَأَيْت أُسَامَة وبلالاً ، أَحدهمَا آخذ بِخِطَام نَاقَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْآخر رَافع ثَوْبه يستره من الحرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة . أخرجه مُسلم مُنْفَردا بِهِ ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَسَيَأْتِي أول مُحرمَات الْإِحْرَام . ثَالِثهَا : من حَدِيث قدامَة بن عبد الله بن عمار الْكلابِي قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَرْمِي الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر عَلَى نَاقَة صهباء ، لَا ضرب وَلَا طرد وَلَا إِلَيْك إِلَيْك . أخرجه الشَّافِعِي وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا ، لَكِن لَفظه : يَرْمِي الْجمار، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَعَزاهُ عبد الْحق إِلَى أبي دَاوُد ، وَهُوَ غلط ، فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ ، وَقد تعقبه ابْن الْقطَّان . وَورد أَيْضا من طَرِيقين (آخَرين) أَحدهمَا : من طَرِيق ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَمَى الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر رَاكِبًا ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده الْحجَّاج بن أَرْطَاة ؛ وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ ، وَهُوَ مُدَلّس وَلم يذكر سَمَاعا . ثَانِيهمَا : من طَرِيق سُلَيْمَان بن عَمْرو بن الْأَحْوَص عَن أمه (أم) جُنْدُب ، وَقد ذكره صَاحب المهذَّب ، وأوضحته فِي تخريجي لأحاديثه ؛ فَليُرَاجع مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه كَانَ لَا يقدم مَكَّة إِلَّا بَات بِذِي طوى حَتَّى يصبح ويغتسل ، ثمَّ يدْخل مَكَّة ، وَيذكر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَفْعَله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد تقدم فِي بَاب : سنَن الْإِحْرَام ، وَهُوَ الحَدِيث الثَّالِث (مِنْهُ) . فَائِدَة : طوى مثلث الطَّاء ، حكاهن صَاحب الْمطَالع وجماعات (قَالُوا) : وَالْفَتْح أَجود وَهُوَ مَقْصُور ، وَلَا يجوز (مَدّه) قَالَ صَاحب الْمطَالع : وَوَقع فِي كتاب الْمُسْتَمْلِي (ذُو) الطواء (مَمْدُود) وَيصرف وَلَا يصرف ، قيل : سُمِّي بذلك ؛ لِأَن بِئْرهَا كَانَ مطويًّا (بِالْحِجَارَةِ) فنُسِب (الْوَادي إِلَيْهَا) وَهُوَ مَوضِع عِنْد بَاب مَكَّة من أَسْفَلهَا فِي طَرِيق الْعمرَة الْمُعْتَادَة من مَسَاجِد عَائِشَة بَين الثَّنية السُّفْلَى والعليا .
الحَدِيث السبْعون أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قطع التَّلْبِيَة عِنْد أول حَصَاة رَمَاهَا . هَذَا الحَدِيث متَّفق عَلَى صِحَّته ، من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن أُسَامَة بن زيد كَانَ ردف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من عَرَفَة إِلَى الْمزْدَلِفَة ، ثمَّ أرْدف الْفضل من الْمزْدَلِفَة إِلَى مِنًى وَكِلَاهُمَا قَالَ : وَلم يَزَلِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُلبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أرْدف الْفضل ، فَأخْبر الْفضل أَنه لم يزل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة . (وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْفضل : فَلم يزل يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة) ، وَكبر مَعَ كل حَصَاة ، ثمَّ قطع التَّلْبِيَة مَعَ آخر حَصَاة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : و (تكبيره) مَعَ كل حَصَاة كالدلالة عَلَى قطعه بِأول حَصَاة ، وَأما (مَا) فِي رِوَايَة الْفضل من الزِّيَادَة فَإِنَّهَا غَرِيبَة ، أوردهَا ابْن خُزَيْمَة ، واختارها وَلَيْسَت فِي الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة عَن ابْن عَبَّاس [ عَن الْفضل بن الْعَبَّاس ] . تَنْبِيه : قَالَ ابْن المُغلِّس الظَّاهِرِيّ : يقطع الْمُعْتَمِر التَّلْبِيَة إِذا اسْتَلم الْحجر ، قَالَ : (و) بذلك ثَبت الْخَبَر ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ أسْند حَدِيثا عَن ابْن عَبَّاس فِيهِ ابْن أبي لَيْلَى ، وَهُوَ مَشْهُور الْحَال .
وَأما آثَار الْبَاب (فستة) : أوَّلها : قَالَ الرَّافِعِيّ بعد أَن ذكر أَن من السّنَن إِذا وَقع بَصَرُهُ عَلَى الْبَيْت أَن يَقُول : اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْت . إِلَى آخِره ، وَيسْتَحب أَن يضيف إِلَيْهِ : اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ، ومنك السَّلَام فَحَيِّنَا ربّنَا بِالسَّلَامِ يُرْوى ذَلِك عَن عُمر . وَفِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ : عَن ابْن عمر ، وَالصَّوَاب : عَن عمر . كَذَلِك رَوَاهُ الْحَاكِم عَن الْأَصَم ، ثَنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد ، (نَا يَحْيَى بن معِين) ، نَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، نَا إِبْرَاهِيم بن طريف ، عَن حميد بن يَعْقُوب ، سمع سعيد بن الْمسيب (يَقُول : سَمِعت) من عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول (كلمة) مَا بَقِي أحد من النَّاس سَمعهَا غَيْرِي ، سمعته يَقُول إِذا رَأَى الْبَيْت : اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ، ومنك السَّلَام ، فحينا رَبنَا بِالسَّلَامِ . قَالَ الْعَبَّاس : قلت ليحيى - يَعْنِي ابْن معِين - : من إِبْرَاهِيم بن طريف هَذَا ؟ قَالَ : (يماني) . قلت : فَمن [ حميد بن يَعْقُوب ] هَذَا ؟ قَالَ : رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك ، وَهُوَ شَاهد لسَمَاع سعيد من عمر . كَمَا قَالَ صَاحب الإِمَام وَأما الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى (أَحَادِيث) الْمُهَذّب (عقبه) : فِي سَماع سعيد (من) عمر نظر . قلت : ورَوَاهُ عَن سعيد ابْنُه مُحَمَّد ، ذكره ابْنُ الْمُغلس الظَّاهِرِيّ فِي كِتَابه ، قَالَ : وَقد ذكر هشيم ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن سعيد بن الْمسيب ، عَن أَبِيه : أَن عمر كَانَ إِذا نظر إِلَى الْبَيْت قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ، ومنك السَّلَام ، حَيِّنَا رَبنَا بِالسَّلَامِ . وَرَوَى أَيْضا من حَدِيث سعيد بِإِسْقَاط عمر ، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، نَا أَبُو الْأَحْوَص ، أَنا يَحْيَى بن سعيد ، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : كَانَ أبي إِذا دخل الْمَسْجِد اسْتقْبل القِبْلة ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ، ومنك السَّلَام ، فحينا رَبنَا بِالسَّلَامِ . قَالَ : ونا سُفْيَان ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن ابْن سعيد ، عَن أَبِيه أَنه كَانَ إِذا نظر إِلَى الْبَيْت قَالَ : فَذكر مثله ، وَلَا مُنَافَاة بَين هَذَا وَبَين مَا سلف ، قَالَ الرَّافِعِيّ : ويؤثر أَن يَقُول : اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نحل عقدَة ونشدّ أُخْرَى إِلَى آخِره . وَهَذَا شَيْء ذكره الشَّافِعِي حِكَايَة عَن بعض السّلف ؛ (فَقَالَ) : وَقد كَانَ بعض من مَضَى من أهل الْعلم يتَكَلَّم بِكَلَام عِنْد رُؤْيَة الْبَيْت ، وَرُبمَا تكلم بِهِ (عَلَى) الصَّفَا والمروة ، (و) يَقُول : مَا زلنا نحل عقدَة (فَذكر نَحْوَهُ) .
الْأَثر الثَّالِث : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه كَانَ يقبل الْحجر الْأسود وَيسْجد عَلَيْهِ بجبهته . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث جَعْفَر بن عبد الله - وَهُوَ ابْن الحكم - قَالَ : رَأَيْت مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر قبل الْحجر ، وَسجد عَلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : رَأَيْت خالَكَ ابْن عَبَّاس يقبله وَيسْجد عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس : رَأَيْت عمر بن الْخطاب قبله وَسجد (عَلَيْهِ) ، ثمَّ قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعل هَكَذَا ؛ فَفعلت . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : وجعفر هَذَا تَابِعِيّ أخرجَا لَهُ ، فَيَنْبَغِي أَن يكون عَلَى شَرطهمَا ، لَكِن الْبَزَّار أخرجه من حَدِيث جَعْفَر بن عبد الله بن عُثْمَان المَخْزُومِي ، وَهُوَ ثِقَة كَمَا قَالَ أَحْمد وَأَبُو خَالِد ، وَرَأَيْت من يُوهم الْحَاكِم فِي كَونه ابْن الحكم ، ويصوب مَا ذكره الْبَزَّار ، (وَكَذَا) رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأَبُو عَاصِم والعقيلي ، وَقَالَ : فِي حَدِيثه وهم واضطراب . وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق فِي عزوه إِلَى الْبَزَّار ؛ فَقَالَ : لَا ذكر لَهُ من حَدِيث عمر بن الْخطاب ، من كتاب الْبَزَّار ، وَلَعَلَّه من بعض أَمَالِيهِ ، وَإِنَّمَا أعرفهُ عِنْد ابْن السكن . فَذكره من حَدِيث جَعْفَر بن عبد الله الْحميدِي - رجل من بني حميد (من) قُرَيْش - قَالَ : (رَأَيْت) مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر قبل الْحجر ثمَّ سجد عَلَيْهِ [ فَقلت : مَا هَذَا ؟ قَالَ : رَأَيْت خَالك عبد الله بن عَبَّاس قبله ثمَّ سجد عَلَيْهِ ] ثمَّ قَالَ : رَأَيْت عمر بن الْخطاب قبله ثمَّ سجد عَلَيْهِ . ثمَّ قَالَ : واللَّهِ (إِنِّي) لأعْلم أَنَّك حجر ، وَلَكِن رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعل هَكَذَا ففعلتُه . وَرَوَى الشَّافِعِي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ عَن مُسلم بن خَالِد ، عَن ابْن جريج ، عَن مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر قَالَ : رَأَيْت ابْن عَبَّاس جَاءَ يَوْم التَّرويَة مسبدًا رَأسه ، فَقبل الرُّكْن ثمَّ سجد عَلَيْهِ ، ثمَّ قبله ثمَّ سجد عَلَيْهِ (ثَلَاث مَرَّات) وَرَوَى الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا قَالَ : رأيتُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يسْجد عَلَى الْحجر . قَالَ الْحَاكِم : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد .
الْأَثر الرَّابِع : يُؤثر عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا والمروة : اللَّهُمَّ اعصمني بِدينِك وطواعيتك وطواعية رَسُولك ، اللَّهُمَّ حببني إِلَيْك وَإِلَى ملائكتك ورسلك وعبادك الصَّالِحين ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي ممّن يحبك وَيُحب ملائكتك ورسلك وعبادك الصَّالِحين ، اللَّهُمَّ آتني من خير مَا تؤتي بِهِ عِبَادك الصَّالِحين ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من الْمُتَّقِينَ ، واجعلني من وَرَثَة جنَّة النَّعيم ، واغفر لي خطيئتي يَوْم الدِّين . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَنهُ : أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا : اللَّهُمَّ اعصمنا بِدينِك وطواعيتك وطواعية رَسُولك ، وجنبنا حدودك ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا نحبك ونحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك ونحب عِبَادك الصَّالِحين ، اللَّهُمَّ حببنا إِلَيْك وَإِلَى ملائكتك وَإِلَى أنبيائك ورسلك وعبادك الصَّالِحين ، اللَّهُمَّ يسرنَا لليسرى وجنبنا (العسرى) ، واغفر لنا فِي الْآخِرَة وَالْأولَى ، واجعلنا من أَئِمَّة الْمُتَّقِينَ . وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا : اللَّهُمَّ أحينا عَلَى سُنَّةِ نبيك (، (وتوفنا) عَلَى مِلَّته ، (وأعذنا) من مُضِلَّات الْفِتَن . وَفِي رِوَايَة : أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا : اللَّهُمَّ إِنَّك قلتَ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَإنَّك لَا تخلف الميعاد ؛ فإني أَسأَلك كَمَا هديتني لِلْإِسْلَامِ أَن لَا تنزعه مني حَتَّى تتوفاني وَأَنا مُسلم رَوَاهَا مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَنهُ . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي (كتاب) الْمَنَاسِك نقلهَا عَنهُ الضياء فِي أَحْكَامه - وَقَالَ : إسنادها جيد - : أَنه كَانَ يَقُول عَلَى الصَّفَا : اللَّهُمَّ اعصمني بِدينِك وطواعيتك وطواعية رَسُولك ، اللَّهُمَّ جنبني حدودك ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي مِمَّن يحبك وَيُحب ملائكتك ، وَيُحب رسلك ، وَيُحب عِبَادك الصَّالِحين ، اللَّهُمَّ يَسِّرْني لليُسْرى وجَنِّبْي العُسْرى ، واغفر لي فِي الْآخِرَة وَالْأولَى ، واجعلني من أَئِمَّة الْمُتَّقِينَ ، اللَّهُمَّ إِنَّك قلتَ : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، وَإنَّك لَا تخلف الميعاد ، اللَّهُمَّ (إذْ هديتني) لِلْإِسْلَامِ فَلَا تنزعه مِنِّي وَلَا تنزعني مِنْهُ . قَالَ نَافِع : وَكَانَ يَدْعُو بِهَذَا مَعَ دعاءٍ لَهُ طويلٍ عَلَى الصَّفَا والمروة ، وبعرفاتٍ وبجمْعٍ وَبَين الْجَمْرَتَيْن وَفِي الطّواف .
الْأَثر الْخَامِس : اشْتهر السَّعْي من غير رقي عَلَى الصَّفَا عَن عُثْمَان وَغَيره من الصَّحَابَة من غير إِنْكَار . ذكره الرَّافِعِيّ ردًّا عَلَى أبي حَفْص بن (الْوَكِيل) فِي وجوب الرقي قدر قامة عَلَى الصَّفَا ، وَهَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ، عَن سُفْيَان ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن أَبِيه قَالَ : أَخْبرنِي من رَأَى عُثْمَان بن عَفَّان يقوم فِي حَوْض فِي أَسْفَل الصَّفَا وَلَا يصعد عَلَيْهِ . قلت : وَقد سَعَى عَلَيْهِ السَّلَام رَاكِبًا ، كَمَا أخرجه مُسلم وَغَيره ، وَلَا يُمكن الرقي مَعَه عَلَى الصَّفَا قدر مَا ذكر .
الْأَثر السَّادِس : عَن عُمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : من أدْركهُ الْمسَاء فِي الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام التَّشْرِيق فَليقمْ إِلَى الْغَد حَتَّى [ ينفر مَعَ ] النَّاس . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ (لكنه) عَن نَافِع عَن ابْن عمر كَانَ يَقُول : من غربت عَلَيْهِ الشَّمْس وَهُوَ بمنى ، فَلَا ينفرن حَتَّى يَرْمِي الْجمار من الْغَد (من أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ الثَّوْريّ ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : قَالَ عمر فَذكر مَعْنَاهُ . قَالَ : وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَرَفعه ضَعِيف . وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب أَنه قيل : من تقبل حجه رفع حَجَره ، وَمَا بَقِي فَهُوَ مَرْدُود . وَهَذَا حَدِيث مَشْهُور رَوَاهُ الْحَاكِم ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (قَالَ) : قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، هَذِه الْجمار الَّتِي يُرْمَى بهَا كل عَام فنحسب أَنَّهَا تنقص . قَالَ : (أما) إِنَّه مَا تقبل مِنْهَا رفع ، وَلَوْلَا ذَلِك لرأيتها أَمْثَال الْجبَال . هَذَا لفظ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَلَفظ (الآخرين) : قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، هَذِه الْأَحْجَار الَّتِي يُرْمَى بهَا تحمل فنحسب أَنَّهَا (تنقعر) . (قَالَ) : أما إِنَّه (مَا) يُقْبل مِنْهَا يرفع ، وَلَوْلَا ذَلِك لرأيتها مثل الْجبَال . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ : وَيزِيد ابن سِنَان الرهاوي - يَعْنِي الَّذِي فِي إِسْنَاده - : لَيْسَ بالمتروك . وَقَالَ ( الْبَيْهَقِيّ ) فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ، وَيزِيد لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث . قَالَ : وَرُوِيَ من وَجه (آخر) ضَعِيف عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . قَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ مَشْهُور عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا : مَا تقبل مِنْهَا رفع ، وَمَا لم يتَقَبَّل ترك ، وَلَوْلَا ذَلِك لسد مَا بَين الجبلين . وَفِي رِوَايَة عَنهُ (أَنه) قَالَ : وكل بِهِ ملك ، مَا تقبل مِنْهُ رفع ، وَمَا لم يتَقَبَّل ترك قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ عَن أبي سعيد مَوْقُوفا عَلَيْهِ : أَنه سُئِلَ عَن رمي الْجمار ، فَقَالَ (لي) : مَا تقبل (مِنْهُ) رفع ، وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ أطول من ثبير .
الْأَثر الثَّانِي : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه قَالَ : لَا يدْخل أحد مَكَّة إِلَّا محرما . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عبد الْملك ، عَن عَطاء ، (عَن) ابْن عَبَّاس قَالَ : مَا يدْخل مَكَّة أحد من أَهلهَا وَلَا من غير أَهلهَا إِلَّا بِإِحْرَام . وَقَالَ الشَّافِعِي : ثَنَا ابْن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو ، عَن أبي الشعْثَاء أَنه رَأَى ابْن عَبَّاس يرد من جَاوز الْمَوَاقِيت غير محرم ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَنهُ ، ثمَّ ذكر الأول تَعْلِيقا . وَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : لَا يدْخل أحد مَكَّة إِلَّا بِإِحْرَام ، من أَهلهَا وَمن غير أَهلهَا . وَفِي إِسْنَاده الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، وَقد سلف حَاله ، وَمُحَمّد بن خَالِد الوَاسِطِيّ وَهُوَ كذَّاب ، رجل سوء . كَمَا قَالَه يَحْيَى ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ (إِسْمَاعِيل بن) مُسلم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس فوَاللَّه مَا دَخلهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا حاجًّا أَو مُعْتَمِرًا . وَإِسْمَاعِيل (هَذَا) هُوَ الْمَكِّيّ وَهُوَ ضَعِيف .
الحَدِيث الْحَادِي بعد السّبْعين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رميتم وحلقتم حل لكم كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث حجاج عَن أبي بكر [ بن ] مُحَمَّد ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطّيب وَالثيَاب وكل شَيْء إِلَّا النِّسَاء . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فَقَالَ : (ثَنَا) مُسَدّد ، نَا (عبد الْوَاحِد) بن زِيَاد ، نَا الْحجَّاج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن ، عَن عَائِشَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رَمَى أحدكُم جَمْرَة الْعقبَة فقد حل لَهُ كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رَمَى (و) حلق وَذبح فقد حل لَهُ كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رميتم (وحلقتم وذبحتم) [ فقد ] حل لكم كل شَيْء إِلَّا النِّسَاء وَعَن الْحجَّاج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن (عَمْرو بن) حزم ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : إِذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطّيب وَالثيَاب وكل شَيْء إِلَّا النِّسَاء قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن أبي (بكر) - يَعْنِي : ابْن حزم - عَن يزِيد بن هَارُون ؛ وَزَاد فِيهِ : وذبحتم فقد حل لكم كل شَيْء الطّيب وَالثيَاب إِلَّا النِّسَاء . هَذِه أَلْفَاظ رِوَايَة هَذَا الحَدِيث ، ومدارها عَلَى الْحجَّاج ، وَهُوَ ابْن أَرْطَاة كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي الدَّارَقُطْنِيّ و الْبَيْهَقِيّ كَمَا مَرَّ ، وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِيهِ ، ثمَّ فِيهِ عِلّة أُخْرَى و (هِيَ) الِانْقِطَاع ؛ فَإِن الْحجَّاج لم يَرَ الزُّهْرِيّ وَلَا سمع مِنْهُ كَمَا نَص عَلَيْهِ غير وَاحِد من الْحفاظ ، وَقد ضعف أَبُو دَاوُد فِي سنَنه هَذَا الحَدِيث من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ ؛ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث ضَعِيف ، وَالْحجاج لم يَرَ الزُّهْرِيّ وَلم يسمع مِنْهُ . وَقَالَ المنذريُّ فِي مُخْتَصر السّنَن : ذكر عباد بن الْعَوام وَيَحْيَى بن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة الرازيان أَن الْحجَّاج لم يسمع من الزُّهْرِيّ شَيْئا ، وَذكر عَن الْحجَّاج نَفسه أَنه لم يسمع مِنْهُ شَيْئا . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث من تخليطات الْحجَّاج بن أَرْطَاة . قَالَ : وَإِنَّمَا الحَدِيث عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا رَوَاهُ سَائِر النَّاس عَن عَائِشَة ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ عَن الضَّحَّاك ، عَن أبي الرِّجَال ، عَن أمه ، عَن عَائِشَة قَالَت : طيبت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لحرمه) حِين أحرم ، ولحله قبل أَن يفِيض بأطيب مَا وجدت . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه ، وَأم [ أبي ] الرِّجَال هِيَ عمْرَة قَالَ - أَعنِي : الْبَيْهَقِيّ - : وَقد رويتُ (تِلْكَ اللَّفْظَة) فِي حَدِيث أُمِّ سَلمَة مَعَ حكم (آخر) ، لَا أعلم أحدا من الْفُقَهَاء قَالَ بذلك . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أُمِّ سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كَانَت (اللَّيْلَة) الَّتِي يَدُور فِيهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسَاء لَيْلَة النَّحْر ، فَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عِنْدِي ؛ فَدخل عليَّ وهبُ ابن زَمعَة وَرجل من (آل) أبي أُميَّة (متقمصين) ، فَقَالَ لَهما رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أفضتما ؟ (قَالَا) : لَا . قَالَ : فانزعا قميصكما . (فنزعاهما) ، قَالَ وهب : ولِمَ يَا رَسُول الله ؟ فَقَالَ : هَذَا يَوْم أرخص لكم فِيهِ إِذا رميتم الْجَمْرَة ، ونحرتم هَديا إِن كَانَ لكم فقد حللتم من كل شيءٍ حُرِمْتُم مِنْهُ إِلَّا النِّسَاء حَتَّى تطوفوا بِالْبَيْتِ ، فَإِذا أمسيتم وَلم تفيضوا صرتم حرما كَمَا كُنْتُم أوَّل مرةٍ ، حَتَّى تفيضوا بِالْبَيْتِ . وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِن هَذَا يَوْم (رخَّص) لكم إِذا رميتم الْجَمْرَة أَن تَحِلُّوا من كل مَا حرمتم مِنْهُ إِلَّا النِّسَاء ، فَإِذا أمسيتم قبل أَن تطوفوا بِهَذَا الْبَيْت (صرتم) حُرُمًا كهيئتكم قبل أَن ترموا الْجَمْرَة حَتَّى تطوفوا . وَهَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه، ثمَّ الحاكمُ فِي مُسْتَدْركه فِي كتاب الْحَج بِاللَّفْظِ الأول ، وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق ، (و) لَكِن صرَّح (بِالتَّحْدِيثِ) فَقَالَ : ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة . وَفِي صَحِيح الْحَاكِم وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ عَن عبد الله بن الزبير (أَنه) قَالَ : ( مِنْ سُنَّة الْحَج أَن يُصَلِّي الإِمَام الظهرَ والعصرَ ، والمغربَ والعشاءَ الآخرةَ ، والصبحَ بمنى ، ثمَّ يَغْدُو إِلَى عَرَفَة فيقيل حَيْثُ قضي لَهُ ، حَتَّى إِذا زَالَت الشَّمْس خطب الناسَ ، ثمَّ صلَّى الظّهْر وَالْعصر (جَمِيعًا) ، ثمَّ وقف بِعَرَفَات حَتَّى تغيب الشَّمْس ، ثمَّ يفِيض فيصلِّي بِالْمُزْدَلِفَةِ أَو حَيْثُ قَضَى الله ، ثمَّ يقف بِجمع حَتَّى (أَسْفر دفع) قبل طُلُوع الشَّمْس ، فَإِذا رَمَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى حلَّ لَهُ كلُّ شَيْء حرم عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاء وَالطّيب ، حَتَّى يزور الْبَيْت . وَفِي مُسْند أَحْمد و سنَن النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : إِذا رميتم الْجَمْرَة فقد حلّ لكم كلُّ شيءٍ إِلَّا النِّسَاء ، فَقَالَ (لَهُ) (رجل) : يَا ابْن عَبَّاس ، وَالطّيب ؟ فَقَالَ : أما أَنا فقد رأيتُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يضمح رَأسه بالطيب ، (فَلَا أَدْرِي) أطيب ذَلِك أم لَا . إِسْنَاده حسن كَمَا قَالَه الْمُنْذِرِيّ وَغَيره ، إِلَّا أَن يَحْيَى بْنَ معِين وَغَيره قَالُوا : يُقَال : إِن الْحسن العرني لم يسمع من ابْن عَبَّاس نعم فِي مُسْند أَحْمد عَنهُ قَالَ : ذُكِرَ عِنْد ابْن عَبَّاس : يقطع الصلاةَ المرأةُ والكلبُ والحمارُ ؟ قَالَ : بئس مَا (عدلتم) بامرأةٍ مسلمة كَلْبا وَحِمَارًا . (و) ذكر الحَدِيث بِطُولِهِ ، وَظَاهر هَذَا سَمَاعه مِنْهُ . ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن الرافعيَّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن الْحلق نسك ، قَالَ : فعلق الْحل بِالْحلقِ كَمَا علقه بِالرَّمْي . وَقد علمتَ ضعف الحَدِيث ، فَإِن فِي بعض الرِّوَايَات علقه بِالذبْحِ ، وَلَا قَائِل بِأَن التَّحَلُّل يقف عَلَيْهِ ، وَلَو اسْتدلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الآتي الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيق عبد الله بن عَمرو : أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : حلقتُ قبل أَن أرمي ؟ فَقَالَ : ارْمِ وَلَا حرج . وَجه الدّلَالَة مِنْهُ أَنه لَو لم يكن نُسكًا لما جَازَ تَقْدِيمه عَلَى الرَّمْي ، وَفِي صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان (فِي) حَدِيث طَوِيل : أَن للحالق بِكُل شَعْرَة سَقَطت من رَأسه نورا يَوْم الْقِيَامَة وَوَقع لِابْنِ الرّفْعَة فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء غَرِيب ، فَإِنَّهُ لما ذكر قولَ صَاحب التَّنْبِيه : فَإِن قُلْنَا إِن الْحلق نسك ، حصل لَهُ التَّحَلُّل الأول بِاثْنَيْنِ من ثَلَاثَة وَهِي : الرَّمْي وَالْحلق وَالطّواف . ثمَّ اسْتدلَّ بِلَفْظ أبي دَاوُد السالف ، ثمَّ قَالَ : وَفِي كتب الْفُقَهَاء : (إِذا) رميتم وحلقتم . الحَدِيث ، وَهُوَ غَرِيب ؛ (فَإِنَّهُ عزاهُ) إِلَى كتب الْفُقَهَاء ، ونفيه عَن كتب الحَدِيث هُوَ مَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وغيرُه كَمَا عَرفته ، فتنبَّهْ (لذَلِك) ؛ فَإِنَّهُ من الْغَرِيب .
الحَدِيث الرَّابِع عشر وَالْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - طَاف سبعا وَقَالَ : خُذُوا عني مَنَاسِككُم . أما كَونه طَاف سبعا فَأخْرجهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر و (مُسلم) من حَدِيث جَابر الطَّوِيل كَمَا سلف . وَأما قَوْله : خُذُوا عني مَنَاسِككُم فَتقدم بَيَانه قَرِيبا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد السّبْعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حلق وَإِنَّمَا (يقصرن) . (هَذَا الحَدِيث) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن الْحسن (الْعَتكِي) ، نَا مُحَمَّد بن بكر ، نَا ابْن جريج قَالَ : بَلغنِي عَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت : أَخْبَرتنِي أم عُثْمَان : أَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ عَلَى النِّسَاء حلق ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاء التَّقْصِير . قَالَ أَبُو دَاوُد : (و) نَا رجل ثِقَة يكنى : أَبَا يَعْقُوب ، نَا هِشَام بن يُوسُف ، عَن ابْن جريج ، عَن (عبد الحميد) بن جُبَير بن شيبَة ، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت : أَخْبَرتنِي أم عُثْمَان بنت أبي سُفْيَان أَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله . سكت أَبُو دَاوُد عَلَيْهِ وَلم يُضعفهُ ، فَهُوَ حُجَّة عَلَى قَاعِدَته ، وَتَبعهُ عَلَى سُكُوته (عَلَيْهِ) عبدُ الْحق فِي أَحْكَامه ، وصرَّح النوويُّ فِي شرح المهذَّب بحُسْن إِسْنَاده ، وَتعقب ابْنُ الْقطَّان عبد الْحق فَقَالَ : سكت عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِك تَصْحِيحا لَهُ مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف مُنْقَطع ، (أما) ضَعْفُه فإنَّ أُمَّ عُثْمَان بنت أبي سُفْيَان لَا يعرف لَهَا حَال - قلت : لَا يُحْتاج إِلَى معرفَة حَالهَا ، فَإِنَّهَا صحابية ، وَهِي (أم بني) شيبَة الأكابر - وَأما انْقِطَاعه فبيِّن ، أما طَرِيق أبي دَاوُد الأول فموضعه قَول ابْن جريج : بَلغنِي عَن صَفِيَّة ، وَأما الثَّانِي : فموضعه قَول أبي دَاوُد : نَا رجل ثِقَة يكنى أَبَا يَعْقُوب (فَإنَّا) لَا نَعْرِف الَّذِي حدَّث بِهِ حَتَّى يوضع فِيهِ النّظر ، فَهُوَ بِمَثَابَة من لم يذكر ، فَإِن فسَّر مُفَسّر (بِأَنَّهُ ) أَبُو يَعْقُوب (إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن أبي إِسْرَائِيل ) ؛ فَإِنَّهُ يَرْوي هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام بن يُوسُف ، لم يقنع مِنْهُ بذلك ، وَهُوَ أَيْضا رجل قد عُلم لَهُ رَأْي فَاسد يتجرح بِهِ تَركه النَّاس من أَجله ، وَهُوَ الْوَقْف فِي أَن الْقُرْآن مَخْلُوق ، وَإِن كَانَ لَا يُؤْتَى من جِهَة الصدْق ، (و) من طَرِيقه ذكر الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا الحَدِيث عَن الْبَغَوِيّ عَنهُ . قلت : وَتَابعه إِبْرَاهِيم بن مُوسَى ، عَن هِشَام وَسَعِيد القداح ، عَن ابْن جريج ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سألتُ أبي عَن حديثٍ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن مُوسَى ، عَن هِشَام بن يُوسُف ، عَن ابْن جريج ، عَن عبد الحميد ، عَن صَفِيَّة ، عَن أم عُثْمَان ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ سعيد القداح عَن ابْن جريج عَن صَفِيَّة بِهِ . وَلم يذكر عبد الحميد فَقَالَ : هِشَام بن يُوسُف ثِقَة متقن . قلت : وَتَابعه يَعْقُوب (بن) عَطاء ، عَن صَفِيَّة ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش عَن يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة ، عَن أم عُثْمَان ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا (بِهِ) ، وَيَعْقُوب هَذَا ضَعَّفه أَحْمد ، ( وَيَحْيَى ) وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان .
الحَدِيث السَّادِس بعد التسعين رُوي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَنْ زارني بعد موتِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي ، ومَنْ زار قَبْرِي فَلهُ الجَنَّة . هَذَا الحَدِيث مَأْخُوذ من حديثين : أَحدهمَا : من حَدِيث هَارُون أبي قزعة ، عَن رجل من آل حَاطِب ، عَن حَاطِب (قَالَ) : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَنْ زارني بعد موتِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي ، ومَنْ مَاتَ فِي أحد الحرمَيْن بُعِثَ من الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة . (أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك) ، وَهَذَا الرجل مَجْهُول كَمَا (ترَى) ، وَله طَرِيق ثانٍ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بعد وفاتي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث حَفْص بن أبي دَاوُد ، عَن لَيْث بن أبي سُليم ، عَن مُجَاهِد ، عَن (ابْن عمر) ، وَرَوَاهُ ابْن عدي بِلَفْظ : مَنْ حج (فزارني) بعد موتِي كَانَ كَمَنْ زارني فِي حَياتِي وصحبني . وَلَيْث هَذَا حسن الحَدِيث ، ومَنْ ضعَّفه إِنَّمَا ضعَّفه لاختلاطه بِأخرَة ، وَحَفْص هَذَا هُوَ (ابْن سُلَيْمَان ) ، قَالَ ابْن عدي : وَأَبُو الرّبيع الزهْرَانِي يُسَمِّيه حفصَ بن أبي دَاوُد لضَعْفه ، وَهُوَ حَفْص (بن سُلَيْمَان) (الغَاضِرِيّ) الْمُقْرِئ (الإِمَام . قَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ) (وَوَثَّقَهُ وَكِيع ، قَالَ أَحْمد : صالحُ . وَفِي رِوَايَة عَنهُ : مَا بِهِ بَأْس) وَقَالَ يَحْيَى بن معِين فِي رِوَايَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ : لَيْسَ بشيءٍ ، وَمن أَحَادِيثه : صنائع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء ، وَصدقَة السِّرِّ تطفئُ غضبَ الرَّبِّ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ حَفْص ، وَهُوَ ضَعِيف . وَرَوَاهُ أَبُو يعْلى الْموصِلِي بِزِيَادَة كثير بْنِ شنظير (بَين) حَفْص و لَيْث بِلَفْظ : مَنْ حَجَّ فزارني بعد وفاتي (عِنْد) قَبْرِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي . و كثير هَذَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ وإنْ ليَّنَه أَبُو زرْعَة ، وصوَّب ابنُ عَسَاكِر الرِّوَايَة الَّتِي بإسقاطه ، عَلَى أَن حفصًا هَذَا تَابعه عليُّ بن الْحسن بن هَارُون الْأنْصَارِيّ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَوسط معاجمه و أكبرها من حَدِيث أَحْمد بن رشدين عَنهُ ، عَن اللَّيْث ابْن بنت اللَّيْث بن أبي سليم قَالَ : حَدَّثتنِي جدتي عَائِشَة بنت يُونُس امْرَأَة اللَّيْث ، عَن لَيْث بن أبي سليم ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : مَنْ زار قَبْرِي كَانَ كَمَنْ زارني فِي حَياتِي . ووَهِمَ بَعضهم فَجعل حَفْصًا جَعْفَرَ بن سُلَيْمَان الضبعِي ، كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْنُ عَسَاكِر أَبُو اليُمْن بن أبي الْحسن فِي كِتَابه إتحاف الزائر ، قَالَ : وَتفرد بقوله : وصحبني الحسنُ بْنُ الطّيب ، وَفِيه نظر . قلت : (و) رُوي أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، رَوَاهُ العقيليُّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء من حَدِيث فضَالة بن سعيد أبي زميل (المأربي) ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى (المأربي) ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : مَنْ زارني فِي مماتي (فَكَانَ) كَمَنْ زارني فِي حَياتِي ، ومَنْ زارني حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى قَبْرِي كنت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدا - أَو قَالَ : شَفِيعًا . قَالَ العقيليُّ : فضَالة بن سعيد عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى لَا يُتابع عَلَى حَدِيثه ، وَلَا يُعْرف إِلَّا بِهِ . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث هَارُون بن قزعة عَن رجل من آل الْخطاب عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَنْ زارني (مُتَعَمدا) كَانَ فِي (جِوَاري) يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ البُخَارِيّ : ( هَارُون ) مديني ، لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وأمَّا الحَدِيث الثَّانِي : فَهُوَ ( مَنْ زار قَبْرِي فَلهُ الجَنَّة . (فَرَوَاهُ) بِنَحْوِهِ الدَّارَقُطْنِيّ (عَن) القَاضِي الْمحَامِلِي (نَا) عبيد الله بن مُحَمَّد الْوراق ، ثَنَا مُوسَى بن هِلَال الْعَبْدي ، عَن عبيد الله بن عُمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا : مَنْ زار قَبْرِي وجبتْ لَهُ شَفَاعَتِي وَهَذَا إِسْنَاد جيد ، لَكِن مُوسَى هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ بعد أَن ذكر أَن جمَاعَة رووا عَنهُ : هُوَ مَجْهُول . وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي مُخْتَصر الْمُخْتَصر عَن : مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الأحمسي ، عَن مُوسَى بن هِلَال الْعَبْدي ، عَن عبد الله بن (عمر ، عَن) نَافِع ، عَن ابْن عمر بِهِ ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يَصح حَدِيث مُوسَى وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَالرِّوَايَة فِي هَذَا الْبَاب فِيهَا لين . (قلت : قد تَابعه عبدُ الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم عَن ابْن عُمر ، أخرجه من طَرِيقه الْبَزَّار كَمَا سَتَعْلَمُهُ) . وَأما ابْن عدي فَقَالَ : (لَهُ غير هَذَا ، وَأَرْجُو أَنه) (لَا) بَأْس بِهِ . لَكِن تعقبه ابْنُ الْقطَّان قَالَ : والحقُّ أَنه (لم) تثبت عَدَالَته . قَالَ : وَفِيه الْعمريّ أَيْضا . قلت : لَكِن رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فِيهَا الْعمريّ المصغر وَهُوَ ثِقَة ، وَكَذَا أخرجه مِنْ هَذَا الْوَجْه الخطيبُ الحافظُ فِي تَلْخِيص الْمُتَشَابه بِلَفْظ : مَنْ زراني بعد موتِي وجبتْ لَهُ شَفَاعَتِي . وَذكره عبدُ الْحق فِي أَحْكَامه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا . وَسكت عَلَيْهِ ، فَاعْترضَ عَلَيْهِ ابنُ الْقطَّان بِمَا تقدم ، وَإسْنَاد الْبَزَّار لَيْسَ فِيهِ مُوسَى هَذَا ، وَإِنَّمَا فِيهِ عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن أبي [ عَمْرو ] الْغِفَارِيّ . قَالَ البزارُّ : حدث بِأَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا . و ( عبد الرَّحْمَن) بن زيد (بن) أسلم ، وَهُوَ ضَعِيف . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من وَجه آخر ؛ رَوَاهُ من حَدِيث أبي دَاوُد ، نَا سوار بن مَيْمُون أَبُو الجرَّاح الْعَبْدي ، حَدثنِي رجل من آل عمر ، عَن عُمر قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : مَنْ زار قَبْرِي - أَو قَالَ : من زارني - كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدا ، وَمن مَاتَ فِي أحد الْحَرَمَيْنِ بَعثه الله فِي الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا إِسْنَاد مَجْهُول . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : فِي إِسْنَاده نظر . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، (عَن سَالم) عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا : من جَاءَنِي زَائِرًا لَا (تعمله) حَاجَة إِلَّا زيارتي كَانَ حقًّا عليَّ أَن أكون (لَهُ) شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة . أخرجه عَن عَبْدَانِ بن (أَحْمد) ، نَا عبد الله بن مُحَمَّد الْعَبَّادِيّ الْبَصْرِيّ ، ثَنَا (مسلمة) بن سَالم الْجُهَنِيّ ، ثَنَا عبيد الله بن عُمر بِهِ ، وَعَزاهُ الضياءُ فِي أَحْكَامه إِلَى رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ : من جَاءَنِي زَائِرًا لَا يَنْزعهُ غير زيارتي ، كَانَ حقًّا عَلَى الله أَن أكون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ قَالَ : رَوَاهُ من رِوَايَة عَبْد الله بن عمر الْعمريّ . قَالَ الإِمَام أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَالَّذِي رَأَيْته فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير : عُبَيْدَ الله بِالتَّصْغِيرِ كَمَا أسلفْتُه ، فَلَعَلَّهُ فِي غير المعجم الْكَبِير وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة بِلَفْظ : مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تنزعه حَاجَة إِلَّا زيارتي كَانَ حقًّا عليَّ أَن أكون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة وصدَّرَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه لاستحباب زِيَارَة قَبره - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - بِحَدِيث أَبَى هُرَيْرَة الْمَرْفُوع : مَا مِنْ أحد يُسلِّم عليَّ : إِلَّا ردَّ اللَّهُ عليَّ روحي حَتَّى أردَّ عَلَيْهِ السَّلَام . (و) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِإِسْنَاد جيدٍ ، ثمَّ أردفه بِحَدِيث ابْن عمر السالف . وَمن ضَعِيف الْبَاب : حَدِيث مَنْ حَجَّ وَلم يَزُرْني فقد جفاني ، رَوَاهُ الخطيبُ فِي كتاب مَنْ رَوَى عَن مَالك من حَدِيث مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، (و) قَالَ : تفرد بِهِ النُّعْمَان بن شبْل عَن مَالك . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب (بِحَمْد الله ومنِّه) وَذكر فِيهِ قبل حَدِيث الزِّيَارَة : أَنه يسْتَحبّ الشّرْب من مَاء زَمْزَم ، وَلم يسْتَدلّ لَهُ ، وَرَأَيْت أَن (أتبرع بِهِ) فَأَقُول : هُوَ حَدِيث مَشْهُور ، وَله طَرِيقَانِ : أَحدهمَا : من رِوَايَة عبد الله بن المؤمل ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر رَفَعَهُ : ماءُ زَمْزَم لِمَا شُربَ لَهُ . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وابنُ أبي شيبَة فِي مُصَنفه ، وابنُ مَاجَه والبيهقيُّ فِي سنَنَيْهِمَا ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ عبد الله بن المؤمل . قلت : لَا ، بل تَابعه إبراهيمُ بن طهْمَان ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ ، كَذَا أوردهُ الْبَيْهَقِيّ نَفسه فِي سنَنه فِيمَا بعد ، فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْخُرُوج بِمَاء زَمْزَم . وتَبِعَ فِي الْعبارَة الأولَى العقيليَّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : رَوَاهُ عبد الله بن المؤمل ، وَلَا يُتابع عَلَيْهِ . وَكَذَا ابْن حبَان (فَإِنَّهُ) قَالَ ذَلِك (فِي) تَرْجَمته ، وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : إِنَّه حَدِيث حسن ، أخرجه ابنُ مَاجَه . وأَعَلَّهُ ابْن الْقطَّان بِأبي الزبير عَن جَابر ، وَقَالَ : تَدْلِيس أبي الزبير مَعْلُوم . قلت : قد صرّح (بِالتَّحْدِيثِ) فِي رِوَايَة ابْن مَاجَه ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْخُرُوج بِمَاء زَمْزَم . قلت : وَله طَرِيق آخر عَن جَابر ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (شعب) الْإِيمَان من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد ، عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن ابْن أبي الموال ، عَن ابْن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : غَرِيب من حَدِيث ابْن أبي الموال ، تفرد بِهِ سُوَيْد بن سعيد ، عَن ابْن الْمُبَارك ، وَرَوَى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى سُوَيْد بن سعيد قَالَ : رَأَيْت عبد الله ابن الْمُبَارك أَتَى زَمْزَم ، (فاستقى) مِنْهُ شربةً ، واستقبل الْقبْلَة . وَقَالَ ابْن أبي الموال : حُدِّثنا عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ) : مَاء زَمْزَم لِمَا شُرِب لَهُ . وَهَذَا أشربه (لعطش) الْقِيَامَة ، ثمَّ شربه . قَالَ النَّوَوِيّ فِي طبقاته : ابْن أبي الموال صَدُوق عِنْدهم ، واسْمه عبد الرَّحْمَن . قلت : وَذكره الشَّيْخ شرف الدَّين الدمياطي أَيْضا من حَدِيث سُوَيْد بن سعيد أَيْضا قَالَ : رَأَيْت عبد الله بن الْمُبَارك بِمَكَّة أَتَى مَاء زَمْزَم فاستقى مِنْهُ شربةً ، ثمَّ اسْتقْبل الْكَعْبَة ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِن ابْن أبي الموال نَا عَن مُحَمَّد . فَذكره (بِهِ) سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث عَلَى رَسْمِ الصَّحِيح ، فَإِن عبد الرَّحْمَن بن أبي الموال انْفَرد بِهِ البخاريُّ ، وسُويد بن سعيد انْفَرد بِهِ مُسلم . قلت : لكِنهمْ تكلمُوا فِيهِ . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث مُحَمَّد بن حبيب الجارودي ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ ، فَإِن شربته تستشفي شفاكَ الله ، وَإِن شربته مستعيذًا أَعَاذَك الله ، وَإِن شربته لتقطع ظمأك قطعه . قَالَ : ( وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا شرب مَاء زَمْزَم قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك علما نَافِعًا ، وَرِزْقًا وَاسِعًا ، وشفاءً من كل دَاء . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَهَذَا لَفظه ، وَلَفظ الدارقطني مثله إِلَى قَوْله : قَطَعَه ، وَزَاد : وَهِي هَزْمة جِبْرِيل ، وسقيا الله عَزَّ وَجَلَّ إِسْمَاعِيل وأبدل قَوْله : وَإِن شربته مستعيذًا أَعَاذَك الله بقوله : وَإِن شربته (مستشبعًا أشبعك الله) . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد إِن سَلِمَ من مُحَمَّد بن حبيب الجارودي . قلت : قد سَلِمَ مِنْهُ ؛ قَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : مُحَمَّد هَذَا قَدِمَ بغدادَ وحدَّث بهَا ، وَكَانَ صَدُوقًا ، لَكِن الرَّاوِي عَنهُ لَا يُعْرف حَاله وَهُوَ مُحَمَّد بن هِشَام بن عَلّي الْمروزِي . قلت : لَكِن ظَاهر كَلَام الْحَاكِم يدل عَلَى أَنه (يعرف حَاله) إِذْ لم يتَوَقَّف إِلَّا عَن الجارودي فَقَط . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن [ عمر ] بن الْحسن الْأُشْنَانِي القَاضِي صَاحب ذَاك الْمجْلس ، وَضَعفه الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحسن بن أَحْمد الْخلال ، ويُرْوى عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه كَذَّاب ، وَلم يَصح هَذَا ، وَلَكِن هَذَا الْأُشْنَانِي صَاحب بلايا ، (من) ذَلِك هَذَا الحَدِيث . ثمَّ سَاقه ، (و) قَالَ : ابْن حبيب صَدُوق ، فآفتُه هُوَ . قَالَ : فَلَقد أَثِمَ الدَّارَقُطْنِيّ بسكوته عَنهُ ، فَإِنَّهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل ، مَا رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة قطّ بل الْمَعْرُوف حَدِيث جَابر . وَفِي الأذكياء لِابْنِ الْجَوْزِيّ : عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث : مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ فَقَالَ : حَدِيث صَحِيح . وصحَّ فِي زَمْزَم : إِنَّهَا مباركة ، إِنَّهَا طعامُ طعم أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ، زَاد أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده : وشفاء سقم .
الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر أَصْحَابه أَن يَحْلِقُوا أَو يقصِّرُوا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم عَنهُ : أَنه حج مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام سَاق الْهَدْي مَعَه ، وَقد أهلوا بِالْحَجِّ مُفردا ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : حلوا من إحرامكم ، وطوفوا بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة ، وَأقِيمُوا (حَلَالا) الحَدِيث . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا بِلَفْظ : أحلُّوا من إحرامكم بِطواف (الْبَيْت) وَبَين الصَّفَا والمروة ، وقصِّرُوا ، ثمَّ أقِيمُوا (حَلَالا) (الحَدِيث) .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يدْخل مَكَّة من الثَّنية الْعليا وَيخرج من الثَّنية السُّفْلَى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل مَكَّة من كداء من الثَّنية الْعليا الَّتِي عِنْد الْبَطْحَاء وَخرج من الثَّنية السُّفْلَى هَذَا لفظ البُخَارِيّ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلمُسلم عَنهُ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يخرج من طَرِيق الشَّجَرَة (وَيدخل) من طَرِيق المعرس زَاد البُخَارِيّ : وَأَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا خرج إِلَى مَكَّة يُصَلِّي فِي مَسْجِد الشَّجَرَة (فَإِذا) رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحليفة بِبَطن الْوَادي وَبَات حَتَّى يصبح وَفِي رِوَايَة لمُسلم : وَإِذا دخل مَكَّة يدْخل من الثَّنية الْعليا الَّتِي بالبطحاء وَيخرج من الثَّنية السُّفْلَى وَفِي رِوَايَة لَهُ : الْعليا الَّتِي بالبطحاء وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : دخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْفَتْح من كداء الَّتِي (بِأَعْلَى) مَكَّة وَفِي رِوَايَة لَهما : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما جَاءَ إِلَى مَكَّة دَخلهَا من أَعْلَاهَا وَخرج من أَسْفَلهَا وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ : دخل من كداء وَخرج من كداء من أَعلَى مَكَّة (كداء عِنْده) بِالضَّمِّ فِي الأولَى وَالْفَتْح فِي الثَّانِيَة كَمَا نَقله عبد الْحق ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا مقلوب ، وكداء بِالضَّمِّ إِنَّمَا هِيَ السُّفْلَى . وَهُوَ كَمَا قَالَ . فَائِدَة : أصل الثَّنية فِي اللُّغَة : الطَّرِيق الضّيق بَين الجبلين ، وَأما كداء الْعليا (فَهِيَ) بِفَتْح الْكَاف وبالمد مَصْرُوف ، وَوَقع فِي الإِمَام (للشَّيْخ تَقِيّ الدَّين أَنه) غير مَصْرُوف وَأَنه مَمْدُود ، وَأما السُّفْلَى فبالضم وَالْقصر والتنوين . وَقَالَ الرَّافِعِيّ : الَّذِي (يشْعر) بِهِ كَلَام المصنفين : أَن السُّفْلَى أَيْضا بِالْمدِّ ، (ورد) عَلَيْهِ ذَلِك النَّوَوِيّ ، (وَقَول الرَّافِعِيّ وَيدل عَلَيْهِ أَنهم كتبوها بِالْألف ، وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا بِالْيَاءِ ، وَرَوَى فِيهِ شعرًا . قلت : استدلاله بِالْكِتَابَةِ عَجِيب ، فَإِن الْكِتَابَة بِالْألف لَا تَسْتَلْزِم أَن يكون ممدودًا ؛ بل كل مَقْصُور لَا يمال كَمَا يعْصَى وَنَحْوه بِالْألف ، وَكَذَلِكَ مَا أميل أَيْضا . وَكَلَامه فِي الشَّرْح الصَّغِير ظَاهر فِي تَرْجِيح الْقصر ، وَهُوَ الصَّوَاب الَّذِي قطع بِهِ الْمُحَقِّقُونَ . فَائِدَة (ثَانِيَة) : كدي - بِالتَّصْغِيرِ - : جبل مُرْتَفع قريب من مَكَّة فِي صوب الْيمن ، وَفِيه أَيْضا ثنية ضيقَة ، وَهِي فِي ذهَاب الشَّخْص إِلَى جبل ثَوْر ، وَلَيْسَ بلغةٍ كَمَا توهَّمَه بَعضهم) .
الحَدِيث الرَّابِع بعد السّبْعين أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : رحم الله المحلقين . قيل : يَا رَسُول الله ، والمقصرين ؟ قَالَ : رحم الله المحلقين . قيل : يَا رَسُول الله ، والمقصرين ؟ قَالَ : رحم الله المحلقين . قيل : يَا رَسُول الله ، والمقصرين ؟ (قَالَ : والمقصرين) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . قَالَ البُخَارِيّ : وَقَالَ اللَّيْث عَن نَافِع : رحم الله المحلقين . مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَقَالَ : حَدثنِي عبيد الله عَن نَافِع قَالَ فِي الرَّابِعَة : والمقصرين . وَأَخْرَجَاهُ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة بِمثلِهِ ، وَأخرجه مُسلم من رِوَايَة أم الْحصين ، وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَقد ذكرتُها فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط مَعَ ذكر سَبَب الحَدِيث ، فَليُرَاجع مِنْهُ .
الحَدِيث الْخَامِس بعد التسعين أَن صَفِيَّة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها حَاضَت ، فأمَرَها رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تَنْصَرِف بِلَا وداع . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها من طرق عَنْهَا .
الحَدِيث الْخَامِس بعد السّبْعين أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أوَّل مَا قَدِم (من) منًِى رَمَى جَمْرَة الْعقبَة ، ثمَّ ذبح ، ثمَّ حلق ، ثمَّ طَاف للإفاضة . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجه مُسلم كَذَلِك من حَدِيث جَابر الطَّوِيل كَمَا سلف إِلَّا الْحلق ، فَإِنَّهُ ثَابت من حَدِيث أنس كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيثه كَمَا سلف أَيْضا ، وَأما حَدِيث عَائِشَة وَابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أخَّر (طَوَافه) يَوْم النَّحْر إِلَى اللَّيْل فمخالف (لهَذَا ، وَقد سلف) ، وَهُوَ مؤوَّل كَمَا أوضحته فِي تخريجي لأحاديث المهذَّب .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : نذرت أَن أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْت ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : (صلي) فِي الْحجر ؛ فَإِن سِتَّة أَذْرع مِنْهُ من الْبَيْت . هَذَا الحَدِيث غَرِيب كَذَلِك ، وَالْمَعْرُوف مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنْهَا ، قَالَت : كنت أحب (أَن) أَدخل الْبَيْت فأصلي فِيهِ ، فَأخذ رَسُول الله بيَدي فَأَدْخلنِي فِي الْحجر ، فَقَالَ لي : صلي فِيهِ إِن أردْت دُخُول الْبَيْت ؛ فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَة مِنْهُ ، وَإِن قَوْمك اقتصروا حِين بنوا الْكَعْبَة (فأخرجوه) من الْبَيْت . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَفِي رِوَايَة للنسائي : قلت : يَا رَسُول الله ، (أَأدْخل) الْبَيْت ؟ قَالَ : ادخلي الْحجر ؛ فَإِنَّهُ من الْبَيْت . رَوَاهُ ابْن مَاجَه (بِلَفْظِهِ) عَن عَائِشَة : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْحجر ، فَقَالَ : هُوَ من الْبَيْت . قلت : مَا مَنعهم أَن يدخلوه فِيهِ ؟ ! قَالَ : عجزت بهم النَّفَقَة وَفِي مُعْجم الْإِسْمَاعِيلِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الترجماني ، نَا شُعَيْب بن صَفْوَان ، عَن عَطاء ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن عَائِشَة ، قَالَت : ( قلت : يَا رَسُول الله ، كل نِسَائِك قد دَخَلْنَ البيتَ غَيْرِي ! قَالَ : (فاذهبي) إِلَى ذِي قرابتك - إِلَى شيبَة - فليفتح لَك (الْبَاب) (قَالَت) : فذهبتُ إِلَى شيبَة فَقلت : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَأْمُرك أَن تفتحَ لي الْبَاب (قَالَ) : رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمَرَك ؟ قلت : نعم . فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا نَبِي الله ، أمرت عَائِشَة أَن يُفْتَحَ لَهَا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : واللهِ مَا فتحتُ فِي جَاهِلِيَّة وَلَا (إِسْلَام) بليلٍ قطّ . قَالَ : فاذْهَبْ فاصَنَعْ مَا كنت تفعل ؛ واذْهبي أنتِ يَا عَائِشَة فصلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي الْحجر ، فَإِن طَائِفَة مِنْهُ فِي الْبَيْت ، وإنَّ قَوْمك قصرت بهم النَّفَقَة فتركوا طَائِفَة من الْبَيْت فِي الْحجر ، وَرَوَاهُ ابْن الْمُغلس عَن (أَحْمد) بن أبي خَيْثَمَة ، عَن سُرَيج (بن) النُّعْمَان ، نَا أَبُو (معشر) ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِن أهل الْجَاهِلِيَّة اقتصروا فِي بِنَاء (هَذَا) الْبَيْت فادخلي الحِجْر وصَلِّي عندَ الْبَيْت ؛ فإنَّ ذَلِك من الْبَيْت . وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ ذكر هَذَا الحَدِيث فِي (تَقْرِيره) أَن سِتَّة أذرعٍ من الحِجْر فَقَط من الْبَيْت ، ويغني عَنهُ الحَدِيث الصَّحِيح عَنْهَا فِي تَقْرِيره بذلك ، وَقد (أسلفت) فِي الحَدِيث الْعَاشِر اضْطِرَاب الرِّوَايَات فِيهِ .
الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين عَن عبد الله بن عَمرو قَالَ : وقف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حجَّة الْوَدَاع بمنى للنَّاس يسألونه ، فَقَالَ رجل : يَا رَسُول الله ، إِنِّي حلقتُ قبل أَن أرمي ؟ فَقَالَ : ارْمِ وَلَا حرج . وَأَتَاهُ آخرُ فَقَالَ : إِنِّي ذبحتُ قبل أَن أرمي ؟ فَقَالَ : ارْمِ وَلَا حرج . وَأَتَاهُ آخرُ فَقَالَ : إِنِّي أفضتُ إِلَى الْبَيْت قبل أَن أرمي ؟ فَقَالَ : ارْمِ وَلَا حرج . فَمَا سُئِلَ عَن شيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ : افعلْ وَلَا حرج . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه من طرق ، وَأَخْرَجَا نَحوه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما .
الحَدِيث الرَّابِع بعد التسعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا ينصرفن أحد حَتَّى يكون آخر عَهده الطّواف بِالْبَيْتِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سقناه أَيْضا من رِوَايَة ابْن عَبَّاس من صَحِيح مُسلم .
الحَدِيث السَّابِع بعد السّبْعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمَرَ أُمَّ سَلمَة لَيْلَة النَّحْر ، فرمت جَمْرَة الْعقبَة قبل (الْفجْر) ، ثمَّ أفاضت ، وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْمهَا من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، كَمَا سبق فِي الْبَاب وَهُوَ الحَدِيث الْخَامِس بعد السِّتين .
الحَدِيث (الرَّابِع) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا رَأَى الْبَيْت رفع يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً ، وزِدْ من شرَّفَه وعظَّمَه ممَّنْ حَجَّه أَو اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبِرًّا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي أَنا سعيد بن سَالم ، عَن ابْن جريج : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا رَأَى الْبَيْت رفع (يَدَيْهِ) وَقَالَ : اللَّهُمَّ . فَذكره كَمَا سَاقه الرَّافِعِيّ ، إِلَّا أَنه قَالَ بدل : وعظمه : وَكَرمه وَسَيَأْتِي بِلَفْظ : وعظمه أَيْضا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُنْقَطع . وَقَالَ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ : مُرْسل معضل . وَقَالَ صَاحب الإِمَام : معضل فِيمَا بَين ابْن جريج وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : هَكَذَا حدث بِهِ الشَّافِعِي مُنْقَطِعًا . وَقَالَ : لَيْسَ فِي رفع الْيَدَيْنِ شَيْء أكرهه وَلَا أستحبه عِنْد رُؤْيَة الْبَيْت وَهُوَ عِنْدِي حسن . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَأَنَّهُ لم يعْتَمد عَلَى الحَدِيث لانقطاعه . قلت : وَسَعِيد بن سَالم هُوَ القداح ، وَقد علمتَ حَاله فِي أَوَاخِر الْبَاب قبله ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَله شَاهد مُرْسل عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن أبي سعيد الشَّامي ، عَن مَكْحُول ، قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا دخل مَكَّة (فَرَأَى) الْبَيْت رفع يَدَيْهِ وَكبر وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام ، فحيِّنا رَبنَا بِالسَّلَامِ ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا وتعظيمًا وتكريمًا (ومهابة ، وزد من حجه أَو اعتمره تَشْرِيفًا وتكريمًا) (وتعظيمًا) وبِرًّا . قلت : وَله شَاهد مُتَّصِل من حَدِيث حُذَيْفَة بن أسيد ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن مُحَمَّد بن مُوسَى الْأَيْلِي الْمُفَسّر ، ثَنَا عمر بن يَحْيَى الْأَيْلِي ، نَا عَاصِم بن سُلَيْمَان الكوزي ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن حُذَيْفَة بن أسيد أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا نظر إِلَى الْبَيْت قَالَ : اللَّهُمَّ زد بَيْتك هَذَا تَشْرِيفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًّا ومهابة . وَعَاصِم (هَذَا) كذبوه . وَفِي سنَن سعيد بن مَنْصُور : نَا (مُعْتَمر) بن سُلَيْمَان ، حَدثنِي برد بن سِنَان أَبُو الْعَلَاء ، قَالَ : سَمِعت عباد بن قسَامَة يَقُول : إِذا رَأَيْت الْبَيْت فَقل : اللَّهُمَّ زد بَيْتك هَذَا تَشْرِيفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة ، وزد من شرفه وعظمه وَكَرمه مِمَّن حجه (واعتمره) تَشْرِيفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًّا وفيهَا أَيْضا عَن سعيد بن الْمسيب ، قَالَ : سَمِعت هَذَا من عمر ، وَمَا بَقِي عَلَى الأَرْض سمع هَذَا مِنْهُ غَيْرِي أَنه نظر إِلَى الْبَيْت فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام (فحيِّنا) رَبنَا بِالسَّلَامِ وَفِي هَذَا إِثْبَات سَماع سعيد (من عمر) وَالْمَشْهُور خِلَافه . فَائِدَة : وَقع فِي مُخْتَصر الْمُزنِيّ ذكر المهابة فِي هَذَا الحَدِيث فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وغلطه الْأَصْحَاب فِي ذَلِك وَقَالُوا : إِنَّمَا يُقَال فِي الثَّانِي وبرًّا لِأَن المهابة تلِيق بِالْبَيْتِ وَالْبر يَلِيق بالإنسان ، (قَالَ الرَّافِعِيّ : وَالثَّابِت فِي الْخَبَر إِنَّمَا هُوَ الِاقْتِصَار عَلَى الْبر . قلت : أَيْن الثُّبُوت ؟ فَالْحَدِيث فِي نَفسه رَوَاهُ الشَّافِعِي مُرْسلا ومعضلاً) . وَوَقع فِي الْوَجِيز ذِكْر المهابة وَالْبر جَمِيعًا فِي (الأول) وَذكر الْبر وَحده ثَانِيًا ، وَاعْتَرضهُ الرَّافِعِيّ فَقَالَ : لم (يَرَ) الْجمع بَينهمَا إِلَّا لَهُ ، وَلَا ذكر لَهُ فِي الحَدِيث الْوَارِد بِهَذَا الدُّعَاء ، وَلَا فِي كتب الْأَصْحَاب ، وَالْبَيْت لَا يتَصَوَّر مِنْهُ بر ، وَلَا يَصح إِطْلَاق هَذَا اللَّفْظ عَلَيْهِ إِلَّا أَن يَعْنِي الْبر عَلَيْهِ . وَأجَاب النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي تهذيبه : لإِطْلَاق الْبر عَلَى الْبَيْت وَجه صَحِيح وَهُوَ أَن يكون (مَعْنَاهُ) أَكثر زائريه ، فبِرّه بزيارته كَمَا أَن من جملَة بِرّ الْوَالِدين والأقارب والأصدقاء زيارتهم واحترامهم . وَلَكِن الْمَعْرُوف مَا تقدم ، وَقد رَوَى الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخ مَكَّة حَدِيثا عَن مَكْحُول ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ( أَنه) كَانَ إِذا رَأَى الْبَيْت رفع يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وبِرًّا وزِدْ مَن شَرَّفه . إِلَى آخِره ، هَكَذَا ذكره ، جمع أَولا بَين المهابة والبِرّ كَمَا وَقع فِي الْوَجِيز لَكِن هَذِه الرِّوَايَة مُرْسلَة ، وَفِي (إسنادها) رجل مَجْهُول وَآخر ضَعِيف .
الحَدِيث الثَّامِن بعد السّبْعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا رميتم وحلقْتُم فقد حلَّ لكم الطيبُ واللباسُ ، وكلُّ شيءٍ إِلَّا النِّسَاء . هَذَا الحَدِيث (تقدم) قَرِيبا وَاضحا .
الحَدِيث الثَّالِث بعد التسعين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يَنْفِرَنَّ أحدُكم حَتَّى يكون آخر عَهده بِالْبَيْتِ ، إِلَّا أَنه رخَّص للحائض . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم بِلَفْظ : عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ النَّاس يَنْصَرِفُونَ فِي كل وَجه ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يَنْفِرَنَّ أحد حَتَّى يكون آخر عَهده بِالْبَيْتِ . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس : رخص للحائض أَن تنفر إِذا أفاضتْ . قَالَ : وَسمعت ابْنَ عُمر يَقُول : إِنَّهَا لَا تنفر ، ثمَّ (سمعته) بعد يَقُول : إِن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أرخص لَهُنَّ وَأَخْرَجَا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : أَمر النَّاس أَن يكون آخر عَهدهم بِالْبَيْتِ ، إِلَّا أَنه خفف عَن الْمَرْأَة الْحَائِض . وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث ابْن عمر : من حَجَّ هَذَا الْبَيْت فَلْيَكُن آخر عَهده بِالْبَيْتِ ، إِلَّا الحيَّض ؛ رخَّص لَهُنَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَالِاسْتِدْلَال للْوُجُوب بِالْأولِ أَوْلى ؛ لِأَن لفظ (الْأَمر) لَا يدل عَلَى الْإِيجَاب بِخُصُوصِهِ ، بل يحْتَمل لَهُ وللندب كَمَا هُوَ مُقَرر فِي الْأُصُول) .
الحَدِيث التَّاسِع بعد السّبْعين عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : طيَّبْتُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لإحرامه قبل أَن يُحْرِمَ ، ولحلِّه قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف فِي بَاب سنَن الْإِحْرَام ، وَاضحا .
الحَدِيث الْحَادِي عشر وَالثَّانِي عشر قَالَ الرَّافِعِيّ - بعد اعْتِبَار جعل الْبَيْت عَلَى يسَار الطَّائِف ومحاذاة الحَجَر بِجَمِيعِ الْبدن - : وَإِنَّمَا اعْتبر لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَذَلِك طَاف وَقَالَ : خُذُوا عني مَنَاسِككُم . هَذَا (الحَدِيث) كُله صَحِيح ، فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لما قدم مَكَّة أَتَى الْحجر فاستلمه ، ثمَّ مَشَى عَلَى يَمِينه فَرمَلَ ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا وَفِيه أَيْضا من حَدِيث جَابر ، قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَته يَوْم النَّحْر وَيَقُول : لِتَأْخُذُوا (عني) مَنَاسِككُم ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لعَلي لَا أحج بعد حجتي هَذِه وَفِي رِوَايَة للبيهقي بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح فِي بَاب الْإِسْرَاع فِي وَادي محسر : خُذُوا عني مَنَاسِككُم ، لعَلي لَا أَرَاكُم بعد عَامي هَذَا وَفِي رِوَايَة للنسائي بِإِسْنَادِهِ فِي بَاب الرّكُوب إِلَى الْجمار رَأَيْت رَسُول الله يَرْمِي الْجَمْرَة وَهُوَ عَلَى بعيره وَهُوَ يَقُول : يَا أَيهَا النَّاس ، خُذُوا عني مَنَاسِككُم (فَإِنِّي) لَا أَدْرِي لعَلي لَا أحج بعد عَامي هَذَا .
الحَدِيث الثَّمَانُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ترك نُسُكًَا فَعَلَيهِ دم . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب الْمَوَاقِيت ، وَأَنه مَوْقُوف .
الحَدِيث الثَّانِي بعد التسعين أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لمَّا فرغ من أَعمال الْحَج طَاف للوداع . هَذَا صَحِيح مَشْهُور ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أنس كَمَا سلف قَرِيبا .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَات بمنى ليَالِي التَّشْرِيق ، وَقَالَ : خُذُوا عني مَنَاسِككُم . هُوَ كَمَا ذكر ، أما مبيته بمنى فَصَحِيح مَشْهُور ، (وبَيَّنَه) حديثُ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : أَفَاضَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من آخر يَوْمه يَوْم النَّحْر (حِين) صلَّى الظهرَ ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى فَمَكثَ بهَا ليَالِي أَيَّام التَّشْرِيق ، يَرْمِي الجمرَةَ إِذا زَالَت الشَّمْس . الحَدِيث . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَصَححهُ ابْنُ حبَان ، وَالْحَاكِم وَقَالَ : عَلَى شَرط مُسلم . وَأما قَوْله : خُذُوا عنِّي مناسكَكم فقد سلف فِي أَوَائِل الْبَاب .
الحَدِيث الْخَامِس (رُوِيَ) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لقد حج هَذَا الْبَيْت (سَبْعُونَ) نبيًّا لَهُم ، خلعوا نعَالهمْ من ذِي طوى تَعْظِيمًا للحرم . هَذَا الحَدِيث رُوِيَ بِمَعْنَاهُ من طَرِيقين : إِحْدَاهمَا : عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لقد مرّ بالصخرة من الروحاء (سَبْعُونَ) نبيًّا حُفَاة ، عَلَيْهِم العباء يؤمُّونَ الْبَيْت الْعَتِيق فيهم مُوسَى ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه والعقيلي فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء فِي تَرْجَمَة أبان الرَّقاشي ، وَقَالَ : حَدثنِي آدم ، قَالَ : سَمِعت البُخَارِيّ ، قَالَ : أبان الرقاشِي ، عَن أبي مُوسَى رَوَى عَنهُ يزِيد ، وَلم يَصح حَدِيثه . قَالَ الْعقيلِيّ : والْحَدِيث هُوَ هَذَا . (الطَّرِيق الثَّانِي) : عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما مَوْقُوفا عَلَيْهِ ، قَالَ : كَانَت الْأَنْبِيَاء يدْخلُونَ الْحرم مشَاة حُفَاة يطوفون بِالْبَيْتِ ويقضون الْمَنَاسِك حُفَاة مشَاة ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه كَذَلِك وَفِي إِسْنَاده مبارك بن حسان الْبَصْرِيّ وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، لَا يحْتَج بِهِ ، يُرْمَى بِالْكَذِبِ . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَلَى نمطٍ آخر فَقَالَ : ثَنَا وَكِيع ، نَا زَمعَة بن صَالح ، عَن سَلمَة بن وهرام ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : لما مرّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بوادي عسفان حِين حج (قَالَ) : يَا أَبَا بكر ، أَي وادٍ هَذَا ؟ قَالَ : وَادي عسفان . قَالَ : لقد مرّ بِهِ هود وَصَالح عَلَى بكرات حمرٍ خطمها الليف ، أزرهم العباء ، وأرديتهم النمار ، يلبون نَحْو الْبَيْت الْعَتِيق وَزَمعَة ضعفه أَحْمد ، وَأخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا بآخر ، وَسَلَمَة بن وهرام مُخْتَلف فِيهِ ، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَضَعفه أَبُو دَاوُد ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم ، عَن ابْن عمر قَالَ : وقف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعسفان ، فَقَالَ : لقد مر (بِهَذِهِ) الْقرْيَة سَبْعُونَ نبيًّا ، ثِيَابهمْ العباء ، ونعالهم الخوص قَالَ ابْن أبي حَاتِم : [ قَالَ أبي : ] هَذَا حَدِيث مَوْضُوع بِهَذَا الْإِسْنَاد . وَلما ذكر ابْن الرّفْعَة عَن (النَّوَوِيّ) اسْتِحْبَاب دُخُول مَكَّة حافيًا ، قَالَ : وَهُوَ مَا ذكره فِي الْبَحْر عَن بعض النَّاس مستدلاًّ بقوله تَعَالَى لمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام : (فاخلع نعليك) (وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : لقد حج هَذَا الْبَيْت . فَذكر الحَدِيث ، وَهُوَ كَمَا ذكره عَن (الْبَحْر) ، وَكَأَنَّهُ سقط شَيْء من الِاسْتِدْلَال وَأَصله (لقَوْله تَعَالَى : (فاخلع نعليك) الْآيَة ) .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّمَانِينَ (عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب استأذنَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبيت بِمَكَّة ليَالِي منى لأجْلِ سقايته ؛ فأذِنَ لَهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه كَذَلِك . وَفِي رِوَايَة (للْبُخَارِيّ) : رخَّص النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا قَالَ من غير زِيَادَة .
الحَدِيث الْحَادِي بعد التسعين عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (أَنَّهَا) قَالَت : نزل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - المحصب وَلَيْسَ بسُنَّة ، فَمن شَاءَ نزله ، وَمن شَاءَ فليتركه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عُرْوَة عَن عَائِشَة : أَنَّهَا لم تكن تفعل ذَلِك - يَعْنِي : تنزل الأبطحَ - وَقَالَت : إِنَّمَا نزله رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلاً أسمح لِخُرُوجِهِ . وللطبراني فِي أكبر معاجمه : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا انْتظر بِهِ عَائِشَة حَتَّى تَأتي . وَلمُسلم عَنْهَا : نزُول الأبطح لَيْسَ بسُنَّةٍ وَله (و) للْبُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس : لَيْسَ التحصيب بِشَيْء ؛ إِنَّمَا هُوَ منزل نزله رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَائِدَة : المحصب : اسْم لمَكَان متسع بَين مَكَّة وَمنى ، قَالَ صَاحب الْمطَالع وغيرُه : وَهُوَ إِلَى منى أقرب . وَأقرهُ النوويُّ فِي شرح الْمُهَذّب عَلَى ذَلِك ، وَاعْترض عَلَيْهِ فِي تهذيبه وَقَالَ : إِنَّه لَيْسَ بِصَحِيح ، بل هُوَ (بقُرْب) مَكَّة . قَالَ صَاحب الْمطَالع : وَيُقَال لَهُ : الأبطح والبطحاء ، وَخيف بني كنَانَة . والمحصب أَيْضا : مَوضِع الْجمار من منى . وَلَكِن لَيْسَ مرَادا هُنَا ، قَالَ الرَّافِعِيّ وغيرُه : وَسمي ب المحصب لِاجْتِمَاع الْحَصَى فِيهِ (يحمل) السَّيْل ، فَإِنَّهُ مَوضِع منهبط . وَعبارَة البكريِّ فِي مُعْجَمه : المحصب - بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه - مُفعل من الْحَصْبَاء ، مَوضِع بِمَكَّة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ عَن عَاصِم بن عدي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رخَّص للرعاة أَن (يتْركُوا) الْمبيت بمنى ، ويرموا يَوْم النَّحْر جمرةَ الْعقبَة ، ثمَّ يرموا يَوْم النَّفْر الأوَّل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الأئمةُ : مَالك فِي الْمُوَطَّأ وأحمدُ فِي الْمسند وأصحابُ السّنَن الْأَرْبَعَة وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه والحاكمُ فِي مُسْتَدْركه . رَوَاهُ مَالك عَن عبد الله ابن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن ( أبي) البدَّاح عَاصِم بن عدي ، عَن أَبِيه . كَذَا فِي رِوَايَة يَحْيَى بن يَحْيَى ، كَمَا قَالَ أَحْمد بن خَالِد قَالَ : وَيَحْيَى وَحده من بَين أَصْحَاب مَالك قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث عَن مَالك بِإِسْنَادِهِ أَن أَبَا البدَّاح عَاصِم بن عدي فَجعل أَبَا البدَّاح كنية عَاصِم بن عدي ، وجَعَل الحَدِيث لَهُ . (قَالَ ابْن عبد الْبر : والْحَدِيث) إِنَّمَا (هُوَ) لعاصم بن عدي ، هُوَ الصاحب ، وَأَبُو البدَّاح ابْنُه يرويهِ عَنهُ ، وَهُوَ الصَّحِيح فِيهِ : عَن أبي البدَّاح بن عَاصِم بن عدي عَن أَبِيه . قيل : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وهب وابْنُ الْقَاسِم ، قَالَ أَبُو عمر : لم نجد عِنْد شُيُوخنَا فِي كتب يَحْيَى إلَّا عَن أبي البداح بن عَاصِم بن عدي ، كَمَا رَوَاهُ جماعةُ الروَاة عَن مَالك ، وَهُوَ الصَّحِيح فِي إِسْنَاد هَذَا (الْبَاب) كَمَا قَالَ أَحْمد - يَعْنِي : ابْن خَالِد - فَإِن كَانَ [ يَحْيَى ] رَوَاهُ كَمَا قَالَ أَحْمد فَهُوَ غلط من يَحْيَى ، وَالله أعلم ، أَو من غَيره ، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَن مَالك إِلَّا مَا ذكر أَحْمد عَن يَحْيَى . وَرَوَاهُ أَحْمد عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن مَالك ، كَمَا فِي رِوَايَة يَحْيَى بن يَحْيَى . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمرو بن حزم ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البدَّاح بن عدي ، عَن أَبِيه ، ثمَّ قَالَ : رَوَاهُ مَالك (بن أنس ، عَن عبد الله بن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البداح بن عَاصِم بن عدي ، عَن أَبِيه . قَالَ : وَرِوَايَة مَالك) أصح . قَالَ : وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح . قلت : وَمَعْنى قَوْله : رِوَايَة مَالك أصح : أَن سُفْيَان اختُلف عَلَيْهِ فَرُبمَا قيل : عَن أبي البداح بن عدي ، بِدُونِ ذكر أَبِيه ، نبَّه (عَلَيْهِ) صاحبُ الإِمَام ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث مَالك ، وَفِيه : عَن أبي البداح بن عَاصِم عَن أَبِيه ، وَمن حَدِيث أبي البداح بن عدي ، عَن أَبِيه ، (وَرَوَاهُ النسائيّ من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي البداح بن عدي عَن أَبِيه) ، (و) من حَدِيث أبي البداح بن عَاصِم ، عَن أَبِيه . وَرَوَاهُ ابْن حبَان كَمَا رَوَاهُ مَالك أوَّلاً ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث أبي البداح بن عدي عَن أَبِيه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قَالَ : وَأَبُو البداح هُوَ ابْن عَاصِم بن عدي ، وَهُوَ مَشْهُور فِي (التَّابِعين) ، وَعَاصِم بن عدي مَشْهُور فِي الصَّحَابَة ، وَهُوَ صَاحب اللِّعَان ، فَمن قَالَ : عَن أبي البداح بن عدي فَإِنَّهُ نسبه إِلَى جدِّه . قَالَ : (وبصحة) مَا ذكرتُه حَدثنِي أَبُو (عَلّي الْحسن) بن عَلّي بن دَاوُد . ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَالك عَن عبد الله بن أَبَى بكر بن مُحَمَّد بن عَمرو بن حزم ، عَن أَبِيه أَن ابْن عَاصِم بن عدي أخبرهُ ، عَن أَبِيه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكره . (هَذَا) مَا ذكره الْحَاكِم فِي كتاب الْحَج ، وَذكره فِي كتاب المناقب فِي تَرْجَمَة عَاصِم بن عدي ، فَقَالَ : ولعاصمٍ حَدِيث مَشْهُور . فَذكره بِإِسْنَاد مَالك الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، جوَّده مَالك بن أنس ، وزلق فِيهِ غيرُه . ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ فِي حَدِيث أبي البداح بن عَاصِم بن عدي : يرويهِ مَالك ، عَن عبد الله بن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن (أبي) البداح بن عَاصِم بن عدي ، عَن أَبِيه (مَرْفُوعا) . (قَالَ : وَحدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مُحَمَّد بن أبي بكر ، عَن أَبِيه ، عَن أبي البداح بن (عَاصِم) ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا) . قَالَ يَحْيَى : وَهَذَا خطأ ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ مَالك . قَالَ يَحْيَى : وَكَانَ سُفْيَان إِذا حدّثنا بِهَذَا الحَدِيث قَالَ : ذهب عني فِي هَذَا الحَدِيث شَيْء . قلت : هَذَا مَا يتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ ، وَأما أَلْفَاظه ، فَلفظ مَالك : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أرخص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة عَن منى ، يرْمونَ يَوْم النَّحْر ، ثمَّ يرْمونَ الْغَد ومِنْ بعد الْغَد ليومين ، ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْرِ . هَذَا مَا رأيتُه من طَرِيق يَحْيَى بن يَحْيَى . وَذكر أَبُو عُمر : أَن الْقطَّان لم يقل فِي حَدِيثه هَذَا عَن مَالك : ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْر ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ . قَالَ صَاحب الإِمَام : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقطَّان رخَّص للرعَاء فِي البيتوتة وَلم يقل : عَن منى ، وَفِي رِوَايَة : يرْمونَ يَوْم النَّحْر واليومين (اللَّذَيْن) بعده . قَالَ مَالك بعد سِيَاقه مَا نقلتُه لَك من رِوَايَته : نرَى - واللَّهُ أعلم - فِي تَفْسِير ذَلِك : أَنهم يرْمونَ يَوْم النَّحْر ، فَإِذا مَضَى الْيَوْم الَّذِي يَلِي يَوْم النَّحْر رموا من الْغَد ، وَذَلِكَ يَوْم النَّفر الأوَّل ، ويرمون لليوم الَّذِي مَضَى ، ثمَّ يرْمونَ ليومهم (ذَلِك) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضي أحد شَيْئا حَتَّى يجب عَلَيْهِ ، فَإِذا وَجب عَلَيْهِ وَمَضَى كَانَ القضاءُ بعد ذَلِك ، فَإِن بدا لَهُم فِي النَّفر فقد فرغوا ، وَإِن أقامُوا إِلَى الْغَد رَمَوا مَعَ النَّاس يَوْم النَّفر الآخر ، ونفروا . وَلَفظ أَحْمد كَرِواية مَالك (الأولَى) ، إِلَّا أَنه قَالَ : يرْمونَ الْغَد أَو من (بعد) الْغَد ليومين . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : أرخِص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة عَن منى ، يرْمونَ يَوْم النَّحْر (ثمَّ) يجمعُونَ رمْيَ يَوْمَيْنِ بعد يَوْم النَّحْر ، فيرمونه فِي أَحدهمَا . قَالَ : قَالَ مَالك : ظننا أَنه قَالَ فِي الأول مِنْهُمَا : ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفْر ، وَفِي أُخْرَى (لَهُ) وَلأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام (رخَّص) للرعاء أَن يرموا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا . وَفِي رِوَايَة للنسائي : أَنه رخَّص للرعاء فِي البيتوتة ، يرْمونَ يَوْم النَّحْر واليومين (اللَّذين) بعده ، (يجمعونه) فِي أَحدهمَا . وَلَفظ ابْن مَاجَه فِي الأولَى : رخص للرعاء أَن يرموا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا . وَفِي الثَّانِيَة : رخص لرعاء الْإِبِل فِي البيتوتة أَن يرموا يَوْم النَّحْر ، ثمَّ يجمعوا رمي يَوْمَيْنِ بعد النَّحْر فيرمونه فِي أَحدهمَا . قَالَ مَالك : ظننتُ أَنه قَالَ فِي الأوَّل مِنْهُمَا : ثمَّ يرْمونَ يَوْم النَّفر . وَلَفظ ابْن حبَان وَالْحَاكِم كَلَفْظِ أبي دَاوُد ، (وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم كَلَفْظِ مَالك) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : رخص لَهُم أَن يرموها لَيْلًا . فَائِدَة : البَدَّاح : بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ، ثمَّ دَال مُهْملَة مُشَدّدَة ، ثمَّ ألِف ، ثمَّ حاء مُهْملَة ، وَأَبُو البداح هَذَا مَشْهُور فِي التَّابِعين ، ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، قَالَ : وَيُقَال : إِن لَهُ صُحْبَة . قَالَ : وَفِي الْقلب مِنْهُ شَيْء لِكَثْرَة الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده . وَقَالَ الصريفيني : الْأَصَح أَن لَهُ صُحْبَة . وَكَذَا صَححهُ ابْن عبد الْبر فِي كتاب (الِاسْتِيعَاب وَفِي) كتاب أبي مُوسَى : أَنه زوج جُمَيْل بنت يسَار أُخْت معقل الَّتِي عضلها ، ووالده : عَاصِم بن عدي صَحَابِيّ مَشْهُور بَدْرِي (أُحُدِي) سيد بني العجلان . فَائِدَة أُخْرَى : رِعاء الْإِبِل : بِكَسْر الرَّاء وبالمد ، جمع رَاع ، كصاحب وصِحَاب .
الحَدِيث الْعَاشِر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَوْلَا حدثان قَوْمك بالشرك لهدمت الْبَيْت ولبنيته عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ، فَأَلْصَقته بِالْأَرْضِ وَجعلت لَهُ بَابَيْنِ شرقيًّا وغربيًّا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْحجر : أهوَ من الْبَيْت ؟ قَالَ : نعم . قلت : فَمَا لَهُم (لم) يدخلوه فِي الْبَيْت ؟ ! قَالَ : إِن قَوْمك قصرت بهم النَّفَقَة . قلت : فَمَا شَأْن بَابه مرتفعًا ؟ قَالَ : فعل ذَلِك قَوْمك ليدخلوا من شَاءُوا ويمنعوا من (شَاءُوا) وَلَوْلَا أَن قَوْمك حَدِيث عَهدهم بالجاهلية وأخاف أَن (ينكروا) أَن أَدخل الْجدر فِي الْبَيْت وَأَن ألصق بَابه بِالْأَرْضِ وَفِي رِوَايَة لمُسلم : الحِجْر بدل الْجدر (والجَدْر) بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان الدَّال الْمُهْملَة : (الحِجْر) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لعَائِشَة : لَوْلَا أَن قَوْمك حَدِيث (عَهدهم) بجاهلية لأمرت بِالْبَيْتِ فهُدِم (فأُدْخِل) فِيهِ مَا أُخْرِج مِنْهُ (وأَلْزَقْته) بِالْأَرْضِ ، وَجعلت لَهُ بَابَيْنِ : بَابا شرقيًّا وبابًا غربيًّا ، وَبَلغت بِهِ أساس إِبْرَاهِيم وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَنْهَا ، قَالَت : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَوْلَا أَن قَوْمك حديثو عهدٍ بجاهلية - أَو قَالَ بِكفْر - لأنفقت كنز الْكَعْبَة فِي سَبِيل الله ، ولجعلت بَابهَا بِالْأَرْضِ ، ولأدخلت فِيهَا الحِجْر وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا : يَا عَائِشَة ، لَوْلَا أَن قَوْمك (حديثو) عهد بشرك لنقَضْتُ الْكَعْبَة فألزقتها بِالْأَرْضِ ، وَجعلت لَهَا بَابَيْنِ : بَابا شرقيًّا وبابًا غربيًّا ، وزدت فِيهَا سِتَّة أَذْرع (من الحِجْر ؛ فَإِن قُريْشًا اقتصرتها حِين بنت الْكَعْبَة وَفِي رِوَايَة خمس أَذْرع) وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِن قَوْمك استقصروا من بُنيان الْبَيْت وَلَوْلَا حَدَاثَة عَهدهم بالشرك أعدت مَا تركُوا مِنْهُ ، فَإِن بدا لقَوْمك من بعدِي أَن يبنوه (فهلمي) لأريك مَا تركُوا مِنْهُ . فأراها قَرِيبا من سَبْعَة أَذْرع .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّمَانِينَ عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَمَى الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر ضُحًى ، ثمَّ لم يَرْمِ فِي سَائِر الْأَيَّام حَتَّى زَالَت الشَّمْس . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك من حَدِيث أبي الزبير عَنهُ ، وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيح بِسَمَاع أبي الزبير مِنْهُ ، وَقد ثَبت سَمَاعه مِنْهُ فِي رِوَايَة أبي ذرّ الهرويِّ ، فَذكره عَن أبي الزبير قَالَ : سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول : رَأَيْت النبي صلى الله عليه وسلم رَمَى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر ضُحًى ، وَأما بَعْدُ فَإِذا زالتِ الشمسُ . وَقد أخرجه ابنُ حزم فِي كِتَابه حجَّة الْوَدَاع من طَرِيق مُسلم ، وَلم (يتعقبه) ، وَلَعَلَّ سَببه مَا ذَكرْنَاهُ من التَّصْرِيح بِسَمَاع أبي الزبير من جَابر عَلَى طَرِيقَته ، وَذكره البخاريُّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا بِصِيغَة (جَزْمٍ) فَقَالَ : وَقَالَ جَابر : رَمَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم النَّحْر ضُحًى ، وَرَمَى بعد ذَلِك بعد الزَّوَال . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ : لَا أرمي حَتَّى (تزِيغ) الشَّمْس ؛ إِن جَابر بن عبد الله قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَرْمِي يَوْم النَّحْر قبل الزَّوَال ، فَأَما بعد ذَلِك فَعِنْدَ الزَّوَال . (ثمَّ قَالَ) : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَلم يخرجَاهُ .
الحَدِيث التِّسْعُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صلَّى الظّهْر وَالْعصر ، وَالْمغْرب وَالْعشَاء بالبطحاء ، ثمَّ هجع بهَا هجعة ، ثمَّ دخل مَكَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث نَافِع : أَن ابْن عمر كَانَ يُصَلِّي بهَا - يَعْنِي : المحصب - الظّهْر وَالْعصر . أَحْسبهُ قَالَ : وَالْمغْرب قَالَ خَالِد بن الْحَارِث - أحد رُوَاته - : لَا أَشك فِي الْعشَاء (ويهجع هجعة . وَيذكر) ذَلِك عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) رَوَاهُ مُسلم عَن نَافِع : أَن ابْن عمر كَانَ يَرْمِي التحصيب سنة ، وَكَانَ يُصَلِّي الظّهْر يَوْم النَّفر بالحصبة ، وَقَالَ نَافِع : قد حصب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالْخُلَفَاء بعده . وَأخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أنس بن مَالك : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى الظّهْر وَالْعصر ، وَالْمغْرب وَالْعشَاء ، ثمَّ رقد رقدة بالمحصب (وَقَالَ نَافِع : قد حصب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صلَّى الظهرَ والعصرَ ، والمغربَ والعشاءَ ، ثمَّ رقد رقدةً بالمحصب) ، ثمَّ ركب إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَمَى بالأحجار ، وَقَالَ : بِمثل هَذَا فارموا . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح مُسلم عَن الْفضل بن عَبَّاس ، وَكَانَ رَدِيف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ فِي عَشَّيةِ عَرَفَة وغداة جمْع للنَّاس حِين دفعُوا : عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ . وَهُوَ كَاف نَاقَته حَتَّى دخل محسرًا ، وَهُوَ من منى قَالَ : عَلَيْكُم بحصى الْخذف الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَة . (وَرَوَاهُ أَبُو ذَر الهرويُّ بإسنادٍ حسنٍ كَمَا قَالَه صَاحب الإِمَام ، وَلَفظه : عَن الْفضل قَالَ : كنت (رَدِيف) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم النَّحْر فَقَالَ : القط لي حَصَيَات . (فَلَقَطْتُ) لَهُ حَصَيَات هن قدر الْخذف ، فَقَالَ بِهِنَّ فِي يَده : بأمثالِ هَؤُلَاءِ ، وَإِيَّاكُم والغُلُو فِي الدِّين ؛ فَإِنَّمَا (أَهْلَك) مَنْ كَانَ (قبلكُمْ الغلو فِي الدَّين) . وَفِي سنَن النَّسَائِيّ و سنَن ابْن مَاجَه و (صحيحي) ابْن حبَان وَالْحَاكِم من (حَدِيث) ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَدَاة الْعقبَة وَهُوَ عَلَى رَاحِلَته : هاتِ - القط - (لي) فلقطت (لَهُ) حَصَيَات مثل حَصى الْخذف ، فلمَّا وضعتهم فِي يَده قَالَ : بأمْثال هَؤُلَاءِ ، وَإِيَّاكُم والغلو فِي الدَّين ، فَإِنَّمَا هلك مَنْ كَانَ قبلكُمْ بالغلو فِي الدَّين . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أَخِيه الْفضل بن عَبَّاس ، ثمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيّ : (رَوَاهُ) جمَاعَة عَن عَوْف مِنْهُم سُفْيَان الثَّوْريّ ، فَلم يقل مِنْهُم أحد : عَن ابْن عَبَّاس عَن أَخِيه إِلَّا جَعْفَر بن سُلَيْمَان ، وَلَا رَوَاهُ عَنهُ إِلَّا عبد الرَّزَّاق . قلت : (قد) أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي الزبير ، عَن أبي (معبد) ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن الْفضل بن عَبَّاس : أَنه كَانَ رَدِيف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَوقف يهلل (وَيكبر وَيَدْعُو فَلَمَّا دفع) النَّاس صَاح : عليكمُ السكينةَ . فلمَّا بلغ الشِّعْبَ أهْرَاقَ الماءَ ، وَتَوَضَّأ ثمَّ ركب ، فَلَمَّا قدم الْمزْدَلِفَة جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْح وقف ، فلمَّا نَفَرَ دَفَعَ النَّاس ، فَقَالَ حِين دفعُوا : عَلَيْكُم السكينَة . وَهُوَ كافّ راحلتَهُ ، حَتَّى إِذا دخل بطن منى ، قَالَ : عَلَيْكُم بحصى الْخذف (أَن) يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَة . وَهُوَ فِي ذَلِك يُهلل ، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَة . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي تَرْجَمَة الْفضل بِنَحْوِهِ ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَفِي مُسْند أَحْمد : نَا عَفَّان ، نَا [ وُهَيْب ] ، نَا عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة ، عَن يَحْيَى بن هِنْد أَنه سمع حَرْمَلَة بن عَمْرو قَالَ : حججْت حجَّة الْوَدَاع (مُرْدِفي) عمي سِنَان بن (سَنَّة) ، فَلَمَّا وقفنا بِعَرَفَات رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَاضِعا إِحْدَى أصبعيه عَلَى الْأُخْرَى ؛ فَقلت لعمِّي : مَاذَا يَقُول رَسُول الله ؟ قَالَ : يَقُول : ارموا الْجَمْرَة بِمثل حَصى الْخذف . وَفِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث سُلَيْمَان بن عَمْرو بن الْأَحْوَص عَن أمه مَرْفُوعا : يَا أَيهَا النَّاس ، لَا يقتل بَعْضكُم بَعْضًا ، وَإِذا رميتم الْجَمْرَة فارموا بِمثل حَصى الْخذف . وَإِسْنَاده جيد كَمَا قَرّرته فِي تخريجي (لأحاديث) الْمُهَذّب ، وَفِيه غير ذَلِك من الْأَحَادِيث . (فَائِدَة : الْخذف : (بِالْخَاءِ) والذال المعجمتين) .
الحَدِيث السَّادِس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل الْمَسْجِد من بَاب بني شيبَة . هَذَا الحَدِيث قَالَ فِيهِ الْبَيْهَقِيّ بعد أَن بوب دُخُول الْمَسْجِد من بَاب بني شيبَة : وَرَوَى عَن ابْن عمر مَرْفُوعا (فِي) دُخُوله من بَاب بني شيبَة وَخُرُوجه من بَاب الخياطين . قَالَ : وَإِسْنَاده غير مَحْفُوظ . قلت : وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ وَلَفظه عَن عبد الله بن عمر ، قَالَ : دخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ودخلنا مَعَه من بَاب بني عبد منَاف ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه النَّاس : بَاب بني شيبَة ، وَخَرجْنَا مَعَه إِلَى الْمَدِينَة من بَاب الْحَزْوَرَة ، وَهُوَ بَاب الخياطين وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن نَافِع وَقد ضَعَّفُوهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ورويناه عَن ابْن جريج عَن عَطاء قَالَ : يدْخل الْمحرم من حَيْثُ شَاءَ ، وَدخل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من بَاب بني شيبَة ، وَخرج من بَاب بني مَخْزُوم إِلَى الصَّفَا، ثمَّ قَالَ - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ - : هَذَا مُرْسل جيد . وصَدَّرَ الْبَاب بِحَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : لما أَن هُدِم الْبَيْت بعد جُرْهم بَنَتْه قُرَيْش ، فَلَمَّا أَرَادوا وضع الْحجر تشاجروا ، من يَضَعهُ ؟ (فاتفقوا) أَن يَضَعهُ أول من يدْخل (من) هَذَا الْبَاب ، فَدخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من بَاب بني شيبَة (فَأمر) بِثَوْب فَوضع الْحجر فِي وَسطه ، وَأمر كلَّ فَخذ أَن يَأْخُذُوا بطائفةٍ من الثَّوْب (فيرفعوه) وَأَخذه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوَضعه، ثمَّ عقبه بِحَدِيث ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام [ لما قدم ] فِي عهد قُرَيْش دخل من هَذَا الْبَاب الْأَعْظَم ، وَقد جَلَست قُرَيْش مِمَّا يَلِي الْحجر .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّمَانِينَ (أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : عَلَيْكُم بحصى الْخذف ) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا عَرفته آنِفا ، قَالَ الرَّافِعِيّ قبل هَذَا بِوَرَقَة : وَجُمْلَة مَا يُرْمَى فِي الْحَج سَبْعُونَ حَصَاة ، يَرْمِي إِلَى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر سبع حَصَيَات ، وَإِحْدَى وَعشْرين فِي كل يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق إِلَى الجمرات الثَّلَاث ، إِلَى كل (وَاحِدَة) سبع ، تَوَاتر النَّقْل بِهِ قولا وفعلاً . هَذَا لَفظه ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَالْأَحَادِيث مَشْهُورَة بذلك .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الطّواف (بِالْبَيْتِ) مثل الصَّلَاة إِلَّا أَنكُمْ تتكلمون فِيهِ ؛ فَمن تكلم فَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بِخَير . هَذَا (الحَدِيث) تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب الْأَحْدَاث ، فَرَاجعه من ثمّ .
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَمَى الحصيات فِي سبع رميات ، وَقَالَ : خُذُوا عني مَنَاسِككُم . هَذَا (الحَدِيث) كُله صَحِيح ، أما الأول : فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَتَى الْجَمْرَة الَّتِي عِنْد الشَّجَرَة - يَعْنِي : جَمْرَة الْعقبَة - فَرَمَاهَا بِسبع حَصَيَات ، يكبر مَعَ كل حَصَاة . وَسَيَأْتِي بعده (من) حَدِيث ابْن عمر أَيْضا . وَأما الثَّانِي : وَهُوَ قَوْله : خُذُوا عني مَنَاسِككُم فسلف غير مرّة .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حج فَأول شَيْء بَدَأَ بِهِ حِين قدم أَن تَوَضَّأ (ثمَّ) طَاف (بِالْبَيْتِ) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (مطولا) .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّمَانِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَتَّبَ بَين الجمرات الثَّلَاث ، وَقَالَ : خُذُوا عني مَنَاسِككُم . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن سَالم بن عبد الله : أَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَة الدُّنْيَا بِسبع حَصَيَات ، يكبر (مَعَ كل حَصَاة) ، ثمَّ يتَقَدَّم فيُسْهِل فَيقوم مُسْتَقْبل الْقبْلَة طَويلا ، وَيَدْعُو وَيرْفَع يَدَيْهِ ، ثمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ، ثمَّ يَأْخُذ (ذَات) الشمَال ، فيسهل فَيقوم مُسْتَقْبل الْقبْلَة ، ثمَّ يَدْعُو وَيرْفَع يَدَيْهِ ، وَيقوم طَويلا ، ثمَّ يَرْمِي الْجَمْرَة ذَات الْعقبَة من بطن (الْوَادي) وَلَا يقف عِنْدهَا ، ثمَّ ينْصَرف وَيَقُول : هَكَذَا رأيتُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يَفْعَله وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الزُّهْرِيّ كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) إِذا رَمَى الْجَمْرَة الَّتِي تلِي المنحر وَمَسْجِد منى رَمَاهَا بِسبع حصياتٍ ، يكبر كلما رَمَى بحصاةٍ ، ثمَّ تقدَّم أمامها فَوقف مُسْتَقْبل الْقبْلَة رَافعا يَدَيْهِ يَدْعُو (ويطيل الْوُقُوف ، ثمَّ يَأْتِي الْجَمْرَة الثَّانِيَة فيرميها بِسبع حَصَيَات يكبر كلما رَمَى بحصاة ، ثمَّ ينحرف ذَات الشمَال فيقف مُسْتَقْبل الْقبْلَة رَافعا يَدَيْهِ يَدْعُو) ثمَّ يَرْمِي الْجَمْرَة الَّتِي عِنْد الْعقبَة فيرميها بِسبع حَصَيَات وَلَا يقف عِنْدهَا قَالَ الزُّهْرِيّ : سمعتُ سالما يحدِّث بِهَذَا الحَدِيث عَن أَبِيه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ ابْن عمر يَفْعَله . وَرَوَى النسائيُّ وَالْحَاكِم (هَذِه) الرِّوَايَة ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . وَقد عرفت أَنه فِي البُخَارِيّ ؛ فَيكون الِاسْتِدْرَاك عَلَى مُسلم فَقَط ، وَفِي مُسْند أَحْمد و سنَن أبي دَاوُد و مُسْتَدْرك الْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : أَفَاضَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من آخر يَوْمه يَوْم النَّحْر (حِين) صلَّى الظهرَ ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى فَمَكثَ بهَا ليَالِي أيامِ التَّشْرِيق ، يَرْمِي الجمرةَ إِذا زَالَت الشَّمْس ، كل جَمْرَة بِسبع حصياتٍ ، يكبِّر مَعَ كل حَصَاة ، وَيقف عِنْد الأولَى وَالثَّانيَِة ويتضرع وَيَرْمِي الثَّالِثَة وَلَا يقف عِنْدهَا . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . أَي : فِي ابْن إِسْحَاق مُتَابعَة لَا اسْتِقْلَالا ، لكنه عنعن ، نعم صرَّح بِالتَّحْدِيثِ فِي صَحِيح ابْن حبَان وَفِيه : يقف عِنْد الأولَى وَعند الْوُسْطَى بِبَطن الوداي ، فيطيل الْقيام ، وينصرف إِذا رَمَى الْكُبْرَى ، وَلَا يقف عِنْدهَا ، وَكَانَت الجِمَارُ من آثَار (أَمر مُحَمَّد) صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَأما قَوْله : (وَقَالَ) : خُذُوا عني مَنَاسِككُم فسلف غير مرةٍ .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يسير حِين دفع فِي حجَّة الْوَدَاع العَنَقَ ، فَإِذا وجد (فُرْجَة) نَص . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أُسَامَة بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (كَذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة لَهما : فجوة بدل فُرْجَة وهما بِمَعْنى . والفجوة : السعَة من الأَرْض . والفُّرجة : بِضَم الْفَاء وَفتحهَا . والعَنَق : بِفَتْح النُّون - : ضرب مَعْرُوف من السّير فِيهِ إسراع يسير . والنَصَّ : - بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة - أَكثر من العَنَق . (والفرجة : يُقَال : فرج بِلَا هَاء أَيْضا . ورُوِيَ فِي الحَدِيث بدلهَا : فجوة لَهَا وَهِي الْمَكَان المتسع يخرج إِلَيْهِ من مضيق ) .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّمَانِينَ قَالَ الرَّافِعِيّ : والسُّنة أَن يرفع الْيَد عِنْد الرَّمْي ، فَهُوَ (أَهْون) عَلَيْهِ ، وَأَن يَرْمِي أَيَّام التَّشْرِيق مُسْتَقْبل الْقبْلَة ، وَفِي يَوْم النَّحْر مستدبرها . كَذَلِك ورد فِي الْخَبَر . هُوَ كَمَا قَالَ ، أما رفع الْيَد فقد سلف من حَدِيث ابْن عمر ، وَأما رمي أَيَّام التَّشْرِيق مُسْتَقْبل الْقبْلَة فسلف من حَدِيثه أَيْضا . وَأما رمي (يَوْم) النَّحْر فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَة الْكُبْرَى ، فَجعل الْبَيْت عَن يسَاره (وَمنى) عَن يَمِينه ، وَرَمَى بِسبع وَقَالَ : هَكَذَا رَمَى الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة وَلمُسلم فِي رِوَايَة : جَمْرَة الْعقبَة (وَلأَحْمَد فِي رِوَايَة أَنه انْتَهَى إِلَى جَمْرَة الْعقبَة) فَرَمَاهَا من بطن الْوَادي . وَذكر الحَدِيث ، وَرَوَى أَبُو معمر ، عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَمَى الجمرةَ يَوْم النَّحْر وظهره مِمَّا يَلِي مَكَّة . وَعَاصِم هَذَا قَالَ ابْن عدي : يعد مِمَّن يضع الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رمل فِي طواف عُمَره كلِّها وَفِي بعض أَنْوَاع الطّواف فِي الْحَج . أما أَنه رمل فِي طواف عُمَره كلِّها فَأخْرجهُ كَذَلِك أَحْمد فِي مُسْنده فَقَالَ : نَا أَبُو مُعَاوِيَة ، نَا ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : رمل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فِي) حجِّه ، (وَفِي) عُمَرِهِ كلِّها ، وَأَبُو بكر وعمرُ وَعُثْمَان وَالْخُلَفَاء . قلت : وَقد أسلفنا أَنه اعْتَمر أَربع عمر كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته ، وَمِنْهَا : عمْرَة الْحُدَيْبِيَة وَلَا طواف فِيهَا عوضا (عَن) الرمل ؛ لِأَنَّهُ صد عَن الْبَيْت فَتنبه لذَلِك ، أما عمْرَة الْقَضَاء ، (فَهِيَ) سَبَب مَشْرُوعِيَّة الرَّمَل ، وَأما عمْرَة الْجِعِرَّانَة ، فَرمَلَ أَيْضا فِيهَا كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح ، (وَأما) عمرته الَّتِي مَعَ حجَّته ، فَهُوَ كَانَ أَولا أحرم مُفردا ثمَّ أَدخل الْعمرَة (عَلَيْهِ) ، وَرمل فِي طواف قدومه كَمَا سلف من حَدِيث (جَابر ، وَأما أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ رمل فِي بعض أَنْوَاع الطّواف فِي الْحَج فقد أسلفنا قَرِيبا من حَدِيث) ابْن عَبَّاس : أَنه لم يرمل فِي طواف الْإِفَاضَة ، وَذكرنَا آنِفا : أَنه رمل فِي طواف الْقدوم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (من حَدِيث) ابْن عمر قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا طَاف فِي الْحَج (أَو) الْعمرَة أول مَا يقدم فَإِنَّهُ يسْعَى ثَلَاثَة (أطواف) بِالْبَيْتِ وَيَمْشي أَرْبعا وَفِي رِوَايَة لَهما : كَانَ إِذا طَاف بِالْبَيْتِ (الطّواف الأول) خب ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا . وَفِي الْبَزَّار قَالَ : طَاف سعيًا ليري الْمُشْركين قوته . قَالَ صَاحب الاقتراح : إِسْنَاده عَلَى شَرط خَ .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار ( أثر) عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه رَأَى عَلَى طَلْحَة ثَوْبَيْنِ مصبوغين وَهُوَ حرَام ، فَقَالَ : أَيهَا الرَّهْط ، إِنَّكُم أَئِمَّة (يُقْتَدَى) بكم ؛ فَلَا يلبس أحدكُم من هَذِه الثِّيَاب المصبغة فِي الْإِحْرَام . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن نَافِع أَنه سمع أسلم مولَى عمر بن الْخطاب يحدث عبد الله بن عمر أَن عمر بن الْخطاب رَأَى عَلَى طَلْحَة بن عبيد الله ثوبا مصبوغًا وَهُوَ محرم ، فَقَالَ عمر : مَا هَذَا الثَّوْب الْمَصْبُوغ يَا طَلْحَة ؟ ! فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، إِنَّمَا هُوَ مدر . فَقَالَ عمر : (إِنَّكُم) أَيهَا الرَّهْط (أَئِمَّة) يَقْتَدِي بكم النَّاس ، فَلَو أَن رجلا جَاهِلا رَأَى هَذَا الثَّوْب لقَالَ إِن طَلْحَة بن عبيد الله كَانَ يلبس الثِّيَاب المصبغة فِي الْإِحْرَام ؛ فَلَا تلبسوا أَيهَا الرَّهْط شَيْئا من هَذِه الثِّيَاب المصبغة . وَذكر فِيهِ من الْآثَار ، عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه قَالَ : لَا يُلَبِّي الطَّائِف . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ (بِإِسْنَادِهِ) عَن مَالك ، عَن ابْن شهَاب أَنه كَانَ يَقُول : كَانَ عبد الله بن عمر لَا يُلَبِّي وَهُوَ يطوف حول الْبَيْت .
الحَدِيث الْحَادِي (بعد) الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يحرم غسل رَأسه بأشنان وخطمي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، وَفِي إِسْنَاده : عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، وَفِيه لين ، وَقد أسلفنا أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ فِي بَاب الْوضُوء (هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب) .
الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعَائِشَة - وَقد حَاضَت - : افعلي مَا يفعل الْحَاج غير أَن لَا تطوفي بِالْبَيْتِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَقد سلف فِي الْحيض أَيْضا ، وَفِي رِوَايَة لمَالِك بعد ذَلِك (وَلَا) بَين الصَّفَا والمروة حَتَّى [ تَطْهُرِين ] وَهَذِه الزِّيَادَة ثَابِتَة من طَرِيق يَحْيَى بن يَحْيَى .
(الحَدِيث الثَّالِث " أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ اغْتسل لدُخُول مَكَّة ") . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" من رِوَايَة نَافِع قَالَ : " كَانَ ابْن عمر إِذا دخل أدنَى الْحرم أمسك عَن التَّلْبِيَة ثمَّ يبيت بِذِي طوى ، ثمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْح ويغتسل وَيحدث أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ (يفعل) ذَلِك " . هَذَا لفظ البُخَارِيّ وَلَفظ مُسلم عَن نَافِع : "أَن ابْن عمر كَانَ لَا يقدم مَكَّة إِلَّا بَات بِذِي طوى حَتَّى يصبح ويغتسل ثمَّ يدْخل مَكَّة نَهَارا ، وَيذكر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه فعله " وَفِي "جَامع التِّرْمِذِيّ " من حَدِيث ابْن عمر : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اغْتسل لدُخُول مَكَّة بفخ، " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث (غَرِيب) غير مَحْفُوظ ، وَالصَّحِيح مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر : " أَنه كَانَ يغْتَسل لدُخُول مَكَّة " وَبِه قَالَ الشَّافِعِي ، وَالْأول لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم وَهُوَ ضَعِيف فِي الحَدِيث ، وَلَا نَعْرِف هَذَا مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيثه . (فَائِدَة : قَالَ الشَّافِعِي فِي "الْأُم" فِي "بَاب : الْغسْل لدُخُول مَكَّة" : "وَإِذا اغْتسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْفَتْح لدُخُول مَكَّة وَهُوَ حَلَال يُصِيب الطّيب (فَلَمَّا) أرَاهُ - إِن شَاءَ الله - ترك الِاغْتِسَال ليدخلها حَرَامًا لَا يُصِيب الطّيب" أَنا مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : " أَنه كَانَ يغْتَسل لدُخُول مَكَّة" انْتَهَى ، وَهِي مَسْأَلَة نفيسة ، قل من تعرض لَهَا أَنه يسْتَحبّ الْغسْل لدخولها وَإِن كَانَ غير محُرم) .
الحَدِيث الرَّابِع عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كنت أطيب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لإحرامه قبل أَن يحرم ولحله قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِأَلْفَاظ مِنْهَا هَذَا . وَمِنْهَا : طيبته لحرمه بدل إِحْرَامه وَمِنْهَا : أَنا طيبته عِنْد إِحْرَامه ثمَّ طَاف فِي نِسَائِهِ ثمَّ أصبح محرما وَفِي لفظ : ينضح طيبا ، وَاعْترض ابْن حزم عَلَى هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ : قَول عَائِشَة ثمَّ أصبح محرما لفظ مُنكر وَلَا خلاف أَنه عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا أحرم بعد (صَلَاة) الظّهْر بِذِي الحليفة ، كَمَا قَالَ جَابر فِي (حَدِيثه) الطَّوِيل السالف (قَالَ) : وَلَعَلَّ قَول عَائِشَة هَذَا إِنَّمَا كَانَ من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي عمْرَة الْقَضَاء (أَو) الْحُدَيْبِيَة أَو الْجِعِرَّانَة . فَائِدَة : قَالَ الْخطابِيّ فِي تصاحيف الروَاة : قَوْلهَا : لحرمه هُوَ مضموم الْحَاء والحُرم (و) الْإِحْرَام ، (فَأَما) الحِرم بِكَسْر الْحَاء فَهُوَ (بِمَعْنى) الْحَرَام ، يُقَال : حِرم وَحرَام ، كَمَا يُقَال حِلٌّ وحلال ، وخالَفَهُ غَيره (وَأنكر) ثَابت الضَّم عَلَى الْمُحدثين ، وَقَالَ : الصوابُ الْكسر . فَائِدَة ثَانِيَة : جَاءَ فِي الصَّحِيح : أَن الطّيب كَانَ ذريرة ، وَسَيَأْتِي الْمسك وَالطّيب ، وَفِي رِوَايَة غَرِيبَة : بالغالية (أخرجهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عَائِشَة قَالَت : طيبت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالغالية) الجيدة عِنْد إِحْرَامه فَقَالَ : حَدِيث مُنكر . وَقَالَ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة : تفرد بِهِ يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن الزُّهْرِيّ عَن مُوسَى بن عقبَة .
الحَدِيث الْعشْرُونَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا فرغ من تلبيته فِي حج أَو عمْرَة سَأَلَ الله رضوانه وَالْجنَّة ، واستعاذ برحمته من النَّار . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة ، عَن عمَارَة بن خُزَيْمَة (بن) ثَابت ، عَن أَبِيه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا فرغ من تلبيته سَأَلَ الله رضوانه وَالْجنَّة (واستعفاه) برحمته من النَّار كَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : تَابعه عبد الله بن عبد الله الْأمَوِي ، عَن صَالح . قَالَ الشَّافِعِي : وَأَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد أَنَّ القاسمَ بن مُحَمَّد كَانَ يَأْمر إِذا فرغ من التَّلْبِيَة أَن يصلى عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ عبد الله الْأمَوِي ، عَن صَالح ، (عَن) الْقَاسِم قَالَ : كَانَ يُؤْمَر . وَاقْتصر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَلَى مُتَابعَة عبد الله (الْأمَوِي) وَلَفظه : سَأَلَ الله رضوانه ومغفرته ، واستعاذ برحمته من النَّار قَالَ صَالح : وسمعتُ الْقَاسِم بن مُحَمَّد يَقُول : كَانَ يُؤْمر إِذا فرغ من تلبيته أَن يصلى عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَكَذَا سَاقه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه (سَوَاء) ، وَكَذَا الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَقَالَ : (استعتقه) من النَّار وَعَزاهُ صَاحب الإِمَام إِلَى رِوَايَة أبي (ذَر) الْهَرَوِيّ بِلَفْظ الْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ ، وَإِبْرَاهِيم شيخ الشَّافِعِي قد عرفتَ حَاله فِي أول الْكتاب فِي حَدِيث (المشمس) ، وَصَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة قَالَ أَحْمد : مَا أرَى بِهِ بَأْسا . وَضَعفه يَحْيَى وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان ، وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَعبد الله الْأمَوِي قَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَقَالَ : يُخَالف فِي رِوَايَته .
بَاب سنَن الْإِحْرَام ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث (إِحْدَى) وَعشْرين حَدِيثا . الحَدِيث الأول أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تجرّد لإهلاله واغتسل . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن يَعْقُوب الْمدنِي ، عَن ابْن أبي الزِّنَاد ، عَن أَبِيه ، عَن خَارِجَة بن زيد ، عَن أَبِيه زيد بن ثَابت أَنه رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تجرّد (لإهلاله) واغتسل، ثمَّ قَالَ : حسن غَرِيب . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بِلَفْظ : ( أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اغْتسل لإحرامه حَيْثُ أحرم ) . قَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : وَإِنَّمَا حسَّنَه التِّرْمِذِيّ للِاخْتِلَاف فِي عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد ، قَالَ : وَلَعَلَّه عرف عبد الله بن يَعْقُوب الْمدنِي وَمَا أَدْرِي كَيفَ ذَلِك ؟ وَلَا أرَى أَنِّي يلْزَمنِي صِحَّته ؛ فَإِنِّي أجهدت نَفسِي فِي مَعْرفَته فَلم أر أحدا ذكره ، وَفِي حَدِيث النَّهْي عَن الصَّلَاة خلف (النَّائِم) عبد الله بن يَعْقُوب (الْمدنِي) وَهُوَ أَيْضا لَا أعرفهُ مَذْكُورا (بِهَذَا) . قلت : صرح بَعضهم بِأَنَّهُ هُوَ ، وَلَيْسَ فِي سنَن د ت سواهُ . نعم هُوَ مَجْهُول الْحَال ، وَقد تَابعه الْأسود بن عَامر شَاذان فَرَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد ، عَن أَبِيه ، عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت ، عَن أَبِيه أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تجرد لإهلاله واغتسل وَالْأسود هَذَا (ثِقَة) من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَتَابعه أَيْضا أَبُو غزيَّة مُحَمَّد بن مُوسَى بن مِسْكين القَاضِي ، (فَرَوَاهُ) عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد ، عَن أَبِيه ، عَن خَارِجَة بن زيد بن ثَابت ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اغْتسل لإحرامه ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طَرِيقه وَقد ضَعَّفُوهُ ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : يسرق الحَدِيث وَيحدث بِهِ ، يروي عَن الثِّقَات الموضوعات . وَقَالَ ابْن صاعد : هَذَا حَدِيث غَرِيب مَا سمعناه إِلَّا مِنْهُ . قَالَ الْعقيلِيّ - بعد أَن أخرجه فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء من طَرِيقه - : لَا يُتَابع عَلَيْهِ إِلَّا من طَرِيق فِيهَا (ضعف) وَلما أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه قَالَ : أَبُو غزيَّة لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ الْحَاكِم : ثِقَة ، وَله شَاهد من حَدِيث يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : اغْتسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ لبس ثِيَابه ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الحليفة صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قعد عَلَى بعيره ، فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ عَلَى الْبَيْدَاء أحرم بِالْحَجِّ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ثمَّ قَالَ : يَعْقُوب بن عَطاء غير قوي .
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أهل فِي دبر الصَّلَاة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ كَذَلِك مُخْتَصرا ، وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَفِي إِسْنَاده خصيف بن عبد الرَّحْمَن الْجَزرِي وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ ، ضعفه يَحْيَى الْقطَّان ، وَقَالَ : كُنَّا نتجنبه . وَضَعفه أَحْمد أَيْضا ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَفِي رِوَايَة عَنهُ : صَالح . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : هُوَ صَالح . وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو زرْعَة ، وَقد أسلفنا ذَلِك فِي كتاب الْحيض فِي الحَدِيث الْحَادِي عشر مِنْهُ ، وبحسب اخْتِلَاف (أَقْوَال) هَؤُلَاءِ ، اخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث وتضعيفه ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ، لَا نَعْرِف أحدا رَوَاهُ غير عبد السَّلَام بن حَرْب . قلت : هُوَ ثِقَة من فرسَان الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . أَي : فِي ابْن إِسْحَاق ، وَهُوَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا ؛ فَإِنَّهُ أخرج لَهُ لَكِن مُتَابعَة لَا اسْتِقْلَالا ، وَصرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذَا الحَدِيث عَن خصيف فَانْتَفَى تدليسه ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد ؛ لِأَن خصيفًا غير قوي . وَتَبعهُ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب وكَنَّاه أَبَا عبد الرَّحْمَن ، وَصَوَابه : ابْن عبد الرَّحْمَن ، وكنيته : أَبُو عون ، وَقَالَ عبد الْحق : خصيف ، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم وَيَحْيَى بن معِين : صَالح . وَوَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة ، وَضَعفه غير هَؤُلَاءِ . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه من طَرِيق الإِمَام أَحْمد وَلم يُضعفهُ (لكنه) ذكر خصيفًا فِي ضُعَفَائِهِ ، وَاعْترض النَّوَوِيّ فِي شَرحه للمهذب (عَلَى الْبَيْهَقِيّ) ، فَقَالَ : قَول الْبَيْهَقِيّ إِن خصيفًا ضَعِيف ، قد قَالَه غَيره لَكِن (قد) خَالفه فِيهِ كَثِيرُونَ من الْحفاظ وَالْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين فِي هَذَا الشَّأْن ، فوثقه يَحْيَى بن معِين ( وَابْن) سعد . وَقَالَ النَّسَائِيّ : صَالح . قَالَ : وَلَعَلَّه اعتضد عِنْد التِّرْمِذِيّ بطرِيق آخر فَصَارَ حسنا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ عقب إِخْرَاجه لَهُ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مطولا وتليين خصيف : وَقد رَوَاهُ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَاد لَهُ عَن ابْن عَبَّاس إِلَّا أَنه لَا تَنْفَع مُتَابعَة الْوَاقِدِيّ . قَالَ : وَالْأَحَادِيث الَّتِي وَردت فِي ذَلِك عَن ابْن عمر وَغَيره أسانيدها قَوِيَّة ثَابِتَة - يَعْنِي : فِي (إهلاله) حِين انبعثت بِهِ رَاحِلَته ، وَاعْلَم أَن رِوَايَة ابْن عَبَّاس (المطولة) فِيهَا جمع بَين اخْتِلَاف الروَاة (فِي ابْتِدَاء إِحْرَامه ، جمع بَينهمَا ابْن عَبَّاس و) قَالَ : أَنا أعلم النَّاس بذلك وَأَنه أهل بِهِ حِين فرغ من ركعتيه ثمَّ ركب ، فَلَمَّا اسْتَقَلت بِهِ نَاقَته أهل ، فَلَمَّا علا عَلَى شرف البَيْداء أَهَلَّ (فَكل) رَوَى مَا قَد سَمِع ، لَا جرم قَالَ الطَّحَاوِيّ : إِنَّه حَدِيث جَامع لجَمِيع الْأَحَادِيث يقْضِي عَلَى جَمِيعهَا . وَقَول الرَّافِعِيّ إِن طَائِفَة من الْأَصْحَاب (حملُوا) اخْتِلَاف الرِّوَايَة عَلَى أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أعَاد التَّلْبِيَة عِنْد (انبعاث) الدَّابَّة ، فَظن من سمع أَنه حِينَئِذٍ لَبَّى ، يساعده مَا ذكره ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيل فَأمرنِي أَن آمُر أَصْحَابِي فيرفعوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْأَئِمَّة : مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي مسنديهما، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة خَلاد بن السَّائِب ، (عَن أَبِيه ) عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَفْظهمْ خلا أَحْمد وَالنَّسَائِيّ (وَابْن مَاجَه) وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن جِبْرِيل أَتَانِي (فَأمرنِي) (أَن) آمُر أَصْحَابِي - أَو من معي - أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ أَو بالإهلال ، يُرِيد أَحدهمَا وَلَفظ أَحْمد : بِالتَّلْبِيَةِ والإهلال وَفِي رِوَايَة لَهُ : بالإهلال وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : كن عجاجًا ثجاجًا والعجّ : التَّلْبِيَة ، والثّجّ : نحر الْبدن . وَلَفظ النَّسَائِيّ : جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، مُر أَصْحَابك أَن يرفعوا (أَصْوَاتهم) بِالتَّلْبِيَةِ وَلَفظ ابْن مَاجَه وَابْن حبَان : (أَتَانِي) جِبْرِيل (فَأمرنِي) أَن آمُر أَصْحَابِي أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بالإهلال وَفِي رِوَايَة لَهما : أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، مُر أَصْحَابك فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ ؛ فَإِنَّهُ من شعار الْحَج وَلَفظ الْحَاكِم : أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ : مر أَصْحَابك أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بالإهلال وَفِي رِوَايَة لَهُ : مر أَصْحَابك فَلْيَرْفَعُوا صِيَاحهمْ (بِالتَّلْبِيَةِ) فَإِنَّهَا (من) شعار الْحَج ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ : أَتَانِي جِبْرِيل (فَأمرنِي) أَن آمُر أَصْحَابِي أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بالإهلال (أَو) بِالتَّلْبِيَةِ أَو أَحدهمَا وَفِي (رِوَايَة) لَهُ : وَأَمرَنِي أَن آمُر أَصْحَابِي (أَو من معي) أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ أَو بالإهلال ، يُرِيد أَحدهمَا وَفِي رِوَايَة لَهُ كَرِوَايَة ابْن حبَان الأولَى . وَفِي رِوَايَة لَهُ : جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَالَ : مُر أَصْحَابك أَن يرفعوا أَصْوَاتهم بِالتَّلْبِيَةِ ؛ فَإِنَّهَا شعار الْحَج (وَرَوَاهُ) ابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة خَلاد بن السَّائِب أَيْضا عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه أَيْضا قَالَ ( التِّرْمِذِيّ عقيب حَدِيث) خَلاد ، عَن أَبِيه : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . قَالَ : وَرَوَى بَعضهم هَذَا الحَدِيث عَن خَلاد بن السَّائِب ، عَن زيد بن خَالِد ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَا يَصح . قَالَ : وَالصَّحِيح هُوَ عَن خَلاد بن السَّائِب ، عَن أَبِيه . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : الصَّحِيح رِوَايَة مَالك وَابْن عُيَيْنَة عَن خَلاد ، عَن أَبِيه ، كَذَلِك قَالَه البُخَارِيّ وَغَيره . وَقَالَ صَاحب الإِمَام : قيل : جوّده مَالك وَابْن جريج وَمعمر ، وَلم يروه عَن السَّائِب غير (ابْنه) خَلاد . وَخَالف ابْن حبَان فَقَالَ فِي صَحِيحه : سمع هَذَا الْخَبَر خَلاد بن السَّائِب من أَبِيه وَمن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ولفظاهما مُخْتَلِفَانِ ، وهما طَرِيقَانِ محفوظان . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من طَرِيق زيد بن خَالِد أَيْضا ، وَمن طَرِيق ثَالِث عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَمرنِي جِبْرِيل بِرَفْع الصَّوْت بالإهلال ؛ فَإِنَّهُ من شَعَائِر الْحَج، ثمَّ قَالَ : هَذِه الْأَسَانِيد كلهَا صَحِيحَة ، وَلَيْسَ يُعلل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر ؛ فَإِن السّلف (كَانَ يجْتَمع) عِنْدهم الْأَسَانِيد لمتن وَاحِد كَمَا (يجْتَمع) عندنَا الْآن . قلت : وَله طَرِيق رَابِع رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن دِينَار ، ثَنَا أَبُو حَازِم ، عَن جَعْفَر (بن عَبَّاس) ، عَن ابْن عَبَّاس أن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن جِبْرِيل أَتَانِي فَأمرنِي أَن أعلن (بِالتَّلْبِيَةِ) .
الحَدِيث التَّاسِع عشر رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ فِي تلبيته : (لبيْك) حقًّا تعبدًا ورقًّا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده ، فَقَالَ : سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يحدث عَن النَّضر بن (شُمَيْل ، نَا) هِشَام بن حسان ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أَخِيه ، عَن أنس ، قَالَ : كَانَت تَلْبِيَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [ لبيْك ] حجًّا حقًّا ، تعبدًا ورقًّا، ثمَّ أخرجه بِسَنَدِهِ مُتَّصِلا عَن فعل أنس ثمَّ قَالَ : لم يحدث يَحْيَى بن سِيرِين عَن أنس إِلَّا بِهَذَا الحَدِيث . وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أنس بن سِيرِين ، عَن أنس ، قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُلَبِّي : لبيْك حجًّا حقًّا ، تعبدًا ورقًّا فَأجَاب فِي علله بِأَن قَالَ : يرويهِ هِشَام بن حسان وَاخْتلف عَنهُ ، فَرَوَاهُ النَّضر بن شُمَيْل ، عَن هِشَام (عَن) مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أَخِيه يَحْيَى ، عَن أَخِيه أنس ، عَن أنس ، وَرُوِيَ عَن الْفضل بن مُوسَى نَحْو هَذَا ، (وَرَوَاهُ) يَحْيَى بن يمَان ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن حَفْصَة بنت سِيرِين ، عَن أُخْت لَهَا ، عَن أنس ، (قَالَت) : عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : لَا . وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقطَّان وروح بن عبَادَة وَحَمَّاد بن زيد ، عَن هِشَام ، عَن حَفْصَة ، عَن يَحْيَى بن سِيرِين ، عَن أنس (بن مَالك) فعله وَقَوله . وَرَوَاهُ الثَّوْريّ ، عَن هِشَام ، عَن أم الْهُذيْل ، عَن أنس قَوْله . قَالَ : وَالصَّحِيح من ذَلِك قَول حَمَّاد بن زيد وَيَحْيَى الْقطَّان . (ثمَّ) قَالَ : نَا مُحَمَّد بن مخلد ، نَا يَحْيَى (بن مُحَمَّد) بن أعين الْمروزِي ، نَا النَّضر بن شُمَيْل ، نَا هِشَام بن حسان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أَخِيه يَحْيَى بن سِيرِين ، عَن أَخِيه أنس بن سِيرِين ، عَن أنس بن مَالك سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لبيْك حجًّا حقًّا ، تعبدًا ورقًّا وَهَذِه غَرِيبَة عَايَا بهَا بَعضهم ، فَقَالَ : ثَلَاثَة إخْوَة ، رَوَى بَعضهم عَن بعض . وَرَوَاهُ ابْن طَاهِر الْمَقْدِسِي الْحَافِظ فِي تَخْرِيجه لأبي مَنْصُور (عبد المحسن) بن مُحَمَّد بن عَلّي الْبَغْدَادِيّ بِزِيَادَة أَخ رَابِع ، وَهُوَ معبد (أَخُو) يَحْيَى وَأنس .
الحَدِيث الْخَامِس عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كَأَنِّي أنظر إِلَى وبيص الْمسك فِي مفرق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ محرم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ (فِي صَحِيحَيْهِمَا) عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، والسياق لمُسلم ، وَلَفظ البُخَارِيّ : الطّيب بدل الْمسك و مفارق بدل مفرق وَأخرجه مُسلم كَذَلِك ، زَاد : ويهل . وَفِي لفظ وَهُوَ (يُلَبِّي) وَفِي رِوَايَة لَهُ : وبيص الدّهن فِي رَأسه ولحيته بعد ذَلِك وللنسائي وَابْن حبَان فِي صَحِيحه : وبيص الْمسك بعد ثَلَاث وَهُوَ محرم . فَائِدَة : الوبيص - بالصَّاد الْمُهْملَة - : البريق واللمعان (يُقَال : وبص الْبَرْق ، أَي : لمع) (والمفرِق) بِكَسْر الرَّاء جمعه مفارق ، وَهُوَ وسط الرَّأْس حَيْثُ يتفرق الشّعْر يَمِينا وَشمَالًا .
الحَدِيث الثَّانِي أَن أَسمَاء بنت عُميس امْرَأَة أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْها نفست بِذِي الحليفة ، فَأمرهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تَغْتَسِل للْإِحْرَام . هَذَا الحَدِيث أخرجه مَالك فِي موطئِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه ، عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس أَنَّهَا ولدت مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق بِالْبَيْدَاءِ ، فَذكر ذَلِك أَبُو بكر لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : مرها (فلتغتسل) ثمَّ لتهل وَفِي رِوَايَة لَهُ أَنَّهَا ولدت مُحَمَّدًا بِذِي الحليفة (فَأمرهَا) أَبُو بكر أَن تَغْتَسِل ثمَّ تهلّ و (فِي) رِوَايَة النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين ، عَن (ابْن) الْقَاسِم ، عَن مَالك بِاللَّفْظِ الأول ، وَهُوَ مُرْسل كَمَا صرح (بِهِ) الْبَيْهَقِيّ (فَلِأَن) الْقَاسِم هَذَا هُوَ (ابْن) مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وَلم يلق أَسمَاء ، كَمَا نبه عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَن عَائِشَة كَمَا سَيَأْتِي ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ، عَن أَبِيه ، عَن أَسمَاء . وَهُوَ مُرْسل أَيْضا ، قَالَ ابْن حزم : مُحَمَّد هَذَا لم يسمع من أَبِيه ، مَاتَ أَبوهُ وَهُوَ ابْن عَاميْنِ وَسَبْعَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام . رَوَاهُ مُسلم مُتَّصِلا من حَدِيث [ عبيد الله ] بن عمر الْعمريّ ، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، قَالَت : نفست أَسمَاء بنت عُميس بِمُحَمد بن أبي بكر الصّديق بِالشَّجَرَةِ ، فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا بكر فَأمرهَا أَن تَغْتَسِل [ وتهل ] ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَذَلِك ، وَابْن مَاجَه فِي إِحْدَى روايتيه ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : الصَّحِيح قَول مَالك وَمن وَافقه - يَعْنِي : مُرْسلا - (و) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أَسمَاء ، قَالَ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن أبي بكر الصّديق ، وَهُوَ حَافظ ثِقَة ، وَقد سلف أَيْضا هَذَا الحَدِيث من حَدِيث جَابر الطَّوِيل . (فَائِدَة) : أَسمَاء هَذِه زَوْجَة الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه و(أَبُوها) عُميس بِعَين مُهْملَة مَضْمُومَة ، ثمَّ مِيم مَفْتُوحَة ، ثمَّ مثناة تَحت ، ثمَّ سين مُهْملَة (والعميس أَنَّك تُظهِر أَنَّك لَا تعرف الْأَمر وَأَنت عَارِف بِهِ ، قَالَه الْجَوْهَرِي) ، وَقَوله : ثمَّ لتهل يجوز فِي لَام لتهل الْكسر والإسكان وَالْفَتْح ، وَهُوَ غَرِيب . ونفست بِضَم النُّون وَفتحهَا : ولدت وحاضت ، لُغَتَانِ فيهمَا ، وَقيل : بِالْفَتْح فِي الْحيض لَا غير . والبيداء - بِفَتْح الْبَاء وبالمد - وَالْمرَاد بِهِ هُنَا : (مَكَان) بِذِي الحليفة ، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، وَفِي الْأُخْرَى بِالشَّجَرَةِ وَكَانَت سَمُرَة ، وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام ينزلها من الْمَدِينَة وَيحرم مِنْهَا ، وَهِي عَلَى سِتَّة أَمْيَال من الْمَدِينَة . نبه عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السّنَن .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يهل حَتَّى انبعثت بِهِ رَاحِلَته . هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَله طرق : إِحْدَاهَا : عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن إهلال رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من ذِي الحليفة (حِين) اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته ، رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَقَالَ : رَوَاهُ أنس وَابْن عَبَّاس . ثَانِيهَا : عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يهل حَتَّى تنبعث بِهِ رَاحِلَته ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا ، ورويا أَيْضا عَنهُ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ إِذا (أَدْخَلَ) رجله فِي الغرز واستوتْ بِهِ نَاقَته أَهَلَّ من مَسْجِد ذِي الحليفة . الغرز : ركاب كور الْبَعِير سَوَاء كَانَ من خشب أَو حَدِيد ، وَقيل : إِن كَانَ من حَدِيد فَهُوَ إكاف . ورويا أَيْضا (عَنهُ) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أهل حِين اسْتَوَت بِهِ (رَاحِلَته) قَائِمَة . ثَالِثهَا : عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَات بِذِي الحليفة ، فَلَمَّا أصبح واستوت بِهِ رَاحِلَته أهل ، رَوَاهُ البُخَارِيّ . رَابِعهَا : عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : اغْتسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ لبس ثِيَابه ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الحليفة صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قعد عَلَى بعيره ، فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ عَلَى الْبَيْدَاء أحرم بِالْحَجِّ ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَله شَاهد صَحِيح عَلَى شَرطهمَا . خَامِسهَا : عَن عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص ، قَالَت : قَالَ سعد بن أبي وَقاص : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أَخذ طَرِيق الْفَرْع أهل إِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْبَزَّار وَقَالَ : لَا نعلمهُ يرْوَى عَن سعد إلاّ من هَذَا الْوَجْه ، وَلَا نعلم رَوَى أَبُو الزِّنَاد عَن عَائِشَة عَن أَبِيهَا إِلَّا هَذَا الحَدِيث ، وَلَا نعلم رَوَى (هَذَا اللَّفْظ) عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا سعد بن أبي وَقاص . وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه . وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
الحَدِيث الثَّامِن عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : فَإِن رَأَى شَيْئا يُعجبهُ ، قَالَ : لبيْك ، إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة ثَبت ذَلِك عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - انْتَهَى . كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ بِلَفْظ الثُّبُوت ، وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وقف بِعَرَفَات ، فَلَمَّا قَالَ : لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك ، قَالَ : إِنَّمَا الْخَيْر خير الْآخِرَة قَالَ الْحَاكِم : قد احْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ ، وَمُسلم بِدَاوُد ، وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن شَيْخه الْحَاكِم ، عَن أبي أَحْمد يُوسُف بن (مُحَمَّد ، عَن ابْن) خُزَيْمَة ، عَن نصر بن عَلّي الْجَهْضَمِي ، عَن مَحْبُوب بن الْحسن ، عَن دَاوُد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خطب بِعَرَفَات ، فَلَمَّا قَالَ : لبيْك . الحَدِيث ، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور ، عَن عِكْرِمَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : نظر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حوله وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَة ، فَقَالَ : لبيْك . (فَذكره) وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن (سعيد) - هُوَ ابْن سَالم - عَن ابْن جريج ، أَخْبرنِي حميد الْأَعْرَج ، عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يظْهر من التَّلْبِيَة : لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك (لبيْك) لَا شريك لَك لبيْك ، إِن الْحَمد وَالنعْمَة (لَك) وَالْملك ، لَا شريك لَك . قَالَ : حَتَّى إِذا كَانَ ذَات يَوْم وَالنَّاس يصرفون عَنهُ - كَأَنَّهُ أعجبه مَا هُوَ فِيهِ - فَزَاد فِيهَا : لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة قَالَ ابْن جريج : وحسبت أَن ذَلِك كَانَ يَوْم عَرَفَة . وَسَعِيد هَذَا هُوَ القداح ، وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين (وَلينه) غَيره ، وَهُوَ مُرْسل أَيْضا ، وسمَّاهُ الْمُنْذِرِيّ مُنْقَطِعًا ، وَفِي الْأُم : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ذَلِك فِي أسرّ حَاله ؛ وَفِي أَشد حَاله ، فَأَما الأشد فَفِي حفر الخَنْدَق ، وَأما الأسرّ فحين وقف بِعَرَفَات وَرَأَى (جَمِيع) الْمُسلمين . وَسَيَأْتِي هَذَا فِي الخصائص من النِّكَاح وَاضحا - إِن شَاءَ الله تَعَالَى . (فَائِدَة : مَعْنَى إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة : إِن الْحَيَاة الْمَطْلُوبَة الهنية الدائمة هِيَ حَيَاة الدَّار الْآخِرَة) .
الحَدِيث السَّادِس رُوِيَ من السّنة (أَن) تمسح الْمَرْأَة يَديهَا للْإِحْرَام بِالْحِنَّاءِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة مُوسَى ابن عُبَيْدَة (الرَّبَذِيّ ) وَهُوَ (واهٍ) عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول : من السّنة أَن تدلك الْمَرْأَة بِشَيْء من الْحِنَّاء عَشِيَّة الْإِحْرَام وتغلف (رَأسهَا) بغسلة لَيْسَ فِيهَا طيب وَلَا تحرم (عطلاً) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم ، عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة - وَهُوَ (واهٍ) كَمَا سلف - عَن (أَخِيه) عبد الله بن عُبَيْدَة - وَهُوَ كأخيه - وَعبد الله بن دِينَار قَالَا : من السّنة أَن تمسح الْمَرْأَة يَديهَا عِنْد الْإِحْرَام بِشَيْء من الْحِنَّاء ، وَلَا تحرم وَهِي غفل قَالَ الشَّافِعِي : وَكَذَلِكَ أحب لَهَا . قَالَه الْبَيْهَقِيّ وَقد رُوِيَ عَن مُوسَى ابن عُبَيْدَة . فَذكر مثل رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة ، ثمَّ قَالَ : وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أفضل الْحَج : العج والثج . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي فديك عَن الضَّحَّاك (بن) عُثْمَان ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع ، عَن أبي بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار بِلَفْظ : سُئِلَ مَا برّ الْحَج ؟ (قَالَ) : العجّ والثج . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر لم يسمع من عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع ، وَهَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث ابْن أبي فديك عَن الضَّحَّاك عَنهُ . قَالَ : وَقد رَوَى مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن (بن) يَرْبُوع ، عَن أَبِيه غير هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَرَوَى أَبُو نعيم الطَّحَّان ضرار بن صرد هَذَا الحَدِيث عَن ابْن أبي فديك ، عَن (الضَّحَّاك بن) عُثْمَان ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع ، عَن أَبِيه ، عَن أبي بكر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَخْطَأ فِيهِ ضرار . قَالَ : وَسمعت أَحْمد بن الْحُسَيْن يَقُول : قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : من قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث (عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر (عَن) ابْن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع ، عَن أَبِيه فقد أَخطَأ . قَالَ : وَسمعت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - يَقُول (وَذكرت) لَهُ حَدِيث ضرار بن صرد عَن ابْن أبي فديك فَقَالَ : هُوَ خطأ . فَقلت : قد رَوَاهُ [ غَيره عَن ] ابْن أبي فديك أَيْضا مثل رِوَايَته . فَقَالَ : لَا شَيْء ؛ إِنَّمَا [ رَوَوْهُ ] عَن (ابْن) أبي فديك وَلم يذكرُوا فِيهِ عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن (ورأيتُه يُضَعِّف) ضرار بن صرد . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَا قَالَ أَحْمد (ابن حَنْبَل) فِيمَا بلغنَا عَنهُ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : (الْأَشْبَه) بِالصَّوَابِ رِوَايَة من رَوَاهُ عَن الضَّحَّاك (بن) عُثْمَان ، عَن ابْن الْمُنْكَدر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع ، عَن أبي بكر قَالَ : وَقَالَ أهل النّسَب إنَّ مَن قَالَ : سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع . فقد وهم ؛ وَإِنَّمَا هُوَ عبد الرَّحْمَن بن سعيد بن يَرْبُوع . قَالَ : وَيروَى هَذَا الحَدِيث (أَيْضا) من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا (وموقوفًا) ، (وَرَفعه) هُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه : عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع مَا رَوَى عَنهُ سُوَى مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر حَدِيثا فِي العج والثج . (وَقد قَالَ) التِّرْمِذِيّ : لم يسمعهُ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر مِنْهُ . وَقيل : رَوَاهُ عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه . وَكَأن هَذَا أصح . قلت : هَذَا الَّذِي قَالَ : كَأَنَّهُ أصح خطأه أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ كَمَا سلف ، فَخَالف النَّاس . وَقَوله : مَا رَوَى عَنهُ سُوَى مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر لَيْسَ كَذَلِك ، قَالَ الْبَزَّار فِي مُسْنده عقب هَذَا الحَدِيث : عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع قديم ، حدث عَنهُ عَطاء بن يسَار وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر وَغَيرهمَا . وَذكر الحَدِيث فِي مَوضِع آخر ، ثمَّ قَالَ : وَعبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع مَعْرُوف (رَوَى عَنهُ) عَطاء بن يسَار وَغَيره . وَأخرجه الْبَزَّار من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع ، أَو عَن عبد الرَّحْمَن بن يَرْبُوع ، هَكَذَا عَلَى الشَّك . قلت : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طرق (أُخْرَى) : إِحْدَاهَا : من حَدِيث ابْن عمر : أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : (مَا الْحَج ؟) قَالَ : العجّ والثجّ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه ، وَهَذَا لَفظه ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : أَي الْحَج أفضل ؟ ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن يزِيد الخُوزِيّ الْمَكِّيّ ، وَقد تكلم بعض أهل الْعلم (فِيهِ) من قِبَلِ حفظه . ثَانِيهَا : من حَدِيث جَابر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا بر الْحَج ؟ قَالَ : العج والثج ذكره التِّرْمِذِيّ حَيْثُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن (جَابر . وَرَوَاهُ) أَبُو الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ فِي ترغيبه وترهيبه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر (بِهِ) ، وَإِسْحَاق هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَإِسْمَاعِيل إِذا رَوَى عَن الْحِجَازِيِّينَ لَا يحْتَج بِهِ ، و [ إِسْحَاق ] مدنِي . ثَالِثهَا : من حَدِيث عبد الله بن شُعَيْب ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أفضل الْأَعْمَال العج والثج ؛ فَأَما العج فالعجيج بِالتَّلْبِيَةِ ، وَأما الثج فَنحر الْبدن ، رَوَاهُ ابْن أبي الْعَوام فِي فَضَائِل الإِمَام أبي حنيفَة كَمَا أَفَادَهُ صَاحب الإِمَام من حَدِيث أبي أُسَامَة (عَن) أبي حنيفَة ، عَن قيس بن مُسلم ، عَن طَارق بن شهَاب ، عَن عبد الله بن شُعَيْب بِهِ . فَائِدَة : الثج : سيلان دِمَاء الْهَدْي ، والعج : رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ . قَالَه الْهَرَوِيّ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عبيد : إِن الثج إِرَاقَة الدِّمَاء ، وَكَذَا التِّرْمِذِيّ ، وَلَفظه الثج : نحر الْبدن وَقد (أوردناه) كَذَلِك مفَسرًا فِي الطَّرِيق الْأَخِيرَة من طرق الحَدِيث .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ (أَن) امْرَأَة بَايَعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأخرجت يَدهَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : أَيْن الْحِنَّاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث مُسلم ابن إِبْرَاهِيم ، حَدَّثتنِي غبطةُ بنت عمر المجاشعية ، قَالَت : حَدَّثتنِي عَمَّتي أم الْحسن ، عَن جدَّتهَا ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (أَن (هِنْد) بنت عتبَة قَالَت : يَا نَبِي الله ، بايعني . قَالَ : لَا أُبَايِعك حَتَّى تغيري كفيك كَأَنَّهُمَا كفّا سَبُع وغبطة وعمتها وَجدّة أم الْحسن (لَا) يعرف حالهن بعد الفحص عَنهُ ، قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه أَحْكَام النّظر : هَذَا حَدِيث فِي غَايَة الضعْف ، فِيهِ ثَلَاث نسْوَة لَا يعرفن (كُلهنَّ) عدم . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث مُطِيع بن مَيْمُون ، ثَنَا صَفِيَّة بنت عصمَة ، عَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت : (أَوْمَأت) امْرَأَة مِن وراءِ سِتْرٍ بِيَدِهَا كتاب (إِلَى) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقبض النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَده فَقَالَ : مَا أَدْرِي أيد رجل أم يَد امْرَأَة ؟ ! قَالَت : بل امْرَأَة . قَالَ : (لَو) كنت امْرَأَة لغيرت أظفارك - يَعْنِي بِالْحِنَّاءِ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه أَيْضا (وقبلهما) الإِمَام أَحْمد وَصفِيَّة هَذِه مَجْهُولَة ، قَالَ ابْن الْقطَّان فِي الْكتاب الْمَذْكُور : هَذَا حَدِيث فِي غَايَة (الضعْف) صَفيّة هَذِه عدم . قلت : لَا تعرف ، رَوَى عَنْهَا مُطِيع بن مَيْمُون ، قَالَ ابْن عدي : لَهُ حديثان غير محفوظين . ومطيع (قد علمت) حَاله ، وَلم يذكرهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ وَلَا الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي ، وَقَالَ فِي الكاشف : إِنَّه ضَعِيف . وَاقْتصر فِي الْمِيزَان عَلَى قَول ابْن عدي فِيهِ ، وَقَالَ أَحْمد - فِيمَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله - : إِنَّه حَدِيث مُنكر . وَفِي مُسْند الْبَزَّار من حَدِيث عبد الله بن عبد الْملك الفِهري ، عَن (لَيْث ، عَن) مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس أَن امرأة أَتَت رَسُول الله تبايعه وَلم تكن مختضبة ، فَلم يبايعها حَتَّى اختضبت، ثمَّ قَالَ : لَا نعلمهُ عَن ابْن عَبَّاس إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . والفهري لَيْسَ بِهِ بَأْس وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ . وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه أَحْكَام النّظر : ( لَيْث) ضَعِيف ، وَفِيه نَكَارَة . وَفِي مُسْند الْبَزَّار أَيْضا و المعجم الْكَبِير للطبراني من حَدِيث عباد بن كثير - وَهُوَ ضَعِيف - عَن شميسة بنت نَبهَان - وَلَا تعرف - عَن مَوْلَاهَا مُسلم بن عبد الرَّحْمَن ، (قَالَ) : (رَأَيْت) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُبَايع النِّسَاء عَلَى الصَّفَا ، فَجَاءَت امْرَأَة يَدهَا كيد الرجل فَلم يبايعها حَتَّى ذهبت فغيرت يَدهَا بصفرة أَو بحمرة ، وجاءه رجل عَلَيْهِ خَاتم حَدِيد ، فَقَالَ : مَا طهر الله يدا فِيهَا خَاتم حَدِيد قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه أَحْكَام النّظر الْمَذْكُور : هَذَا حَدِيث فِي غَايَة (الضعْف) . وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي نعيم عَن سَوْدَاء بنت عَاصِم قَالَت : أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُبَايِعهُ ، فَقَالَ : اختضبي . فاختضبت ، ثمَّ (جِئْت) فَبَايَعته وَفِي سَنَده من لَا أعرفهُ ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه (بِنَحْوِهِ) لَكِن من رِوَايَة أم عَاصِم عَن السَّوْدَاء ، وَلم يذكر أَنه بَايَعَهَا بَعْدُ .
الحَدِيث السَّابِع عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : والأحب أَن لَا يزِيد فِي التَّلْبِيَة عَلَى تَلْبِيَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - والتلبية : لبيْك (اللَّهُمَّ) لبيْك ، لبيْك لَا شريك لَك لبيْك ، إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك ، لَا شريك لَك . هَذَا صَحِيح فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن تَلْبِيَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَذِه . فَذكرهَا كَذَلِك ، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة مثله إِلَى قَوْله وَالنعْمَة لَك وَفِي صَحِيح مُسلم ، عَن جَابر مثله كَامِلا وَقد سلف بِطُولِهِ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكَانَ ابْن عمر يزِيد فِيهَا : لبيْك لبيْك وَسَعْديك ، وَالْخَيْر بيديك لبيْك ، وَالرغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل (هُوَ) كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجهَا مُسلم فِي صَحِيحه كَذَلِك فِي آخر الحَدِيث الْمَرْفُوع ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ : وَكَانَ ابْن عمر يزِيد فِيهَا : لبيْك لبيْك (لبيْك) وَسَعْديك ، وَالْخَيْر فِي يَديك لبيْك ، وَالرغْبَاء إِلَيْك وَالْعَمَل وَفِي بعض نسخ مُسلم بِخَط بعض الْحفاظ ذكر التَّلْبِيَة ثَلَاث مَرَّات (أَيْضا) . فَائِدَة : قد تكلمنا عَلَى لفظ التَّلْبِيَة فِي غير هَذَا الْكتاب ، فأغنى عَن ذكره هُنَا ، وَتكلم الرَّافِعِيّ عَلَى قَوْله : إِن الْحَمد فَقَالَ : قد تكسر عَلَى الِابْتِدَاء ، وَقد تفتح عَلَى مَعْنَى : لِأَن الْحَمد . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَاخْتَارَ ثَعْلَب الْكسر ، وَقَالَ الْخطابِيّ : إِنَّه الْأَحْسَن (و) إِن الْفَتْح رِوَايَة الْعَامَّة . (وَذكر فِي الرَّوْضَة أَن الْكسر أصح وَأشهر . وَاخْتِيَار الشَّافِعِي الْفَتْح كَمَا نَقله الزَّمَخْشَرِيّ فِي آخر تَفْسِير سُورَة يس حَيْثُ كسر أَبُو حنيفَة وَفتح الشَّافِعِي) . وَقَوله : وَالنعْمَة هِيَ بِالنّصب عَلَى الْمَشْهُور ، وَيجوز رَفعهَا . وَقَوله : وَسَعْديك أَي : مساعدة بعد مساعدة . قَالَ الْحَرْبِيّ : وَلم يسمع (بسعديك) مُفردا . وَقَوله : والرَغباء إِلَيْك رُوِيَ بِفَتْح الرَّاء وَضمّهَا ، فَمن فتح مد ، وَمن قصر ضم ، كالنَعماء والنُّعمى ، وَمَعْنَاهُ هُنَا الطّلب وَالْمَسْأَلَة .
الحَدِيث الثَّامِن قَالَ الرَّافِعِيّ : وَحَيْثُ يسْتَحبّ (الخضب بِالْحِنَّاءِ) إِنَّمَا يسْتَحبّ تَعْمِيم الْيَد بالخضاب دون النقش والتسويد والتطريف ، فقد رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن التطريف وَعَن أَن تخضب أَطْرَاف الْأَصَابِع . هَذَا الحَدِيث لَا يحضرني من خرجه كَذَلِك وَفِي المعجم الْكَبِير للطبراني (من) حَدِيث مُحَمَّد بن [ عمرَان ] بن أبي لَيْلَى - (قَالَ أَبُو حَاتِم : كُوفِي صَدُوق . وَأخرج عَنهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَدَب وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ) - قَالَ : حَدَّثتنِي عمَّتي حمادة بنت مُحَمَّد ، عَن عَمَّتهَا آمِنَة بنت عبد الرَّحْمَن - وَلَا أعرف حَالهمَا - عَن جدَّتهَا أم لَيْلَى قَالَت : بَايعنَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فَكَانَ) فِيمَا أَخذ علينا أَن نختضب الغمس و (نمتشط) بِالْغسْلِ وَلَا (نقحل) أَيْدِينَا من خضاب . وَحَدِيث عصمَة ، عَن عَائِشَة - السالف - : لغيرت أظفارك قد يُخَالف هَذَا .
الحَدِيث التَّاسِع أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ليُحْرِم أحدكُم فِي إِزَار ورداء (و) نَعْلَيْنِ . هَذَا الحَدِيث ذكره صَاحب الْمُهَذّب أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر ، وبَيَّضَ لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وَلم يَعْزه ، وَعَزاهُ بعض المصريين إِلَى (الْبَيْهَقِيّ) فَوَهم ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه : إِنَّه غَرِيب (ويُغْني عَنهُ) مَا ثَبت عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : انْطلق النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الْمَدِينَة (بعد) مَا ترجَّلَ وادَّهَن وَلبس إزَاره (ورداءه) هُوَ وَأَصْحَابه ، وَلم يَنْه عَن شَيْء من الأُزُرِ والأردية تُلْبَس إِلَّا المزعفرة الَّتِي تردع عَلَى الْجلد ، حَتَّى إِذا أصبح بِذِي الحليفة فَركب رَاحِلَته حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاء أهل هُوَ وَأَصْحَابه ثمَّ ذكر تَمام الحَدِيث ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ فِيمَن لم يجد نَعْلَيْنِ : فليلبس خُفَّيْنِ ، وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : وَمن لم يجد الْإِزَار فليلبس السَّرَاوِيل ، وَمن لم (يجد) النَّعْلَيْنِ فليلبس الْخُفَّيْنِ وَمثله فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَذكره ابْن الْمُنْذر بِلَفْظ الرَّافِعِيّ و الْمُهَذّب بِغَيْر إِسْنَاد ، وَهَذَا لَفظه ثَبت أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وليحرم أحدكُم فِي إِزَار ورداء ونعلين قَالَ : وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي وَمن تَبِعَهُمْ يَقُولُونَ : يلبس الَّذِي يُرِيد الْإِحْرَام إزارًا ورداء . قلت : وَعَزاهُ الْمُحب فِي أَحْكَامه إِلَى رِوَايَة الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر كَمَا ذكره صَاحب الْمُهَذّب بِلَفْظ : ليحرم أحدكُم فِي إِزَار ورداء ونعلين ، فَإِن لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وليقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وراجعت الْمسند فَلم أره ، ثمَّ بعد سِنِين كَثِيرَة فَوق (الْعشْر) ظَفرت بِهِ فِي صَحِيح (أبي) عوَانَة ، (فَرَوَاهُ) عَن أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ ، ثَنَا عبد الرَّزَّاق ، أبنا معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن ابْن (عمر ) : أَن رجلا نَادَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : مَا يجْتَنب الْمحرم من الثِّيَاب ؟ فَقَالَ : لَا يلبس السَّرَاوِيل وَلَا الْقَمِيص وَلَا البرانس وَلَا الْعِمَامَة ، وَلَا (ثوب) مسّه زعفران وَلَا ورس ، وليحرم أحدكُم فِي إِزَار ورداء ونعلين ، فَإِن لم يجد نَعْلَيْنِ فليلبس خُفَّيْنِ وليقطعهما حَتَّى يَكُونَا إِلَى الْكَعْبَيْنِ فاستفده .
الحَدِيث الْعَاشِر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صلى بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أحرم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل كَمَا سلف (لَكِن) لَفظه (فَصَلى) وَلم يذكر عددا ، وَفِي بَعْضهَا (فَصَلى) رَكْعَتَيْنِ ثمَّ ركب وَأخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَنه كَانَ يَأْتِي مَسْجِد ذِي الحليفة فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ ثمَّ يركب ؛ فَإِذا اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قَائِمَة أحرم ثمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم (و) أخرجه مُسلم من هَذَا الْوَجْه ، وَلَفظه عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يَقُول : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يرْكَع بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ ، ثمَّ إِذا اسْتَوَت بِهِ النَّاقة قَائِمَة عِنْد مَسْجِد ذِي الحليفة أهل وَأخرجه أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَصَححهُ الْحَاكِم عَلَى شَرط مُسلم .
الحَدِيث الرَّابِع عشر عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يُلَبِّي فِي حَجِّه إِذا لَقِي ركبًا أَو عَلا أَكَمَةً أَو هَبَطَ وَاديا ، وَفِي أَدْبار الْمَكْتُوبَة وَآخر اللَّيْل . هَذَا الحَدِيث (ذكره) كَذَلِك صَاحب الْمُهَذّب وَلم أره فِي شَيْء من كتب السّنَن وَلَا المسانيد (و) لم يعزه النَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ ، وبَيَّضَ لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيثه ، وَذكره كَذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وَلم يَعْزه لأحد ، وَرَوَاهُ عبد الله بن نَاجِية فِي فَوَائده بِإِسْنَاد غَرِيب لَا يثبت مثله عَن صباح بن مَرْوَان أبي سهل ، عَن عبد الله بن سِنَان (الزُّهْرِيّ عَن أَبِيه سِنَان) عَن ابْن أبي سِنَان عَن مُحَمَّد بن عَلّي بن حُسَيْن ، عَن جَابر ، قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُلَبِّي إِذا لَقِي ركبًا أَو صعد أكمة أَو هَبَط وَاديا ، وَفِي أدبار المكتوبات (و) من آخر اللَّيْل وَلما أخرجه ابْن عَسَاكِر من هَذَا الْوَجْه قَالَ : غَرِيب جدًّا ، وَلم أكتبه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ . وَرَوَى الشَّافِعِي عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يكثر من التَّلْبِيَة وَفِي الْكِفَايَة (للفقيه نجم الدَّين) (ابْن) الرّفْعَة أَن الشَّافِعِي رَوَى بِسَنَدِهِ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يُلَبِّي قَائِما وراكبًا وماشيًا ومضطجعًا وَفِي الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي ، أَنا سعيد بن سَالم ، عَن عبد الله بن (عمر) عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَنه كَانَ يُلَبِّي رَاكِبًا ونازلاً ومضطجعًا .
الحَدِيث التَّاسِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من اشْتَرَى مَا لم يره فَلهُ الْخِيَار إِذا رَآهُ . هَذَا الحَدِيث علق الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي كتاب الصَدَاق القَوْل بِهِ عَلَى تَقْدِير ثُبُوته ، وَقد خرجه الدَّارَقُطْنِيّ ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة داهر بن نوح ، عَن عمر بن إِبْرَاهِيم بن خَالِد (عَن) وهب الْيَشْكُرِي ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من رِوَايَة أبي بكر بن عبد الله بن أبي مَرْيَم عَن مَكْحُول ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من اشْتَرَى شَيْئا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ ، إِن شَاءَ أَخذه وَإِن شَاءَ تَركه . وهما ضعيفان لَا يثبتان ، أما الأول : فداهر بن نوح لَا يعرف كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان قَالَ : وَلَعَلَّ الْجِنَايَة مِنْهُ . وَعمر بن إِبْرَاهِيم بن خَالِد بن عبد الرَّحْمَن أَبُو حَفْص الْكرْدِي مولَى بني هَاشم ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : كَانَ كذابا يضع الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي عَن الثِّقَات مَا لم يحدثوا بِهِ قطّ ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ . وَقَالَ الْخَطِيب : كَانَ غير ثِقَة ، يروي الْمَنَاكِير عَن الْأَثْبَات . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث بَاطِل . لم يروه غير عمر بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ يضع الحَدِيث وَإِنَّمَا يروي هَذَا عَن ابْن سِيرِين من قَوْله . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه قبل أَن ينْقل كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ : حَدِيث لَا يَصح ، وَقَالَ فِي خلافياته : هَذَا بَاطِل لَا يَصح . وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعفه وَإِمَّا (بِسَبَب ضعف) الْإِرْسَال ؛ لِأَن مَكْحُولًا تَابِعِيّ ، وَضعف أبي بكر الْمَذْكُور فِيهِ ، واسْمه بكر ، وَقيل : بكير ، وَقيل : عَمْرو ، فَإِنَّهُ ضَعِيف بالِاتِّفَاقِ ؛ لِكَثْرَة غلطه ، وَفِي رِوَايَة عَن يَحْيَى أَنه صَدُوق ، وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ من خِيَار أهل الشَّام وَلكنه كَانَ رَدِيء الْحِفْظ يحدث بالشَّيْء فَيَهِم ، وَكثر ذَلِكَ حَتَّى اسْتحق التّرْك . وَقد ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ ، فَقَالَ : هَذَا الحَدِيث مُرْسل وَأَبُو بكر بن أبي مَرْيَم ضَعِيف . وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و مَعْرفَته وَعبارَته فِيهَا : وَأما حَدِيث من اشْتَرَى مَا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم ، عَن مَكْحُول رَفعه ، وَهُوَ مُرْسل ، وَأَبُو بكر ضَعِيف ، وأسنده عمر بن إِبْرَاهِيم الْكرْدِي من أوجه عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الثِّقَات من أَصْحَاب ابْن سِيرِين من قَوْله ، وَعمر بن إِبْرَاهِيم كَانَ يضع الحَدِيث . ثمَّ عزاهُ إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحَاصِل أَنه حَدِيث (لَا يصلح) الِاحْتِجَاج بِمثلِهِ ، وَإِن كَانَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة أَعنِي مَالِكًا ، وَأَبا حنيفَة ، وَأحمد قَالُوا بوقفه .
كتاب الْبيُوع كتاب الْبيُوع بَاب مَا يَصح بِهِ البيع ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث عشرَة أَحَادِيث ، وَمن الْآثَار أثرا وَاحِدًا : الحَدِيث الأول عَن رَافع بن خديج رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (سُئِلَ) عَن أطيب الْكسْب فَقَالَ : عمل الرجل بِيَدِهِ وكل (بيع) مبرور . هَذَا الحَدِيث أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من ثَلَاثَة طرق : أَحدهَا : من حَدِيث شريك ، عَن وَائِل بن دَاوُد ، عَن جَمِيع بن عُمَيْر عَن خَاله أبي بردة ، قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَي الْكسْب أطيب أَو أفضل ؟ قَالَ : عمل الرجل بِيَدِهِ ، وكل (كسب) مبرور وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بِلَفْظ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أفضل كسب الرجل وَلَده وكل بيع مبرور . ثَانِيهَا : من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن وَائِل بن دَاوُد ، عَن سعيد بن عُمَيْر ، عَن عَمه قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَي الْكسْب أفضل ؟ قَالَ : كسب مبرور . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، قَالَ : وَوَائِل بن دَاوُد ثِقَة قَالَ : وَقد ذكر يَحْيَى بن معِين أَن عَم سعيد بن عُمَيْر الْبَراء بن عَازِب ، قَالَ وَإِذا اخْتلف الثَّوْريّ وَشريك فَالْحكم للثوري . ثَالِثهَا : من حَدِيث المَسْعُودِيّ ، عَن وَائِل بن دَاوُد ، عَن عَبَايَة بن رَافع بن خديج ، عَن أَبِيه ، قَالَ : قيل : يَا رَسُول الله ، أَي الْكسْب أطيب ؟ قَالَ : كسب الرجل بِيَدِهِ وكل بيع مبرور وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك ، قَالَ الْحَاكِم : وَهَذَا خلاف ثَالِث عَلَى وَائِل بن دَاوُد ، قَالَ : إِلَّا أَن البُخَارِيّ (و) مُسلما لم يخرجَا عَن المَسْعُودِيّ وَمحله الصدْق ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق لكنه قَالَ : عَن جده بدل عَن أَبِيه ، وَلَا أعلم لجده خديج رِوَايَة وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من هَذِه الطّرق كلهَا ، وَقَالَ فِي الطَّرِيق الأول : هَكَذَا رَوَاهُ شريك القَاضِي ، وَغلط فِيهِ فِي موضِعين : أَحدهمَا : فِي قَوْله جَمِيع بن عُمَيْر وَإِنَّمَا هُوَ سعيد بن عُمَيْر . والأخير : فِي وَصله ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ غَيره عَن وَائِل مُرْسلا ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ ، قَالَ : وَقَالَ شريك ، عَن وَائِل بن دَاوُد ، عَن جَمِيع بن عُمَيْر عَن خَاله أبي بردة وجُميع خطأ ، وَقَالَ المَسْعُودِيّ : عَن وَائِل بن دَاوُد ، عَن عَبَايَة بن رَافع بن خديج [ عَن أَبِيه ] وَهُوَ خطأ ، قَالَ : وَالصَّحِيح : رِوَايَة وَائِل عَن سعيد بن عُمَيْر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا قَالَ البُخَارِيّ : أسْندهُ بَعضهم وَهُوَ خطأ . وَكَذَا قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله أَن الْمُرْسل أشبه . وَله طَرِيق رَابِع ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله قَالَ : وَسَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ بهْلُول بن عبيد ، عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَي الْأَعْمَال أَزْكَى ؟ قَالَ : كسب الْمَرْء بِيَدِهِ وكل بيع مبرور . فَقَالَ أبي : هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل ، وبهلول ذَاهِب الحَدِيث . قلت : وَله طَرِيق خَامِس ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : وَسَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ قدامَة بن شهَاب ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن وبرة ، عَن ابْن عمر ، قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أطيب الْكسْب ، قَالَ : عمل الرجل بِيَدِهِ وكل بيع مبرور . فقَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل ، وَقُدَامَة لَيْسَ بِالْقَوِيّ . قلت : وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من هَذَا الطَّرِيق أَيْضا .
الحَدِيث الثَّامِن ( أَنه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْغرَر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم (من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ) رَضي اللهُ عَنهُ وَهُوَ من أَفْرَاده ، وَرَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي علله من حَدِيث ابْن عمر ، وَصَححهُ ابْن حبَان ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَفِي إِسْنَاده أَيُّوب بن عتبَة قَاضِي الْيَمَامَة وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَرَوَاهُ أَحْمد من هَذَا الْوَجْه ، وَفِيه قَالَ أَيُّوب : وَفسّر يَحْيَى بن أبي كثير بيع الْغرَر قَالَ : إِن من الْغرَر ضَرْبَة الغائص ، وَبيع العَبْد الْآبِق ، [ وَبيع الْبَعِير الشارد ] وَمَا فِي بطُون الْأَنْعَام ، وَمَا فِي ضروعها [ إِلَّا بكيل ] وَبيع تُرَاب الْمَعَادِن . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سهل بن سعد ، وَأَبُو يعْلى الْموصِلِي من حَدِيث أنس ، وَأحمد وَأَبُو دَاوُد من رِوَايَة عَلّي . وَرَوَاهُ أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم فِي كتاب الْبيُوع من حَدِيث عمرَان بن الْحصين كَمَا نَقله عَنهُ الضياء فِي أَحْكَامه ، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ مُرْسلا ، عَن سعيد بن الْمسيب ، وَكَذَا الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر وَقد ذَكرْنَاهُ مَوْصُولا من رِوَايَة جماعات من الصَّحَابَة .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن ثمن الْكَلْب . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَرْوِيّ من طرق : (إِحْدَاهَا) من رِوَايَة أبي مَسْعُود عقبه بن عَمْرو البدري رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ثمن الْكَلْب ، وَمهر الْبَغي ، وحلوان الكاهن أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا . ثَانِيهَا : من رِوَايَة جَابر رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن ثمن الْكَلْب ، والسنور ، رَوَاهُ مُسلم وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن ثمن السنور ، وَالْكَلب إِلَّا كلب صيد، ثمَّ قَالَ : هَذَا مُنكر . (ثَالِثهَا : من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا يحل ثمن الْكَلْب ، وَلَا حلوان الكاهن ، وَلَا مهر الْبَغي ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن مهر الْبَغي وَثمن الْكَلْب والسنور وَكسب الْحجام من السُّحت واستدركه الْحَاكِم بِلَفْظ) : لَا يحل ثمن الْكَلْب وَلَا مهر الزَّانِيَة، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، قَالَ : وَله شَاهد عَن ابْن (عَمْرو ) قَالَ : نهي عَن مهر الْبَغي ، وَثمن الْكَلْب ، وحلوان الكاهن ذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ . قلت : وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ مَرْفُوعا : ثمن الْكَلْب خَبِيث وَهُوَ أَخبث مِنْهُ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث رُوَاته كلهم ثِقَات إِن سلم من يُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي ، فَإِنَّهُ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ ، وَقد خرجته لشدَّة الْحَاجة إِلَيْهِ ، وَقد اسْتعْمل مثله الشَّيْخَانِ فِي غير مَوضِع يطول بشرحه الْكتاب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : يُوسُف هَذَا غَيره أوثق مِنْهُ . قلت : بل هُوَ كَذَّاب زنديق ، كَمَا قَالَ ابْن معِين .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الثنيا فِي البيع . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر بِلَفْظ : نهَى عَن بيع الثنيا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِزِيَادَة حَسَنَة ، وَهِي : إِلَّا أَن تُعْلَمَ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَيْضا ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَهَذِه الزِّيَادَة مبينَة لرِوَايَة مُسلم الْمُتَقَدّمَة ، وَلما أخرجهَا ابْن حبَان قَالَ : سُفْيَان بن حُسَيْن الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده فِي غير الزُّهْرِيّ : ثَبت وَإِنَّمَا اخْتلطت عَلَيْهِ صحيفَة الزُّهْرِيّ ، فَكَانَ يهم فِيهَا . وعزى ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد حَدِيث جَابر من مُسْند أَحْمد أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن المحاقلة ، والمزابنة ، وَالْمُخَابَرَة ، والمعاومة والثنيا ، وَرخّص فِي الْعَرَايَا . إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم ، و الثنيا من أَفْرَاد مُسلم فاعلمه .
الحَدِيث الثَّالِث عَن جَابر رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله - عَزَّ وجَلَّ - حرّم بيع الْخمر وَالْميتَة وَالْخِنْزِير والأصنام . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه ، وَأَن جَابِرا سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول ذَلِكَ عَام الْفَتْح وَهُوَ بِمَكَّة ، وَزَادا : فَقيل : يَا رَسُول الله ، أَرَأَيْت شحوم الْميتَة ، فَإِنَّهُ يطلى بهَا السفن ، ويدهن بهَا الْجُلُود ، ويستصبح بهَا النَّاس . فَقَالَ : لَا ، هُوَ حرَام . ثمَّ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عِنْد ذَلِكَ : قَاتل الله الْيَهُود ، إِن الله لما حرَّم شحومها جملوه ، ثمَّ باعوه فَأَكَلُوا ثمنه . مَعْنَى جملوه : أذابوه . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله جَالِسا عِنْد (الرُّكْنَيْنِ) فَرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَضَحِك ، فَقَالَ : لعن الله الْيَهُود - ثَلَاثًا - إِن الله إِذا حرّم عَلَى قوم أكل شَيْء حرم عَلَيْهِم ثمنه . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بسياقة حَدِيث جَابر إِلَّا أَنه لم يذكر فِيهِ الْأَصْنَام ، وَوَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ عَن جَابر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حرّم بيع الْخمر إِلَى آخِره وَهُوَ صَحِيح ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَن جَابر إِن (الله وَرَسُوله) حرّم بيع الْخمر إِلَى آخِره .
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دفع دِينَارا إِلَى عُرْوَة الْبَارِقي رَضي اللهُ عَنهُ (ليَشْتَرِي) بِهِ شَاة ، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتين ، وَبَاعَ إِحْدَاهمَا بِدِينَار ، وَجَاء بِشَاة ودينار ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : بَارك الله لَك فِي صَفْقَة يَمِينك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ من حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أعطَاهُ دِينَارا يَشْتَرِي بِهِ أضْحِية - أَو شَاة - فَاشْتَرَى (شَاتين) فَبَاعَ إِحْدَاهمَا بِدِينَار ، فَأَتَاهُ بِشَاة ودينار ، فَدَعَا لَهُ بِالْبركَةِ فِي بَيْعه ، فَكَانَ لَو اشْتَرَى (التُّرَاب) لربح فِيهِ هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ عَن عُرْوَة قَالَ : دفع إليَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دِينَارا لأشتري لَهُ شَاة (فاشتريت) لَهُ شَاتين (فَبِعْت) إِحْدَاهمَا بِدِينَار وَجئْت بِالشَّاة وَالدِّينَار إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكر لَهُ مَا كَانَ من أمره ، فَقَالَ : بَارك الله فِي صَفْقَة يَمِينك ، (فَكَانَ يخرج بعد ذَلِكَ إِلَى كناسَة الْكُوفَة فيربح الرِّبْح الْعَظِيم) ، فَكَانَ من أَكثر أهل (الْمَدِينَة) مَالا . وَلَفظ ابْن مَاجَه عَن عُرْوَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أعطَاهُ دِينَارا يَشْتَرِي لَهُ شَاة ، فَاشْتَرَى لَهُ شَاتين ، فَبَاعَ إِحْدَاهمَا بِدِينَار وَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِشَاة ودينار ، فَدَعَا لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْبركَةِ ، فَكَانَ لَو اشْتَرَى التُّرَاب لربح فِيهِ . أسانيدهم جَيِّدَة ، وَإسْنَاد التِّرْمِذِيّ عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ إِلَى أبي لبيد لمازة بن زبَّار الرَّاوِي عَن عقبَة ، وَهُوَ ثِقَة كَمَا سَيَأْتِي . وَقَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاد التِّرْمِذِيّ حسن . (وَقَالَ) النَّوَوِيّ (فِي شرح الْمُهَذّب) إِسْنَاد التِّرْمِذِيّ (حسن) ، وَإسْنَاد الآخرين حسن فَهُوَ حَدِيث صَحِيح . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من طَرِيقين إِلَيْهِ بِزِيَادَة بعد دُعَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لَهُ أَن يُبَارك لَهُ فِي صَفْقَة يَمِينه ، قَالَ : فَإِنِّي كنت لأَقوم بالكناسة فَمَا أَبْرَح حَتَّى أربح أَرْبَعِينَ ألفا ، وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى : فَلَقَد رَأَيْتنِي أَقف فِي كناسَة الْكُوفَة فأربح أَرْبَعِينَ ألفا قبل أَن أصل إِلَى أَهلِي . وَفِي إسنادهما سعيد ابن زيد ، وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَاسْتشْهدَ بِهِ خ ، وَثَّقَهُ جمَاعَة وَضَعفه يَحْيَى الْقطَّان وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : فَلَقَد رَأَيْتنِي أَقف بكناسة الْكُوفَة فأربح أَرْبَعِينَ ألفا قبل أَن أصل إِلَى أَهلِي قَالَ : وَكَانَ يَشْتَرِي الْجَوَارِي وَيبِيع . والكناسة (بِضَم الْكَاف ، سوق مَعْرُوف بِالْكُوفَةِ - كَمَا سلف ، وَقَالَ الْبكْرِيّ إِنَّه (بِالْبَصْرَةِ) وَهُوَ سبق قلم قَالَ : وَكَانَ بَنو أَسد وَبَنُو تَمِيم يطرحون فِيهَا كناستهم وَمَا بِالْكُوفَةِ مثلهَا . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَن شيخ من أهل الْمَدِينَة عَن حَكِيم بن حزَام نَحوا من حَدِيث عُرْوَة ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَهَذَا شيخ مَجْهُول ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ضُعِّفَ هَذَا الحَدِيث ؛ لِأَن فِيهِ شيخ (غير) مُسَمَّى وَلَا نعرفه . وَقَالَ الْخطابِيّ : هُوَ غير مُتَّصِل ؛ لِأَن فِيهِ مَجْهُولا لَا يُدْرَى من هُوَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حبيب بن أبي ثَابت لم يسمع عِنْدِي من حَكِيم بن حزَام . وَأخرج الشَّافِعِي حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقي مُرْسلا ، فَقَالَ فِي الْأُم فِي الْجُزْء الرَّابِع عشر قبل كِرَاء الْإِبِل وَالدَّوَاب بأوراق : أبنا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن شبيب بن غرقدة أَنه سمع الْحَيّ يتحدثون عَن عُرْوَة بن [ أبي ] الْجَعْد أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعطَاهُ دِينَارا الحَدِيث ، فَذكره بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وَكَذَا أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث سُفْيَان ، عَن شبيب بن غرقدة ، قَالَ : سَمِعت الْحَيّ يتحدثون عَن عُرْوَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعطَاهُ دِينَارا الحَدِيث ليَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاة ، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتين ، فَبَاعَ إِحْدَاهمَا بِدِينَار وجاءه بِدِينَار وشَاة فَدَعَا لَهُ بِالْبركَةِ فِي بَيْعه ، فَكَانَ لَو اشْتَرَى التُّرَاب لربح فِيهِ . قَالَ سُفْيَان : كَانَ الْحسن بن عمَارَة جَاءَنَا بِهَذَا الحَدِيث عَنهُ ، قَالَ : سَمعه شبيب من عُرْوَة فَأَتَيْته ، فَقَالَ : شبيب إِنِّي لم أسمعهُ من عُرْوَة ، سَمِعت الْحَيّ يخبرونه عَنهُ ، وَلَكِن سمعته يَقُول : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يَقُول) : الْخَيْر مَعْقُود بنواصي الْخَيل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ : وَقد رَأَيْت فِي دَاره سبعين فرسا . قَالَ سُفْيَان : يَشْتَرِي لَهُ شَاة كَأَنَّهَا أضْحِية ذكر البُخَارِيّ هَذَا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة وَذكر حَدِيث الْخَيل مُقْتَصرا عَلَيْهِ فِي الْجِهَاد ، وَهنا أَيْضا ، ونلخص من حَدِيث عُرْوَة هَذَا فِي الشَّاة أَنه مُرْسل لجَهَالَة الْحَيّ ، وَلِهَذَا لم يحْتَج بِهِ الشَّافِعِي فِي بيع الْفُضُولِيّ بل قَالَ : إِن صَحَّ قلت بِهِ كَمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيّ : إِن صَحَّ حَدِيث عُرْوَة فَكل من بَاعَ (أَو عتق) ثمَّ رَضِي (فَالْبيع) وَالْعِتْق جَائِز . وَحَكَى الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه حَدِيث لَيْسَ بِثَابِت عِنْده ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَإِنَّمَا ضعف حَدِيث عُرْوَة هَذَا ؛ لِأَن شبيب بن غرقدة رَوَاهُ عَن الْحَيّ وهم غير معروفين ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : إِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي هَذَا لما فِي إِسْنَاده من الْإِرْسَال وَهُوَ أَن شبيب ابن غرقدة لم يسمعهُ من عُرْوَة الْبَارِقي ، إِنَّمَا سَمعه من الْحَيّ يخبرونه عَنهُ . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : الْحَيّ الَّذِي أخبر شبيب بن غرقدة عَن عُرْوَة الْبَارِقي لَا نعرفهم ، وَلَيْسَ هَذَا من شَرط أَصْحَاب الحَدِيث فِي قبُول الْأَخْبَار . وَقَالَ الْخطابِيّ : هَذَا الْخَبَر غير مُتَّصِل لِأَن الْحَيّ حدثوه عَن عُرْوَة ، وَمَا كَانَ سَبيله من الرِّوَايَة (هَكَذَا) لم تقم بِهِ الْحجَّة . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه : خبر عُرْوَة هَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان كَمَا أخرجه البُخَارِيّ وَهُوَ مُرْسل . قلت : لَكِن قَالَ الشَّافِعِي فِي الْأُم أَيْضا : قد رَوَى هَذَا الحَدِيث (غير) سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن شبيب فوصله ، وَيَرْوِيه عَن عُرْوَة بن أبي الْجَعْد بِمثل هَذِه الْقِصَّة (ثمَّ) مَعْنَاهَا ، وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى رِوَايَة سعيد بن زيد (السالفة) وَقَالَ الْحَافِظ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي اختصاره للسنن تَخْرِيج البُخَارِيّ لهَذَا الحَدِيث فِي صدر حَدِيث الْخَيْر مَعْقُود بنواصي الْخَيل يحْتَمل أَن يكون سَمعه من عَلّي بن الْمَدِينِيّ عَلَى التَّمام ، فَحدث بِهِ كَمَا سَمعه ، وَذكر فِيهِ إِنْكَار شبيب سَمَاعه من عُرْوَة حَدِيث [ شِرَاء ] الشَّاة ، وَإِنَّمَا سَمعه من الْحَيّ عَن عُرْوَة ، وَإِنَّمَا سمع من عُرْوَة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : الْخَيْر مَعْقُود بنواصي الْخَيل قَالَ : وَيُشبه أَن الحَدِيث فِي الشِّرَاء لَو كَانَ عَلَى شَرطه لأخرجه فِي كتاب الْبيُوع وَكتاب الْوكَالَة ، كَمَا جرت عَادَته فِي الحَدِيث الَّذِي يشْتَمل عَلَى أَحْكَام أَن يذكرهُ فِي الْأَبْوَاب الَّتِي تصلح لَهُ ، وَلم يُخرجهُ إِلَّا فِي هَذَا الْموضع الَّذِي أَشَرنَا إِلَيْهِ ، وَذكر بعده حَدِيث الْخَيل من (رِوَايَة) ابْن عمر وَأنس وَأبي هُرَيْرَة ، فَدلَّ ذَلِكَ عَلَى أَن مُرَاده حَدِيث الْخَيل فَقَط إِذْ هُوَ عَلَى شَرطه ، وَقد أخرج مُسلم حَدِيث شبيب بن غرقدة عَن عُرْوَة ، مُقْتَصرا عَلَى ذكر الْخَيل ، وَلم يذكر حَدِيث الشَّاة . وَذكر ابْن حزم فِي محلاه من حَدِيث ابْن أبي شيبَة ، ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن شبيب عَن عُرْوَة كَمَا سلف ، وَمن طَرِيق أبي دَاوُد ، ثمَّ قَالَ : فِي أحد طريقيه سعيد بن زيد أَخُو حَمَّاد وَهُوَ ضَعِيف . وَقد أسلفنا من وثق هَذَا وَفِيه أَيْضا أَبُو لبيد لمازة - بِضَم اللَّام - ابْن زبار بِفَتْح الزَّاي وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة وَلَيْسَ بِمَعْرُوف الْعَدَالَة ، قلت : بلَى قد ذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة ، وَقَالَ : سمع من عَلّي وَكَانَ ثِقَة . وَقَالَ أَحْمد : صَالح الحَدِيث وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثَنَاء حسنا . فَائِدَة : عُرْوَة هُوَ ابْن عِيَاض بن أبي الْجَعْد ، وَقيل لَهُ : الْبَارِقي ؛ لِأَنَّهُ نزل عِنْد جبل بِالْيمن يُقَال لَهُ : بارق ، فنسب إِلَيْهِ ، وَقيل غير ذَلِكَ ، وَمن قَالَ فِيهِ : عُرْوَة بن الْجَعْد ، كَمَا قَالَ غنْدر فقد وهم ، اسْتَعْملهُ عمر بن الْخطاب عَلَى قَضَاء الْكُوفَة قبل شُرَيْح .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن ، فَقَالَ : إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا ، وَإِن كَانَ ذائبًا فأريقوه . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور إلاّ اللَّفْظَة الْأَخِيرَة ، وَهِي فأريقوه فَلم أرها فِي كتب الحَدِيث ، وَقَالَ الْخطابِيّ : إِنَّهَا جَاءَت فِي بعض الْأَخْبَار ، فَأخْرجهُ البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن فَأْرَة سَقَطت فِي سمن فَمَاتَتْ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : خذوها وَمَا حولهَا وكلوا سمنكم وَفِي رِوَايَة لَهُ : ألقوها وَمَا حولهَا وكلوه . (و) أخرجه أَحْمد بِلَفْظ : أَنَّهَا استفتت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي فَأْرَة سَقَطت فِي سمن لَهُم جامد ، فَقَالَ : ألقوها وَمَا حولهَا وكلوا سمنكم . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه : إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا وكلوه ، وَإِن كَانَ ذائبًا فَلَا تقربوه وَفِي رِوَايَة للبيهقي : وَإِن كَانَ ذائبًا أَو مَائِعا لم يُؤْكَل وَفِي الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه : خذوها وَمَا حولهَا فاطرحوه ، وكلوا سمنكم . وَرُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن فَمَاتَتْ ، فَقَالَ : إِن كَانَ جَامِدا فخذوها وَمَا حولهَا وكلوا مَا بَقِي ، وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تأكلوه . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : إِذا وَقعت الْفَأْرَة فِي السّمن فَإِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا ، وَإِن كَانَ مَائِعا (فأريقوه ) . وَإِسْنَاده صَحِيح ، قَالَ عبد الرَّزَّاق : وَرُبمَا حدث بِهِ معمر [ عَن الزُّهْرِيّ ] ، عَن عبيد الله بن عبد الله (عَن) ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَذكره التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد أبي دَاوُد ثمَّ قَالَ : وَهَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ ، قَالَ : وَسمعت البُخَارِيّ يَقُول : هُوَ خطأ ، قَالَ : وَالصَّحِيح حَدِيث ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ ابْن أبي مَرْيَم ، عَن عبد الْجَبَّار بن عمر الْأَيْلِي عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْفَأْرَة تقع فِي السّمن ، فَقَالَ : إِن كَانَ جَامِدا الحَدِيث قَالَ ابْن أبي حَاتِم : وَرَوَاهُ معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه ، قَالَ أبي : كِلَاهُمَا وهم ، وَالصَّحِيح : الزُّهْرِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : تَابع عبد الْجَبَّار يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، وَخَالَفَهُمَا أَصْحَاب الزُّهْرِيّ ؛ فَرَوَوْه عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ الصَّحِيح . وأمّا ابْن حبَان فَأخْرجهُ فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بالسند الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : هُوَ مَحْفُوظ ، وَلَفظه : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن ، فَقَالَ : إِن كَانَ جَامِدا فألقوها وَمَا حولهَا ، وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه - يَعْنِي ذائبًا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : سُئِلَ عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن فتموت ، قَالَ : إِن كَانَ جَامِدا أَلْقَاهَا وَمَا حولهَا وَأكله ، وَإِن كَانَ مَائِعا لم يقربهُ . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الذَّبَائِح عَن عَبْدَانِ ، عَن عبد الله ، عَن يُونُس ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن (عبيد الله) بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود ، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : بلغنَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بفأرة مَاتَت فِي سمن فَأمر بِمَا قرب مِنْهَا فَطرح ثمَّ أكل . وَفِي غَرِيب أبي عبيد : ثَنَا هشيم ، عَن معمر بن أبان ، عَن رَاشد مولَى قُرَيْش ، عَن ابْن عمر ، أَنه سُئِلَ عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن ، قَالَ : إِن كَانَ مَائِعا فألقه كُله ، وَإِن كَانَ جامسًا فَألْقوا الْفَأْرَة وَمَا حولهَا ، وكل مَا بَقِي قَالَ : والجامس الجامد . فَائِدَة : فِي حد الجامد ، قَالَ ابْن الصّلاح : بلغنَا عَن القَاضِي الْحُسَيْن أَنه حدَّ الجامد بِأَن يكون بِحَيْثُ إِذا غرف مِنْهُ بِيَدِهِ لَا ينكبس فِي الْحَال ، قَالَ : وَهَذَا تقريب .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لحكيم بن حزَام : لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث يُوسُف بن مَاهك ، عَن حَكِيم بن حزَام ، وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر الاقتراح فِي أَحَادِيث احْتج برواتيها الشَّيْخَانِ وَلم يخرجاها ، أما أَحْمد فلفظه : يَا رَسُول الله ، يأتيني الرجل يسألني البيع لَيْسَ عِنْدِي فأبيعه مِنْهُ ، ثمَّ أبتاعه من السُّوق ، فَقَالَ : لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن يُوسُف بن مَاهك يحدث عَن حَكِيم بن حزَام ، قَالَ : بَايَعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن (لَا) أخر إلاّ قَائِما . وَقلت : يَا رَسُول الله ، الرجل يسألني البيع وَلَيْسَ عِنْدِي أفأبيعه ، قَالَ : لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك . وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقلت : يأتيني الرجل فيسألني من البيع مَا لَيْسَ عِنْدِي ، أبتاع لَهُ من السُّوق وأبيعه مِنْهُ وَلَفظ النَّسَائِيّ كَذَلِك فِي إِحْدَى روايتيه وَلَفظه فِي الْأُخْرَى : ابتعت طَعَاما من طَعَام الصَّدَقَة فربحت فِيهِ قبل أَن أقبضهُ ، فَأتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكرت لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا تبعه حَتَّى تقبضه . لَكِن هَذِه من رِوَايَة عَطاء بن أبي رَبَاح عَن حَكِيم . وَلَفظ ابْن مَاجَه : يَا رَسُول الله ، الرجل يسألني البيع وَلَيْسَ عِنْدِي ، أفأبيعه ؟ قَالَ : لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، قد رُوِيَ [ عَنهُ ] من غير وَجه ، رَوَى أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَأَبُو بشر عَن يُوسُف بن مَاهك عَن حَكِيم بن حزَام . قَالَ : وَرَوَى هَذَا الحَدِيث عَوْف وَهِشَام بن حسان ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن حَكِيم بن حزَام ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا حَدِيث مُرْسل ؛ إِنَّمَا رَوَاهُ ابْن سِيرِين عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، عَن يُوسُف بن مَاهك عَن حَكِيم بن حزَام ، قَالَ : نهاني رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أبيع مَا لَيْسَ عِنْدِي قَالَ : وَرَوَى وَكِيع هَذَا الحَدِيث عَن يزِيد بن إِبْرَاهِيم ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أَيُّوب ، عَن حَكِيم بن حزَام وَلم يذكر فِيهِ عَن يُوسُف بن مَاهك ، وَرِوَايَة عبد الصَّمد أصح ، وَقد رُوِيَ عَن يَحْيَى بن أبي كثير هَذَا الحَدِيث عَن يعْلى بن حَكِيم عَن يُوسُف بن مَاهك ، عَن عبد الله بن عصمَة ، عَن حَكِيم بن حزَام عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الحَدِيث عِنْد أَكثر أهل الْعلم كَرهُوا أَن يَبِيع الرجل مَا لَيْسَ عِنْده . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده من طَرِيق يَحْيَى بن أبي كثير الَّتِي ذكرهَا التِّرْمِذِيّ آخرا وَلَفظه : يَا رَسُول الله إِنِّي أبتاع هَذِه الْبيُوع فَمَا يحل لي مِنْهَا وَمَا يحرم عليَّ مِنْهَا ؟ قَالَ : يَا ابْن أخي ، لَا (تبع) شَيْئا حَتَّى تقبضه . وَأخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي رجل أَشْتَرِي [ الْمَتَاع ] فَمَا الَّذِي يحل (لي) مِنْهَا وَمَا يحرم عليّ ؟ فَقَالَ : يَا ابْن أخي ، إِذا ابتعت بيعا فَلَا تبعه حَتَّى تقبضه . ثمَّ قَالَ : هَذَا الْخَبَر مَشْهُور عَن يُوسُف بن مَاهك عَن حَكِيم بن حزَام ، لَيْسَ فِيهِ ذكر عبد الله بن عصمَة وَهَذَا الْخَبَر غَرِيب . وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هِشَام الدستوَائي ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن يُوسُف بن مَاهك ، أَن عبد الله بن عصمَة حَدثهُ ، أَن حَكِيم بن حزَام حَدثهُ ، قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي رجل أَشْتَرِي بيوعًا فَمَا يحل مِنْهَا وَمَا يحرم ؟ قَالَ : يَا ابْن أخي ، إِذا اشْتريت بيعا فَلَا تبعه حَتَّى تقبضه قَالَ : لم يسمعهُ يَحْيَى من يُوسُف ، إِنَّمَا سَمعه من يعْلى بن حَكِيم ، عَن يُوسُف ثمَّ سَاقه من حَدِيث شَيبَان ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن يعْلى بن حَكِيم عَن يُوسُف بِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَاد حسن مُتَّصِل وَكَذَلِكَ رَوَاهُ همام بن يَحْيَى وَأَبَان الْعَطَّار عَن يَحْيَى ، وَقَالَ أبان فِي هَذَا الحَدِيث : إِذا اشْتريت بيعا فَلَا تبعه حَتَّى تقبضه وَبِمَعْنَاهُ قَالَ همام ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق عَطاء عَن حزَام بن حَكِيم بن حزَام يَعْنِي عَن حَكِيم أَنه قَالَ : اشْتريت طَعَاما من الصَّدَقَة فأربحت فِيهِ قبل أَن أقبضهُ فَأَرَدْت بَيْعه ، فَسَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : لَا تبعه حَتَّى تقبضه . وَقَالَ عبد الْحق : رَوَاهُ همام عَن يَحْيَى بن أبي كثير أَن يعْلى بن حَكِيم حَدثهُ أَن يُوسُف بن مَاهك حَدثهُ ، أَن حَكِيم بن حزَام حَدثهُ فَذكره ، هَكَذَا ذكر سَماع يُوسُف عَن حَكِيم وَهِشَام الدستوَائي يرويهِ عَن يَحْيَى ، وَيدخل بَين يُوسُف وَحَكِيم عبد الله بن عصمَة ، وَكَذَلِكَ هُوَ بَينهمَا فِي غير حَدِيث ، وَعبد الله بن عصمَة ضَعِيف جدًّا . هَذَا كَلَامه ، وَأقرهُ ابْن الْقطَّان عَلَيْهِ وَإِن اعْترض عَلَيْهِ من وَجه آخر ، وَنقل عَن ابْن حزم أَنه قَالَ فِي ابْن عصمَة : إِنَّه مَجْهُول . وَصحح - أَعنِي - ابْن حزم من رِوَايَة يُوسُف نَفسه عَن حَكِيم ؛ لِأَنَّهُ قد جَاءَ التَّصْرِيح بِسَمَاعِهِ مِنْهُ هَذَا الحَدِيث فِي بعض الرِّوَايَات ، وَاعْلَم أَنْت أَن عبد الله بن عصمَة هَذَا أخرج لَهُ النَّسَائِيّ ، وَرَوَى عَنهُ يُوسُف بن مَاهك وَصَفوَان بن موهب ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَأخرج لَهُ فِي صَحِيحه كَمَا سلف ، فَأَيْنَ الضعْف فِيهِ وَأَيْنَ الْجَهَالَة ، نعم لَهُم عبد الله بن عصمَة الْعجلِيّ الْحَنَفِيّ آخر ، وَهُوَ فِي طبقته ، رَوَى عَن ابْن عمر وَأبي سعيد وَابْن عَبَّاس إِن كَانَ مَحْفُوظًا لَكِن لم أر أَنه رَوَى عَن حَكِيم بن حزَام ، قَالَ ابْن عديّ : لَهُ أَحَادِيث أنكرتها . وَقَالَ ابْن حبَان : يُخطئ كثيرا . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَالصَّوَاب فِي هَذَا : عبد الله بن عصم لَا عصمَة ، قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ إِسْرَائِيل : عصمَة . وَقَالَ شريك : عصم ، فَسمِعت أَحْمد يَقُول : القَوْل مَا قَالَ شريك . وَوَقع فِي الضُّعَفَاء للذهبي عَاصِم بدلهَا ، وَهُوَ من الْكَاتِب ، وَقد ذكره فِي الْمِيزَان عَلَى الصَّوَاب .
وَأما أَثَره : فَهُوَ مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : لَا تشتروا السّمك فِي المَاء فَإِنَّهُ غرر ، وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن أَولا من حَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل ، وَهُوَ فِي مُسْنده ثَنَا مُحَمَّد بن السماك ، عَن يزِيد بن أبي زِيَاد عَن الْمسيب بن رَافع ، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تشتروا فَذكره ، قَالَ أَحْمد : وثنا بِهِ هشيم ، عَن يزِيد بن أبي زِيَاد وَلم يرفعهُ ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي مُعْجَمه الْكَبِير وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَكَذَا رُوِيَ مَرْفُوعا ، وَفِيه إرْسَال بَين الْمسيب وَابْن مَسْعُود ، وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ هشيم عَن يزِيد مَوْقُوفا عَلَى عبد الله ، وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن يزِيد مَوْقُوفا عَلَى عبد الله أَنه كره بيع السّمك فِي المَاء . قلت : وَيزِيد هَذَا ضَعَّفُوهُ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : يرويهِ يزِيد بن أبي زِيَاد ، عَن الْمسيب بن رَافع ، وَاخْتلف عَنهُ فرفعه أَحْمد بن حَنْبَل ، عَن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن السماك ، عَن يزِيد وَوَقفه غَيره ، وزائدة وهشيم ، عَن يزِيد بن أبي زِيَاد وَالْمَوْقُوف أصح ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح مَرْفُوعا ، وَإِنَّمَا هُوَ من قَول ابْن مَسْعُود ، قَالَ : وَرَوَاهُ (هشيم) وزائدة كِلَاهُمَا عَن يزِيد فَلم يرفعهُ قَالَ : فَيمكن أَن يكون يزِيد قد رَفعه فِي وَقت ، فَإِنَّهُ كَانَ يلقن فيتلقن وَقَالَ : وَيُمكن أَن يكون الْغَلَط من ابْن السماك ، وَقد كَانَ عَلّي وَيَحْيَى وَغَيرهمَا (لَا يحتجون) بِهِ .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يُبَاع صوف عَلَى ظهر ، أَو لبن فِي ضرع . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من رِوَايَة عمر بن فروخ ، عَن حبيب بن الزبير ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تبَاع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا ، أَو يُبَاع صوف عَلَى ظهر ، أَو سمن فِي لبن ، أَو لبن فِي ضرع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ عمر بن فروخ مَرْفُوعا وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ ، قلت : تفرد بِهَذِهِ الْمقَالة فِيهِ ، وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم ، ورضيه أَبُو دَاوُد ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد أرْسلهُ عَنهُ وَكِيع ، وَرَوَاهُ غَيره مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس لَا تشتري اللَّبن فِي ضروعها وَلَا الصُّوف عَلَى ظُهُورهَا وَقَالَ : وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جماعات مَوْقُوفا عَلَيْهِ ، قلت : وَكَذَا أخرجه الشَّافِعِي فِي الْأُم، وَأَبُو دَاوُد فِي مراسيله . وَقَالَ عبد الْحق : هَذَا حَدِيث أسْندهُ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ ، عَن عمر بن فروخ ، وأرسله وَكِيع عَنهُ ، وَلم يذكر السّمن وَاللَّبن ، وأرسله ابْن الْمُبَارك عَن عِكْرِمَة بِمَعْنَاهُ ، وَأما النَّهْي عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا فَصَحِيح مجمع عَلَيْهِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ منا من غَشنَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر فِي السُّوق عَلَى صبرَة طَعَام ، فَأدْخل يَده فِيهَا ، فنالت أَصَابِعه بللاً فَقَالَ : مَا هَذَا يَا صَاحب الطَّعَام ؟ قَالَ : يَا رَسُول الله ، أَصَابَته السَّمَاء . قَالَ : أَفلا جعلته فَوق الطَّعَام (حَتَّى) يرَاهُ النَّاس ، من (غَشنَا) فَلَيْسَ (منا) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام مرّ بِرَجُل يَبِيع طَعَاما فَسَأَلَهُ : كَيفَ تبيع ؟ فَأخْبرهُ ، فأُوحي إِلَيْهِ أَن أَدخل يدك فِيهِ ، فَأدْخل يَده فِيهِ ، فَإِذا هُوَ مبلول ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ منّا من غش ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه أَيْضا بِلَفْظ : مرّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - برجلٍ يَبِيع طَعَاما فأعجبه ، فَأدْخل يَده فِيهِ ، فَإِذا هُوَ بطعامٍ مبلول ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : لَيْسَ منا من غَشنَا ، ثمَّ أخرجه من طرق ، وَقَالَ : هَذِه الْأَسَانِيد كلهَا صَحِيحَة عَلَى شَرط مُسلم ، قَالَ : وَإِنَّمَا أخرجه مُسلم من حَدِيث سُهَيْل ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : من غَشنَا فَلَيْسَ منَّا قَالَ : وَأما شرح الْحَال فَلم يخرجَاهُ . قلت : بلَى قد أخرجه كَمَا سقته لَك ، وَذكره عبد الرَّزَّاق مُرْسلا ، فَقَالَ : نَا مُحَمَّد ابن رَاشد قَالَ : سَمِعت مَكْحُولًا يَقُول : مرّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِرَجُل يَبِيع طَعَاما قد خلط جيدًّا بقبيح ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا حملك عَلَى مَا صنعت ؟ قَالَ : أردْت أَن ينْفق . فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ميز كل وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى حِدته ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ديننَا غش ، وَله طرق أُخْرَى مِنْهَا : عَن ابْن عمر قَالَ : مرّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِطَعَام قد حسنه صَاحبه فَأدْخل يَده فِيهِ ، فَإِذا الطَّعَام رَدِيء ، فَقَالَ : بِعْ هَذَا عَلَى حِدة وَهَذَا عَلَى حِدة ، من غَشنَا فَلَيْسَ منا ، رَوَاهُ أَحْمد ، عَن خلف بن الْوَلِيد ، ثَنَا أَبُو معشر ، عَن نَافِع عَنهُ ، وَأَبُو معشر هَذَا هُوَ السندي ضَعَّفُوهُ ، (و) رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده ، عَن مُحَمَّد بن الصَّلْت ، ثَنَا أَبُو عقيل يَحْيَى بن المتَوَكل ، أَخْبرنِي الْقَاسِم بن [ عبيد الله ] ، عَن سَالم ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مرّ بِطَعَام بسوق الْمَدِينَة ، فأعجبه حسنه ، فَأدْخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَده فِي جَوْفه ، فَأخْرج شَيْئا لَيْسَ بِالظَّاهِرِ فأفّف [ لصَاحب ] الطَّعَام ، ثمَّ قَالَ : لَا غش بَين الْمُسلمين ، من غَشنَا فَلَيْسَ منّا ، وَالقَاسِم هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَمِنْهَا عَن أبي الْحَمْرَاء ، قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مرَّ بجنبات رجل عِنْده طَعَام فِي وعَاء ، فَأدْخل يَده فِيهِ ، فَقَالَ : لَعَلَّك (غششته) ، من غشّنا فَلَيْسَ منّا ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي دَاوُد عَنهُ ، وَأَبُو دَاوُد هَالك واسْمه نفيع ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا ، وَمِنْهَا عَن ابْن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ مَرْفُوعا : من غشّنا فَلَيْسَ منا ، وَالْمَكْر والخديعة فِي النَّار ، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَمِنْهَا : عَن أبي بردة بن نيار ، قَالَ : انْطَلَقت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى بَقِيع الْمُصَلى ، فَأدْخل يَده فِي طَعَام ، ثمَّ أخرجهَا فَإِذا هُوَ مغشوش - أَو مُخْتَلف - فَقَالَ : لَيْسَ منّا من غشَّنا ، رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حجاج ، نَا شريك ، عَن عبد الله بن عِيسَى ، عَن جَمِيع بن عُمَيْر ، عَن خَاله أبي بردة .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي المتخايرين : لَا بيع بَينهمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف أول الْبَاب ، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : من ابْتَاعَ بيعا فَوَجَبَ لَهُ فَهُوَ (فِيهِ) بِالْخِيَارِ (عَلَى صَاحبه مَا لم يُفَارِقهُ) إِن شَاءَ أخذ وإِن شَاءَ ترك ، فَإِن فَارقه فَلَا خِيَار (لَهُ) قَالَ ابْن حبَان : والفراق هُنَا بالأبدان لَا بالْكلَام .
الحَدِيث السَّادِس عَن عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها أَن رجلا اشْتَرَى غُلَاما فِي زمن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ فَكَانَ عِنْده مَا شَاءَ الله ، ثمَّ رده من عيب وجده . (هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مُسلم) بن خَالِد الزنْجِي ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى أَن الْخراج بِالضَّمَانِ ، قَالَ فِي الْأُم : وَأَحْسبهُ - بل لَا أَشك إِن شَاءَ الله - أَن مُسلما نَص الحَدِيث فَذكر أَن رجلا ابْتَاعَ عبدا (فاستغله) ثمَّ ظهر مِنْهُ عَلَى عيب ، فَقَضَى لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - برده بِالْعَيْبِ . فَقَالَ الْمقْضِي عَلَيْهِ : قد (استغله) . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْخراج بِالضَّمَانِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة كَذَلِك رَوَاهُ مُسلم بن خَالِد كَمَا حَسبه الشَّافِعِي ، وَذكر الْخَبَر (بِلَفْظِهِ) من رِوَايَة يَحْيَى بن يَحْيَى ، عَن مُسلم بن خَالِد . قَالَ : وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِإِسْنَاد آخر عَن مُسلم بن خَالِد ، وَقد وثق يَحْيَى بن معِين مُسلما . قلت : وَقد أخرجه الْحَاكِم من طَرِيقه ، وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَتَابعه عمر بن عَلّي الْمقدمِي - الثِّقَة - فَرَوَاهُ عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : الْخراج بِالضَّمَانِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ : حسن صَحِيح غَرِيب من حَدِيث هِشَام . قَالَ : وَاسْتَغْرَبَهُ البُخَارِيّ من حَدِيث عمر بن عَلّي ، قلت : ترَاهُ مدلسًا ؟ قَالَ : لَا . وَحَكَى التِّرْمِذِيّ أَنه ذكره لمُحَمد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ فَكَأَنَّهُ أعجبه ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث مُسلم بن خَالِد مطولا . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي مرّة من حَدِيث ابْن أبي ذِئْب ، عَن مخلد بن خفاف ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة مطولا بالقصة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَاب الْآتِي بعد هَذَا ، وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، وَحَدِيث الشَّافِعِي أتم ، وَرَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَحسنه التِّرْمِذِيّ ، وَصَححهُ ابْن الْقطَّان ، وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى طرق هَذَا الحَدِيث فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط فَبلغ عدَّة أوراق ، فَرَاجعه مِنْهُ ؛ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات ، قَالَ أَبُو عبيد : وَمَعْنى الحَدِيث أَن الرجل يَشْتَرِي الْمَمْلُوك فيستغله ثمَّ يجد بِهِ عَيْبا (كَانَ عِنْد البَائِع) فَيَقْتَضِي أَنه يرد العَبْد عَلَى البَائِع بِالْعَيْبِ ، وَيرجع بِالثّمن فَيَأْخذهُ وَيكون لَهُ الْغلَّة طيبَة وَهِي الْخراج ، وَإِنَّمَا طابت لَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنا للْعَبد ، لَو مَاتَ مَاتَ فِي [ مَال ] المُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِي يَده . وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ مَعْنَاهُ أَن مَا يخرج من الْمَبِيع من فَائِدَة وغلة فَهُوَ للْمُشْتَرِي فِي مُقَابلَة أَنه لَو تلف كَانَ من ضَمَانه .
الحَدِيث الثَّانِي عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لن يَجْزِي ولد وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم كَذَلِك ، إِلَّا أَنه قَالَ : لَا يَجْزِي بدل : لن يَجْزِي ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : لَا يَجْزِي ولد والدًا إِلَى آخِره ، وَهُوَ مَعْدُود من أَفْرَاده .
الحَدِيث الرَّابِع قَالَ الرَّافِعِيّ : الأَصْل فِي خِيَار الشَّرْط الْإِجْمَاع ، وَمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر أَن رجلا ذكر لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه يُخدع فِي الْبيُوع ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا بَايَعت فَقل : لَا خلابة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك ، وَفِي لفظ : فَكَانَ إِذا بَايع يَقُول : لَا (خِيابة) ، وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَالْحَاكِم من حَدِيث أنس بِنَحْوِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث صَحِيح غَرِيب . وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَذكر أَن ذَلِكَ الرجل كَانَ حبَان بن منقذ ، أَصَابَته آمة فِي رَأسه ، فَكَانَ يخدع فِي البيع ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا بَايَعت فَقل : لَا خلابة . وَجعل لَهُ الْخِيَار ثَلَاثًا قلت : هَذَا أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ ، وَبِه جزم ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه ، وَورد كَذَلِك مُصَرحًا فِي بعض رِوَايَات هَذَا الحَدِيث ، وَفِي بَعْضهَا أَنه وَالِده منقذ ، وَجزم (بِهِ) عبد الْحق فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ ، وَتردد فِي ذَلِكَ الْخَطِيب فِي مبهماته ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي (تلقيحه) . وَقَالَ النَّوَوِيّ : الْأَشْهر الْأَصَح الثَّانِي . كَذَا ذكره البُخَارِيّ فِي تَارِيخه ، وَلم يذكر غَيره ، وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ ، رَوَاهَا ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا ، (وَلَفْظهمَا) : ثمَّ أَنْت فِي كل سلْعَة ابتعتها بِالْخِيَارِ ثَلَاث لَيَال ، فَإِن رضيت فَأمْسك ، وَإِن سخطت فارددها عَلَى صَاحبهَا ، وَقد ذكرت طرق هَذَا الحَدِيث مستوفاة فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط بِزِيَادَة فَوَائِد ، فَرَاجعهَا مِنْهُ ، فَإِنَّهَا من الْمُهِمَّات . وحَبَّان هَذَا بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة بِلَا خلاف ، وَمن كسر حاءه فقد صحف ، و منقذ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة ، و الآمة بتَشْديد الْمِيم وَالْمدّ ، كَذَا قَيده الصغاني وصاحبا الْمُحكم و الْمَشَارِق ، وَمَعْنى لَا خلابة : لَا خديعة أَي لَا يحل لَك خديعتي وَلَا تلزمني خديعتك . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة وَجعل (لَهُ) ذَلِكَ ثَلَاثَة أَيَّام . وَفِي رِوَايَة فَقل : لَا خلابة ، وَلَك الْخِيَار ثَلَاثًا ، وَهَذِه الرِّوَايَات كلهَا فِي كتب الْفِقْه ، وَلَا تلقى فِي مشهورات كتب الحَدِيث سُوَى الرِّوَايَة المقتصرة عَلَى قَوْلهم لَا خلابة ، ثمَّ قَالَ بعد قَلِيل : وَأما (اللَّفْظَة) المروية فِي الْوَجِيز وَهِي قَوْله (ولي) الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام فَلَا تكَاد تُوجد فِي كتاب حَدِيث وَلَا فقه ، نعم فِي شرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ للموفق ابْن طَاهِر قل : لَا خلابة ، وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا ، وهما متقاربان (فِي كتاب الْحَج وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا وَالْمرَاد الْأَيَّام والليالي) ، وَكَذَا قَالَ فِي تذنيبه : أَن قَوْله : وَلَك الْخِيَار ثَلَاثًا لَا ذكر لَهُ فِي الرِّوَايَات ، وَقَالَ فِي الشَّرْح الصَّغِير : لَا تكَاد تُوجد فِي كتب الحَدِيث ، وَأَقُول : إِنَّمَا قَوْله : وَلَك الْخِيَار ثَلَاثًا فرواها الْحميدِي فِي مُسْنده عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن منقذًا سفع فِي رَأسه فِي الْجَاهِلِيَّة مأمومة فخبلت لِسَانه ، فَكَانَ إِذا بَايع يخدع فِي البيع ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بَايع ، وَقل : لَا خلابة ، وَأَنت بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا . قَالَ ابْن عمر : فَسَمعته يُبَايع وَيَقُول : لَا خدابة لَا خدابة ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه شَاهدا لحَدِيث عقبَة بن عَامر عُهْدَة الرَّقِيق أَربع لَيَال ، وَفِي رِوَايَته حبَان بدل منقذ ، وَأَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جعل لَهُ الْخِيَار فِيمَا اشْتَرَى ثَلَاثًا . وَرَوَاهَا البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَصرح فِيهِ بتصريح ابْن إِسْحَاق بِالتَّحْدِيثِ ، وَقَالَ : منقذ بدل حبَان وَلَفظه : إِذا بِعْت فَقل : لَا خلابة ، وَأَنت فِي كل سلْعَة ابتعتها بِالْخِيَارِ ثَلَاث لَيَال . الحَدِيث ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته بِدُونِ التحديث ، وَقَالَ : بِعْ ، وَقل : لَا خلابة ، ثمَّ قَالَ : رُوَاته ثِقَات ، وَأما الرِّوَايَة الأولَى فرواها الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث طَلْحَة بن يزِيد بن ركَانَة ، أَنه كلم عمر بن الْخطاب فِي الْبيُوع ، فَقَالَ : لَا أجد لكم شَيْئا أوسع مِمَّا جعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لحبان بن منقذ ، إِنَّه كَانَ ضَرِير الْبَصَر فَجعل لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عُهْدَة ثَلَاثَة أَيَّام ، إِن رَضِي أَخذ ، وَإِن سخط (تَركه) . وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة . وَهُوَ ضَعِيف بإجماعهم . وَأما رِوَايَة وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثًا فَغَرِيبَة ، قَالَ ابْن الصّلاح : (مُنكرَة) لَا أصل لَهَا . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ بعد ذَلِكَ : أما جَوَاز اشْتِرَاط الْخِيَار للْمُشْتَرِي فلحديث حبَان ، وَأما للْبَائِع أَوْ لَهما فبالقياس عَلَيْهِ ، وَمَا ذكره من أَن الحَدِيث ورد فِي حق المُشْتَرِي لَيْسَ كَذَلِك فاعلمه . تَنْبِيه (آخر) : من الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة مَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق من حَدِيث أبان بن أبي عَيَّاش - الْمَتْرُوك - عَن أنس أَن رجلا اشْتَرَى من رجل بَعِيرًا وَاشْترط الْخِيَار أَرْبَعَة أَيَّام ، فَأبْطل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - البيع وَقَالَ : الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام .
الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : أَو يَقُول أَحدهمَا للْآخر اختر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر كَمَا سلف .
بَاب خِيَار الْمجْلس وَالشّرط وَمَا يتَّصل بهما وَذكر فِيهِ رَحْمَه الله ثَمَانِيَة أَحَادِيث : الأول عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُتَبَايعَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحبه بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا إِلَّا بيع الْخِيَار . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مسلسل بالفقهاء فِي سَنَده ، قَالَ ابْن الْمُبَارك : هُوَ أثبت من هَذِه الأساطين . رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم ، عَن مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا (بِهِ) سَوَاء . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من طرق فَفِي لفظ إِذا تبَايع الرّجلَانِ فَكل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا ، وَكَانَا جَمِيعًا ، أَو يُخَيّر أَحدهمَا الآخر ، فَإِن خير أَحدهمَا الآخر فتبايعا عَلَى ذَلِكَ فقد وَجب البيع ، [ وَإِن تفَرقا ] بعد أَن يتبايعا ، وَلم يتْرك وَاحِد مِنْهُمَا البيع ، فقد وَجب البيع . وَفِي آخر : البيِّعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا ، أَو يَقُول أَحدهمَا للْآخر : اختر . وَرُبمَا قَالَ : أَو يكون بيع خِيَار وَفِي آخر : الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ فِي بيعهمَا مَا لم يَتَفَرَّقَا ، أَو يكون البيع خيارًا . قَالَ نَافِع : وَكَانَ ابْن عمر إِذا اشْتَرَى شَيْئا يُعجبهُ فَارق صَاحبه وَفِي رِوَايَة للبيهقي : حَتَّى يَتَفَرَّقَا من مكانهما إِلَّا أَن يكون صَفْقَة خِيَار ، رَوَاهَا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : لَا يحل لَهُ أَن يُفَارق صَاحبه خشيَة أَن يستقيله .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرا وَاحِدًا ، وَهُوَ أَن (ابْن) عمر رَضي اللهُ عَنهُ كَانَ إِذا (ابْتَاعَ) شَيْئا وَأَرَادَ أَن يُوجب البيع قَامَ وَمَشى قَلِيلا . وَهُوَ أثر صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَمَا سلف فِي آخر الحَدِيث الأول من أَحَادِيث الْبَاب ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ نَافِع : فَكَانَ ابْن عمر إِذا بَايع رجلا فَأَرَادَ أَن لَا يقيله قَامَ فَمَشى هنيهة ثمَّ رَجَعَ [ إِلَيْهِ ] ، وَفِي رِوَايَة للموطأ وَكَانَ ابْن عمر إِذا ابْتَاعَ بيعا وَهُوَ قَاعد قَامَ ليجب لَهُ وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ : كَانَ إِذا ابْتَاعَ الشَّيْء يُعجبهُ أَن يجب لَهُ ، فَارق صَاحبه فَمَشى قَلِيلا ثمَّ رَجَعَ .
الحَدِيث الثَّامِن عَن عقبَة بن عَامر رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُسلم أَخُو الْمُسلم ، لَا يحل لمن بَاعَ من أَخِيه بيعا يعلم فِيهِ عَيْبا إلاّ بَينه لَهُ . هَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه مَوْقُوفا عَلَى عقبَة ، فَقَالَ : وَقَالَ عقبَة بن عَامر : لَا يحل لامرئ يَبِيع سلْعَة يعلم أَن بهَا دَاء إِلَّا أخبر ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعا الْأَئِمَّة أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث [ ابْن ] شماسَة ، عَن عقبَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْمُسلم أَخُو الْمُسلم ، لَا يحل لامرئ مُسلم أَن يغيب مَا بسلعته ، عَن أَخِيه إِن علم [ بهَا ] تَركهَا هَذَا لفظ أَحْمد ، وَلَفظ ابْن مَاجَه الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يحل لمُسلم بَاعَ من أَخِيه بيعا وَفِيه عيب إلاّ بَينه [ لَهُ ] وَلَفظ الْحَاكِم وَالطَّبَرَانِيّ الْمُسلم أَخُو الْمُسلم ، وَلَا يحل لمُسلم إِن بَاعَ من أَخِيه بيعا فِيهِ عيب إِلَّا بَينه لَهُ ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَأقرهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته عَلَى تَصْحِيحه (هَذَا حَدِيث صَحِيح) ، وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد وَحده ابْن لَهِيعَة ، وَقد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى ، وَابْن شماسَة هُوَ عبد الرَّحْمَن انْفَرد بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ مُسلم ، وَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَغَيره ، وَفِي سَنَد الْحَاكِم مُحَمَّد بن سِنَان الْقَزاز ، وَهُوَ شيخ شيخ الْحَاكِم ، نسبه ابْن خرَاش وَأَبُو دَاوُد إِلَى الْكَذِب ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَقد تَابعه ابْن سيار الإِمَام الثِّقَة كَمَا هُوَ عِنْد ابْن مَاجَه ، وَأما ابْن جرير الطَّبَرِيّ فَقَالَ : فِي إِسْنَاده نظر . قلت : وَله شَاهد من حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ، رَوَاهُ (أَحْمد و) الْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده ، وَفِيه نظر ، وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب فَليُرَاجع مِنْهُ ، هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أقَال أَخَاهُ الْمُسلم صَفْقَة كرهها أقاله الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الصَّحِيح من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من أقَال مُسلما أقاله الله عثرته زَاد ابْن مَاجَه : يَوْم الْقِيَامَة ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه كَلَفْظِ أبي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ بِأَلْفَاظ هَذَا أَحدهَا . وَثَانِيها : من أقَال نَادِما أقاله الله . ثَالِثهَا : من أقَال نَادِما أقاله الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة . رَابِعهَا : من أقَال مُسلما عثرته أقاله الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة . خَامِسهَا : من أقَال نَادِما أقاله الله نَفسه يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط [ الشَّيْخَيْنِ ] ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر الاقتراح : إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَقَالَ ابْن حزم : إِنَّه صَحِيح . وَأخرجه أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث إِسْحَاق الْفَروِي عَن مَالك ، عَن سمي ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : من أقَال نَادِما بيعَته أقاله الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة وَقَالَ : مَا رَوَاهُ عَن مَالك إِلَّا إِسْحَاق الْفَروِي ، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى بن معِين عَن حَفْص بن غياث ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه : من أقَال مُسلما عثرته أقاله الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ قَالَ : مَا رَوَى عَن الْأَعْمَش إِلَّا حَفْص بن غياث وَمَالك بن (سعير) ، وَمَا رَوَى عَن حَفْص إِلَّا يَحْيَى بن معِين وَلَا عَن مَالك بن (سعير) إِلَّا زِيَاد بن يَحْيَى الحساني ، قلت : وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر مَعْلُول . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث من حَدِيث معمر ، عَن مُحَمَّد بن وَاسع ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : من أقَال نَادِما أقاله الله نَفسه يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الْحَاكِم : هَذَا إِسْنَاد من نظر إِلَيْهِ من غير أهل الصَّنْعَة لم يشك فِي صِحَّته وَسَنَده ، وَلَيْسَ كَذَلِك ، فَإِن معمرًا هُوَ ابْن (رَاشد) الصَّنْعَانِيّ ثِقَة مَأْمُون ، وَلم يسمع من مُحَمَّد بن وَاسع وَمُحَمّد بن وَاسع ثِقَة مَأْمُون ، وَلم يسمع من أبي صَالح ، قَالَ : وَله علَّة يطول شرحها ، هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه . وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرا وَاحِدًا وَهُوَ : أَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ بَاعَ عبدا من زيد بن ثَابت ، بثمانمائة دِرْهَم بِشَرْط الْبَرَاءَة ، فَأصَاب زيد بِهِ عَيْبا ، فَأَرَادَ رده عَلَى ابْن عمر فَلم يقبله ، وترافعا إِلَى عُثْمَان ، فَقَالَ عُثْمَان لِابْنِ عمر : أتحلف أَنَّك لم تعلم بِهَذَا الْعَيْب . فَقَالَ : لَا . فَرده عَلَيْهِ ، فَبَاعَهُ ابْن عمر بِأَلف دِرْهَم . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن سَالم بن عبد الله أَن عبد الله بن عمر بَاعَ غُلَاما لَهُ بثمانمائة دِرْهَم . وَبَاعه بِالْبَرَاءَةِ فَقَالَ الَّذِي ابتاعه لعبد الله بن عمر : بالغلام دَاء لم تسمه (لي) فاختصما إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان ، فَقَالَ الرجل : بَاعَنِي عبدا وَبِه دَاء لم يسمه لي . فَقَالَ عبد الله بن عمر : بِعته بِالْبَرَاءَةِ فَقَضَى عُثْمَان بن عَفَّان عَلَى عبد الله بن عمر بِالْيَمِينِ أَن يحلف لَهُ لقد بَاعه الْغُلَام وَمَا بِهِ دَاء يُعلمهُ . فَأَبَى عبد الله أَن يحلف وارتجع العَبْد [ فصح عِنْده ] فَبَاعَهُ عبد الله بن عمر بعد ذَلِكَ بِأَلف وَخَمْسمِائة دِرْهَم قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا أصح مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب ، وَرُوِيَ قبل ذَلِكَ عَن زيد بن ثَابت ، وَابْن عمر أَنَّهُمَا كَانَا يريان الْبَرَاءَة من كل عيب جَائِزا ، وَضَعفه ، وَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي سِيَاقَة هَذِه الْقِصَّة أَن المُشْتَرِي زيد بن ثَابت قلدا فِيهِ صاحبا الشَّامِل وَالْحَاوِي ، وَلم أره فِي غَيرهمَا ، وَفِيهِمَا أَن ابْن عمر كَانَ يَقُول بعد بَيْعه الْغُلَام بِأَلف وَخَمْسمِائة دِرْهَم : تركت الْيَمين لله فعوضني الله عَنْهَا ، وَفِي تَعْلِيق القَاضِي (أبي الطّيب) أَنه لما اسْترْجع الْغُلَام زَالَ مَا بِهِ من الْعَيْب عِنْده وَبَاعه بِأَلف وَأَرْبَعمِائَة دِرْهَم .
الحَدِيث الرَّابِع حَدِيث حبَان بن منقذ ، هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي الْبَاب قبله فَليُرَاجع مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّانِي عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من اشْتَرَى (شَاة) مصراة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام ، فَإِن ردهَا رد مَعهَا صَاعا من تمر لَا سمراء . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم كَمَا سلف بِلَفْظِهِ قَرِيبا .
الحَدِيث السَّادِس أَن مخلد بن خفاف ابْتَاعَ غُلَاما فاستغله ، ثمَّ أصَاب بِهِ عَيْبا ، فَقَضَى لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز برده وغلته ، فَأخْبرهُ عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي مثل هَذَا أَن الْخراج بِالضَّمَانِ ، فَرد عمر قَضَاءَهُ ، وَقَضَى لمخلد بالخراج . هَذَا الحَدِيث ذكره الْمُزنِيّ فِي الْمُخْتَصر فِي أَوَائِل بَاب الْخراج بِالضَّمَانِ فَقَالَ : أَخْبرنِي من لَا أتهم ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن مخلد بن خفاف - أَي بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْفَاء - أَنه ابْتَاعَ غُلَاما . فَذكره كَمَا سَاقه الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَقَالَ فِي آخِره : وَقَضَى لمخلد برد الْخراج - أَي غَلَّته قَالَ الشَّافِعِي : فَبِهَذَا آخذ . وَهَذِه الرِّوَايَة ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الرّبيع ، عَن الشَّافِعِي ، وَزَاد فِيهَا : من لَا أتهم من أهل الْمَدِينَة ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن مخلد بن خفاف ، قَالَ : ابتعت غُلَاما . فَذكره بِنَحْوِهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ (وَبِمَعْنَاهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، وَحَدِيث الشَّافِعِي أتم . وَمن لَا يتهمه الشَّافِعِي فِي هَذَا الْخَبَر قيل : إِنَّه إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى فِيمَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ ، وَقد أسلفنا فِي الْبَاب الْمَاضِي أَن (أَحْمد و) أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (رَوَوْهُ) ، وَحسنه التِّرْمِذِيّ ، وَصَححهُ ابْن الْقطَّان ، وَأما ابْن حزم قَالَ : إِنَّه لَا يَصح ، وَأَن مخلد بن خفاف وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي انفردا بِهِ . وَلَيْسَ كَمَا ذكر ؛ فقد رَوَاهُ أَيْضا عمر بن عَلّي الْمقدمِي كَمَا سلف هُنَاكَ . فَائِدَة : مخلد بن خفاف هَذَا غفاري ، يُقَال : إِن لَهُ ولأبيه وجده صُحْبَة .
الحَدِيث الثَّالِث عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من (ابْتَاعَ) محفلة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام ، فَإِن ردهَا رد مَعهَا مثل أَو مثلي لَبنهَا قمحًا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه كَذَلِك وَابْن مَاجَه ، وَقَالَ : من بَاعَ بدل من ابْتَاعَ ، وَقَالَ : مثل فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَإِسْنَاده متماسك بِسَبَب جَمِيع بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ ، فَإِنَّهُ من الْمُخْتَلف فيهم ، كَمَا أوضحته فِي تخريجي أَحَادِيث الْمُهَذّب و الْوَسِيط ، وَالتِّرْمِذِيّ حسن لَهُ ، وَأعله الْبَيْهَقِيّ بتفرده ، فَقَالَ : تفرد بِهِ وَفِيه نظر ، يَعْنِي فِي توثيقه . وَقَالَ فِي الْمعرفَة : هَذِه الرِّوَايَة غير قَوِيَّة ، وَأعله عبد الْحق بِصَدقَة بن سعيد الْحَنَفِيّ الرَّاوِي عَن جَمِيع ، فَقَالَ : إِنَّه ضَعِيف . قلت : قد وثق أَيْضا كَمَا ذكرته فِي الْكِتَابَيْنِ الْمشَار إِلَيْهِمَا ، وَذكرت فيهمَا أَيْضا أَن قَوْله : مثل أَو مثلي شكّ من الرَّاوِي فِيمَا يظْهر ، فَرَاجعه ترشد وَالله الْمُوفق .
بَاب الْمُصراة وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَحَادِيث سَبْعَة أَحَادِيث : الحَدِيث الأول عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تصرّوا الْإِبِل وَالْغنم للْبيع ، فَمن ابتاعها بعد ذَلِكَ فَهُوَ بِخَير النظرين من بعد أَن يحلبها إِن رضيها أمْسكهَا ، وَإِن سخطها ردهَا وصاعًا من تمر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث مَالك عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر عَن مَالك بِهِ ، وَلَفظه كَمَا سَاقه الرَّافِعِيّ سَوَاء ، إِلَّا أَنه لم يقل : من ، وَقَالَ : بعد أَن يحلبها : بإسقاطها ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم كَذَلِك إلاّ أَنه لم يذكر فِيهِ للْبيع وَلَا فَمن ابتاعها ، بل قَالَ فَإِن ابتاعها بدله ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا عَن سُفْيَان ، عَن أبي الزِّنَاد (بِهِ) ، وَقَالَ فِيهِ : فَمن ابتاعها ، وَلَفظ البُخَارِيّ وَمن ابتاعها وَلم يقل بعد ذَلِكَ وَلم يذكر فِيهِ الْإِبِل بل قَالَ : وَلَا تصروا الْغنم ، وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث اللَّيْث ، عَن جَعْفَر بن ربيعَة ، عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا تصروا الْإِبِل وَالْغنم ، فَمن ابتاعها بعد فَإِنَّهُ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها ، إِن شَاءَ أمسك وَإِن شَاءَ ردهَا وصاعَ تمر ، وَقَالَ البُخَارِيّ : وَيذكر عَن أبي صَالح ، وَمُجاهد ، والوليد بن رَبَاح ومُوسَى بن يسَار ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَاع تمر وقَالَ بَعضهم : عَن ابْن سِيرِين : صَاعا من (طَعَام ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا وَقَالَ بَعضهم : عَن ابْن سِيرِين : صَاعا من) تمر ، وَلم يذكر ثَلَاثًا وَالتَّمْر أَكثر . وَفِي رِوَايَة (لَهُ من اشْتَرَى) غنما مصراة فاحتلبها فَإِن رضيها أمْسكهَا ، وَإِن سخطها فَفِي حلبتها صَاع من تمر ، وَرَوَاهُ مُسلم بِأَلْفَاظ مِنْهَا : من اشْتَرَى شَاة مصراة فلينقلب بهَا فليحلبها ، فَإِن رَضِي بهَا أمْسكهَا ، وَإِلَّا ردهَا وَمَعَهَا صَاع من تمر ، وَمِنْهَا : من ابْتَاعَ شَاة مصراة فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام ، إِن شَاءَ أمْسكهَا ، وَإِن شَاءَ ردهَا ورد مَعهَا صَاعا من تمر وَمِنْهَا : من اشْتَرَى شَاة مصراة فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام ، فَإِن ردهَا رد مَعهَا صَاعا من طَعَام ، لَا سمراء قَالَ التِّرْمِذِيّ : (مَعْنَى) لَا سمراء : لَا (بُرّ) . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ : بعد أَن يحلبها ثَلَاثًا ، قلت : هَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة ، هَكَذَا لم أرها فِي كتاب حَدِيث ، وَتبع فِي إيرادها الْغَزالِيّ فِي وسيطه ، وَالْغَزالِيّ تبع إِمَامه ، فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك من طَرِيق الشَّافِعِي ، وَقَالَ : إِنَّه صحت الرِّوَايَة بِهِ . وَالْإِمَام تبع القَاضِي (حُسَيْنًا) ، فَإِنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ ، وَقَالَ ابْن دَاوُد شَارِح الْمُخْتَصر : إِنَّه جَاءَ ذَلِكَ فِي بعض الْأَخْبَار كَمَا قلت ، وَكَأَنَّهَا مركبة من الْمَعْنى ، وَيجب تقديرها : فَهُوَ بِخَير النظرين ثَلَاثًا بعد أَن يحلبها . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : لَا تُصَرّوا هُوَ بِضَم أَوله وَفتح ثَانِيه وَتَشْديد ثالثه عَلَى مِثَال لَا تزكوا ، وَالْإِبِل مَنْصُوب ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي ضبط هَذِه اللَّفْظَة ، وَمِنْهُم من يرويهِ بِفَتْح أَوله وَضم ثَانِيه من صر يصر إِذا ربط ، والمصراة هِيَ الَّتِي يرْبط أخلافها فيجتمع اللَّبن ، وَالْإِبِل عَلَى هَذَا مَنْصُوب أَيْضا ، وَأما مَا حَكَاهُ بَعضهم من ضم أَوله وَفتح ثَانِيه وَضم لَام الْإِبِل عَلَى مَا لم يسم فَاعله فَلَا يَصح مَعَ اتِّصَال ضمير الْفَاعِل ، وَإِنَّمَا يَصح مَعَ إِفْرَاد الْفِعْل ، وَلَا تعرف رِوَايَة حذف فِيهَا هَذَا الضَّمِير .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق أَحدهَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث كثير بن زيد ، عَن الْوَلِيد بن رَبَاح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِهِ ، وَكثير هَذَا هُوَ مولَى الأسلميين ، وَفِيه مقَال . قَالَ أَبُو زرْعَة : صَدُوق فِيهِ لين . وَاخْتلف قَول يَحْيَى بن معِين فِيهِ ، فضعفّه مرّة وَوَثَّقَهُ أُخْرَى ، وَضَعفه النَّسَائِيّ ، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان ، وَأخرج لَهُ فِي صَحِيحه كَمَا ستعلمه فِي كتاب الصُّلْح ، وتحامل عَلَيْهِ ابْن حزم فوهاه ، وخلط بَينه وَبَين غَيره فجلعهما وَاحِدًا كَمَا ستعلمه هُنَاكَ إِن شَاءَ الله ، وَقَالَ عبد الْحق : هُوَ ضَعِيف عِنْدهم وَإِن كَانَ قد رَوَى عَنهُ جلة . والوليد بن رَبَاح ادَّعَى ابْن حزم جهالته وَتَبعهُ عبد الْحق فَقَالَ : لَا أعلم رَوَى عَن الْوَلِيد إِلَّا كثير بن زيد ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا ، فقد رَوَى عَنهُ ابناه مُحَمَّد وَمُسلم . وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي حَقه : صَالح . وَرَوَى عَن أبي هُرَيْرَة وَسَهل بن حنيف وَغَيرهمَا . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَيَنْبَغِي أَن يُقَال فِيهِ : حسن لما بِكَثِير بن زيد من الضعْف وَلَو كَانَ صَدُوقًا . قلت : قد أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث مدنيون وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَله شَاهد من حَدِيث أنس وَعَائِشَة فذكرهما وسيأتيان . ثَانِيهَا : عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا بِهِ وَزِيَادَة إِلَّا شرطا حرم حَلَالا أَو أحل حَرَامًا ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه ، وَفِي نسخةٍ تَصْحِيحه وستعلم مَا فِيهِ فِي كتاب الصُّلْح إِن شَاءَ الله . ثَالِثهَا : عَن أنس رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم مَا وَافق الْحق من ذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث خصيف ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن أنس مَرْفُوعا بِهِ (و) رَوَاهُ الْحَاكِم شَاهدا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف ، وخصيف مُخْتَلف فِيهِ كَمَا سلف فِي الْحَج ، وَقَالَ ابْن عدي : إِذا حدث عَنهُ ثِقَة فَلَا بَأْس بِهِ . قلت : قد حدث عَنهُ بِهَذَا الحَدِيث مُتَّهم وَهُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن البالسي ، لَا جرم قَالَ ابْن الْقطَّان : خصيف ضَعِيف ، والراوي عَنهُ هُوَ عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن يروي عَنهُ أَحَادِيث هِيَ كذب مَوْضُوعَة . قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل . رَابِعهَا : عَن عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها مَرْفُوعا : مثل (الحَدِيث) الَّذِي قبله سَوَاء ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث خصيف ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِهِ ، وَكَذَا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه شَاهدا لحَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف . قلت : وَرُوِيَ مُرْسلا من طَرِيق عمر بن عبد الْعَزِيز ، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن يَحْيَى بن أبي زَائِدَة ، عَن عبد الْملك ، عَن عَطاء بلغنَا أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم . وَرَوَاهُ ابْن حزم من طَرِيق عبد الْملك بن حبيب الأندلسي ، حَدَّثَني الْحزَامِي ، عَن مُحَمَّد بن عمر ، عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم ، عَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْمُسلمُونَ عِنْد شروطهم وَعبد الْملك هَذَا هَالك ، قَالَ ابْن حزم : رِوَايَته سَاقِطَة مطرحة . وَهُوَ عَالم مُصَنف (الْوَاضِحَة) عَلَى مَذْهَب مَالك ، وَلكنه كَانَ كثير الْوَهم وَرُبمَا تعمد الْكَذِب (لنصر) التَّقْلِيد ، وَفِيه مَعَه مُحَمَّد بن عمر وَهُوَ الْوَاقِدِيّ ، وحاله مَعْلُوم وَعبد الرَّحْمَن شَيْخه ، قَالَ البُخَارِيّ : رَوَى عَنهُ عجائب . فَهَذِهِ ثَلَاث علل مَعَ الْإِرْسَال ، وَأَقْوَى طرقه المسندة عَلَى علاته الطَّرِيق الأول ثمَّ الثَّانِي ، وَالْبَاقِي شَوَاهِد .
الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما قَالَ : كنت أبيَع الْإِبِل بِالبَقِيعِ بِالدَّنَانِيرِ وآخذ مَكَانهَا الْوَرق ، وأبيع بالورق وآخذ مَكَانهَا الدَّنَانِير ، فَأتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسَأَلته عَن ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ بِالْقيمَةِ وَفِي رِوَايَة : لَا بَأْس إِذا تفرقتما وَلَيْسَ بَيْنكُمَا شَيْء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ (فِي سنَنه) من حَدِيث سماك بن حَرْب ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عمر قَالَ : كنت أبيع الْإِبِل بِالبَقِيعِ فأبيع بِالدَّنَانِيرِ وآخذ الدَّرَاهِم ، وأبيع بِالدَّرَاهِمِ وآخذ الدَّنَانِير ، أَخذ هَذِه من هَذِه ، وَأعْطِي هَذِه من هَذِه ، فَأتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ فِي بَيت حَفْصَة ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، رويدك أَسأَلك إِنِّي أبيع الْإِبِل بِالبَقِيعِ ، فأبيع بِالدَّنَانِيرِ وآخذ الدَّرَاهِم ، وأبيع بِالدَّرَاهِمِ وآخذ الدَّنَانِير ، آخذ هَذِه من هَذِه ، وَأعْطِي هَذِه من هَذِه ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا بَأْس أَن تأخذها بِسعْر يَوْمهَا مَا لم تفترقا وبينكما شَيْء ، هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ بِالْقيمَةِ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : لَا يفارقنك وَبَيْنك وَبَينه بيع وَفِي آخر لَهُ كَلَفْظِ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ : وَلَيْسَ بَيْنكُمَا شَيْء ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : إِذا اشْتريت وَاحِدًا مِنْهُمَا بِالْآخرِ فَلَا يفارقك صَاحبك (وَبَيْنك) وَبَينه لبس ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ كَلَفْظِ أَحْمد الأول ، وَلَفظ ابْن مَاجَه : إِذا أخذت أَحدهَا وَأعْطيت الآخر فَلَا يفارقك صَاحبك وَبَيْنك وَبَينه لبس ، وَلَفظ النَّسَائِيّ : لَا بَأْس أَن تَأْخُذ بِسعْر يَوْمهَا مَا لم تتفرقا وبينكما شَيْء وَفِي أُخْرَى لَهُ : مَا لم يفرق بَيْنكُمَا شَيْء ، وَلَفظ ابْن حبَان : لَا بَأْس أَن تأخذها بِسعْر (يومهما فافترقهَا) وَلَيْسَ بَيْنكُمَا شَيْء ، وَلَفظ الْحَاكِم كَلَفْظِ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ : تَأْخُذ بدل (تأخذهما) ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كَلَفْظِ أبي دَاوُد وَسَاقه من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن سماك ، ثمَّ قَالَ : وَبِهَذَا الْمَعْنى رَوَاهُ إِسْرَائِيل عَن سماك ، ثمَّ سَاقه من حَدِيث عمار بن زُرَيْق عَن سماك وَلَفظه : إِذا بَايَعت الرجل بِالذَّهَب وَالْفِضَّة فَلَا تُفَارِقهُ وبينكما لبس . قَالَ : وبقريب من مَعْنَاهُ رَوَى فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، عَن إِسْرَائِيل ، عَن سماك ، وَعَن أبي الْأَحْوَص عَن سماك ، والْحَدِيث يتفرد بِرَفْعِهِ سماك بن حَرْب ، عَن سعيد ابن جُبَير من بَين أَصْحَاب ابْن عمر . وسَاق فِي الْمعرفَة حَدِيث إِسْرَائِيل بِلَفْظ : إِذا (كَانَ) أَحدهمَا بِالْآخرِ فَلَا يفترقا - أَو قَالَ : لَا يفارقك - وَبَيْنك وَبَينه بيع ، ثمَّ سَاق عَن أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ، قَالَ : كُنَّا عِنْد شُعْبَة ، فَجَاءَهُ خَالِد بن طليق وَأَبُو الرّبيع السَّمان ، وَكَانَ خَالِد الَّذِي سَأَلَهُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بسطَام حَدِّثْنا حَدِيث سماك بن حَرْب ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عمر فِي اقْتِضَاء الْوَرق من الذَّهَب وَالذَّهَب من الْوَرق . فَقَالَ شُعْبَة : عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر وَلم يرفعهُ ، ونا قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابْن عمر وَلم يرفعهُ ، (وثنا دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عمر وَلم يرفعهُ) ، ونا يَحْيَى بن أبي إِسْحَاق ، عَن سَالم ، عَن ابْن عمر وَلم يرفعهُ ، وَرَفعه لنا سماك بن حَرْب ، وَأَنا أفرقه . قلت : لما علمه من سوء حفظه ، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ وَغَيره لم يرفعهُ غير سماك ، وعلق الشَّافِعِي - فِي [ رِوَايَة ] حَرْمَلَة - القَوْل بِهِ عَلَى صِحَّته ، وَأما الْحَاكِم فَقَالَ فِي مُسْتَدْركه : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَكَأَنَّهُ بناه عَلَى الْمَذْهَب الصَّحِيح فِي تَقْدِيم الرّفْع عَلَى الْوَقْف . فَائِدَة : البقيع الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة مدفن أهل الْمَدِينَة ، وَقد ورد مُصَرحًا بِهِ فِي الْمعرفَة للبيهقي كنت أبيع الْإِبِل ببقيع الْغَرْقَد الحَدِيث ، وَأما ابْن باطيش فَقَالَ فِي كِتَابه الْمُغنِي : لم أجد أحدا ضَبطه فِي هَذَا الحَدِيث ، وَالظَّاهِر أَنه بالنُّون فَإِنَّهُ أشبه بِالبَقِيعِ الَّذِي هُوَ مدفن . وَكَأَنَّهُ لم يقف عَلَى رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ لَا جرم ، اعْترض النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فِي تهذيبه فَقَالَ : لَيْسَ كَمَا قَالَ بل هُوَ البقيع بِالْبَاء وَهُوَ المدفن ، وَلم يكن ذَلِكَ الْوَقْت كثرت فِيهِ الْقُبُور ، قَالَ : وَأما قَول ابْن معن فِي كِتَابه أَلْفَاظ الْمُهَذّب أَنه بِالْبَاء ، وَقيل : بالنُّون ، فَالظَّاهِر أَن حكايته النُّون عَن ابْن باطيش .
الحَدِيث التَّاسِع رُوِيَ مُرْسلا وَمُسْندًا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان : صَاع البَائِع وَصَاع المُشْتَرِي . هُوَ كَمَا قَالَ ، أما الْمسند فَمن طَرِيق جَابر رَضي اللهُ عَنهُ وَغَيره أخرجه ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِي إِسْنَاده ابْن أبي لَيْلَى وَقد سَاءَ حفظه بآخرة لاشتغاله بِالْقضَاءِ كقيس بن الرّبيع ، وَحَفْص بن غياث ، وَشريك النَّخعِيّ ، وَفِيه أَيْضا أَبُو الزبير عَن جَابر ، وَيحْتَاج إِلَى دعامة ، وَلم يُصَرح (بِالتَّحْدِيثِ) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان ، فَيكون للْبَائِع الزِّيَادَة وَعَلِيهِ النُّقْصَان . وَأما الْمُرْسل فَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن الْحسن فَقَالَ : هَكَذَا رَوَاهُ الْحسن عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان فَيكون لَهُ زِيَادَته وَعَلِيهِ نقصانه ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَن الْحَاكِم أبي عبد الله ، عَن أبي الْوَلِيد ، نَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، نَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الأحمسي ، نَا وَكِيع ، عَن الرّبيع بن صبيح عَن الْحسن . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ ذَلِكَ مَوْصُولا من أوجه (إِذا) ضم بَعْضهَا إِلَى بعض قوي مَعَ مَا ثَبت عَن ابْن عمر ، وَابْن عَبَّاس يُشِير إِلَى حَدِيثهمَا السَّابِق أول الْبَاب ، وَفِي البُخَارِيّ بِغَيْر إِسْنَاد قَول النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَا عُثْمَان ، إِذا ابتعت فاكتل وَإِذا بِعْت فكِل ، وأسنده أَحْمد وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، نَا مُوسَى بن وردان ، قَالَ : سَمِعت سعيد بن الْمسيب يَقُول : سَمِعت عُثْمَان يخْطب عَلَى الْمِنْبَر ، وَهُوَ يَقُول : كنت أبتاع التَّمْر من بطن من الْيَهُود يُقَال لَهُم (بَنو) قينقاع وأبيعه بِرِبْح ، فَبلغ ذَلِكَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا عُثْمَان ، إِذا اشْتريت فاكتل ، وَإِذا بِعْت فكِل وَابْن لَهِيعَة قد علمت مَا فِيهِ غير مرّة ، وَرَوَاهُ جمَاعَة من الْكِبَار عَنهُ كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ ، وَرَوَاهُ إِسْحَاق بن (عبد الله) بن أبي فَرْوَة ، عَن سعيد كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ ، وَأما مُوسَى بن وردان فَثِقَة ، وَإِن نقل الذَّهَبِيّ عَن ابْن معِين تَضْعِيفه فقد قَالَ فِي رِوَايَة عَبَّاس عَنهُ : كَانَ يقص بِمصْر وَهُوَ صَالح . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِمَعْنَاهُ من هَذَا الْوَجْه أَيْضا ، قَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يرْوَى [ عَن عُثْمَان ] إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد . قلت : بل لَهُ إِسْنَاد آخر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي صَالح كَاتب اللَّيْث ، حَدَّثَني يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن عبيد الله بن الْمُغيرَة ، عَن منقذ مولَى سراقَة ، عَن عُثْمَان أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعُثْمَان : إِذا ابتعت فاكتل وَإِذا بِعْت فكِل، وَأَبُو صَالح مُتَكَلم فِيهِ ، وَيَحْيَى هُوَ الغافقي يغرب ، و ( عبيد الله) بن الْمُغيرَة (وَثَّقَهُ) أَبُو حَاتِم ، ومنقذ ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَقَالَ عبد الْحق : منقذ لَيْسَ بِمَشْهُور ، وَقَبله من لَا يحْتَج بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من وَجه آخر مُرْسلا عَن عُثْمَان فَذكره . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ مُحَمَّد بن حمير ، قَالَ : حَدَّثَني الْأَوْزَاعِيّ قَالَ : حَدَّثَني ثَابت بن ثَوْبَان ، قَالَ : حَدَّثَني مَكْحُول عَن أبي قَتَادَة ، قَالَ : كَانَ عُثْمَان يَشْتَرِي الطَّعَام ويبيعه قبل أَن يقبضهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا ابتعت فاكتل وَإِذا بِعْت فَكل . فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد .
الحَدِيث الثَّامِن عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : كُنَّا نشتري الطَّعَام من الركْبَان جزَافا فنهانا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نبيعه حَتَّى ننقله من مَكَانَهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف بَيَانه أول الْبَاب .
(الحَدِيث) السَّابِع رُوِيَ " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الكالئ بالكالئ " . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق ، عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَحدهَا ؛ من طَرِيق عبد الله بن دِينَار (عَنهُ قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الكالئ بالكالئ ، وَهُوَ بيع الدَّين بِالدّينِ " . رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق قَالَ : ثَنَا الْأَسْلَمِيّ ، ثَنَا عبد الله بن دِينَار) عَن ابْن عمر فَذكره ، والأسلمي هَذَا إِن كَانَ ابْن أبي يَحْيَى فالجمهور عَلَى تَضْعِيفه ، وَإِن كَانَ الْوَاقِدِيّ فَكَذَلِك . ثَانِيهَا : من طَرِيق نَافِع عَنهُ "أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الكالئ بالكالئ " ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع بِهِ ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قلت : وَعبد الْعَزِيز من رجال الصَّحِيحَيْنِ لكنه مَعْرُوف بِسوء الْحِفْظ كَمَا قَالَه أَبُو زرْعَة . ثَالِثهَا : من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة أَيْضا ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ ، (و) رَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث ذُؤَيْب بن عِمَامَة السَّهْمِي - وَقد ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره وَلم يهدر - نَا حَمْزَة بن عبد الْوَاحِد ، عَن مُوسَى بن عقبَة (بِهِ) ، وَهَذَا الَّذِي ذكرَاهُ من كَون الْوَاقِع فِي هذَيْن الإسنادين هُوَ مُوسَى بن عقبَة وهم ، وَإِنَّمَا هُوَ مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي الواهي ، قَالَ أَحْمد : لَا تحل عِنْدِي الرِّوَايَة عَنهُ ، وَلَا أعرف هَذَا الحَدِيث عَن غَيره . قلت : وَمن هَذَا يتَبَيَّن وهم الْحَاكِم فِي حكمه عَلَى هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ عَلَى شَرط مُسلم ؛ حَيْثُ ظن أَن رَاوِيه مُوسَى بن عقبَة ، وَقد سَعَى فِي ذَلِكَ الْبَيْهَقِيّ حَيْثُ قَالَ فِي "سنَنه" بَعْدَمَا رَوَاهُ من رِوَايَة مُوسَى غير مَنْسُوب عَن نَافِع كَمَا سلف . (مُوسَى) هَذَا هُوَ ابْن عُبَيْدَة الربذي ، قَالَ : وَشَيخنَا أَبُو عبد الله - يَعْنِي - الْحَاكِم قَالَ فِي رِوَايَته عَن مُوسَى بن عقبَة وَهُوَ خطأ . قَالَ : وَالْعجب من أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ شيخ عصره ، رَوَى هَذَا الحَدِيث فِي كتاب "السّنَن" عَن أبي الْحسن عَلّي بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ ، فَقَالَ : عَن مُوسَى بن عقبَة ، وَشَيخنَا أَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان ، رَوَاهُ لنا عَن أبي الْحسن الْمصْرِيّ فِي الْجُزْء الثَّالِث من "سنَن الْمصْرِيّ" ، فَقَالَ : عَن مُوسَى غير مَنْسُوب ، ثمَّ رَوَاهُ الْمصْرِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي عبد الْعَزِيز الربذي عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . فَذكره . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَبُو عبد الْعَزِيز الربذي هُوَ مُوسَى بن عُبَيْدَة . قَالَ : وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو أَحْمد بن عدي من رِوَايَة عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة فَذكره بِمثلِهِ . قَالَ ابْن عدي : وَهَذَا مَعْرُوف بمُوسَى بن عُبَيْدَة ، عَن نَافِع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رَوَاهُ عبيد الله بن مُوسَى ، وَزيد بن الْحباب وَغَيرهمَا ، عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر . رَوَاهُ أَيْضا من طَرِيق آخر ، عَن حَمْزَة بن عبد الْوَاحِد ، عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَلم ينْسب شَيخنَا أَبُو الْحُسَيْن ، عَن أبي الْحسن الْمصْرِيّ . فَقَالَ : عَن (مُوسَى - وَهُوَ ابْن عُبَيْدَة بِلَا شكّ - قَالَ : وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي الْحسن الْمصْرِيّ فَقَالَ : عَن) مُوسَى بن عقبَة ، وَرَوَاهُ شَيخنَا أَبُو عبد الله - يَعْنِي - الْحَاكِم بِإِسْنَاد آخر عَن مقدم بن دَاوُد الرعيني ، فَقَالَ : عَن مُوسَى بن عقبَة وَهُوَ وهم ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : والْحَدِيث الْمَشْهُور بمُوسَى بن عُبَيْدَة مرّة عَن نَافِع عَن ابْن عمر ، وَمرَّة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر . قلت : وَقد قَالَ إمامنا الشَّافِعِي فِي حق هَذَا الحَدِيث : أهل (الحَدِيث) يوهنوه . وَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيث يَصح إِنَّمَا إِجْمَاع النَّاس عَلَى أَنه لَا يجوز بيع دين بدين . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَا يثبت . فَائِدَة : الكالئ مَهْمُوز ، قَالَ الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" سَمِعت الْأُسْتَاذ أَبَا الْوَلِيد يَقُول : النَّهْي عَن بيع الكالئ بالكالئ هُوَ بيع النَّسِيئَة بِالنَّسِيئَةِ . قلت : وَكَذَا نَقله الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن أبي عبيد عَن شَيْخه أبي عُبَيْدَة ، وَكَذَا رَأَيْته فِي غَرِيبه عَنهُ . وَكَذَا هُوَ فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ نقلا عَن أهل اللُّغَة ذكره فِي آخر حَدِيث حَمْزَة بن عبد الْوَاحِد السالف وَهَذَا لَفظه : "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن بيع الكالئ بالكالئ" وَقَالَ اللغويون : هُوَ النَّسِيئَة بِالنَّسِيئَةِ . وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن نَافِع أَنه قَالَ : هُوَ بيع الدَّين بِالدّينِ ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عمر "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن كالئ بكالئ الدَّين بِالدّينِ" وَأوردهُ الشَّافِعِي فِي بَاب الْخلاف فِيمَا يجب بِهِ البيع بِلَفْظ "نهَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الدَّين بِالدّينِ " .
الحَدِيث الرَّابِع رُوي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما بعث عتاب بن أسيد إِلَى أهل مَكَّة قَالَ لَهُ : انههم عَن بيع مَا لم يقبضوا وَربح مَا لم يضمنوا . هَذَا الحَدِيث ذكره الْغَزالِيّ فِي الْوَجِيز ، وَلم يعزه الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه ، وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن عَطاء ، عَن صَفْوَان بن يعْلى ، عَن أَبِيه ، قَالَ : اسْتعْمل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عتاب بن أسيد عَلَى مَكَّة ، فَقَالَ : إِنِّي قد أَمرتك عَلَى أهل الله - عَزَّ وجَلَّ - بتقوى الله ، وَلَا يَأْكُل أحد مِنْكُم من ربح مَا لم يضمن ، وانههم عَن سلف وَبيع ، وَعَن الصفقتين فِي البيع الْوَاحِد ، وَأَن يبيع أحدهم مَا لَيْسَ عِنْده ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث يَحْيَى بن صَالح ، عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعتاب بن أسيد : إِنِّي قد بَعَثْتُك إِلَى أهل الله وَأهل مَكَّة ، فانههم عَن بيع مَا لم يقبضوا ، أَو ربح مَا لم يضمنوا ، وَعَن بيع وقرض ، وَعَن شرطين فِي بيع ، وَعَن بيع وَسلف ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ يَحْيَى بن صَالح الْأَيْلِي ، وَهُوَ مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث لَيْث عَن عَطاء ، عَن عتاب بن أسيد ، قَالَ : لما بَعثه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى مَكَّة نَهَاهُ عَن (شف) مَا لم يضمن . والشف بِالْكَسْرِ : الرِّبْح . قَالَه الْجَوْهَرِي ، وَابْن الْأَثِير .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما قَالَ : أما الَّذِي نهَى عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَهُوَ الطَّعَام أَن يُبَاع حَتَّى يُسْتَوْفَى . قَالَ ابْن عَبَّاس : وَلَا أَحسب كل شَيْء إِلَّا مثله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : أما الَّذِي نهَى عَنهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَهُوَ الطَّعَام أَن يُبَاع قبل أَن يقبض . قَالَ ابْن عَبَّاس : وَلَا أَحسب كل شَيْء إِلَّا مثله ، وَرَوَاهُ مُسلم بِلَفْظ : من ابْتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يقبضهُ . قَالَ ابْن عَبَّاس : وأحسب كل شَيْء بِمَنْزِلَة الطَّعَام ، وَفِي لفظ : وَأَحْسبهُ كل شَيْء مثله ، وَفِي لفظ : حَتَّى يَسْتَوْفِيه وَفِي لفظ : حَتَّى يكتاله ، قَالَ طَاوس : فَقلت لِابْنِ عَبَّاس : لم ؟ فَقَالَ : أَلا تراهم يتبايعون بِالذَّهَب وَالطَّعَام مرجأ ، وَفِي البُخَارِيّ قَالَ : قلت لِابْنِ عَبَّاس : كَيفَ ذَلِكَ ؟ [ قَالَ : ذَلِكَ ] دَرَاهِم بِدَرَاهِم وَالطَّعَام مرجأ ، وَقَالَ : مرجئون : [ مؤخرون ] وَهَذَا تَفْسِير لقَوْله : مرجأ ، قَالَ الْخطابِيّ : يتَكَلَّم بِهِ مهموزًا وَغير مَهْمُوز . قَالَ : وَذَلِكَ مثل أَن يَشْتَرِي مِنْهُ طَعَاما بِدِينَار إِلَى أجل فيبيعه قبل أَن يقبضهُ مِنْهُ بدينارين ، وَهُوَ غير جَائِز . تَنْبِيه : حَدِيث حَكِيم السَّابِق فِي أول البيع لَا تبيعن شَيْئا حَتَّى تقبضه يدل عَلَى أَن اشْتِرَاط الْقَبْض فِي البيع لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالطَّعَامِ كَمَا حَسبه ابْن عَبَّاس أَيْضا فتفطن لَهُ .
بَاب الْقَبْض وَأَحْكَامه ذكر فِيهِ رَحْمَه الله تَعَالَى تِسْعَة أَحَادِيث : الحَدِيث الأول عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ابْتَاعَ طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذَا اللَّفْظ ، وَفِي رِوَايَة لَهما حَتَّى يقبضهُ ، وَفِي رِوَايَة لَهما قَالَ ابْن عمر : وَكُنَّا نشتري الطَّعَام من الركْبَان جزَافًا فنهانا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نبيعه حَتَّى ننقله من مَكَانَهُ وَفِي رِوَايَة لَهما : كُنَّا فِي زمَان رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نبتاع الطَّعَام فيبعث علينا من يَأْمُرنَا بانتقاله من الْمَكَان الَّذِي ابتعناه فِيهِ إِلَى مَكَان سواهُ قبل أَن نبيعه ، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن تبَاع السّلع (بِحَيْثُ) تبْتَاع حَتَّى يحوزها التُّجَّار إِلَى رحالهم وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان : من اشْتَرَى طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه ، قَالَ : وَنَهَى أَن يَبِيعهُ حَتَّى يحوله من مَكَانَهُ أَو يَنْقُلهُ .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع مَا لم يقبض وَربح مَا لم يضمن . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي الحَدِيث الثَّامِن فِي بَاب الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا بِلَفْظ وَلَا ربح مَا لم يضمن وَلَا بيع مَا لَيْسَ عنْدك وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا : لَا يحل بيع مَا لَيْسَ عنْدك ، وَلَا ربح مَا لم تضمن .
الحَدِيث الْخَامِس عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أسلف فِي شَيْء فَلَا يصرفهُ إِلَى غَيره . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث زِيَاد بن خَيْثَمَة ، عَن سعد - يَعْنِي - الطَّائِي ، عَن عَطِيَّة بن سعد ، عَن أبي سعيد مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وعطية هَذَا هُوَ الْعَوْفِيّ وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَإِن كَانَ التِّرْمِذِيّ يحسن لَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا يحْتَج بعطية ، والاعتماد عَلَى حَدِيث النَّهْي عَن بيع الطَّعَام قبل أَن يُسْتَوْفَى . وَقَالَ عبد الْحق : لَا يحْتَج أحد بِحَدِيث عَطِيَّة وَإِن كَانَ رَوَى عَنهُ الجلة . قلت : قَالَ ابْن معِين فِي حَقه : صَالح . وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق فَقَالَ : أعله عبد الْحق بعطية ، وَلم يبين أَن دونه سَعْدا الطَّائِي أَبَا الْمُجَاهِد ، وَلَا يعرف حَاله ، وَقد رَوَى عَنهُ جمَاعَة . قلت : هُوَ من رجال البُخَارِيّ ووثق أَيْضا ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من (طَرِيقين) عَن أبي سعيد إِحْدَاهمَا : مثل رِوَايَة أبي دَاوُد وَلَفظه فِيهَا : إِذا (أسلمت) فِي شَيْء فَلَا تصرفه إِلَى غَيره . ثَانِيهَا : بِإِسْقَاط سعد الطَّائِي . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من الطَّرِيق الأول بِلَفْظ من أسلم فِي شَيْء فَلَا يصرفهُ فِي غَيره (وَفِي لفظ لَهُ : وَلَا يصرفهُ فِي غَيره) ، وَفِي لفظ لَهُ فَلَا يَأْخُذ إلا مَا أسلم فِيهِ أَو رَأس مَاله ، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث عبد السَّلَام ، عَن أبي خَالِد وَالْحجاج عَن عَطِيَّة ، عَن أبي سعيد ، قَالَ عبد السَّلَام : وَهُوَ عِنْدِي عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَكِنِّي أقصرته إِلَى أبي سعيد قَالَ : إِذا [ أسلفت ] فَلَا تبعه حَتَّى تستوفيه ، وَهَذِه مُتَابعَة لسعد الطَّائِي الَّذِي فِي سنَن أبي دَاوُد و ابْن مَاجَه فَإِنَّهُ لم ينْفَرد بِهِ ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث أبي سعيد هَذَا ، فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ عَطِيَّة ، عَن ابْن عَبَّاس قَوْله . قلت : فَهَذِهِ ثَلَاث علل : الضعْف ، و (الِاضْطِرَاب) ، وَالْوَقْف .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن زيد بن ثَابت رَضي اللهُ عَنهُ أَنه سَمّى رجَالًا مُحْتَاجين من الْأَنْصَار شكوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن الرطب يَأْتِي وَلَا نقد بِأَيْدِيهِم يبتاعون بِهِ رطبا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاس ، وَعِنْدهم فضول قوت من ثَمَر فَرخص لَهُم أَن يبتاعوا الْعَرَايَا بِخرْصِهَا من التَّمْر . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي اخْتِلَاف الحَدِيث بِغَيْر إِسْنَاد بِنَحْوِهِ فَقَالَ : والعرايا الَّتِي أرخص رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فِيهَا) فِيمَا ذكر مَحْمُود بن لبيد قَالَ : سَأَلت زيد بن ثَابت فَقلت : مَا عراياكم هَذِه الَّتِي تحلونها ؟ فَقَالَ : فلَان وَأَصْحَابه (شكوا) إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن الرطب يحضر وَلَيْسَ عِنْدهم ورق وَلَا ذهب يشْتَرونَ بهَا وَعِنْدهم فضل تمر من قوت سنتهمْ ، فأرخص لَهُم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يشتروا الْعَرَايَا بِخرْصِهَا من التَّمْر يأكلونها رطبا وَذكره الشَّافِعِي فِي الْأُم و الْمُخْتَصر أَيْضا وَقَالَ : وَقيل لمحمود بن لبيد أَو (قَالَ) مَحْمُود بن لبيد لرجل من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِمَّا زيد بن ثَابت وَإِمَّا غَيره : مَا عراياكم هَذِه ؟ قَالَ : فلَان وَفُلَان وَسَمَّى رجَالًا مُحْتَاجين من الْأَنْصَار شكوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن الرطب يَأْتِي وَلَا نقد بِأَيْدِيهِم يبتاعون بِهِ رطبا يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاس وَعِنْدهم فضول من قوتهم من التَّمْر فَرخص لَهُم أَن يبتاعوا الْعَرَايَا بِخرْصِهَا من التَّمْر الَّذِي فِي أَيْديهم يأكلونها رطبا . قَالَ الْمُزنِيّ : وَفِي الْإِمْلَاء أَن قوما شكوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه لَا نقد عِنْدهم وَلَهُم تمر من فضل قوتهم فأرخص لَهُم فِيهِ وَكَذَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة عَن الشَّافِعِي مُعَلّقا وَلم يذكر لَهُ إِسْنَادًا يتَّصل بِهِ ، قَالَ (الشَّافِعِي) وَحَدِيث سُفْيَان - يَعْنِي - السالف يدل عَلَى مثل هَذَا الحَدِيث . وَذكره التِّرْمِذِيّ من غير تعْيين (رَاوِيه) فَقَالَ لما ذكر حَدِيث الْعَرَايَا : وَمَعْنى هَذَا عِنْد أهل الْعلم : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرَادَ التَّوسعَة عَلَيْهِم فِي هَذَا ؛ لأَنهم شكوا إِلَيْهِ وَقَالُوا : مَا نجد مَا نشتري من التَّمْر إِلَّا بِالتَّمْرِ فَرخص لَهُم فِيمَا دون خَمْسَة أوسق أَن يشتروها فيأكلوها رطبا . وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاد التِّرْمِذِيّ بِبَعْض الْعلمَاء الشَّافِعِي . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : لم يُسند الشَّافِعِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ نَقله من السّير . قلت : وَأَشَارَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ إِلَى تَضْعِيف هَذَا بقوله : إِن الشَّافِعِي ذكر فِيهِ حَدِيثا لَا يدْرِي أحد (منشأه) وَلَا مبدأه وَلَا طَرِيقه ، وَذكره أَيْضا بِغَيْر إِسْنَاد ، فَبَطل أَن يكون فِيهِ حجَّة - يَعْنِي فِي اخْتِصَاص الْعَرَايَا بالفقراء . قلت : وَأنكر رِوَايَته عَلَى الشَّافِعِي ابْن دَاوُد الظَّاهِرِيّ ورد عَلَيْهِ ابْن شُرَيْح فِي إِنْكَاره مُقَابل هَذَا قَول الْمُوفق الْحَنْبَلِيّ فِي كافيه لما سَاقه بِهَذِهِ (المساقة) مُتَّفق عَلَيْهِ ، وَهُوَ عَجِيب فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي السّنَن ، نعم أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث زيد بن ثَابت بِلَفْظ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رخص فِي الْعرية يَأْخُذهَا أهل (الْبَيْت) بِخرْصِهَا تَمرا يأكلونها رطبا وَفِي لفظ رخص فِي الْعَرَايَا أَن تبَاع بِخرْصِهَا كَيْلا . فَائِدَة : مَحْمُود بن لبيد هَذَا صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ ، وَوَقع فِي الوافي فِي شرح الْمُهَذّب فِيهِ شَيْء لايمكن التفوه بِهِ فليحذر وليترك مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى تنجو من العاهة . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي آخر الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أَن رجلا ابْتَاعَ نخلا من آخر وَاخْتلفَا ، فَقَالَ الْمُبْتَاع : أَنا أَبرته بعد مَا ابتعت (و) قَالَ البَائِع : أَنا أَبرته قبل البيع . فتحاكما إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَضَى بالثمرة لمن أبر (مِنْهُمَا) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي مُرْسلا ، فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة إِلَيْهِ : نَا سعيد بن سَالم ، عَن ابْن جريج أَن عَطاء أخبرهُ أَن رجلا بَاعَ عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَائِطا مثمرًا ، وَلم يشْتَرط الْمُبْتَاع الثَّمر وَلم يسْتَثْن البَائِع الثَّمر وَلم يذكراه ، فَلَمَّا ثَبت البيع اخْتلفَا فِي الثَّمر ، واحتكما فِيهِ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَضَى بالثمر الَّذِي لقح النّخل للْبَائِع وَفِي الدَّلَائِل للأصيلي عَلَى مَا حَكَاهُ ابْن الطلاع عَنهُ عَن ابْن عمر أَن رجلا اشْتَرَى نخلا قد أبرها ، فتخاصما إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَضَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن الثَّمَرَة لصَاحِبهَا الَّذِي أبرها إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع .
الحَدِيث التَّاسِع عَن جَابر رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن المحاقلة والمزابنة ، والمحاقلة أَن يَبِيع الرجل الرجل الزَّرْع بِمِائَة فرق من الْحِنْطَة ، والمزابنة أَن يَبِيع الثَّمر عَلَى رُءُوس النّخل بِمِائَة فرق من تمر . قَالَ الرَّافِعِيّ : فَهَذَا التَّفْسِير إِن كَانَ من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذَاك ، وَإِن كَانَ من الرَّاوِي فَهُوَ أعرف بتفسير مَا رَوَاهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر فَقَالَ : أبنا سُفْيَان ، عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن جَابر فَذكره بالتفسير الْمَذْكُور سَوَاء ، (ثمَّ) قَالَ : عَن ابْن جريج قَالَ : قلت لعطاء : مَا المحاقلة ؟ فَقَالَ : المحاقلة فِي (الْحَرْث) كَهَيئَةِ الْمُزَابَنَة فِي النّخل سَوَاء ، بيع الزَّرْع بالقمح . وَقَالَ ابْن جريج : قلت لعطاء : أفسّر لكم جَابر المحاقلة كَمَا أَخْبَرتنِي ؟ قَالَ : نعم . وَرَوَى الرَّبيع حَدِيث جَابر لكنه أبدل الْمُزَابَنَة بالمخابرة وَفِي آخِره : وَالْمُخَابَرَة كِرَاء الأَرْض بِالثُّلثِ وَالرّبع . وَأخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث سُفْيَان بِنَحْوِهِ . وَرَوَى الرّبيع أَيْضا ، أبنا الشَّافِعِي ، أبنا مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الْمُزَابَنَة ، والمزابنة بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ كَيْلا ، وَبيع الْكَرم بالزبيب كَيْلا وخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث مَالك . وَرَوَى الرَّبيع عَن الشَّافِعِي ، أبنا سعيد بن سَالم ، عَن ابْن جريج أَنه قَالَ لعطاء : وَمَا المحاقلة فَذكره كَمَا تقدم من طَرِيق الْمُخْتَصر ، ثمَّ قَالَ الرّبيع : قَالَ الشَّافِعِي : وَتَفْسِير المحاقلة والمزابنة فِي الْأَحَادِيث يحْتَمل أَن يكون عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَنْصُوصا ، وَيحْتَمل أَن يكون عَن رِوَايَة من رَوَاهُ . قلت : وَأخرج النَّهْي عَن المحاقلة والمزابنة غير من قدمنَا من الصَّحَابَة (جمَاعَة) مِنْهُم : أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الْمُزَابَنَة والمحاقلة . والمزابنة : اشْتِرَاء الثَّمر عَلَى رُءُوس النّخل ، والمحاقلة : كِرَاء الأَرْض أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا . وَمِنْهُم ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَخْرجَاهُ أَيْضا بِذكر الْمُزَابَنَة فَقَط . وَمِنْهُم ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ البُخَارِيّ بِذكر المحاقلة والمزابنة . وَمِنْهُم أنس أخرجه البُخَارِيّ بِذكر المحاقلة فَقَط . وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث سعيد بن الْمسيب ، وَأخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث رَافع بن خديج ، وَسَيَأْتِي من حَدِيث سهل بن سعد أَيْضا . فَائِدَة : ذكر الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب أَن المحاقلة مَأْخُوذَة من الحقل ، وَهِي المساحة الَّتِي تزرع . كَذَا قَالَ : المساحة بِالْإِفْرَادِ ، وَالصَّوَاب الساحات ؛ لِأَن الحقل جمع حقلة (كَمَا) قَالَه الْجَوْهَرِي فَلَا يَصح تَفْسِيره (بالمفردة) .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن المحاقلة والمزابنة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا من طرق كَمَا ستعلمه عَلَى الإثر .
بَاب الْأُصُول وَالثِّمَار ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ خَمْسَة عشر حَدِيثا : الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من بَاعَ نَخْلَة بعد أَن تؤبر فثمرتها للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا بِهِ . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم عَن سُفْيَان وَهُوَ ابْن عُيَيْنَة بالسند الْمَذْكُور ، وَمن رِوَايَة مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من بَاعَ نخلا قد أبرت فثمرتها للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع ، وَقد أخرج مُسلم الراوية الأولَى عَن يَحْيَى بن يَحْيَى وَغَيره عَن سُفْيَان ، وَأخرج لَهُ الشَّيْخَانِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة من حَدِيث مَالك وَهُوَ كَمَا قَالَ ، قَالَ الشَّافِعِي : وَهَذَا الحَدِيث ثَابت عندنَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَبِه نَأْخُذ . فَائِدَة : أبرت قَالَ الْجَوْهَرِي : هُوَ بِالتَّخْفِيفِ . قَالَ الزبيدِيّ : وبالتشديد أَيْضا . تَنْبِيه : قَوْله : بعد أَن تؤبر هَكَذَا صَوَابه ، وَوَقع فِي بعض نسخ (الرَّافِعِيّ) بدل بعد قبل ، وَهُوَ من النَّاسِخ ، وَكَذَا وَقع فِي الْمطلب عَن رِوَايَة الْمُخْتَصر ، لَكِن الَّذِي رَأَيْته فِيهِ بِلَفْظ بعد فَقَط وَكَذَا هُوَ فِي النِّهَايَة عَنهُ .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أَن رجلا ابْتَاعَ ثَمَرَة فأذهبتها الْجَائِحَة ، فَسَأَلَهُ أَن يضع عَنهُ ، فَأَبَى أَن لَا يفعل ، فَذكر للنَّبِي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ : تألى أَن لَا يفعل خيرا . فَأخْبر البَائِع بِمَا ذكر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فسمح بِهِ للْمُبْتَاع . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الشَّافِعِي عَن مَالك عَن أبي الرِّجَال مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن أمه عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن أَنه سَمعهَا تَقول : ابْتَاعَ رجل ثَمَر حَائِط فِي زمَان رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعالجه وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى تبين لَهُ النُّقْصَان ، فَسَأَلَ رب الْحَائِط أَن يضع عَنهُ أَو أَن يقيله ، فَحلف أَن لَا يفعل ، فَذَهَبت أم المُشْتَرِي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فَذكرت ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) (تألى أَن لَا يفعل خيرا . فَسمع ذَلِكَ رب الْحَائِط فَأَتَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) فَقَالَ : هُوَ لَهُ . قَالَ الرّبيع : قَالَ الشَّافِعِي : حَدِيث عمْرَة هَذَا مُرْسل ، وَأهل الحَدِيث وَنحن لَا نثبت الْمُرْسل ، فَلَو ثَبت حَدِيث عمْرَة كَانَت فِيهِ - وَالله أعلم - دلَالَة عَلَى أَن لَا تُوضَع الْجَائِحَة ، لقولها : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : تألى أَن لَا يفعل خيرا وَلَو كَانَ الحكم عَلَيْهِ أَن يضع الْجَائِحَة لَكَانَ أشبه أَن يَقُول ذَلِكَ لَازم لَهُ حلف أَو لم يحلف . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد أسْندهُ حَارِثَة بن أبي الرِّجَال ، فَرَوَاهُ عَن أَبِيه عَن عمْرَة عَن عَائِشَة إِلَّا أَن حَارِثَة ضَعِيف لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ . قَالَ : وأسنده يَحْيَى (بن سعيد) عَن أبي الرِّجَال إِلَّا أَنه مُخْتَصر لَيْسَ (فِيهِ) ذكر الثَّمر . فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن قَالَت : سَمِعت عَائِشَة تَقول : سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَوت خصوم بِالْبَابِ عالية أَصْوَاتهم ، وَإِذا أحدهم يستوضع الآخر ويسترفقه فِي شَيْء ، وَهُوَ يَقُول : وَالله لَا أفعل . فَخرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَيْهِمَا فَقَالَ : أَيْن المتألي عَلَى الله لَا يفعل الْمَعْرُوف ؟ فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أَنا ، فَلهُ أَي ذَلِكَ أحب ، رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ، وَرَوَاهُ مُسلم عَن بعض أَصْحَابه عَن إِسْمَاعِيل .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن جَابر رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الْمُزَابَنَة وَهِي بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ إِلَّا أَنه رخص فِي العريّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّافِعِي عَن سُفْيَان ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن جَابر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الْمُزَابَنَة ، والمزابنة : بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ إِلَّا أَنه أرخص فِي الْعَرَايَا ، وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيح من هَذَا الْوَجْه ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب الشُّرْب عَن عبد الله بن مُحَمَّد ، عَن سُفْيَان ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، سمع جَابر بن عبد الله نهَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن المخابرة والمحاقلة وَعَن الْمُزَابَنَة ، وَعَن بيع التَّمْر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه ، وَأَن لَا يُبَاع إِلَّا بالدينار وَالدِّرْهَم إِلَّا الْعَرَايَا . وَرَوَاهُ مُسلم كَذَلِك أَيْضا .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بِوَضْع الجوائح . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث جَابر رَضي اللهُ عَنهُ . وَفِي رِوَايَة للنسائي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وضع الجوائح ، وَاعْتذر الشَّافِعِي عَن هَذَا الحَدِيث بِمَا ذكرته عَنهُ فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط فاطلبه مِنْهُ .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَرَأَيْت إِذا منع الله الثَّمَرَة فَبِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أنس رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى تزهى ، قيل : وَمَا تزهى ؟ قَالَ : تحمر . قَالَ : أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة بِمَ يَأْخُذ أحدكُم مَال أَخِيه وَهَذَا لفظ البُخَارِيّ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ نهَى أَن تبَاع ثَمَرَة النّخل حَتَّى تزهو - يَعْنِي حَتَّى تحمر وَفِي رِوَايَة لَهُ نهَى عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا أَو عَن النّخل حَتَّى تزهو . قيل : وَمَا تزهو ؟ قَالَ : تحمار وتصفار وَفِي رِوَايَة لَهُ نهَى عَن بيع الثَّمر حَتَّى يزهو ، فَقُلْنَا لأنس : مَا هُوَ زهوها ؟ قَالَ : تحمر وَتَصْفَر ، أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة بِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه . وَرَوَاهُ مُسلم بِأَلْفَاظ : أَحدهَا : نهَى عَن بيع ثَمَر النّخل حَتَّى يزهو فَقيل لأنس : مَا زهوها ؟ قَالَ : تحمر وَتَصْفَر أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة بِمَ تستحل مَال أَخِيك ؟ . ثَانِيهَا : نهَى عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى تزهى ، قَالُوا : وَمَا تزهى ؟ قَالَ : تحمر . قَالَ : إِذا منع الله الثَّمَرَة بِمَ تستحل مَال أَخِيك ؟ . ثَالِثهَا : إِن لم يثمرها الله فَبِمَ يسْتَحل أحدكُم مَال أَخِيه ؟ . (وَاعْلَم) أن الْحفاظ اخْتلفُوا فِي قَوْله : أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة إِلَى آخِره ، هَل هُوَ من قَول أنس ، أَو مَرْفُوع كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ (وسُفْيَان الثَّوْريّ وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر إِلَى الأول) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث يرويهِ مَالك بن أنس والدراوردي مُسْندًا كُله وَإِبْرَاهِيم بن أبي حَمْزَة وَيَحْيَى بن سُلَيْمَان وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وَبشر بن الْمفضل وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَمعمر بن سُلَيْمَان ، وهشيم ، وَعبيدَة بن معتب وسُفْيَان بن حبيب وَيَحْيَى بن أَيُّوب ومروان بن مُعَاوِيَة وَيزِيد بن هَارُون- جعلُوا آخر الحَدِيث من قَول أنس وَهُوَ الصَّوَاب . وَقَالَ الْحَاكِم فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث : هَذِه الزِّيَادَة فِي هَذَا الحَدِيث أَرَأَيْت إِلَى آخِره عَجِيبَة ، فَإِن مَالِكًا ينْفَرد بهَا لم يذكرهَا غَيره فِيمَا علمت فِي هَذَا الْخَبَر ، وَقد قَالَ بعض أَئِمَّتنَا : إِنَّهَا من قَول أنس ، فَسمِعت ابْن خُزَيْمَة يَقُول : رَأَيْت مَالك بن أنس فِي النّوم (شَيخا أسمرَ طوَالًا) ، فَقلت : أحدثكُم حميد الطَّوِيل عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة . الحَدِيث قَالَ : نعم . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن ذَلِكَ [ فَقَالَا ] : رَفعه خطأ ، إِنَّمَا هُوَ من كَلَام أنس . قَالَ أَبُو زرْعَة : والدراوردي وَمَالك بن أنس يرويانه مَرْفُوعا وَالنَّاس يروونه مَوْقُوفا (من) كَلَام أنس . وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل : رَوَاهُ مَالك عَن حميد مَرْفُوعا بِكُل هَذِه الْأَلْفَاظ ، وَوهم فِي ذَلِكَ لِأَن قَوْله أَرَأَيْت إِلَى آخِره من كَلَام أنس ، بَين ذَلِكَ يزِيد بن هَارُون والدراوردي وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر ، كلهم عَن حميد فِي روايتهم هَذَا الحَدِيث عَن حميد و (فصلوا) كَلَام أنس من كَلَام رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ الْأنْصَارِيّ وهشيم وَابْن الْمُبَارك وَعبيدَة عَن حميد ، فاقتصروا عَلَى الْمَرْفُوع (هُنَا) دون كَلَام أنس . قَالَ الْبَغَوِيّ : رَوَى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة ، كلهم عَن حميد من قَول أنس ، وَلَا نعلم أحدا رَفعه إِلَّا الدَّرَاورْدِي . قَالَ الْخَطِيب : قد رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة الزبيري عَن الدَّرَاورْدِي مَوْقُوفا ، وَإِبْرَاهِيم أتقن من مُحَمَّد بن عباد وَلَيْسَ يَصح أَن أحدا رَفعه سُوَى مَالك . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي : جعل مَالك والدراوردي قَول أنس أَرَأَيْت إِن منع الله مَرْفُوعا ، وأظن حميدا حدث بِهِ فِي الْحجاز كَذَلِك ، وَقَالَ عبد الْحق فِي جمعه : قَوْله : أَرَأَيْت إِلَى آخِره . لَيْسَ بموصول عَنهُ فِي كل طَرِيق . قلت : فَتحصل أَن الْمُعظم عَلَى وَقفه عَلَيْهِ خلاف مَا وَقع فِي الْكتاب .
الحَدِيث الرَّابِع عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا ، نهَى البَائِع وَالْمُشْتَرِي . وَأخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث مَالك ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم : نهَى عَن بيع النّخل حَتَّى (تزهى) ، وَعَن السنبل حَتَّى يبيض ويأمن العاهة ، نهَى البَائِع وَالْمُشْتَرِي . وَفِي رِوَايَة لَهُ : (لَا تتبايعوا الثَّمَرَة) حَتَّى يَبْدُو (صَلَاحهَا) وَتذهب (عَنْهَا) الآفة . قَالَ : يَبْدُو صَلَاحه ، حمرته وصفرته . وَفِي رِوَايَة لَهُ : قيل لِابْنِ عمر : مَا صَلَاحه ؟ قَالَ : تذْهب عاهته . وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ حَتَّى تذْهب العاهة ، قيل لِابْنِ عمر : مَتى ذَاك ؟ قَالَ : طُلُوع الثريا وَقد جَاءَ هَذَا الْخَبَر من غير طَرِيق ابْن عمر رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر وَأبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (لَا) تبتاعوا الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه . فَائِدَة : مَعْنَى يَبْدُو : يظْهر وَهُوَ بِلَا همز ، وَوَقع فِي كثير من كتب الْمُحدثين وَغَيرهم حَتَّى يبدوا هَكَذَا بِالْألف وَهُوَ خطأ ، وَالصَّوَاب حذفهَا ، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي إِثْبَاتهَا إِذا لم يكن ناصب مثل زيد يبدوا وَالِاخْتِيَار حذفهَا أَيْضا وَيَقَع مثله فِي حَتَّى يزهوا ، وَصَوَابه حذف الْألف كَمَا ذكرنَا .
الحَدِيث السَّادِس نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الثِّمَار حَتَّى تزهى ، فَقيل : يَا رَسُول الله ، وَمَا تزهى ؟ قَالَ : تحمر أَو تصفر . هَذَا (الحَدِيث) أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس كَمَا سلف فِي الحَدِيث قبله . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك عَن حميد عَن أنس مَرْفُوعا بِمثل مَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء إِلَى قَوْله : (تحمر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (فِي السّنَن و الْمعرفَة عَنهُ ، وَقَالَ : أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيح ) من حَدِيث مَالك إِلَّا أَنَّهُمَا لم يَقُولَا : يَا رَسُول الله بل قَالَا : قيل : وَمَا تزهى أَو قيل لأنس : مَا زهوها ، وَأخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تبَاع الثَّمَرَة حَتَّى تشقح . قيل : وَمَا تشقح ؟ قَالَ : تحمار وتصفار ، ويؤكل مِنْهَا . فَائِدَة : مَعْنَى تزهى : تصير زهوًا ، وَهُوَ ابْتِدَاء إرطابها وطيبها ، يُقَال : زهت وأزهت ، وَأنكر بَعضهم زهت .
الحَدِيث الثَّانِي عشر رَوَى الشَّافِعِي عَن مَالك ، عَن دَاوُد - هُوَ ابْن الْحصين - عَن أبي سُفْيَان مولَى ابْن أبي أَحْمد ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أرخص فِي بيع الْعَرَايَا بِخرْصِهَا فِيمَا دون خَمْسَة أوسق أَو فِي خَمْسَة أوسق شكّ دَاوُد . هُوَ كَمَا قَالَ رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم ، و الْمُخْتَصر عَن مَالك كَذَلِك وَرَوَاهُ مُسلم عَن القعْنبِي وَيَحْيَى بن يَحْيَى عَن مَالك كَذَلِك ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ عَن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب قَالَ : سَمِعت مَالِكًا وَسَأَلَهُ عبيد الله بن الرّبيع : أحَدثك دَاوُد عَن أبي سُفْيَان عَن أبي هُرَيْرَة أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رخص فِي بيع الْعَرَايَا فِي خَمْسَة أوسق أَو دون خَمْسَة أوسق ؟ قَالَ : نعم . وَلم يذكر قَوْله : شكّ دَاوُد هُنَا ، وَذكرهَا فِي كتاب الشّرْب من صَحِيحه .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا تقدم بَيَانه فِي آخر بَاب الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن سهل بن أبي (حثْمَة) أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ إِلَّا أَنه رخص فِي الْعرية أَن تبَاع بِخرْصِهَا تَمرا يأكلها أَهلهَا رطبا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان عَن يَحْيَى ابن سعيد عَن بشير بن يسَار عَن سهل بِهِ سَوَاء (كَذَا) أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده سَوَاء ، وَأخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا من حَدِيث سُفْيَان ، وَلَفظ مُسلم أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ وَقَالَ : ذَلِكَ الرِّبَا ، تِلْكَ الْمُزَابَنَة إِلَّا أَنه رخص فِي بيع الْعرية النَّخْلَة والنخلتين يَأْخُذهَا أهل الْبَيْت بِخرْصِهَا تَمرا يأكلونها رطبا . وَفِي رِوَايَة (لَهُ) ذَلِك الزَّبْنَ مَكَان ذَلِكَ الرِّبَا وَلَفظ البُخَارِيّ نهَى عَن بيع الثَّمر بِالتَّمْرِ ، وَرخّص فِي الْعرية أَن تبَاع بِخرْصِهَا يأكلها أَهلهَا رطبا . فَائِدَة : الثَّمر الْمَذْكُور أَولا بِالْمُثَلثَةِ وَالْمرَاد الرطب ، وَالْمَذْكُور ثَانِيًا بِالْمُثَنَّاةِ . وَقَوله بِخرْصِهَا هُوَ بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيّ ، وَالْفَتْح أشهر ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْمُرَاد المخروص .
بَاب معاملات العبيد ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : من بَاعَ عبدا وَله مَال . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ابْتَاعَ عبدا فَمَاله للَّذي بَاعه إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي كتاب الشّرْب من صَحِيحه : من ابْتَاعَ عبدا وَله مَال الحَدِيث ، وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ وَالتِّرْمِذِيّ : من بَاعَ عبدا لَهُ مَال الحَدِيث . ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا : من بَاعَ عبدا وَله مَال فَمَاله للْبَائِع إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ من ابْتَاعَ عبدا وَله مَال فَلهُ مَاله وَعَلِيهِ دينه إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع ، وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ أَيْضا إِلَّا أَنه قَالَ : من بَاعَ بدل من ابْتَاعَ، ثمَّ قَالَ : إِن صَحَّ هَذَا الحَدِيث فَإِنَّمَا أَرَادَ - وَالله أعلم - العَبْد الْمَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة إِذا كَانَ فِي يَده مَال ، وَفِيه دين يتَعَلَّق بِهِ ، فالسيد يَأْخُذ مَاله وَيَقْضِي دينه . وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَيْضا من حَدِيث ابْن وهب ، عَن ابْن لَهِيعَة وَاللَّيْث بن سعد بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عمر مَرْفُوعا : من أعتق عبدا وَله مَال فَمَال العَبْد لَهُ إِلَّا أَن يَشْتَرِطه السَّيِّد ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : وَمن عدَّ ابْن لَهِيعَة من رجال الصَّحِيح ؟! وَأخرجه ابْن مَاجَه من وَجْهَيْن أَحدهمَا : عَن ابْن لَهِيعَة . وَالثَّانِي : عَن اللَّيْث ، وَفِيه إِلَّا أَن يشْتَرط السَّيِّد مَاله فَيكون لَهُ مَال . وَقَالَ ابْن لَهِيعَة : إِلَّا أَن يستثنيه السَّيِّد .
بَاب اخْتِلَاف الْمُتَبَايعين ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ : حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فَالْقَوْل قَول البَائِع والمبتاع بِالْخِيَارِ . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ : أَحدهَا : عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ : حضرت أَبَا (عُبَيْدَة) بن عبد الله بن مَسْعُود وَأَتَاهُ رجلَانِ تبَايعا سلْعَة فَقَالَ هَذَا : أخذت بِكَذَا وَكَذَا . وَقَالَ (هَذَا) : بِعْت بِكَذَا (وَكَذَا) ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أُتِي (عبد الله) بن مَسْعُود فِي مثل هَذَا فَقَالَ : حضرت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي مثل هَذَا فَأمر بالبائع أَن يسْتَحْلف ، ثمَّ يُخَيّر (الْمُبْتَاع) إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك ، رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم ، وَالْإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن الشَّافِعِي عَن سعيد بن سَالم عَن ابْن جريج أَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة أخبرهُ عَن عبد الْملك بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا كَذَلِك ، وَهُوَ ضَعِيف لأجل انْقِطَاعه ؛ فَإِن أَبَا (عُبَيْدَة) لم يدْرك أَبَاهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : حَدِيث أبي (عُبَيْدَة) هَذَا إِن (كَانَ) سعيد بن سَالم حفظ عبد الْملك بن عُمَيْر فِي إِسْنَاده فَهُوَ جيد لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنه مُرْسل . أَبُو (عُبَيْدَة) لم يسمع من أَبِيه ، وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ قيل لَهُ : سَماع أبي (عُبَيْدَة) عَن أَبِيه صَحِيح ؟ قَالَ : مُخْتَلف فِيهِ . قَالَ : وَالصَّحِيح عِنْدِي أَنه لم يسمع مِنْهُ ، وَلكنه كَانَ صَغِيرا بَين يَدَيْهِ ، و (خَالفه) الْحَاكِم فَأخْرج هَذِه الطَّرِيقَة فِي مُسْتَدْركه ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور . وَكَذَا ابْن السكن ، فَإِنَّهُ أخرجه فِي صحاحه ، ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عبد الْملك بن عبيد (وَفِي الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيق الشَّافِعِي : أبي عُبَيْدَة . وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بعد أَن ذكر الحَدِيث من طَرِيق هِشَام عَن ابْن جريج عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر) وَقَالَ أبي : قَالَ حجاج الْأَعْوَر : عبد الْملك ابن عُبَيْدَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : هُوَ الصَّوَاب . قَالَ : وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر كَمَا قَالَ سعيد بن سَالم ، وَرِوَايَة هِشَام بن يُوسُف وحجاج عَن ابْن جريج أصح . كَذَا قَالَ ، وَالَّذِي فِي رِوَايَة حجاج مُخَالف لرِوَايَة هِشَام كَمَا ذكره هُوَ ، فَإِن رِوَايَة حجاج : عبد الْملك بن عُبَيْدَة كَمَا مر ، وَرِوَايَة هِشَام : عبد الْملك بن عُمَيْر ، وَظَاهر كَلَام البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه عبد الْملك بن عبيد ؛ فَإِنَّهُ قَالَ عبد الْملك بن عبيد عَن بعض ولد عبد الله بن مَسْعُود ، رَوَى عَنهُ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، مُرْسل ، وَذكر بعده عبد الْملك بن عُمَيْر الْكُوفِي ، سمع عبد الله وَرَأَى الْمُغيرَة وَعنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن عبد الْملك بن عُمَيْر أَيْضا عَن بعض بني عبد الله بن مَسْعُود عَن عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ وَلَيْسَ بَينهمَا شَاهد - وَفِي لفظ بَيِّنَة - اسْتحْلف البَائِع ، ثمَّ كَانَ الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يَحْيَى بن سليم عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك بِهِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سعيد بن مسلمة عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن عبد الْملك (بن) عُبَيْدَة عَن ابْن لعبد الله بن مَسْعُود عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا إِذا اخْتلف (البيعان) وَلَا شَهَادَة بَينهمَا اسْتحْلف البَائِع إِلَى آخِره ، وَبَعض بني عبد الله لَا يدْرِي من هُوَ . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن عون بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه مَرْفُوعا : إِذا اخْتلف البيعان الحَدِيث بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء ، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر فَقَالَ : أبنا سُفْيَان عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن عون فَذكره ، وَذكره فِي الْأُم بِغَيْر إِسْنَاد وَقَالَ : هَذَا حَدِيث مَقْطُوع عَن ابْن مَسْعُود . وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ لِأَن عونًا لم يدْرك ابْن مَسْعُود كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه كَذَلِك . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ اسْتحْلف البَائِع و (كَانَ) الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن الْقَاسِم بِهِ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي البيع ، والسلعة كَمَا هِيَ لم تستهلك ، فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع ، أَو يترادان البيع وَهَذَا ضَعِيف ، إِسْمَاعِيل فِيهِ مقَال لا سيما إِذا رَوَى عَن أهل الْحجاز ، وَابْن أبي لَيْلَى قد عرفت حَاله فِي (ضَبطه وَأَنه بِسَبَبِهِ ) . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَمَعْنى الحَدِيث أَن الْمُبْتَاع بِالْخِيَارِ بَين إِمْسَاكه بِمَا حلف عَلَيْهِ البَائِع وَبَين أَن يحلف عَلَى مَا يَقُوله انْتَهَى . وَقد عرفت فِي هَذِه الطّرق تَفْسِير الْخِيَار بِالْأَخْذِ أَو بِالتّرْكِ ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فِي هَذَا الحَدِيث : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا . قلت : هَذِه رِوَايَة غَرِيبَة عَلَى هَذَا النمط ، لم أرها كَذَلِك فِي شَيْء من كتب الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ تحَالفا (و) ترادا . قلت : وَهَذِه رِوَايَة غَرِيبَة أَيْضا ، لم أَجدهَا فِي شَيْء من كتب الحَدِيث بعد الْبَحْث التَّام ، والرافعي تبع فِيهَا الْغَزالِيّ فَإِنَّهُ أوردهَا كَذَلِك فِي وسيطه ، وَالْغَزالِيّ تبع إِمَامه فَإِنَّهُ اسْتدلَّ بهَا فِي أساليبه وَأفَاد الرَّافِعِيّ فِي كِتَابه التذنيب أَن هَذِه الرِّوَايَة لَا ذكر لَهَا فِي كتب الحَدِيث ، وَإِنَّمَا تُوجد فِي كتب الْفِقْه ، وَالْعجب مِنْهُ أَنه يسْتَدلّ بهَا فِي شرحيه مَعَ قَوْله هَذَا الْكَلَام . نعم (التراد) بِدُونِ التَّحْلِيف ورد فِي هَذَا الحَدِيث من طرق إِحْدَاهَا : عَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ يحدث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : أَيّمَا بيعين تبَايعا فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَنه بلغه عَن ابْن مَسْعُود فَذكره ، وَهَذَا ضَعِيف لانقطاعه . ثَانِيهَا : عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة ، فَالْقَوْل مَا يَقُول صَاحب السّلْعَة أَو يترادان ، رَوَاهُ عبد الله بن أَحْمد فِي مُسْند أَبِيه ، وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضا بِلَفْظ : إِذا اخْتلف البيعان والسلعة كَمَا هِيَ فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضًا لانقطاعه ؛ فَإِن الْقَاسِم لم يدْرك جده عبد الله ابن مَسْعُود ، قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته ، وَعبارَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : لم يسمع مِنْهُ ، وَذكره التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه أَيْضا وَقَالَ : إِنَّه مُرْسل . وَابْن مَاجَه فِي سنَنه . ثَالِثهَا : عَن عَلْقَمَة عَن عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا : البيعان إِذا اخْتلفَا فِي البيع ترادا ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن مُحَمَّد بن هِشَام الْمُسْتَمْلِي ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن صَالح ، ثَنَا فُضَيْل بن عِيَاض ، ثَنَا مَنْصُور ، عَن عَلْقَمَة فَذكره ، وَهَذَا الطَّرِيق عِنْدِي أَقْوَى طرقه ، وَلم يظفروا بهَا ومِن فُضَيْل بن عِيَاض إِلَى ابْن مَسْعُود أَئِمَّة أَعْلَام سمع بَعضهم من بعض خُصُوصا عَلْقَمَة ، فَإِنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآن عَلَى ابْن مَسْعُود ، لَكِن عبد الرَّحْمَن بن صَالح نسب إِلَى الرَّفْض ، وَوضع مثالب الصَّحَابَة ، وَهُوَ كُوفِي عتكي ، أخرج لَهُ النَّسَائِيّ فِي خَصَائِص عَلّي وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : ثِقَة شيعي ؛ لِأَن يَخِرَّ من السَّمَاء أحب إِلَيْهِ من أَن يكذب فِي نصف حرف . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق . وَقَالَ مُوسَى بن هَارُون مرّة : ثِقَة ، وَكَانَ يحدث بمثالب أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه ( وَقَالَ صَالح جزرة :) صَالح إِلَّا أَنه يقْرض عُثْمَان . وَقَالَ الْبَغَوِيّ : سمعته يَقُول : أفضل - أَو خير - هَذِه الْأمة (بعد نبيها أَبُو) بكر وَعمر . رَابِعهَا : من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه قَالَ : بَاعَ عبد الله بن مَسْعُود سبيًا من سبي الْإِمَارَة بِعشْرين ألفا - يَعْنِي من الْأَشْعَث بن قيس - فجَاء بِعشْرَة آلَاف ، فَقَالَ : أَنا بِعْتُك بِعشْرين ألفا قَالَ : إِنَّمَا أخذتهم بِعشْرَة آلَاف ، وَإِنِّي أَرْضَى فِي ذَلِكَ بِرَأْيِك . قَالَ ابْن مَسْعُود : إِن شِئْت (حدثتك) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ : أجل ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - :) إِذا تبَايع الْمُتَبَايعَانِ بيعا لَيْسَ بَينهمَا شُهُود فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان البيع . قَالَ الْأَشْعَث : فَرددت عَلَيْك . رَوَاهُ (الطَّبَرَانِيّ) فِي سنَنه عَن أبي مُحَمَّد بن صاعد إملاءً وَغَيره قَالُوا : ثَنَا مُحَمَّد بن مُسلم بن وارة ، حَدَّثَني مُحَمَّد بن سعيد بن سَابق ، ثَنَا عَمْرو بن أبي قيس ، عَن عمر بن قيس عَن الْقَاسِم بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد أَيْضا رِجَاله كلهم ثِقَات ، وَابْن صاعد وَابْن وارة حَافِظَانِ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ (والسلعة قَائِمَة) وَلَا بَيِّنَة لأَحَدهمَا تحَالفا وَهَذِه الرِّوَايَة وَردت من طرق : إِحْدَاهَا : من طَرِيق الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود ، وَقد سلفت قَرِيبا . ثَانِيهَا : من طَرِيق الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا : إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي البيع والسلعة قَائِمَة كَمَا هِيَ لم تستهلك فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو يترادان البيع رَوَاهَا (الطَّبَرَانِيّ) فِي سنَنه وَهِي ضَعِيفَة أَيْضا ؛ لِأَن فِي إسنادها مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ وَإِن كَانَ فِي الْفِقْه كَبِيرا فَهُوَ ضَعِيف فِي الرِّوَايَة لسوء حفظه وَكَثْرَة خطئه فِي الْأَسَانِيد والمتون ، ومخالفته الْحفاظ فِيهَا ، وَالله يغْفر لنا وَله . ثَالِثهَا : من طَرِيق الْقَاسِم أَيْضا عَن أَبِيه قَالَ : بَاعَ عبد الله بن مَسْعُود من الْأَشْعَث رَقِيقا من رَقِيق الْإِمَارَة فاختلفا فِي الثّمن ، فَقَالَ عبد الله : بِعْتُك بِعشْرين ألفا ، وَقَالَ الْأَشْعَث : اشْتريت مِنْك بِعشْرَة آلَاف . فَقَالَ عبد الله : إِن شِئْت (حدثتك) بِحَدِيث سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (قَالَ : هَات . قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) يَقُول : إِذا اخْتلف البيعان وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع أَو (يترادان) البيع . قَالَ الْأَشْعَث : أرَى أَن ترد البيع ، رَوَاهُ (الطَّبَرَانِيّ) فِي سنَنه كَذَلِك ، والدارمي فِي مُسْنده بِلَفْظ : البيعان إِذا اخْتلفَا وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع ، أَو يترادان البيع . وَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد من حَدِيث هشيم عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه أَن ابْن مَسْعُود بَاعَ من الْأَشْعَث بن قيس رَقِيقا . فَذكر مَعْنَى حَدِيث مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْآتِي قَرِيبا ، وَالْكَلَام يزِيد وَينْقص وَهِي ضَعِيفَة أَيْضا لأجل ابْن أبي لَيْلَى ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : خَالف الْجَمَاعَة فِي رِوَايَة هَذَا حَيْثُ قَالَ : عَن أَبِيه ، وَفِي مَتنه حَيْثُ زَاد فِيهِ : وَالْمَبِيع قَائِم بِعَيْنِه . وَهُوَ كَمَا قَالَ حَتَّى عدوا هَذِه الزِّيَادَة من غلطاته ، وَقَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ : إِنَّه لَا أصل لَهَا . رَابِعهَا : من طَرِيق الْقَاسِم أَيْضا عَن أَبِيه عَن عبد الله مَرْفُوعا : إِذا اخْتلف البيعان فَالْقَوْل مَا قَالَ البَائِع ، فَإِذا اسْتهْلك فَالْقَوْل مَا قَالَ المُشْتَرِي رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا ، وَهِي ضَعِيفَة لِأَن فِي (إسنادها) الْحسن بن عمَارَة رِوَايَة عَن الْقَاسِم ، وَهُوَ أحد الهلكى قَالَ (زَكَرِيَّا) السَّاجِي : أَجمعُوا عَلَى ترك حَدِيثه ، نعم لم يتفرد بِهِ بل تَابعه (معن) بن عبد الرَّحْمَن . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث سُفْيَان عَن (معن) عَن الْقَاسِم وَلَفظه : إِذا اخْتلف (الْمُتَبَايعَانِ) والسلعة قَائِمَة بِعَينهَا فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو يترادان ، وَهَذِه طَريقَة خَامِسَة جَيِّدَة ، لكنه اخْتلف عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا ستعلمه من كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ . سادسها : من طَرِيق أبي وَائِل عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : إِذا اخْتلف البيعان وَالْمَبِيع مستهلك فَالْقَوْل قَول البَائِع . وَرفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي إِسْنَاده عبد الله بن عصيم وَهُوَ ضَعِيف وَقد أعله عبد الْحق فِي أَحْكَامه بِهِ ، وَتفرد شريك بِتَسْمِيَة أَبِيه عصمَة وَالصَّوَاب عصيم ، ( وَفِي بعض الرِّوَايَات الْمُنكرَة الَّتِي لَا أصل لَهَا : والسلعة قَائِمَة أَو هالكة وَأما قَول الْغَزالِيّ فِي كتاب المأخذ : أجمع أهل الحَدِيث عَلَى صِحَّتهَا فَهُوَ من الْعجب العجاب ) . فَهَذَا مَا حَضَرنَا من طرق هَذَا الحَدِيث وَاخْتِلَاف أَلْفَاظه ، وَبَقِي لَهُ طرق أخر وَهُوَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَابْن عدي من حَدِيث سعيد بن الْمَرْزُبَان عَن الشّعبِيّ عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا لأجل سعيد هَذَا وَهُوَ كُوفِي أَعور مُنكر الحَدِيث كَمَا قَالَه أَحْمد وَالْبُخَارِيّ ، وَخَالف أَبُو أُسَامَة فَقَالَ : كَانَ ثِقَة ، فَقَالَ : لَا جرم أعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأعله فِي تَحْقِيقه بِوَجْه آخر فَقَالَ : عبد الرَّحْمَن لم يسمع من أَبِيه فَهُوَ مُرْسل وَضَعِيف . وَتبع فِي هَذِه الْمقَالة ابْن معِين فِي أحد قوليه ، لَكِن قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ وَالثَّوْري وَشريك وَالْبُخَارِيّ وَالْأَكْثَرُونَ الْمُحَقِّقُونَ : إِنَّه سمع مِنْهُ . وَقَالَ الْعجلِيّ : لم يسمع من أَبِيه إِلَّا حرفا وَاحِدًا محرم الْحَلَال (كمستحل) الْحَرَام . وَجزم ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه بِسَمَاعِهِ مِنْهُ ، وَجزم فِي أَخِيه أبي عُبَيْدَة بِأَنَّهُ لم يسمع من أَبِيه . قلت : لكنه أدْرك أَبَاهُ وَكَانَ أكبر من أَخِيه إِذْ ذَاك . قَالَ يَحْيَى الْقطَّان : مَاتَ ابْن مَسْعُود ولعَبْد الرَّحْمَن سِتّ سِنِين . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : مَاتَ ابْن مَسْعُود ولابنه أبي عُبَيْدَة سبع سِنِين . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : وَفِي إِسْنَاد هَذِه الطَّرِيق إِبْرَاهِيم بن مجشر بن معدان الْبَغْدَادِيّ ، قَالَ ابْن عدي : لَهُ أَحَادِيث مَنَاكِير من جِهَة الْأَسَانِيد . رفع حَدِيثا لَا أعلم رَفعه غَيره الرَّهْن محلوب ومركوب قلت : قد توبع عَلَيْهِ كَمَا ستعلمه فِي بَابه . قلت : وَقد بَقِي للْحَدِيث طَرِيق آخر وَهُوَ أَقْوَى طرقه ، وَأَقْوَى من الطَّرِيق الَّتِي قدمناها أَيْضا رَوَاهَا عبد الرَّحْمَن بن قيس بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث بن قيس عَن أَبِيه عَن جده قَالَ : قَالَ عبد الله بن مَسْعُود قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا اخْتلف البيعان وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَهُوَ مَا يَقُول رب السّلْعَة أَو يتتاركا أخرجه الْأَئِمَّة أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ . وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَنقل مقَالَة الْحَاكِم هَذِه الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته ، وَأقرهُ عَلَيْهَا ، وَقَالَ فِي سنَنه : إسنادها حسن مَوْصُول ، قَالَ : وَقد رُوِيَ من أوجه (بأسانيد) مَرَاسِيل إِذا جمع بَينهمَا صَار الحَدِيث بذلك قويًّا . وَقَالَ فِي الْمعرفَة : إِنَّه أصح إِسْنَاد رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : فِيهِ انْقِطَاع ، قَالَ : وَهُوَ حَدِيث مَحْفُوظ عَن ابْن مَسْعُود مَشْهُور الأَصْل عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ فبنوا عَلَيْهِ كثيرا من فروعه ، قد اشْتهر عَنْهُم بالحجاز وَالْعراق شهرة يُسْتَغْنَى بهَا عَن الْإِسْنَاد كَمَا اشْتهر حَدِيث لَا وَصِيَّة لوَارث . وَخَالف أَبُو مُحَمَّد بن حزم فأعله بِوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : بالانقطاع كَمَا رَمَاه بِهِ ابْن عبد الْبر ، وَتَابعه عَلَيْهِ عبد الْحق فِي أَحْكَامه فَقَالَ : مُحَمَّد هَذَا لم يسمع من ابْن مَسْعُود . ثَانِيهمَا : بِأَن فِي إِسْنَاده مَجْهُولَانِ وهما عبد الرَّحْمَن بن قيس وَأَبوهُ ، قَالَ : مَجْهُول ابن مَجْهُول . قَالَ : وَعبد الرَّحْمَن ظَالِم من ظلمَة الْحجَّاج لَا حجَّة لَهُ فِي رِوَايَته ، وَتَبعهُ عَلَى تجهيلهما ابْن الْقطَّان وَزَاد : أَن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث جدهما مَجْهُول أَيْضا . قَالَ (إِلَّا) أَنه أشهرهم ، رَوَى عَنهُ جماعات وعددهم . وَأَقُول : أما كَونه لم يسمع مِنْهُ فَهَذِهِ دَعْوَى ، فَإِن إِدْرَاكه لَهُ مُمكن قطعا ؛ لِأَن عبد الله بن مَسْعُود توفِّي بعد الثَّلَاثِينَ إِمَّا سنة اثْنَيْنِ كَمَا قَالَه أَبُو نعيم وَغير وَاحِد ، وَإِمَّا سنة ثَلَاث كَمَا قَالَه ابْن بكير وَغَيره ، وَمُحَمّد بن الْأَشْعَث قَتله الْمُخْتَار بعد السِّتين سنة سِتّ أَو سبع كَمَا قَالَه خَليفَة فَليخْرجْ عَلَى المذهبين مشهورين فِي ذَلِكَ ، وَأما جَهَالَة عبد الرَّحْمَن بن قيس فَهُوَ كَمَا (ادَّعَاهَا) ؛ فَإنَّا لَا نعلم لَهُ رَاوِيا غير أبي (العميس) وَهُوَ مَسْتُور لَا نعلم من وَثَّقَهُ وَلَا من جرحه ، وَأما وَالِده فحاشاه من الْجَهَالَة فقد رَوَى عَنهُ ابناه عبد الرَّحْمَن وَعُثْمَان ، وَأَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ ، وَرَوَى عَن جده ، وَعَن عدي بن حَاتِم ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَأما جده مُحَمَّد فَهُوَ تَابِعِيّ رَوَى عَن عمر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود وَعَائِشَة وَرَوَى عَنهُ الشّعبِيّ وَجَمَاعَة ، وَأمه أم فَرْوَة أُخْت الصّديق ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَتَصْحِيح الْحَاكِم وتحسين الْبَيْهَقِيّ لَهُ (رَافِعَة لجَهَالَة) عبد الرَّحْمَن السالف ؛ فَإِنَّهُ لَا يحل الْإِقْدَام عَلَى التَّصْحِيح والتحسين بِدُونِ ذَلِكَ ، وَأعله ابْن حزم أَيْضا بِوَجْه ثَالِث فَقَالَ : رَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن أَبُو عُمَيْس وَلم يسمع أَبُو عُمَيْس مِنْهُ لتأخر سنه عَن لِقَائِه . قلت : قد صرح بِالسَّمَاعِ مِنْهُ فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ فَفِيهِ عَن أبي عُمَيْس : أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن . وَبِالْجُمْلَةِ وكل طرق هَذَا الحَدِيث لَا تَخْلُو من عِلّة ، وَلَقَد أحسن إمامنا الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَن الزَّعْفَرَان عَنهُ : حَدِيث ابْن مَسْعُود وَهَذَا مُنْقَطع لَا أعلم أحدا وَصله عَنهُ . قلت : لَكِن قد وَصله عَلْقَمَة عَنهُ كَمَا قدمْنَاهُ ، وَهُوَ من الْفَوَائِد الَّتِي رَحل إِلَيْهَا وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي علله بعد أَن ذكره (السَّائِل) من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود عَن أَبِيه مَرْفُوعا : إِذا اخْتلف البيعان وَلَيْسَ بَينهمَا بَيِّنَة فَالْقَوْل قَول البَائِع أَو (يترادان) . هَذَا حَدِيث يرويهِ الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن ، وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ عمر بن قيس عَنهُ عَن أَبِيه عَن جده ، وَرَوَاهُ (معن) بن عبد الرَّحْمَن عَن الْقَاسِم وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَة عَن الثَّوْريّ عَن (معن) عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده . وَخَالفهُ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأَبُو دَاوُد الْحَضْرَمِيّ وَغَيرهمَا ، فَرَوَوْه عَن الثَّوْريّ عَن (معن) عَن الْقَاسِم مُرْسلا عَن ابْن مَسْعُود ، وَرَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن الْقَاسِم (بِهِ) وَرَوَاهُ ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم وَاخْتلف (عَنهُ) فَرَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة عَنهُ عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده ، وَزَاد فِيهِ لَفْظَة لم يَأْتِ بهَا غَيره قَالَ : والسلعة قَائِمَة كَمَا هِيَ وَخَالف هشيم فَرَوَاهُ عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود مُرْسلا ، قَالَ ذَلِكَ أَحْمد بن حَنْبَل وَسَعِيد ابن مَنْصُور عَن هشيم . وَقيل : عَن هشيم عَن ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده ، وَرَوَاهُ أبان بن تغلب وَعبد الرَّحْمَن المَسْعُودِيّ عَن الْقَاسِم عَن ابْن مَسْعُود مُرْسلا قَالَ : وَالْمَحْفُوظ (هُوَ) الْمُرْسل . تَنْبِيه : عزى الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه طَرِيق أَو يتتاركا الْأَخِيرَة إِلَى أبي دَاوُد فَقَالَ : رَوَاهَا مطرف عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا ، وَهَذَا لَيْسَ فِي أبي دَاوُد وَالَّذِي فِيهِ رِوَايَته لَهُ عَن حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن قيس عَن أَبِيه عَن جده . وَمن حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى عَن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن جده كَمَا سلف أَيْضا فَتنبه لذَلِك .
الحَدِيث الْخَامِس عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ) أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْمُلَامسَة والمنابذة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذَا اللَّفْظ من هَذَا الْوَجْه وروياه أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أنس وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهم .
الحَدِيث الرَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الملاقيح والمضامي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه ابْن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده عَن النَّضر بن شُمَيْل ، نَا صَالح بن أبي الْأَخْضَر ، عَن الزُّهْرِيّ أَن سعيد بن الْمسيب أخبرهُ ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن المضامين والملاقيح ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن مُحَمَّد بن الْمثنى ، ثَنَا سعيد بن سُفْيَان ، عَن صَالح بِهِ ، وَزَاد وحبل الحبلة، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة إِلَّا صَالح بن أبي الْأَخْضَر وَلم يكن بِالْحَافِظِ . وَعَزاهُ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي من هَذِه الطَّرِيق إِلَى كتاب الْبيُوع تأليف أبي بكر أَحْمد بن أبي عَاصِم ، وَعَزاهُ إِلَيْهِ أَيْضا من طَرِيق عمرَان بن حُصَيْن ، ورأيته فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن أبي حَبِيبَة ، عَن دَاوُد بن الْحصين ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، فاستفد هَذِه الطّرق ؛ فَإِنَّهَا عزيزة الْوُجُود ، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن ابْن شهَاب مُرْسلا أَن سعيد بن الْمسيب كَانَ يَقُول : لَا رَبًّا فِي الْحَيَوَان وَإِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّمَا نهَى فِي بيع الْحَيَوَان عَن ثَلَاث : عَن المضامين ، والملاقيح ، وحبل الحبلة . والمضامين : مَا فِي بطُون إناث الْإِبِل ، والملاقيح : مَا فِي ظُهُور الْجمال ، وحبل الحبلة هُوَ بيع الْجَزُور إِلَى أَن تنْتج النَّاقة ثمَّ تنْتج الَّذِي فِي بَطنهَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي رِوَايَة الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : المضامين مَا فِي (بطُون) الْجمال ، والملاقيح : مَا فِي بطُون إناث الْإِبِل . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ فسّره أَبُو عبيد . وسُئل الدَّارَقُطْنِيّ عَن حَدِيث سعيد بن الْمسيب هَذَا ، فَقَالَ فِي علله : رَوَاهُ مَالك هَكَذَا عَن الزُّهْرِيّ وَوَافَقَهُ معمر عَلَى ذَلِكَ ، وَرَوَاهُ عمر بن قيس وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا . قَالَ : وَالصَّحِيح غير مَرْفُوع من قَول سعيد غير مُتَّصِل .
الحَدِيث السَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيعَتَيْنِ فِي بيعَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ بِهَذَا اللَّفْظ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان بِلَفْظ : من بَاعَ بيعَتَيْنِ فِي بيعَة فَلهُ أوكسهما أَو الرِّبَا ، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ بلاغًا بِلَفْظ الْأَوَّلين ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَمْرو وَابْن عمر وَابْن مَسْعُود . وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِلَفْظ أبي دَاوُد ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة ، وَقد تكلم فِيهِ غير وَاحِد ، قلت : والشيخان أخرجَا لَهُ مَقْرُونا ، وَقدمه ابْن معِين عَلَى ابْن إِسْحَاق ، وَقَالَ : هُوَ فَوق سُهَيْل (بن) أبي صَالح وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح الحَدِيث يكْتب حَدِيثه . وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث سماك ، عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن مَسْعُود ، عَن أَبِيه ، قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن صفقتين فِي صَفْقَة قَالَ سماك : هُوَ الرجل يَبِيع البيع فَيَقُول : هُوَ بنَسَاءٍ (كَذَا) وَهُوَ بِنَقْد (كَذَا) وَكَذَا ، وَاخْتلف الْحفاظ فِي سَماع عبد الرَّحْمَن من أَبِيه ، فَقَالَ يَحْيَى بن معِين فِي (إِحْدَى) الرِّوَايَتَيْنِ : لم يسمع مِنْهُ . وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ وَالْأَكْثَرُونَ : إِنَّه (سمع مِنْهُ) وَهِي زِيَادَة علم .
الحَدِيث الثَّالِث عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع حَبل الحبلة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي (صَحِيحَيْهِمَا) بِهَذَا اللَّفْظ وَزَادا : كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يتبايعون لُحُوم الْجَزُور إِلَى حَبل الحبلة . أَن تنْتج النَّاقة مَا فِي بَطنهَا ثمَّ تحمل الَّتِي نتجت ، فنهاهم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ذَلِكَ وَفِي رِوَايَة : كَانُوا يتبايعون الْجَزُور إِلَى حَبل الحبلة ، فَنَهَى النَّبِي عَنهُ، ثمَّ فسَّره نَافِع : أَن تنْتج النَّاقة مَا فِي بَطنهَا . وَهَذَا يدل (عَلَى) أَن التَّفْسِير الأول لَيْسَ من كَلَام ابْن عمر ، وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام نَافِع ، وَقد قَرَّرَهُ كَذَلِك الْخَطِيب فِي كِتَابه الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل . تَنْبِيه : وَقع فِي جَامع المسانيد لِابْنِ الْجَوْزِيّ عقب إِخْرَاجه لَهُ من حَدِيث ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن بيع حَبل الحبلة أَن مُسلما انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ ، هَكَذَا قَالَ ، وَقد أَخْرجَاهُ بِلَفْظ آخر ، قَالَ ابْن عمر : وَكَانُوا يتبايعون إِلَى آخِره ، وَلَيْسَ كَمَا ذكر من أَن مُسلما انْفَرد بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، فقد أخرجه أَيْضا كَذَلِك . فَائِدَة : الْحَبل والحبلة بِفَتْح الْحَاء وَالْبَاء ، (و) غلط من سكن الْبَاء فِي حَبل ، وَالْحَبل مُخْتَصّ بالآدميات وَيُقَال فِي غيرهنّ : الْحمل ، قَالَه أهل اللُّغَة ، قَالَ أَبُو عبيد : وَلَا يُقَال لشَيْء حَبل إِلَّا مَا جَاءَ فِي الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن عسب الْفَحْل ، وَرُوِيَ أَنه نهَى عَن ثمن عسب الْفَحْل . وَهَذِه رِوَايَة الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر ، هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر ، وَكَذَا د ، ت ، ن ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عَلّي بن الحكم ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن كسب الْفَحْل وَقَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد عَلَى شَرط البُخَارِيّ ، وَعلي بن الحكم ثِقَة مَأْمُون من أعز الْبَصْرَة حَدِيثا ، وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي الشَّافِعِي فِي السّنَن المأثورة الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَنهُ من حَدِيث سعيد بن سَالم القداح عَن شبيب بن عبد الله البَجلِيّ ، عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن ثمن عسب الْفَحْل وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي علله بِدُونِ لَفْظَة ثمن، ثمَّ قَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا من كَلَام أنس ، قَالَ : وَرَوَاهُ ابْن لَهِيعَة ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن ابْن شهَاب ، عَن أنس مَرْفُوعا ، وَيزِيد لم يسمع من الزُّهْرِيّ إِنَّمَا كتب إِلَيْهِ . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أنس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى أَن يَبِيع الرجل فحلة فرسه . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد : وَالْمرَاد : ضرابه . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، عَن إِسْمَاعِيل ، نَا عَلّي بن الحكم ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَيْضا ، وَعَزاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد بِهَذَا اللَّفْظ إِلَى البُخَارِيّ ، وَمرَاده أصل الحَدِيث ، وَهِي مَوْجُودَة فِي نسخ أبي دَاوُد ، وَرَوَاهُ بهَا أَيْضا الدَّارمِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة كَمَا سَيَأْتِي . وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر وَأبي هُرَيْرَة نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع ضراب الْجمل ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ثمن الْكَلْب و [ عسب ] التيس وَفِي رِوَايَة للخطيب فِي تلخيصه إِن من خِصَال السُّحت عسب الْفَحْل وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي علله بِلَفْظ النَّسَائِيّ إِلَّا أَنه قَالَ : الْفَحْل بدل التيس ، ثمَّ قَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : لم يروه عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي حَازِم ، عَن أبي هُرَيْرَة غير ابْن فُضَيْل ، وأخشى أَنه أَرَادَ أَبَا سُفْيَان ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث حجاج ، عَن عَطاء ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه نهَى عَن ثمن الْكَلْب و [ عسب ] الْفَحْل ، وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده من حَدِيث ابْن فُضَيْل ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي حَازِم ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ثمن عسب الْفَحْل ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس بِزِيَادَة : فَرخص لَهُم فِي الْكَرَامَة، ثمَّ قَالَ : حسن غَرِيب . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة أبي سعيد بِلَفْظ رِوَايَة البُخَارِيّ ، وَكَذَا ابْن السكن فِي صحاحه ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : يَنْبَغِي أَن يُقَال فِيهِ : صَحِيح ؛ فَإِن رِجَاله كلهم ثِقَات . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث من حَدِيث عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَلّي مَرْفُوعا نهَى عَن عسب كل ذِي فَحل وَضَعفه وَهُوَ فِي مُسْند أَحْمد من رِوَايَة ابْنه كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَة فِي حَدِيث النَّهْي عَن كل ذِي نَاب ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب وَابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : نهَى عَن [ عسب ] الْفَحْل وَفِي غريبي الْهَرَوِيّ فِي الحَدِيث نهَى عَن شبر الْفَحْل يَعْنِي أَخذ الْكرَى عَلَى ضرابه ، أوردهُ صَاحب الْخُلَاصَة من الْحَنَفِيَّة بِهَذَا اللَّفْظ .
بَاب الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَحَادِيث تِسْعَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا . الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لحكيم بن حزَام : لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك . هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقد سلف بَيَانه فِي أثْنَاء بَاب مَا يَصح بِهِ البيع . فَائِدَة : حَكِيم هَذَا ولد فِي جَوف الْكَعْبَة وَلَا يعرف أحد ولد فِيهَا غَيره ، وَأما مَا رُوِيَ عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ أَنه ولد فِيهَا فضعيف ، وَخَالف الْحَاكِم فِي ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْمُسْتَدْرك فِي تَرْجَمَة عَلّي أَن الْأَخْبَار تَوَاتَرَتْ بذلك ، وعاش حَكِيم مائَة وَعشْرين سنة ، سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَام ، أَي حِين انْتَشَر وشاع فِي النَّاس وَذَلِكَ بعد الْهِجْرَة بِنَحْوِ سِتّ سِنِين ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : وَلَا يُشَارِكهُ فِي هَذَا إِلَّا حسان بن ثَابت . قلت : لَيْسَ كَذَلِك فقد شاركهما فِي ذَلِكَ ثَمَانِيَة أنفس كَمَا ذكرته عَنْهُم فِي الْمقنع فِي عُلُوم الحَدِيث تأليفي فَرَاجعه ، فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات المستفادة الَّتِي يرحل إِلَيْهَا .
الحَدِيث الثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع وَشرط . هَذَا الحَدِيث لم يُخرجهُ أحد من أَصْحَاب السّنَن وَالْمَسَانِيد ، وبيض (لَهُ) الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه وَاسْتَغْرَبَهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب ، وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه ، عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل العذري القَاضِي بسرقسطة ، نَا مُحَمَّد بن عَلّي الرَّازِيّ المطوعي ، نَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي ، ثَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد الخالدي ، نَا عبد الله ابن أَيُّوب بن زَاذَان الضَّرِير ، نَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الذهلي ، نَا عبد الْوَارِث هُوَ ابْن سعيد التنوري قَالَ : قدمت مَكَّة فَوجدت بهَا أَبَا حنيفَة وَابْن أبي لَيْلَى وَابْن شبْرمَة ، فَسَأَلت أَبَا حنيفَة عَن رجل بَاعَ بيعا وَاشْترط شرطا ، فَقَالَ : البيع بَاطِل وَالشّرط بَاطِل ، ثمَّ سَأَلت ابْن أبي لَيْلَى عَن ذَلِكَ ، فَقَالَ : البيع جَائِز وَالشّرط بَاطِل ، ثمَّ سَأَلت ابْن شبْرمَة عَن ذَلِكَ ، فَقَالَ : البيع جَائِز وَالشّرط جَائِز ، فَرَجَعت إِلَى أبي حنيفَة فَأَخْبَرته بِمَا قَالَا ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَا ، ثَنَا عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع وَشرط البيع بَاطِل ، وَالشّرط بَاطِل . فَأتيت ابْن أبي لَيْلَى فَأَخْبَرته (بِمَا) قَالَ : فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَا ، ثَنَا هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اشْترِي بَرِيرَة واشترطي لَهُم الْوَلَاء البيع جَائِز وَالشّرط بَاطل . فَأتيت ابْن شبْرمَة فَأَخْبَرته بِمَا قَالَا فَقَالَ : لَا أَدْرِي مَا قَالَا ، ثَنَا مسعر بن كدام ، عَن (محَارب) بن دثار ، عَن جَابر بن عبد الله أَنه بَاعَ من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جملا وَاشْترط ظَهره إِلَى الْمَدِينَة البيع جَائِز ، وَالشّرط جَائِز . وَرَوَاهُ الْخطابِيّ فِي معالم السّنَن ، عَن مُحَمَّد بن هَاشم بن هِشَام ، نَا عبد الله بن فَيْرُوز الديلمي ، نَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الذهلي ، نَا عبد الْوَارِث بن سعيد ، قَالَ : قدمت مَكَّة فَذكرهَا كَمَا سَاقهَا ابْن حزم وفيهَا فَقلت : يَا سُبْحَانَ الله ، ثَلَاثَة من فُقَهَاء الْعرَاق اخْتلفُوا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة ، فَأتيت أَبَا حنيفَة فَأَخْبَرته بِمَا قَالَا وساقها كَمَا تقدم ، وَفِي الْجُزْء الثَّالِث من الْأَعْيَان الْجِيَاد من مشيخة بَغْدَاد تَخْرِيج الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي أَن ابْن أبي الفوارس قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث ابْن شبْرمَة ، عَن مسعر . وَهَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ عبد الْوَارِث بن سعيد ، وَعَزاهُ عبد الْحق فِي أَحْكَامه إِلَى تَخْرِيج ابْن حزم فَقَالَ : خرجه أَبُو مُحَمَّد - يَعْنِي ابْن حزم - من طَرِيق مُحَمَّد بن عبد الله الْحَاكِم . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَكَأَنَّهُ يَعْنِي عبد الْحق تَبرأ من عهدته بِذكر إِسْنَاده ، وعلته ضعْف أبي حنيفَة فِي الحَدِيث ، فَأَما عَمْرو عَن أَبِيه عَن جده فَإِن مذْهبه - يَعْنِي : عبد الْحق - عدم تَضْعِيفه . قلت : وَفِي الْبَاب حَدِيث قريب مِنْهُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه (و) الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضي اللهُ عَنهما ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يحل سلف وَبيع ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بيع ، وَلَا ربح مَا لم يضمن ، وَلَا بيع مَا لَيْسَ عنْدك هَذَا لَفظهمْ خلا ابْن حبَان ، فَإِن لَفظه : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كتب إِلَى أهل مَكَّة لَا يجوز شَرْطَانِ فِي بيع ، وَلَا بيع وَسلف جَمِيعًا ، وَلَا ربح مَا لم يضمن قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط جملَة من أَئِمَّة الْمُسلمين ، قَالَ : وَرَوَاهُ عَطاء الْخُرَاسَانِي ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب بِزِيَادَة أَلْفَاظ ، فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ، قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أسمع مِنْك أَشْيَاء أَخَاف أَن أَنْسَاهَا ، فتأذن فِي أَن أَكتبهَا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَكَانَ (فِيهَا : كتبت) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه لما بعث عتاب بن أسيد إِلَى أهل مَكَّة ، قَالَ : أخْبرهُم أَنه لَا يجوز بيعان فِي بيع ، وَلَا بيع مَا لَا يملك ، وَلَا سلف فِي بيع وَلَا شَرْطَانِ فِي بيع وَرَوَى هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث عَطاء ، عَن عَمْرو : الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته ، وَالنَّسَائِيّ فِي كتاب الْعتْق ، ثمَّ قَالَ : (هَذَا) حَدِيث مُنكر وَهُوَ عِنْدِي خطأ .
الحَدِيث السَّادِس عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْحَصَاة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم بِهَذَا اللَّفْظ .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الثِّمَار حَتَّى تنجو من العاهة . هَذَا الحَدِيث أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ بِهَذَا اللَّفْظ عَن عمْرَة مُرْسلا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله ، رَوَاهُ أَبُو الرِّجَال ، عَن عمْرَة عَن عَائِشَة ، قَالَ : وَمن عَادَة مَالك أَن يُرْسل الْأَحَادِيث ، قلت : وَأَبُو الرِّجَال هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن حَارِثَة ، وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَله عشرَة إخْوَة ، وَسَيَأْتِي فِي بَاب الْأَلْفَاظ الَّتِي تطلق فِي البيع إِن شَاءَ الله حَدِيث ابْن عمر فِي النَّهْي عَن بيع الثِّمَار حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا إِن شَاءَ الله . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ، وتنبه لأمرين : أَحدهمَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلَيْسَ من المناهي بيع الْعينَة إِلَى آخِره ، مُرَاده لَيْسَ من المناهي عندنَا ، وَإِلَّا فقد ورد النَّهْي عَنْهَا من طرق وَقد عقد لَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه (بَابا) وَذكره من حَدِيث عَطاء الْخُرَاسَانِي ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : وَرُوِيَ من وَجْهَيْن ضعيفين ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن ابْن عمر ، وَرُوِيَ عَن ابْن عمر مَوْقُوفا أَنه كره ذَلِكَ . ثَانِيهمَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلَيْسَ من المناهي (بيع) دور مَكَّة بل هُوَ جَائِز ، وَعَن مَالك وَأبي حنيفَة أَنه لَا يجوز . لنا اتِّفَاق الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ عَلَيْهِ . قلت : رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه أَن عمر اشْتَرَى من صَفْوَان بن أُميَّة دَارا بِمَكَّة بأَرْبعَة آلَاف وَجعلهَا سجنًا ذكره من طَرِيقين عَنهُ . وَأَن عبد الله بن الزبير اشْتَرَى حجرَة سَوْدَة ، و أَن حَكِيم بن حزَام بَاعَ دَار الندوة من مُعَاوِيَة بِمِائَة ألف ، فَقَالَ عبد الله بن الزبير : يَا أَبَا خَالِد ، بِعْت مأثرة قُرَيْش وكريمتها . فَقَالَ : هَيْهَات يَا ابْن أخي ، ذهبت المكارم فَلَا مكرمَة الْيَوْم إِلَّا الْإِسْلَام ، قَالَ : فَقَالَ : اشْهَدُوا أَنَّهَا فِي سَبِيل الله يَعْنِي الدَّرَاهِم . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر المعاجم لما قيل لَهُ : أبعت دَارك بِمِائَة ألف ؟ قَالَ : وَالله (إِن) أَخَذتهَا فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَّا بزق خمر ، واشهدوا (أَن ثمنهَا) فِي سَبِيل الله وَفِي رِوَايَة لَهُ بستين ألفا ، وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي أَن دورها لَا تبَاع فِيهَا لين ، لَيْسَ هَذَا مَوضِع الْخَوْض فِيهَا وَمحله الخلافيات .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر عبد الله بن (عَمْرو) أَن يُجهز جَيْشًا وَأمره أَن يبْتَاع ظهرا إِلَى خُرُوج الْمُصدق . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي الْبَاب قبله فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ النَّهْي عَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود ، وَعَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك ، وَكَذَا ابْن مَاجَه بِزِيَادَة : نهَى عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى تزهو فِي أول الحَدِيث . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة . قلت : وَهُوَ أحد الْأَعْلَام صَدُوق من فرسَان مُسلم ، وَمِمَّنْ علق عَنهُ البُخَارِيّ ، قَالَ ابْن معِين : إِذا رَأَيْت من يَقع فِيهِ فاتهمه عَلَى الْإِسْلَام . لَا جرم أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : نهَى عَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود ، وَعَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد ، وَعَن بيع الثَّمر حَتَّى يحمر ويصفر ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : ذكر الْحبّ حَتَّى يشْتَد وَالْعِنَب حَتَّى يسود فِي هَذَا الحَدِيث مِمَّا تفرد بِهِ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن حميد من بَين أَصْحَاب حميد . قَالَ : وَالصَّحِيح فِي هَذَا الْبَاب رِوَايَة أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر فِي النَّهْي عَن بيع النّخل حَتَّى يزهو ، كَمَا سَاقه مُسلم ، ثمَّ رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَلَى مَا ذكرنَا فِي لَفظه .
الحَدِيث الْعَاشِر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا كَانَ من شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك من حَدِيث عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها فِي قصَّة بَرِيرَة .
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْحبّ حَتَّى يفرك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يَحْيَى بن إِسْحَاق السالحيني وَحسن بن مُوسَى الأشيب ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن حميد الطَّوِيل ، عَن أنس بن مَالك أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن أَن تبَاع الثَّمر حَتَّى يبين صَلَاحهَا تحمر أَو تصفر ، وَعَن بيع الْعِنَب حَتَّى يسود ، وَعَن بيع الْحبّ حَتَّى يفرك ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أنس : نهَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيع الْحبّ حَتَّى يفرك - أبانُ بن أبي عَيَّاش ، وَلَا يحْتَج بِهِ . قَالَ : وَرُوِيَ عَن أبي شيبة ، عَن أنس وَلَيْسَ بِشَيْء . وَذكر مثل ذَلِكَ فِي الْمعرفَة . فَائِدَة : قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : قَوْله : حَتَّى يفرك إِن كَانَ بخفض الرَّاء عَلَى إِضَافَة الإفراك إِلَى الْحبّ وَافق رِوَايَة من قَالَ : حَتَّى يشْتَد ، وَإِن كَانَ بِفَتْح الرَّاء وَضم الْيَاء عَلَى إِضَافَة الفرك إِلَى مَا لم يسم فَاعله خَالف ذَلِكَ وَاقْتَضَى تنقيته عَن السنبل حَتَّى يجوز بَيْعه . قَالَ : وَلم أر أحدا من محدثي زَمَاننَا ضبط ذَلِكَ ، وَالْأَشْبَه الأول . وَكَذَا قَالَ فِي الْمعرفَة إِنَّه الْأَشْبَه ، فقد رَوَاهُ عَفَّان وَأَبُو الْوَلِيد وحبان بن هِلَال ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن حميد ، عَن أنس قَالَ : نهَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الْحبّ حَتَّى يشْتَد ، وَهَذِه رِوَايَة حَسَنَة . وَكَذَا قَالَ فِي خلافياته : إِن الْأَشْبَه خفض الرَّاء . وَقَالَ الصَّيْمَرِيّ فِي شرح الْكِفَايَة : رُوِيَ بِكَسْر الرَّاء ونصبها .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ) أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع وَسلف . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ هَكَذَا بلاغًا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث عتاب بن أسيد فَنَهَاهُ عَن شرطين فِي بيع وَعَن سلف وَبيع . الحَدِيث ، وَقد سلف فِي الْبَاب مطولا ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا مطولا وَضَعفه .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن ثمن الْهِرَّة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث معقل بن عبيد الله ، عَن أبي الزبير قَالَ : سَأَلت جَابِرا عَن ثمن الْكَلْب والسنور ، فَقَالَ : زجر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ذَلِكَ ، وَرَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، من حَدِيث جَابر أَيْضا قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ثمن الْكَلْب والسنور ، قَالَ الْخطابِيّ : قد تكلم بعض الْعلمَاء فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، وَزعم أَنه غير ثَابت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ابْن عبد الْبر : حَدِيث بيع السنور (لَا يثبت) رَفعه ، وَلم يروه عَن أبي الزبير غير حَمَّاد بن سَلمَة ، ورد عَلَيْهِمَا النَّوَوِيّ فَقَالَ : هَذَا غلط مِنْهُمَا ؛ فَالْحَدِيث فِي صَحِيح مُسلم بِإِسْنَاد صَحِيح ، قَالَ : وَقَول ابْن عبد الْبر : إِنَّه لم يروه عَن أبي الزبير غير حَمَّاد . غلط أَيْضا ؛ فقد رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة معقل ، عَن أبي الزبير ، فهذان ثقتان روياه ، عَن أبي الزبير وَهُوَ ثِقَة . قلت : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي سُفْيَان ، عَن جَابر مَرْفُوعا كَمَا سلف ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ : وَتَابعه أَبُو الزبير ، عَن جَابر ، وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم دون البُخَارِيّ ؛ (فَإِن البُخَارِيّ) لَا يحْتَج بِرِوَايَة أبي الزبير ، وَلَا بِرِوَايَة أبي سُفْيَان ، قَالَ : وَلَعَلَّ مُسلما إِنَّمَا لم يُخرجهُ فِي الصَّحِيح ؛ لِأَن وَكِيع بن الْجراح رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش ، قَالَ : قَالَ جَابر فَذكره ، ثمَّ قَالَ : قَالَ الْأَعْمَش : أرَى أَبَا سُفْيَان ذكره ، فالأعمش كَانَ يشك فِي وصل الحَدِيث ، فَصَارَت رِوَايَة أبي (سُفْيَان) بذلك ضَعِيفَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد حمله بعض أهل الْعلم عَلَى الهر إِذا توحش فَلم يقدر عَلَى تَسْلِيمه . قَالَ : وَمِنْهُم من زعم أَن ذَلِكَ كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين كَانَ مَحْكُومًا بِنَجَاسَتِهِ ، ثمَّ حِين صَار مَحْكُومًا بِطَهَارَة سؤره حل ثمنه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَلَيْسَ عَلَى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ دلَالَة بَيِّنَة . قلت : أجَاب بعض أَصْحَابنَا بِجَوَاب آخر وَهُوَ حمله عَلَى نهي التَّنْزِيه ، وَالْمرَاد أَن يَبْقَى عَلَى الْعَادة يتَسَامَح النَّاس بِهِ ويتعاورنَّه فِي الْعَادة .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خطب بعد ذَلِكَ ، وَقَالَ : مَا بَال أَقوام يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله ، كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل ، شَرط الله أوثق إِلَى آخِره . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا ، وَكَذَا مَا رَوَاهُ الرَّافِعِيّ بعد هَذَا من أَن عَائِشَة أخْبرت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن مواليها لَا يبيعونها إِلَّا بِشَرْط أَن يكون الْوَلَاء لَهُم ، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اشْترِي واشترطي لَهُم الْوَلَاء قَالَ الرَّافِعِيّ : والصائرون إِلَى الْفساد لم يثبتوا الْإِذْن فِي شَرط الْوَلَاء ، وَقَالُوا : إِن هشامًا تفرد بِهِ وَلم يُتَابِعه سَائِر الراوة عَلَيْهِ ، فَيحمل عَلَى وهم وَقع لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَا يَأْذَن فِيمَا لَا يجوز ، وَبِتَقْدِير الثُّبُوت تكلمُوا عَلَيْهِ من وُجُوه يطول ذكرهَا ، وَأما من صَححهُ قَالَ : إِنَّه نَهَاهُم عَن الْإِتْيَان بِمثل هَذِه الشُّرُوط ، و [ لما ] جرت أنكر عَلَيْهِم لارتكابهم مَا نَهَاهُم عَنهُ ، [ لكنه صحّح ] وَقد ينْهَى عَن الشَّيْء [ ثمَّ ] يُصَحِّحهُ . هَذَا مَا ذكره ، وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شرح الْعُمْدَة (وحُكيت فِيهِ أوجه سِتَّة) وَقد قيل : إِن عبد الرَّحْمَن بن أَيمن تَابع هشامًا عَلَيْهِ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة .
الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا إِلَّا بيع الْخِيَار . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذَا اللَّفْظ كُله من رِوَايَة ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما وَسَيَأْتِي فِي بَابه .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا أَو يتخايرا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر كَذَلِك ، وَهُوَ حَدِيث وَاحِد لَهُ طرق وَسَتَأْتِي مُوضحَة فِي بَاب الْخِيَار إِن شَاءَ الله .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يحتكر إِلَّا خاطئ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ كَذَلِك من حَدِيث سعيد بن الْمسيب ، عَن معمر بن عبد الله الْعَدوي بِهِ قيل لسَعِيد : فَإنَّك تحتكر ! قَالَ سعيد : إِن معمرًا الَّذِي كَانَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث كَانَ يحتكر وَفِي رِوَايَة لَهُ : من احتكر فَهُوَ خاطئ ، وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول التِّرْمِذِيّ وَفِي آخِره فَقلت لسَعِيد : يَا أَبَا مُحَمَّد ، إِنَّك تحتكر ! قَالَ : وَمعمر كَانَ يحتكر وَكَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَفِي آخِره قلت لسَعِيد : إِنَّك تحتكر ! قَالَ : وَمعمر كَانَ يحتكر وَالْقَائِل لسَعِيد هُوَ رَاوِيه عَنهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، وَفِي كتاب أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي عَن ابْن الْمسيب أَنه كَانَ يحتكر الزَّيْت . وَفِي التِّرْمِذِيّ : من قَوْله : إِنَّمَا كَانَ سعيد بن الْمسيب يحتكر الزَّيْت وَالْحِنْطَة وَنَحْو هَذَا . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : كَانَ سعيد يحتكر النَّوَى والخبط والبزر . وَنقل عَن ابْن عبد الْبر وَغَيره عَن سعيد وَمعمر أَنَّهُمَا كَانَا يحتكران الزَّيْت خَاصَّة وأنهما حملا الحَدِيث عَلَى احتكار الْقُوت للْحَاجة إِلَيْهِ ، وَكَذَا حمله أَصْحَابنَا ، وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ عَن سعيد أَنه كَانَ يحتكر الزَّيْت لَيْسَ إلَّا ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ظَنِّي أَنَّهُمَا احتكرا عَلَى غير الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَسَأَلت أَحْمد مَا الحكرة ؟ قَالَ : مَا فِيهِ عَيْش النَّاس . قَالَ ابْن الْأَثِير : والحكر الاحتكار . وَاعْلَم أَن ابْن بدر الْموصِلِي رد هَذَا الحَدِيث فِي كِتَابه الْمُغنِي بِأَن قَالَ : الرَّاوِي إِذا خَالف الحَدِيث دلّ عَلَى نسخه أَو ضعفه . قَالَ : ثمَّ هُوَ من أَفْرَاد مُسلم . قلت : الرَّاجِح فِي الْأُصُول أَن الْعبْرَة بِمَا رَوَى لَا بِمَا رَأَى وأفراد مُسلم حجَّة ، نعم قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث أحد مَا ينْقض عَلَيْهِ - أَعنِي عَلَى مُسلم - أَن لَا يَصح حَدِيث صَحَابِيّ لَا يروي عَنهُ تابعيان ، فَإِن معمرًا هَذَا لَيْسَ لَهُ راو غير سعيد بن الْمسيب . قلت : بلَى رَوَى عَنهُ بسر بن سعيد وَعبد الرَّحْمَن بن جُبَير الْمصْرِيّ وَغَيرهمَا فَلَا نقض عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَنهُ ، وَهنا أُمُور أُخْرَى نبهت عَلَيْهَا فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب فَرَاجعهَا مِنْهَا . فَائِدَة : الخاطئ بِالْهَمْزَةِ العَاصِي الآثم (قَالَه) أهل اللُّغَة ، وَكَذَا فسره الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب .
الحَدِيث السَّادِس عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الجالب مَرْزُوق ، والمحتكر مَلْعُون . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عَلّي بن سَالم بن ثَوْبَان ، عَن عَلّي بن زيد بن جدعَان ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عمر بن الْخطاب مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، و (هَذَانِ) العليان : ابْن ثَوْبَان وَابْن جدعَان ضعيفان ، وَالثَّانِي أخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة ، وَاحْتج بِهِ بَعضهم ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه بِاللَّفْظِ الْأَخير ، ثمَّ قَالَ : خرجته وَإِن لم يكن من شَرط الْكتاب احتسابًا لما فِيهِ النَّاس من الضّيق ، وَلما رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء قَالَ : عَلّي بن سَالم قَالَ البُخَارِيّ : لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ أحد بِهَذَا اللَّفْظ . وَذكره رزين فِيمَا عزاهُ ابْن الْأَثِير إِلَيْهِ عَن ابْن عمر ، عَن عمر : الجالب مَرْزُوق ، والمحتكر محروم وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير من حَدِيث عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد - أحد الضُّعَفَاء - عَن أَبِيه ، وَلم يسمع مِنْهُ ، عَن العبادلة - عبد الله بن عمر ، وَعبد الله بن عَبَّاس ، وَعبد الله ابن الزبير ، وَعبد الله بن عَمْرو - مَرْفُوعا : التَّاجِر ينْتَظر الرزق ، والمحتكر ينْتَظر اللَّعْنَة الحَدِيث بِطُولِهِ كَذَا وَقع فِيهِ تَسْمِيَة العبادلة .
الحَدِيث السَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من احتكر الطَّعَام أَرْبَعِينَ لَيْلَة فقد برِئ من الله ، وَبرئ الله مِنْهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ أَحْمد فِي مُسْنده وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا بِزِيَادَة : وَأَيّمَا أهل غرصة أصبح فيهم امْرُؤ جَائِع فقد بَرِئت مِنْهُم ذمَّة الله ، وَاعْتذر الْحَاكِم عَن إِخْرَاج هَذَا الحَدِيث فِي كِتَابه بِمَا اعتذر بِهِ فِي الحَدِيث قبله ، وَيُشبه أَن فِي إِسْنَاده أصبغ بن زيد الْجُهَنِيّ مَوْلَاهُم الوَاسِطِيّ ، وَفِيه مقَال ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ثِقَة . وَقَالَ ابْن عدي : لَهُ أَحَادِيث غير مَحْفُوظَة . وسَاق لَهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث هَذَا أَحدهَا ، قَالَ : ولا أعلم رَوَى عَنهُ غير يزِيد بن (هَارُون) ، وَاعْترض عَلَيْهِ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان فَقَالَ : رَوَى عَنهُ عشرَة أنفس . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يُخطئ كثيرا ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ إِذا انْفَرد . وَفِي سَنَد الْحَاكِم أَيْضا عَمْرو بن الْحصين وَهُوَ مَتْرُوك ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح مُعَللا لَهُ بِضعْف أصبغ ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الحَدِيث بِسَبَبِهِ مَوْضُوعا . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : حَدِيث مُنكر و [ أَبُو ] بشر الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده لَا أعرفهُ يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ أصبغ عَنهُ ، لكنه فِي مُسْند أَحْمد (أَبُو بشر بن الزَّاهِرِيَّة) وَكَذَا سَاقه ابْن حزم ، فَكَأنَ صَوَابه أَبُو بشر عَن أبي الزَّاهِرِيَّة ، فَفِي الضُّعَفَاء لِابْنِ الْجَوْزِيّ أَبُو بشر عَن أبي الزَّاهِرِيَّة ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَا شَيْء . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي وَلما أوردهُ ابْن حزم من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ من احتكر طَعَاما أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى آخِره ، قَالَ : إِنَّه لَا يَصح ؛ لِأَن أصبغ بن زيد وَكثير بن مرّة رَاوِيه عَن ابْن عمر مَجْهُولَانِ ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ ، فأصبغ قد رَوَى عَن جمَاعَة (وَعنهُ جمَاعَة) وَقد علمت حَاله ، وَكثير بن مرّة رَوَى عَن جمَاعَة ، وَأرْسل عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعنهُ جمَاعَة ، وَوَثَّقَهُ ابْن سعد وَالنَّاس ، وَأخرج لَهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة .
الحَدِيث الثَّامِن عشر إِن السّعر غلا عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، سعر لنا . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الله هُوَ المسعر الْقَابِض الباسط ، وَإِنِّي لأرجو أَن ألْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أحد مِنْكُم يطلبني بمظلمة بِدَم وَلَا مَال . هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَله طرق : أَحدهَا : من حَدِيث أنس رَضي اللهُ عَنهُ أَن السّعر غلا الحَدِيث ، كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حسن صَحِيح . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر الاقتراح : إِسْنَاده عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ عَن أنس غلا السّعر عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، غلا السّعر فسعر لنا سعرًا . فَقَالَ : إِن الله هُوَ الْخَالِق الْقَابِض الباسط الرازق ، وَإِنِّي لأرجو أَن لَا ألْقَى الله بمظلمة (طلبَهَا أحد) مِنْكُم فِي أهل وَلَا مَال . ثَانِيهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رجلا جَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، سعر . فَقَالَ : بل أَدْعُو ، ثمَّ جَاءَهُ آخر فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، سعر . فَقَالَ : بل الله يخْفض وَيرْفَع ، وَإِنِّي لأرجو أَن ألْقَى الله وَلَيْسَ لأحد عِنْدِي مظْلمَة . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِإِسْنَاد حسن ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ : جَاءَ رجل فَقَالَ : سعر . فَقَالَ : إِن الله يخْفض وَيرْفَع ، وَلَكِنِّي أَرْجُو أَن ألْقَى الله وَلَيْسَ لأحد عِنْدِي مظْلمَة . ثَالِثهَا : من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : غلا السّعر عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : لَو قومت ، يَا رَسُول الله . قَالَ : إِنِّي لأرجو أَن أفارقكم وَلَا يطلبني أحد مِنْكُم بمظلمة ظلمته ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه بِإِسْنَاد جيد ، وَله طَرِيق آخر من حَدِيث عَلّي - كرم الله وَجهه - قَالَ : غلا السّعر بِالْمَدِينَةِ فَذهب أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، غلا السّعر فسعر لنا . فَقَالَ : إِن الله هُوَ الْمُعْطِي وَهُوَ الْمَانِع ، وَإِن لله ملكا اسْمه عمَارَة عَلَى فرس من حِجَارَة الْيَاقُوت ، طوله مد بَصَره يَدُور فِي الْأَمْصَار ، وَيقف فِي الْأَسْوَاق يُنَادي : أَلا ليغلو كَذَا وَكَذَا ، أَلا ليرخص كَذَا وَكَذَا . وَهَذِه الطَّرِيقَة (ضَعِيفَة) ، وَذكرهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . ثمَّ بَين وَجهه ، ثمَّ رَوَاهُ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أنس من طرق أَرْبَعَة إِلَيْهِ (وضعفها كلهَا) .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَن عَائِشَة اشترت بَرِيرَة وَشرط مواليها أَن تعتقها وَيكون ولاؤها لَهُم ، فَلم يُنكر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا شَرط الْوَلَاء ، وَقَالَ : شَرط الله أوثق وَقَضَاء الله أَحَق ، وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا فِي صَحِيحَيْهِمَا ، والرافعي ذكره دَلِيلا لأظهر الْقَوْلَيْنِ ، أَن البيع بِشَرْط الْعتْق صَحِيح ، والْحَدِيث فِيهِ اشْتِرَاط الْوَلَاء لَيْسَ فِيهِ البيع بِشَرْط الْعتْق ، فَلْيتَأَمَّل ذَلِكَ .
الحَدِيث التَّاسِع عشر عَن جَابر رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يبع حَاضر لباد . هَذَا صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث زُهَيْر بن مُعَاوِيَة ، (عَن أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ ، وَزَاد : دعوا النَّاس يرْزق الله) بَعضهم من بعض قَالَ مُسلم : غير أَن رِوَايَة يَحْيَى يُرزق يَعْنِي بِضَم الْيَاء وَالْأُخْرَى بِالْفَتْح ، وَأعله ابْن الْقطَّان بعنعنة أبي الزبير .
الحَدِيث الْعشْرُونَ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مثله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه ، واتفقا أَيْضا عَلَى إِخْرَاجه من حَدِيث أنس وَابْن عَبَّاس ، وَانْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر ، وَمُسلم من حَدِيث جَابر كَمَا سلف .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي بعض الرِّوَايَات فِي آخر الْخَبَر : دعوا النَّاس يرْزق الله بَعضهم من بعض . هَذَا صَحِيح ، وَقد سلف من حَدِيث جَابر عَن صَحِيح مُسلم .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تلقوا الركْبَان للْبيع . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر بِغَيْر إِسْنَاد ، فَقَالَ : وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تتلقوا الركْبَان للْبيع، ثمَّ قَالَ : وَسمعت فِي هَذَا الحَدِيث : فَمن تلقاها فَصَاحب السّلْعَة بِالْخِيَارِ بعد أَن يقدم السُّوق وَله طرق : أَحدهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يتَلَقَّى الركْبَان للْبيع أخرجه مُسلم كَذَلِك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتَلَقَّى الجلب ، وَأخرجه البُخَارِيّ بِلَفْظ : لَا تتلقوا الركْبَان وبلفظ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن التلقي . ثَانِيهَا : عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تتلقوا السّلع حَتَّى يهْبط بهَا الْأَسْوَاق أخرجه البُخَارِيّ كَذَلِك ، وَمُسلم بِلَفْظ : نهَى أَن تتلقى السّلع حَتَّى تبلغ الْأَسْوَاق . ثَالِثهَا : عَن ابْن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ نهَى عَن تلقي الْبيُوع أَخْرجَاهُ أَيْضا . رَابِعهَا : عَن ابْن عَبَّاس نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتَلَقَّى الركْبَان أَخْرجَاهُ أَيْضا ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات أَنه قَالَ : فَمن تلقاها فَصَاحب السّلْعَة بِالْخِيَارِ بعد أَن يقدم السُّوق . قلت : هَذِه الرِّوَايَة ذكرهَا الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر كَمَا أسلفته لَك ، وَرَوَاهَا مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تلقوا الجلب ، فَمن [ تَلقاهُ ] فَاشْتَرَى مِنْهُ ، فَإِذا أَتَى سَيّده السُّوق فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ : نهَى عَن تلقي الجلب ، فَإِن تَلقاهُ متلق فَاشْتَرَاهُ فَصَاحب السّلْعَة بِالْخِيَارِ إِذا ورد السُّوق، ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ : نهَى أَن يتَلَقَّى الجلب ، فَإِن تَلقاهُ إِنْسَان فابتاعه فَصَاحب السّلْعَة فِيهَا بِالْخِيَارِ إِذا ورد السُّوق، ثمَّ قَالَ : حسن غَرِيب . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ مُسلم ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن هَذِه الزِّيَادَة الْوَارِدَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا : فَإِن صَاحب السّلْعَة بِالْخِيَارِ إِذا دخل الْمصر مَا بَينه وَبَين نصف النَّهَار فَقَالَ : لَيْسَ فِي متن الحَدِيث هَذِه الزِّيَادَة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يسوم الرجل عَلَى سوم أَخِيه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك وَلمُسلم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى أَن يستام الرجل عَلَى سوم أَخِيه .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين عَن ابْن عمر مَرْفُوعا مثله . هَذَا الحَدِيث أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من هَذَا الْوَجْه وهو بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ فِي كتاب الرسَالَة : قد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : لا يسوم أحدكُم عَلَى سوم أَخِيه فَإِن كَانَ ثَابتا ، وَلست أحفظه ثَابتا ، فَهُوَ مثل لَا يخْطب أحدكُم عَلَى خطْبَة أَخِيه ، وَلَا يسوم عَلَى سومه إِذا رَضِي البَائِع وَأذن بِأَن يُبَاع قبل البيع حَتَّى لَو بيع لزمَه ، قَالَ : وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَاعَ فِيمَن يزِيد وَبيع من يزِيد سَوْمُ رجلٍ عَلَى سَوْمِ أَخِيه ، وَلَكِن البَائِع لم يرْض السوْم الأول حَتَّى طلب الزِّيَادَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَحَدِيث السّوم قد ثَبت من أوجه سَاقهَا بأسانيده ، وَفِي رِوَايَة ضَعِيفَة لِابْنِ أبي شيبَة من حَدِيث عَلّي نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن السّوم قبل طُلُوع الشَّمْس قَالَ الزّجاج : لِأَنَّهُ وَقت ذكر الله .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَادَى عَلَى قدح وحلس لبَعض أَصْحَابه ، فَقَالَ رجل : هما عليَّ بدرهم . ثمَّ قَالَ آخر : هما عليَّ بِدِرْهَمَيْنِ . فَقَالَ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هما لَك بِدِرْهَمَيْنِ . هَذَا الحَدِيث أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الرسَالَة كَمَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ آنِفا ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث الْأَخْضَر بن عجلَان ، قَالَ : حَدَّثَني أَبُو بكر الْحَنَفِيّ ، عَن أنس بن مَالك أَن رجلا من الْأَنْصَار أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَشَكا إِلَيْهِ الْحَاجة ، فَقَالَ لَهُ : مَا عنْدك شَيْء ؟ فَأَتَاهُ بقدح وحلس ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من يَشْتَرِي هَذَا ؟ فَقَالَ رجل : أَنا آخذهما بدرهم ، قَالَ : من يزِيد عَلَى دِرْهَم ؟ فَسكت الْقَوْم ، فَقَالَ : من يزِيد عَلَى دِرْهَم ؟ فَقَالَ رجل : أَنا آخذهما بِدِرْهَمَيْنِ . فَقَالَ : هما لَك . ثمَّ قَالَ : إِن الْمَسْأَلَة لَا تحل إِلَّا لأحد ثَلَاث : لذِي دم موجع أَو غرم مفظع ، أَو فقر مدقع . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الزَّكَاة من سنَنه من هَذَا الْوَجْه عَن أنس أَن رجلا من الْأَنْصَار أَتَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يسْأَله ، قَالَ : أما فِي بَيْتك شَيْء ؟ فَقَالَ : بلَى حلْس نلبس بعضه ونبسط بعضه ، وَقَعْب نشرب فِيهِ من المَاء . قَالَ : ائْتِنِي بهما . فَأَتَاهُ بهما [ فَأَخذهُمَا ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِيَدِهِ ، وَقَالَ : من يَشْتَرِي هذَيْن ؟ قَالَ رجل : أَنا آخذهما بدرهم . قَالَ : من يزِيد عَلَى دِرْهَم ؟ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ، قَالَ رجل : آخذها بِدِرْهَمَيْنِ . فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاه، ثمَّ سَاق الْبَاقِي أبسط مِمَّا تقدم ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع من هَذَا الْوَجْه مُخْتَصرا بِقصَّة البيع ، وَكَذَا النَّسَائِيّ ، نعم ذكره ابْن عبد الْبر فِي كناه وَلم ينْسبهُ ، وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : لم يَصح حَدِيثه . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي أَبْوَاب التِّجَارَات من سنَنه مطولا بِنَحْوِ لفظ أبي دَاوُد ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث الْأَخْضَر بن عجلَان . قلت : هُوَ (من غَرَائِبه) ، وَقد وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : لَا أرَى بِهِ بَأْسا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : يكْتب حَدِيثه . قَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : وَأَبُو بكر [ رَاوِيه ] عَن أنس لم أجد أحدا ينْسبهُ ، قلت : قد قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه إِنَّه عبد الله الْحَنَفِيّ ، قَالَ ابْن الْقطَّان : وَعبد الله لَا أعرف أحدا نقل عَدَالَته وَهُوَ علّة الْخَبَر وَلذَلِك حسنه التِّرْمِذِيّ . وَتبع الذَّهَبِيّ ابْن الْقطَّان فَقَالَ فِي الْمُغنِي : إِنَّه تَابِعِيّ مَجْهُول . نعم ذكره ابْن عبد الْبر فِي كناه وَلم ينْسبهُ ، وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : لم يَصح حَدِيثه . ثمَّ أعلّه ابْن الْقطَّان بِأَمْر آخر ، فَقَالَ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي علله من حَدِيث مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، عَن الْأَخْضَر ، عَن أبي بكر الْحَنَفِيّ ، [ عَن أنس بن مَالك ] ، عَن رجل من الْأَنْصَار أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بَاعَ حلسًا وَقَدحًا فِيمَن يزِيد، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ : كَذَا قَالَ مُعْتَمر عَن الْأَخْضَر . قَالَ ابْن الْقطَّان : كَأَن أنسا لم يُشَاهد الْقِصَّة [ و ] لم يسمع مَا فِيهَا عَن رَسُول الله فَيكون مَا عَداهَا مُرْسل . فَائِدَة : الحِلَْس بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَإِسْكَان اللَّام وَفتحهَا . حَكَاهَا أَبُو عبيد قَالَ : وأحلاس الْبَيْت مَا يبسط فِيهِ تَحت الثِّيَاب ، وَقد قيل : هُوَ المُرَاد من هَذَا الحَدِيث . قلت : وَقد قيل فِيهِ غير هَذَا كَمَا أوضحته فِي تخريجي أَحَادِيث الْمُهَذّب فَليُرَاجع مِنْهُ ، والجوهري فسره بكساءٍ رَقِيق يكون تَحت برذعة الْبَعِير . قَالَ : وَيُقَال أَيْضا : حَلَس بِفَتْح الْحَاء وَاللَّام .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يبع بَعْضكُم عَلَى بيع بعض . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَذَلِك ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يَبِيع الرجل عَلَى بيع أَخِيه ، أَو يخْطب [ عَلَى خطْبَة أَخِيه ] وَفِي رِوَايَة للنسائي : لَا يَبِيع الرجل عَلَى بيع أَخِيه حَتَّى يبْتَاع أَو يذر وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ : إِلَّا الْغَنَائِم والمواريث وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : لَا يبع بَعْضكُم عَلَى بيع بعض ، وَلَا تلقوا السّلع حَتَّى تهبط الْأَسْوَاق وَأخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يَبِيع الرجل عَلَى بيع أَخِيه وَأخرجه مُسلم من حَدِيث عقبَة بن عَامر .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن النجش . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من هَذَا الْوَجْه ، زَاد مَالك فِي الْمُوَطَّأ : والنجش أَن تعطيه بسلعته أَكثر من ثمنهَا ، وَلَيْسَ فِي نَفسك اشتراؤها فيقتدي بك غَيْرك وَأخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا بِلَفْظ : لَا تناجشوا وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضي اللهُ عَنهم .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تُولَهُ وَالِدَة بِوَلَدِهَا . هَذَا الحَدِيث ذكره صَاحب الْمُهَذّب أَيْضا وَلم يعزه النَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : (إِنَّه يرْوَى عَن أبي سعيد وَهُوَ غير مَعْرُوف قَالَ) : وَفِي ثُبُوته نظر . قلت : وظفرت لَهُ أَنا بطرق أُخْرَى أَحدهَا : من حَدِيث أبي بكر رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تُولَهُ وَالِدَة عَلَى وَلَدهَا ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي أَبْوَاب الْحَضَانَة فِي بَاب الْأُم تزوج فَتسقط حَقّهَا من حضَانَة الْوَلَد وينتقل إِلَى جدته ، وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وحاله مَعْلُومَة سلفت . ثَانِيهَا : من حَدِيث حجاج بن أَرْطَاة ، عَن الزُّهْرِيّ ، يرفعهُ لَا تُولَهُ وَالِدَة عَن وَلَدهَا ، وَلَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع ، وَلَا حَائِل حَتَّى تستبرأ بِحَيْضَة ، رَوَاهُ أَبُو) عبيد فِي غَرِيبه من حَدِيث حجاج بن أَرْطَاة ، عَن الزُّهْرِيّ كَذَلِك مُرْسلا ، وحجاج قد عرفت حَاله فِيمَا مَضَى . ثَالِثهَا : من حَدِيث عَطاء بن نقادة ، نَا عُيَيْنَة بن عَاصِم بن سعد بن نقادة قَالَ : حَدَّثَني أبي ، عَن أَبِيه ، عَن نقادة مَرْفُوعا : لَا توله ذَات ولد فِي وَلَدهَا ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، والْحَدِيث فِيهِ طول اختصرت هَذَا مِنْهُ ، وَعَطَاء هَذَا مَجْهُول ، وَوَقع فِي أقضية ابْن الصّلاح وصف هَذَا الحَدِيث بالثبوت ، فَقَالَ : فِي الحَدِيث الثَّابِت أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تُولَهُ وَالِدَة عَلَى وَلَدهَا فَلَعَلَّهُ ظفر لَهُ بطرِيق صَحِيحَة ، والوله : شدَّة الْحزن .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين عَن أبي أَيُّوب رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا فرق الله بَينه وَبَين أحبته يَوْم الْقِيَامَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من هَذَا الْوَجْه وباللفظ الْمَذْكُور ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قلت : وَفِي إِسْنَاده حييّ بن عبد الله الْمعَافِرِي وَلم يخرج لَهُ مُسلم ، وَقَالَ البُخَارِيّ : فِيهِ نظر . وَقَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه مَنَاكِير ، نعم قَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ ابْن عدي : لَا بَأْس بِهِ إِذا رَوَى عَنهُ ثِقَة . قلت : قد رَوَى هَذَا الحَدِيث عَنهُ عبد الله بن وهب ، قَالَ ابْن الْقطَّان : ولهذه العلّة لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ . قلت : وَله متابع (مَا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي عتبَة ، نَا بَقِيَّة ، نَا خَالِد بن حميد ، عَن الْعَلَاء بن كثير ، عَن أبي أَيُّوب ، قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من فرق بَين الْوَلَد وَأمه فرق الله بَينه وَبَين أحبته يَوْم الْقِيَامَة أَبُو عتبَة أَحْمد بن الْفرج مَحَله الصدْق كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم ، وَتكلم فِيهِ غَيره ، وَقد صرح بَقِيَّة بِالتَّحْدِيثِ ، وخَالِد بن حميد وَثَّقَهُ ابْن حبَان والْعَلَاء صَدُوق لكنه لم يسمع من أبي أَيُّوب ، فَيكون الحَدِيث مُنْقَطِعًا .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ قَالَ : ] : لَا يفرق بَين الْأُم وَوَلدهَا . قيل : إِلَى مَتى ؟ قَالَ : حَتَّى يبلغ الْغُلَام وتحيض الْجَارِيَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن حسان ، نَا سعيد بن عبد الْعَزِيز ، قَالَ : سَمِعت مَكْحُولًا يَقُول : نَا نَافِع بن مَحْمُود بن الرّبيع ، عَن أَبِيه أَنه سمع عبَادَة بن الصَّامِت يَقُول : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يفرق بَين الْأُم وَوَلدهَا ، فَقيل : يَا رَسُول الله ، إِلَى مَتى ؟ قَالَ : حَتَّى يبلغ الْغُلَام وتحيض الْجَارِيَة، ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : عبد الله بن عَمْرو هَذَا هُوَ الواقعي - أَي بِالْعينِ الْمُهْملَة - قَالَ : وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث ، رَمَاه عَلّي بن الْمَدِينِيّ بِالْكَذِبِ ، وَلم يروه عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز غَيره . قلت : وَضَعفه أَيْضا عبد الْحق فِي أَحْكَامه بِعَبْد الله هَذَا ، وَقَالَ : إِنَّه ضَعِيف الحَدِيث . وَخَالف الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي مُسْتَدْركه بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِيه النّظر الْمَذْكُور .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ أَنه فرق بَين جَارِيَة وَوَلدهَا فَنَهَاهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ورد البيع . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث مَيْمُون بن أبي شبيب عَن عَلّي فَذكره . ثمَّ قَالَ : مَيْمُون لم يدْرك عليًّا . وَذكر الْخطابِيّ أَن إِسْنَاده غير مُتَّصِل كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد . وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ : إِسْنَاده صَحِيح . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ أولَى أَن يكون مَحْفُوظًا لِكَثْرَة شواهده . تَنْبِيه : ورد مثل ذَلِكَ فِي الْأَخَوَيْنِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن الحكم ، عَن مَيْمُون بن أبي (شبيب) عَن عَلّي قَالَ : وهب لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غلامين أَخَوَيْنِ فَبِعْت أَحدهمَا ، (فَقَالَ) لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا عَلّي ، مَا فعل غلامك ؟ فَأَخْبَرته ، فَقَالَ : رده ، رده . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب ، وَفِيه نظر ، فَإِن مَدَاره عَلَى الْحجَّاج هَذَا ، وَهُوَ ضَعِيف لَا جرم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : الْحجَّاج لَا يحْتَج بِهِ . قلت : وَلِأَنَّهُ مُرْسل فَإِن ميمونًا لم يدْرك عليًّا كَمَا سلف ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث الحكم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن عَلّي قَالَ : قُدم عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بسبي فَأمرنِي بِبيع أَخَوَيْنِ فبعتهما وَفرقت بَينهمَا ، ثمَّ أتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَخْبَرته فَقَالَ : أدركهما فارتجعهما وبعهما جَمِيعًا وَلَا تفرق بَينهمَا قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث غَرِيب صَحِيح عَلَى شَرط (الشَّيْخَيْنِ) وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : إِنَّهَا أول مَا اعْتمد عَلَيْهَا فِي هَذَا الْبَاب ، وَرُوَاته كلهم ثِقَات . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَرَوَاهُ أَحْمد ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن الحكم ، وَسَعِيد هَذَا لم يسمع من الحكم شَيْئا كَمَا قَالَه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا ، وَرَوَاهُ أَحْمد مرّة عَن سعيد عَن رجل عَن الحكم . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث من هَذِه الطَّرِيق ، أَي من طَرِيق الحكم ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَلّي فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ الحكم ، عَن مَيْمُون ، عَن عَلّي مَرْفُوعا ، فَأَشَارَ أَبُو حَاتِم إِلَى خطأ هَذِه الرِّوَايَة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن الحكم بن عتيبة ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، وَسَعِيد لم يسمع من الحكم شَيْئا ، وَقد أسلفنا هَذَا ، وَرَوَاهُ الْخفاف ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن رجل ، عَن الحكم بِهِ وَهَذَا أسلفناه أَيْضا وَرَوَاهُ جماعات عَن الحكم [ عَن ] مَيْمُون بن [ أبي ] شبيب عَن عَلّي ، قَالَ : وَلَا يمْتَنع أَن يكون الحكم سَمعه مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَرَوَاهُ مرّة عَن هَذَا وَمرَّة عَن هَذَا ، وَرَوَاهُ ابْن أبي لَيْلَى ، عَن الحكم مُرْسلا ، عَن عَلّي . ثمَّ سَاقه ، وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي بن مَيْمُون ، عَن سُلَيْمَان بن (عبيد الله) عَن عبيد الله بن عَمْرو ، عَن زيد بن أبي أنيسَة ، عَن الحكم ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد ، وَسليمَان صدقه أَبُو حَاتِم ، وَقَالَ عبد الْحق : وَقد رُوِيَ عَن عَلّي أَيْضا بِإِسْنَاد آخر وَلَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن الحكم ، وَلم يسمع من الحكم ، وَهَذَا قد أسلفناه غير مرّة من طَرِيق مُحَمَّد بن عبيد الله ، عَن الحكم وَهُوَ ضَعِيف جدًّا ، وَقد رُوِيَ عَن شُعْبَة ، عَن الحكم قَالَ : وَالْمَحْفُوظ حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن الحكم ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن (عَلّي) .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ ( أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع السنين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر رَضي اللهُ عَنهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد الصَّحِيح بِذكر السنين و المعاومة ، وَلَفظ المعاومة فِي التِّرْمِذِيّ أَيْضا ، وَقَالَ : حسن صَحِيح . وَفِي رِوَايَة للنسائي : نهَى عَن بيع الثَّمر سِنِين وَهُوَ مُعْتَبر لسبع سِنِين . وَبيع المعاومة . قَالَ ابْن الْأَثِير : المعاومة بيع النّخل وَالشَّجر المثمر سنتَيْن أَو ثَلَاثًا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع المجر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ يتفرد بِهِ مُوسَى بن عُبَيْدَة . قَالَ يَحْيَى بن معِين : فَأنْكر عَلَى مُوسَى هَذَا ، وَكَانَ من أَسبَاب تَضْعِيفه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَمعه ينْهَى عَن (بيع) المجر فَعَاد الحَدِيث إِلَى رِوَايَة نَافِع ، وَكَأن ابْن إِسْحَاق أَدَّاهُ عَلَى الْمَعْنى . قَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابع عَلَيْهِ إِلَّا من جِهَة فِيهَا ضعف . فَائِدَة : المجر بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْجِيم ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ نقلا عَن أبي عبيد ، عَن أبي زيد : المجر أَن يُبَاع الْبَعِير أَو غَيره بِمَا فِي بطن النَّاقة . وَذكر الرَّافِعِيّ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال : أَنه مَا فِي الرَّحِم ، أَنه مَا فِي الرِّبَا ، أَنه المحاقلة والمزابنة . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : الْمَشْهُور فِي كتب اللُّغَة أَنه اشْتِرَاء مَا فِي بطن النَّاقة خَاصَّة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع العربان . وَيُقَال لَهُ : العربون . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ قَالَ : أَخْبرنِي الثِّقَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن بيع العربان هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأ (عَن) يَحْيَى بن يَحْيَى وَأبي مُصعب الزُّهْرِيّ ، وَمثل هَذَا لَا يحْتَج بِهِ أَصْحَابنَا وَلَا الْجُمْهُور ، وَيُقَال : إِن الثِّقَة هَذَا هُوَ ابْن لَهِيعَة ، حَكَاهُ ابْن عدي ، وَقد رَوَاهُ ابْن وهب ، عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن عَمْرو بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا ، عَن مَالك أَنه بلغه ، عَن عَمْرو ، وَهَذَا أَيْضا مُنْقَطع لَا يحْتَج بِهِ ، قَالَ أَبُو عَمْرو : رَوَاهُ التنيسِي وَغَيره كَذَلِك ، عَن مَالك . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا ، عَن الْفضل بن يَعْقُوب وَهُوَ الرخامي الثِّقَة الْحَافِظ ، عَن حبيب بن أبي حبيب كَاتب الإِمَام مَالك ، عَن عبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ ، (عَن عَمْرو بن شُعَيْب بِهِ ، وحبِيب بن أبي حبيب هَذَا وَعبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ ) ضعيفان بِاتِّفَاق الْمُحدثين ، وَذكر الْبَيْهَقِيّ رِوَايَة مَالك السالفة الَّتِي رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه ، ثمَّ قَالَ : هَكَذَا رَوَى مَالك هَذَا الحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ فَلم يسم رَاوِيه الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ ، قَالَ : وَرَوَاهُ حبيب ، عَن مَالك ، عَن عبد الله بن عَامر ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب . وَقيل : إِنَّمَا رَوَاهُ مَالك ، عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن عَمْرو قَالَه ابْن عدي ، (قَالَ ابْن عدي) : والْحَدِيث عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب مَشْهُور . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ، عَن عَاصِم بن عبد الْعَزِيز ، عَن الْحَارِث ، عَن عَمْرو ، قَالَ : وَعَاصِم هَذَا فِيهِ نظر ، وحبِيب ضَعِيف ، وَعبد الله بن عَامر وَابْن لَهِيعَة لَا يحْتَج بهما ، وَالْأَصْل فِي هَذَا الحَدِيث مُرْسل مَالك . هَذَا آخر كَلَامه فِي سنَنه وَقَالَ فِي مَعْرفَته : بَلغنِي أَن مَالِكًا أَخذه عَن عبد الله بن عَامر ، وَقيل : عَن ابْن لَهِيعَة ، وَقيل : عَن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، قَالَ : وَفِي الْجَمِيع ضعف . قلت : قد قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة : إِن مَالِكًا لم يكن يبلغ من الحَدِيث إِلَّا صَحِيحا ، وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (من رَوَى عَن مَالك) من حَدِيث الْهَيْثَم بن الْيَمَان ، عَن مَالك ، عَن عَمْرو بن الْحَارِث ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب بِهِ . وَأما حَدِيث عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه أبنا الْأَسْلَمِيّ عَن زيد بن أسلم : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن العربان فِي البيع فأحلَّه ، قلت لزيد : مَا العربان ؟ قَالَ : هُوَ الرجل يَشْتَرِي السّلْعَة فَيَقُول : إِن أَخَذتهَا (بهَا) وَإِلَّا رَددتهَا ورددت مَعهَا درهما فَفِي إِسْنَاده مَعَ الْأَسْلَمِيّ الْإِرْسَال .
بَاب تَفْرِيق الصَّفْقَة ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا ، وَهُوَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر فِي بيع الْمُصراة برد الشَّاة ، و(بدل) اللَّبن الْهَالِك . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَسَيَأْتِي فِي بَابه إِن شَاءَ الله .
بَاب الرِّبَا ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث أحد عشر حَدِيثا ، وَمن الْآثَار أثرا وَاحِدًا . الحَدِيث الأول أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعن آكل الرِّبَا وموكله وكاتبه وَشَاهده . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر رَضي اللهُ عَنهُ بِهَذَا اللَّفْظ زَاد وَقَالَ : هم سَوَاء ، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ : لعن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - آكل الرِّبَا وموكله قَالَ مُغيرَة : قلت : لإِبْرَاهِيم : وشاهديه وكاتبه . فَقَالَ : إِنَّمَا نُحدث بِمَا سمعنَا . وَرَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبَان وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالُوا : لعن آكل الرِّبَا وموكله وشاهديه وكاتبه ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ : آكل الرِّبَا وموكله وكاتبه إِذا علمُوا ذَلِكَ ملعونون عَلَى لِسَان مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَوْم الْقِيَامَة ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَذَلِك وَقَالَ : وَشَاهده بِالْإِفْرَادِ كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث مَسْرُوق . قَالَ : قَالَ عبد الله : آكل الرِّبَا وموكله ، وشاهداه إِذا علماه . والواشمة والمتوشمة [ ولاوي الصَّدَقَة ] وَالْمُرْتَدّ أَعْرَابِيًا بعد الْهِجْرَة ملعونون عَلَى لِسَان مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَوْم الْقِيَامَة، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث الْحَارِث بن عبد الله ، عَن ابْن مَسْعُود ، وَزَاد : وكاتبه وَزَاد بعد المتوشمة : لِلْحسنِ وَزَاد و [ لاوي ] الصَّدَقَة . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث الشّعبِيّ ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعن آكل الرِّبَا وموكله الحَدِيث .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن سعد بن أبي وَقاص رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ ، فَقَالَ : أينقص الرطب إِذا يبس ؟ قَالُوا : نعم . قَالَ : فَلَا إِذن وَيروَى فَنَهَى عَن ذَلِكَ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَالْبَزَّار فِي مسانيدهم وَالشَّافِعِيّ أَيْضا فِي السّنَن المأثورة الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَنهُ ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتبه الثَّلَاثَة : السّنَن ، و الْمعرفَة ، و الخلافيات ، وَعَزاهُ غير وَاحِد إِلَى صَحِيح ابْن خُزَيْمَة ، رَوَوْهُ كلهم من حَدِيث أبي عَيَّاش - بِالْمُثَنَّاةِ تَحت وبالشين الْمُعْجَمَة - مولَى بني زهرَة ، وَقيل : بني مَخْزُوم ، واسْمه زيد . قَالَ الإِمَام أَحْمد : ابْن النُّعْمَان . وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد : ابْن الصَّامِت أَنه سَأَلَ سعد بن أبي وَقاص عَن الْبَيْضَاء بالسلت ، فَقَالَ لَهُ سعد : أَيهمَا أفضل ؟ قَالَ : الْبَيْضَاء . فَنَهَاهُ عَن ذَلِكَ ، وَقَالَ سعد : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُسأل عَن اشْتِرَاء التَّمْر بالرطب ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أينقص الرطب إِذا يبس ؟ قَالُوا : نعم ، فَنَهَاهُ عَن ذَلِكَ وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد سمع سعد بن أبي وَقاص يَقُول : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة . وَفِي أُخْرَى لَهُ عَن مولَى لبني مَخْزُوم ، عَن سعد ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نَحوه . وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم عَن أبي عَيَّاش ، قَالَ : تبَايع رجلَانِ عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ببسر وَرطب ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل ينقص الرطب إِذا يبس ؟ قَالُوا : نعم . قَالَ : فَلَا ، إِذن . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي عَيَّاش ، عَن سعد بن مَالك ، قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : عَن الرطب بِالتَّمْرِ ، فَقَالَ أينقص إِذا يبس ؟ قَالُوا : نعم . قَالَ : فَنَهَى عَنهُ . وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن بيع التَّمْر بالرطب ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : أينقص الرطب إِذا (جف) ؟ قَالَ : نعم فَنَهَاهُ عَن ذَلِكَ وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم أَيْضا عَن أبي عَيَّاش أَنه سمع سعد بن أبي وَقاص يَقُول : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح لإِجْمَاع أَئِمَّة النَّقْل عَلَى إِمَامَة مَالك بن أنس ، وَأَنه مُحكم فِي كل مَا يرويهِ من الحَدِيث إِذْ لم يُوجد فِي رواياته إِلَّا الصَّحِيح خُصُوصا فِي حَدِيث أهل الْمَدِينَة (ثمَّ) لمتابعة هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، وَيَحْيَى بن أبي كثير ، و (غَيرهمَا) إِيَّاه فِي رِوَايَته عَن عبد الله بن يزِيد . قَالَ : والشيخان لم يخرجَاهُ لما خشياه من جَهَالَة زيد أبي عَيَّاش . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهِ عبد الله بن [ يزِيد ] وَذكر بدله عمرَان بن أبي أنس ، قَالَ : سَمِعت أَبَا عَيَّاش يَقُول : سَأَلت سعد بن أبي وَقاص عَن اشْتِرَاء السلت بِالتَّمْرِ ، فَقَالَ سعد : أبينهما فضل ؟ قَالُوا : نعم . قَالَ : لَا يصلح . وَقَالَ سعد : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن اشْتِرَاء الرطب بِالتَّمْرِ ، فَقَالَ : أبينهما فضل ؟ قَالُوا : نعم الرطب ينقص . قَالَ : فَلَا يصلح قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله وَقد سُئِلَ عَنهُ من حَدِيث أبي عَيَّاش زيد ، عَن سعد بن أبي وَقاص ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه نهَى عَن بيع التَّمْر بالرطب : هَذَا حَدِيث يرويهِ عبد الله بن يزِيد مولَى الْأسود بن سُفْيَان ، عَن زيد أبي عَيَّاش ، وَاخْتلف عَنهُ فِي لَفظه ؛ فَرَوَاهُ مَالك بن أنس وَدَاوُد بن حُصَيْن وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان وَأُسَامَة بن زيد اللَّيْثِيّ ، عَن عبد الله بن يزِيد ، عَن أبي عَيَّاش ، عَن سعد أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع التَّمْر بالرطب ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بن أبي كثير عَن عبد الله بن يزِيد بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَقَالَ فِيهِ : إِن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ [ نَسِيئَة ] وَلم يقل ذَلِكَ ، الْآخرُونَ عَن عبد الله بن يزِيد ؛ وَرَوَاهُ عمرَان بن أبي أنس عَن مولَى [ لبني ] مَخْزُوم ، لم يسمه عَن سعد نَحْو قَول يَحْيَى بن أبي كثير . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : رَوَى يَحْيَى بن أبي كثير هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة عبد الله بن عَيَّاش ، عَن سعد ، قَالَ : (وَيُقَال) : إِن عبد الله هَذَا هُوَ أَبُو عَيَّاش الَّذِي قَالَه مَالك ، وَأَن يَحْيَى بن أبي كثير أَخطَأ فِي اسْمه بِلَا شكّ ، وَفِي مَوضِع إِذا شكّ فِيهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن عبد الله بن يزِيد ، عَن زيد أبي عَيَّاش . قَالَ : وَرَوَاهُ عبد الله بن جَعْفَر الْمَدِينِيّ ، عَن مَالك ، عَن دَاوُد بن الْحصين ، عَن عبد الله بن يزِيد . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ عَلّي بن عبد الله : وَسَمَاع أبي ، عَن مَالك قديم قبل أَن يسمعهُ هَؤُلَاءِ ، فأظن أَن مَالِكًا كَانَ علقه أَولا ، عَن دَاوُد بن الْحصين ، عَن عبد الله بن يزِيد ثمَّ سَمعه من عبد الله بن يزِيد فَحدث بِهِ قَدِيما ، عَن دَاوُد ثمَّ نظر فِيهِ فصححه ، عَن عبد الله بن يزِيد وَترك دَاوُد بن الْحصين . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، عَن عبد الله بن يزِيد ، وَمن رِوَايَة يَحْيَى بن أبي كثير عَنهُ ، عَن أبي عَيَّاش ، عَن سعد قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ نَسِيئَة قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : خَالف يَحْيَى بن أبي كثير مَالك وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان وَأُسَامَة بن زيد ، رَوَوْهُ عَن عبد الله بن يزِيد وَلم يَقُولُوا فِيهِ نَسِيئَة واجتماع هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة عَلَى خلاف مَا قَالَه يَحْيَى يدل عَلَى ضبطهم للْحَدِيث ، وَفِيهِمْ إِمَام حَافظ وَهُوَ مَالك بن أنس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : والعلّة المنقولة (فِي) هَذَا الْخَبَر تدل عَلَى خطأ هَذِه اللَّفْظَة . قَالَ : وَقد رَوَاهُ عمرَان بن أبي أنس عَن أبي عَيَّاش نَحْو رِوَايَة الْجَمَاعَة . فَذكرهَا بِإِسْنَادِهِ ، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث عبد الله بن وهب ، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن عبد الله بن أبي سَلمَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن رطب بِتَمْر ، فَقَالَ : أينقص الرطب إِذا يبس ؟ قَالُوا : نعم . قَالَ : فَلَا يُبَاع رطب بيابس قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُرْسل جيد شَاهد لما تقدم . قلت : فقد ظهر صِحَة حَدِيث سعد (بِطرقِهِ) وشواهده ومتابعاته وَللَّه الْحَمد ، وَقد طعن فِيهِ بَعضهم ، قَالَ عبد الْحق : اخْتلف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث ، وَيُقَال : إِن زيدا أَبَا عَيَّاش هَذَا مَجْهُول ، وَتبع فِي ذَلِكَ أَبَا مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ قَالَ فِي الرسَالَة الَّتِي لَهُ فِي إبِْطَال الْقيَاس : هَذَا حَدِيث لَا يَصح لجَهَالَة أبي عَيَّاش . وَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ أَن أَبَا عَيَّاش لَا يعرف ، وَذكر الِاخْتِلَاف الَّذِي وَقع فِي الحَدِيث ثمَّ قَالَ : فَبَان بِحَمْد الله فَسَاد هَذَا الحَدِيث إِسْنَادًا ومتنًا وَأَنه لَا حجَّة فِيهِ عَلَى من خَالفه من أبي حنيفَة وَمن تَابعه . قلت : ومدار تَضْعِيف من ضعفه عَلَى جَهَالَة أبي عَيَّاش ، وَأول من رده بذلك أَبُو حنيفَة . قَالَ : هُوَ مَجْهُول ؛ لما سُئِلَ عَن هَذِه الْمَسْأَلَة عِنْد دُخُوله بَغْدَاد ، وَقَالَ الطَّبَرِيّ فِي تهذيبه : علل هَذَا الْخَبَر بِأَن زيدا تفرد بِهِ ، وَهُوَ غير مَعْرُوف فِي نَقله الْعلم . وَالْجَوَاب عَن ذَلِكَ أَن أَبَا عَيَّاش لَيْسَ بِمَجْهُول بل هُوَ مَعْرُوف ، رَوَاهُ عَنهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَهُوَ لَا يروي إِلَّا عَن ثِقَة ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثِقَات التَّابِعين وَقَالَ : رَوَى عَن سعد بن أبي وَقاص ، وَرَوَى عَنهُ عبد الله بن يزِيد مولَى الْأسود بن سُفْيَان ، وَذكره فِي صَحِيحه من جِهَته ، وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم كَمَا سلف ، وَقَالَ الصريفيني عَن الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّه ثِقَة ثَبت . وَأخرجه عَنهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كَمَا سلف ، وَقد علم شدَّة تحريه فِي الرِّجَال واجتهاده حَتَّى لقب بِإِمَام الْأَئِمَّة ، وَانْفَرَدَ بذلك من بَين أقرانه ، قَالَ الْخطابِيّ : قد تكلم بعض النَّاس فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ : زيد أَبُو عَيَّاش رَاوِيه ضَعِيف ، و (مثل هَذَا الحَدِيث عَلَى أصل الشَّافِعِي لَا يجوز أَن يحْتَج بِهِ) . قَالَ : وَلَيْسَ الْأَمر عَلَى مَا توهمه ، وَأَبُو عَيَّاش هَذَا هُوَ مولَى لبني زهرَة مَعْرُوف ، وَقد ذكره مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَهُوَ لَا يروي عَن رجل مَتْرُوك الحَدِيث بِوَجْه ، هَذَا من شَأْن مَالك ، وعادته مَعْلُومَة . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : إِن قيل : قد قَالَ أَبُو حنيفَة زيد أَبُو عَيَّاش مَجْهُول ، قُلْنَا : إِن كَانَ هُوَ لَا يعرفهُ فقد عرفه أهل النَّقْل ، فَذكر رِوَايَته التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وصححاها ، وَذكره مُسلم فِي كتاب الكنى وَقَالَ : سمع من سعد ، وَرَوَى عَنهُ عبد الله بن يزِيد . وَذكره ابْن خُزَيْمَة فِي رِوَايَة الْعدْل ، عَن الْعدْل ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي مُخْتَصره لسنن أبي دَاوُد : حُكيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ : زيد أَبُو عَيَّاش مَجْهُول ، قَالَ : وَكَيف يكون مَجْهُولا ؟ وَقد رَوَى عَنهُ اثْنَان ثقتان : عبد الله بن يزِيد مولَى الْأسود بن سُفْيَان ، وَعمْرَان بن أبي أنس ، وهما مِمَّن احْتج (بهما) مُسلم فِي صَحِيحه وَقد عرفه أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن ، هَذَا الإِمَام مَالك قد أخرج حَدِيثه فِي موطئِهِ مَعَ شدَّة تحريه فِي الرِّجَال ، ونقده ، وتتبعه لأحوالهم ، وَالتِّرْمِذِيّ قد أخرج حَدِيثه وَصَححهُ ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم ، وَذكره مُسلم فِي الكنى وَذكر أَنه سمع من سعد وَكَذَا الْكَرَابِيسِي فِي كناه أَيْضا ، وَذكره أَيْضا النَّسَائِيّ فِي كناه . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَمَا علمت أحدا طعن فِيهِ . وَهُوَ كَمَا (قَالَ) . قَالَ ابْن عبد الْبر فِي استذكاره و تمهيده : وَقد قيل : إِن زيدا أَبَا عَيَّاش هَذَا هُوَ أَبُو عَيَّاش الزرقي ، واسْمه عِنْد طَائِفَة من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ زيد ابن الصَّامِت ، وَقيل : زيد بن نعْمَان ، وَهُوَ من صغَار الصَّحَابَة ، وَمِمَّنْ حفظ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَرَوَى عَنهُ ، وَشهد بعض مشاهده ، وَلذَلِك جعله صَاحب الْمغرب من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ المطرزي أَنه هُوَ الَّذِي تكلم فِيهِ أَبُو حنيفَة ، وأحال الطَّحَاوِيّ أَن يكون هُوَ الزرقي قَالَ : لِأَنَّهُ من جملَة الصَّحَابَة وَلم (يُدْرِكهُ) عبد الله بن يزِيد ، وَأَبُو عَيَّاش عَاشَ إِلَى زمن مُعَاوِيَة بعد الْأَرْبَعين ، وَقيل بعد الْخمسين . وأعلّه بَعضهم بِوَجْه آخر فَقَالَ : إِنَّه تضمن مَا لَا يُمكن نسبته إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الِاسْتِفْهَام (عَمَّا) لَا يخْفَى . وَهَذَا عَجِيب من قَائِله ، فَالْحَدِيث لَفظه لفظ اسْتِفْهَام ، وَمَعْنَاهُ التَّقْرِير والتنبيه لينبه عَلَى ثَلَاثَة : الحكم وعلته ليعتبروها فِي نظائرها وَأَخَوَاتهَا ، وَذَلِكَ أَنه لَا يجوز أَن يخْفَى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلَام أَن الرطب ينقص إِذا يبس فَيكون سُؤال تعرف واستفهام ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَجْه الَّذِي ذكرته وَهَذَا كَقَوْل جرير : ألستم خير من ركب المطايا وأندى الْعَالمين بطُون رَاح وَلَو كَانَ استفهامًا لم يكن فِيهِ (مدح) وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنْتُم خير من ركب المطايا ، وَهَذَا جَوَاب الْخطابِيّ والاستفهام بِمَعْنى التَّقْرِير كثير ، مَوْجُود فِي الْقُرْآن الْعَظِيم فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى ) و ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) إِلَى آخر ذَلِكَ . فَائِدَة : قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : الْبَيْضَاء الرطب من السلت باليابس من السلت . وَفِي الغريبين : السلت حب بَين الْحِنْطَة وَالشعِير لَا قشر لَهُ . وَفِي الصِّحَاح : أَنه ضرب من الشّعير لَيْسَ لَهُ قشر ، كَأَنَّهُ الْحِنْطَة . وَفِي الْمُجْمل : أَنه ضرب من الشّعير ، رَقِيق القشرة ، صغَار الْحبَّة .
الحَدِيث الثَّانِي رَوَى الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر أبنا عبد الْوَهَّاب ، عَن أَيُّوب ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن مُسلم بن يسَار ، وَرجل آخر عَن عبَادَة بن الصَّامِت رَضي اللهُ عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب (وَلَا الْوَرق بالورق ، وَلَا الْبر بِالْبرِّ ، وَلَا الشّعير بِالشَّعِيرِ) ، وَلَا التَّمْر بِالتَّمْرِ ، وَلَا الْملح بالملح إلاّ سَوَاء بِسَوَاء ، عينا بِعَين ، يدا بيد ، وَلَكِن بيعوا الذَّهَب بالورق ، وَالْوَرق بِالذَّهَب ، وَالشعِير بِالْبرِّ ، وَالْبر بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْر بالملح ، وَالْملح بِالتَّمْرِ يدا بيد كَيفَ شِئْتُم قَالَ الشَّافِعِي : وَنقص أَحدهمَا : التَّمْر أَو الْملح وَزَاد الآخر : فَمن زَاد أَو اسْتَزَادَ فقد أَرْبَى . هَذَا صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي كَمَا ترَى فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، وَرَوَاهُ أَيْضا فِي كِتَابه السّنَن المأثورة الَّتِي رَوَاهَا الْمُزنِيّ عَنهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة و السّنَن ، وَهُوَ فِي صَحِيح مُسلم من أَفْرَاده من حَدِيث أبي قلَابَة ، عَن أبي الْأَشْعَث ، عَن عبَادَة بِلَفْظ : الذَّهَب بِالذَّهَب ، وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ ، وَالْبر بِالْبرِّ ، وَالشعِير بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ ، وَالْملح بالملح مثلا بِمثل سَوَاء بِسَوَاء ، يدا بيد ، فَإِذا اخْتلفت هَذِه (الْأَجْنَاس) فبيعوا كَيفَ شِئْتُم إِذا كَانَ يدا بيد وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أَيُّوب ، عَن أبي قلَابَة ، قَالَ : كنت بِالشَّام فِي حَلقَة فِيهَا مُسلم بن يسَار فجَاء أَبُو الْأَشْعَث فَحدث عَن عبَادَة نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع الذَّهَب بِالذَّهَب . إِلَى أَن ذكر الْأَصْنَاف السِّتَّة وَزَاد : إِلَّا سَوَاء بسواءٍ عينا بِعَين ، فَمن زَاد أَو ازْدَادَ فقد أَرْبَى . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه أَيْضا بِلَفْظ : الذَّهَب بِالذَّهَب تِبْرها وعينها ، وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ تِبْرها وعينها ، والبُرُّ بالبِّر (مُدْيٌ بُمدْيٍ) وَالشعِير بِالشَّعِيرِ (مُديٌ بمُديٍ) ، وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ (مُديٌ بمديٍ) وَالْملح بالملح (مُديٌ بمديٍ) فَمن زَاد أَو ازْدَادَ فقد أَرْبَى ، وَلَا بَأْس بِبيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ ، وَالْفِضَّة أكثرهما يدا بيد ، وأمَّا النَّسِيئَة فَلَا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي آخر حَدِيث عبَادَة فبيعوا كَيفَ شِئْتُم إِذا كَانَ يدا بيد . قلت : هَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا مُسلم كَمَا أسلفته لَك ، قَالَ فِي أثْنَاء الْبَاب ، وَفِي رِوَايَة بعد ذكر النَّقْدَيْنِ وَغَيرهمَا إلَّا يدا بيد قلت : قد سلفت أَيْضا . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : فِي هَذَا الرجل الْمُبْهم فِي رِوَايَة الشَّافِعِي أَرْبَعَة أَقْوَال (أَحدهَا :) عبد الله بن عبيد . قَالَه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَيُقَال : ابْن عَتيق ، وَيُقَال : ابْن عتِيك . ثَانِيهَا : عبد الله بن عبيد الله الْمَعْرُوف بِابْن هُرْمُز . حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن بعض الشَّارِحين وَأَرَادَ بِهِ ابْن دَاوُد . ثَالِثهَا : عبيد الله (الْمدنِي) حَكَاهُ القَاضِي حُسَيْن . رَابِعهَا : أَبُو الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَفِيه نظر ؛ لِأَن الْبَيْهَقِيّ قَالَ فِي الْمعرفَة : زَعَمُوا أَن مُسلم بن يسَار لم يسمعهُ من عبَادَة نَفسه ، إِنَّمَا سَمعه من أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ ، عَن عبَادَة قَالَ : والْحَدِيث ثَابت من هَذَا الْوَجْه مخرج فِي كتاب مُسلم وَجزم فِي سنَنه بِهَذِهِ الْمقَالة . ثَانِيهَا : قَوْله : وَنقص أَحدهمَا التَّمْر [ أَو ] الْملح يَعْنِي أحد الرجلَيْن وَلم يبين الَّذِي نقص (مِنْهُمَا) كَأَنَّهُ شكّ مِنْهُ ، وَشك أَيْضا فِي أَن مَا نَقصه التَّمْر أَو الْملح ، قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب . وَقَوله : وَزَاد الآخر يَعْنِي الَّذِي لم ينقص . وَقَوله : فَمن زَاد أَو اسْتَزَادَ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحدهَا : أَنه شكّ آخر من الشَّافِعِي . (ثَانِيهَا) : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تلفظ بهما جَمِيعًا ، وَأَرَادَ بقوله زَاد : أعْطى الزِّيَادَة ، وَبِقَوْلِهِ اسْتَزَادَ أَخذ الزِّيَادَة أَو طلبَهَا ، وَشبه ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : الراشي والمرتشي فِي النَّار حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ . [ ثَالِثهَا ] : أَن هَذَا من بَاب بكر وابتكر ، وَأَنه للتَّأْكِيد حَكَاهُ القَاضِي عَن بَعضهم . التَّنْبِيه الثَّالِث : التبر الْمَذْكُور فِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِيهِ اضْطِرَاب لأهل اللُّغَة ، كَمَا ذكرته فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث التَّاسِع عَن فضَالة بن عبيد ، قَالَ : أُتي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ بِخَيْبَر بقلادة فِيهَا خرز وَذهب وَهِي من الْغَنَائِم تبَاع بِالذَّهَب ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالذَّهَب الَّذِي فِي القلادة فَنزع وَحده ، ثمَّ قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الذَّهَب بِالذَّهَب وزنا بِوَزْن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ وَلم يقل فِيهِ تبَاع ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ : (رُوِيَ) لَا يُبَاع مثل هَذَا حَتَّى يفصل ويميز قلت : هَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا مُسلم فِي صَحِيحه أَيْضا ، وَهَذَا لَفظه : اشْتريت (يَوْم) خَيْبَر قلادة بِاثْنَيْ عشر دِينَارا . فِيهَا ذهب وخرز ففصلتها ، فَوجدت فِيهَا أَكثر من اثْنَي عشر دِينَارا ، فَذكرت ذَلِكَ للنَّبِي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : لَا تبَاع حَتَّى تُفَصَّل وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد بِإِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم أُتِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام خَيْبَر بقلادة فِيهَا ذهب وخرز ابتاعها رجل بِتِسْعَة دَنَانِير أَو بسبعة دَنَانِير ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا ، حَتَّى (تميز بَينه وَبَينه ، فَقَالَ : إِنَّمَا أردْت الْحِجَارَة . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا ، حَتَّى) تميز بَينهمَا . قَالَ : فَرده حَتَّى يُمَيّز بَينهمَا وَأغْرب صَاحب التَّتِمَّة فعزاها إِلَى مُسلم ، وَعَزاهَا إِلَى مُسلم أَيْضا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَإِن مُرَاده أصل الحَدِيث ، وطرق هَذَا الحَدِيث للطبراني فِي مُعْجَمه الْكَبِير من وُجُوه كَثِيرَة فَفِي بَعْضهَا قلادة فِيهَا ذهب وخرز وَفِي بَعْضهَا خرز وَذهب وَفِي بَعْضهَا فِيهَا ذهب وجوهر ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : الْجَوْهَر عَلَى حِدة ، وَالذَّهَب عَلَى حِدة وَفِي بَعْضهَا : بقلادة فِيهَا خرز معلقَة بِذَهَب وَاعْلَم أَنه قد جَاءَ فِي بعض رِوَايَات هَذَا الحَدِيث أَن القلادة أبيعت بِتِسْعَة دَنَانِير أَو سَبْعَة دَنَانِير ، وَجَاء فِي بَعْضهَا اثْنَي عشر دِينَارا كَمَا سلف ، وَأجَاب الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن هَذَا الِاخْتِلَاف ، بِأَن قَالَ : سِيَاق هَذِه الْأَحَادِيث مَعَ عَدَالَة رواتها يدل عَلَى أَنَّهَا كَانَت بيوعًا شَهِدَهَا فضَالة كلهَا وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينْهَى عَنْهَا ، فأدَّاها كلهَا .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الراشي والمرتشي فِي النَّار . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجم شُيُوخه ، عَن أَحْمد ابن سهل بن أَيُّوب ، ثَنَا عَلّي بن بَحر ، ثَنَا هِشَام بن يُوسُف ، أبنا ابْن جريج ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، عَن ابْن [ عَمْرو ] قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الراشي والمرتشي فِي النَّار، ثمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يروه من حَدِيث ابْن جريج إلاّ عَلّي بن بَحر ، عَن هِشَام . قلت : وَإِسْنَاده جيد قَالَ : لَا أعلم بِهِ بَأْسا ، والْحَارث لم يرو عَنهُ غير ابْن أبي ذِئْب ، وَحَكَى عَنهُ الفضيل بن عِيَاض وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْن معِين : مَشْهُور . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَفِي آخر كتاب الْفَضَائِل من صَحِيح الْحَاكِم ، من حَدِيث الْحسن بن بشر بن [ سلم ] ثَنَا سَعْدَان بن الْوَلِيد ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ولي عَلَى عشرَة فَحكم بَينهم أَحبُّوا أَو كَرهُوا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة (يَده) مغلولة إِلَى عُنُقه ، فَإِن حكم بِمَا أنزل الله وَلم يرتش فِي حكمه وَلم يحف فك الله عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة ، يَوْم لَا ظلّ إلاّ ظله ، وَإِن حكم بِغَيْر مَا أنزل الله وارتشى فِي حكمه وحابى شدت يسَاره إِلَى يَمِينه ، ثمَّ رمي بِهِ فِي جَهَنَّم فَلم يبلغ قعرها خَمْسمِائَة عَام قَالَ الْحَاكِم : سَعْدَان بن الْوَلِيد البَجلِيّ كُوفِي قَلِيل الحَدِيث لم يخرجَا عَنهُ . قلت : وَالْحسن بن بشر من رجال البُخَارِيّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره : صَدُوق . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن خرَاش : مُنكر الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الصُّبْرَة من التَّمْر لَا يعلم (مكيلها) بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى من التَّمْر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر رَضي اللهُ عَنهُ بِهَذَا اللَّفْظ ، وَأغْرب الْحَاكِم فاستدركه ، وَقَالَ إثره : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَهُوَ فِيهِ سندًا ومتنًا ، وَلما أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن شَيْخه الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ . قَالَ عقبَه : رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه .
الحَدِيث الرَّابِع عَن معمر بن عبد الله قَالَ : كنت أسمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : الطَّعَام بِالطَّعَامِ مثلا بِمثل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث معمر بن عبد الله بن نَافِع بِهَذَا اللَّفْظ ، وَفِيه قصَّة حذفهَا الرَّافِعِيّ وَهِي : أَنه أرسل غُلامه بِصَاع قَمح فَقَالَ : بِعْهُ ثمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا ، فَذهب الْغُلَام ، فَأخذ صَاعا وَزِيَادَة بعض صَاع ، فَلَمَّا جَاءَ معمر أخبرهُ بذلك ، فَقَالَ لَهُ معمر : لم فعلت ذَلِكَ ؟ انْطلق فَرده ، وَلَا تأخذن إلاّ مثلا بِمثل ، فَإِنِّي كنت أسمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : الطَّعَام بِالطَّعَامِ مثلا بِمثل ، وَكَانَ طعامنا يومئذٍ الشّعير . قيل لَهُ : فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمثلِهِ . قَالَ : إِنِّي أَخَاف أَن يضارع .
الحَدِيث السَّابِع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر عَامل خَيْبَر أَن يَبِيع الْجمع بِالدَّرَاهِمِ ، ثمَّ يبْتَاع بهَا جنيبًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتعْمل رجلا عَلَى خَيْبَر فَجَاءَهُمْ بِتَمْر جنيب ، فَقَالَ : أكل تمر خَيْبَر هَكَذَا ؟ قَالَ : إِنَّا لنأخذ الصَّاع بالصاعين (والصاعين) بِالثَّلَاثَةِ . قَالَ : لَا تفعل ، بِعْ الْجمع بِالدَّرَاهِمِ ، ثمَّ ابتع بِالدَّرَاهِمِ جنيبًا . وَقَالَ فِي الْمِيزَان مثل ذَلِكَ وَلمُسلم عَن أبي سعيد : كُنَّا نبيع تمر الْجمع صَاعَيْنِ بِصَاع من تمر الجنيب ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : لَا صاعي تمر بِصَاع تمر ، وَلَا صاعي حِنْطَة بِصَاع حِنْطَة وَلَا دِرْهَمَيْنِ بدرهم . فَائِدَة : الجنيب - بجيم مَفْتُوحَة ، ثمَّ نون مَكْسُورَة ، ثمَّ مثناة تَحت ، ثمَّ بَاء مُوَحدَة - وَهُوَ نوع من التَّمْر أَعْلَاهُ ، وَعبارَة الرَّافِعِيّ أَنه أجوده . وَالْجمع - بِفَتْح الْجِيم وَإِسْكَان الْمِيم - وَهُوَ تمر رَدِيء ، قَالَ ابْن الْأَثِير : هُوَ تمر رَدِيء مختلط من أَنْوَاع مُتَفَرِّقَة من التمور وَلَيْسَ مرغوبًا فِيهِ لما فِيهِ من الِاخْتِلَاط وَمَا يخلط إِلَّا لرداءته ، فَإِنَّهُ مَتى كَانَ نوعا جيدا أفرد عَلَى حِدته ليرغب فِيهِ . وَقَالَ الْهَرَوِيّ : كل نوع من النّخل لَا يعرف اسْمه فَهُوَ جمع ، يُقَال : كثر الْجمع فِي أَرض بني فلَان . وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي هَذِه الْمقَالة حَيْثُ قَالَ : الْجمع كل لون من التَّمْر لَا يعرف لَهُ اسْم . فَائِدَة ثَانِيَة : هَذَا الرجل الَّذِي اسْتعْمل عَلَى خَيْبَر هُوَ : سَواد بن غزيَّة فِيمَا قَالَه الْخَطِيب فِي مبهماته ، وَقيل : مَالك بن صعصعة ، وَحَكَى مجلى الأول عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَأَنه أَخُو بني عَوْف من الْأَنْصَار شهد بَدْرًا وأحدًا والمشاهد كلهَا ، لَهُ صُحْبَة .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الذَّهَب بِالذَّهَب وزنا بِوَزْن ، وَالْبر بِالْبرِّ كَيْلا بكيل . هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِهَذَا اللَّفْظ بإسنادٍ صَحِيح من رِوَايَة أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ أَنه شَاهد عبَادَة يحدث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : الذَّهَب بِالذَّهَب وزنا بِوَزْن ، وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ وزنا بِوَزْن ، وَالْبر بِالْبرِّ كَيْلا بكيل ، وَالشعِير بِالشَّعِيرِ (كَيْلا) بكيل ، وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ ، وَالْملح بالملح ، فَمن زَاد أَو اسْتَزَادَ فقد أَرْبَى ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه بِإِسْنَاد صَحِيح بِلَفْظ : الذَّهَب بِالذَّهَب تبره وعينه وزنا بِوَزْن ، وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ تبره وعينه وزنا بِوَزْن ، وَالْملح بالملح وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالْبر بِالْبرِّ وَالشعِير بِالشَّعِيرِ (كَيْلا بكيل) ، فَمن زَاد أَو ازْدَادَ فقد أَرْبَى . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَمَا سلف فِي الحَدِيث الثَّانِي .
الحَدِيث السَّادِس عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أَشْتَرِي بَعِيرًا ببعيرين إِلَى (أجل) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة عَن ابْن إِسْحَاق ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن مُسلم بن جُبَير ، عَن أبي سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن حريش ، عَن عبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمره أَن يُجهز جَيْشًا فنفدت الْإِبِل ، فَأمره أَن يَأْخُذ فِي قلاص الصَّدَقَة فَكَانَ يَأْخُذ الْبَعِير بالبعيرين إِلَى إبل الصَّدَقَة سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد ، وَمُسلم بن جُبَير ، وَعَمْرو بن حريش لَا أعلم حَالهمَا ، وَلما ذكره عبد الْحق قَالَ : هَذَا الحَدِيث يرويهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَقد اخْتلف عَلَيْهِ فِي إِسْنَاده قَالَ : والْحَدِيث مَشْهُور . وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَيْهِ ، فَقَالَ : هَذَا قَول تبع غَيره - يَعْنِي يَحْيَى بن معِين - والشهرة لَا تَنْفَعهُ ، فَإِن الضَّعِيف [ قد ] يشْتَهر ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرب . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَمَا تقدم ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن إِسْحَاق أَيْضا ، عَن أبي سُفْيَان ، عَن مُسلم ، عَن عَمْرو بن حريش ، قَالَ : سَأَلت ابْن (عَمْرو) ، رَوَاهُ (جرير) بن حَازِم ، عَن ابْن إِسْحَاق فأسقط يزِيد بن أبي حبيب ، وَقدم أَبَا سُفْيَان عَلَى مُسلم . قلت : وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ، وَرَوَاهُ عَفَّان ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، فَقَالَ فِيهِ : عَن ابْن إِسْحَاق ، عَن يزِيد ، عَن مُسلم ، عَن عَمْرو أَنه قَالَ لِابْنِ عَمْرو ، رَوَاهُ عبد الْأَعْلَى ، عَن ابْن إِسْحَاق ، عَن أبي سُفْيَان ، عَن مُسلم بن كثير ، عَن عَمْرو بن حريش فَذكره ، رَوَاهُ عَن عبد الْأَعْلَى أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، فأسقط يزِيد بن أبي حبيب ، وَقدم أَبَا سُفْيَان ، وَقَالَ مُسلم بن كثير بدل ابْن أبي حبيب ، قَالَ ابْن القطَّان : وَبعد هَذَا الِاضْطِرَاب فعمرو بن حريش مَجْهُول الْحَال ، وَمُسلم بن جُبَير : لم أجد لَهُ (ذكرا) وَلَا أعلمهُ فِي غير هَذَا الْإِسْنَاد ، وَكَذَلِكَ مُسلم بن كثير مَجْهُول الْحَال أَيْضا إِذا كَانَ [ عَن ] أبي سُفْيَان وَأَبُو سُفْيَان فِيهِ نظر ، وَذَلِكَ أَنه بِحَسب هَذَا الِاضْطِرَاب تَارَة يروي عَن ابْن إِسْحَاق وَتارَة يروي ابْن إِسْحَاق عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن مُسلم بن جُبَير ، وَتارَة أَبُو سُفْيَان (عَن) مُسلم بن كثير ، وَذكره ابْن أبي حَاتِم ، فَقَالَ : أَبُو سُفْيَان مُسلم بن كثير ، عَن عَمْرو بن حريش ، رَوَى عَنهُ ابْن إِسْحَاق . فبحسب هَذَا الِاضْطِرَاب فِيهِ لم يتَحَصَّل من أمره شَيْء يجب أَن يعْتَمد عَلَيْهِ ، وَلَكِن مَعَ هَذَا فَإِن عُثْمَان الدَّارمِيّ قَالَ : قلت لِابْنِ معِين : ابْن إِسْحَاق ، عَن أبي سُفْيَان مَا حَال أبي سُفْيَان هَذَا ؟ فَقَالَ : ثِقَة مَشْهُور . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِيهِ : عَن مُسلم بن كثير ، عَن عَمْرو بن حريش ، هَذَا حَدِيث مَشْهُور . فَالله أعلم إِن (كَانَ) الْأَمر هَكَذَا ، وَقد اسْتَقل تَعْلِيل الحَدِيث بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ لَا يَصح . هَذَا آخر كَلَام ابْن الْقطَّان ، وَقد عنعن ابْن إِسْحَاق فِي هَذَا الحَدِيث ، فَمن لَا يرَى الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَّا إِذا صرح بِالْحَدِيثِ أعلّه بِهِ . وأمّا الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد إِسْنَادًا ومتنًا ، إِلَّا أَنه قَالَ : من بدل فِي، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . وَقد أسلفنا غير مرّة أَن مُسلما لم يخرج لَهُ اسْتِقْلَالا ، وَإِنَّمَا أخرج لَهُ مُتَابعَة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و خلافياته : اخْتلفُوا عَلَى مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي إِسْنَاده ، وَحَمَّاد بن سَلمَة أحْسنهم سِيَاقَة لَهُ ، قَالَ : وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح ، فَذكره من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمره أَن يُجهز جَيْشًا ، قَالَ عبد الله : وَلَيْسَ عندنَا ظهر ، قَالَ : فَأمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبْتَاع ظهرا إِلَى خُرُوج الْمُصدق ، فَابْتَاعَ عبد الله الْبَعِير بالبعيرين والأبعرة إِلَى خُرُوج الْمُصدق . وَكَذَا قَالَ فِي خلافياته : لَهُ شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح فَذكره . فَائِدَة : القِلاص - بِكَسْر الْقَاف - جمع قُلُص ، والقُلُص جمع قَلُوص ، وَهِي النَّاقة الشَّابَّة ، ذكره الْجَوْهَرِي وَغَيره ، وَقَوله : فِي قلاص الصَّدَقَة كَذَا هُوَ فِي سنَن أبي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ و المعجم الْكَبِير للطبراني ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : من قلاص الصَّدَقَة بدل (فِي) وَمَعْنَاهَا : السّلف عَلَى إبل الصَّدَقَة إِلَى أجل مَعْلُوم .
الحَدِيث الْحَادِي عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك عَن زيد بن سَالم ، عَن سعيد ابن الْمسيب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَهَذَا مُرْسل كَمَا ترَى وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله من حَدِيث القعْنبِي ، عَن مَالك بِهِ ، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تذنيبه : وَقَوي هَذَا مَعَ إرْسَاله فَإِن الصَّحَابَة عمِلُوا بِهِ ، ودرجوا عَلَيْهِ . قلت : وَرُوِيَ مُسْندًا من حَدِيث سهل بن سعد وَابْن (عمر) رَضي اللهُ عَنهما ، أما حَدِيث سهل فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ، ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ يزِيد بن مَرْوَان ، عَن مَالك ، عَن الزُّهْرِيّ عَنهُ ، وَلم يُتَابع عَلَيْهِ ، وَصَوَابه مَا فِي الْمُوَطَّأ : عَن زيد ، عَن سعيد مُرْسلا . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : رَوَاهُ يزِيد بن مَرْوَان هَكَذَا وَغلط فِيهِ ، وَالصَّحِيح مَا فِي الْمُوَطَّأ يَعْنِي مُرْسلا . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : هَذِه الطَّرِيق لَا ترضي . قَالَ يَحْيَى بن معِين : يزِيد ابن مَرْوَان كَذَّاب . ووهاه ابْن حبَان أَيْضا . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده بِلَفْظ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن بيع الْحَيَوَان بِاللَّحْمِ ، رَوَاهُ من حَدِيث ثَابت بن زُهَيْر ، عَن نَافِع عَنهُ ، وثابت هَذَا ضَعَّفُوهُ ، وَالصَّحِيح فِي هَذَا الحَدِيث الْإِرْسَال كَمَا صرح بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا ، قَالَ عبد الْحق : الصَّحِيح أَن هَذَا الحَدِيث مُرْسل كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله ، قَالَ : وَلَا أعلمهُ مُسْندًا إِلَّا من حَدِيث ثَابت ابن زُهَيْر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر . قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : ثَابت هَذَا مُنكر الحَدِيث ضَعِيف لَا يشْتَغل بِهِ . وَذكر الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : حَدِيث مَالك شَاهدا لحَدِيث الْحسن ، عَن سَمُرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الشَّاة بِاللَّحْمِ قَالَ : وَهُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد ، رُوَاته عَن آخِرهم أَئِمَّة حفاظ ثِقَات . قَالَ : وَقد احْتج البُخَارِيّ بالْحسنِ ، عَن سَمُرَة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه، ثمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح . قَالَ : وَمن أثبت سَماع الْحسن الْبَصْرِيّ من سَمُرَة عدَّه مَوْصُولا ، وَمن لم يُثبتهُ فَهُوَ مُرْسل جيد انْضَمَّ إِلَى مُرْسل سعيد بن الْمسيب وَالقَاسِم بن أبي (بزَّة) ، وَقَول أبي بكر الصّديق يَعْنِي الْآتِي . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه .
وَأما أَثَره : فَهُوَ مَا رُوِيَ أَن جزورًا نحرت عَلَى عهد أبي بكر رَضي اللهُ عَنهُ فجَاء رجل بعناق ، فَقَالَ : أعطوني جزورًا . فَقَالَ أَبُو بكر : لَا يصلح هَذَا ذكره الْمُزنِيّ تلو خبر سعيد بن الْمسيب ، فَقَالَ : وَعَن ابْن عَبَّاس أَن جزورًا نحرت عَلَى عهد أبي بكر ، فجَاء رجل بعناق فَقَالَ : أعطوني إِلَى آخِره كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم عَن ابْن أبي يَحْيَى ، عَن صَالح مولَى التوأمة ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن أبي بكر الصّديق أَنه كره بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ ، وَرَوَاهُ فِي الْقَدِيم ، عَن رجل ، عَن صَالح مولَى التوأمة ، عَن ابْن عَبَّاس أَن جزورًا نحرت عَلَى عهد أبي بكر فجَاء رجل بعناق ، فَقَالَ : أعطوني جزورًا بِهَذِهِ العناق . فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق : لَا يصلح هَذَا قَالَ : فَلم يرو فِي هَذَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شَيْء ، كَانَ قَول أبي بكر الصّديق فِيهِ مِمَّا لَيْسَ لنا خِلَافه ؛ لأَنا لَا نعلم أَن أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ بِخِلَافِهِ ، وإرسال سعيد بن الْمسيب .
الحَدِيث الْخَامِس عَن جَابر قَالَ : كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا نرَى بذلك بَأْسا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالشَّافِعِيّ فِي السّنَن المأثورة ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمَا من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول : كُنَّا نبيع سرارينا أُمَّهَات الْأَوْلَاد ، وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَيّ لَا يرَى بذلك بَأْسا ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ : فَلم يُنكر ذَلِك علينا ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي ، عَن ابْن جريج ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر بن عبد الله : كُنَّا نبيع سرارينا وَأُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ حَيّ بَين أظهرنَا وَلَا يُنكر ذَلِك علينا ، فَقَالَ : حَدِيث مُنكر ، وَالْحسن بن زِيَاد ضَعِيف الحَدِيث لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون . وَعزا عبد الْحق حَدِيث جَابر هَذَا إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ ، وَلم يُوجد فِي سنَنه فَتنبه لَهُ . وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى [ عهد ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح . قلت : فِيهِ نظر ؛ فَإِن فِي إِسْنَاده زيد الْعمي ، وحاله مَعْلُومَة بالضعف ، لَا جرم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ : زيد الْعَمي لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَلما ذكره الْعقيلِيّ من حَدِيثه قَالَ : الْمَتْن يرْوَى عَن غير زيد الْعمي بِإِسْنَاد جيد . وَأَشَارَ إِلَى حَدِيث جَابر السالف ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث جَابر قَالَ : بعنا أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأبي بكر ، فَلَمَّا كَانَ عمر نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْأَحَادِيث أَنه عَلَيْهِ السَّلَام علم بذلك وأقرهم بذلك عَلَيْهِ . قلت : لَكِن قد جَاءَ فِي حَدِيث جَابر : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اطلع عَلَى ذَلِك ونهاهم عَنهُ ، فروَى أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، عَن مُعَاوِيَة بن هِشَام ، عَن أَيُّوب ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، عَن جَابر قَالَ : كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَين أظهرنَا ثمَّ ذكر أَنه زجر عَن بيعهنَّ ، وَكَانَ عمر يشْتَد فِي بيعهنَّ . لَكِن [ قَالَ ] عبد الْحق : أَيُّوب ضَعِيف ، إِلَّا أَن أَبَا حَاتِم قَالَ : كتاب أَيُّوب عَن يَحْيَى صَحِيح . قَالَ الْخطابِيّ : وَيحْتَمل أَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد كَانَ مُبَاحا فِي أول الْإِسْلَام ، ثمَّ نهَى عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام آخر حَيَاته ، وَلم يشْتَهر ذَلِك النَّهْي إِلَى زمَان عمر ، فَلَمَّا بلغ عمر النَّهْي نَهَاهُم . وَقَالَ الرَّافِعِيّ : إِن الزبير خَالف فِي ذَلِك ، لَكِن يُقَال : إِن الصَّحَابَة اتَّفقُوا عَلَى أَنه لَا يجوز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي عهد عمر وَعُثْمَان . قَالَ : ومشهور عَن عَلّي أَنه قَالَ : اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن ، ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك أَن أبيعهن . فَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي : إِنَّك مَعَ رَأْي عمر أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك . فَيُقَال : إِنَّه رَجَعَ عَن ذَلِك . وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَاد جيد ، وَكَذَا أثر ابْن الزبير . تمّ الْكتاب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب ، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب ، وَله الْحَمد أَولا وآخرًا ظَاهرا وَبَاطنا حمدًا كثيرا طيبا مُبَارَكًا ، حمدًا يوافي نعمه ، ويكافئ مزيده ، كَمَا يحب رَبنَا ويرضى ، حمدًا دَائِما بدوامه بَاقِيا بِبَقَائِهِ ، وَأفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام والتحية وَالْإِكْرَام عَلَى عَبده وَرَسُوله مُحَمَّد خير الْأَنَام ، ومصباح الظلام ، وَعَلَى آله وَصَحبه البررة الْكِرَام ، وَعَلَى إخوانه من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَسَائِر عباد الله الصَّالِحين من أهل السَّمَاوَات والْأَرضين ، وَغفر لنا ولوالدينا ، وَلمن كتب لأَجله ، وَلمن نظر فِيهِ ، ولكاتبه من الْمُسلمين ، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل ، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم ، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين . فرغ من كِتَابَته فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا أولد الرجل أمته وَمَات عَنْهَا فَهِيَ حرَّة . هَذَا الحَدِيث رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد ، وَقَالَ : لَا يبعن وَلَا يوهبن وَلَا يورثن ، يسْتَمْتع بهَا سَيِّدهَا مَا دَامَ حيًّا ، فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَكَذَا رَوَاهُ عبد الله بن دِينَار فغلط فِيهِ ، حَيْثُ رَفعه إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ وهم لَا يحل ذكره ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : إِن وَقفه هُوَ الصَّحِيح . وَكَذَا قَالَ عبد الْحق : إِن هَذَا يرْوَى من قَول ابْن عمر ، وَإنَّهُ لَا يَصح مُسْندًا . وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب : إِن الْمَحْفُوظ وَقفه عَلَى ابْن عمر أَن عمر قَضَى بذلك . وَكَذَا رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ . وَذكر هَذَا الحَدِيث ابْن الْقطَّان فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ضعفها عبد الْحق وَهِي عِنْده حَسَنَة أَو صَحِيحَة وَقَالَ : رُوَاته كلهم ثِقَات . قَالَ : وَعِنْدِي أَن الَّذِي أسْندهُ ثِقَة خير من الَّذِي أوقفهُ . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : الْمَعْرُوف فِيهِ الْوَقْف عَلَى عمر ، وَالَّذِي رَفعه ثِقَة ، قيل : وَلَا يَصح مُسْندًا .
الحَدِيث الرَّابِع عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أم الْوَلَد لَا تبَاع وتعتق بِمَوْت سَيِّدهَا . هَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الثَّانِي ، وَقد تقدم بَيَانه ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن أم الْوَلَد فَقَالَ : يسْتَمْتع بهَا حَيَاته ، فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا أصل لَهُ .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي جَارِيَة : أعْتقهَا وَلَدهَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث أبي بكر النَّهْشَلِي - وَقد أخرج لَهُ مُسلم وَوَثَّقَهُ جمَاعَة - عَن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد بن عَبَّاس ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : ذكرت أم إِبْرَاهِيم عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أعْتقهَا وَلَدهَا ، وَقد سلف قَرِيبا تَضْعِيف حُسَيْن هَذَا . قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : رَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن مَاجَه ، عَن أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ ، عَن أبي عَاصِم ، عَن أبي بكر النَّهْشَلِي ، عَن حُسَيْن بِهِ . قَالَ : وَقيل : إِن الصَّوَاب أَبُو بكر بن عبد الله بن أبي سُبْرَة . وَقد سلف قَول الْبَيْهَقِيّ فِيهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله . قَالَ : وَرَوَاهُ سعيد بن كُلَيْب ، وَعبد الله بن سَلمَة بن أسلم ، عَن حُسَيْن بن عبد الله كَمَا رَوَاهُ ابْن أبي سُبْرَة . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي حُسَيْن ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس وَتفرد بِهِ زِيَاد بن أَيُّوب [ وَزِيَاد ] ثِقَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَلِحَدِيث عِكْرِمَة عِلّة عَجِيبَة [ بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ ] ثمَّ ذكر عَن [ سعيد ابن ] مَسْرُوق عَن عِكْرِمَة ، عَن عمر ، قَالَ : أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سقطا ، وَعَن خصيف ، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ عمر ، فَذكر نَحوه ، ثمَّ قَالَ : فَعَاد الحَدِيث عَلَى عمر ، ثمَّ جعله الصَّحِيح ، وَلقَائِل أَن يَقُول : هما قضيتان مُخْتَلِفَتَانِ لفظا وَمَعْنى ، رَوَى عِكْرِمَة إِحْدَاهَا مَرْفُوعَة ، وَالْأُخْرَى مَوْقُوفَة وَلَا تعلل إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لأم إِبْرَاهِيم : أعتقك ولدك قَالَ : هَذَا مُنْقَطع . قلت : وَضَعِيف . وَرَوَاهُ ابْن حزم عَن ابْن عبد الْبر ، ثَنَا عبد الْوَارِث بن سعيد ، نَا قَاسم بن أصبغ ، نَا مُصعب بن مُحَمَّد ، ثَنَا عبيد الله بن عمر - هُوَ الرقي - عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : لما ولدت مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أعْتقهَا وَلَدهَا ، كَذَا نَقله عبد الْحق فِي الْأَحْكَام الْكُبْرَى ، وَقد أَخطَأ فِيهِ فِي موضِعين نبه عَلَيْهِمَا ابْن الْقطَّان أَحدهمَا : فِي قَوْله : عبد الْوَارِث بن سعيد ، وَإِنَّمَا هُوَ ( ابْن سُفْيَان ) . ثَانِيهمَا : فِي قَول مُصعب بن مُحَمَّد ، وَفَسرهُ بِأَنَّهُ القرقساني ، وَقَالَ فِيهِ : هُوَ ضَعِيف كَانَ فِيهِ غَفلَة . وَهَذَا كُله خطأ ؛ القرقساني لَيْسَ لَهُ ذكر هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي كتاب قَاسم بن أصبغ هَكَذَا نَا مُحَمَّد ، عَن مُصعب [ فمحمد ] هُوَ ابْن وضاح ، وَمصْعَب [ هُوَ ] ابْن سعيد المصِّيصِي وَهُوَ أَيْضا يضعف ، وَهَذَا الحَدِيث من هَذَا الطَّرِيق قَالَ : إِسْنَاده ثِقَات ، لَا جرم صَححهُ ابْن حزم ، وَقَالَ فِي كتاب البيع : صَحِيح السَّنَد ، وَقَالَ هُنَا : هَذَا خبر جيد السَّنَد كل رُوَاته ثِقَات . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وروينا عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - توفّي وَلم يتْرك دِينَارا وَلَا درهما وَلَا عبدا وَلَا أمة ، وَفِي ذَلِك دلَالَة [ أَنه ] لم يتْرك أم إِبْرَاهِيم أمة ، وَإِنَّمَا أعتقت بِمَوْتِهِ بِمَا تقدم من حُرْمَة الِاسْتِيلَاد .
كتاب أُمَّهَات الأولاد كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ خَمْسَة أَحَادِيث : أَحدهَا عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَيّمَا امْرَأَة ولدت من سَيِّدهَا فَهِيَ حرَّة عَن دبر مِنْهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَاللَّفْظ للْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ : بعد مَوته بدل عَلَى دبر مِنْهُ ، وَلَفظ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ : أَيّمَا رجل ولدت أمته مِنْهُ فَهِيَ مُعتقة عَن دبر ، وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ : من ولدت مِنْهُ أمته فَهِيَ حرَّة من بعد مَوته . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَيّمَا امْرَأَة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا إِذا مَاتَ حرَّة إِلَّا أَن يعتقها قبل مَوته وَلَفظ أَحْمد : من وطئ أمته فَولدت لَهُ فهي مُعتقة عَن دبر قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : فِيهِ نظر ؛ فَإِن فِي إِسْنَاده الْحُسَيْن بن عبد الله الْهَاشِمِي قد ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه تشبه بَعْضهَا بَعْضًا ، يكْتب حَدِيثه ، لم أجد فِي حَدِيثه مُنْكرا جَاوز الْمِقْدَار ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : ضعَّفه أَكثر [ أَصْحَاب ] الحَدِيث . وَضَعفه أَيْضا عبد الْحق فِي أَحْكَامه . وَقَالَ الْحَاكِم : وَقد تَابعه أَبُو بكر بن أبي سُبْرَة الْقرشِي ، عَن حُسَيْن بن عبد الله ، ثمَّ عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لأم إِبْرَاهِيم حِين ولدت : أعْتقهَا وَلَدهَا . قلت : هَذِه مُتَابعَة تزيد الحَدِيث تضعيفًا ؛ فَإِن ابْن أبي سُبْرَة أَيْضا ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره ، وَفِي إِسْنَاد رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة : ضَعِيف ومجهول ، أما الضَّعِيف فَهُوَ أَبُو يُونُس عبد الله بن عبد الله بن أبي عَامر الْقرشِي الأصبحي التَّيْمِيّ الْمَدِينِيّ . قَالَ أَحْمد وَيَحْيَى : ضَعِيف الحَدِيث ، وَقَالَ يَحْيَى مرّة أُخْرَى : لَيْسَ بِثِقَة ، كَانَ يسرق الحَدِيث ، وَقَالَ مرّة : لَا بَأْس بِهِ ، وَقَالَ مرّة : صَدُوق ، وَلَيْسَ بِحجَّة ، وَضَعفه عَلّي ، وَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : هُوَ صَالح الحَدِيث ، وَقَالَ الفلاس : فِيهِ ضعف ، وَهُوَ عِنْدهم من أهل الصدْق . وَأما الْمَجْهُول فَهُوَ عبيد الله بن يَحْيَى الرهاوي ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : وَلَا يعرف حَاله . وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : أم الْوَلَد حرَّة وَإِن كَانَ سقطا ، وَهِي ضَعِيفَة ، ضعفها عبد الْحق ، وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ : وَالصَّحِيح أَنه من قَول عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمكَاتب عبدٌ مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم . هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا بعد هَذَا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده بِلَفْظ : مَا بَقِي عَلَيْهِ من كِتَابَته دِرْهَم ، وَذكره بِلَفْظ قنّ بدل عبد ، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور بِاللَّفْظِ الأول ، ومداره عَلَى عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده . وَلكنه رُوِيَ من طرق مُتَكَلم فِي بَعْضهَا ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِاللَّفْظِ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن سُلَيْمَان بن سليم الْكِنَانِي ، عَنهُ . وَإِسْمَاعِيل هَذَا فِيهِ مقَال ، لَكِن قَالَ أَحْمد : مَا رَوَى عَن الشاميين فَهُوَ صَحِيح . وَسليمَان هَذَا الَّذِي رَوَى عَنهُ حمصي ، فَالْحَدِيث إِذن صَحِيح ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة : إِنَّه حَدِيث حسن . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عَبَّاس الْجريرِي عَنهُ بِلَفْظ : أَيّمَا عبد كَاتب عَلَى مائَة أُوقِيَّة فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ فَهُوَ عبد ، وَأَيّمَا عبد كَاتب عَلَى مائَة دِينَار فأداها إِلَّا عشرَة دَنَانِير فَهُوَ عبد . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث الْعَلَاء الْجريرِي عَنهُ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث عَبَّاس الْجريرِي بِلَفْظ : أَيّمَا عبد كُوتِبَ عَلَى ألف أوقيه فاداها [ إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ فَهُوَ عبد ، وَأَيّمَا مكَاتب كُوتِبَ عَلَى مائَة دِينَار فأداها ] إِلَّا عشرَة دَنَانِير فَهُوَ عبد ، ثمَّ قَالَ : هَذَا [ حَدِيث ] صَحِيح الْإِسْنَاد . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم فِي صَحِيحه عَن عمر بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي ، نَا عَمْرو بن عُثْمَان ، نَا الْوَلِيد ، عَن ابْن جريج ، أَخْبرنِي عَطاء ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي أَنه قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنَّا نسْمع مِنْك أَحَادِيث أفتأذن لنا أَن نكتبها ؟ قَالَ : نعم . فَكَانَ أول مَا كتب كتاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أهل مَكَّة : لَا يجوز شَرْطَانِ فِي بيع وَاحِد ، وَلَا بيع وَسلف جَمِيعًا ، وَلَا بيع مَا لم يضمن ، وَمن كَانَ مكَاتبا عَلَى مائَة دِرْهَم فقضاها [ إِلَّا عشرَة دَرَاهِم فَهُوَ عبد ، أو على مائَة أُوقِيَّة فقضاها ] إِلَّا أُوقِيَّة فَهُوَ عبد . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَنهُ مَرْفُوعا وَلَفْظهمَا : أَيّمَا عبد كُوتِبَ عَلَى مائَة أُوقِيَّة فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ ، ثمَّ عجز فَهُوَ رَقِيق ، ثمَّ قَالَ النَّسَائِيّ : حجاج ضَعِيف لَا يحْتَج بحَديثه . وَرَوَاهُ أَحْمد من هَذِه الطَّرِيق ، وَاللَّفْظ إِلَّا أَنه قَالَ : فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ فَهُوَ رَقِيق وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي أنيسَة عَنهُ وَلَفظه : عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخْطب يَقُول : من كَاتب عَبده عَلَى مائَة أُوقِيَّة فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ - أَو قَالَ عشرَة دَرَاهِم - ثمَّ عجز فَهُوَ رَقِيق ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي التَّذْكِرَة : يَحْيَى هَذَا كَذَّاب . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن حبَان السالف عَمَّن رَوَاهُ ، عَن عَمْرو بن عُثْمَان بِهِ : يَا رَسُول الله ، إِنَّا نسْمع مِنْك أَحَادِيث فتأذن لنا أَن نكتبها ؟ قَالَ : نعم . فَكَانَ أول مَا كتب كتاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى أهل مَكَّة : لَا يجوز شَرْطَانِ فِي بيع وَاحِد ، وَلَا بيع وَسلف ، وَلَا بيع مَا لم يضمن ، وَمن كَانَ مكَاتبا عَلَى مائَة دِرْهَم فقضاها إِلَّا عشرَة دَرَاهِم فَهُوَ عبد ، أَو عَلَى مائَة أُوقِيَّة فقضاها إِلَّا أُوقِيَّة فَهُوَ عبد . قَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَهُوَ عِنْدِي خطأ ، وَقَالَ ابْن حزم : عَطاء هَذَا هُوَ الْخُرَاسَانِي ، وَلم يسمع من عبد الله بن عَمْرو . وَكَذَلِكَ قَالَ عبد الْحق . طَرِيق آخر : رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عمر مَرْفُوعا : الْمكَاتب مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم ذكره من حَدِيث عبد الْبَاقِي بن قَانِع - وَقَالَ : رَاوِي الْكَذِب - عَن مُوسَى بن زَكَرِيَّا ، عَن عَبَّاس بن مُحَمَّد ، عَن أَحْمد بن يُونُس ، عَن هشيم ، عَن جَعْفَر بن إِيَاس ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر فَذكره ثمَّ قَالَ : هَذَا خبر مَوْضُوع بِلَا شكّ لم نعرفه قطّ من حَدِيث عَبَّاس بن مُحَمَّد ، وَلَا من حَدِيث أَحْمد بن يُونُس [ وَلَا من حَدِيث هشيم وَلَا ] من حَدِيث جَعْفَر بن إِيَاس ، وَلَا من حَدِيث نَافِع ، وَلَا من حَدِيث ابْن عمر ، إِنَّمَا يعرف من قَول ابْن عمر وَغَيره ، وَلَا يُدْرَى من مُوسَى بن زَكَرِيَّا أَيْضا . وَقد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ إِلَى معبد الْجُهَنِيّ ، عَن عمر بن الْخطاب قَالَ : الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم ، ثمَّ قَالَ ابْن حزم : وَرُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان ، وَجَابِر ، وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ : الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم ، ثمَّ قَالَ : وَلَا يَصح عَن أحد مِنْهُم ؛ لِأَنَّهُ [ عَن ] عمر من طَرِيق الْحجَّاج بن أَرْطَاة - وَهُوَ هَالك - عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسل ، [ و ] من طَرِيق مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي وَهُوَ مثله أَو دونه . وَعَن سعيد بن الْمسيب من طَرِيق ابْن عمر مُرْسل . وَمن طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ أَن عمر . وَمن طَرِيق ابْن وهب عَن رجال من أهل [ الْعلم ] أَن عمر ، وَعُثْمَان ، وَجَابِر بن عبد الله . وَالَّتِي عَن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ من طَرِيق عمر بن قيس سندل ، وَهُوَ ضَعِيف ، [ وَهُوَ عَن أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ من طَرِيق أبي معشر المدني وَهُوَ ضَعِيف ] لكنه صَحِيح عَن زيد بن ثَابت ، وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ، وَابْن عمر . انْتَهَى . قلت : قد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قتادة ، عَن معبد الجهني ، عَن عمر قَالَ : الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق فَهَذِهِ طَريقَة صَحِيحَة لم يذكرهَا ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور ، نَا هشيم ، عَن خَالِد ، عَن أبي قلَابَة قَالَ : كن أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يحتجبن من مكَاتب مَا بَقِي عَلَيْهِ دِينَار . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : قَالَ الشَّافِعِي : لَا أعلم أحدا رَوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده الْمُتَقَدّم - إِلَّا عَمْرو بن سعيد . قَالَ : وَعَلَى هَذَا فتيا الْمُفْتِينَ . قَالَ : وَلم أر من رضيت من أهل الْعلم يثبت هَذَا الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الشَّافِعِي إِنَّمَا ذكر هَذَا الحَدِيث مُنْقَطِعًا ، وَقد رَوَيْنَاهُ من أوجه مَوْصُولا عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكرهَا . قلت : وَقد علمت أَنه رُوِيَ من غير طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب ، فَإِن عمر رَوَاهُ أَيْضا . ثَانِيهَا : وَقع فِي أَحْكَام الْمجد بن تَيْمِية أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه النَّسَائِيّ ، وَقد عجبت مِنْهُ فَهُوَ فِيهِ فِي هَذَا الْبَاب - أَعنِي كتاب الْعتْق - من طرق كَثِيرَة منتشرة كَمَا سلف ، وَلم يعزه ابْن الْأَثِير فِي جَامعه إِلَيْهِ ، وَهُوَ من شَرطه أَيْضا . ثَالِثهَا : قَالَ ابْن الْقطَّان فِي [ كِتَابه ] أَحْكَام النّظر : وَصَحَّ حَدِيث عَلّي وَابْن عَبَّاس : الْمكَاتب يعْتق مِنْهُ بِقدر مَا أَدَّى ، ويقام عَلَيْهِ الْحَد بِقدر مَا عتق مِنْهُ ، وَيَرِث بِقدر مَا عتق مِنْهُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيّ . قلت : وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . ذكره من طرق . وَقَالَ ابْن حزم : هما فِي غَايَة الصِّحَّة . قَالَ ابْن الْقطَّان : فَإِن قيل : حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي مَرْفُوعا : أَيّمَا عبد كَاتب عَلَى مائَة أُوقِيَّة الحَدِيث يُعَارضهُ . قُلْنَا : لم يَصح ؛ فَإِنَّهُ مُنْقَطع الْإِسْنَاد . هَذَا لَفظه ، وَحكمه عَلَيْهِ بالانقطاع الْمُطلق لَيْسَ بجيد ، فَإِن بعض طرقه مُتَّصِل صَحِيح كَمَا سلف .
الْأَثر الثَّالِث : عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : الْكِتَابَة عَلَى نجمين . وَهَذَا إِن صَحَّ نَص .
الْأَثر الرَّابِع : عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : يحط عَن الْمكَاتب قدر ربع كِتَابَته . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن جريج ، عَن عَطاء بن السَّائِب الثَّقَفِيّ ، عَن [ أبي ] عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ قَالَ : ربع الْكِتَابَة ، قَالَ ابْن جريج : أَخْبرنِي غير وَاحِد عَن عَطاء أَنه كَانَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث لَا يذكر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيقين [ أُخْرَيَيْنِ ] عَن عَلّي مَوْقُوفا وَقَالَ : حَدِيث ابْن جريج خطأ ، وَالصَّوَاب مَوْقُوف . وَرَوَاهُ الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا عَلَى عَلّي [ و ] مَرْفُوعا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : الصَّحِيح رِوَايَة الْوَقْف . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْحَاكِم : رِوَايَة الرّفْع صَحِيحَة الْإِسْنَاد ، وَقَالَ عبد الْحق بعد أَن رَوَاهُ عَن النَّسَائِيّ مَرْفُوعا : هَذَا يرويهِ ابْن جريج ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، وَيُقَال : إنه لم يسمع مِنْهُ إِلَّا بعد الِاخْتِلَاط ، ( وَالصَّوَاب ) مَوْقُوف عَلَى عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
الْأَثر الْخَامِس : عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَنه كَاتب عبدا لَهُ عَلَى خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم ، وَحط عَنهُ [ خمسة ] آلَاف - سُبع خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ هَكَذَا .
الْأَثر السَّادِس : عَن أبي سعيد المَقْبُري قَالَ : اشترتني امْرَأَة من بني لَيْث بسوق ذِي الْمجَاز بسبعمائة دِرْهَم ، ثمَّ قدمت الْمَدِينَة فكاتبتها عَلَى أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم ، فأديت إِلَيْهَا عَامَّة ذَلِك . قَالَ : ثمَّ حملت مَا بَقِي إِلَيْهَا فَقلت : هَذَا مَالك فاقبضيه . قَالَت : لَا وَالله حَتَّى آخذه مِنْك شهرا بِشَهْر وَسنة بِسنة . فَخرجت إِلَى عمر بن الْخطاب فَذكرت ذَلِك ، فَقَالَ عمر : ادفعه إِلَى بَيت المَال . ثمَّ بعث إِلَيْهَا فَقَالَ : هَذَا مَالك فِي بَيت المَال . وَعتق أَبُو سعيد ، فَإِن شِئْت فَخذي شهرا بِشَهْر وَسنة بِسنة . قَالَ : فَأرْسلت فَأَخَذته . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَادِهِ إِلَى سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه فَذكره بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَمن السّنَن للبيهقي نقلته ، فَإِن الإِمَام الرَّافِعِيّ أَشَارَ إِلَيْهِ وَلم يذكرهُ بِلَفْظِهِ ، فذكرناه بِكَمَالِهِ .
وَأما آثاره فزائدة عَلَى سِتَّة : أَحدهَا : اشْتهر عَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قولا وفعلاً - الْكِتَابَة عَلَى نجمين . هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ ذَلِك من فعل عُثْمَان وَابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم .
الثَّانِي : عَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه غضب عَلَى عبدٍ لَهُ ، فَقَالَ : لأعاقبنك ولأكاتبنك عَلَى نجمين . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مُسلم بن أبي مَرْيَم عَن رجل قَالَ : كنت مَمْلُوكا لعُثْمَان . قَالَ : بَعَثَنِي عُثْمَان فِي تِجَارَة فَقدمت عَلَيْهِ فَأَحْمَد ولايتي . قَالَ : فَقُمْت بَين يَدَيْهِ ذَات يَوْم ، فَقلت : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، أَسأَلك الْكِتَابَة . فقطب عَلّي ، قَالَ : فَقَالَ : نعم ، وَلَوْلَا آيَة فِي كتاب الله مَا فعلت ، لأكاتبنك عَلَى مائَة ألف عَلَى أَن تعدها لي فِي عدتين ، وَالله لَا أغضك مِنْهَا درهما . قَالَ : فَخرجت من عِنْده فلقيني الزبير بن الْعَوام فَقَالَ : مَا الَّذِي أرَى بك ؟ قلت : كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بَعَثَنِي فِي تِجَارَة [ فَقدمت ] عَلَيْهِ ، وَأحمد ولايتي إِلَيْهِ ، فَقلت : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، أَسأَلك الْكِتَابَة . قَالَ : فقطب فَقَالَ : نعم ، وَلَوْلَا أَنه فِي كتاب الله مَا فعلت ، أكاتبك عَلَى مائَة ألف عَلَى أَن تعدها لي فِي عدتين ، وَالله لَا أغضك مِنْهَا درهما . قَالَ : فَانْطَلق . قَالَ : فردني إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، فلَان كاتبته ؟ قَالَ : فقطب وَقَالَ : نعم ، وَلَوْلَا أَنه فِي كتاب الله مَا فعلت ، أكاتبه عَلَى مائَة ألف أَن يعدها لي فِي عدتين ، وَالله لَا أغضه مِنْهَا درهما ، قَالَ : فَغَضب الزبير فَقَالَ : بِاللَّه لَأُمثلَن بَين يَديك ، فَإِنَّمَا أطلب إِلَيْك حَاجَة تحول دونهَا يَمِين . قَالَ : فَضرب - لَا أَدْرِي قَالَ : كَتِفي أَو عضدي - ثمَّ قَالَ : كَاتبه . قَالَ : فكاتبته فَانْطَلق بِي الزبير إِلَى أَهله فَأَعْطَانِي مائَة ألف ، ثمَّ قَالَ : انْطلق فاطلب فِيهَا من فضل الله ، فَإِن غلبك أَمر فأد إِلَى عُثْمَان مَاله مِنْهَا . قَالَ : فَانْطَلَقت فطلبت فِيهَا من فضل الله ، فأديت إِلَى عُثْمَان مَاله ، وَإِلَى الزبير مَاله ، وَفضل فِي يَدي ثَمَانُون ألفا .
الحَدِيث الثَّالِث حَدِيث بَرِيرَة : أَنَّهَا استعانت بعائشة فِي كتَابَتهَا ، فَقَالَت : إِن باعوك وَيكون لي الْوَلَاء صببت لَهُم [ ثمنك ] صبًّا . فراجعتهم فَأَبَوا أَن يبيعوا إِلَّا أَن يكون لَهُم الْوَلَاء الحَدِيث . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من طرق وَقد سلف بَعْضهَا ، هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
كتاب الْكِتَابَة كتاب الْكِتَابَة ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فَثَلَاثَة : *50 أَحدهَا أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أعَان غارمًا أَو غازيًا ، أَو مكَاتبا فِي كِتَابَته أظلهُ الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث سهل بن حنيف رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَذكره فِي كتاب الْجِهَاد أَيْضا فِي مُسْتَدْركه من هَذِه الطَّرِيق ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه ، كَمَا أخرجه الْحَاكِم ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث حَيْثُ رَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن عبد الله بن سهل بن حنيف [ عَن سهل بن حنيف ، وَرَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن سهل بن حنيف ] أَيهمَا أصح ؟ فَقَالَ : الطَّرِيقَة الأولَى . كَذَا رَأَيْته فِيهَا ، وَلم يظْهر لي اخْتِلَاف الطَّرِيقَيْنِ فِي ذَلِك بل هِيَ متحدة فتأملها .
كتاب التَّدْبِير كتاب التَّدْبِير ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ حديثين وآثارًا : الحَدِيث الأول عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رجلا دبَّر غُلَاما لَهُ لَيْسَ لَهُ مَال غَيره ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من يَشْتَرِيهِ مني ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام . وَفِي رِوَايَة : أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق عبدا لَهُ عَن دبر مِنْهُ لَا مَال لَهُ غَيره وَعَلِيهِ دين ، فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَبَاعَهُ وَقَضَى الدَّين مِنْهُ وَدفع الْفضل إِلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث بالرواية الأولَى صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَمُسلم من طرق ، أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عَنهُ : أَحدهَا : فِي الْبيُوع بِلَفْظ : أَن رجلا أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر فَاحْتَاجَ ، فَأَخذه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : من يَشْتَرِيهِ مني ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله بِكَذَا وَكَذَا فَدفعهُ إِلَيْهِ . ثَانِيهَا : فِيهِ أَيْضا مُخْتَصرا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام بَاعَ الْمُدبر . ثَالِثهَا : فِي الاستقراض بِلَفْظ : أعتق رجل غُلَاما لَهُ عَن دبر ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من يَشْتَرِيهِ مني ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله ، فَأخذ ثمنه فَدفعهُ إِلَيْهِ . رَابِعهَا : فِي الْخُصُومَات بِلَفْظ : أَن رجلا أعتق عبدا لَيْسَ لَهُ مَال غَيره ، فَرده رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فابتاعه مِنْهُ نعيم بن النحام . خَامِسهَا : فِي كتاب الْأَيْمَان بِلَفْظ : أَن رجلا من الْأَنْصَار دبر مَمْلُوكا لَهُ ، وَلم يكن لَهُ مَال غَيره ، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : من يَشْتَرِي مني فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام بثمانمائة دِرْهَم ، قَالَ جَابر : كَانَ عبدا قبطيًا مَاتَ عَام أول . سادسها : - فِي الْإِكْرَاه كَذَلِك . سابعها : فِي الْعتْق بِلَفْظ : أعتق رجل منا عبدا [ لَهُ ] عَن دبر ، فَدَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِهِ فَبَاعَهُ ، قَالَ جَابر : مَاتَ الْغُلَام عَام أول ، وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق بِلَفْظ : أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق غُلَاما [ لَهُ ] عَن دبر لم يكن لَهُ مَال غَيره ، فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : من يَشْتَرِيهِ مني ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بثمانمائة دِرْهَم ، فَدَفعهَا إِلَيْهِ ، قَالَ جَابر : كَانَ عبدا قبطيًا مَاتَ عَام أول ، وَفِي رِوَايَة : فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام ، عبدا قبطيًا مَاتَ فِي إِمَارَة ابْن الزبير ، وَأخرجه فِي الزَّكَاة أَيْضا بِلَفْظ : أعتق رجل من بني عذرة عبدا لَهُ عَن دبر ، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : أَلَك مَال غَيره ؟ قَالَ : لَا . فَقَالَ : من يَشْتَرِيهِ مني ؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله الْعَدوي بثمانمائة دِرْهَم ، فجَاء بهَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَدَفعهَا إِلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : ابدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا ، فَإِن فضل شَيْء فلأهلك ، فَإِن فضل شَيْء عَن أهلك فلذي قرابتك ، فَإِن فضل من قرابتك شَيْء فَهَكَذَا وَهَكَذَا . يَقُول : فَبين ( ذَلِك ) وَعَن يَمِينك وَعَن شمالك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَن رجلا من الْأَنْصَار - يُقَال لَهُ : أَبُو مَذْكُور - أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبرٍ - يُقَال لَهُ : أَبُو يَعْقُوب وسَاق الحَدِيث بِمَعْنَاهُ . وَفِي رِوَايَة لأبي نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة : أعتق أَبُو مَذْكُور غُلَاما لَهُ يُقَال لَهُ يَعْقُوب القبطي الحَدِيث ، وَفِيه : فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام ختن عمر بن الْخطاب بثمانمائة دِرْهَم . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد فِي الْعتْق : أَن رجلا أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر مِنْهُ لم يكن لَهُ مَال غَيره ، فَأمر بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَبيع بسبعمائة دِرْهَم أَو بتسعمائة ] ، [ وَفِي رِوَايَة ] : أَنْت أَحَق بِثمنِهِ وَالله غَنِي عَنهُ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بَاعه بثمانمائة دِرْهَم فَدَفعهَا إِلَيْهِ قَالَ : إِذا كَانَ أحدكُم فَقِيرا فليبدأ بِنَفسِهِ ، فَإِن كَانَ فِيهَا فضل فعلَى عِيَاله ، فَإِن كَانَ فِيهَا فضل فعلَى ذِي قرَابَته - أَو قَالَ : عَلَى ذِي رَحمَه - وَإِن كَانَ فضلا فهاهنا وَهَاهُنَا . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع مُخْتَصرا : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بَاعَ الْمُدبر وَمُطَولًا كَرِوَايَة مُسلم ، وَأبي دَاوُد الْأَخِيرَة ، وَرَوَاهُ فِي الزَّكَاة أَيْضا مطولا ، وَرَوَاهُ مطولا فِي الْعتْق ومختصرًا ، وَفِي بَعْضهَا : أَنْت أحْوج إِلَيْهِ ، وَفِي بَعْضهَا : فَبَاعَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بثمانمائة فَأعْطَاهُ ، وَقَالَ : دينك ، وَفِي بَعْضهَا : أنفقها عَلَى عِيَالك فَإِنَّمَا الصَّدَقَة عَن ظهر غنى فابدأ بِمن تعول ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام مُخْتَصرا ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه مطولا . هَذَا مَا حضرني من طرق الحَدِيث ، وَلم أر الرِّوَايَة الثَّانِيَة الَّتِي أوردهَا الإِمَام الرَّافِعِيّ من : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَضَى الدَّين مِنْهُ ، ثمَّ دفع الْفضل إِلَيْهِ ، وَقد طرق الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه طرقه فِي أوراق عدَّة ، وَلم أر هَذَا فِيهَا ، بل فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنه دفع الثّمن إِلَيْهِ كَمَا تقدم ، وَفِي النَّسَائِيّ أَيْضا أَنه قَالَ لَهُ لما دَفعه إِلَيْهِ : اقْضِ دينك ، وَقد تحمل رِوَايَة الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي أَنه قَضَى الدَّين مِنْهُ ، أَن المُرَاد أَمر بِقَضَائِهِ وَهُوَ شَائِع ، وَهَذِه الرِّوَايَة صَرِيحَة فِي رد الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا المُصَنّف ، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه ، عَن جَابر : أَن رجلا من بني عذرة عتق مَمْلُوكا لَهُ عَن دبر مِنْهُ ، فَبعث إِلَيْهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَبَاعَهُ وَدفع ثمنه إِلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ : أبدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا ، ثمَّ عَلَى أَبَوَيْك ، ثمَّ عَلَى قريبك ، ثمَّ هَكَذَا وَهَكَذَا . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : جَاءَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث : أَن الَّذِي دبر هَذَا الْغُلَام مَاتَ ، فَبَاعَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعد مَوته ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، عَن جَابر : أَن رجلا مَاتَ وَترك مُدبرا ودينًا ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبيعوه فِي دينه فباعوه بثمانمائة ، قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي مُسْنده بعد أَن أخرجه من طَرِيق الصَّحِيحَيْنِ : هَكَذَا سمعته من سُفْيَان عَامَّة دهري ، ثمَّ وجدت فِي كتابي : دبر رجل منا غُلَاما فَمَاتَ ، فإمَّا أَن يكون خطأ من كتابي أَو خطأ من سُفْيَان ، فَإِن كَانَ من سُفْيَان فَابْن جريج أحفظ لحَدِيث أبي الزبير من سُفْيَان ، وَمَعَ [ ابْن جريج ] حَدِيث اللَّيْث وَغَيره ، وَأَبُو الزبير يحد الحَدِيث تحديدًا ، يخبر فِيهِ بحياة الَّذِي دبره ، وَحَمَّاد بن زيد مَعَ حَمَّاد بن سَلمَة وَغَيره أحفظ لحَدِيث عَمْرو بن دِينَار مَعَ سُفْيَان وَحده . قَالَ : وَقد يسْتَدلّ عَلَى حفظ الحَدِيث من خطئه بِأَقَلّ مِمَّا وجدته فِي [ حَدِيث ابْن جريج ، وَاللَّيْث ، عَن أبي الزبير ، وَفِي حَدِيث حَمَّاد عَن عمر ، وَغير حَمَّاد يرويهِ عَن عَمْرو كَمَا رَوَاهُ حَمَّاد بن زيد ، وَقد أَخْبرنِي ] غير وَاحِد مِمَّن لَقِي سُفْيَان قَدِيما أَنه لم يكن يدْخل فِي حَدِيثه مَاتَ ، وَعجب بَعضهم مني حِين أخْبرته أَنِّي وجدت فِي كتابي مَاتَ وَقَالَ : لَعَلَّ هَذَا خطأ عَنهُ ، أَو زلَّة مِنْهُ حَفظتهَا عَنهُ . قلت : وَأما التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث من طَرِيق سُفْيَان ، وَفِيه : أَن سَيّده مَاتَ ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي : قَول شريك فِي هَذَا الحَدِيث مَاتَ خطأ ؛ لِأَن فِي حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن سَلمَة بن كهيل : وَدفع إِلَيْهِ ثمنه وَقَالَ : اقْضِ دينك ، وَكَذَا رَوَاهُ عَمْرو بن دِينَار ، وَأَبُو الزبير ، عَن جَابر : أَن سيد الْمُدبر كَانَ حيًّا يَوْم بيع الْمُدبر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا يشك أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ فِي خطأ شريك فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا وَقع هَذَا الْخَطَأ لَهُ وَلغيره بِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة : أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق مَمْلُوكه إِن حدث بِهِ حدث فَمَاتَ ، فدعا بِهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَبَاعَهُ من نعيم بن عبد الله أحد بني عدي بن كَعْب . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَوْله : إِن حدث بِهِ حدث فَمَاتَ من شَرط الْعتْق وَلَيْسَ بِإِخْبَار عَن موت الْمُعْتق ، وَمن هُنَا وَقع الْغَلَط لبَعض الروَاة من ذكر وَفَاة الرجل فِيهِ عِنْد البيع . قَالَ : وَالَّذِي عَلَيْهِ تدل رِوَايَة الْجُمْهُور الْمُتَقَدّمَة . التَّنْبِيه الثَّانِي : قد جَاءَ فِي بعض رِوَايَات هَذَا الحَدِيث أَنه إِنَّمَا بَاعَ خدمَة الْمُدبر لَا نَفسه ، فروَى الدَّارَقُطْنِيّ ، عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلّي أَنه قَالَ : شهِدت الحَدِيث من جَابر : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّمَا أذن فِي خدمته . وَفِي رِوَايَة : (الْبَيْهَقِيّ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّمَا بَاعَ خدمَة الْمُدبر ) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ مُرْسل ، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مناظرة جرت لَهُ : هَذَا الحَدِيث مَا رَوَاهُ عَن أبي جَعْفَر - فِيمَا علمت - أحد يثبت حَدِيثه ، وَلَو رَوَاهُ من يثبت حَدِيثه مَا كَانَ فِيهِ حجَّة ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد وَصله عبد الْغفار بن الْقَاسِم عَن أبي جَعْفَر عَن جَابر ، وَعبد الْغفار هَذَا كَانَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ يرميه بِالْوَضْعِ . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَكذبه سماك بن حَرْب . قلت : هَذَا وهم ، وَإِنَّمَا كذبه سماك الْحَنَفِيّ ، وَهُوَ سماك بن الْوَلِيد . قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ : سَمِعت شُعْبَة [ يَقُول : سَمِعت ] سماكًا الْحَنَفِيّ يَقُول لأبي مَرْيَم - يَعْنِي ابْن عبد الْغفار - فِي شَيْء ذكره : كذبت وَالله . وَوَصله أَيْضا أَبُو شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان ، عَن عُثْمَان بن عُمَيْر ، عَن أبي جَعْفَر عَن جَابر ، وَأَبُو شيبَة ضَعِيف لَا يحْتَج بأمثاله . الثَّالِث : جَاءَ حَدِيث يُخَالف جَمِيع مَا تقدم ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا ، عَن ابْن عمر ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُدبر لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَهُوَ حر من الثُّلُث ، لكنه ضَعِيف ضعفه الْأَئِمَّة كَمَا سَيَأْتِي بعد هَذَا الحَدِيث . الرَّابِع : نعيم الَّذِي اشْتَرَى الْمُدبر الْمَذْكُور هُوَ بِضَم النُّون . والنحام بالنُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة ، وَهُوَ نعيم بن عبد الله الْقرشِي الْعَدوي ، والنحام وَصفا لنعيم لَا لِأَبِيهِ ، وَوَقع فِي بعض رِوَايَات مُسلم وَالْبُخَارِيّ : نعيم بن النحام ، وَكَذَا وَقع فِي بعض كتب أَصْحَابنَا قبل ، وَهُوَ غلط وَصَوَابه نعيم النحام ، والنحام هُوَ نعيم ، وَقَالَ ابْن مَاكُولَا : ونعيم ابن النحام بن عبد الله كَذَا يَقُوله أَصْحَاب الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ : هُوَ النحام بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْحَاء ، وَجعل نعيمًا النحام ، وَجعل أَبَاهُ عبد الله ، وَقَالَ : أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء . قَالَ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة : وَوهم بَعضهم فَجعل العَبْد لإِبْرَاهِيم بن نعيم بن النحام ، وَهَذَا تَصْحِيف ، وَإِنَّمَا كَانَ عبدا لِابْنِ النحام ، وَقيل لَهُ : النحام ؛ للْحَدِيث الْمَشْهُور أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : دخلت الْجنَّة فَسمِعت نحمة نعيم فِيهَا . والنَحمة بِفَتْح النُّون ، والسَعلة بِفَتْح السِّين ، وَقيل : النحيحة المهدودة آخرهَا . قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب المبهمات : اسْم العَبْد الْمُدبر : يَعْقُوب ، وَاسم سَيّده : أَبُو مَذْكُور . قلت : وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد تقدم ذَلِك وَاضحا فِي طرق الحَدِيث ، قَالَ الإِمَام أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ : لَا يعرف لِابْنِ عليَّة غلط قطّ إِلَّا فِي حَدِيث جَابر هَذَا ، حَيْثُ جعل اسْم الْغُلَام اسْم الْمولى ، وَاسم الْمولى اسْم الْغُلَام ، وَقَول الْخَطِيب - رحمني الله وإياه - : وَاسم سَيّده أَبُو مَذْكُور إِن لم يكن علما فِيهِ شَاهد فِي الْعبارَة ، وَصَوَابه أَن يُقَال : إِن ذَلِك كنيته ، فَإِن ذَلِك كنيته جزما لَا خلاف فِي ذَلِك بَين أهل الْمَدِينَة ، وَقد ذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب معرفَة الصَّحَابَة أَن اسْم السَّيِّد مَذْكُور القبطي وَقَالَ : كَذَا رَوَاهُ سَلمَة بن كهيل عَن جَابر . قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو أَيُّوب ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر وَقَالَ : اسْم الْغُلَام يَعْقُوب ، وَالَّذِي أعْتقهُ يُسمى : أَبُو مَذْكُور قَالَ الْحَافِظ : وَكَأَنَّهُ الْأَصَح . وَوَقع فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات للنووي رَحِمَهُ اللَّهُ أَن اسْمه : أَبَا بكر ، وَلَعَلَّه تَصْحِيف من النَّاسِخ ، وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَنه ذكره هُوَ فِي شرح مُسلم ، و مختصر المبهمات كَمَا ذكره الْخَطِيب ، وَقد تَابعه عَلَى هَذَا الْغَلَط بعض من صنف فِي زَمَاننَا فنقله عَنهُ وَأقرهُ عَلَيْهِ .
الثَّالِث : عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه دبر جاريتين [ لَهُ ] وَكَانَ يطؤهما . هَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن نَافِع عَنهُ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَنهُ .
الثَّانِي : أَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها باعت مُدبرَة لَهَا سحرتها . هَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عمْرَة عَنْهَا ، قَالَ الْحَاكِم : وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَتقدم بِلَفْظِهِ فِي بَاب دَعْوَى الدَّم والقسامة .
وَأما الْآثَار فَثَلَاثَة : الأول : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه أجَاز وَصِيَّة غُلَام لَهُ [ عشر سِنِين . هَذَا الْأَثر تقدم بَيَانه وَاضحا فِي آخر كتاب الْوَصَايَا .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وموقوفًا : أَن الْمُدبر من الثُّلُث . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم ، عَن الْأَصَم ، عَن الرّبيع ، عَن الشَّافِعِي ، عَن عَلّي بن ظبْيَان ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : الْمُدبر من الثُّلُث قَالَ الشَّافِعِي : قَالَ لي عَلّي بن ظبْيَان : كنت أحدث بِهِ مَرْفُوعا فَقَالَ لي أَصْحَابِي : لَيْسَ بمرفوع وَهُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر ، فوقفته قَالَ الشَّافِعِي : الْحفاظ يقفونه عَلَى ابْن عمر . قَالَ : وَلَا أعلم من أَدْرَكته من المفتيين اخْتلفُوا فِي أَن الْمُدبر وَصِيَّة من الثُّلُث . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عبيد الله الْكَاتِب [ و ] أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر وَجَمَاعَة قَالُوا : [ نَا ] عَلّي بن حَرْب ، نَا عَمْرو بن عبد الْجَبَّار أَبُو مُعَاوِيَة الْجَزرِي ، عَن عَمه عُبَيْدَة بن حسان ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُدبر لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَهُوَ حر من الثُّلُث ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لم يسْندهُ غير عُبَيْدَة بن حسان وَهُوَ ضَعِيف ، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر من قَوْله . قَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله عُبَيْدَة هَذَا قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم : مُنكر الحَدِيث . وَعَمْرو بن عبد الْجَبَّار لَا يعرف حَاله . قلت : وَقد اتّفق الْحفاظ عَلَى تَصْحِيح رِوَايَة الْوَقْف ، وتضعيف رِوَايَة الرّفْع ، فَمن ذَلِك مَا تقدم عَن الشَّافِعِي وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَمن ذَلِك أَن الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا سُئِلَ عَنهُ فِي علله فَقَالَ : رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا ، وَالْمَوْقُوف أصح ، وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي الضُّعَفَاء بعد رِوَايَته لَهُ : لَا يعرف هَذَا الحَدِيث إِلَّا بعلي بن ظبْيَان ، وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا [ الحَدِيث فَقَالَ أَبُو زرْعَة ] : حَدِيث بَاطِل . وَامْتنع من قِرَاءَته ، وَقَالَ : وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر ، وَقَالَ عبد الْحق : إِسْنَاد الرّفْع ضَعِيف ، وَالصَّحِيح الْوَقْف . وَبَين ذَلِك ابْن الْقطَّان فِي علله مُوَافقا لَهُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات مَرْفُوعا ، وَالصَّحِيح مَوْقُوف كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . قَالَ : وَرُوِيَ من وَجه آخر مُرْسلا ؛ فَرَوَاهُ عَن أبي قلَابَة : أَن رجلا أعتق عبدا لَهُ عَن دبر ، فَجعله النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الثُّلُث ، ثمَّ رَوَى عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه كَانَ يَجعله من الثُّلُث ، وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ : يعْتق من ثلثه ، وَعَن شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم مثل ذَلِك . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة ، عَن عَلّي بن ظبْيَان كَمَا تقدم مَرْفُوعا وَقَالَ : هَذَا حَدِيث لَا أصل لَهُ . قَالَ : وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة : هَذَا الحَدِيث خطأ . قلت : وَمُرَادهما طَريقَة الرّفْع ؛ فَإِن طَريقَة الْوَقْف صَحِيحَة كَمَا تقدم عَن الْحفاظ ، وَوَقع فِي الْهِدَايَة عَلَى مَذْهَب أبي حنيفَة زِيَادَة غَرِيبَة فِي هَذَا الحَدِيث فَقَالَ بعد : لَا يُبَاع وَلَا يُوهب : وَلَا يُورث وَهَذِه الْأَخِيرَة غَرِيبَة ، هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى الْحَدِيثين .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أعتق شركا لَهُ فِي عبد فَكَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد قوم عَلَيْهِ العَبْد قيمَة عدل ، فَأعْطَى شركاءه حصصهم وَعتق عَلَيْهِ العَبْد ، وَإِلَّا فقد عتق مِنْهُ مَا عتق ، وَفِي رِوَايَة : من أعتق شركا لَهُ فِي عبد عتق مَا بَقِي فِي مَاله إِذا كَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد . وَفِي رِوَايَة : إِذا كَانَ العَبْد بَين اثْنَيْنِ فَعتق أَحدهمَا نصِيبه وَكَانَ لَهُ مَال فقد عتق كُله ، وَفِي رِوَايَة : من أعتق شركا لَهُ فِي عبد وَكَانَ لَهُ [ مَال ] يبلغ ثمن العَبْد فَهُوَ عَتيق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح بِكُل هَذِه الرِّوَايَات ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أعتق شركا لَهُ فِي عبدٍ فَكَانَ لَهُ مَال فَذَكَرَاهُ بِمثل رِوَايَته الثَّانِيَة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ : ورق مَا بَقِي . وَقَالَ ابْن حزم : أقدم بَعضهم فَزَاد هَذِه اللَّفْظَة ، وَهِي مَوْضُوعَة مكذوبة لَا نعلم أحدا رَوَاهُ لَا ثِقَة وَلَا ضَعِيف . وَمِنْهَا أَيْضا : من أعتق عبدا بَين اثْنَيْنِ فَإِن كَانَ مُوسِرًا قوم عَلَيْهِ ، ثمَّ يعْتق ، وَمِنْهَا أَيْضا : من أعتق عبدا بَينه وَبَين آخر قوم فِي مَاله قيمَة عدل لَا وكس عَلَيْهِ وَلَا شطط ، ثمَّ عتق عَلَيْهِ فِي مَاله إِن كَانَ مُوسِرًا . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ : من أعتق شركا فِي مَمْلُوك وَجب عَلَيْهِ أَن يعْتق كُله ، وَإِن كَانَ لَهُ مَال قدر ثمنه يقوم قيمَة عدل ، وَيُعْطَى شركاؤه حصصهم ، ويخلى سَبِيل الْمُعْتق . وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا : من أعتق نَصِيبا لَهُ فِي مَمْلُوك - أَو شركا لَهُ فِي عبد - وَكَانَ لَهُ من المَال مَا يبلغ قِيمَته بِقِيمَة الْعدْل فَهُوَ عَتيق . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : من أعتق شركا لَهُ فِي عبد عتق مَا بَقِي فِي مَاله إِذا كَانَ لَهُ مَال ، يُقَال : إِنَّه من كَلَام الزُّهْرِيّ لَيْسَ مَرْفُوعا . وَفِي رِوَايَة لمُسلم أَيْضا : من أعتق شركا لَهُ فِي عبد أقيم عَلَيْهِ قيمَة الْعدْل ، فَأعْطِي شركاؤه حصصهم وَعتق العَبْد . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : من أعتق شركا فِي مَمْلُوك فَعَلَيهِ عتقه كُله إِن كَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمنه ، وَإِن لم يكن لَهُ مَال أعتق نصِيبه ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : من أعتق شركا لَهُ فِي عبد عتق مَا بَقِي إِن كَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد . وَفِي رِوَايَة للنسائي بِزِيَادَة جَابر : من أعتق عبدا وَله فِيهِ ( شركة ) وَله رفاق فَهُوَ حر ( وَضمن ) نصيب شركائه (بِقِيمَتِه كَمَا أَسَاءَ) من مشاركتهم ، وَلَيْسَ عَلَى العَبْد شَيْء . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهِي حَسَنَة لَا صَحِيحَة ؛ لِأَن فِيهَا سُلَيْمَان بن مُوسَى ، قَالَ خَ : مُنكر لَا أروي عَنهُ شَيْئا ، وَرَوَى أَحَادِيث مَنَاكِير ، وَقَالَ ت فِي علله : هُوَ ثِقَة عِنْد أهل الحَدِيث ، لَا أعلم أحدا من أهل الْعلم من الْمُتَقَدِّمين من تكلم فِيهِ . قلت : أخرج ابْن حبَان فِي صَحِيحه هَذَا الحَدِيث سندًا ومتنًا ، وَزَاد بِقِيمَة عدل . وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا : إِذا كَانَ للرجل شرك فِي غُلَام ، ثمَّ أعتق نصِيبه وَهُوَ حَيّ أقيم عَلَيْهِ قيمَة عدل فِي مَاله ، ثمَّ أعتق قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَيست هَذِه اللَّفْظَة فِي كل حَدِيث .
الحَدِيث السَّادِس عَن عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه أعتق سِتَّة مملوكين لَهُ عِنْد مَوته ، لم يكن لَهُ مَال غَيرهم ، فَدَعَاهُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فجزأهم أَثلَاثًا ، ثمَّ أَقرع بَينهم ، وَأعْتق اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة ، وَقَالَ لَهُ قولا شَدِيدا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد كَرَّرَه الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب ، وَذكره أَيْضا فِي كتاب الْوَصَايَا كَمَا تقدم فِي بَابه ، وَأخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بِهَذِهِ الْحُرُوف ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَن رجلا من الْأَنْصَار أَوْصَى عِنْد مَوته فَأعتق سِتَّة مملوكين وأسهم فِي هَذِه الرِّوَايَة هُوَ الْمُفَسّر فِي الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة ، وَعند الإِمَام أَحْمد : فجَاء ورثته من الْأَعْرَاب فَأخْبرُوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بذلك وَذكر الحَدِيث . قَالَ عبد الْحق : القَوْل الشَّديد الْمُتَقَدّم فِي رِوَايَة مُسلم هُوَ ، وَالله أعلم مَا ذكره النَّسَائِيّ ، عَن الْحسن ، عَن عمرَان بن حُصَيْن أَيْضا أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِيهِ فِي هَذِه الْقِصَّة : لقد هَمَمْت أَن لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ قلت : وَيحْتَمل أَن يكون السَّبَب فِي ذَلِك أَيْضا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي آخر هَذَا الحَدِيث أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَو شهدته قبل أَن يدْفن لم يقبر فِي مَقَابِر الْمُسلمين ، وَقد ذكرنَا هَذَا وَاضحا بِزِيَادَة فِي كتاب الْوَصَايَا ، وَمِمَّا لم نقدمه هُنَاكَ أَن أَحْمد خرج هَذَا الحَدِيث أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن أَخطب وَهُوَ غَرِيب . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي حَدِيث عمرَان : أَنه كَانَت قيمتهم مُتَسَاوِيَة . قلت : لم أره فِي طَرِيق من طرق هَذَا الحَدِيث مَعَ انتشارها ، لكنه الظَّاهِر ، بل عِنْدِي أَنه لَا يحْتَاج إِلَى التَّنْصِيص عَلَى ذَلِك فِي الحَدِيث ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ بعد هَذَا : وَقد سبق فِي النِّكَاح أَن من نكح أمة غر بحريتها فَأَتَت مِنْهُ بِولد ينْعَقد الْوَلَد حرًّا ، وَيجب للمغرور قِيمَته لمَالِك الْأمة . قَالَ : وأجمعت الصَّحَابَة عَلَى وجوب الضَّمَان . قلت : الَّذِي يحضرني من هَذَا الْإِجْمَاع مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب من قَالَ : يرجع الْمَغْرُور بِالْمهْرِ ، وَقِيمَة الْأَوْلَاد عَلَى الَّذِي غرَّ ، بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّافِعِي ، أخبرنَا مَالك أَنه بلغه : أَن عمر ، أَو عُثْمَان قَضَى أَحدهمَا فِي أمة غرت بِنَفسِهَا رجلا ، فَذكرت أَنَّهَا حرَّة ، فَولدت أَوْلَادًا ، فَقَضَى أَن يفْدي وَلَده بمثلهم ، قَالَ مَالك : وَذَلِكَ يرجع [ إِلَى ] الْقيمَة ؛ لِأَن العَبْد لَا يُؤْتَى بِمثلِهِ وَلَا نَحوه فَلذَلِك يرجع إِلَى الْقيمَة .
الحَدِيث الرَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يَجْزِي ولدٌ وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، (أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ) بِهَذَا اللَّفْظ ، وَقد ذكره الرَّافِعِيّ فِي بَاب خِيَار الْمجْلس أَيْضا كَمَا عَلمته هُنَاكَ ، وَورد حَدِيث عَام فِي ذَلِك لَهُ طَرِيقَانِ جيدان (كَانَ رُوِيَ من طَرِيق عَائِشَة بِإِسْنَاد ضَعِيف ، [ و ] من حَدِيث عَلّي بإسنادٍ ساقطٍ) . الطَّرِيق الأول : عَن الْحسن ، عَن سَمُرَة مَرْفُوعا : من ملك ذَا رحم محرم فهر حر . رَوَاهُ أَحْمد وَالْأَرْبَعَة ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : فَهُوَ عَتيق ، وَقد سلف الْكَلَام فِي سَماع الْحسن من سَمُرَة وَاضحا فِي آخر بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة ، قَالَ أَبُو دَاوُد : لم يحدث بِهَذَا الحَدِيث عَن الْحسن إِلَّا حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقد شكّ فِيهِ . قَالَ : وَشعْبَة أحفظ من حَمَّاد ، يَعْنِي أَن شُعْبَة رَوَاهُ مُرْسلا . قَالَ الْخطابِيّ : أَرَادَ أَبُو دَاوُد من هَذَا [ أَن ] الحَدِيث لَيْسَ بمرفوع ، أَو لَيْسَ بِمُتَّصِل إِنَّمَا هُوَ عَن الْحسن عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث لَا نعرفه مُسْندًا إِلَّا من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة . ثمَّ يشك فِيهِ ، ثمَّ يُخَالِفهُ غَيره فِيهِ ، من هم أحفظ مِنْهُ وَجب التَّوَقُّف فِيهِ ، وَقد أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن ضَمرَة بن ربيعَة ، عَن سُفْيَان ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَالنَّسَائِيّ بِلَفْظ : من ملك ذَا رحم فَهُوَ عَتيق ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَلَا نَعْرِف أحدا رَوَاهُ عَن سُفْيَان غير ضَمرَة بن ربيعَة ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : لم يُتَابع ضَمرَة عَلَى هَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ حَدِيث خطأ عِنْد أهل الحَدِيث . وَأما الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ إِثْر الطَّرِيقَة الْمُتَقَدّمَة : وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر وهم فِيهِ رَاوِيه ثمَّ ذكره من حَدِيث ضَمرَة عَن الثَّوْريّ كَمَا تقدم ، ثمَّ قَالَ : قَالَ سُلَيْمَان - يَعْنِي الطَّبَرَانِيّ - : لم يروه عَن سُفْيَان إِلَّا ضَمرَة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا وهم فَاحش ، وَالْمَحْفُوظ بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيث : نهَى عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته . وَلقَائِل أَن يَقُول : لَيْسَ انْفِرَاد ضَمرَة بِهِ دَلِيلا عَلَى أَنه غير مَحْفُوظ ، وَلَا يُوجب ذَلِك عَلَيْهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ من الثِّقَات المأمونين لم يكن بِالشَّام رجل يُشبههُ ، كَذَا قَالَ ابْن حَنْبَل ، وَقَالَ ابْن سعد : كَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم يكن أفضل مِنْهُ ، وَقَالَ أَبُو سعيد بن يُونُس : كَانَ فَقِيه أهل فلسطين فِي زَمَانه . والْحَدِيث إِذا انْفَرد بِهِ [ ثِقَة ] كَانَ صَحِيحا وَلَا يضرّهُ تفرده ، فَلَا أَدْرِي من أَيْن وهم فِي هَذَا الحَدِيث رَاوِيه . وَيُؤَيّد هَذَا أَن الْحَاكِم أَبَا عبد الله شيخ الْبَيْهَقِيّ أخرج حَدِيث ضَمرَة هَذَا ، ثمَّ قَالَ : وَحدثنَا أَبُو عَلّي بِإِسْنَادِهِ سَوَاء : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته ، ثمَّ قَالَ : هما محفوظان ، وَحَدِيث ضَمرَة صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَشَاهده حَدِيث سَمُرَة ، وَقَالَ : وَهُوَ مَحْفُوظ صَحِيح ، وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : علل هَذَا الحَدِيث بِأَن ضَمرَة تفرد بِهِ وَلم يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين : لَيْسَ انْفِرَاد ضَمرَة بِهِ عِلّة فِيهِ ؛ لِأَن ضَمرَة ثِقَة ، والْحَدِيث صَحِيح إِذا أسْندهُ ثِقَة . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا صَوَاب ، وعني عبد الْحق بِبَعْض الْمُتَأَخِّرين ابْن حزم فَإِنَّهُ قَالَ : هَذَا خبر صَحِيح تقوم بِهِ الْحجَّة ؛ كل من رُوَاته ثِقَات ، وَإِذا انْفَرد بِهِ ضَمرَة كَانَ لَا يضر ، فَإِذا ادعوا أَنه أَخطَأ فِيهِ فَبَاطِل ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : رَوَى ضَمرَة هَذَا الحَدِيث . وخطئ [ فِيهِ ] وَلم يلْتَفت بَعضهم لذَلِك لكَون ضَمرَة ثِقَة لَا يضر انْفِرَاده بِهِ . قلت : فَإِن قيل : قد رَوَى ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ هَذَا الحَدِيث مَوْقُوفا أَيْضا . قلت : الرّفْع مقدم ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة . فَإِن قيل : قد روياه أَيْضا عَن قَتَادَة عَن عمر وَهَذَا مُرْسل ؛ لِأَن قَتَادَة لم يسمع من عمر ، فَإِن [ وَفَاة ] قَتَادَة بعد وَفَاة عمر بنيف وَثَلَاثِينَ سنة . قلت : قد علم مَا فِي تعَارض الْوَصْل والإرسال ، وَالصَّحِيح أَن الْوَصْل مقدم ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة وَهِي مَقْبُولَة مُوَافقَة .
الحَدِيث الثَّانِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام [ قَالَ : من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت فداؤه من النَّار ] . أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث عَمْرو بن عبسة السّلمِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة وَغَيره من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَيّمَا امرئٍ مُسلم أعتق امْرأ مُسلما كَانَ فكاكه من النَّار ، يُجزي كل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار ، وَأَيّمَا امْرَأَة مسلمة أعتقت امْرَأَة مسلمة كَانَت فكاكها من النَّار ، يَجْزِي كل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهَا من النَّار ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب . وَأخرجه أَحْمد ، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَرْفُوعا : من أعتق رَقَبَة أعتق الله بِكُل عُضْو من ذَلِك عضوا من النَّار . فَائِدَة : الفكاك بِفَتْح الْفَاء ، وَيُقَال : بِكَسْرِهَا فِي لُغَة ، وَهُوَ الْخَلَاص . وَقَوله تجزي هُوَ بِفَتْح التَّاء غير مَهْمُوز مَعْنَاهُ يَنُوب .
الحَدِيث الثَّالِث يرْوَى النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبت ه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة د ت ق ن ، وقبلهم الإمامان : مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَأحمد فِي الْمسند من حَدِيث ابْن عم ر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَعجب من الرَّافِعِيّ كَيفَ أوردهُ بِهَذِهِ الصّفة ، وَهِي لفظ : يرْوَى وَهُوَ بِهَذِهِ المثابة من الصِّحَّة ، وَأنكر ابْن وضاح أَن يكون نَهْيه من كَلَام النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ [ الْبَيْهَقِيّ ] فِي سنَنه عَن الْحَاكِم وَغَيره ، عَن الْأَصَم ، عَن الرّبيع ، عَن الشَّافِعِي - وَهُوَ فِي مُسْنده - عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن الْفَقِيه ، عَن يَعْقُوب أبي يُوسُف القَاضِي ، عَن عبد الله بن دِينَار ، قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي عقب [ هَذَا الحَدِيث : ] هَذَا خطأ ؛ لِأَن الثِّقَات لم يرووه هَكَذَا ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْحسن مُرْسلا . ثمَّ رَوَاهُ - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ - عَن الْحَاكِم وَغَيره عَن الْأَصَم ، عَن يَحْيَى بن أبي طَالب ، عَن يزِيد [ بن ] هَارُون ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن الْحسن ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكره بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من أوجه أخر كلهَا ضَعِيفَة . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن ضَمرَة ، عَن سُفْيَان ، عَن ابْن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، قَالَ سُلَيْمَان بن أَحْمد - يَعْنِي الطَّبَرَانِيّ - : لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان إِلَّا ضَمرَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قد رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ عَن ضَمرَة كَمَا رَوَاهُ [ الْجَمَاعَة نهَى ] عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته ، وَكَأن الْخَطَأ وَقع من غَيره . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَن يَحْيَى بن سليم ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا وهم من يَحْيَى بن سليم ، أَو من دونه فِي الْإِسْنَاد والمتن جَمِيعًا ، فَإِن الْحفاظ إِنَّمَا رَوَوْهُ عَن عبيد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن [ عمر ] مَرْفُوعا : نهَى عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته . قلت : وَكَذَا قَالَ أَبُو زرْعَة فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن أبي حَاتِم فِي علله أَن هَذَا هُوَ الصَّحِيح [ قَالَ ] الْبَيْهَقِيّ : وَأخرجه مُسلم - يَعْنِي حَدِيث نهَى عَن بيع وَوَلَاء - من وَجه آخر عَن ، عبيد الله فِي البيع . قَالَ : وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبي الشَّوَارِب ، عَن يَحْيَى بن سليم عَلَى الْوَهم فِي إِسْنَاده دون مَتنه ، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيمَا بَلغنِي عَنهُ : سَأَلت البُخَارِيّ فَقَالَ : يَحْيَى بن سليم أَخطَأ فِي حَدِيثه ، إِنَّمَا هُوَ عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر ، وَعبد الله بن دِينَار تفرد بِهَذَا الحَدِيث يَعْنِي بِاللَّفْظِ الْمَشْهُور . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة عَن أبي حسان الزيَادي ، عَن يَحْيَى بن سليم ، عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب . قَالَ : وَهَذَا اخْتِلَاف ثَالِث عَلَى يَحْيَى بن سليم ، وَكَانَ سيئ الْحِفْظ كثير الْخَطَأ . قلت : قد تَابعه عَلَى هَذِه الرِّوَايَة مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، كَذَلِك أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيثه كَمَا سَيَأْتِي . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَى فِي ذَلِك عَن عبد الله بن نَافِع بِإِسْنَادَيْنِ وهم فيهمَا ، وَاخْتلف عَلَيْهِ فيهمَا . قَالَ : وَرَوَى عَن يَحْيَى بن أبي أنيسَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا . قَالَ : [ وَلَيْسَ ] الزُّهْرِيّ فِيهِ أصل ، وَيَحْيَى بن أبي أنيسَة ضَعِيف بِمرَّة ، وَإِنَّمَا يروي هَذَا اللَّفْظ مُرْسلا كَمَا قدمنَا ذكره . قَالَ : (وَيروَى عَمَّن دون ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة) ، وَعَن عَلّي مَرْفُوعا : الْوَلَاء بِمَنْزِلَة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب . هَذَا ملخص مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي هَذَا الْبَاب ، وَقَالَ فِي بَاب الْمِيرَاث بِالْوَلَاءِ بعد أَن رَوَاهُ مُرْسلا عَن الْحسن : رُوِيَ مَوْصُولا من وَجه آخر عَن ابْن عمر وَلَيْسَ بِصَحِيح . وَذكر الْعقيلِيّ عبد الله بن دِينَار فِي ضُعَفَائِهِ ؛ لأجل انْفِرَاده بِهَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ حجَّة بِإِجْمَاع فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ ، وَخَالفهُ جماعات فصححوه ، مِنْهُم شَيْخه أَبُو عبد الله الْحَاكِم ، فَإِنَّمَا خرجه فِي مُسْتَدْركه بِسَنَد الْبَيْهَقِيّ الْمُتَقَدّم أَولا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قَالَ : وَقد حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن حمدَان ، حَدثنَا أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن مهْرَان ، ثَنَا مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، عَن إِسْمَاعِيل بن أُميَّة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : الْوَلَاء لحْمَة من النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب ، وَمِنْهُم الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي صَحِيحه ، عَن أبي يعْلى الْموصِلِي قَالَ : قَرَأَ عليّ بشر بن الْوَلِيد ، عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : الْوَلَاء (لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب ، وَهَذِه الرِّوَايَة مُخَالفَة) لجَمِيع مَا تقدم ؛ إِذْ فِيهَا [ عبيد الله ابن عمر ، عَن ] عبد الله بن دِينَار ، وَقد تَابع بشرا عَلَى ذَلِك مُحَمَّد بن الْحسن ، فَرَوَاهُ عَن أبي يُوسُف كَذَلِك . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه الْمعرفَة : وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن الْحسن فِي كتاب الْوَلَاء ، عَن أبي يُوسُف ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر - بِخِلَاف - مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَالْحَاكِم كَمَا تقدم عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، وَمِنْهُم ابْن خُزَيْمَة فَإِنَّهُ أخرجه فِي صَحِيحه ، وَمِنْهُم الْحَافِظ عبد الْحق فَإِنَّهُ ذكره فِي أَحْكَامه من رِوَايَة يَحْيَى بن سليم ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَسكت عَلَيْهِ ، وسكوته قَاض بِصِحَّة الحَدِيث عَلَى مَا قدره فِي خطْبَة كِتَابه ، وَمِنْهُم الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام ، فَإِنَّهُ عزاهُ فِيهِ إِلَى أبي يعْلى ، وصحيح ابْن حبَان وَسكت عَنْهُمَا . وَمن الغرائب عبارَة الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ حَيْثُ قَالَ فِي مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك عقب قَول الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : بِالسَّيْفِ ، وَأَشَارَ إِلَى الْإِنْكَار عَلَى الْحَاكِم ، وَفِي ذهنه مقَالَة الْبَيْهَقِيّ الَّتِي ذَكرنَاهَا ، وَلِهَذَا الحَدِيث مخرج آخر لم يَعْتَرِيه أحد من مصنفي الْأَحْكَام ، و [ رجال إِسْنَاده ] كلهم ثِقَات . قَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه تَهْذِيب الْآثَار : حَدثنِي مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن عِيسَى [ يعْنى الطباع ، ثَنَا عَبْثَر ابن الْقَاسِم ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن عبد الله ] بن أبي أَوْفَى قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب ، وَهَذَا يرد قَول الْبَيْهَقِيّ : رَوَى من أوجهٍ أخر كلهَا ضَعِيفَة ، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة عبد الله بن أبي أوفي : أَحْمد بن إِسْحَاق ، نَا عَلّي بن مُحَمَّد بن جبلة ، ثَنَا يَحْيَى [ بن ] هَاشم ، [ عَن إِسْمَاعِيل ] بن أبي خَالِد ، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب ، قَالَ : وَرَوَاهُ عبيد بن الْقَاسِم عَن إِسْمَاعِيل ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا عَن سَلمَة بن سهل ، عَن مُحَمَّد بن الصَّباح ، عَن عبيد بن الْقَاسِم بِهِ سَوَاء ، وَذكره من أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء الْمَاوَرْدِيّ من حَدِيثه عَن عبيد بِهِ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : وإرسال هَذَا الحَدِيث أثبت (إِسْنَادًا ) . وَهَذَا الحَدِيث قد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مَضَى من كتَابنَا هَذَا فِي تناسب بَيَان الْأَوْلِيَاء وأحكامهم حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ ، ووعدنا هُنَاكَ أَنا إن وصلنا إِلَى هَذَا الْمَكَان نزيده إيضاحًا ، وَقد وفْق الْكَرِيم لذَلِك وَله الحمدُ الْمِنَّة ، ونقلنا هُنَاكَ أَن النَّوَوِيّ نقل فِي كِتَابه تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات ، عَن جُمْهُور أهل اللُّغَة أَنهم ضبطوا اللحمة فِي هَذَا الحَدِيث بِضَم اللَّام ، وَأَن الْأَزْهَرِي حَكَى عَن ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره فتح اللَّام ، وَأَن الْأَزْهَرِي قَالَ : إِن مَعْنَى هَذَا الحَدِيث قرَابَة كقرابة النّسَب ، وَكَذَا قَالَه الإِمَام الرَّافِعِيّ هُنَا إِلَى اللُّغَة المنقولة عَن ابْن الْأَعرَابِي ، فَقَالَ : وَفِي الصِّحَاح : اللحمة بِالضَّمِّ الْقَرَابَة ، ولحمة الثَّوْب تضم وتفتح ، وَكَذَا لحْمَة الصَّيْد . وَحَكَى ابْن الْأَثِير أَنَّهَا فِي النّسَب [ بِالضَّمِّ ، وَفِي الثَّوْب ] تضم وتفتح ، قَالَ : وَقيل : فِي الثَّوْب بِالْفَتْح وَحده ، وَقيل : فِي النّسَب وَفِي الثَّوْب بِالْفَتْح ، فَأَما (بِالْفَتْح) فَمَا يصاد بِهِ الصَّيْد ، وَقَوله : لَا يُبَاع وَلَا يُوهب يَعْنِي أَن نَفْس الْوَلَاء لَا ينْتَقل من شخص إِلَى شخص بعوض وَبِغير عوض .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لن يَجْزِي والدًا وَلَده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه . هَذَا الحَدِيث كَمَا عَرفته فِي الْبَاب قبله .
الحَدِيث السَّابِع أَن بِنْتا لِحَمْزَة أعتقت جَارِيَة ، فَمَاتَتْ الْجَارِيَة عَن بنت وَعَن الْمُعتقَة ، فَجعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نصف مِيرَاثهَا للْبِنْت ، وَالنّصف للمعتقة . هَذَا الحَدِيث سلف وَاضحا فِي كتاب الْفَرَائِض حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ ، وَذكرنَا هُنَاكَ اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي أَن الْمُعْتق كَانَ لِحَمْزَة أَو لابنته ، وَذكرنَا هُنَاكَ عدَّة أَقْوَال فِي اسْم ابْنة حَمْزَة .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مولَى الْقَوْم مِنْهُم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان ، وَصَححهُ من حَدِيث أبي رَافع قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا عَلَى الصَّدَقَة من بني مَخْزُوم ، قَالَ أَبُو رَافع : فَقَالَ لي اصحبني فَإنَّك [ تصيب ] مِنْهَا معي ، قلت : حَتَّى أسأَل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَانْطَلق إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسَأَلَهُ فَقَالَ : موَالِي الْقَوْم من أنفسهم ، وَإِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ : مولَى الْقَوْم مِنْهُم كَمَا فِي الْكتاب ، وَوَقع فِي الرَّافِعِيّ هُنَا ، وَفِي قسم الصَّدقَات موَالِي بِالْألف ، وَالَّذِي رَأَيْت فِي كتب الحَدِيث مولَى بحذفها ، وَهَذَا الحَدِيث سلف أَيْضا وَاضحا فِي كتاب قسم الصَّدقَات ، وَذَكَرْنَاهُ هُنَا لبعد الْعَهْد بِهِ .
بَاب الْوَلَاء ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا أما الْأَحَادِيث فثمانية : أَحدهَا أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الْوَلَاء لمن أعتق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة عَائِشَة فِي قصَّة بَرِيرَة من طرق كَثِيرَة ، وَهُوَ حَدِيث عَظِيم كثير السّنَن والآداب ، وَقد أفرده النَّاس بالتصنيف ، وبالغوا فِي الاستخراج مِنْهُ عَلَى ثَلَاثمِائَة حكم وَأكْثر ، وَقد لخصت مِنْهَا جملَة فِي شرح الْعُمْدَة فَرَاجعه مِنْهَا ، وَمِمَّنْ صنف فِي ذَلِك إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة رَحِمَهُ اللَّهُ .
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل ، قَضَاء الله أَحَق ، وَشرط الله أوثق ، وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فِي حَدِيث بَرِيرَة : أَنَّهَا كاتبت أَهلهَا عَلَى تسع أَوَاقٍ ذهب ، وَجَاءَت إِلَى عَائِشَة فَقَالَت : أعينيني فِي كتابتي . فَقَالَت لَهَا عَائِشَة : ارجعي إِلَى أهلك فَإِن أَحبُّوا أَن أَقْْضِي عَنْك كاتبتك وَيكون ولاؤك لي فعلت . فَذكرت ذَلِك بَرِيرَة لأَهْلهَا ، وأبوا إِلَّا أَن يكون لَهُم الْوَلَاء ، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لَهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اشتريها واعتقيها ؛ فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق ، ثمَّ قَامَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَطِيبًا فَقَالَ : كل شَرط إِلَى آخِره بِمثل مَا ذكر المُصَنّف .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ثَلَاث جدهن جد وهزلهن جد ، وعدّ مِنْهَا الطَّلَاق . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه مَبْسُوطا فِي كتاب الطَّلَاق ، وَأَنه بِهَذَا اللَّفْظ أَعنِي الْعتاق غَرِيب لَا يَصح ، ويتهيأ هُنَا عَلَى غلط وَقع لِابْنِ الْجَوْزِيّ فِيهِ ، فأغنى ذَلِك عَن الْإِعَادَة . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَقرع فِي قسْمَة بعض الْغَنَائِم بالبعر . وَرُوِيَ : أَنه أَقرع مرّة بالنوى . هَذَا الحَدِيث لَا أعرفهُ بعد شدَّة الْبَحْث عَنهُ ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي مشكلات الْوَسِيط [ لَيْسَ ] لهَذَا الحَدِيث صِحَة .
كتاب الْعتْق كتاب الْعتْق ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ سِتَّة أَحَادِيث : أَحدهَا أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أعتق نسمَة أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا مِنْهُ من النَّار ، حَتَّى فرجه بفرجه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا (من) حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَزِيَادَة قيد الرَّقَبَة بِكَوْنِهَا مسلمة ، وَفِي رِوَايَة لَهما : أَيّمَا رجل أعتق امْرأ مُسلما استنقذ الله بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عقبَة بن عَامر بِنَحْوِهِ ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَمن حَدِيث وَاثِلَة بِنَحْوِهِ ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث مَالك بن الْحَارِث ، وَمَالك بن عَمْرو الْقشيرِي ، وَمرَّة ابن كَعْب وَعَكسه ، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث معَاذ ، وَقَالَ : الصَّوَاب وَقفه عَلَيْهِ . قلت : فَهَذِهِ ثَمَان طرق ، وَقد ذكره الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْوَصَايَا أَيْضا .
الْأَثر السَّادِس وَالسَّابِع : عَن عمر وَعُثْمَان : أَن الْوَلَاء للكبر . رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن سعيد بن الْمسيب ، أَن عمر وَعُثْمَان قَالَا : الْوَلَاء للكبر ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ورد أَبُو بكر ، وَعمر ، وَعُثْمَان ، وَعلي ، وَزيد ، وَابْن مَسْعُود يورثون الْكَبِير من الْوَلَاء ، وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة ابنه صَالح : حَدِيث عمر مَرْفُوعا : مَا أحرز الْوَالِد أَو الْوَلَد فَهُوَ لعصبته من كَانَ ، هَكَذَا يرويهِ عَمْرو بن شُعَيْب ، وَقد رُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد وَابْن مَسْعُود أَنهم قَالُوا : الْوَلَاء للكبر ، فَهَذَا الَّذِي يذهب إِلَيْهِ ، وَهُوَ قَول أَكثر النَّاس فِيمَا بلغنَا . فَائِدَة : الظَّاهِر أَن المُرَاد من الْكبر الْأَقْرَب لَا الْأَكْبَر سنا .
الرَّابِع : عَن ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : العَبْد يجر وَلَاؤُه إِذا أعتق . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ قَالَ الْأسود بن يزِيد : كَانَ شُرَيْح يقْضِي بولاء وَلَده - يَعْنِي لموَالِي الْأُم - حَتَّى حَدثهُ الْأسود بقول ابْن مَسْعُود فَقَضَى بِهِ شُرَيْح . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا قَالَ جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن الْأسود ، وَقد رَوَى الحكم عَن إِبْرَاهِيم قَالَ : كَانَ شُرَيْح لَا يكَاد يرجع عَن قَضَاء قَضَى بِهِ حَتَّى حَدثهُ الْأسود بن يزِيد ، عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ فِي الْحرَّة تكون تَحت العَبْد فتلد لَهُ أَوْلَادًا ، ثمَّ يعْتق أبوهم أَنه يصير ولاؤهم إِلَى موالي أَبِيهِم فَأخذ بِهِ شُرَيْح . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح . قَالَ : وَيحْتَمل أَن يكون الْأسود حَدثهُ عَن عمر وَابْن مَسْعُود جَمِيعًا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرَوَى مثل مقالتهم عَن زيد بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَهَذَا هُوَ الْأَثر الْخَامِس وَفِيمَا تقدم عَن هَؤُلَاءِ كِفَايَة .
وَأما آثاره فسبعة : أَحدهَا : عَن الْأَعْمَش ، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ : قَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : إِذا كَانَت الْحرَّة تَحت الْمَمْلُوك فَولدت [ لَهُ ] ولدا فَإِنَّهُ يعْتق بِعِتْق أمه ، وَوَلَاؤُهُ لموَالِي أمه ، فَإِذا أعتق الْأَب جر الْوَلَاء إِلَى موَالِي أَبِيه . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَمِنْه نقلته ، ثمَّ قَالَ : هَذَا مُنْقَطع . قَالَ : وَقد رُوِيَ موصلاً فَذكره من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن الْأسود ، عَنهُ أَنه قَالَ : إِذا تزوج الْمَمْلُوك الْحرَّة فَولدت فولدها يعتقون بِعتْقِهَا ، وَيكون ولاؤهم لولاء أمّهم ، فَإِذا أعتق الْأَب جر الْوَلَاء .
الثَّالِث : أَن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَضَى فِي عبد كَانَت تَحْتَهُ حرَّة فَولدت أَوْلَادًا فعتقوا بعتاقة أمّهم ، ثمَّ أعتق أبوهم بعد أَن ولاءهم لعصبة أَبِيهِم . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة ، عَن ابْن هُبَيْرَة كَمَا ذَكرْنَاهُ . قَالَ : وَأخْبرنَا ابْن الْمُبَارك ، عَن معمر ، عَن يزِيد الرشك : أَن عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كَانَ يجر الْوَلَاء .
الثَّانِي : عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه : أَن الزبير ، وَرَافِع بن خديج اخْتَصمَا إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فِي مولاة كَانَت لرافع بن خديج كَانَت تَحت عبد فَولدت مِنْهُ أَوْلَادًا فَاشْتَرَى الزبير العَبْد فَأعْتقهُ ، فَقَضَى عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بِالْوَلَاءِ للزبير . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَا ، وَمِنْه نقلته ، ثمَّ قَالَ : (هَذَا) هُوَ الْمَشْهُور عَن عُثْمَان ، وَرَوَى الزُّهْرِيّ عَن عُثْمَان بِخِلَافِهِ مُنْقَطِعًا : وَإِنَّمَا الْوَلَاء لَا يجر ، فَذكرهَا الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ ، ثمَّ قَالَ : وَالرِّوَايَة الأولَى من عُثْمَان أصح بشواهدها قَالَ : ومراسيل الزُّهْرِيّ ردية .
كتاب الدَّعْوَى والبينات كتاب الدَّعْوَى والبينات ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث سَبْعَة : أَحدهَا عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، عَن عَلّي بن أَحْمد بن عَبْدَانِ ، عَن الطَّبَرَانِيّ ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن كثير الصُّورِي ، نَا الْفرْيَابِيّ ، نَا سُفْيَان ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا سَوَاء ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَيْضا : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الله ، عَن عَمْرو بْن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي خطبَته : الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : فِي إِسْنَاده مقَال ، وَمُحَمّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي يضعف فِي الحَدِيث من قبل حفظه ؛ ضعفه ابْن الْمُبَارك وَغَيره . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حجاج عَن عَمْرو ، وحجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة ، (وَلم يسمعهُ من عَمْرو) إِنَّمَا حدث عَن الْعَرْزَمِي عَنهُ ، وَهَذَا الطَّرِيق وَالَّذِي قبله ؛ حَدِيث ابْن عَبَّاس مغني عَنْهُمَا ، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عمر فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ : فَقَامَ رجل فَقَالَ : يَا نبي الله ، إِنِّي وَقعت عَلى جَارِيَة بني فلَان ، وَإِنَّهَا ولدت مني ، فَأمر بولدي أَن يرد إِلَيّ . فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : لَيْسَ بولدك ، لَا يجوز هَذَا فِي الْإِسْلَام ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أولَى بِالْيَمِينِ إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لهِنْد : خذي من مَال أبي سُفْيَان مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ . هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَقد تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب النَّفَقَات .
الحَدِيث الثَّالِث أَن رجلا من حَضرمَوْت ، وَآخر من كِنْدَة أَتَيَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ : يَا رَسُول الله ، إِن هَذَا قد غلبني عَلَى أَرض كَانَت لأبي . فَقَالَ الْكِنْدِيّ : هِيَ أرضي فِي يَدي أزرعها فَلَيْسَ [ لَهُ ] فِيهَا حق ! فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للحضرمي : أَلَك بَيِّنَة ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فلك يَمِينه . قَالَ : يَا رَسُول الله ، الرجل فَاجر لَا يُبَالِي عَلَى مَا حلف عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يتورع من شَيْء . فَقَالَ : لَيْسَ لَك مِنْهُ إِلَّا ذَلِك . فَانْطَلق ليحلف فَقَالَ رَسُول الله لما أدبر الرجل : لَئِن حلف عَلَى مَاله ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من رِوَايَة وَائِل بن حجر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، قَالَ عبد الْحق : وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن وَائِل فِي كِتَابه شَيْئا . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : إِنَّه فَاجر لَيْسَ يتورع من شَيْء ، لَيْسَ فِيهَا إِلَّا سماك بن حَرْب ، وَهِي فِي سَنَد مُسلم ، وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث بطرِيق مُسلم من طَرِيق ابْن وضاح وَالنَّسَائِيّ ، ثمَّ ذكر أَن لَفْظَة انْطلق من رِوَايَة سماك بن حَرْب وَهُوَ يقبل التَّلْقِين . فَائِدَتَانِ : أَحدهمَا : حَضرمَوْت بِفَتْح الْحَاء وَإِسْكَان الضَّاد الْمُعْجَمَة . قَالَ أهل اللُّغَة : حَضرمَوْت اسْم لبلد بِالْيمن وَهُوَ أَيْضا اسْم لقبيلة ، وَاخْتلف المتكلمون عَلَى الحَدِيث وألفاظ الْمُهَذّب فِي المُرَاد بحضرموت فِي هَذَا الحَدِيث ؛ فَقيل : الْبَلدة . وَقيل : الْقَبِيلَة . قَالَ النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب : وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر . الثَّانِيَة : هَذَا المخاصم للحضرمي اسْمه : امْرُؤ الْقَيْس بن عَابس - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالسِّين الْمُهْملَة - الْكِنْدِيّ ، كَذَا جَاءَ فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره ، قَالَ الْخَطِيب فِي المبهمات : وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من يُسمى امْرُؤ الْقَيْس غَيره . قلت : وَقد ذكر ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ابْن عَابس هَذَا وَذكر بعده امْرأ الْقَيْس بن الْأَصْبَغ الْكَلْبِيّ وَقَالَ : بَعثه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَاملا عَلَى [ كلب ] ، وَذكر أَنه خَال أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف . وَاسم الْحَضْرَمِيّ : ربيعَة بِفَتْح الْعين وبالمثناة تحتهَا قَالَ الشَّيْخ زكي : لَهُ صُحْبَة ، وَشهد الْفَتْح بِمصْر وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة وليستدرك عَلَيْهِ .
الحَدِيث الثَّانِي أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَو يُعْطى النَّاس بدعواهم لَادعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة : الْيَمين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ ، وَأخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب التَّفْسِير من صَحِيحه بِلَفْظ : لَو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لذهب دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ ، وَفِي آخِره : الْيَمين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ ، وَذكر البُخَارِيّ فِيهِ قصَّة ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ . هَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم مَرْفُوعا كَمَا تقدم ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا ، وَقَالَ : حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض : قَالَ الْأصيلِيّ : لَا يَصح مَرْفُوعا ، إِنَّمَا هُوَ من قَول ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لَادعى رجال دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ ، لَكِن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِين عَلَى من أنكر . وَوَقع فِي كِفَايَة ابْن الرّفْعَة فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قبل قَوْله : وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ : لَكِن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي فِيهِ ، وَعَزاهَا إِلَى مُسلم وَهُوَ وهم ، فَلَيْسَ لفظ الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي فِيهِ . وَهَذَا الحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة من قَوَاعِد أَحْكَام الشَّرْع أَنه لَا يقبل قَول الْإِنْسَان فِيمَا يَدعِيهِ بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ ؛ بل يحْتَاج إِلَى الْبَيِّنَة أَو تَصْدِيق الْمُدعَى عَلَيْهِ ، فَإِن طلب يَمِين الْمُدعَى عَلَيْهِ فَلهُ ذَلِك .
الحَدِيث الْخَامِس حَدِيث ركَانَة ، وَقد سبق بِطُولِهِ فِي كتاب الطَّلَاق قَالَ الرَّافِعِيّ : قيل كَانَت امْرَأَته تَدعِي أَنه أَرَادَ أَكثر من طلقة ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يحلف ، فَلم يعْتد بِيَمِينِهِ قبل التَّحْلِيف فَأَعَادَ عَلَيْهِ .
بَاب الْقَافة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل عليَّ مَسْرُورا ، تبرق أسارير وَجهه ، فَقَالَ : ألم تَرَ أَن مُجَزِّزًا المدلجي نظر إِلَى زيد بن حَارِثَة ، وَأُسَامَة بن زيد قد غطيا رءوسهما بقطيفة وبدت أقدامهما ، فَقَالَ : إِن هَذِه الْأَقْدَام بَعْضهَا من بعض . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا قَالَ الْأَئِمَّة : وَسبب سروره أَن الْمُشْركين كَانُوا يطعنون فِي نسب أُسَامَة ؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَويلا أقنى الْأنف أسود ، وَكَانَ زيد قَصِيرا أخنس الْأنف بَين السوَاد وَالْبَيَاض ، وَقصد بعض الْمُنَافِقين بالطعن مغايظة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَ حبه ، فَلَمَّا قَالَ المدلجي ذَلِك وَهُوَ لَا يرَى إِلَّا أقدامهما سره ذَلِك ، كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالَّذِي فِي أبي دَاوُد : أَن أُسَامَة أسود وَزيد أَبيض ، وَنقل عبد الْحق عَن أبي دَاوُد : أَن زيدا كَانَ شَدِيد الْبيَاض ، وَكَذَا قَالَ البندنجي فِي الذَّخِيرَة ، وَالْقَاضِي حُسَيْن ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : إِن زيدا كَانَ أَخْضَر اللَّوْن ، وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد : كَانَ أُسَامَة أسود مثل اللَّيْل وَزيد أَبيض أشعر أَحْمَر . قلت : وَكله خلاف مَا ذكره الرَّافِعِيّ ، وَأما كَونهمَا كَانَا حبه فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ابْن عمر : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بعث بعثًا ، وأمّر عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد ، فطعن النَّاس فِي إمرته ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِن كُنْتُم تطعنوا فِي إمارته ، فقد كُنْتُم تطعنون فِي إِمَارَة أَبِيه من قبل ، وَايْم الله ، إِن كَانَ خليقًا للإمرة ، وَإِن كَانَ أَبوهُ لمن أحب النَّاس إِلَيّ ، وَإِن هَذَا من أحب النَّاس إِلَيّ بعده . فَائِدَة : مجزز - بِضَم الْمِيم ، وَفتح الْجِيم ، وبزاءين معجمتين الأولَى مَكْسُورَة مُشَدّدَة ، ثمَّ زَاي آخر - سمي بذلك ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذا أَخذ أَسِيرًا جز لحيته . قَالَه الزبير بن بكار ، وَقَالَ غَيره : يجز ناصيته ، وَقَالَ عبد الْغَنِيّ : لِأَنَّهُ جز نواصي الْعَرَب . وَحَكَى القَاضِي عِيَاض عَن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَعبد الْحق إنَّهُمَا حكيا عَن ابْن جريج أَنه بِفَتْح الزَّاي الأولَى ، وَعَن ابْن عبد الْبر وَأبي عَلّي الغساني أَن ابْن جريج قَالَ : إِنَّه محزز بِإِسْكَان الْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا ، وَقَالَ عبد الْغَنِيّ وَغَيره : الصَّوَاب الْكسر . والأسارير خطوط فِي الْجَبْهَة وَالْوَجْه . قَالَ الرَّافِعِيّ : يرْوَى : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه دَعَا قائفًا فِي رجلَيْنِ ادّعَيَا مولودًا ، قلت : هَذَا صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي (وَالِديهِ فَادَّعَى بالقائف) ، قلت : هَذَا صَحِيح عَنهُ ، رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَعَن الصَّحَابَة أَنهم رجعُوا إِلَى بني مُدْلِج دون سَائِر النَّاس . قلت : سرد الْبَيْهَقِيّ بَابا فِي الْقَائِف وَلم يذكر شَيْئا من هَذَا ، وَذكر الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ هُنَا حِكَايَة عَنهُ فِي الْقَافة فانظرها من الأَصْل فَإِنَّهَا مهمة وَالله أعلم .
الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أكره رجلا بَعْدَمَا حلف بِالْخرُوجِ عَن حق صَاحبه كَأَنَّهُ عرف كذبه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، عَن أسود بن عَامر [ عَن ] شريك ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن أبي [ يَحْيَى ] الْأَعْرَج ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : اخْتصم رجلَانِ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوَقَعت الْيَمين عَلَى أَحدهمَا ، فَحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا له (عِنْدِي) شَيْء ، فَنزل جِبْرِيل عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنَّه كَاذِب إِن لَهُ عِنْده حَقه . فَأمره أَن يُعْطِيهِ حَقه ، وَكَفَّارَة يَمِينه مَعْرفَته أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أَو شَهَادَته . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة وَكِيع ، عَن سُفْيَان ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن أبي يَحْيَى الْأَعْرَج ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَ رجلَانِ يختصمان فِي شَيْء إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ للْمُدَّعِي : أقِم الْبَيِّنَة فَلم يقمها ، قَالَ للْآخر : احْلِف . فَحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ [ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ادْفَعْ حَقه ، وستكفر عَنْك لَا إِلَه إِلَّا الله ] مَا صنعت . وَأخرجه أَيْضا أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي الْأَحْوَص : ثَنَا عَطاء بن السَّائِب ، عَن أبي يَحْيَى ، عَن ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لرجل أحلفه : احْلِف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا الله مَا لَهُ عِنْدِي شَيْء . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق والإسناد بِلَفْظ : جَاءَ خصمان إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَادَّعَى أَحدهمَا عَلَى الآخر ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للْمُدَّعِي : أقِم بينتك فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، لَيْسَ لي بَيِّنَة . فَقَالَ للْآخر : احْلِف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا له عَلَيْك أَو عنْدك شَيْء بِنَحْوِهِ . وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث حَمَّاد عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن أبي يَحْيَى ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم – الطَّالِب الْبَيِّنَة فَلم يكن لَهُ بَيِّنَة ، فاستحلف الْمَطْلُوب فَحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بلَى قد فعلت ، وَلَكِن غفر لَك بإخلاص قَول لَا إِلَه إِلَّا الله . وَرَوَاهُ فِي الْمُسْتَدْرك بِسَنَد النَّسَائِيّ ، وَأبي دَاوُد ، عَن أبي يَحْيَى ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن رجلا ادَّعَى عِنْد رجل حقًّا ، فاختصما إِلَى نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَة فَقَالَ : مَا عِنْدِي بَيِّنَة ، فَقَالَ للْآخر : احْلِف فَحلف فَقَالَ : وَالله مَا له عِنْدِي شَيْء . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بل هُوَ عنْدك ، ادْفَعْ إِلَيْهِ حَقه ، ثمَّ قَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : شهادتك أَن لَا إِلَه إِلَّا الله كَفَّارَة يَمِينك ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَأعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله [ بِأبي يَحْيَى الرَّاوِي عَن ] عَطاء ، وَقَالَ : إِنَّه مَجْهُول . وَفِيه نظر ؛ فَأَبُو يَحْيَى هَذَا اسْمه : زِيَاد ، كَذَا سَمَّاهُ الإِمَام أَحْمد ، وَالْبُخَارِيّ ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهم ، وَقَالَ عبد الْحق : اسْمه : مصدع وَكَذَا قَالَه [ ابْن ] عَسَاكِر فِي الْأَطْرَاف قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : وَهُوَ وهم إِنَّمَا هُوَ زِيَاد قَالَ : وَذكر لَهُ البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ هَذَا الحَدِيث . قَالَ عبد الْحق : وَأَبُو يَحْيَى هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : كَانَ عَالما بِابْن عَبَّاس ، وَقَالَ أَبُو أَحْمد : كَانَ زائغًا حائدًا عَن الْحق . وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ ذكره فِي محلاه من طَرِيق أبي دَاوُد ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث سَاقِط لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَنه عَن أبي يَحْيَى [ وَهُوَ ] مصدع الْأَعْرَج مجرح ، قطعت عرقوباه فِي التَّشَيُّع . وَالثَّانِي : أَن أَبَا الْأَحْوَص [ لم ] يسمع من عَطاء بن السَّائِب إِلَّا بعد اخْتِلَاط عَطاء ، وَإِنَّمَا سمع من عَطاء قبل الِاخْتِلَاط : سُفْيَان ، وَشعْبَة ، وَحَمَّاد بن زيد ، والأكابر المعروفون ، ثمَّ قَالَ : ورويناه من طَرِيق وَكِيع عَن الثَّوْريّ عَن عَطاء فَذكره ، ثمَّ قَالَ : فسفيان الَّذِي صَحَّ سَمَاعه من عَطاء ذكر أَن الرجل حلف بذلك لَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمره بِأَن يحلف لذَلِك . قَالَ : وَعَلَى كل حَال فَأَبُو يَحْيَى لَا شَيْء . قلت : قد عرفت أَنْت رِوَايَة حَمَّاد عَن عَطاء الَّذِي قَالَ : إن سَمَاعه مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط ، وَقد عرفت حَال أبي يَحْيَى ؛ فَبَطل مَا قَالَه أجمع . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث أبي قدامَة الْحَارِث بن عبيد ، عَن ثَابت ، عَن أنس : أَن رجلا حلف بِلَا إِلَه إِلَّا الله كَاذِبًا فَقَالَ رَسُول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : غفر لَهُ كذبه بتصديقه أَن لَا إِلَه إِلَّا الله . فَقَالَ : حَمَّاد بن سَلمَة يُخَالِفهُ بقوله عَن ثَابت عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَهُوَ أشبه من حَدِيث أبي قدامَة ، وَقَالَ بعده بأسطر : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ شُعْبَة ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن أبي البخْترِي ، عَن عبيد ، عَن ابْن الزبير ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَن رجلا حلف بِاللَّه كَاذِبًا فغفر لَهُ . قَالَ أبي : رَوَاهُ عبد الْوَارِث وَجَرِير ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن أبي يَحْيَى الْأَعْرَج ، عَن ابْن عَبَّاس فَذكره ، قلت لأبي : أَيهمَا أصح ؟ قَالَ : شُعْبَة أقدم سَمَاعا من هَؤُلَاءِ ، وَعَطَاء تغير بِأخرَة .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثر عمر فِي تَحْويل الْيَمين إِلَى الْمُدَّعِي ، وَهَذَا ذكره الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر فَقَالَ : أَوَلَا ترَى أَن عمر جعل [ الْأَيْمَان ] عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِم ، فَلَمَّا لم يحلفوا ردهَا عَلَى المدعيين ، وكل هَذَا تَحْويل يَمِين . وَذكر فِيهِ أَيْضا الْأَثر الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الرّبيع ، عَن الشَّافِعِي قَالَ : هَذَا قَول حكام المكيين ومفتيهم - يَعْنِي التَّغْلِيظ بِالْمَكَانِ - وَمن حجتهم فِيهِ مَعَ إِجْمَاعهم أَن مُسلما والقداح أخبراني ، عَن ابْن جريج ، عَن عِكْرِمَة بن خَالِد : أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَأَى قوما يحلفُونَ بَين الْمقَام وَالْبَيْت ، فَقَالَ : أَعلَى دم ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فعلَى عَظِيم من الْأَمْوَال ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : خشيت أَن يبهأ النَّاس بِهَذَا الْمقَام . قَالَ الشَّافِعِي : فَذَهَبُوا إِلَى أَن الْعَظِيم من الْأَمْوَال مَا وصفت من عشْرين دِينَارا فَصَاعِدا . قَالَ : وَقَالَ مَالك يحلف عَلَى الْمِنْبَر عَلَى ربع دِينَار . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَوْله يبهأ النَّاس يَعْنِي : يأنسوا بِهِ ، فتذهب هيبته من قُلُوبهم . قَالَ أَبُو عبيد : يُقَال : بهأت بالشَّيْء إِذا آنست بِهِ . وأعل هَذَا الْأَثر أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَقَالَ فِي محلاه : الرِّوَايَة عَن عبد الرَّحْمَن سَاقِطَة ، لَا يُدْرَى لَهَا أصل وَلَا مخرج ، ثمَّ لَو صحت لم يحد عبد الرَّحْمَن فِي كثير المَال مَا حد مَالك وَالشَّافِعِيّ ، وَمَا نعلم أحدا سبقهما إِلَى ذَلِك . وَوَقع بدل [ يبهأ ] يتهاون ، وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة فِي كِتَابيه ، وَلم أَقف عَلَى شَيْء عَلَى من خرجها بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ فسره الرَّافِعِيّ بِمَا فسر بِهِ الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ قبل إِيرَاده لَهُ : وَأما الْأَمْوَال يتَحَرَّى التَّغْلِيظ فِي كثيرها دون قليلها عَلَى مَا ورد فِي الْآثَار .
الحَدِيث السَّابِع عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد الْيَمين عَلَى طَالب الْحق . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، عَن أبي هُرَيْرَة الْأَنْطَاكِي مُحَمَّد بن عَلّي بن حَمْزَة بن صَالح ، نَا يزِيد بن مُحَمَّد ، نَا سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، ثَنَا مُحَمَّد بن مَسْرُوق ، عَن إِسْحَاق بن الْفُرَات ، عَن اللَّيْث بن سعد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد الْيَمين عَلَى صَاحب الْحق . قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ : فِي إِسْنَاده جمَاعَة مَجَاهِيل . وَلم يسمهم رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان فِي علله : سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن [ هُوَ ] ابن بنت شُرَحْبِيل الدِّمَشْقِي ، وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ إِلَّا أَنه كَانَ أروى النَّاس عَن المجاهيل ، وَكَانَت فِيهِ غَفلَة فِي حد لَو أَن رجلا وضع لَهُ حَدِيثا لم يفهم وَكَانَ لَا يميزه . قَالَ : وَمُحَمّد بن مَسْرُوق لَا يعرف لَهُ حَال ، رَوَى عَنهُ هِشَام بن عمار ومُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقي . وَأعله عبد الْحق فِي الْأَحْكَام بِإسْحَاق بن الْفُرَات ، وَقَالَ : إِنَّه ضَعِيف . وَأنكر عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان وَقَالَ : طوي ذكر من دون إِسْحَاق ، وَإِسْحَاق خير مِمَّن دونه ، فَإِنَّهُ - أَعنِي إِسْحَاق بْن الْفُرَات بن الْجَعْد بن سليم مولَى مُعَاوِيَة بن حديج - فَقِيه ، ولي الْقَضَاء بِمصْر خَليفَة لمُحَمد بن مَسْرُوق الْكِنْدِيّ ، يكنى أَبَا نعيم ، يروي عَن مَالك ، وَاللَّيْث ، وَيَحْيَى بن أَيُّوب ، والمفضل بن فضَالة ، وَحميد بن هَانِئ ، وَلم يعرفهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ؛ وَذَلِكَ أَنه سُئِلَ عَنهُ فَقَالَ : شيخ لَيْسَ بالمشهور ، وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم : مَا رَأَيْت قَاضِيا أفضل مِنْهُ وَكَانَ عَالما . قَالَ بَحر بن نصر : سَمِعت ابْن علية يَقُول : مَا رَأَيْت ببلدكم أحدا يحسن الْعلم إِلَّا ابْن الْفُرَات قَالَ ابْن الْوَزير : كَانَ من أكَابِر أَصْحَاب مَالك ، وَكَانَ لَقِي القَاضِي أَبَا [ يُوسُف بِالْبَصْرَةِ ] ، وَأخذ عَنهُ وَولي الْقَضَاء ، وَكَانَ موفقًا سديدًا . انْتَهَى . وَفِي الْمِيزَان لِلْحَافِظِ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ قَالَ : هُوَ قَاضِي مصر ، فَقِيه ، صَدُوق . قَالَ : وَمَا ذكرته إِلَّا [ لِأَن غَيْرِي ] ذكره متشبثًا بِشَيْء لَا يدل ، وَهُوَ قَول أبي حَاتِم : شيخ لَيْسَ بالمشهور . نعم قَالَ ابْن يُونُس فِي تَارِيخه : فِي أَحَادِيثه أَحَادِيث كَأَنَّهَا [ مَقْلُوبَة ] ، وَقَالَ السُّلَيْمَانِي : هُوَ مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ فِي تذهيبه : وَثَّقَهُ أَبُو عوَانَة الْحَافِظ ، وَأخرج هَذَا الحَدِيث الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مسلمة الْعَنزي ، ثَنَا عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ ، نَا سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، كَمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ إِسْنَادًا ومتنًا إِلَّا أَنه قَالَ : عَلَى طَالب الْحق . كَمَا أوردهُ الإِمَام الرَّافِعِيّ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِي ذَلِك نظر كَبِير لما تقدم ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك وَقَالَ : تفرد بِهِ . لَا جرم أَن الْحَافِظ أَبَا عبد الله الذَّهَبِيّ أنكر عَلَيْهِ فَقَالَ فِي مُخْتَصر الْمُسْتَدْرك عقب تَصْحِيحه لَهُ : لَا أعرف مُحَمَّد [ بن ] مَسْرُوق هَذَا ، وأخشى أَن يكون الحَدِيث بَاطِلا . قلت : وَأخرجه تَمام الرَّازِيّ فِي فَوَائده بِإِسْنَادِهِ ، عَن اللَّيْث ، عَن الثَّوْريّ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يرد الْيَمين عَلَى طَالب الْحق ، وَهَذَا قد يرد مَا تقدم تعليلاً ؛ لِأَنَّهُ أَدخل بَين اللَّيْث وَنَافِع : الثَّوْريّ وَقد يُجَاب عَن ذَلِك .
الحَدِيث الْعَاشِر أَن خصمين أَتَيَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَيَأْتِي كل وَاحِد مِنْهُمَا بالشهود ، فَأَسْهم بَينهمَا ، وَقَضَى لمن خرج لَهُ السهْم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن قُتَيْبَة ، عَن اللَّيْث ، عَن بكير بن عبد الله أَنه سمع سعيد بن الْمسيب يَقُول : اخْتصم رجلَانِ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي (أَمر) ، فجَاء كل وَاحِد مِنْهُمَا بشهداء عدُول عَلَى عدَّة وَاحِدَة ، فَأَسْهم بَينهمَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْت تقضي بَينهمَا . فَقَضَى للَّذي خرج لَهُ السهْم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُرْسل ، وَله شَاهد من وَجه آخر ، عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن أبي الْأسود ، عَن عُرْوَة وَسليمَان بن يسَار : أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَتَى كل وَاحِد مِنْهُمَا بِشُهُود وَكَانُوا سَوَاء ، فَأَسْهم بَينهم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم : رَوَى تَمِيم بن طرفَة : أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي بعير ، فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهِدين فَقَضَى بَينهمَا نِصْفَيْنِ . قَالَ الشَّافِعِي : وَتَمِيم رجل مَجْهُول ، والمجهول لَو لم يُعَارضهُ أحد لم تكن رِوَايَته حجَّة ، وَسَعِيد بن الْمسيب يروي عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا وَصفنَا ، وَسَعِيد سعيد ، وَقد زَعمنَا أَن الْحَدِيثين إِذا اخْتلفَا فالحجة فِي أصح الْحَدِيثين ، وَلَا أعلم عَالما يشكل عَلَيْهِ أَن حديثنا أصح ، وَأَن سعيدًا من أصح النَّاس مُرْسلا ، وَهُوَ بالسنن فِي الْقرعَة أشبه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَحَدِيث تَمِيم بن طرفَة مُنْقَطع ، وَتَمِيم طائي كُوفِي يروي عَن عدي بن حَاتِم ، وَجَابِر بن سَمُرَة ، وَهُوَ من متأخري التَّابِعين ، وَمَتى يدْرك دَرَجَة سعيد بن الْمسيب . قلت : ويروي عَنهُ عبد الْعَزِيز بن رفيع وَسماك وَغَيرهمَا ، وَأخرج لَهُ مُسلم وَالْحَاكِم وَابْن حبَان ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته فِي التَّابِعين ؛ فَفِي [ قَوْله ] إِنَّه [ مَجْهُول ] إِذن نظر . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث الثَّامِن عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي بعير فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة أَنه لَهُ ، فَجعله النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَينهمَا . الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث شُعْبَة عَن قَتَادَة ، عَن سعيد بن أبي بردة ، عَن أبي بردة ، عَن أَبِيه : أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي دَابَّة لَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة فَجَعلهَا بَينهمَا نِصْفَيْنِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد [ من ] رِوَايَة همام عَن قَتَادَة بِمَعْنى إِسْنَاده الأول ، كَذَا قَالَه أَبُو دَاوُد ، وَالْأول رَوَاهُ عَن قَتَادَة ، عَن سعيد بن أبي بردة ، عَن أَبِيه ، عَن جده أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : أَن رجلَيْنِ ادّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَبعث كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهِدين ، فَقَسمهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَينهمَا نِصْفَيْنِ ، وَرِجَاله كلهم ثِقَات ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن كثير ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن قَتَادَة ، (عَن النَّضر بن) أنس ، عَن أبي بردة ، عَن أبي مُوسَى : أَن رجلَيْنِ ادّعَيَا دَابَّة وجداها عِنْد رجل ، فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا (بَيِّنَة) أَنَّهَا دَابَّته ، فَقَضَى بهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَينهمَا نِصْفَيْنِ . قَالَ عبد الْحق : قَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا خطأ . قَالَ : وَمُحَمّد بن كثير هَذَا هُوَ المصِّيصِي ، وَهُوَ صَدُوق ، إِلَّا أَنه كَانَ يُخطئ فِي حَدِيثه ؛ لِأَنَّهُ اخْتَلَط فِي آخر عمره . قَالَ : خطأه فِي هَذَا الحَدِيث ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يروي عَن قَتَادَة عَن سعيد بن أبي بردة كَمَا سَيَأْتِي ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه عَلَى وَجه آخر ، وَرَوَوْهُ عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن سعيد بن أبي بردة ، عَن جده أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رجلَيْنِ ادّعَيَا بَعِيرًا ، أَو دَابَّة عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة ، فَجَعلهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَينهمَا . قَالَ عبد الْحق قَالَ النَّسَائِيّ : إِسْنَاده جيد ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من هَذِه الطَّرِيق ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . قَالَ : وَقد خَالف همام بن يَحْيَى سعيد بن أبي عرُوبَة فِي متن هَذَا الحَدِيث ، فَرَوَاهُ قَتَادَة ، عَن سعيد بن أبي بردة ، عَن أَبِيه ، فَذكر الطَّرِيق الأول ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث أَيْضا صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعد أَن سَاق الحَدِيث : وَفِيه فَبعث كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهِدين ، كَذَلِك رَوَاهُ حجاج بن منهال ، عَن همام . قَالَ : وَهُوَ من حَدِيث همام بن يَحْيَى عَن قَتَادَة بِهَذَا اللَّفْظ مَحْفُوظ . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث شُعْبَة عَن قَتَادَة بِمثل إِسْنَاده وَمَتنه ، ثمَّ قَالَ : هَكَذَا قَالَ عَن شُعْبَة . قَالَ : وَقد روينَا عَن [ ابْن ] أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة مَوْصُولا ، وَعَن شُعْبَة عَن قَتَادَة مُرْسلا مخالفان همامًا ، وَهَذِه الرِّوَايَة عَن شُعْبَة [ فِي لَفظه ] ؛ فَإِنَّهُمَا قَالَا : لَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة ، وَفِي رِوَايَة همام وَهَذِه الرِّوَايَة عَن شُعْبَة فَبعث كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهِدين ، وَيحْتَمل عَلَى الْبعد أَن يَكُونَا قصتين ، وَيحْتَمل أَن [ تكون ] قصَّة وَاحِدَة ، والبينتان حِين تَعَارَضَتَا سقطتا فَقيل : لَيْسَ لوَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة ، وَقسم الشَّيْء بَينهمَا نِصْفَيْنِ بِحكم الْيَد . قَالَ : والْحَدِيث مَعْلُول عِنْد أهل الحَدِيث مَعَ الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده عَلَى قَتَادَة حَيْثُ رَوَاهُ الضَّحَّاك بن حَمْزَة ، عَن قَتَادَة ، عَن أبي مجلز ، عَن أبي بردة ، عَن أبي مُوسَى أَن رجلَيْنِ الحَدِيث ، وَفِيه : وَجَاء مَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهِدَانِ ، وَحَيْثُ رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن قَتَادَة ، عَن النَّضر بن أنس ، عَن بشير بن نهيك ، عَن أبي هُرَيْرَة : أَن رجلَيْنِ ادّعَيَا دَابَّة فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا شَاهِدين ، فَجعله النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَينهمَا نِصْفَيْنِ . وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الطَّرِيق وباللفظ أَيْضا ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن قَتَادَة ، عَن النَّضر بن أنس ، عَن أبي بردة ، [ عَن أبي مُوسَى ] ، وَفِيه فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ فِيمَا بَلغنِي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ، عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن حَمَّاد مُتَّصِلا ، فَعَاد الحَدِيث إِلَى حَدِيث أبي بردة إِلَّا أَنه عَن قَتَادَة عَن النَّضر بن أنس غَرِيب . وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة [ فَأرْسلهُ ] فَقَالَ : عَن قَتَادَة ، عَن النَّضر بن أنس ، وَهُوَ فِيمَا ذكره ابْن خُزَيْمَة ، عَن أبي مُوسَى ، عَن أبي الْوَلِيد ، وَلَفظه : ادّعَيَا [ دَابَّة ] أَنَّهُمَا وجداها فِي يَد رجل . وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبُو عوَانَة ، عَن سماك بن حَرْب ، عَن تَمِيم بن طرفَة قَالَ : أنبئت أَن رجلَيْنِ الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُرْسل . قَالَ : وَقد بَلغنِي [ عَن ] أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ أَنه سَأَلَ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ عَن حَدِيث سعيد بن أبي بردة عَن أَبِيه فِي هَذَا الْبَاب ، فَقَالَ : يرجع هَذَا الحَدِيث إِلَى حَدِيث سماك بن حَرْب عَن تَمِيم بن طرفَة . قَالَ البُخَارِيّ : وَقد رَوَى حَمَّاد بن سَلمَة قَالَ : قَالَ سماك بن حَرْب : أَنا حدثت أَبَا بردة بِهَذَا الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وإرسال شُعْبَة هَذَا الحَدِيث عَن قَتَادَة عَن سعيد بن أبي بردة عَن أَبِيه فِي رِوَايَة غنْدر عَنهُ كالدلالة عَلَى ذَلِك ، وَقَالَ فِي خلافياته – أَعنِي الْبَيْهَقِيّ - أَيْضا : حَدِيث سعيد بن أبي بردة عَن أَبِيه عَن أبي مُوسَى مَعْلُول من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَن مَتنه مُخْتَلف فِيهِ والْحَدِيث وَاحِد . وَالثَّانِي : أَن فِيهِ إرْسَالًا ، يُقَال : إِن أَبَا بردة لم يسمع هَذَا الحَدِيث . قَالَ : ولهذه الْعلَّة لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ فِي الصَّحِيح . وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ هَذَا الحَدِيث ، وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى قَتَادَة ، قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو كَامِل مظفر بن مدرك عَن [ حَمَّاد ] بن سَلمَة ، عَن قَتَادَة ، عَن النَّضر بن أنس ، عَن أبي بردة مُرْسلا ، وَقَالَ فِي آخِره : قَالَ حَمَّاد : فَحدث بِهِ سماك بن حَرْب ، فَقَالَ سماك : أَنا حدثت بِهِ أَبَا بردة . ثمَّ [ ذكر ] الِاخْتِلَاف عَلَى سماك ، فَقَالَ : مدَار الحَدِيث يرجع عَلَى سماك ، وَالصَّحِيح عَن سماك مُرْسلا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ : الصَّحِيح أَنه عَلَى سماك مُرْسلا عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ عبد الْحق : وَقَالَ غير الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا لَا يضر الحَدِيث ، وَقد أسْندهُ ثقتان عَن قَتَادَة عَن سعيد بن أبي [ بردة ] [ عَن أَبِيه ] عَن أبي مُوسَى ، وهما سعيد بن أبي عرُوبَة وَهَمَّام بن يَحْيَى ، وَلَعَلَّ سعيد بن أبي [ بردة ] سَمعه من سماك ، وسَمعه من أَبِيه عَن أبي مُوسَى .
الحَدِيث التَّاسِع أَن رجلَيْنِ تداعيا دَابَّة ، وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُمَا بَيِّنَة أَنَّهَا دَابَّته ، فَقَضَى بهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للَّتِي هِيَ فِي يَده . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ، أخرجه الشَّافِعِي وَهُوَ فِي مُسْنده [ عَن ] ابْن أبي يَحْيَى ، عَن إِسْحَاق [ بن أَبي ] فَرْوَة ، عَن عمر بن الحكم ، عَن جَابر بن عبد الله : أَن رجلَيْنِ تداعيا [ دَابَّة ] ، فَأَقَامَ كل وَاحِد مِنْهُمَا الْبَيِّنَة أَنَّهَا دَابَّته أنتجها ، فَقَضَى بهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للَّتِي هِيَ فِي يَده ، ابْن أبي يَحْيَى ، وَإِسْحَاق قد عرفت حَالهمَا ، قَالَ الشَّافِعِي : هَذِه رِوَايَة صَالِحَة لَيست بالقوية وَلَا الساقطة . وَلم نجد أحدا من أهل الْعلم يُخَالِفهُ فِي القَوْل بِهَذَا ، مَعَ أَنَّهَا قد رويت من غير هَذَا الْوَجْه ، وَإِن لم تكن قَوِيَّة انْتَهَى . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث زيد ابن نعيم ، عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، عَن أبي حنيفَة - عَن هَيْثَم الصَّيْرَفِي وَهُوَ ثِقَة - عَن الشّعبِيّ ، عَن جَابر : أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي نَاقَة فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا : نتجت هَذِه النَّاقة عِنْدِي . وَأَقَامَا بَيِّنَة ، فَقَضَى بهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للَّذي هِيَ فِي يَده . و [ زيد بن نعيم ] الرَّاوِي عَن مُحَمَّد بن الْحسن لَا يعرف فِي غير هَذَا الحَدِيث ، قَالَه الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ، قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام : هُوَ رجل لَا يعرف حَاله .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تقبل شَهَادَة ظنين وَلَا خصم . هَذَا الحَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه ، لم أَقف عَلَى من خرجه ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوفا عَلَى والده بلاغًا ، وَهَذَا لَفظه : عَن مَالك أَنه بلغه أَن عمر بن الْخطاب قَالَ : لَا تجوز شَهَادَة خصم وَلَا ظنين . وَوَقفه عَلَى عَائِشَة ، وَجَابِر ، وَأبي هُرَيْرَة ، أما حَدِيث عَائِشَة فَتقدم فِي الْبَاب بِلَفْظ : لَا تجوز شَهَادَة ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة . وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث حَمَّاد بْن الْحسن ، [ عَن أبي دَاوُد ] ، عَن قيس بن الرّبيع ، عَن عبد الله بن [ مُحَمَّد بن ] عقيل ، عَن جَابر مَرْفُوعا : لَا تجوز شَهَادَة مُتَّهم وَلَا ظنين . أعله عبد الْحق بِعَبْد الله بن عقيل فَقَالَ : ضعفه النَّاس إِلَّا أَحْمد بن [ حَنْبَل ، و ] إِسْحَاق [ بن رَاهَوَيْه ] ، والْحميدِي . قلت : وَغَيرهم كَمَا عَرفته فِي بَاب الْوضُوء ، وَترك فِي الْإِسْنَاد - كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان - قيس بن الرّبيع وَهُوَ ضَعِيف عِنْده ، وَحَمَّاد بن الْحسن وَهُوَ لَا يعرف حَاله . وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ الْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا تجوز شَهَادَة ذِي الْجنَّة والظنينة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَادَّعَى الإِمَام فِي نهايته أَن الشَّافِعِي اعْتمد خَبرا صَحِيحا وَهُوَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : لَا تقبل شَهَادَة خصم عَلَى خصم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَصَح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب [ وَإِن كَانَ مُرْسلا ] حَدِيث عبد الرَّحْمَن [ عَن ] الْأَعْرَج أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تجوز شَهَادَة ذِي الظنة وَالْجنَّة [ والحنة ] . وَالْجنَّة : الْجُنُون [ والحنة ] : الَّذِي يكون بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا أَدْرِي هَذَا التَّفْسِير من قَول من [ من ] هَؤُلَاءِ الروَاة . يَعْنِي : رُوَاة الحَدِيث ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَجعل التَّفْسِير الْمَذْكُور من قَوْله . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ من وَجه آخر مُرْسل عَن طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث مناديًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الثَّنية : أَنه لَا تجوز شَهَادَة خصم وَلَا ظنين وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ . أخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله مَعَ حَدِيث الْأَعْرَج . قلت : الَّذِي فِي مراسيله من حَدِيث طَلْحَة الْمَذْكُور لَا تجوز شَهَادَة الْخصم وَلَا ظنين لم يزدْ عَلَى هَذَا ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَانِ المرسلان يقويان حَدِيث عَائِشَة السالف ويؤكدانه . فَائِدَة : الظنين : الْمُتَّهم ، وَقيل : المُرَاد الْخصم الْعَدو ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيّ ، وَاعْلَم أَنه تقدم فِي الحَدِيث إحْنَة بِالْألف ، وَفِي الصَّحِيح : فِي صَدره إحْنَة ؛ أَي : حقد ، وَلَا تقل : حنة . وَفِي الغريبين للهروي [ الحنة ] لُغَة ردية ، واللغة الْعَالِيَة : إحْنَة . قَالَ الْأَصْمَعِي : فِي صَدره إحْنَة ، وَلَا يُقَال : حنة . وَحَكَى حنة المطرزي ، عَن ابْن الْأَعرَابِي ، وَابْن درسْتوَيْه ، عَن الْخَلِيل ، وَابْن خالويه .
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تقبل شَهَادَة أهل دين عَلَى غير أهل دين أهلهم ، إِلَّا الْمُسلمُونَ فَإِنَّهُم عدُول عَلَى أنفسهم وَعَلَى غَيرهم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث شَاذان قَالَ : كنت عِنْد سُفْيَان الثَّوْريّ فَسمِعت شَيخا يحدث ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا لَا يتوارث أهل ملتين شَتَّى ، وَلَا تجوز شَهَادَة مِلَّة عَلَى مِلَّة إِلَّا مِلَّة مُحَمَّد ؛ فَإِنَّهَا تجوز عَلَى غَيرهم ، قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن شَاذان [ فَسَأَلت ] عَن هَذَا الشَّيْخ بعض أَصْحَابنَا ، فَزعم أَنه عمر بن رَاشد الْحَنَفِيّ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، عَن الْأسود بن عَامر - وَهُوَ شَاذان - عَن عمر بن رَاشد ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة مَرْفُوعا : لَا تَرث مِلَّة من مِلَّة ، وَلَا تجوز شَهَادَة مِلَّة عَلَى مِلَّة إِلَّا شَهَادَة الْمُسلمين ؛ فَإِنَّهَا تجوز عَلَى جَمِيع الْملَل . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحسن بن مُوسَى ، عَن عمر بن رَاشد ، وَرَوَاهُ عَلّي بن الْجَعْد ، عَن عمر ، عَن يَحْيَى ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة أَحْسبهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يَرث أهل مِلَّةٍ مِلَّة ، وَلَا تجوز شَهَادَة مِلَّة عَلَى مِلَّة (إِلَّا) أمتِي تجوز شَهَادَتهم عَلَى من سواهُم . قلت : فمدار الحَدِيث إِذن عَلَى عمر هَذَا ، وَهُوَ عمر بن رَاشد بن بَحر اليمامي وَقد ضَعَّفُوهُ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ضعفه أَحْمد بن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بن معِين وَغَيرهمَا من أَئِمَّة النَّقْل وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَكَذَا قَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه ، وَقَالَ البُخَارِيّ : هُوَ مُنكر الحَدِيث . وَضَعفه جدًّا ، وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يحل ذكره إِلَّا عَلَى سَبِيل الْقدح ، يضع الحَدِيث عَلَى مَالك ، وَابْن أبي ذِئْب ، وَغَيرهمَا من الثِّقَات ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : رَوَاهُ عمر بن رَاشد ، عَن يَحْيَى ، عَن أبي هُرَيْرَة ، من النَّاس من يرويهِ هَكَذَا عَن عمر ، وَرَوَاهُ عَلّي بن الْجَعْد [ عَن عمر بن رَاشد ] عَن يَحْيَى عَن أبي سَلمَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسل ، قَالَ : وَعمر شيخ ضَعِيف الحَدِيث . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنه [ لَا ] تقبل شَهَادَة الْكَافِر مُطلقًا - أَعنِي ذميًّا كَانَ أَو حربيًّا - شهد عَلَى مُسلم أَو كَافِر ، قَالَ الْأَصْحَاب : وَلَا حجَّة فِيهِ ، أَي : عَلَى تَقْدِير صِحَّته إِن سمع شَهَادَتهم عَلَى أهل دينهم ؛ لِأَنَّهُ لَو دلّ لَهُم فَإِنَّمَا يدل بِالْمَفْهُومِ وهم لَا يَقُولُونَ بِهِ ، وَلَا يُقَال : إنهم يَقُولُونَ بِهِ ، فَكيف خالفتموه ؛ لأَنا نقُول فِي الْوَضع الَّذِي لَا يكون غَيره أَقْوَى مِنْهُ ، وَهنا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، وَأَيْضًا فَإِن دَلِيل الْخطاب إِنَّمَا يَقُول بِهِ فِي الْمَوْضُوع الَّذِي لَا يؤول إِلَى إبِْطَال تعلقه ، أما إِذا أَدَّى إِلَيْهِ فَلَا نقُول بِهِ ؛ لِأَن النُّطْق أَقْوَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَصله ، وَالْأَصْل إِذا بَطل بَطل الْفَرْع ، وَالْأَمر هَاهُنَا كَذَلِك .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يستشهد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم من طَرِيق زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . فَائِدَتَانِ : الأولَى : فِي المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث تَأْوِيلَانِ ؛ أصَحهمَا وأشهرهما تَأْوِيل مَالك ، وأصحابنا عَلَى من عِنْده شَهَادَة لإِنْسَان بِحَق ، وَلَا يعلم ذَلِك الْإِنْسَان أَنه شَاهد فَأَتَى إِلَيْهِ يُخبرهُ بِأَنَّهُ شَاهد لَهُ . وَثَانِيهمَا : أَنه مَحْمُول عَلَى شَهَادَة الْحِسْبَة ، وَذَلِكَ فِي غير حُقُوق الْآدَمِيّين . وَفِيه تَأْوِيل ثَالِث : أَنه مَحْمُول عَلَى الْمُبَالغَة ، كَمَا يُقَال : الْجواد يُعْطي قبل السُّؤَال من غير توقف . الثَّانِيَة : كَيفَ ذمّ - فِي الحَدِيث الَّذِي قبل هَذَا - الشَّهَادَة قبل الاستشهاد ومدح هُنَا ؟ ! . وَجمع [ بَينهمَا عَلَى ] أوجه أَصَحهَا : أَنه مَحْمُول عَلَى من مَعَه شَهَادَة لآدَمِيّ عَالم بهَا فَيَأْتِي فَيشْهد [ بهَا قبل أَن تطلب مِنْهُ . وَالثَّانِي : أَنه مَحْمُول عَلَى شَاهد الزُّور فَيشْهد ] بِمَا لَا أصل لَهُ فِيهِ وَلم يستشهد . وَثَالِثهَا : أَنه مَحْمُول عَلَى من ينْتَصب شَاهدا وَلَيْسَ من أَهلهَا . وَرَابِعهَا : أَنه مَحْمُول [ عَلَى ] من يشْهد لقوم بِالْجنَّةِ أَو بالنَّار من غير توقف ، وَهَذَا ضَعِيف .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تقبل شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا زَان وَلَا زَانِيَة . هَذَا الحَدِيث يرْوَى من طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده وَله خمس طرق عَنهُ : أَولهَا : عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز ، عَن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد شَهَادَة الخائن والخائنة ، وَذي الغِمر عَلَى أَخِيه ، ورد شَهَادَة القانع لأهل الْبَيْت وأجازها لغَيرهم ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه كَذَلِك سندًا ومتنًا ، ثمَّ رَوَاهُ بالسند الْمَذْكُور بِلَفْظ : قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا زَان وَلَا زَانِيَة ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه ، ثمَّ قَالَ : الْغمر : الحنة والشحناء ، وَقَالَ غَيره : الْعَدَاوَة . وَقَوله : عَلَى أَخِيه رَأَيْته فِي نُسْخَة كَذَا فِي الْأُخوة وبخط بعض الْقُضَاة الأحنة من الْعَدَاوَة وَهُوَ ظَاهر . ثَانِيهَا : من حَدِيث مُحَمَّد بن رَاشد ، عَن سُلَيْمَان ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، [ عَن أَبِيه ] ، عَن جده : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد شَهَادَة الخائن والخائنة ، وَذَوي الْغمر عَلَى أَخِيه ، ورد شَهَادَة القانع لأهل الْبَيْت [ وأجازها ] لغَيرهم ، والقانع : الَّذِي ينْفق عَلَيْهِ أهل الْبَيْت . وَسليمَان هَذَا هُوَ الْمَذْكُور فِي الطَّرِيق الأول أَيْضا ، وَهُوَ أموي مَوْلَاهُم دمشقي الْأَشْدَق ، قَالَ خَ : عِنْده مَنَاكِير ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَمُحَمّد هَذَا هُوَ المكحول ، وَفِيه مقَال ، وَثَّقَهُ أَحْمد وَالْجَمَاعَة ، وَقَالَ دُحَيْم : يذكر بِالْقدرِ ، وَقَالَ أَبُو مسْهر : كَانَ يرَى الْخُرُوج ، وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ من أهل النّسك لَكِن لم يكن الحَدِيث من صناعته ، وَكَانَ يَأْتِي بالشَّيْء عَلَى التَّوَهُّم ، وَكَثُرت الْمَنَاكِير فِي رِوَايَته فَاسْتحقَّ ترك الِاحْتِجَاج بِهِ . وَأخرج هَذَا الحَدِيث تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام من طَرِيق أبي دَاوُد هَذِه وَقَالَ : اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بِهَذَا ، (وَنقض رِوَايَته) . ثَالِثهَا : من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة النَّخعِيّ ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : لَا يجوز للشَّهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه ، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، وَابْن أبي شيبَة فِي تصنيفه ، وَلَفظه : الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم عَلَى بعض إِلَّا محدودًا فِي فِرْيَة . وَالْحجاج هَذَا قد عرفت حَاله غير مرّة . رَابِعهَا : من حَدِيث آدم بن فائد ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا مَحْدُود فِي الْإِسْلَام ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه كَذَلِك ، وآدَم هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مَجْهُول ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا يحْتَج بِهِ . خَامِسهَا : من حَدِيث الْمثنى بن الصَّباح ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : [ لَا ] تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا مَوْقُوف عَلَى حد ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه كَذَلِك ، والمثنى هَذَا سبق تَضْعِيفه غير مرّة ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعد أَن أخرجه من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ : [ آدم بن فائد والمثنى بن الصَّباح لَا يحْتَج بهما ، و ] رُوِيَ من أوجه ضَعِيفَة عَن عَمْرو ، قَالَ : [ وَمن ] رَوَى من الثِّقَات هَذَا الحَدِيث وَلَا مجرب لم يذكر المجلود ، وَلم يذكر الْمَحْدُود فِيهِ ، وَهُوَ الثِّقَة من جملَة من رَوَى هَذَا عَن عَمْرو فَلَا يلْزمنَا قَول خلاف من خَالفه . الطَّرِيق الثَّانِي : من أصل طرق الحَدِيث حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تجوز [ شَهَادَة ] خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا [ مجلود ] حدًّا [ وَلَا مجلودة ] ، وَلَا ذِي غمر لِأَخِيهِ ، وَلَا مجرب عَلَيْهِ شَهَادَة زور ، وَلَا القانع لأهل الْبَيْت لَهُم ، وَلَا ظنين [ فِي وَلَاء ] وَلَا قرَابَة قَالَ الْفَزارِيّ : القانع : التَّابِع . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه كَذَلِك من رِوَايَة يزِيد بن زِيَاد الدِّمَشْقِي ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة . وَمِمَّنْ رَوَاهُ كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَلم يذكر القانع وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه دون قَوْله : وَلَا مجرب ، وَلَا ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة ، لكنه قَالَ فِيهِ : يزِيد بن أبي زِيَاد الْقرشِي . وَهُوَ يزِيد بن زِيَاد أَيْضا - يُقَال فِيهِ هَذَا وَهَذَا - قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا يعرف هَذَا [ الحَدِيث ] من حَدِيث الزُّهْرِيّ إِلَّا من حَدِيثه ، وَلَا نَعْرِف [ مَعْنَى ] هَذَا الحَدِيث ، وَلَا يَصح عندنَا من قبل إِسْنَاده . قَالَ : وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم أَن شَهَادَة الْقَرِيب جَائِزَة لِقَرَابَتِهِ ، وَقَالَ [ : قَالَ الشَّافِعِي: لَا تجوز شَهَادَة لرجل عَلَى ] الآخر وَإِن كَانَ عدلا إِذا كَانَ بَينهمَا عَدَاوَة ، وَذهب إِلَى حَدِيث عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا : لَا تجوز شَهَادَة صَاحب إحْنَة يَعْنِي عَدَاوَة . وَكَذَلِكَ مَعْنَى هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ : لَا تجوز شَهَادَة صَاحب غمر ، يَعْنِي صَاحب عَدَاوَة ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر وَلم يقْرَأ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا حَدِيث ضَعِيف . قَالَ : وَيزِيد بْن زِيَاد وَيُقَال : ابْن أبي زِيَاد الشَّامي هَذَا ضعيف . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يزِيد هَذَا لَا يحْتَج بِهِ . وَكَذَا ضعف هَذَا الحَدِيث من الْمُتَأَخِّرين ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله و تَحْقِيقه ، وَعبد الْحق فِي أَحْكَامه ، وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ أخرجه فِي محلاه من طَرِيق أبي عُبَيْدَة ، وَقَالَ عَن يزِيد الْجَزرِي : أَحْسبهُ يزِيد بن سِنَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عن عَائِشَة مَرْفُوعا : لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة ، وَلَا مجلود فِي حد ، وَقَالَ : لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ عَن يزِيد وَهُوَ مَجْهُول ؛ فَإِن كَانَ يزِيد بن سِنَان فَهُوَ مَعْرُوف بِالْكَذِبِ . هَذَا كَلَامه وَقد علمت أَنه يزِيد . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث عبد الْأَعْلَى بن مُحَمَّد ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عبد الله بن عمر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خطب فَقَالَ : أَلا لَا تجوز شَهَادَة الخائن وَلَا الخائنة ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه ، وَلَا الْمَوْقُوف عَلَى حد ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا كَذَلِك ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يَحْيَى بن سعيد هُوَ الْفَارِسِي [ مَتْرُوك ] ، وَعبد الْأَعْلَى ضَعِيف . قلت : وَيَحْيَى أَيْضا ضَعِيف ، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ ، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث وَهُوَ مَجْهُول ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : يروي عَن الزُّهْرِيّ أَحَادِيث مَوْضُوعَة ، مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يروي عَن الزُّهْرِيّ ، وَأبي الزبير ، وَهِشَام بن عُرْوَة مَنَاكِير ، مَتْرُوك ، وَقَالَ ابْن عدي : يروي عَن الثِّقَات البواطيل . فيلخص من هَذَا كُله أَنه حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ ، لَا جرم قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : لَا يَصح من هَذَا شَيْء عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعْتَمد عَلَيْهِ . قَالَ : وَيروَى عَن عمر : أَنه كتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : الْمُسلمُونَ عدُول بَعضهم عَلَى بعض إِلَّا مجلودًا فِي حد ، أَو مجربًا شَهَادَة زور ، أَو ظنينًا فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ قبل أَن يَتُوب ؛ فقد روينَا : أَنه قَالَ لأبي بكرَة : تب تقبل شهادتك . قَالَ : وَهَذَا هُوَ المُرَاد بِسَائِر من رد شَهَادَته مَعَه . تَنْبِيه : من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث جُبَير بن مطعم مَرْفُوعا : شَهَادَة الْمُسلمين بَعضهم عَلَى بعض جَائِزَة ، وَلَا تجوز شَهَادَة الْعلمَاء بَعضهم عَلَى بعض ؛ لأَنهم حسد ، قَالَ الْحَاكِم : لَيْسَ هَذَا من كَلَام رَسُول - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِسْنَاده فَاسد من أوجه كَثِيرَة يطول شرحها . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته : فِي إِسْنَاده مَجَاهِيل وضعفاء كَأبي هَارُون الْعَبْدي .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لفاطمة : أما مُعَاوِيَة فصعلوك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح قد سلف مطولا فِي الْأَنْكِحَة .
الحَدِيث السَّادِس قَالَ الرَّافِعِيّ : اشْتهر فِي الْخَبَر : مَا منا إِلَّا من عَصَى أَو هم بِمَعْصِيَة ، إِلَّا يَحْيَى بن زَكَرِيَّا . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه (من حَدِيث عَلّي بن زيد ، عَن يُوسُف بن مهْرَان) ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا من آدَمِيّ إِلَّا وَقد أَخطَأ ، أَو هم بخطيئة أَو عَملهَا إِلَّا [ أَن ] يكون يَحْيَى بن زَكَرِيَّا لم يهم بخطيئة وَلم يعملها ، ذكره فِي تَرْجَمَة يَحْيَى - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي مسنديهما بالسند الْمَذْكُور سَوَاء ، لَكِن لَفْظهمَا : مَا أحد من ولد آدم إِلَّا قد أَخطَأ ، أَو هم بخطيئة لَيْسَ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا ، وَلم يعقبه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بتصحيح ، وَلَقَد أَفْلح ، فعلي بن زيد هُوَ ابْن جدعَان ، ( وَهُوَ مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقد عرفت حَاله فِي أَوَائِل الْوضُوء ، ويوسف بن مهْرَان تفرد عَنهُ ابْن جدعَان) وَحده ، وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة ، وَالصَّحِيح أَنه غير ابْن مَاهك ، هَذَا مَا فِي كتاب الْمزي ، وَفِي التَّهْذِيب للنووي : أَن يُوسُف بن مهْرَان هَذَا مُخْتَلف فِي جرحه ، وَابْن جدعَان ضعفه ، والْحَدِيث ضَعِيف ، وَلم أَقف عَلَى من خرجه ، وَلم يذكرهُ ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره مِمَّن ضعف فِي الضُّعَفَاء ، وَله طَرِيق آخر من حَدِيث عبد الله بن عمر .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ لَك إِلَّا شَاهِدَاك أَو يَمِينه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حلف عَلَى يَمِين صَبر يقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم هُوَ فِيهَا فَاجر إِلَّا لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان . قَالَ : فَدخل الْأَشْعَث بن قيس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه [ فَقَالَ ] : مَا يُحَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن ؟ قَالُوا : كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : صدق أَبُو عبد الرَّحْمَن فيَّ نزلت ، كَانَ بيني وَبَين رجل خُصُومَة فِي بِئْر ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من حلف عَلَى يَمِين صَبر يقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم هُوَ فِيهَا فَاجر لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان ، ثمَّ قَرَأَ : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا إِلَى آخر الْآيَة ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ : إِذًا يحلف وَيذْهب بِمَالي ، وَفِي رِوَايَة أبي زيد الْمروزِي : فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ : احْلِف ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه أَن الْحُكُومَة كَانَت بَين الْأَشْعَث ، وَبَين رجل من الْيَهُود : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لِلْيَهُودِيِّ : احْلِف ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ عبد الْحق : لَا يُتَابع أَبُو مُعَاوِيَة أحد رَوَى هَذَا الحَدِيث عَلَى قَوْله : قَالَ لِلْيَهُودِيِّ : احْلِف . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : خَاصَمت ابْن عَم لي رَسُول الله وَذكر الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَابْن حبَان ، وَالْحَاكِم : لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَلم يخرجَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَة . فَائِدَة : قَالَ الْخَطِيب فِي مبهماته : هَذَا الَّذِي خَاصم الْأَشْعَث اسْمه الجسيس بِالْجِيم ، وَقيل : بِالْحَاء الْمُهْملَة ، وَقيل : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، ثمَّ رَوَاهُ الرَّاوِي أَنه ذكره بِالْجِيم وكناه أَبَا الْخَيْر ، قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لَهُ صُحْبَة ، وَلَا رِوَايَة عَنهُ . وَفِي رِوَايَة رجل يُقَال لَهُ : الجفشيش بن حُصَيْن ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصر المبهمات : هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة وَفتح أَوله . قلت : وَقَالَ ابْن طَاهِر الْحَافِظ فِي مبهماته : اسْمه معدان .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من لعب بالنرد فقد عَصَى الله وَرَسُوله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك ، وَأحمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالْحَاكِم ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَقَالَ عبد الْحق : اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث . قَالَ ابْن الْقطَّان : لم يبين من أمره شَيْئا ، وَإِنَّمَا هُوَ وَالله أعلم مُنْقَطع - أَعنِي رِوَايَة مَالك - وَهُوَ أَن سعيد بن أبي هِنْد ، وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَإِن بَينهمَا أَبَا مرّة مولَى بني عقيل كَذَا سَاقه الدَّارَقُطْنِيّ ، وغلا ابْن معن الدِّمَشْقِي فَعَزاهُ فِي كِتَابه التنقيب إِلَى مُسلم ، وَهُوَ وهم مِنْهُ فَاحش ، وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه : من لعب النردشير فقد عَصَى الله وَرَسُوله ، وَفِي رِوَايَة : بالكعاب ، وَفِي رِوَايَة : بالكعبين ، وَكلهَا من رِوَايَة أبي مُوسَى ، وَأخرج أَحْمد أَيْضا رِوَايَة الكعاب .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ لَهُ شعراء يصغي إِلَيْهِم ؛ مِنْهُم حسان بن ثَابت ، وَعبد الله بن رَوَاحَة ، واستنشد الشريد شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت ، واستمع إِلَيْهِ . هَذَا كُله صَحِيح ، وَهُوَ أظهر من أَن ينص عَلَيْهِ ، وَسَنذكر من ذَلِك أَرْبَعَة أَحَادِيث : عَن حسان حديثين ، وَعَن ابْن رَوَاحَة حَدِيثا ، وَعَن الشريد الثَّقَفِيّ حَدِيثا . الحَدِيث الأول : رَوَاهُ مُسلم عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : قَالَ حسان : يَا رَسُول الله ، ائْذَنْ لي فِي أبي سُفْيَان . قَالَ : فَكيف فِي قَرَابَتي مِنْهُ ؟ قَالَ : وَالَّذِي أكرمك لأسلنك مِنْهُم كَمَا تسل الشعرة من الخميرة . فَقَالَ حسان : إِن سَنَام الْمجد من آل هَاشم ثمَّ بَنو بنت مَخْزُوم ووالدك العَبْد وَبعد هَذَا بَيت فِي غير مُسلم : من ولدت أَبنَاء زهرَة مِنْهُم كرام وَلم يقرب عجائزك الْمجد . الحَدِيث الثَّانِي : رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اهجوا قُريْشًا فَإِنَّهُ أَشد عَلَيْهَا من رشق النبل . فَأرْسل إِلَى ابْن رَوَاحَة فَقَالَ : (اهج) . فهجاهم فَلم يرض ، فَأرْسل إِلَى كَعْب بن مَالك ، ثمَّ أرسل إِلَى حسان بن ثَابت ، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ حسان : قد آن لكم أَن تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأسد (الضاري) بِذَنبِهِ . ثمَّ أدلع لِسَانه فَجعل يحركه ثمَّ قَالَ : وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لأفرينهم بلساني فري الْأَدِيم . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تعجل ، فَإِن أَبَا بكر أعلم قُرَيْش بأنسابها ، وَإِن لي فيهم نسبا حَتَّى (يخلص) لَك نسبي . فَأَتَاهُ حسان ، ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، قد مَحْض لي نسبك ، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لأسلنك مِنْهُم كَمَا تسل الشعرة من الْعَجِين . قَالَت عَائِشَة : فَسمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول لحسان : إِن روح الْقُدس لَا يزَال يؤيدك مَا نافحت (عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) ، [ وَقَالَت : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] يَقُول : هجاهم حسان فشفى عَلَيْهِم واشتفى ، فَقَالَ حسان : هجوت مُحَمَّدًا فأجبت عَنهُ وَعند الله فِي ذَاك الْجَزَاء هجوت مُحَمَّدًا برًّا حَنِيفا رَسُول الله شيمته الْوَفَاء فَإِن أبي ووالده وعرضي لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء ثكلت بنيتي إِن لم تَرَوْهَا تثير النَّقْع موعدها كداء (يبارعَن الأسنة مشرعات) عَلَى أكتافها الأسل الظماء تظل [ جيادنا ] تمطرت تلطمهن بِالْخمرِ النِّسَاء فَإِن أعرضتم عَنَّا اعتمرنا وَكَانَ الْفَتْح وانكشف الغطاء وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لضراب يَوْم يعز الله فِيهِ من يَشَاء [ وَقَالَ الله قد أرْسلت عبدا يَقُول الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء ] وَقَالَ الله قد أرْسلت جندًا هم الْأَنْصَار عرضتها اللِّقَاء لنا فِي كل يَوْم من معد سباب أَو قتال أَو هجاء فَمن يهجو رَسُول الله [ مِنْكُم ] ويمدحه وينصره سَوَاء وَجِبْرِيل رَسُول الله فِينَا وروح الْقُدس لَيْسَ لَهُ كفاء . الحَدِيث الثَّالِث : رَوَاهُ مُسلم أَيْضا ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه كَانَ يَقُول فِي قصصه يذكر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِن أَخًا لكم لَا يَقُول الرَّفَث - يَعْنِي بذلك عبد الله بن رَوَاحَة . قَالَ : وَفينَا رَسُول الله يَتْلُو كِتَابه إِذا اشتق مَعْرُوف من الْفجْر سَاطِع أرانا الْهدى بعد الْعَمى فَقُلُوبنَا بِهِ مُوقِنَات أَن مَا قَالَه وَاقع يبيت يُجَافِي جنبه عَن فرَاشه إِذا اسْتَقَلت (بالكافرين) الْمضَاجِع . الحَدِيث الرَّابِع : رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن عَمْرو بن الشريد ، عَن أَبِيه قَالَ : أردفني رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : هَل مَعَك من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت شَيْء ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : هيه . قَالَ : فَأَنْشَدته بَيْتا فَقَالَ : هيه قَالَ : فَأَنْشَدته حَتَّى بلغت مائَة بَيت ، وَفِي رِوَايَة : أنشدت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مائَة قافية من قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت كل ذَلِك يَقُول : هيه هيه ، ثمَّ قَالَ : إِن كَاد فِي شعره ليسلم .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من لعب بالنردشير فَكَأَنَّمَا صبغ يَده فِي لحم الْخِنْزِير وَدَمه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : غمس بدل صبغ ، وَفِي مُسْند أَحْمد ، عَن مكي بن إِبْرَاهِيم ، عَن الجعيد ، عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الخطمي أَنه سمع مُحَمَّد بن كَعْب يسْأَل عبد الرَّحْمَن يَقُول : أَخْبرنِي مَا سَمِعت أَبَاك يَقُول عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عبد الرَّحْمَن : سَمِعت أبي يَقُول : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : مثل الَّذِي يلْعَب بالنرد ، ثمَّ يقوم فَيصَلي مثل الَّذِي يتَوَضَّأ بالقيح وَدم الْخِنْزِير ثمَّ يقوم فَيصَلي .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين أَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ : يَا رَسُول الله ، أَرَأَيْت لَو وجدت مَعَ امْرَأَتي رجلا أمهله حَتَّى آتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء ؟ قَالَ : نعم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد تقدم بَيَانه فِي كتاب الصّيام وَاضحا ، لَكِن الْمَعْرُوف بذلك هُوَ سعد بن عبَادَة لَا ابْن أبي وَقاص فَلَعَلَّهُ من زلل الْكَاتِب .
الحَدِيث التَّاسِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء البقل . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة سَلام بن مِسْكين ، [ عَن شيخ ] ، عَن أبي وَائِل ، [ عَن ] عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَهَذَا ضَعِيف ؛ لجَهَالَة هَذَا الشَّيْخ ، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَة أبي الْحسن بْن العَبْد وَغَيره فِي الْإِرْث - وَلم يذكرهُ ابْن عَسَاكِر - عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم ، عَن سَلام بن مِسْكين ، عَن شيخ ، قَالَ : شهِدت أَبَا وَائِل فِي وَلِيمَة فَجعلُوا يغنون ، فَحل أَبُو وَائِل حبوته وَقَالَ : سَمِعت عبد الله يَقُول : سَمِعت رَسُول الله يَقُول : إِن الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا مَوْقُوفا عَلَى ابْن مَسْعُود فَذكره من حَدِيث سعيد بن كَعْب الْمرَادِي ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَنهُ : الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء الزَّرْع ، وَالذكر ينْبت الْإِيمَان فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء الزَّرْع ، وَسَعِيد هَذَا مَجْهُول ، وَمَا أعرفهُ رَوَى عَنهُ غير مُحَمَّد بن طَلْحَة اليامي . كَذَا عرفه ابْن أبي حَاتِم ، ويغلب عَلَى ظَنِّي أَنه مُنْقَطع أَيْضا ، فقد قَالَ ابْن أبي حَاتِم : إِن رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن هَذَا عَن عَائِشَة مُرْسلَة ، وَأبي مَسْعُود مَاتَ قبلهَا بأزمان . وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ (فِي علله من حَدِيث) أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : إِن الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث لَا يَصح . ثمَّ ذكر سَبَب [ تَضْعِيفه ] ، وَرَوَاهُ ابْن عدي أَيْضا من هَذَا الْوَجْه - أَعنِي من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن الْقرشِي وَأَبوهُ ، وحاله مَعْرُوف فِيهِ ، وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أُخْرَى ، وفيهَا لَيْث بن [ أَبي ] سليم ، قَالَ ابْن طَاهِر : وَأَصَح الْأَسَانِيد فِي ذَلِك أَنه من قَول إِبْرَاهِيم ، وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء : رَفعه بَعضهم وَهُوَ غير صَحِيح . فَائِدَة : قَالَ الْغَزالِيّ : هَذَا الحَدِيث لَا دلَالَة فِيهِ عَلَى تَحْرِيم الْغناء ؛ لِأَن كثيرا من الْمُبَاحَات ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب ، كلبس الثِّيَاب الجميلة وَنَحْوه ، وَلَا يُطلق القَوْل بِتَحْرِيمِهِ ، وَقَالَ غَيره : المُرَاد بالغنى غنى المَال . ورده الغافقي ردًّا شنيعًا من حَيْثُ إن الْغِنَى من المَال مَقْصُور ، وَهَذَا الَّذِي قَالَه إِنَّمَا يتَّجه إِذا كَانَ الْحفاظ كلهم رَوَوْهُ بِالْمدِّ ، وَيمْنَع أَنهم رَوَوْهُ بِهِ .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي معرض الذَّم : يَجِيء قوم يُعْطون الشَّهَادَة قبل أَن يسألوها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي [ صَحِيحَيْهِمَا ] من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : (خير الْقُرُون قَرْني) ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ، ثمَّ الَّذين قَالَ عمرَان : فَلَا أَدْرِي أذكر بعد قرنه قرنين أَو ثَلَاثَة - ثمَّ إِن من بعدهمْ قوما يشْهدُونَ ، وَلَا يستشهدون يخونون وَلَا يؤتمنون ، وينذرون وَلَا يُوفونَ ، وَيظْهر فيهم السّمن . وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَحْسنُوا إِلَى أَصْحَابِي ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ - ثمَّ يفشو الْكَذِب حَتَّى يحلف الرجل عَلَى الْيَمين قبل أَن يسْتَحْلف عَلَيْهَا ، وَيشْهد عَلَى الشَّهَادَة قبل أَن يستشهد عَلَيْهَا الحَدِيث بِطُولِهِ .
الحَدِيث الْعَاشِر أَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : دخل عليّ أَبُو بكر وَعِنْدِي جاريتان من جواري الْأَنْصَار تُغنيَانِ بِمَا تقاولت بِهِ الْأَنْصَار يَوْم بُعَاث [ وليستا ] بمغنيتين ، فَقَالَ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أمزامير الشَّيْطَان فِي بَيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ ! - وَذَلِكَ فِي يَوْم عيد - فَقَالَ : يَا أَبَا بكر ، لكل قوم عيد وَهَذَا عيدنا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من طرق هَذَا أَحدها . فَائِدَة : بُعَاث بِضَم الْمُوَحدَة ثمَّ عين مُهْملَة ، كَمَا قَيده الْحَازِمِي والبكري فِي مُعْجَمه ، ثمَّ مُثَلّثَة قَالَ : وَهُوَ مَوضِع عَلَى لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة . وَذكره صَاحب كتاب الْعين بالغين الْمُعْجَمَة وَلم يسمع من غَيره ، وَقَالَ أَبُو أَحْمد العسكري : هُوَ تَصْحِيف ، وَيجوز صرفه وَتَركه وَهُوَ الْأَشْهر ، وَهُوَ يَوْم جَرَى فِيهِ حَرْب بَين قبيلتي الْأَنْصَار : الْأَوْس والخزرج فِي الْجَاهِلِيَّة ، وَكَانَ الظُّهُور فِيهِ لِلْأَوْسِ ، وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه فِي بَاب الرُّخْصَة فِي الْغناء ، واللعب يَوْم الْعِيد من بَاب صَلَاة الْعِيد : وَهُوَ يَوْم مَشْهُور من أَيَّام الْعَرَب كَانَت فِيهِ مقتلة عَظِيمَة لِلْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَج ، وَبقيت الْحَرْب بَينهمَا مائَة وَعشْرين سنة إِلَى أَن قَامَ الْإِسْلَام . قَالَ : وبعاث اسْم حصن لِلْأَوْسِ .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين رُوِيَ فِي الْخَبَر : لَا تجوز شَهَادَة الْوَالِد للْوَلَد وَلَا الْوَلَد للوالد . هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَاحْتج الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَسْأَلَة بِحَدِيث الْمسور بن مخرمَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فَاطِمَة بضعَة مني الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي مطلبه : فَهَذِهِ الزِّيَادَة - يَعْنِي : الحَدِيث الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ - اسْتدلَّ [ بِهِ ] القَاضِي حُسَيْن ، وَلَو صحت لكفت فِي الْبَاب ، وَلَكِن السَّاجِي قَالَ : إِن أهل النَّقْل لَا يثبتون الزِّيَادَة ، وَقَالَ فِي كِفَايَته : وَمثل هَذَا الحَدِيث كَحَدِيث عَائِشَة السَّابِق : لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة . وَتكلم الْعلمَاء فِي هَذِه الزِّيَادَة ، فَإِن صحت فَفِي قَوْله : ظنين فِي قرَابَة دَلِيل عَلَيْهِ .
الحَدِيث الْحَادِي عشر من لَا حَيَاء لَهُ يصنع مَا شَاءَ عَلَى مَا ورد مَعْنَاهُ فِي الحَدِيث ، هَذَا لفظ الرَّافِعِيّ . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح جليل ، أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أبي مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ البدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن مِمَّا أدْرك النَّاس من كَلَام النُّبُوَّة الأولَى : إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه : آخر مَا كَانَ من كَلَام النُّبُوَّة فَذكره . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ، عَن حُذَيْفَة بِهِ . قلت : وَمَعْنى فَاصْنَعْ مَا شِئْت ، أَي : صنعت . وَقيل : الْمَعْنى إِذا لم تستح من شَيْء لكَونه جَائِزا فَاصْنَعْ ؛ إِذْ الْحَرَام يستحى مِنْهُ بِخِلَاف الْجَائِز .
كتاب الشَّهَادَات كتاب الشَّهَادَات ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فخمسة وَثَلَاثُونَ حديثًَا : أَحدهَا أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الشَّهَادَة ، فَقَالَ للسَّائِل : ترَى الشَّمْس ؟ قَالَ : نعم . فَقَالَ : عَلَى مثلهَا فاشهد أَو فدع . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : ذكر عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الرجل يشْهد بِشَهَادَة ، فَقَالَ : أما أَنْت يَا ابْن عَبَّاس فَلَا تشهد إِلَّا عَلَى أَمر يضيء لَك كضياء الشَّمْس ، وَأَوْمَأَ رَسُول الله بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْس ، وَرَوَاهُ ابْن عدي ، وَلَفظه عَن ابْن عَبَّاس : أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الشَّهَادَة ، فَقَالَ : ترَى الشَّمْس عَلَى مثلهَا فاشهد أَو دع قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : فِيهِ نظر ، فَإِن فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مسمول ، وَهُوَ ضَعِيف ، كَانَ الْحميدِي يتَكَلَّم [ فِيهِ ] ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ لَا فِي إِسْنَاده وَلَا فِي مَتنه ، وَقَالَ الْعقيلِيّ بعد أَن أخرجه فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء : لَا يعرف إِلَّا بِهِ . وَفِيه أَيْضا عَمْرو بن مَالك الْبَصْرِيّ ، قَالَ ابْن عدي : مُنكر الحَدِيث عَن الثِّقَات وَيسْرق الحَدِيث ، ضعفه أَبُو يعْلى الْموصِلِي ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ عقب إِخْرَاجه لَهُ : فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مسمول تكلم فِيهِ الْحميدِي . قَالَ : وَلم يرو من وَجه يعْتَمد عَلَيْه ِ ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي كِتَابه الإِمَام : أخرج أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صحيحيه لمُحَمد بن سُلَيْمَان الْمَذْكُور . قلت : فَيقوم مقَامه الْحَاكِم إِذن فِي تَصْحِيح إِسْنَاده ، لَكِن الْكل ضَعَّفُوهُ كَمَا تقدم .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعبد الله بن رَوَاحَة : حرك بالقوم ، فَانْدفع يرتجز . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي عمل يَوْم وَلَيْلَة والمناقب من حَدِيث قيس بن [ أبي ] حَازِم ، عَن عبد الله بن رَوَاحَة : أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي مسير لَهُ فَقَالَ لَهُ : يَا ابْن رَوَاحَة ، انْزِلْ فحرك بالركاب . فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، قد تركت ذَلِك . فَقَالَ لَهُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : اسْمَع وأطع . قَالَ : فَرَمَى بِنَفسِهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْت مَا اهتدينا وَمَا تصدقنا وَمَا صلينَا فأنزلن سكينَة علينا وَثَبت الْأقْدَام إِن لاقينا . رَوَاهُ فِي المناقب أَيْضا من حَدِيث قيس قَالَ : قَالَ عمر : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعبد الله بن رَوَاحَة : لَو حركت الركاب . فَقَالَ : تركت قولي . فَقَالَ لَهُ عمر : اسْمَع وأطع فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِلَى آخِره ، إِلَّا أَنه قَالَ : وَلَا تصدقنا وَلَا صلينَا بدل وَمَا فيهمَا ، وَفِي آخِره فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اللَّهُمَّ ارحمه . فَقَالَ عمر : وَجَبت ، قَالَ ابْن عَسَاكِر : قيس لم يدْرك ابْن رَوَاحَة ، وَالثَّانِي أشبه .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : تَوْبَة الْقَاذِف إكذابه نَفسه . هَذَا الحَدِيث غَرِيب لم أَقف عَلَى من خرجه ، وَعَزاهُ بعض من تكلم عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب إِلَى سنَن الْبَيْهَقِيّ وَلم أره فِيهِ كَذَلِك ، وَالَّذِي ذكره الْبَيْهَقِيّ بعد أَن بوب شَهَادَة الْقَاذِف ، عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ لأبي بكرَة : تب تقبل شهادتك . وَعَن الشَّافِعِي أَنه بلغه عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يُجِيز شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ . وَفِي رِوَايَة عَنهُ : أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا . [ فَمن تَابَ ] وَأصْلح فشهادته فِي كتاب [ الله ] مَقْبُولَة . وَعَن ابْن أبي نجيح أَنه قَالَ : الْقَاذِف إِذا تَابَ تقبل شَهَادَته . وَعَن عَطاء ، وَطَاوُس ، وَمُجاهد ، وَالضَّحَّاك ، وَعبد الله بن عتبَة مثله . وَعَن الشّعبِيّ قَالَ : يقبل الله تَوْبَته وَلَا تقبلون شَهَادَته ! . وَعَن مطرف عَن الشّعبِيّ أَنه كَانَ يَقُول فِي الْقَاذِف إِذا فرغ من ضربه فأكذب نَفسه وَرجع عَن قَوْله : قبلت شَهَادَته . وَعَن حُصَيْن قَالَ : رَأَيْت رجلا جلد حدًّا فِي قذف بالريبة ، فَلَمَّا فرغ من ضربه أحدث تَوْبَة وَقَالَ : أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ من قذف الْمُحْصنَات . فَلَقِيت أَبَا الزِّنَاد فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ : الْأَمر عندنَا إِذا رَجَعَ عَن قَوْله ، واستغفر ربه قبلت شَهَادَته . وَعَن سُلَيْمَان بن يسَار ، وَسَعِيد بن الْمسيب ، وَابْن شهَاب أَنهم سئلوا عَن رجل جلد هَل تجوز شَهَادَته ؟ قَالُوا : لَا ، إِلَّا أَن يظْهر مِنْهُ التَّوْبَة . ثمَّ ذكر الْبَيْهَقِيّ حَدِيث الْإِفْك الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعَائِشَة : إِنَّه بَلغنِي عَنْك كَذَا وَكَذَا ، فَإِن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وَإِن كنت قد أَلممْت بالذنب فاستغفري وتوبي إِلَيْهِ ، فَإِن العَبْد إِذا اعْترف بِذَنبِهِ ثمَّ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ . ثمَّ رَوَى عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا : النَّدَم تَوْبَة . وَعَن عبد الله مَوْقُوفا عَلَيْهِ بِزِيَادَة : والتائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ . قَالَ : وَهَذَا مُنْقَطع وَمَوْقُوف . قَالَ : وَرَوَاهُ أَيْضا مَرْفُوعا بِهَذِهِ الزِّيَادَة قَالَ : وَالْمَعْرُوف يُوقف عَلَيْهِ . وَرُوِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة من حَدِيث أبي عتبَة الْخَولَانِيّ ، وَابْن عَبَّاس ، وَأبي سعدة الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا وَأَسَانِيده ضَعِيفَة . وَعَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا : كل شَيْء يتَكَلَّم بِهِ ابْن آدم فَإِنَّهُ مَكْتُوب عَلَيْهِ ، فَإِذا أَخطَأ الْخَطِيئَة وَأحب أَن يَتُوب إِلَى الله فليأت بقْعَة رفيعة فليمد يَدَيْهِ إِلَى الله وَيَقُول : إِنِّي أَتُوب إِلَيْك مِنْهَا لَا أرجع إِلَيْهَا أبدا . فَإِنَّهُ يغْفر لَهُ مَا لم يرجع فِي عمله ذَلِك . هَذَا ملخص مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب ، وَيُؤْخَذ من مَجْمُوعَة الدّلَالَة لما ذكره المُصَنّف .
الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ قَالَ ] : زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ . هَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من غير إِسْنَاد وَلَا راو ، فَقَالَ فِي تَرْجَمَة بَاب قَول النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الماهر بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الْكِرَام البررة ، وزينوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ . وأسنده الإِمَام أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ، وأسنده ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وأسنده الْبَزَّار من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ، لكنه أعله ، و [ خرج ] طرقه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب من عشْرين طَرِيقا عِنْد ذكر ذَلِك كُله بأسانيد وَاضِحَة . فَائِدَة : قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : هَذَا اللَّفْظ من أَلْفَاظ الأضداد ، يُرِيد بقوله عَلَيْهِ السَّلَام : زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ : زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ ، وَقَالَ الْخطابِيّ : مَعْنَى الحَدِيث زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ ، كَذَا فسره غير وَاحِد من أَئِمَّة الحَدِيث ، وَزَعَمُوا أَنه من بَاب المقلوب كَمَا قَالُوا : عرضت النَّاقة عَلَى الْحَوْض ، ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ معمر عَن مَنْصُور عَن طَلْحَة فَقدم الْأَصْوَات عَلَى الْقُرْآن وَهُوَ الصَّحِيح . ثمَّ رَوَاهُ بِسَنَدِهِ من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر . قلت : وَقد أخرجه الْحَاكِم عَن مَنْصُور من سِتّ طرق : سُفْيَان ، وزائدة ، وَعَمْرو بن أبي قيس ، وَجَرِير ، وَابْن طهْمَان ، وعمار كلهم ، عَن مَنْصُور ، عَن طَلْحَة ، بِتَقْدِيم الْقُرْآن عَلَى الْأَصْوَات ، وَكَذَلِكَ الطّرق الَّتِي قدمناها عَن الْحَاكِم كلهَا بِتَقْدِيم الْقُرْآن إِلَّا فِي رِوَايَة وَاحِدَة من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن مَنْصُور ، عَن الْأَعْمَش ، عَن طَلْحَة مقدم فِيهَا الْأَصْوَات عَلَى الْقُرْآن ، وَهِي فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير من طَرِيقين آخَرين : أَحدهمَا : من حَدِيث عبد الله بن خرَاش - قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث - عَن عَمه الْعَوام بن حَوْشَب ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : زَينُوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ . ثَانِيهمَا : من حَدِيث سعيد بن أبي سعيد الْبَقَّال ، عَن الضَّحَّاك ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : حسنوا أَصْوَاتكُم بِالْقُرْآنِ فَيتَعَيَّن أَن تَقْدِيم رِوَايَة الْقُرْآن هِيَ الصَّحِيحَة ، وَمَعْنَاهَا عَلَى ظَاهرهَا وَمَا عَداهَا مَحْمُول عَلَيْهَا ، وَيكون قَوْله : الْقُرْآن فِي مَوضِع الْحَال ، أَي : زَينُوا أَصْوَاتكُم فِي حَال الْقِرَاءَة ، وَقد جَاءَ ذَلِك مُصَرحًا فِي مُسْند الدَّارمِيّ ، و مُسْتَدْرك الْحَاكِم من حَدِيث عَلْقَمَة بن مرْثَد ، عَن زَاذَان ، عَن الْبَراء رَفعه : زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ ؛ فَإِن الصَّوْت الْحسن يزِيد الْقُرْآن حسنا ، وَهَذَا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَلَا الْقلب ، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا بِالْقُرْآنِ الْكَلَام الْقَدِيم ، وَإِنَّمَا المُرَاد مَا يسمعهُ من الْحُرُوف والأصوات .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أكْرمُوا الشُّهُود . هَذَا لَيْسَ مَوْجُودا فِي الْكتب السِّتَّة وَلَا المسانيد فِيمَا أعلم ، إِنَّمَا وقفت عَلَيْهِ فِي أمالي أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد الْهَاشِمِي الْمَعْرُوف بِجُزْء البانياسي ، وَقد وَقع لنا بعد ، وأخبرنيه [ غير ] وَاحِد كِتَابَة وسماعًا ، عَن الْفَخر بْن البُخَارِيّ ، مِنْهُم الْجمال الْمزي ، وزين الدَّين الرَّحبِي وَغَيرهمَا ، أَنا ابْن قدامَة ، وشمس الدَّين الْعَطَّار قَالَا : أخبرنَا ابْن البطي ، وَقَالَ ابْن قدامَة : أَنا ابْن تَاج الْقُرَّاء ، قَالَا : أَنا البانياسي ، نَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن الصَّلْت الْمُجبر ، أَنا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد ، نَا أبي ، نَا عمي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن عبد الصَّمد بن عَلّي بن عبد الله بن عَبَّاس ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أكْرمُوا الشُّهُود فَإِن الله - عَزَّ وَجَلَّ - يسْتَخْرج بهم الْحُقُوق وَيدْفَع بهم الظُّلم . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي مجْلِس إِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد أَيْضا نَا أبي فَذكره ، وَقَالَ : يدافع بدل يدْفع ، أخبرنَا بهَا ابْن جني سَمَاعا ، والمزي ، أَنا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي السمرقندي ، عَن ابْن النقور ، وَأبي الْقَاسِم الْبَغَوِيّ ، وَأبي مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَلّي بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الصَّلْت عَنهُ . وأخبرنيه أَعلَى من هَذَا بِدَرَجَة فِي خبر البانياسي الشَّيْخ الصَّالح الْأَصِيل ، نادرة المعمرين ، وجيه الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ الْجَلِيل القَاضِي نَاصِر الدَّين أبي الحزم مكي بن القَاضِي شرف الدَّين أبي الطَّاهِر إِسْمَاعِيل الْعَوْفِيّ بالإسكندرية فِي رحلتي الأولَى إِلَيْهَا بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، قَالَ أَنبأَنَا الكاشغري إجَازَة عَامَّة قَالَ : أَنبأَنَا ابْن البطي ، وَابْن تَاج الْقُرَّاء ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده ضعفاء ، أحدهم : أَحْمد بن مُحَمَّد بن الصَّلْت الْمُجبر ، ضعفه البرقاني ، قَالَه الْخَطِيب عَنهُ ، قَالَ الْخَطِيب : وَسمعت حَمْزَة بن مُحَمَّد بن طَاهِر يَقُول : كَانَ ديِّنًا صَالحا . قَالَ : وَسمعت عبد الْعَزِيز الْأَزجيّ يَقُول : مُحَمَّد بن الصَّلْت أَتَى كتب ابْن أبي الدُّنْيَا فَحدث بهَا عَن البرذعي - يَعْنِي وَلم تكن عِنْد البرذعي . ثانيهم : إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي ذكره الْعقيلِيّ فِي كِتَابه الضُّعَفَاء وَقَالَ : حَدِيثه غير مَحْفُوظ ، وَلَا أصل لَهُ من حَدِيث النَّاس ، وَذكر لَهُ الحَدِيث . ثالثهم : عبد الصَّمد بن عَلّي الْهَاشِمِي ذكره الْعقيلِيّ أَيْضا فِي ضُعَفَائِهِ ، وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث غير مَحْفُوظ ، وَلَا يعرف إِلَّا بِهِ . قلت : وَقد نَص غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى ضعفه ، فَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس ، ذكره بلفظين : أَحدهمَا كَمَا سقناه ، وَثَانِيهمَا : أكْرمُوا الشُّهُود ، بهم تستخرج الْحُقُوق ، ثمَّ قَالَ : قَالَ الْخَطِيب : تفرد بروايته عبد الصَّمد بن مُوسَى وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ ، وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي تَخْرِيجه أَحَادِيث الشهَاب : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عبد الصَّمد بن مُوسَى وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عبد الصَّمد بن مُوسَى ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي ، عَن آبَائِهِ مُتَّصِلا إِلَى ابْن عَبَّاس ، وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن عبد الصَّمد عَن أَبِيه ، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن يَحْيَى بن زَكَرِيَّا الدينَوَرِي عَن أبي يَحْيَى بن أبي ميسرَة ، عَن عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْهَاشِمِي ، عَن عَمه قَالَ : عبد الصَّمد بن عَلّي بن عبد الله بن عَبَّاس ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَلم يصنع شَيْئا . قَالَ : وَالْمَحْفُوظ عَن ابْن أبي ميسرَة ، عَن عبد الصَّمد بن مُوسَى الْهَاشِمِي ، عَن عَمه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد . قَالَ : وَقَالَ الْعقيلِيّ : هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ ، وَأوردهُ فِي تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه : إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْهَاشِمِي لَيْسَ بعمدة ، وَهَذَا الحَدِيث مُنكر ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَة عبد الصَّمد : هَذَا خبر مُنكر ، وَمَا عبد الصَّمد بِحجَّة . قَالَ : وَلَعَلَّ الْحفاظ إِنَّمَا سكتوا عَنهُ مداراة للدولة . قلت : لم يسكتوا عَنهُ فقد ذكره الْعقيلِيّ كَمَا قدمت لَك ، وَأما الصَّاغَانِي فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مَوْضُوع .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سمع عبد الله بن قيس يقْرَأ فَقَالَ : لقد أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، عَن جده أبي بردة ، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يَا أَبَا مُوسَى ، لقد أُوتيت مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد . وَأخرجه مُسلم من حَدِيث طَلْحَة بن يَحْيَى بن طَلْحَة بن عبيد الله التَّيْمِيّ ، عَن أبي بردة ، عَن أبي مُوسَى أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَو رَأَيْتنِي وَأَنا أستمع لقراءتك البارحة ، لقد أُوتيت مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد . وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة الْحُسَيْن بن وَاقد ، عَن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أبي بردة قَالَ : كنت فِي الْمَسْجِد ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يقْرَأ ، فَخرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : من هَذَا ؟ فَقَالَ : أَبَا بُرَيْدَة جعلت لَك الْفِدَاء يَا رَسُول الله ، قَالَ : لقد أعطي هَذَا مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يخرجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَة .
الْأَثر الثَّالِث وَالرَّابِع : عَن ابْن الزبير ، وَأبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَنَّهُمَا كَانَا يلعبان بالشطرنج . وَهَذَانِ الأثران ذكرهمَا الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا ، وَأثر أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الصولي فِي جُزْء جمعه فِي الشطرنج بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ .
الْأَثر الثَّامِن : عَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه كَانَت لَهُ جَارِيَة تغني ، فَإِذا جَاوَزت السحر قَالَ : أمسكي فَهَذَا وَقت الاسْتِغْفَار . وَهَذَا حَكَاهُ من أَصْحَابنَا عِنْد الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي والعمراني فِي الْبَيَان ، وَقَالا : كَانَ لَهُ جاريتان تُغنيَانِ بِمثل مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَغَيره .
الْأَثر التَّاسِع : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه كَانَ إِذا سمع الدُّف بعث ، فَإِن كَانَ فِي النِّكَاح أَو الْخِتَان سكت ، فَإِن كَانَ غَيرهمَا عمل بِالدرةِ . وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه بِنَحْوِهِ من [ طَرِيق ابْن علية عَن أَيُّوب ] عَن ابْن سِيرِين قَالَ : نبئت أَن عمر كَانَ إِذا سمع صَوتا أنكرهُ ، فَإِن كَانَ عرسًا أَو ختانًا أقره .
الْأَثر السَّادِس : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَقَالَ ابْن عَبَّاس : إِنَّه الملاهي . وَهَذَا الْأَثر ذكره الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ، فَقَالَ فِي سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قَالَ : هُوَ الْغناء وأشباهه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ورويناه عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ .
الْأَثر الْحَادِي عشر : عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : مَضَت السّنة من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وللخليفتين من بعده أَن لَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود . وَهَذَا الْأَثر ذكره القَاضِي أَبُو يُوسُف فِي كتاب الْخراج فَقَالَ : ثَنَا الْحجَّاج ، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : مَضَت السّنة فَذكر مثله سَوَاء إِلَّا أَنه قَالَ : لَا تجوز بدل لَا تقبل . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه دون ذكر الخليفتين : وَزِيَادَة النِّكَاح وَالطَّلَاق وَهَذَا عزاهُ ابْن الرّفْعَة رِوَايَة مَالك لَهُ عَن عقيل عَن ابْن شهَاب قَالَ : مَضَت السّنة من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه لَا تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود وَلَا فِي النِّكَاح وَلَا فِي الطَّلَاق .
الْأَثر الثَّانِي عشر : يرْوَى عَن الزُّهْرِيّ أَيْضا أَنه قَالَ : مَضَت السّنة بِأَنَّهُ تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي كل شيء لَا يَلِيهِ غَيْرهنَّ . وَهَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فَقَالَ : نَا عِيسَى بن يُونُس ، عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : مَضَت السّنة أَن تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ غَيْرهنَّ .
الْأَثر الثَّالِث عشر : أَن عَائِشَة وَسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ كن يروين من وَرَاء السّتْر ، ويروي السامعون [ عَنْهُن ] ، وَهَذَا مَعْرُوف لَا يحْتَاج إِلَى عزوه .
الْأَثر الثَّانِي : عَن سعيد بن جُبَير أَنه كَانَ يلْعَب بالشطرنج استدبارًا . وَهَذَا رَوَاهُ ظَهره يَقُول : بأيش دفع كَذَا ؟ قَالَ : بِكَذَا . قَالَ : ادْفَعْ بِكَذَا . قَالَ الشَّافِعِي : وَكَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين ، وَهِشَام بن عُرْوَة يلعبان بِهِ استدبارًا .
الْأَثر الْعَاشِر : وَعَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه قَالَ فِي الْقِصَّة الْمَشْهُورَة لأبي بكرَة : تب أقبل شهادتك . وَكَانَت الصَّحَابَة يروون عَنهُ وَلم يتب . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي : أَنا سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، قَالَ : سَمِعت الزُّهْرِيّ يَقُول : زعم أهل الْعرَاق أَن شَهَادَة الْمَحْدُود لَا تجوز ، (فَأشْهد بِاللَّه أَخْبرنِي) فلَان أَن عمر بن الْخطاب قَالَ لأبي بكرَة : تب تقبل شهادتك ، أَو إِن تبت قبلت شهادتك . قَالَ سُفْيَان : سَمّى الزُّهْرِيّ الَّذِي أخبرهُ ، فحفظته ، ونسيته ، وَشَكَكْت فِيهِ ، فَلَمَّا قمنا سَأَلت من حضر فَقَالَ لي عمر بن قيس : هُوَ سعيد بن الْمسيب قَالَ الشَّافِعِي : فَقلت : فَهَل شَككت فِيمَا قَالَ لَك ؟ قَالَ : لَا . هُوَ سعيد بن الْمسيب من غير شكّ قَالَ الشَّافِعِي : وَكَثِيرًا مَا سمعته يحدثه فيسمي سعيدًا ، وَكَثِيرًا مَا سمعته يَقُول : عَن سعيد إِن شَاءَ الله . وَقد رَوَاهُ غَيره من أهل الْحِفْظ ، عَن سعيد لَيْسَ فِيهِ شكّ ، فَزَاد فِيهِ : أَن عمر استتاب الثَّلَاثَة فَتَابَ اثْنَان ، فَأجَاز شَهَادَتهمَا ، وَأَبَى أَبُو بكرَة فَرد شَهَادَته ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق عَنهُ كَذَلِك . قَالَ سعيد بن عَاصِم : وَكَانَ أَبُو بكرَة إِذا أَتَاهُ الرجل يشهده ، قَالَ : أشهد [ غَيْرِي ] فَإِن الْمُسلمين [ قد ] فسقوني . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا إِن صَحَّ فَلِأَنَّهُ امْتنع من أَن يَتُوب من قذفه ، وَأقَام عَلَيْهِ ، وَلَو كَانَ قد تَابَ مِنْهُ لما (سمي) اسْم الْفسق .
الْأَثر الْخَامِس : عَن ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ قَالَ : هُوَ وَالله الْغناء . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم ، وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا .
الْأَثر السَّابِع : عَن عمر : أَنه كَانَ إِذا خلا فِي بَيته ترنم بِالْبَيْتِ والبيتين . وَهَذَا الْأَثر تبع فِي إِيرَاده الْبَغَوِيّ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك ، وَذكر أهل الْأَخْبَار أَن عمر بن الْخطاب أَتَى دَار عبد الرَّحْمَن فَسَمعهُ يتَغَنَّى بالركائب . وَكَيف توائي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا قَضَى وطرًا مِنْهَا جميل بن معمر . (قَالَ ابْن عبد الْبر : وَذكره الزبير بن بكار الأول) ، قَالَ ابْن عبد الْبر : وَقد ذكره الْمبرد مقلوبًا أَن عبد الرَّحْمَن [ أَتَى ] دَار عمر فَسَمعهُ يتَغَنَّى . وَالَّذِي ذكره الزبير بن بكار الأول ، قَالَ ابْن عبد الْبر : وَهُوَ الصَّوَاب .
وَأما آثاره فَثَلَاثَة عشر : أَحدهَا : عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه مر بِقوم يَلْعَبُونَ بالشطرنج فَقَالَ : مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن أبي الدُّنْيَا ، نَا زِيَاد بن أَيُّوب ، نَا شَبابَة بن سوار ، عَن فُضَيْل [ بن ] مَرْزُوق ، عَن ميسرَة بن حبيب قَالَ : مر عَلّي فَذكره ، زَاد فِي طَرِيق أُخْرَى من طَرِيق الْأَصْبَغ بن نباتة عَن عَلّي : لِأَن يمس جمرًا حَتَّى يطفأ خير لَهُ من أَن يَمَسهَا . ثمَّ رَوَى فِي حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن عَلّي أَنه كَانَ يَقُول : الشطرنج ميسر الْأَعَاجِم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : مُرْسلَة ، لَكِن لَهَا شَوَاهِد . مِنْهَا مَا تقدم وَمِنْهَا مَا تَأَخّر : رَوَاهُ شريك عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن الحكم قَالَ : قَالَ عَلّي : صَاحب الشطرنج أكذب النَّاس يَقُول [ أحدهم ] : قتلت وَمَا قتل . وَمِنْهَا عَن عمار ابْن أبي عمار قَالَ : مر عَلّي بِمَجْلِس من مجَالِس تيم الله وهم يَلْعَبُونَ بالشطرنج فَوقف فَقَالَ : أما وَالله لغير هَذَا خلقْتُمْ ، لَوْلَا أَن تكون سنة لضَرَبْت بهَا وُجُوهكُم .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ، قَالَ البُخَارِيّ : وَقَالَ غَيره : يجْهر بِهِ ، قَالَ عبد الْحق فِي الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ تفرد بِهِ . قلت : وَغلط الْقُرْطُبِيّ صَاحب التَّفْسِير فِي التذْكَار فِي أفضل الْأَذْكَار فَقَالَ : رَوَاهُ مُسلم . وَاقْتصر عَلَيْهِ ، وَكَذَا وَقع لَهُ ذَلِك فِي تَفْسِير قَوْله فَاعْلَم ذَلِك . وَرَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالْحَاكِم ، وَابْن حبَان من رِوَايَة سعد بن أبي وَقاص ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم من رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة مَرْفُوعا ، كلهم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه : رفعهما وهم ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي حَدِيث سعد : هُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِي سنَن أبي دَاوُد ، عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ : قَالَ عبيد الله بن أبي يزِيد : سَمِعت أَبَا لبَابَة يَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ . قَالَ عبد الْجَبَّار بن [ الْورْد ] قلت لِابْنِ أبي مليكَة : يَا أَبَا مُحَمَّد ، أَرَأَيْت إِذا لم يكن حسن الصَّوْت . قَالَ : يُحسنهُ مَا اسْتَطَاعَ . قَالَ الشَّافِعِي : مَعْنَى هَذَا الحَدِيث تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ . وَكَذَا قَالَه غَيره ، وَيُؤَيِّدهُ قَول ابْن أبي مليكَة السالف ، وَقَالَ غَيره : هُوَ من الِاسْتِغْنَاء . وَقع فِي آخر رِوَايَة أَحْمد : قَالَ وَكِيع : يسْتَغْني [ بِهِ ] انْتَهَى ، أَي : يَسْتَغْنِي بِهِ عَن أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة والكتب الْمُتَقَدّمَة . وَقيل : المُرَاد ضد الْفقر ، وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : مَعْنَى [ قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ منا فِي هَذِه الْأَخْبَار يُرِيد بِهِ ] لَيْسَ مثلنَا فِي اسْتِعْمَال هَذَا الْفِعْل ؛ لأَنا لَا نفعله فَمن فعل ذَلِك فَلَيْسَ مثلنَا . وَقَالَ الإِمَام : أوضح الْوُجُوه فِي تَأْوِيل الحَدِيث : من لم يغنه الْقُرْآن وَلم يَنْفَعهُ فِي إيمَانه وَلم يصدقهُ بِمَا فِيهِ من وعد ووعيد فَلَيْسَ منا ، وَقَالَ غَيره : من لم يرتح لقرَاءَته وسماعه .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : استشرت جِبْرِيل فِي الْقَضَاء بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد ، فَأَشَارَ عَلّي بالأموال لَا تعدو ذَلِك . هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، لَا أعلم من خرجه مَعَ كَثْرَة طرق هَذَا الحَدِيث ، وَحَدِيث عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس مُغنِي فِي الدّلَالَة عَنهُ ، فَإِن عَمْرو بن دِينَار قَالَ فِي آخِره : وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَال ، وَتَفْسِير الرَّاوِي مقدم عَلَى تَفْسِير غَيره ، وعزى هَذَا الحَدِيث الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه إِلَى أبي هُرَيْرَة فِي الدَّارَقُطْنِيّ ، وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة قَالَ فِي مطلبه : أسْندهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة فَذكره سَوَاء ، وَقَالَ فِي كِفَايَته : أخرجه بِسَنَدِهِ عَن أبي هُرَيْرَة . فَذكره سَوَاء . وَلم أره فِي الدَّارَقُطْنِيّ فِي مظنته وَهُوَ بَاب الْفَضَائِل ، وَلَا فِي علله فليتتبع . فَائِدَة : هَذَا الحَدِيث ؛ أَعنِي : الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين رَوَاهُ جماعات من الصَّحَابَة عِنْد المُصَنّف مِنْهُم ثَلَاثَة : ابْن عَبَّاس ، وَجَابِر ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : رَوَاهُ من الصَّحَابَة عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَمَانِيَة : عَلّي ، وَابْن عَبَّاس ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَجَابِر ، وَعبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ، وَأبي بن كَعْب ، وَزيد بن ثَابت ، وَسعد بن عبَادَة . قلت : بل رَوَاهُ من الصَّحَابَة أَكثر من [ عشْرين ] صحابيًّا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَضَى بِشَاهِد وَيَمِين : عمر بن الْخطاب ، وَعلي ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَابْن عَبَّاس ، وَجَابِر ، وَابْن عمر ، وَابْن عَمْرو ، وَزيد بن ثَابت ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَسعد بن عبَادَة ، وعامر بن ربيعَة ، وَسَهل بن سعد ، وَعمارَة بن حزم ، والمغيرة بن شُعْبَة ، وبلال بن الْحَارِث ، وَسَلَمَة بن قيس ، وَأنس بن مَالك ، وَتَمِيم الدَّارِيّ ، و(زبيب بن ثَعْلَبَة) ، وسُرق . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وزبيب بِضَم الزَّاي ، وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ، ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة ، ثمَّ بَاء مُوَحدَة . قَالَ الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث : لَيْسَ فِي الروَاة من يسم بِهَذَا الِاسْم غَيره . وَاعْترض الْمُنْذِرِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ : ذكر بَعضهم أَنه من الْأَسْمَاء المفردة وَفِيه نظر ، وَفِي الروَاة من اسْمه زبيب غَيره عَلَى خلاف فِيهِ . قَالَ : وَقد قيل فِي زبيب بن ثَعْلَبَة : زنيب - بالنُّون - قَالَه ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه . وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أم سَلمَة . قلت : فتلخص من كل ذَلِك أَن جملَة الصَّحَابَة الَّذين رَوَوْهُ اثْنَان وَعِشْرُونَ ، وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَلّي بن عمر فِي كتاب الشُّهُود بِشَهَادَة رجل وَيَمِين الطَّالِب رَوَاهُ من طَرِيق عبد الله بن يزِيد مولَى المنبعث ، عَن رجل من أهل مصر ، عَن سرق وَهُوَ ابْن أَسد . هَذَا الحَدِيث [ آخر ] الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الْله وَمَنّه .
الحَدِيث السَّادِس عشر رُوِيَ أَن دَاوُد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يضْرب باليراع فِي غنمه . هَذَا الحَدِيث ذكره بِنَحْوِهِ ابْن بطال فَإِنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو عَاصِم : ثَنَا ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن عبيد بن عُمَيْر قَالَ : كَانَت لداود نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - معزفة يتَغَنَّى عَلَيْهَا ويتكئ ويبكي ، قَالَ الْجَوْهَرِي : المعزفة آلَات اللَّهْو ، وَقَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب : المعازف الملاهي ، وَقَالَ ابْن نَاصِر الْحَافِظ : هَذَا لَيْسَ بِصَحِيح ، عَن دَاوُد وَلَا ثَابت . قَالَ : وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك إِذْ قد جعل الله صَوته أحسن من المزمار . فَائِدَة : اليراع بِفَتْح الْيَاء وَهُوَ بتَخْفِيف الرَّاء الَّتِي يسميها النَّاس السبابَة ، قَالَ [ أهل ] اللُّغَة : اليراع الْقصب ، الْوَاحِدَة يراعة . قَالَ صَاحب الحكم فِي بَاب الْعين مَعَ الْهَاء وَالرَّاء : الهيرعة الْقصب الَّتِي يزمر بهَا الرَّاعِي . وَنقل الرَّافِعِيّ أَيْضا عَن الصَّحَابَة الترخيص فِي اليراع .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ يَمِين الطَّالِب . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جَعْفَر [ بن ] مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر مَرْفُوعا : قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد . قَالَ ابْن عبد الْبر : حَدِيث حسن . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، [ قَالَ : ] وَقَضَى بهَا عَلّي فِيكُم . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَهَذَا أصح ، وَهَكَذَا رَوَى الثَّوْريّ ، عَن جَعْفَر ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَرَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة ، وَيَحْيَى بن [ سليم ] ، عَن جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن عَلّي مَرْفُوعا . وَقَالَهُ الْبَيْهَقِيّ ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَنهُ فَقَالَا : هُوَ مُرْسل ، وَقَالَ الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك : إِنَّه الصَّوَاب ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : رَوَاهُ جماعات عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه مُرْسلا ، وَرَوَاهُ عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ - وَهُوَ من الثِّقَات - عَن جَعْفَر عَن أَبِيه [ عَن جَابر ] مَرْفُوعا مَوْصُولا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : كَانَ جَعْفَر بن مُحَمَّد رُبمَا أرسل هَذَا الحَدِيث ، وَرُبمَا وَصله عَن جَابر ؛ لِأَن جمَاعَة من الثِّقَات حفظوه عَن أَبِيه عَن جَابر ، وَالْحكم يُوجب أَن يكون القَوْل قَوْلهم ؛ لأَنهم زادوا وهم ثِقَات وَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الشَّافِعِي لبَعض من [ يناظره ] : قلت لَهُ : رَوَى الثَّقَفِيّ وَهُوَ ثِقَة [ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ] ، عَن جَابر ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد . زَاد الْحَنْظَلِي فِي رِوَايَته الشَّاهِد الْوَاحِد . قَالَ : وَقَالَ أبي : وَقَضَى بِهِ عَلّي فِي الْعرَاق . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ عَن حميد بن الْأسود ، وَعبد الله الْعمريّ ، وَهِشَام بن سعد وَغَيرهم ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد كَذَلِك مَوْصُولا . قَالَ : وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن أبي حَيَّة ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَتَانِي جِبْرِيل وَأَمرَنِي أَن أَقْْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد وَقَالَ : إِن يَوْم الْأَرْبَعَاء يَوْم نحس مُسْتَمر . قلت : وَأخرجه ابْن عدي كَذَلِك ، وَابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ إِلَّا أَنه قَالَ : عَن جِبْرِيل عَن ربه - عَزَّ وَجَلَّ - قَالَ : أَمرنِي أَن أَقْْضِي إِلَى آخِره . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد قيل : عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، [ عَن جده ] ، عَن عَلّي : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَضَى بِشَهَادَة رجل وَاحِد مَعَ يَمِين صَاحب الْحق . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حُسَيْن بن زيد ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي مَرْفُوعا . وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَلّي بن أبي طَالب ، جد جَعْفَر بن مُحَمَّد ، وَإِن لم يدْرك عليًّا فَهُوَ أقرب للاتصال من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَلّي . قَالَ : وَقد رَوَاهُ غير جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي الباقر عَلَى الْإِرْسَال . الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي آخر بَاب أدب الْقَضَاء .
الحَدِيث السَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أعْلنُوا النِّكَاح واضربوا عَلَيْهِ بالغربال - أَي الدُّف . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، وَفِي إِسْنَاده خَالِد بن إلْيَاس الْمَدِينِيّ وَهُوَ ضَعِيف ، قَالَ الإِمَام أَحْمد : مُنكر الحَدِيث . وَلما أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَنْكِحَة قَالَ : خَالِد ضَعِيف . [ و ] رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عَائِشَة أَيْضا مَرْفُوعا : أعْلنُوا هَذَا النِّكَاح ، واجعلوه فِي الْمَسَاجِد ، واضربوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ وَهُوَ من رِوَايَة عِيسَى بن مَيْمُون الْأنْصَارِيّ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب فِي هَذَا الْبَاب ، وَعِيسَى يضعف فِي الحَدِيث . وَفِي بعض النّسخ : حَدِيث حسن . وَفِي ذَلِك نظر ؛ فقد قَالَ البُخَارِيّ : هُوَ مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن حبَان : مُنكر الحَدِيث لَا يحْتَج بروايته ، وَقَالَ ابْن مهْدي : استعديت عَلَيْهِ فَقلت : مَا هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي تحدث عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة ؟ فَقَالَ : لَا أَعُود . وَهَذَا الحَدِيث من رِوَايَته عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة . وَذكر هذَيْن الْحَدِيثين ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله ، وَضعفهمَا بِمَا قدمْنَاهُ ، وَفِي مُسْند أَحْمد ، و صَحِيح ابْن حبَان ، وَالْحَاكِم عَن عبد الله بن الزبير مَرْفُوعا : أعْلنُوا النِّكَاح ، قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقَالَ ابْن حبَان : مَعْنَاهُ أعلنوه بشاهدي عدل . وَفِي مُسْند أَحْمد ، و سنَن [ ابْن ] مَاجَه ، وَالنَّسَائِيّ ، و جَامع التِّرْمِذِيّ ، و مُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن مُحَمَّد بن حَاطِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فصل مَا بَين الْحَلَال وَالْحرَام الصَّوْت بالدف . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حسن ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقَالَ ابْن طَاهِر : ألزم الدَّارَقُطْنِيّ مُسلما إِخْرَاجه قَالَ : وَهُوَ صَحِيح . وَمن الأوهام القبيحة مَا وَقع فِي كتاب الإمتاع بِأَحْكَام السماع لعصريِّنا الشَّيْخ كَمَال الدَّين الأدفوي أَن مُسلما أخرج حَدِيث أعْلنُوا النِّكَاح واضربوا عَلَيْهِ بالدف ، وَهَذَا مِمَّا يجب كشطه .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى بِشَاهِد وَيَمِين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم ، عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير كِلَاهُمَا ، عَن زيد بن الْحباب ، عَن سيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ ، عَن قيس بن سعد ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ : إِسْنَاده جيد . وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سيف بن سُلَيْمَان بِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضا الشَّافِعِي عَن عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي ، عَن سيف بِهِ بِلَفْظ : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد ، ثمَّ قَالَ عَمْرو : فِي الْأَمْوَال . وَحَكَى الشَّافِعِي عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه تكلم فِيهِ وَقَالَ : لَو أعلم أَن سيف بن سُلَيْمَان يرويهِ لأفسدته عِنْد النَّاس قَالَ الشَّافِعِي : فَقلت : يَا أَبَا عبد الله ، إِذا أفسدته فسد وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الرّبيع قَالَ الشَّافِعِي : وَهَذَا الحَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يرد أحد من أهل الْعلم مثله لَو لم يكن فِيهِ غَيره مَعَ أَن مَعَه غَيره مِمَّا يشده ، وَقَالَ ابْن عبد [ الْبر ] : لَا مطْعن لأحد فِي إِسْنَاده ، وَلَا خلاف عِنْد أهل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ وَأَن رِجَاله ثِقَات ، وَقَالَ الْبَزَّار : وَقيس بن سعد ، وَسيف بن سُلَيْمَان وَمن بعدهمَا يُسْتَغْنَى عَن ذكرهمَا فِي النَّقْل وَالْعَدَالَة ، وَقَالَ مرّة : فِي الْبَاب : أَحَادِيث حسان أَصَحهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَقَالَ ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه : حَدِيث ثَابت ، وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه وهج الْجَمْر : لَا مطْعن لأحد فِي إِسْنَاده ، وَلَا خلاف بَين أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ فِي ثُبُوته ، وَقد تَوَاتَرَتْ الْآثَار بِهِ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْحفاظ فِيمَا نَقله عَنْهُم النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم : هُوَ أصح أَحَادِيث هَذَا الْبَاب . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَسيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ ثَبت ثِقَة عِنْد أَئِمَّة النَّقْل ، قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : سَأَلت يَحْيَى بن سعيد عَنهُ فَقَالَ : هُوَ عندنَا مِمَّن يصدق ويحفظ . قَالَ : وَقد تَابعه عَلَى ذَلِك جمَاعَة فَذكر ذَلِك بأسانيده . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم : وَقد تعرض لهَذَا الحَدِيث بعض الْمُخَالفين مِمَّن لَيْسَ من صناعته معرفَة الصَّحِيح من السقيم ، فاحتج فِيهِ بِمَا رُوِيَ عَن أبي زَكَرِيَّا يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظ . قَالَ الْحَاكِم : فَأَقُول - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق - : إِن شَيخنَا أَبَا زَكَرِيَّا لم يُطلق هَذَا القَوْل عَلَى حَدِيث سيف بن سُلَيْمَان ، عَن قيس بن سعد ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس ، أَو الحَدِيث الَّذِي تفرد بِهِ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى ، وَأما حَدِيث سيف بن سُلَيْمَان فَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من يجرح وَلم نعلم لَهُ أَيْضا عِلّة نعلل بِهِ الحَدِيث ، وَالْإِمَام أَبُو زَكَرِيَّا أعرف بِهَذَا الشَّأْن من أَن يظنّ بِهِ أَن يوهن حَدِيثا يظنّ بِهِ يرويهِ الثِّقَات من الْأَثْبَات . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَعلل الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ لَا يعلم قيسا يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار بِشَيْء ، وَلَيْسَ مَا لَا يُعلمهُ الطَّحَاوِيّ لَا يُعلمهُ غَيره . ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثا فهم مِنْهُ التَّصْرِيح بِسَمَاع قيس بن سعد عَن عَمْرو بن دِينَار ، وَهُوَ حَدِيث الَّذِي وقصته نَاقَته وَهُوَ محرم وَلَفظه : عَن وهب بن جرير عَن أَبِيه قَالَ : سَمِعت قيس بن سعد يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن سعيد بن جُبَير إِلَى آخِره ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَلَا يبعد أَن يكون لَهُ عَن عَمْرو غير هَذَا قَالَ : وَلَيْسَ من شَرط قبُول الْأَخْبَار كَثْرَة رِوَايَة الرَّاوِي عَمَّن رَوَى عَنهُ ، وَإِذا رَوَى الثِّقَة عَمَّن لَا يُنكر سَمَاعه مِنْهُ حَدِيثا وَاحِدًا وَجب قبُوله ، وَإِن لم يرو عَنهُ غَيره ، وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس . كَذَلِك (رَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَة ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي) عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس كَذَلِك وَمَعْنَاهُ . وَخَالَفَهُمَا [ خَالِد ] بن يزِيد الْعمريّ [ تَابعه ] عَلَى ذَلِك عبد الله بن مُحَمَّد بن ربيعَة القدامي ، وعصام بن يُوسُف الْبَلْخِي ، وخَالِد والقدامي وعصام لَيْسُوا بأقوياء ، وَعبد الرَّزَّاق ثِقَة حجَّة ، وَتَابعه عَن مُحَمَّد بن مُسلم فَرَوَاهُ عَنهُ عَن عَمْرو ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَتَابعه أَبُو حُذَيْفَة [ عَن ] مُحَمَّد بن مُسلم فَرَوَاهُ كَمَا ذكرنَا فَلَا تعلله رِوَايَة من لَا نبالي بِهِ . وَرَوَى بِإِسْنَاد واهٍ عَن عَمْرو عَن جَابر ابن زيد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : وَرِوَايَة الثِّقَات لَا تعلل بِرِوَايَة الضُّعَفَاء . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : [ عَمْرو بن دِينَار ] لم يسمع عِنْدِي من ابْن عَبَّاس هَذَا الحَدِيث . نَقله ابْن الْقطَّان عَنهُ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ أخرجه من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس . لَكِن فِيهِ القدامي الْمَتْرُوك ، قَالَ الْحَاكِم : وَهَذَا الْخلاف لَا يُعلل هَذَا الحَدِيث من أوجه : مِنْهَا : أَن عَمْرو بن دِينَار قد سمع من ابْن عَبَّاس ، وَسمع من جمَاعَة عَن ابْن عَبَّاس فَلَا يُنكر إِن سمع حَدِيثا مِنْهُ وَمن أَصْحَابه أَيْضا . ثَانِيًا : سيف بن سُلَيْمَان ثِقَة مَأْمُون ؛ فقد حكم مُسلم بن الْحجَّاج لروايته بِالصِّحَّةِ فَلَا يُقَابله مثل الْعمريّ والقدامي والبلخي .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أَن امْرَأَة أَتَت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت أَن أضْرب بالدف بَين يَديك إِن رجعت من سفرك سالما . فَقَالَ صلى الله عليه وسلم أوف بِنَذْرِك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما رَجَعَ من بعض مغازيه ، جَاءَتْهُ جَارِيَة سَوْدَاء فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت إِن ردك الله سالما أَن أضْرب بَين يَديك بالدف وأتغنى . فَقَالَ لَهَا : إِن كنت نذرت فأوف بِنَذْرِك . هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث حسن صَحِيح . وَلَفظ ابْن حبَان : رَجَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من بعض مغازيه ، [ فَجَاءَت جَارِيَة سَوْدَاء ] فَقَالَت : إِنِّي نذرت [ إِن ردك الله سالما ] أَن أضْرب عَلَى رَأسك بالدف . فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : إِن كنت نذرت فافعلي وَإِلَّا فَلَا . فَقعدَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَضربت بالدف . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ عِنْدِي ضَعِيف ؛ لضعف رِوَايَة عَلّي بن حُسَيْن بن وَاقد . قَالَ أَبُو حَاتِم : ضَعِيف ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : كَانَ مرجئًا . قَالَ : وَلَكِن رَوَاهُ عَن حُسَيْن بن وَاقد غير عَلّي الْمَذْكُور ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة ، عَن زيد بن حباب ، عَن حُسَيْن بْن وَاقد ، عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غزا فنذرت أمة سَوْدَاء إِن رده الله سالما أَن تضرب بالدف ، فَرجع سالما غانمًا فَأَخْبَرته بِهِ ، فَقَالَ : إِن كنت فعلت فافعلي وَإِلَّا فَلَا . فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، قد فعلت . فَضربت ، فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب ، وَدخل عمر وَهِي تضرب فَأَلْقَت الدُّف ، وَجَلَست عَلَيْهِ مقنعة ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : أَنا هَاهُنَا ، وَأَبُو بكر هَاهُنَا ، وَهَؤُلَاء هَاهُنَا ، إِنِّي لأحسب الشَّيْطَان يفر مِنْك يَا عمر . قَالَ : فَهَذَا حَدِيث صَحِيح . قلت : وَعلي بن حُسَيْن بن وَاقد الْمَدِينِيّ أعل الحَدِيث بِهِ ابْن الْقطَّان ، قد قَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات ، وَهَذَا التَّضْعِيف خَاص بِرِوَايَة التِّرْمِذِيّ ، أما ابْن حبَان فَأخْرجهُ فِي صَحِيحه عَن ابْن خُزَيْمَة ، نَا زِيَاد بن أَيُّوب ، نَا أَبُو تُمَيْلة يَحْيَى بن وَاضح ، نَا الْحُسَيْن بن وَاقد ، نَا عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه فَذكره كَمَا تقدم ، وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي الْمسند فَقَالَ : ثَنَا زيد بن الْحباب ، حَدثنِي حُسَيْن بن وَاقد ، حَدثنِي عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه أَن أمة سَوْدَاء أَتَت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد رَجَعَ عَن بعض مغازيه ، فَقَالَت : إِنِّي كنت نذرت إِن ردك الله صَالحا أَن أضْرب عَلَيْك بالدف . قَالَ : إِن كنت فعلت فافعلي ، وَإِن كنت لم تفعلي فَلَا تفعلي . فَضربت ، فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب ، وَدخل غَيره وَهِي تضرب ، ثمَّ دخل عمر فَجعلت دفها خلفهَا وَهِي مُقنِعة ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الشَّيْطَان (ليفر) مِنْك يَا عمر ، أَنا جَالس هَاهُنَا وَدخل هَؤُلَاءِ ، فَلَمَّا أَن دخلت فعلت مَا فعلت . وَفِي رِوَايَة للبيهقي : فَإِن كنت نذرت فاضربي . قَالَ : فَجعلت تضرب فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب ، ثمَّ دخل عمر فَأَلْقَت الدُّف (عَنْهَا) وَقَعَدت عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : إِن الشَّيْطَان يخَاف مِنْك يَا عمر . قلت : (وَقد ورد) من طرق أخر أَن عمر سمع ذَلِك ، رَوَاهُ ابْن طَاهِر فِي صفوة التصوف من حَدِيث عبد الله بن أبي مليكَة أَن عَائِشَة حدثته : أَنه كَانَت عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - امْرَأَة تغني ، فَاسْتَأْذن عمر بن الْخطاب فَأَلْقَت الدُّف وَقَامَت ، فَدخل عمر وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يضْحك فَقَالَ : بِأبي أَنْت وَأمي ، مَا أضْحكك يَا رَسُول الله ؟ فَذكر لَهُ الْخَبَر فَقَالَ : لَا أَبْرَح حَتَّى أسمع [ يَا ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسمع قَالَ ابْن طَاهِر : لَوْلَا أَنه من رِوَايَة بكار بن عبد الله لحكمت لَهُ بِالصِّحَّةِ ، لَكِن بكار مُتَكَلم فِيهِ . قلت : هُوَ كَلَام غير قَادِح ، وَقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : لَا نعلم قدحًا فِيهِ . وَرَوَاهُ الْخَطِيب من رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن بكار ، وَجعل الضعْف فِيهِ من طَرِيق آخر لَيْسَ من طَرِيق ابْن طَاهِر ، وَرَوَاهُ الفاكهي فِي تَارِيخ مَكَّة من طَرِيق آخر غَيرهمَا ، وَفِيه مُتَابعَة عبد الْجَبَّار بن الْورْد الثِّقَة لبكار ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد ، عَن الْحَارِث بن عبيد ، عَن عبيد الله بن الْأَخْنَس ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت أَن أضْرب عَلَى رَأسك بالدف . فَقَالَ : أوف بِنَذْرِك . رجال إِسْنَاده ثِقَات .
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر عَامل خَيْبَر يَبِيع الْجمع بِالدَّرَاهِمِ وَيَشْتَرِي الحَدِيث . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف بَيَانه فِي بَاب الرِّبَا وَاضحا .
الحَدِيث التَّاسِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله حرم عَلَى أمتِي الْخمر وَالْميسر والكوبة فِي أَشْيَاء عدهَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طرق : إِحْدَاهَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله - تبَارك وَتَعَالَى - حرم عَلَيْكُم الْخمر وَالْميسر والكوبة - وَهُوَ الطبل - قَالَ : وكل مُسكر حرَام ، وَفِي رِوَايَة لَهُ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : إِن الله حرم [ عليَّ - أَو ] حرم - الْخمر وَالْميسر والكوبة ، وَقَالَ : كل مُسكر حرَام . قَالَ سُفْيَان : قلت لعَلي : مَا الكوبة ؟ قَالَ : الطبل ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ ، (وَكَذَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه . ثَانِيهَا : عَن عبد الله بن [ عمرو ] أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الْخمر وَالْميسر والكوبة والغُبَيْراء ، وَقَالَ : كل مُسكر حرَام ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِهَذَا اللَّفْظ) ، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ القنين ، وَأخرجه أَحْمد بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وَزَاد : المزر والقنين . ثَالِثهَا : عَن قيس بن سعد بن عبَادَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن رَبِّي حرم عَلّي الْخمر وَالْميسر والقنين والكوبة . قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا : القنين الْعود ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فِي مُسْنده ، وَكتاب الْأَشْرِبَة لَهُ : إِن الله عَزَّ وَجَلَّ حرم عَلّي الْخمر والكوبة والقنين ، وَإِيَّاكُم والغبيراء فَإِنَّهَا ثلث خمر الْعَالم . قَالَ أَحْمد : قلت ليحيى بن إِسْحَاق : مَا الكوبة ؟ قَالَ : الطبل . وَهَذِه الطّرق كلهَا معلولة خلا الأول ، فَإِن إسنادها صَحِيح ؛ فَإِن أَبَا دَاوُد خرجه عَن مُحَمَّد بن بشار - وَهُوَ إِمَام حَافظ - عَن أبي أَحْمد وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الزبيري ، وَهُوَ كُوفِي من رجال الصَّحِيحَيْنِ - عَن سُفْيَان الثَّوْريّ - وناهيك فِيهِ - عَن عَلّي بن بذيمة - وَهُوَ ثِقَة - عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ، عَن ابْن عَبَّاس ، فَهَذَا إِسْنَاد يتَّصل عَلَى شَرط الصَّحِيح ، وَقد رَأَيْت بعض مصنفي زمننا أعله بِمَا لَو سكت عَنهُ لَكَانَ أولَى بِهِ . وَأما الطَّرِيق الثَّانِي : فَفِيهِ عنعنة ابْن إِسْحَاق ، وَفِي إِسْنَاد رِوَايَة أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ ( ابْن) لَهِيعَة ، وحالته مَعْلُومَة ، وَفِيه أَيْضا الْوَلِيد بن عَبدة ، قَالَ أَبُو حَاتِم : مَجْهُول . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : وَوَقع فِي رِوَايَة اللؤْلُؤِي عبد الله بن عمر يَعْنِي بِحَذْف الْوَاو فِي آخِره ، وَهُوَ وهم ، وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا . وَأما الطَّرِيق الثَّالِث : فَفِيهِ عبيد الله بن زحر وَهُوَ ضَعِيف كَمَا هُوَ أسلفته لَك فِي كتاب النّذر ، وَقَالَ عبد الْحق : فِي إِسْنَاده يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن عبيد الله بن زحر . ذكر الْكَلَام فِي ابْن زحر ، وَذكر من رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن ابْن جريج ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ؛ ثمَّ قَالَ : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَا يثبت مَرْفُوعا ، وَالْمَحْفُوظ من قَول أبي هُرَيْرَة وَاخْتلف فِيهِ . فَائِدَة : الكوبة : الطبل الطَّوِيل المتسع الطَّرفَيْنِ الضّيق الْوسط كَذَا فِي الرَّافِعِيّ ، وَلم أر من قَيده من أهل اللُّغَة بِهَذَا ؛ فقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْفَائِق : هِيَ النَّرْد ، وَقيل : الطبل ، وَقَالَ ابْن فَارس فِي الْمُجْمل : الكوبة الطبل عَلَى مَا قيل ، وَقَالَ : النَّرْد . وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عُبَيْدَة أَنَّهَا النَّرْد بلغَة الْيمن ، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي : إِنَّهَا النَّرْد ، وَيُقَال : الطبل ، وَقيل : البربط ، وَهَذَا أظهر ، وَقَالَ الْخطابِيّ : غلط ، وَقَالَ : الكوبة الطبل بل هِيَ النَّرْد . القنين : قيل : إِنَّه الطنبور بلغَة الحبشية . وَقيل : الْعود . كَمَا تقدم فِي آخر حَدِيث قيس بن سعد بن عبَادَة ، قيل : لعبة للروم يتقامرون بهَا . قَالَه ابْن الْأَعرَابِي ، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْفَائِق ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد : إِنَّه البربط ، وَقَالَ فِيهِ فِي تَرْجَمَة قيس ابن سعد بن عبَادَة : إِنَّه لعبة للروم . والغبيراء : السكركة - أَي بتسكين الرَّاء - تعْمل من الذّرة تصنعها الْحَبَشَة . قَالَه الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه ، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي مُوسَى عَن دُحَيْم : أَنه سَأَلَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن السكركة - أَي بتسكين الرَّاء - وَأخْبر أَنه يصنعه من الْقَمْح فَنَهَاهُ عَنهُ . وَفِي مُسْند الشَّافِعِي أبنا مَالك ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الغبيراء فَقَالَ : لَا خير فِيهَا ونهانا عَنْهَا قَالَ مَالك عَن زيد : هِيَ السكركة .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ ورد فِي الْخَبَر : زنا الْعَينَيْنِ النّظر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف فِي كتاب اللّعان فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث الْعشْرُونَ اشْتهر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وقف لعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها يَسْتُرهَا حَتَّى تنظر إِلَى الْحَبَشَة وهم يَلْعَبُونَ ويزفنون والزفن : الرقص . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا : أَن أَبَا بكر دخل عَلَيْهَا وَعِنْدهَا جاريتان فِي أَيَّام منى (يزفنون ويضربان) وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - متغشٍ بِثَوْبِهِ فانتهرهما أَبُو بكر ، فكشف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (عَن وَجهه فَقَالَ : دعهما يَا أَبَا بكر ، فَإِنَّهَا أَيَّام عيد . قَالَت عَائِشَة : وَرَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) يسترني ، وَأَنا أنظر إِلَى الْحَبَشَة وهم يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِد فزجرهم عمر ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : دعهم يَا عمر . فَائِدَة : لَا تعَارض بَين هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث السالف فِي النِّكَاح أفعمياوان أَنْتُمَا ، ألستما تبصرانه ، فَإِن هَذَا كَانَ قبل بُلُوغ عَائِشَة ، وَقد جَاءَ مَا يدل عَلَى ذَلِك ، وَيحْتَمل أَنه كَانَ قبل أَن يضْرب عَلَيْهِنَّ الْحجاب ، ووقائع الْأَعْيَان يسْقط الِاحْتِجَاج بهَا لتطرق الِاحْتِمَال إِلَيْهَا .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ قَالَ ] : لَا تقبل شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة ، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه وَلَا ظنين فِي رِوَايَة . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي أَوَائِل الْبَاب .
كتاب الْقَضَاء كتاب الْقَضَاء ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فَأَرْبَعَة عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول نقل عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر ، وَإِن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من طَرِيق عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور - قَالَ يَعْنِي : ابْن الْهَاد - فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث أَبَا بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم فَقَالَ : هَكَذَا حَدثنِي أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت : وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ، لَا نعرفه من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ عَن يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ إِلَّا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر . قلت : وَلَا يضر تفرده بِهِ ؛ لِأَنَّهُ ثِقَة ، أحد الْأَعْلَام ، وَلَا عِبْرَة بِمن تكلم فِيهِ . وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : مَا رَوَى معمر عَن الثَّوْريّ مُسْندًا غير هَذَا الحَدِيث . قلت : وَلِلْحَدِيثِ لفظ آخر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ، وَعقبَة بن عَامر ، وَأبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر ، وَإِن أصَاب فَلهُ عشرَة أجور . وَرَوَى الْحَاكِم حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : وَفِيه : فرج بن فضَالة التنوخي ، ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره ، وَقواهُ الإِمَام أَحْمد ، وَأخرجه فِي مُسْنده بِدُونِ فرج هَذَا ، نعم فِيهِ ابْن لَهِيعَة ، وَلَفظ رِوَايَته : فَإِذا اجْتهد وَأَخْطَأ كَانَ لَهُ [ أجر ، أَو ] أَجْرَانِ . وَأخرجه من حَدِيث عَمْرو بن العَاصِي بِلَفْظ : إِن أصبت الْقَضَاء فلك عشرَة [ حَسَنَات ] ، وَإِن أَنْت اجتهدت فأخطأت فلك حَسَنَة ، وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَإِذا أَخطَأ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ . تَنْبِيه : يحْتَاج إِلَى الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث ؛ فَإِن ظَاهرهَا الِاخْتِلَاف ، وَجمع بَينهمَا الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه بِوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَنه جعل لَهُ أَجْرَيْنِ إِذا وصل إِلَى الصَّوَاب بِأول اجْتِهَاده ، وَعشرَة أجور [ إِذا ] وصل بتكرار الِاجْتِهَاد وكثرته ، وَثَانِيهمَا : أَنه أخبر بِالْحَسَنَة لمضاعفة الْحَسَنَة بِعشْرَة أَمْثَالهَا ، وَأخْبر فِي الْأجر أَمريْن من غير مضاعفة ؛ لِأَنَّهُ فِي الأَصْل أجر وَفِي المضاعفة عشر . هَذَا لَفظه .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أَرَادَ أَن يبْعَث معَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَى الْيمن قَالَ لَهُ : كَيفَ تقضي إِذا غلبك قَضَاء ؟ قَالَ : أَقْْضِي بِكِتَاب الله قَالَ : فَإِن لم تَجِد فِي كتاب الله ؟ قَالَ : بِسنة رَسُول الله . قَالَ : فَإِن لم تَجِد ؟ قَالَ : أجتهد برأيي وَلَا آلو . فَضرب صَدره وَقَالَ : الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما يرضاه رَسُول الله . هَذَا الحَدِيث كثيرا مَا يتَكَرَّر فِي كتب الْفُقَهَاء وَالْأُصُول والمحدثين ويعتمدون عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِإِجْمَاع أهل النَّقْل - فِيمَا أعلم - وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو ، عَن أنَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أَرَادَ أَن يبْعَث معَاذًا إِلَى الْيَمين فَذكره بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ رَوَاهُ من رِوَايَة الْحَارِث ابن عَمْرو ، عَن أنَاس من أَصْحَاب [ معَاذ ، عَن ] معَاذ بن جبل : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما بَعثه إِلَى الْيَمن بِمَعْنَاهُ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو عَن [ رجال ] من أَصْحَاب معَاذ : [ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] من حَدِيث الْحَارِث أَيْضا عَن أنَاس من أهل حمص ، عَن معَاذ ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الْحَارِث بن عَمْرو عَن معَاذ ، كَذَا وجدت فِي النُّسْخَة الَّتِي نظرت مِنْهَا . وَأخرجه أَحْمد كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد ثَانِيًا . قَالَ ابْن عدي فِي كَامِله : قَالَ البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ : الْحَارِث بن عَمْرو ابن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ ، عَن أَصْحَاب معَاذ ، عَن معَاذ ، وَرَوَى عَنهُ أَبُو عون ، وَلَا يَصح وَلَا يعرف إِلَّا بِهَذَا ، وَهُوَ مُرْسل . قَالَ ابْن عدي : والْحَارث بن عَمْرو وَهُوَ مَعْرُوف بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره البُخَارِيّ عَن معَاذ لما وَجهه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا الحَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي مُتَّصِل . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : رَوَاهُ شُعْبَة ، عَن أبي عون ، عَن الْحَارِث بن عَمْرو ، عَن أَصْحَاب معَاذ ، عَن مُعاذ . وأرسله عبد الرَّحْمَن ابن مهْدي وجماعات ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة: قَالَ مرّة : عَن معَاذ ، وَأكْثر مَا كَانَ يحدثنا عَن أَصْحَاب معَاذ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرُوِيَ [ عَن مسعر ] عَن أبي عون مُرْسلا ، والمرسل أصح ، وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كِتَابه الْمُحَلَّى شرح المجلى : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ لم يروه أحد إِلَّا الْحَارِث بن عَمْرو - وَهُوَ مَجْهُول لَا نَدْرِي من هُوَ - عَن رجال من أهل حمص - لم يسمهم - عَن معَاذ ، وَقَالَ فِي رسَالَته فِي إبِْطَال الْقيَاس : هَذَا الحَدِيث الْمَأْثُور وَهُوَ عمدتهم ، وَهُوَ حَدِيث غير صَحِيح ؛ لِأَنَّهُ عَن الْحَارِث بن عَمْرو الْهُذلِيّ [ ابن ] أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة الثَّقَفِيّ ، وَلَا يدْرِي أحد من هُوَ ، وَلَا يعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث . ذكر ذَلِك البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْأَوْسَط فِي الطَّبَقَات ثمَّ هُوَ أَيْضا عَن رجال من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ ، وَلَا يجوز الْأَخْذ بِالدّينِ عَمَّن لَا يُدْرَى من هُوَ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ عَن الثِّقَات المعروفين . قَالَ : وَقد اتّفق الْجَمِيع عَلَى أَنه لَا يجوز شَهَادَة من لَا يُدْرَى حَاله ، وَنقل الحَدِيث شَهَادَة من أعظم الشَّهَادَات ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَة عَلَى الله وَعَلَى رَسُوله ، فَلَا يحل أَن يتساهل فِي ذَلِك أصلا . قَالَ : وقدموه قوم لم ينألوا بِالْكَذِبِ فَقَالُوا : إِن هَذَا الْخَبَر مَنْقُول نقل التَّوَاتُر . وَهَذَا كذب ظَاهر ؛ لِأَن نقل التَّوَاتُر هُوَ أَن يكون نَقله فِي عصر متواتر من مبتدئه إِلَى مبلغه ، وَأما مَا رَجَعَ من مبدئه إِلَى وَاحِد مَجْهُول فَهَذَا ضد التَّوَاتُر ، وَهَذَا لم يعرف قطّ قَدِيما ، وَلَا ذكره أحد من الصَّحَابَة عَنْهُم وَلَا من التَّابِعين عَن مسلمة عَن أبي عون حَتَّى يعلق بِهِ الْمُتَأَخّرُونَ ، فانبثق إِلَى أتباعهم ومقلديهم فعرفوه ، وَمَا احْتج بِهِ قطّ أحد من الْمُتَقَدِّمين ؛ لِأَن مخرجه واه ضَعِيف ، وَرَوَاهُ مَعَ ذَلِك عَن أبي عون شُعْبَة ، وَأبي إِسْحَاق : سُلَيْمَان بن فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ فَقَط لم يروه غَيرهمَا ، وَكِلَاهُمَا ثِقَة حَافظ ، وَاخْتلفَا فِيهِ فَرَوَاهُ شُعْبَة ، عَن أبي عون ، عَن نَاس من أَصْحَاب معَاذ من أهل حمص : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ - هُوَ أَبُو عون - قَالَ : لما بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الحَدِيث ، قَالَ : وَأَيْضًا فَمن الْبَاطِل الْمَقْطُوع بِهِ أَن يُضَاف مثل هَذَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ أَن يَقُول عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام لِمعَاذ : إِن لم تَجِد فِي كتاب الله - تَعَالَى - وَلَا فِي سنة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قد سُئِلَ عَن الحمُرُ فَقَالَ : مَا أنزل الله عَلّي فِيهَا شَيْء إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ فَلم يحكم فِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ بِحكم ألْبَتَّةَ بِغَيْر الْوَحْي ، فَكيف يُجِيز ذَلِك لغيره وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قد أَتَانَا بقوله من ربه الصَّادِق : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فَلَا سَبِيل إِلَى وجود شَرِيعَة لله - تَعَالَى - فَرضهَا فِي الْكتاب وَلم يسنها رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : فصح أَن هَذَا اللَّفْظ لَا يجوز أَن يَقُوله رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ أبي مُحَمَّد بن حزم مُلَخصا . وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : هَذَا الحَدِيث لَا يسند وَلَا يُوجد من وَجه صَحِيح . فَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام : الْحَارِث هَذَا لَا يعرف لَهُ حَال ، وَلَا نَدْرِي رَوَى عَنهُ غير أبي عون مُحَمَّد بن عبيد الله الثَّقَفِيّ ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَإِن كَانَ الْفُقَهَاء كلهم يذكرُونَهُ فِي كتبهمْ ويعتمدون عَلَيْهِ . قَالَ : (ولعمري مَعْنَاهُ صَحِيح) إِنَّمَا ثُبُوته لَا يعرف ؛ لِأَن الْحَارِث بن عَمْرو مَجْهُول ، وَأَصْحَاب معَاذ من أهل حمص لَا يعْرفُونَ ، وَمَا هَذَا طَرِيقه فَلَا وَجه لثُبُوته . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل بن طَاهِر فِي المُصَنّف الَّذِي لَهُ عَلَى هَذَا الحَدِيث : اعْلَم أنني فحصت عَن هَذَا الحَدِيث فِي المسانيد الْكِبَار وَالصغَار ، وَسَأَلت من لَقيته من أهل الْعلم بِالنَّقْلِ عَنهُ ، فَلم أجد لَهُ غير طَرِيقين : أَحدهمَا : مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَن حَفْص بن عمر ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي عون ، عَن الْحَارِث بن عَمْرو ابن أخي الْمُغيرَة بن شُعْبَة ، عَن أنَاس من أهل حمص من أَصْحَاب معَاذ ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَثَانِيهمَا : عَن مُحَمَّد بن جَابر اليمامي ، عَن أَشْعَث بن أبي الشعْثَاء ، عَن رجل من ثَقِيف ، عَن معَاذ ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالطَّرِيق الأول مَدَاره عَلَى الْحَارِث بن عَمْرو وَهُوَ مَجْهُول . وأناس من حمص لَا يعْرفُونَ ، وَلم يبين أَنهم سَمِعُوهُ من معَاذ . قَالَ : وبمثل هَذَا الْإِسْنَاد لَا يعْتَمد فِي أصل من أصُول الشَّرِيعَة ، وَيحمل بذا الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع . وَالطَّرِيق الثَّانِي : رَوَاهُ مُحَمَّد بن جَابر اليمامي - عَلَى ضعفه - عَن أَشْعَث ، عَن رجل من ثَقِيف وَرجل لَا يعرف لَا يعْتَمد عَلَيْهِ . ثمَّ نقل كَلَام ابْن عدي فِي كَامِله الَّذِي قدمْنَاهُ أَولا ، ثمَّ قَالَ : وأقبح مَا رَأَيْت عَلَى هَذَا الحَدِيث قَول الْجُوَيْنِيّ فِي كِتَابه أصُول الْفِقْه فِي بَاب إِثْبَات الْقيَاس : والعمدة فِي هَذَا الْبَاب عَلَى حَدِيث معَاذ . قَالَ : وَهَذِه زلَّة مِنْهُ آفتها التَّقْلِيد ، وَلَو كَانَ عَالما بِالنَّقْلِ لم يرتكب هَذِه الْجَهَالَة ؛ لِأَنَّهُ جعل عمدته حَدِيثا بِهَذَا الْوَهم الْوَاضِح . قَالَ : ثمَّ يَقُول : قد رَأينَا الْأَحَادِيث الْوَاضِحَة الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الْكتب الْمَعْرُوفَة تصرح بِخِلَاف هَذَا ؛ فَمن ذَلِك حَدِيث أبي مُوسَى أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن وَأَبا مُوسَى قَالَ لَهما : يسرا وَلَا تعسرا ، وتطاوعا وَلَا تنفرا . فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : إِن لنا شرابًا يصنع بأرضنا من الْعَسَل يُقَال لَهُ : البتع ، وَمن الشّعير يُقَال : المزر ؟ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كل مُسكر حرَام . حَدِيث مخرج فِي الصَّحِيح وَغَيرهَا من الْكتب ، لم يخْتَلف فِي صِحَّته اثْنَان من أهل الْمعرفَة فيظن بِخِلَاف مَا ورد فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم الْمَقْطُوع الْمَجْهُول رُوَاته ، وَأَن الْوَصِيَّة كَانَت لَهما ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْء من ذَلِك . قَالَ : وَمِمَّا يدل عَلَى إبِْطَال حَدِيث معَاذ أَيْضا أَنا وجدنَا معَاذًا لما سُئِلَ لما لم يكن عِنْده فِيهِ نَص توقف وَلم يجْتَهد رَأْيه ، من ذَلِك مَا رَوَى طَاوس عَنهُ قَالَ : أُتِي معَاذ بن جبل بوقص الْبَقر وَالْعَسَل حسب ، فَقَالَ : لم يَأْمُرنِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فيهمَا بِشَيْء ، وَرَوَى التِّرْمِذِيّ فِي سننه ( وعن موسى بن طلحة ) عن عيسى بن طلحة ، عن معاذ ، أنه كتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله عَن الخضراوات وهي الْبُقُول ، فَقَالَ : لَيْسَ فِيهَا شَيْء قَالَ : وَمِمَّا يدل عَلَى بُطْلَانه مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم ، عَن معَاذ قَالَ : لما بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تقضين وَلَا تفصلن إِلَّا بِمَا تعلم ، فَإِن أشكل عَلَيْك أَمر فقف حَتَّى تبينه أَو تكْتب إِلَيّ فِيهِ . قَالَ ابْن طَاهِر : فقد صَحَّ عِنْدِي فَسَاد حَدِيث معَاذ الْمَذْكُور لما أوضحته من وَهن إِسْنَاده ، وَبِمَا أتبعته من الْأَحَادِيث الْمُتَّصِلَة المخرجة فِي الصَّحِيح ، وَوَجَب ترك الِاحْتِجَاج بِهِ . هَذَا ملخص كَلَامه فِي التَّأْلِيف الْمَذْكُور . الحَدِيث الَّذِي أوردهُ من طَرِيق ابْن مَاجَه عجبت مِنْهُ سُكُوته عَلَى إِسْنَاده ، وَفِيه مُحَمَّد بْن (سعيد) المصلوب وَهُوَ كَذَّاب وَضاع كَمَا أسلفته فِي كتاب الْجِنَايَات ، وَقَالَ أَبُو عمر وَعُثْمَان بن الإِمَام أبي عَلّي حسن بن عَلّي بن دحْيَة إرشاد البائنية وَالرَّدّ عَلَى المعتدي مِمَّا وهم فِيهِ الْفَقِيه أَبُو بكر ابْن الْعَرَبِيّ : هَذَا الحَدِيث لَا أصل لَهُ ، وَرِجَاله مَجْهُولُونَ ، وَلَا يَصح عِنْد أحد من الْأَئِمَّة النقاد ، وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور عِنْد ضعفاء أهل الْفِقْه لَا أصل لَهُ ، يُوجب إطراحه . وَقَالَ : أحسن مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب مَا رَوَاهُ الشّعبِيّ عَن شُرَيْح القَاضِي أَنه كتب إِلَى عمر بن الْخطاب يسْأَله فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن اقْضِ بِمَا [ فِي ] كتاب الله ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فَفِي سنة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَإِن لم [ يكن ] فِي سنة رَسُول الله ، وَإِلَّا فبمَا قَضَى بِهِ الصالحون ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُول الله فَإِن شِئْت فَقدم وَإِن شِئْت فَأخر ، وَلَا أرَى لنا خيرا إِلَّا خيرا لَك وَالسَّلَام عَلَيْك ، فقد اتَّضَح بِحَمْد الله وَمِنْه ضعف هَذَا الحَدِيث ، وَصَحَّ دعوانا الْإِجْمَاع فِي ذَلِك ، وَالْحَمْد لله عَلَى ذَلِك وَأَمْثَاله . وَلم يصب بعض العصريين فِيمَا وَضعه عَلَى أَدِلَّة التَّنْبِيه حَيْثُ قَالَ : عقب قَول التِّرْمِذِيّ إِنَّه لَيْسَ بِمُتَّصِل : بل هُوَ حَدِيث مَشْهُور ، اعْتمد عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام فِي إِثْبَات الْقيَاس . وَكَأَنَّهُ جنح إِلَى قَول إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان أَن الشَّافِعِي احْتج ابْتِدَاء عَلَى إِثْبَات الْقيَاس بِهِ ، ثمَّ وهم الإِمَام فَقَالَ : والْحَدِيث مدون فِي الصِّحَاح مُتَّفق عَلَى صِحَّته لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَأْوِيل . هَذَا كَلَامه وَهُوَ من الْأَعَاجِيب . فَائِدَة : مِمَّا يدل عَلَى إِبَاحَة المقايسات فِي الدَّين كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن حبَان فِي صَحِيحه الحَدِيث الصَّحِيح عَن أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مثل الجليس الصَّالح وَمثل جليس السوء كحامل الْمسك ونافخ الْكِير ، فحامل الْمسك إِمَّا أَن تبْتَاع مِنْهُ ، وَإِمَّا أَن تَجِد [ مِنْهُ ] ريحًا طيبَة ، ونافخ الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك ، وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا خبيثة .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث عليًّا - كرم الله وَجهه - إِلَى الْيمن قَاضِيا ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، بعثتني أَقْْضِي بَينهم وَأَنا شَاب لَا أَدْرِي مَا الْقَضَاء ! قَالَ : فَضرب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي صَدْرِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ اهده وَثَبت لِسَانه . فوالذي فلق الْحبَّة مَا شَككت فِي قَضَاء بَين اثْنَيْنِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث شريك عَن سماك بن حَرْب ، عَن حَنش ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن قَاضِيا ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، ترسلني وَأَنا حَدِيث السن وَلَا علم لي بِالْقضَاءِ ؟ قَالَ : فَقَالَ لي : إِن الله سيهدي قَلْبك وَيثبت لسَانك ؛ فَإِذا جلس بَين يَديك خصمان فَلَا تقضين (لأَحَدهمَا مَا لم) تسمع من الآخر كَمَا سَمِعت من الأول ؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يتَبَيَّن لَك الْقَضَاء . قَالَ : فَمَا زلت قَاضِيا [ أَو ] مَا شَككت فِي قَضَاء قطّ . وحنش هَذَا هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر ، وَيُقَال : ابْن ربيعَة ، كُوفِي وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ البُخَارِيّ : يَتَكَلَّمُونَ فِي حَدِيثه ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يحْتَج بِهِ ، وَقَالَ عبد الْحق : كَانَ رجلا صَالحا ، وَفِي حَدِيثه ضعف . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهُوَ من رِوَايَة شريك عَن سماك عَنهُ وَلم يبين ذَلِك عبد الْحق وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن حزم ، وَأَنه قَالَ : هَذَا خبر سَاقِط ؛ لِأَن شَرِيكا مُدَلّس ، وَسماك بْن حَرْب يقبل التَّلْقِين ، وحنش سَاقِط مطرح ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن سَلمَة ، عَن عَلّي قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، بعثتني وَأَنا شَاب وهم كهول ، وَلَا علم لي بالْكلَام ! فَقَالَ : إِن الله - تبَارك وَتَعَالَى - سيهدي قَلْبك وَيثبت لسَانك . قَالَ : فوَاللَّه مَا تعاييت فِي شَيْء بعد ، ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن عَمْرو بن مرّة عَن [ عبد الله ] بن سَلِمة عَن عَلّي إِلَّا أَبُو إِسْحَاق ، وَلَا عَن أبي إِسْحَاق إِلَّا عَمْرو بن أبي الْمِقْدَام ، وَقد رُوِيَ عَن عَلّي من وُجُوه . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَاهُ هُوَ بعد ذَلِك من حَدِيث جَارِيَة بن مضرب عَن عَلّي قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، فَقلت : تبعثني إِلَى قوم هم أسن مني ! فَكيف أَقْْضِي بَينهم ؟ ! فَقَالَ : اذْهَبْ ، فَإِن الله سيهدي قَلْبك وَيثبت لسَانك ، ثمَّ قَالَ : هَذَا أحسن أسانيده . وَرَوَاهُ بعد ذَلِك بِنَحْوِ مَا سَاقه أَبُو دَاوُد - أَعنِي من رِوَايَة حَنش . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة عَلّي ، وَابْن مَاجَه فِي هَذَا الْبَاب من حَدِيث أبي البخْترِي ، عَن عَلّي قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي رجل شَاب وَإنَّهُ يرد عَلّي من الْقَضَاء مَا لَا علم لي بِهِ ! قَالَ : فَوضع يَده فِي صَدْرِي وَقَالَ : (ثَبت الله لِسَانه) واهد قلبه . فَمَا شَككت فِي الْقَضَاء أَو فِي (فصل) بعد هَذَا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . قلت : فِي تَصْحِيحه عوضا عَن كَونه عَلَى شَرطهمَا نظر ؛ فَإِنَّهُ مُنْقَطع . قَالَ شُعْبَة وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَالْبَزَّار : أَبُو البخْترِي لم يدْرك عليًّا ، وَلم يره . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا فِي أَوَائِل بَاب الْأَحْكَام من رِوَايَة حَنش الْمَذْكُور فِي رِوَايَة أبي دَاوُد ، عَن عَلّي قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن ، فَقلت : بعثتني إِلَى قوم ذَوي أَسْنَان وَأَنا حَدِيث السن ! قَالَ : إِذا جلس إِلَيْك الخصمان فَلَا تقض لأَحَدهمَا حَتَّى تسمع من الآخر كَمَا سَمِعت من الأول . قَالَ عَلّي : فَمَا زلت قَاضِيا . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِي رِوَايَة عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْيمن عليًّا فَقَالَ : علمهمْ الشَّرَائِع واقض بَينهم . قَالَ : لَا علم لي بِالْقضَاءِ . فَدفع فِي صَدره ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اهده للْقَضَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سماك بن حَرْب ، عَن حَنش ، عَن عَلّي قَالَ : قَالَ [ لي ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا تقاضى إِلَيْك رجلَانِ فَلَا تقض للْأولِ حَتَّى تسمع كَلَام الآخر ، فَسَوف تَدْرِي كَيفَ تقضي . قَالَ عَلّي : فما زلت قَاضِيا بعد . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . وَأما ابْن حزم فأعله بسماك كعادته ، وَفِي مَرَاسِيل أبي دَاوُد ، نَا [ عبد الله ] بن مُحَمَّد بن يَحْيَى ، نَا مُحَمَّد بن الْمُغيرَة الْمدنِي المَخْزُومِي ، نَا سُلَيْمَان بن مُحَمَّد ابن يَحْيَى بن عُرْوَة ، عَن [ عبد الله بن ] عبد الْعَزِيز الْعمريّ قَالَ : لما اسْتعْمل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عليًّا عَلَى الْيمن (دَعَاهُ فَأَوْصَاهُ) قَالَ : قَدِّم الوضيع عَلَى الشريف ، والضعيف عَلَى الْقوي ، وَالرِّجَال عَلَى النِّسَاء . لم يرمه عبد الْحق بسوى الْإِرْسَال ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : فِي إِسْنَاده جمَاعَة لَا يعْرفُونَ . قَالَ : والعمري هُوَ الزَّاهِد ، وحاله فِي الحَدِيث مَجْهُولَة ، وَلَا أعلم لَهُ رِوَايَة غير هَذِه .
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله لَا يقدس أمة لَيْسَ فيهم من يَأْخُذ للضعيف حَقه . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق يحضرنا مِنْهَا عشرَة : أَحدهَا : عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كَيفَ تقدس أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم . رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه هَكَذَا فِي رِوَايَته ، وَهُوَ [ عِنْد ] ابْن مَاجَه فِي سنَنه فِي أثْنَاء الْفِتَن بِلَفْظ : كَيفَ يقدس الله أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم ، وَذكر فِيهِ قصَّة ، وَجَمِيع رِجَاله احْتج بهم مُسلم فِي صَحِيحه ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي فَوَائده الَّتِي خرجها لنَفسِهِ بِلَفْظ : كَيفَ يقدس الله قوما لَا يُؤْخَذ من شديدهم لضعيفهم . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن عُثْمَان بن جبلة [ أَخْبرنِي أبي ، ثَنَا شُعْبَة ] قَالَ : حَدثنَا سماك بن حَرْب قَالَ : كُنَّا مَعَ مدرك بن الْمُهلب بسجستان فِي سرادق فَسمِعت شَيخا يحدث ، عَن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله لَا يقدس أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف من الْقوي حَقه وَهُوَ غير متعتع . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب ، وَالْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى ، وتلميذه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة أبي سُفْيَان قَالَ : وَالشَّيْخ الَّذِي لم يسمه عُثْمَان بن جبلة قد سَمَّاهُ غنْدر ، غير أَنه لم يذكر أَبَا سُفْيَان فِي الْإِسْنَاد . أخبرنَا مُحَمَّد بن صَالح بن هَانِئ ، ثَنَا إِبْرَاهِيم ابن أبي طَالب ، ثَنَا أَبُو مُوسَى وَبُنْدَار قَالَا : ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر ، ثَنَا شُعْبَة ، عَن سماك بن حَرْب ، عَن عبد الله بن أبي سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب قَالَ : كَانَ لرجل عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تمر فَأَتَاهُ يتقاضاه ، فَاسْتقْرض النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من خَوْلَة بنت حَكِيم تَمرا وَأَعْطَاهُ إِيَّاه ، وَقَالَ : أما إِنَّه قد كَانَ عِنْدِي تمر وَلكنه [ قد ] كَانَ عثريًّا ، ثمَّ قَالَ : كَذَلِك يفعل عباد الله الْمُؤمنِينَ ، إِن الله لَا يترحم عَلَى أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف فيهم حَقه غير متعتع . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُرْسل وَهُوَ الصَّحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم : وَلم يسند أَبُو سُفْيَان عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَيره . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن محَارب بن دثار ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه : لما قدم جَعْفَر من الْحَبَشَة قَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا أعجب شَيْء رَأَيْته ؟ قَالَ : رَأَيْت امْرَأَة عَلَى رَأسهَا مكتل من طَعَام ، فَمر فَارس يرْكض فأذراه ، فَجعلت تجمع طعامها وَقَالَت : ويل لَك يَوْم يضع الْملك كرسيه ليَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَصْدِيقًا لقولها : لَا قدست أمة - أَو كَيفَ قدست - لَا يُؤْخَذ لضعيفها من شديدها وَهُوَ غير مُنْقَطع رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يتقاضاه دينا كَانَ عَلَيْهِ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ : أحرِّج عَلَيْك إِلَّا قضيتني . فانتهره أَصْحَابه وَقَالُوا لَهُ : وَيحك تَدْرِي من تكلم ! فَقَالَ : إِنِّي أطلب حَقي . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هلاّ مَعَ صَاحب الْحق كُنْتُم . ثمَّ أرسل إِلَى خَوْلَة بنت قيس فَقَالَ لَهَا : إِن كَانَ عنْدك تمر فأقرضينا حَتَّى يأتينا تمر فنقضيك . فَقَالَت : نعم ، بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله . قَالَ : فأقرضته ، فَقَضَى الْأَعرَابِي وأطعمه ، فَقَالَ : أوفيت أَوْفَى الله لَك . فَقَالَ : أُولَئِكَ خِيَار النَّاس ، إِنَّه لَا قدست أمة لَا يَأْخُذ الضَّعِيف (مِنْهَا) حَقه غير متعتع . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن أبي عُبَيْدَة أَظُنهُ قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح بِهِ . وَابْن أبي عُبَيْدَة هَذَا هُوَ مُوسَى بن عُبَيْدَة بن نشيط أَبُو عبد الْعَزِيز الربذي الْمدنِي أَخُو مُحَمَّد ، وهاه أَحْمد حَتَّى إِنَّه قَالَ : لَا تحل عِنْدِي الرِّوَايَة عَنهُ ، وَقَالَ مرّة : لَا يشْتَغل بِهِ ، وَقَالَ ابْن معِين : لَا يحْتَج بِهِ ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ وَغَيره : ضَعِيف ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن عدي : الضعْف عَلَى رِوَايَته بَين . وَوَقع لَهُ فَائِدَة حَدِيثِيَّةٌ مستطرفة عِنْد أهل هَذَا الْفَنّ لَا بَأْس أَن نذكرها ، وَهِي أَن مُوسَى هَذَا رَوَى عَن أَخِيه مُحَمَّد وَهُوَ أكبر مِنْهُ بِثَمَانِينَ سنة ، قَالَه الْحَازِمِي . الْخَامِس : عَن قَابُوس بن الْمخَارِق ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا قدست أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها من قويها غير متعتع . رَوَاهُ ابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة عَن مطين . وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، عَن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الوادعي القَاضِي قَالَا : ثَنَا عَلّي بن حَكِيم ، نَا شريك ، عَن سماك ، عَن قَابُوس بِهِ . السَّادِس : عَن يَحْيَى بن جعدة ، رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي إحْيَاء الْموَات . السَّابِع : عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كَيفَ تقدس أمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها من قويها . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ، نَا عبد الرَّحْمَن بن [ أبي بكر الْمليكِي ، عَن ابْن أبي مليكَة ] عَنهُ بِهِ . التَّاسِع : عَن خَوْلَة - غير منسوبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا يقدس الله لأمة لَا يُؤْخَذ لضعيفها [ الْحق ] من قويها غير متعتع . قَالَ : من انْصَرف عَن غَرِيمه وَهُوَ راضٍ عَنهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَاب الأَرْض ، وَنون [ المَاء ] ، وَمن انْصَرف عَنهُ غَرِيمه وَهُوَ ساخط كتب عَلَيْهِ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وجمعة وَشهر ظلم . رَوَى الحافظان الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير ، وَأَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة فِي إِسْنَاده بَقِيَّة وعنعنهُ . هَذَا أحد طرقي الطَّبَرَانِيّ ، أخرجه من حَدِيث حبَان بن عَلّي ، عَن سعد بن طريف ، عَن مُوسَى بن طَلْحَة ، عَن خَوْلَة وَقَالَ : إِنَّهَا امْرَأَة حَمْزَة بِقصَّة ، وَلَفظه : لَا قدس الله أمة لَا يَأْخُذ ضعيفها حَقه من قويها وَهُوَ غير مضطهد ، وَذكر فِيهِ قصَّة . أخرجه أَيْضا من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم ، عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز ، عَن ربيعَة بن يزِيد ، عَن سَلمَة بن خَالِد ، عَنهُ بِهِ .
الحَدِيث الثَّالِث رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا جلس الْحَاكِم للْحكم بعث الله لَهُ ملكَيْنِ يسددانه ويوفقانه (ويرشدانه مَا لم يجر) ، فَإِذا جَار عرجا وتركاه . سكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَفِي إِسْنَاده : يَحْيَى بن (يزِيد) بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، يكنى أَبَا بردة ، وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ أَحْمد وَيَحْيَى : وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : رَوَى أَحَادِيث مُنكرَة ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : واهي الحَدِيث ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ أَبُو عَلّي صَالح بن مُحَمَّد الْحَافِظ : هُوَ ضَعِيف الحَدِيث . قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ لَهُ أصل . قَالَ ابْن جريج : لَا يحْتَمل هَذَا ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : خبر مُنكر ، أخرجه البُخَارِيّ - أَي : فِي تَارِيخه - وَهُوَ [ سَاقِط ] ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة الْعَلَاء بن عَمْرو الْحَنَفِيّ عَنهُ ، والْعَلَاء واه ، وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن أبي أَوْفَى قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [ إِن ] الله مَعَ القَاضِي مَا لم يجر ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي : فَإِذا جَار تخلى عَنهُ وَلَزِمَه الشَّيْطَان ، وَلابْن حبَان مِنْهُ إِلَى قَوْله : مَا لم يجر ، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ : برِئ الله مِنْهُ وَلَزِمَه الشَّيْطَان . وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلابْن مَاجَه : إِن الله مَعَ القَاضِي مَا لم يجر ؛ فَإِذا جَار وَكله إِلَى نَفسه ، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم : فَإِذا جَار تَبرأ الله مِنْهُ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عمرَان الْقطَّان ، وَقَالَ الْحَاكِم : إِسْنَاده صَحِيح ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ ابْن صاعد : رَوَاهُ عَمْرو بن عَاصِم عَن عمرَان الْقطَّان . فَلم يذكر فِي إِسْنَاده حُسَيْنًا - يَعْنِي : الْمعلم . وَفِي المعجم الْكَبِير للطبراني من حَدِيث عَنْبَسَة بن سعيد ، عَن حَمَّاد مولَى بني أُميَّة ، عَن جنَاح مولَى الْوَلِيد ، عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع مَرْفُوعا : مَا من مُسلم ولي من أَمر الْمُسلمين شَيْئا إِلَّا بعث الله إِلَيْهِ ملكَيْنِ يسددانه مَا (نَوى) الْحق ؛ فَإِذا نَوى الْجور عَلَى عمله كلأه إِلَى نَفسه .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الله يَوْم الْقِيَامَة : الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه ، وَإِذا سئلوه بذلوه ، وَإِذا حكمُوا بَين النَّاس حكمُوا كحكمهم لأَنْفُسِهِمْ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن حسن [ وَيَحْيَى بن إِسْحَاق ] ، ثَنَا ابْن لَهِيعَة ، نَا خَالِد بن أبي عمرَان ، عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَتَدْرُونَ من السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الله تَعَالَى [ يَوْم الْقِيَامَة ؟ ] قَالُوا : الله وَرَسُوله أعلم . قَالَ : الَّذين إِذا أعْطوا الْحق قبلوه ، وَإِذا سئلوه بذلوه ، وحكموا للنَّاس كحكمهم نفسهم ، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه حلية الْأَوْلِيَاء من هَذَا الْوَجْه سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، تفرد بِهِ ابْن لَهِيعَة عَن خَالِد بن أبي عمرَان ، حدث بِهِ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده رِوَايَته عَن حسن ، عَن ابْن لَهِيعَة ، وَكَذَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد ، وَرَوَاهُ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس بن الْقَاصّ - بتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة ، من أَصْحَاب الشَّافِعِيَّة - فِي كتاب الْقَضَاء من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن ابْن زحر ، عَن عَلّي بن زيد ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعا : هَل تَدْرُونَ من السَّابِقُونَ إِلَى ظلّ الله يَوْم الْقِيَامَة ؟ فَذكره إِلَّا أَنه قَالَ : وَإِذا حكمُوا للْمُسلمين حكمُوا كحكمهم لأَنْفُسِهِمْ بدل مَا ذكر . وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : المقسطون عِنْد الله عَلَى مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن ، وكلتا يَدَيْهِ يَمِين : الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهلهم وَمَا ولوا . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو هَذَا ، فَقَالَ : الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من جعل قَاضِيا بَين النَّاس فقد ذبح بِغَيْر سكين . هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَمْرو بن أبي عَمْرو مولَى الْمطلب ، عَن سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا : من ولي للْقَضَاء فقد ذبح بِغَيْر سكين . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذَا الْوَجْه . وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن سعيد بن أبي هِنْد عَن المَقْبُري . وَأخرجه أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة دَاوُد بن خَالِد اللَّيْثِيّ ، عَن سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة بِاللَّفْظِ الأول ، وَذَلِكَ ثَابت فِي رِوَايَة الأسيوطي للنسائي ، وَلم يذكرهُ ابْن عَسَاكِر فِي الْأَطْرَاف واستدركه الْمزي عَلَيْهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ فِي بعض طرقهما عَن الأخنسي [ عَن الْأَعْرَج ، و ] سعيد عَن أبي هُرَيْرَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : عُثْمَان الأخنسي وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين وَمَشاهُ النَّسَائِيّ . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ ذكره فِي علله المتناهية من طَرِيقين ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ أما الأول فَفِي إِسْنَاده دَاوُد بن خَالِد اللَّيْثِيّ ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَا أعرفهُ . قلت : فَفِي إِسْنَاده دَاوُد وَهَذِه الطَّرِيقَة قد تقدّمت عَن سنَن النَّسَائِيّ . وَذكره ابْن عدي وَقَالَ : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : وَأما الثَّانِي فَلَا يرويهِ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ غير بكر بن بكار ، قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . قلت : وَثَّقَهُ أَبُو عَاصِم النَّبِيل ، وَكَذَا ابْن حبَان وَقَالَ : رُبمَا يُخطئ . واقتصار ابْن الْجَوْزِيّ عَلَى هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ لَيْسَ بجيد ، وَكَذَا قَوْله فِيهِ أَولا . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي علله : إِنَّه يرْوَى عَن أبي هُرَيْرَة عَلَى وُجُوه ، فَقيل : عَن (سعيد) المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : سعيد عَن زيد بن أسلم ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن سعيد ، أَو أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن أبي سعيد - بِغَيْر شكّ - عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَهُوَ وهم ، إِنَّمَا هُوَ سعيد المَقْبُري فَقيل : عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا . وهم فِي قَوْله : ابْن الْمسيب . وَقيل : عَن سعيد المَقْبُري ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : وَالْمَحْفُوظ : عَن المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة . فَائِدَة : قَالَ ابْن الصّلاح : مَعْنَى الحَدِيث - وَالله أعلم - فقد ذبح من حَيْثُ الْمَعْنى لَا من حَيْثُ الصُّورَة ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَين عَذَاب الدُّنْيَا إِن رشد ، وَعَذَاب الْآخِرَة إِن فسد ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير ، وَالشَّيْخ زكي الدَّين ، وقبلهما الْخطابِيّ : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : بِغَيْر سكين يحْتَمل وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَن الذّبْح فِي ظَاهر الْعرف وغالب الْعَادة إِنَّمَا هُوَ بالسكين ، فَعدل - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ذَلِك ؛ ليعلم أَن المُرَاد مَا يخَاف عَلَيْهِ من هَلَاك دينه دون هَلَاك بدنه . وَالثَّانِي : الذّبْح الوجأ الَّذِي تقع بِهِ إراحة الذَّبِيحَة وخلاصها من الْأَلَم إِنَّمَا يكون بالسكين ، وَإِذا ذبح بِغَيْر سكين كَانَ ذبحه خنقًا وتعذيبًا ، فَضرب بِهِ الْمثل ؛ ليَكُون فِي الحذر أبلغ مِنْهُ . وَقَالَ الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة : الذّبْح فِي الحَدِيث قيل : إِنَّه تعرض للذبح فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يحكم عَلَى الصّديق والعدو بِحكم وَاحِد فليحذر . وَقيل : صَار كمذبوح وَأَنه يحْتَاج إِلَى إماتة شَهْوَته ، وقهر نَفسه بِالْمَنْعِ من المخالطة . وَقَوله : بِغَيْر سكين كِنَايَة عَن شدَّة الْأَلَم ؛ فَإِنَّهُ بالسكين موجئ مريح وبغيرها تَعْذِيب . وَقيل : إِنَّه عدل عَن السكين ؛ ليدل عَلَى أَنه مُفسد للدّين لَا للبدن ؛ فَإِن الْمُفْسد للبدن الذّبْح بالسكين ، وَهَذَا ذبح بغَيْرهَا . انْتَهَى مَا أوردهُ . وَقَالَ ابْن البياضي من أَصْحَابنَا فِي كِتَابه أدب الْقَضَاء : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ عِنْدِي فِي كَرَاهِيَة الْقَضَاء وذمه ؛ إِذْ الذّبْح بِغَيْر سكين مجاهدة النَّفس بِتَرْكِهِ وَالله - تَعَالَى - يَقُول : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ، وَثمّ أيد ذَلِك بِحَدِيث أوردهُ .
الحَدِيث الثَّانِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام جزأ العبيد السِّتَّة الَّذين أعتقهم الْأنْصَارِيّ فِي مرض مَوته ثَلَاثَة أَجزَاء . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ، وستعلمه فِي كتاب الْعتْق إِن شَاءَ الله ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى حَدِيث : لَا ضَرَر وَلَا ضرار ، وَقد أوضحته فِي تخريجي أَحَادِيث الْمُهَذّب فِي كتاب الرَّهْن فسارع إِلَيْهِ .
بَاب الْقِسْمَة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ حديثين : أَحدهمَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يقسم الْغَنَائِم بَين الْمُسلمين . وَهَذَا من الْمَشْهُور المستفيض الثَّابِت الَّذِي عزوه أشهر من أَن يشْتَغل بِهِ ، وَقد ورد فِي ذَلِك عدَّة أَحَادِيث ، وَمِنْهَا حَدِيث جَابر الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قسم غنيمَة بالجعرانة فَقَالَ رجل : اعْدِلْ . فَقَالَ رَسُول الله : وَيحك إِن لم أعدل فَمن يعدل .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ليجاء بِالْقَاضِي الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة ، فَيلْقَى من شدَّة الْحساب مَا يتَمَنَّى أَنه لم يقْض بَين اثْنَيْنِ فِي تَمْرَة قطّ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند والعقيلي فِي تَارِيخه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . وَلما رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله بِإِسْنَادِهِ قَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . ثمَّ أتبعه بقول الْعقيلِيّ : عمرَان بن حطَّان لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه . قلت : وَعمْرَان هَذَا من رجال البُخَارِيّ ، وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَيْسَ أهل الْأَهْوَاء أصح حَدِيثا من الْخَوَارِج . فَذكر عمرَان بن حطَّان وَغَيره ، وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ لَا يتهم فِي الحَدِيث . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيقه بِلَفْظ : يُدعَى بِالْقَاضِي الْعَادِل يَوْم الْقِيَامَة فَيلْقَى من شدَّة الْحساب مَا يتَمَنَّى أَنه لم يقْض بَين اثْنَيْنِ فِي عمره ، وَأعله الْعقيلِيّ بِوَجْه آخر فَقَالَ : لَا يتَبَيَّن لي سَمَاعه من عَائِشَة . قلت : فِي رِوَايَة الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ : دخلت عَلَى عَائِشَة فذاكرتها حَتَّى ذكرنَا القَاضِي فَقَالَت عَائِشَة : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : ليَأْتِيَن عَلَى القَاضِي الْعدْل يَوْم الْقِيَامَة سَاعَة يتَمَنَّى أَنه لم يقْض الحَدِيث ، رَوَاهُ الخلعي .
الحَدِيث الْخَامِس قَالَ الرَّافِعِيّ : وَمن الْمَشْهُور أَنه كَانَ لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كُتَّاب مِنْهُم : زيد بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَهُوَ صَحِيح مَشْهُور ، وَقد عَددهمْ ابْن عَسْكَر فِي تَارِيخ دمشق بأسانيد فَذكر مِنْهُم الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ، وَالزبير ، وَأبي بن كَعْب ، وَزيد بن ثَابت ، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ، وَمُحَمّد بن مسلمة ، [ وأرقم ] بْن أبي الأرقم ، وَأَبَان بن سعيد بن أبي العَاصِي ، وَأَخُوهُ خَالِد بن سعيد ، وثابت بن قيس ، وحَنْظَلَة بن الرّبيع ، وخَالِد بن الْوَلِيد ، وَعبد الله بن الأرقم ، وَعبد الله بن زيد بن عبد ربه ، والْعَلَاء بن عقبَة ، والمغيرة بن شُعْبَة ، والسّجل ، وَزَاد غَيره : شُرَحْبِيل بن حَسَنَة قَالُوا : وَكَانَ أَكْثَرهم كِتَابَة زيد بن ثَابت وَمُعَاوِيَة ، وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي تنويره : كِتَابه سِتَّة وَعِشْرُونَ ، فَزَاد : يزِيد بن أبي سُفْيَان أَخا مُعَاوِيَة ، ومعيقيب بن أبي فَاطِمَة ، وَعَمْرو بن العَاصِي ، وجهم بن الصَّلْت ، وَعبد الله بن رَوَاحَة ، وَعبد الله بن أبي السَّرْح ، وَعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول ، قَالَ ابْن دحْيَة : وَكتب لَهُ رجل من بني النجار فَتَنَصَّرَ ، فأظهر الله لنَبيه فِيهِ معْجزَة عَظِيمَة ، وَدفن وَلم تقبله الأَرْض . قلت : أخرج حَدِيثه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أنس .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ إِن أول من فرق الشُّهُود دانيال النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شهد عِنْده بِالزِّنَا عَلَى امْرَأَة ففرقهم وسألهم ، فَقَالَ أحدهم : زنت بشاب تَحت شَجَرَة كمثرى ، وَقَالَ الآخر : تَحت شَجَرَة تفاح . فَعرف كذبهمْ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي إِدْرِيس فِي قصَّة سوسن ، قَالَ : كَانَ دانيال عَلَيْهِ السَّلَام أول من فرق بَين الشُّهُود ، فَقَالَ لأَحَدهمَا : مَا الَّذِي [ رَأَيْت ] وَمَا الَّذِي شهِدت ؟ قَالَ : أشهد بِاللَّه أَنِّي رَأَيْت سوسن تَزني فِي الْبُسْتَان بِرَجُل . قَالَ : فِي أَي مَكَان ؟ قَالَ : تَحت شَجَرَة كمثرى . ودعا الآخر ، قَالَ : بِمَ تشهد ؟ قَالَ : أشهد أَنِّي رَأَيْت سوسن تَزني بالبستان تَحت شَجَرَة التفاح . قَالَ : فَدَعَا الله عَلَيْهِما ، فَجَاءَت من السَّمَاء نَار فأحرقتهما ، وَأَبْرَأ الله سوسن . فَائِدَة : دانيال هَذَا يُقَال فِيهِ دانيا - بِحَذْف اللَّام - كَمَا حَكَاهُ صَاحب الْعين ، وَإِن كَانَ خلاف الْمَشْهُور ، وَهُوَ مِمَّن آتَاهُ الله الْحِكْمَة والنبوة ، وَكَانَ فِي أَيَّام بخْتنصر ، قَالَ أهل التَّارِيخ : أسره بخْتنصر مَعَ من أسره وحبسهم ، ثمَّ رَأَى بخْتنصر رُؤْيا أفزعتهم ، وَعجز النَّاس عَن تَفْسِيرهَا ، فَفَسَّرَهَا دانيال فَأَعْجَبتهُ فَأَطْلقهُ وأكرمه ، وقبره بنهر السوس . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث السَّادِس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ قَالَ : ] أَيّمَا عَامل استعملناه ، وفرضنا لَهُ رزقا فَمَا أصَاب بعد رزقه فَهُوَ غلُول . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَالْحَاكِم وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ : لَا جرم ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد فِي آخر كتاب الاقتراح فِي الْقسم الرَّابِع فِي أَحَادِيث أخرج لرواتها الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَلم يخرجَا تِلْكَ الْأَحَادِيث ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ [ و ] الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يَأْتِي أَحد مِنْهَا بِشَيْء إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رقبته . وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ مَرْفُوعا : هَدَايَا الْأُمَرَاء غلُول . وستعرف الْكَلَام عَلَى هَذَا قَرِيبا - إِن شَاءَ الله - حَيْثُ ذكره المُصَنّف .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يضيف أحدكُم أحد الْخَصْمَيْنِ إِلَّا أَن يكون خَصمه مَعَه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن الْحسن قَالَ : نزل عَلَى عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رجل وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ، ثمَّ قدم خصما لَهُ ، فَقَالَ لَهُ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أخصم أَنْت ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فتحول فَإِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن نضيف الْخصم إِلَّا وَمَعَهُ خَصمه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده ضَعِيف . قَالَ : وَقد تَابعه أَبُو مُعَاوِيَة وَغَيره عَن إِسْمَاعِيل بِمَعْنَاهُ هَكَذَا . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن قيس بن الرّبيع ، عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن الْحسن قَالَ : حَدثنَا رجل نزل عَلَى عَلّي بِالْكُوفَةِ [ فَأَقَامَ عِنْده ] أَيَّامًا ، ثمَّ ذكر خُصُومَة لَهُ ، فَقَالَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : تحول عَن منزلي ؛ فَإِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن ينزل الْخصم إِلَّا وَمَعَهُ خَصمه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وقرأت فِي كتاب ابْن خُزَيْمَة ، عَن مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ ، عَن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الرَّمْلِيّ ، عَن الْقَاسِم بن غُصْن ، عَن دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود الديلِي ، عَن أَبِيه ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يضيف الْخصم إِلَّا وخصمه مَعَه .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ ، وسل سُيُوفكُمْ وَخُصُومَاتكُمْ ، وَرفع أَصْوَاتكُم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من رِوَايَة مَكْحُول عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ ، وَمَجَانِينكُمْ ، وشراركم ، وَبَيْعكُمْ ، وَخُصُومَاتكُمْ ، وَرفع أَصْوَاتكُم ، وَإِقَامَة حُدُودكُمْ ، وسل سُيُوفكُمْ ، وَاتَّخذُوا عَلَى أَبْوَابهَا الْمَطَاهِر وَجَمِّرُوهَا فِي الْجمع . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ، فِي إِسْنَاده الْحَارِث بن نَبهَان الْبَصْرِيّ الْجرْمِي وَقد ضَعَّفُوهُ ، قَالَ يَحْيَى : لَا يكْتب حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ ابْن حبَان : خرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَفِي إِسْنَاده أَيْضا عَنهُ ابْن يقظان ، وَقد وَثَّقَهُ بَعضهم ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : غير ثِقَة ، وَقَالَ عَلّي بن الْجُنَيْد : لَا يُسَاوِي شَيْئا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي أُمَامَة وواثلة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمُتَقَدّم ، وَذكره عبد الْحق فِي أَحْكَامه كَذَلِك بِزِيَادَة [ أبي ] الدَّرْدَاء أَيْضا تبعا لِابْنِ عدي ، وَأَعلّاهُ بِالْعَلَاءِ بن كثير الدِّمَشْقِي . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ شَامي مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ عبد الْحق : هُوَ ضَعِيف عِنْدهم . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَلَا يرويهِ عَن الْعَلَاء إِلَّا [ أَبُو ] نعيم النَّخعِيّ كُوفِي ، وَقد قَالَ فِيهِ أَحْمد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ يَحْيَى : بِالْكُوفَةِ كذابان ؛ أَحدهمَا هُوَ ، وَالْآخر أَبُو نعيم ضرار بن صرد . قَالَ أَبُو أَحْمد : لَهُ أَحَادِيث أنْكرت عَلَيْهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : الْحمل فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى الْعَلَاء ، وَهُوَ لَا يرويهِ عَنهُ إِلَّا هَذَا الْكذَّاب ؛ ظلم لَهُ . الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ القَوْل فِي تَضْعِيفه فَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن يَحْيَى بن الْعَلَاء ، عَن معَاذ مَرْفُوعا وَلَيْسَ بِصَحِيح . وَذكره عبد الْحق من طَرِيق الْبَزَّار من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا : جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ ، ثمَّ قَالَ : يرويهِ مُوسَى بن عُمَيْر ، قَالَ الْبَزَّار : لَيْسَ لَهُ أصل من حَدِيث عبد الله . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا الحَدِيث وَالْكَلَام بعده لَيْسَ فِي سَنَد حَدِيث ابْن مَسْعُود من كتاب الْبَزَّار ، وَلَعَلَّه نَقله من بعض أَمَالِيهِ الَّتِي تقع لَهُ . قلت : وَأخرجه أَيْضا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ، عَن عبد الله بن مُحَرر ، عَن يزِيد [ بن ] الْأَصَم ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : جَنبُوا مَسَاجِدكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِينكُمْ . وَعبد الله هَالك ترك النَّاس حَدِيثه .
الْعَاشِر : عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه نقض قَضَاء شُرَيْح بِأَن شَهَادَة الْمولى لَا تقبل بِالْقِيَاسِ الْجَلِيّ ، وَهُوَ أَن ابْن الْعم لَا تقبل شَهَادَته مَعَ أَنه أقرب من الْمولى . هَذَا لَا يحضرني من خرجه عَنهُ .
الْحَادِي عشر : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِذْ حكم بحرمان الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ فِي الشّركَة ، ثمَّ شرك بعد ذَلِك ، وَقَالَ : ذَلِك عَلَى مَا قضينا وَلِهَذَا مَا نقض . وَلم ينْقض قَضَاءَهُ الأول . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَغَيرهمَا من حَدِيث الحكم بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ قَالَ : شهِدت عمر بن الْخطاب أشرك الْإِخْوَة من الْأَب [ والأم ] مَعَ الْإِخْوَة من الْأُم فِي الثُّلُث ، فَقَالَ لَهُ رجل : لقد قضيت عَام أول بِغَيْر هَذَا . قَالَ : [ فَكيف ] قضيت ؟ قَالَ : جعلته للإخوة من الْأُم ، وَلم تجْعَل للإخوة من الْأَب وَالأُم شَيْئا ، قَالَ : تِلْكَ مَا قضينا ، وَهَذِه عَلَى مَا قضينا ، وَوَقع فِي الْوَسِيط للغزالي هَذَا الْأَثر معكوسًا فَقَالَ : قَضَى بِإِسْقَاط الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ فِي مَسْأَلَة الشّركَة بعد أَن شرك فِي الْعَام الأول ، وَكَذَا وَقع فِي النِّهَايَة قَالَ ابْن الصّلاح : وَهُوَ سَهْو قطعا ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْعَكْس شرك بعد أَن لم يُشْرك . كَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن وَالنَّاس . قلت : وَوَقع فِي بَحر الرَّوْيَانِيّ أَنه رَوَى أَن عمر شرك بَين الْأَخ من الْأَب وَالأُم ، وَبَين أَوْلَاد الْأُم ، ثمَّ رَجَعَ فِي الانتهاء ، فَقَالَ الْإِخْوَة من الْأَب وَالأُم : هَب أَن أَبَانَا كَانَ حمارا ، أَلسنا من أم وَاحِدَة ؟ ! فشرك ، وَهَذَا إِن صَحَّ يجمع بِهِ بين كل من الرِّوَايَتَيْنِ السالفتين ، نبه عَلَيْهِ ابْن الرّفْعَة فِي كتاب الْفَرَائِض .
السَّابِع : عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه قَالَ فِي الْكَلَالَة : أَقُول فِيهَا برأيي إِن كَانَ صَوَابا فَمن الله ، وَإِن كَانَ خطأ فمني وأستغفر الله . هَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ ، وَمِمَّنْ ذكره أَبُو الطّيب الزَّمَخْشَرِيّ [ وَغَيره ] قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرَوَى مثله فِي وقائع مُخْتَلفَة عَن عَلّي وَعمر وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . قَالَ : وخالفت الصَّحَابَة أَبَا بكر فِي الْحَد ، وَعمر فِي الشّركَة .
الْأَثر الثَّالِث عشر : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه اشْتَرَى دَارا بأَرْبعَة آلَاف وَجعلهَا سجنًا . وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي أثْنَاء بَاب الْخُصُومَات بِنَحْوِهِ فَقَالَ : وَاشْتَرَى نَافِع بن عبد الْحَارِث دَارا للسجن بِمَكَّة من صَفْوَان بن أُميَّة عَلَى إِن عمر رَضِي فَالْبيع بَيْعه ، وَإِن لم يرض عمر فلصفوان أَرْبَعمِائَة ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث نَافِع بن عبد الْحَارِث أَيْضا : أَنه اشْتَرَى من صَفْوَان بن أُميَّة دَارا للسجن لعمر بن الْخطاب بأَرْبعَة آلَاف . وَفِي رِوَايَة بأربعمائة . فَائِدَة : قَالَ ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه : اخْتلف أهل الْعلم هَل سجن رَسُول الله وَأَبُو بكر أحدا ؟ فَذكر بَعضهم أَنه لم يكن لَهما سجن ، وَلَا سجنا أحدا ، وَذكر بَعضهم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سجن بِالْمَدِينَةِ فِي تُهْمَة دم ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَكَذَلِكَ قَالَ ، وَرُوِيَ أَنه سجن رجلا أعتق شركا لَهُ فِي عبد ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ استتمام عتقه ، قَالَ فِي الحَدِيث : حَتَّى بَاعَ عتقه لَهُ ، وَقَالَ ابْن سُفْيَان فِي كِتَابه : وَقد رويت عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه حكم بِالضَّرْبِ والسجن . قَالَ ابْن الطلاع : وَثَبت عَن عمر : أَنه كَانَ لَهُ سجن وَأَنه سجن الحطيئة عَلَى الهجو ، وصَبيِغًا التَّمِيمِي عَلَى سُؤَاله عليًّا فِي الذاريات والمرسلات والنازعات ، وشبههن ، وضربه مرّة بعد أُخْرَى ، ونفاه إِلَى الْعرَاق - وَقيل : إِلَى الْبَصْرَة - وَكتب أَن لَا يجالسه أحد إِلَى أَن مَاتَ .
الْأَثر الرَّابِع عشر : عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : لَو رَأَيْت أحدا عَلَى حد لم أحده حَتَّى يشْهد عِنْدِي شَاهِدَانِ بذلك . وَهَذَا الْأَثر ذكره الإِمَام أَحْمد بِلَفْظ : لَو رَأَيْت رجلا عَلَى حد من حُدُود الله - تَعَالَى - مَا أَخَذته ، وَلَا دَعَوْت لَهُ أحدا حَتَّى يكون مَعَه غَيْرِي وَإِسْنَاده صَحِيح إِلَيْهِ .
الْأَثر الْخَامِس عشر : أَن شَاهِدين شَهدا عِنْد عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ لَهما : إِنِّي لَا أعرفكما ، وَلَا يضركما أَن لَا أعرفكما ، ائتيا بِمن يعرفكما . فَأَتَاهُ رجل ، فَقَالَ : تعرفهما ؟ قَالَ : بالصلاح وَالْأَمَانَة . قَالَ : كنت جارًا لَهما [ تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما ] ومخرجهما ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : [ هَل عاملتهما بِهَذِهِ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير الَّتِي تعرف بهَا أمانات الرِّجَال ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَهَل ] صحبتهما فِي السّفر الَّذِي يسفر عَن أَخْلَاق الرِّجَال ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَأَنت لَا تعرفهما ، ائتيا بِمن يعرفكما . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء ، وَالْبَغوِيّ ، والخطيب فِي كِفَايَته ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث دَاوُد ابن رشيد ، عَن الْفضل بن زِيَاد ، عَن شَيبَان ، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش ، عَن سُلَيْمَان بن مسْهر ، عَن خَرَشَةَ - بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة ، ثمَّ رَاء مُهْملَة ، ثمَّ شين مُعْجمَة مفتوحتين ، ثمَّ تَاء - بن الحُرّ - بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء - الْفَزارِيّ الْكُوفِي قَالَ : شهد رجل عِنْد عمر بن الْخطاب بِشَهَادَة فَقَالَ لَهُ : لست أعرفك ، وَلَا يَضرك أَن لَا أعرفك ائْتِ بِمن يعرفك . فَقَالَ رجل من الْقَوْم : أَنا أعرفهُ ، قَالَ : بِأَيّ شَيْء تعرفه ؟ قَالَ : بِالْعَدَالَةِ وَالْفضل . قَالَ : هُوَ جَارك الْأَدْنَى الَّذِي تعرف ليله ونهاره ، ومدخله ومخرجه ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فعاملك بالدينار وَالدِّرْهَم اللَّذين بهما يسْتَدلّ عَلَى الْوَرع ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فرفيقك فِي السّفر الَّذِي يسْتَدلّ بِهِ عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : [ لست ] تعرفه . قَالَ : ائْتِنِي بِمن يعرفك ، قَالَ الْعقيلِيّ : ( الْفضل بن زِيَاد عَن شَيبَان مَجْهُول بِالنَّقْلِ ، وَلَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه ، وَلَا نعرفه إِلَّا بِهِ . قَالَ : وَمَا فِي الْكتاب حَدِيث مَجْهُول أحسن من هَذَا ) . قلت : وَأما ابْن السكن فَإِنَّهُ ذكره فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة فأغرب . تَنْبِيه : وَقع فِي الْمُهَذّب ثمَّ مثناة من تَحت ، ثمَّ مُثَلّثَة وَهُوَ تَحْرِيف ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : كَذَا هُوَ فِي نسخ الْمُهَذّب وَهُوَ تَصْحِيف ، وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير ، وَغَيره من الْعلمَاء : أَن خَرشَة كَانَ يَتِيما فِي حجر عمر بن الْخطاب ، وَمن الروَاة عَنهُ المعروفين بذلك ، وَلَيْسَ فِي هَذِه الدرجَة أَعنِي دَرَجَة من يروي عَن عمر من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من سمي سُلَيْمَان بن حُرَيْث ، فتَعَيَّن أَن الْمَذْكُور فِي الْمُهَذّب غلط وتصحيف .
السَّادِس : عَن مَالك ، عَن يَحْيَى بن سعيد قَالَ : سَمِعت الْقَاسِم بن مُحَمَّد يَقُول : أَتَت امْرَأَة إِلَى عبد الله بن عَبَّاس فَقَالَت : إِنِّي نذرت أَن أنحر ابْني . فَقَالَ ابْن عَبَّاس : لَا تنحري ابْنك وكفري عَن يَمِينك . فَقَالَ شيخ عِنْده جَالس : كَيفَ يكون فِي هَذَا كَفَّارَة ؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس : إِن الله يَقُول : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، ثمَّ جعل فِيهِ من الْكَفَّارَات مَا قد رَأَيْت . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته عَن مَالك .
الْخَامِس : عَن شُرَيْح أَنه قَالَ : اشْترط عليَّ عمر حِين ولاَّني الْقَضَاء أَن لَا أبيع وَلَا أبتاع وَلَا أَقْْضِي وَأَنا غَضْبَان . وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه عَنهُ .
الثَّامِن : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه كَانَ يفاضل بَين الْأَصَابِع فِي الدِّيات لتَفَاوت مَنَافِعهَا ، حَتَّى رُوي لَهُ فِي الْخَبَر التَّسْوِيَة بَينهَا فنقض حكمه . هَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ ، رَوَى الشَّافِعِي فِي مُسْنده عَن سُفْيَان ، وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن سعيد بن الْمسيب : أَن عمر بن الْخطاب قَضَى فِي الْإِبْهَام بِخمْس عشرَة ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِعشر ، وَفِي الْوُسْطَى بِعشر ، وَفِي الَّتِي تلِي الْخِنْصر بتسع ، وَفِي الْخِنْصر بست ، وَإِنَّمَا رجعوه عَنهُ فَحَكَى أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ فِي المعالم عَن سعيد بن الْمسيب : أَن عمر كَانَ يَجْعَل فِي الْإِبْهَام خَمْسَة عشر وَقد ذكر مَا قدمنَا قَالَ : وَفِي الْخِنْصر سِتا ، حَتَّى وجد كتابا عِنْد عَمْرو بن حزم ، عَن رَسُول الله أَن الْأَصَابِع كلهَا سَوَاء ، فَأخذ بِهِ ، وَلم يذكر الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي الرسَالَة رُجُوعه ؛ بل مَا قدمْنَاهُ عَنهُ فِي الْمسند ، ثمَّ قَالَ : وَفِي كل إِصْبَع مِمَّا هُنَالك عشر من الْإِبِل ، صَارُوا إِلَيْهِ ، وَلم يقبلُوا إِلَى عَمْرو بن حزم حَتَّى يثبت لَهُم أَنه كتاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بتقوى الله . التَّاسِع : عَنهُ أَيْضا أَنه كتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : لَا [ يمنعك ] قَضَاء قَضيته ، ثمَّ راجعت فِيهِ نَفسك فهديت لرشده أَن تنقضه ؛ فَإِن الْحق قديم لَا ينْقضه شَيْء ، وَالرُّجُوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَهُوَ كتاب مَعْرُوف مَشْهُور لا بد للفقهاء من مَعْرفَته وَالْعَمَل بِهِ ، وَقَالَ ابْن حزم بعد أَن سَاقه من طَرِيقين : وَفِيه إِثْبَات الْقيَاس ، لَا يَصح ؛ لِأَن فِي سَنَده عبد الْملك بن الْوَلِيد بن معدان ، وَهُوَ كُوفِي مَتْرُوك سَاقِط بِلَا خلاف ومجهول ، قَالَ : وَطَرِيقه الآخر فِيهِ مَجَاهِيل وَانْقِطَاع . قَالَ : فَبَطل القَوْل بِهِ جملَة .
الرَّابِع : عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ، قَالَ : كَانَ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَنِيا عَن مشاورتهم ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك أَن يستن الْحُكَّام بعد هَذَا الْأَمر . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور ، عَن سُفْيَان ، عَن ابْن شبْرمَة ، عَنهُ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ قَالَ : علم الله سُبْحَانَهُ أَنه مَا بِهِ إِلَيْهِم من حَاجَة ، وَلَكِن أَرَادَ أَن يستن من بعده . قَالَ الشَّافِعِي : أَنا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : مَا رَأَيْت أحدا قطّ كَانَ أَكثر مُشَاورَة لأَصْحَابه من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس عَن : وَشَاوِرْهُمْ قَالَ : أَبُو بكر وَعمر . وروينا فِي آدَاب الصُّحْبَة لأبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ من حَدِيث مخلد بن يزِيد ، عَن عباد بن كثير ، عَن ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : لما نزلت هَذِه الْآيَة : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الله وَرَسُوله غنيان عَنْهَا ، وَلَكِن [ جعلهَا الله ] رَحْمَة فِي أمتِي ، فَمن شاور مِنْهُم لم يعْدم رشدا ، وَمن ترك المشورة مِنْهُم لم يعْدم غيًا .
الثَّانِي عشر : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كَانَت لَهُ درة مؤدبة . مَشْهُور عَنهُ ، وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب أَسمَاء الروَاة عَن مَالك بِسَنَدِهِ إِلَى أَحْمد بْن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي ، ثَنَا مَالك ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن سعيد بن الْمسيب ، عَن أَبِيه أَن مُسلما ويهوديًا اخْتَصمَا إِلَى عمر [ فَرَأَى عمر أَن الْحق لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيّ : وَالله لقد قضيت بِالْحَقِّ ، فَضَربهُ عمر ] بِالدرةِ ، وَقَالَ : مَا يدْريك ؟ قَالَ : إِنَّا نجد فِي كتَابنَا أَنه لَيْسَ [ قَاض يقْضِي بِالْحَقِّ ] إِلَّا عَن يَمِينه ملك ، وَعَن يسَاره ملك يسددانه ويوفقانه مَعَ الْحق ، فَإِذا ترك الْحق ارتفعا وتركاه ، وَمن ذَلِك مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده عَن مَالك ، عَن ابْن شهَاب ، عَن ابْن الْمسيب وَسليمَان بن يسَار أَن طليحة كَانَت تَحت رشيد الثَّقَفِيّ فَطلقهَا الْبَتَّةَ ، فنكحت فِي عدتهَا ، فضربها عمر بن الْخطاب ، وَضرب زَوجهَا بالمخفقة . قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه مرج الْبَحْرين : وَأول من ضرب بِالدرةِ وَحملهَا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . والدرة - بِكَسْر الدَّال ، وَتَشْديد الرَّاء - معرفَة ، وَيُقَال : المعرقة - بِفَتْح الْعين وَالرَّاء وبالقاف - ذكره صَاحب الْمُحكم . والمخفقة أَيْضا كَمَا تقدم .
وَأما آثاره فخمسة عشر : الأول : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما بعث ابْن مَسْعُود قَاضِيا عَلَى الْكُوفَة كتب لَهُ كتابا . وَلَا يحضرني الْآن .
الثَّالِث : أَن عمر كَانَ يرْزق شريحًا كل شهر مائَة دِرْهَم . وَلَا يحضرني هَذَا كَذَا ، نعم فِي البُخَارِيّ فِي بَاب رزق الْحَاكِم والعاملين عَلَيْهَا مَا نَصه : كَانَ شُرَيْح يَأْخُذ عَلَى الْقَضَاء أجرا .
ثَانِيهَا : أَن أَبَا بكر كَانَ يَأْخُذ من بَيت المَال كل يَوْم دِرْهَمَيْنِ . وَلَا يحضرني كَذَلِك ، نعم فِي البُخَارِيّ ، فِي بَاب رزق الْحَاكِم والعاملين عَلَيْهَا مَا نَصه : وَأكل أَبُو بكر وَعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ فِي أَبْوَاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة من حَدِيث الْحسن : أَن أَبَا بكر الصّديق خطب فَذكرهَا ثمَّ قَالَ : فَلَمَّا أصبح غَدا إِلَى السُّوق فَقَالَ لَهُ عمر : أَيْن تُرِيدُ ؟ قَالَ : السُّوق . قَالَ : قد جَاءَك مَا يشغلك عَن السُّوق . قَالَ : سُبْحَانَ الله ، يشغلني عَن عيالي . قَالَ : تفرض بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ : وَيْح عمر ، إِنِّي أَخَاف أَن لَا يسعني أَن آكل من هَذَا المَال شَيْئا [ قَالَ ] : فأنفق فِي سنتَيْن ، وَبَعض أُخْرَى ثَمَانِيَة آلَاف ، ثمَّ أَوْصَى بردهَا بعد مَوته فَردَّتْ ، فَقَالَ عمر : رحم الله أَبَا بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شَدِيدا .
الحَدِيث الثَّامِن أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من ولي من أُمُور النَّاس شَيْئا فاحتجب حجبه الله يَوْم الْقِيَامَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، عَن يزِيد بن أبي مَرْيَم ، أَن الْقَاسِم بن مخيمرة أخبرهُ أَن أَبَا مَرْيَم الْأَزْدِيّ أخبرهُ قَالَ : دخلت عَلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ : مَا أنعمنا بك يَا فلَان ؟ - وَهِي كلمة تَقُولهَا الْعَرَب - فَقلت : حَدِيثا سمعته أخْبرك بِهِ ، سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من ولاه الله شَيْئا من أَمر الْمُسلمين ، واحتجب دون حَاجتهم وخلتهم [ وفقرهم ] احتجب الله تَعَالَى [ عَنهُ ] دون حَاجته وَخلته وَفَقره . قَالَ : فَجعل رجلا عَلَى حوائج الْمُسلمين . ذكره أَبُو دَاوُد فِي أَوَائِل كتاب الْفِتَن والإمارة وَالْخَرَاج ، وَرِجَال إِسْنَاده كلهم ثِقَات ، وَأخرجه أَحْمد بِنَحْوِهِ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح ، عَن أبي مَرْيَم أَيْضا قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من ولي من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفقرهم [ وفاقتهم ] ، احتجب الله - عَزَّ وَجَلَّ - يَوْم الْقِيَامَة دون خلته وَحَاجته وفاقته وَفَقره . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَإسْنَاده شَامي صَحِيح ، قَالَ : وَله شَاهد بِإِسْنَاد الْبَصرِيين ، عَن عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ قَالَ : قلت لمعاوية بن أبي سُفْيَان : إِنِّي سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من أغلق بَابه دون [ ذَوي ] الْحَاجة والخلة والمسكنة أغلق الله بَاب السَّمَاء دون خلته وَفَقره ومسكنته ، وَهَذَا الشَّاهِد الَّذِي ذكره الْحَاكِم أخرجه أَحْمد بِنَحْوِهِ ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِلَفْظِهِ ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث غَرِيب . قَالَ : وَقد رُوِيَ من غير هَذَا الْوَجْه ، قَالَ : وَرُوِيَ عَن أبي مَرْيَم صَاحب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نَحوه بِمَعْنَاهُ . يَعْنِي حَدِيث أبي دَاوُد الْمُتَقَدّم ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَرْفُوع : أَيّمَا أَمِير احتجب عَن النَّاس بفاقتهم ، احتجب الله عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَهَذَا فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير ، وَخَالف الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي علله : رَوَاهُ شريك ، وَاخْتلف عَنهُ فِي رَفعه وَوَقفه ، وَرَوَاهُ حَفْص بن عَلّي الْمَدَائِنِي عَن شريك . وَأخرجه أَبُو نعيم فِي الْمعرفَة من حَدِيث أبي الشماخ [ عَن ابْن عَم لَهُ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] . مَرْفُوعا بِنَحْوِ مَا تقدم .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه جلس بِجنب شُرَيْح فِي خُصُومَة لَهُ مَعَ يَهُودِيّ ، فَقَالَ : لَو كَانَ خصمي مُسلما جَلَست مَعَه بَين يَديك ، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا تساووهم فِي الْمجَالِس . هَذَا كَذَا أوردهُ صَاحب الْحَاوِي و الشَّمَائِل وَغَيرهمَا ، وَضعف صَاحب الْحَاوِي إِسْنَاده ، وَقد أخرجه كَذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله فِي الْمَرَض من حَدِيث أبي سمير حَكِيم بن خذام ، نَا الْأَعْمَش ، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ : عرف عَلّي درعًا لَهُ مَعَ يَهُودِيّ فَقَالَ : يَا يَهُودِيّ ، دِرْعِي سَقَطت مني يَوْم كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ الْيَهُودِيّ : مَا أَدْرِي مَا تَقول ، دِرْعِي وَفِي يَدي ، بيني وَبَيْنك قَاضِي الْمُسلمين - يَعْنِي فمضيا إِلَى شُرَيْح - فَلَمَّا رَآهُ شُرَيْح قَامَ لَهُ عَن مَجْلِسه وَجلسَ عَلّي ، ثمَّ أقبل عَلَى شُرَيْح فَقَالَ : إِن خصمي لَو كَانَ مُسلما جَلَست مَعَه بَين يَديك ، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا تساووهم فِي الْمجَالِس ، وَلَا تعودوا مرضاهم ، وَلَا تشيعوا جنائزهم ، واضطروهم إِلَى أضيق الطّرق ، فَإِن سبوكم فاضربوهم ، وَإِن ضربوكم فاقتلوهم ، ثمَّ قَالَ : دِرْعِي عرفتها مَعَ هَذَا الْيَهُودِيّ . فَقَالَ شُرَيْح لِلْيَهُودِيِّ : مَا تَقول ؟ فَقَالَ : دِرْعِي وَفِي يَدي . فَقَالَ شُرَيْح : صدقت وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّهَا لدرعك ، وَلَكِن لا بد من شَاهِدين . فَدَعَا قنبرًا فَشهد لَهُ ، ثمَّ دَعَا الْحسن فَشهد لَهُ ، فَقَالَ شُرَيْح : أما شَهَادَة مَوْلَاك فقد أجزتها ، وَأما شَهَادَة ابْنك فَلَا أرَى أَن أجيزها . فَقَالَ عَلّي : ناشدتك الله أسمعت عمر بن الْخطاب يَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ يَقُول ] : إِن الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة ؟ قَالَ : قَالَ : اللَّهُمَّ نعم ، قَالَ : فَلم لَا تجيز شَهَادَة شباب أهل الْجنَّة ؟ وَالله لتأتين إِلَيّ بانقياد ثمَّ لتقضين بَينهم أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثمَّ سلم الدرْع إِلَى الْيَهُودِيّ ، فَقَالَ الْيَهُودِيّ : أَمِير الْمُؤمنِينَ مَشَى معي إِلَى قاضيه فَقَضَى عَلَيْهِ فَرضِي بِهِ ، صدقت وَالله ، إِنَّهَا لدرعك سَقَطت مِنْك [ يَوْم ] كَذَا وَكَذَا عَن جمل لَك أَوْرَق فالتقطها ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، فَقَالَ عَلّي : هَذَا الدرْع لَك وَهَذِه الْفرس لَك . وفرص لَهُ تِسْعمائَة ، ثمَّ لم يزل مَعَه حَتَّى قتل يَوْم صفّين ، ثمَّ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ، تفرد بِهِ أَبُو [ سمير ] ، قَالَ البُخَارِيّ وَابْن عدي : هُوَ مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . قلت : وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى : أَبُو سمير هَذَا مُنكر الحَدِيث . ثمَّ أورد لَهُ هَذَا الحَدِيث بسياقة ابْن الْجَوْزِيّ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر الحَدِيث . وَقد سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جارًا لَهُ يهوديًّا ، وَنَهَى عَن قتل الْمعَاهد فضلا عَن الْمُشرك إِلَّا بِحقِّهِ ، وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : إِسْنَاده مَجْهُول ، وَلَا يعرف إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . انْتَهَى . وَأَبُو سمير هَذَا اسْمه : حَكِيم بن خزام ، وَقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من وَجه آخر من حَدِيث جَابر ، عَن الشّعبِيّ قَالَ : خرج عَلّي ابن [ أبي ] طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَى السُّوق ، فَإِذا هُوَ بنصراني يَبِيع درعًا فَعرف عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه الدرْع فَقَالَ : هَذَا دِرْعِي بيني وَبَيْنك قَاضِي الْمُسلمين . قَالَ - وَكَانَ قَاضِي الْمُسلمين شُرَيْح ، كَانَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه استقضاه - فَلَمَّا رَأَى شُرَيْح أَمِير الْمُؤمنِينَ قَامَ من مجْلِس الْقَضَاء ، وأجلس عليَّا فِي مَجْلِسه ، وَجلسَ شُرَيْح [ قدامه ] إِلَى جنب النَّصْرَانِي ، فَقَالَ لَهُ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أما يَا شُرَيْح لَو كَانَ خصمي مُسلما لقعدت مَعَه مجْلِس الْخصم ، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا تصافحوهم ، وَلَا تبدءوهم بِالسَّلَامِ ، وَلَا تعودوا مرضاهم ، وَلَا تصلوا عَلَيْهِم ، وألجئوهم إِلَى مضايق الطّرق ، وصغروهم كَمَا صغرهم الله ، اقْضِ بيني وَبَينه يَا شُرَيْح . فَقَالَ شُرَيْح : [ تَقول ] يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ؟ قَالَ : فَقَالَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : [ هَذِه ] دِرْعِي ذهبت مني مُنْذُ زمَان . فَقَالَ شُرَيْح : مَا تَقول يَا نَصْرَانِيّ ؟ قَالَ : فَقَالَ النَّصْرَانِي : مَا أكذب أَمِير الْمُؤمنِينَ الدرْع هِيَ دِرْعِي . قَالَ : فَقَالَ شُرَيْح : مَا أرَى أَن تخرج من يَده فَهَل من بَيِّنَة ؟ فَقَالَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : صدق شُرَيْح . قَالَ : فَقَالَ النَّصْرَانِي : أما أَنا أشهد أَن هَذِه أَحْكَام الْأَنْبِيَاء ، أَمِير الْمُؤمنِينَ يَجِيء [ إِلَى ] قاضيه ، وقاضيه يقْضِي عَلَيْهِ ، وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ درعك اتبعتك بَين الْجَيْش ، وَقد زَالَت عَن جملك الأورق فأخذتها ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله . فَقَالَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أما إِذا أسلمت فَهِيَ لَك . وَحمله عَلَى فرس عَتيق . قَالَ : فَقَالَ الشّعبِيّ : فَلَقَد رَأَيْته يُقَاتل الْمُشْركين ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : لَوْلَا أَن خصمي نَصْرَانِيّ لجثيت بَين يَديك ، وَقَالَ فِي آخِره : فَوَهَبَهَا عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لَهُ ، وَفرض لَهُ أَلفَيْنِ ، وَأُصِيب مَعَه يَوْم صفّين ، وَفِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضعفاء أَوَّلهمْ أسيد - بِفَتْح الْهمزَة - بن زيد بن نجيح الْجمال - بِالْجِيم - الْهَاشِمِي ، قَالَ يَحْيَى : هُوَ كَذَّاب ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن حبَان : يروي عَن الثِّقَات الْمَنَاكِير ، ويسوق الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَرَوَى [ عَنهُ ] البُخَارِيّ مَقْرُونا بِعَمْرو بن ميسرَة الْكُوفِي . الثَّانِي : عَمْرو بن شمر الْجعْفِيّ وَهُوَ ضَعِيف جدًّا . قَالَ السَّعْدِيّ : زائغ كَذَّاب . الثَّالِث : جَابر الْجعْفِيّ ، وَقد تقدم أَقْوَال الْأَئِمَّة [ فِيهِ ] وَفِي عَمْرو بن شمر فِيمَا مَضَى من كتَابنَا هَذَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من وَجه آخر ضَعِيف عَن الْأَعْمَش ، عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ . فَأَشَارَ إِلَى الطَّرِيقَة السالفة ، لَا جرم قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : هَذَا الحَدِيث لم أجد لَهُ إِسْنَادًا يثبت .
الحَدِيث التَّاسِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يقْضِي القَاضِي إِلَّا وَهُوَ شبعان رَيَّان . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْقَاسِم بن عَاصِم ، ثَنَا مُوسَى بن دَاوُد ، ثَنَا الْقَاسِم بن عبد الله الْعمريّ ، ثَنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي طوالة ، عَن أَبِيه ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِمرَّة . قَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : الْحق أَن عبد الله وأباه مَجْهُولَانِ ، وَالقَاسِم بن عَاصِم مثلهمَا . وَأعله عبد الْحق بالقاسم الْعمريّ وَحده ، وَقَالَ : إِنَّه مَتْرُوك . وَأَخْطَأ فِي اسْم أَبِيه فَقَالَ : الْقَاسِم بن مُحَمَّد . وَإِنَّمَا هُوَ ابْن عمر الْمُتَّهم ، وَقد نبه عَلَى ذَلِك ابْن الْقطَّان أَيْضا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ الْقَاسِم الْعمريّ وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ : والْحَدِيث الصَّحِيح - يَعْنِي حَدِيث أبي بكرَة [ الَّذِي ] قبله - يُؤَدِّي مَعْنَاهُ .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ أَن أعرابيًّا شهد عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِرُؤْيَة الْهلَال ، فَسَأَلَ عَن إِسْلَامه وَقبل شَهَادَته . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف بَيَانه فِي كتاب الصّيام وَاضحا .
الحَدِيث الْعَاشِر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يقْضِي القَاضِي بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان . هَذَا الحَدِيث صَحِيح من حَدِيث أبي بكرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أخرجه ابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَأخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة قَالَ : كتب أبي ، وكتبت لَهُ بيَدي إِلَى ابْنه عبيد الله بن أبي بكرَة وَهُوَ وقاضٍ بسجستان : أَن [ لَا تحكم بَين اثْنَيْنِ وَأَنت غَضْبَان ؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول ] : لَا يحكم أحد بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان . وَفِي رِوَايَة لَهما : لَا يقضين حكم بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان . وَفِي رِوَايَة للنسائي ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة قَالَ : كتب إليَّ أَبُو بكرَة : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا يقضين [ أحد ] فِي قَضَاء بقضاءين ، وَلَا يقضين أحد بَين اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَان .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى أَن يجلس الخصمان بَين يَدي القَاضِي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُصعب ابن ثَابت [ بن ] عبد الله بن الزبير ، عَن جده عبد الله بن الزبير قَالَ : قَضَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن الْخَصْمَيْنِ يقعدان بَين يَدي القَاضِي . وَمصْعَب هَذَا ضَعَّفُوهُ ، قَالَ يَحْيَى : ضَعِيف ، وَقَالَ الرَّازِيّ : لَا يحْتَج بِهِ . ووهاه ابْن حبَان ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث مُصعب بن ثَابت بن عبد الله بن الزبير ، عَن أَبِيه : أَن أَبَاهُ عبد الله بن الزبير كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه عَمْرو بن الزبير خُصُومَة ، فَدخل عبد الله بن الزبير عَلَى سعيد بن الْعَاصِ ، وَعَمْرو بن الزبير مَعَه عَلَى السرير ، فَقَالَ سعيد لعبد الله : هَاهُنَا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ سعيد : قَضَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَسنة رَسُول الله أَن الْخَصْمَيْنِ يقعدان بَين يَدي الْحَاكِم . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : لَا ؛ لأجل مُصعب فقد علمت حَاله ، ثمَّ اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى قعُود الْخَصْمَيْنِ بَين يَدي القَاضِي ، وَقد علمت مَا فِيهِ ، فيستدل لَهُ إِذن بِحَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه السالف فِي بَاب الْقَضَاء ، وَهُوَ الحَدِيث الرَّابِع فَتَأَمّله . (فَائِدَة) : فِي المعجم الْكَبِير للطبراني من حَدِيث زُهَيْر ، نَا عباد بن كثير ، عَن أبي عبد الله ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أم سَلمَة رفعته : من ابْتُلِيَ بِالْقضَاءِ بَين الْمُسلمين فليعدل بَينهم فِي لحظه ، وإشارته ومقعده ومجلسه ، وَبِه قَالَ : من ابْتُلِيَ بِالْقضَاءِ بَين الْمُسلمين فَلَا يرفع صَوته عَلَى أحد الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يرفع عَلَى الآخر .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمن بعده من الْأَئِمَّة كَانُوا يحكمون وَلَا يَكْتُبُونَ المحاضر والسجلات . هُوَ كَمَا قَالَ ، نعم فِي الْبَيْهَقِيّ بَاب [ القَاضِي ] يحكم بشيء فَيكْتب للمحكوم لَهُ بمسألته كتابا ، ثمَّ ذكر بِسَنَدِهِ حَدِيث أنس : أَنه دَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْأَنْصَار ؛ ليكتب لَهُم بِالْبَحْرَيْنِ ، فَقَالُوا : لَا وَالله حَتَّى تكْتب لإِخْوَانِنَا [ من قُرَيْش ] بِمِثْلِهَا . فَقَالَ : ذَلِك لَهُم مَا شَاءَ الله ، كل ذَلِك يَقُول لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّكُم سَتَرَوْنَ بعدِي أَثَرَة [ فَاصْبِرُوا ] حَتَّى (تروني) . ثمَّ عزاهُ إِلَى رِوَايَة البُخَارِيّ ، ثمَّ رَوَاهُ حَدِيث أنس أَيْضا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أقطع الْأَنْصَار الْبَحْرين ، وَأَرَادَ أَن يكْتب لَهُم كتابا فَقَالُوا : لَا بِمثل مَا تقدم .
بَاب أدب الْقَضَاء ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فستة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا أَحدهَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام [ كتب ] كتابا لعَمْرو بن حزم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما وَجهه إِلَى الْيمن . هَذَا صَحِيح ، وَقد أسلفناه بِطُولِهِ فِي الدِّيات .
الحَدِيث الثَّانِي عشر حَدِيث الزبير والأنصاري اللَّذين اخْتَصمَا فِي شراج الْحرَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف وَاضحا فِي إحْيَاء الْموَات ، وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ قَالَ : ذكر عَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة مِنْهُم الإِمَام ، وَصَاحب التَّهْذِيب [ أَن الْمَنْع ] من الْقَضَاء فِي حَالَة الْغَضَب مَخْصُوص بِمَا إِذا لم يكن الْغَضَب لله تَعَالَى ، فَأَما إِذا غضب لله فِي حُكُومَة ، وَهُوَ مِمَّن يملك نَفسه فِيمَا يتَعَلَّق بِحقِّهِ فَلَا بَأْس بِهِ ؛ لحَدِيث الزبير والأنصاري حِين تخاصما فِي شراج الْحرَّة ، وَقد أوردناه فِي إحْيَاء الْموَات . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَلَكِن احْتج آخَرُونَ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه لَو قَضَى فِي حَال من الْغَضَب نفذ ، وَإِن كَانَ مَكْرُوها . وَاعْترض ابْن الرّفْعَة فَقَالَ فِي كِفَايَته : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حكم فِي حَال غَضَبه ، وَفِيه نظر من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَن مَا نَقله عَن الإِمَام وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا : أَن هَذِه الْكَرَاهَة فِيمَا إِذا لم يكن الْغَضَب لله - تَعَالَى - أما إِذا كَانَ لله - تَعَالَى - فِي الحكم ، فَلَيْسَ مَنْهِيّا عَنهُ ، وغضبه عَلَيْهِ السَّلَام هَذَا لله - تَعَالَى - فَلَا يسْتَدلّ بِحكمِهِ فِيهِ عَلَى نُفُوذه فِي غَيره ، نعم . قَالَ الرَّوْيَانِيّ : لَا فرق ؛ لِأَن الْمَحْدُود وَهُوَ عدم توفره عَلَى الْجِهَاد لَا يخْتَلف فِي القضيتين . ثَانِيهمَا : أما إِذا قُلْنَا : إنه عَلَيْهِ السَّلَام لَا يحكم إِلَّا عَن وَحي فَلَيْسَ غَيره مثله ، وَكَذَا إِن قُلْنَا بِمذهب الْجُمْهُور أَن لَهُ أَن يجْتَهد ، وَأَنه مَعْصُوم وقيه من الْخَطَأ ، أما إِذا جَوَّزنَا مِنْهُ لَكِن لَا يقر عَلَيْهِ فقد يحْتَج بِهِ .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمين . قَالَ الرَّافِعِيّ : واشتهر أَن سُهَيْل بن أبي صَالح رَوَى هَذَا الحَدِيث ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وسَمعه مِنْهُ ربيعَة ، ثمَّ إِنَّه اخْتَلَّ حفظه لشجة أَصَابَته فَكَانَ يَقُول : أَخْبرنِي ربيعَة أَنِّي أخْبرته عَن أبي هُرَيْرَة . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد أخرج الحَدِيث الشَّافِعِي ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ، عَن سُهَيْل بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب . قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ الرّبيع : أَنا الشَّافِعِي عَن الدَّرَاورْدِي قَالَ : فَذكرت ذَلِك لسهيل فَقَالَ : أَخْبرنِي ربيعَة - وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة - أَنِّي حدثته إِيَّاه وَلَا أحفظه ، فَكَانَ سُهَيْل يحدثه بعد ، عَن ربيعَة عَنهُ ، عَن أَبِيه . قَالَ عبد الْعَزِيز - يَعْنِي الدَّرَاورْدِي - : قد أصَاب سهيلاً عِلّة أذهبت [ بعض ] عقله ، وَنسي بعض حَدِيثه ، وَقَالَ سُلَيْمَان بن بِلَال : لقِيت سهيلاً فَسَأَلته ، فَقَالَ : لَا أعرفهُ فَقلت : إِن ربيعَة أَخْبرنِي [ بِهِ ] عَنْك [ قَالَ ] : إِن كَانَ ربيعَة أخْبرك عني فَحدث [ بِهِ ] عَن ربيعَة عني . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ عَن سُهَيْل أَيْضا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن العامري ، وَهُوَ مدنِي ثِقَة . قَالَ : وَرَوَاهُ (مُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن) عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عُثْمَان بن الحكم ، عَن زُهَيْر [ بن ] مُحَمَّد ، عَن سُهَيْل بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن زيد بن ثَابت ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ نقلا عَن أَحْمد بن حَنْبَل : لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب - يَعْنِي قضى بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد - حَدِيث أصح من حَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ، وَقَالَ فِي خلافياته نقلا عَن الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث عندنَا مَحْفُوظ من حَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح إِذْ حفظ عَنهُ إِمَام حَافظ متقن مثل ربيعَة بن [ أبي ] عبد الرَّحْمَن ، وَقد يحدث الْمُحدث الثبت بِالْحَدِيثِ ثمَّ ينساه . وَقد رُوِيَ الحَدِيث أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن العامري ، وَمُحَمّد بن زيد الْمَكِّيّ ، عَن سُهَيْل بِمثل رِوَايَة ربيعَة عَنهُ ، ثمَّ ذكر حَدِيث الْمُغيرَة ، عَن أبي الزِّنَاد الْمُتَقَدّم ، وَنقل عَن يَحْيَى بن [ معِين ] أَن إسناده مَحْفُوظ ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا ، حَيْثُ رَوَاهُ سُهَيْل عَن أَبِيه عَنهُ مَرْفُوعا ، فَقَالَا : هُوَ صَحِيح . قلت : فَإِن بَعضهم يرويهِ عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن زيد بن ثَابت . قَالَا : وَهَذَا أَيْضا صَحِيح ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من علله : سَأَلت أبي عَن حَدِيث زيد بن ثَابت فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَعُثْمَان بن الحكم - يَعْنِي الَّذِي فِي إِسْنَاد حَدِيث زيد بن ثَابت - لَيْسَ بالمتقن ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا : سَأَلت أبي هَل يَصح حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا ؟ فَوقف وَقْفَة فَقَالَ : ترَى الدَّرَاورْدِي مَا يَقُول ؟ - يَعْنِي قَوْله قلت لسهيل فَلم يعرفهُ - قلت : [ فَلَيْسَ ] نِسْيَان سُهَيْل دافعًا لما حَكَاهُ [ عَنهُ ] ربيعَة ، وَرَبِيعَة ثِقَة ، وَالرجل يحدث بِالْحَدِيثِ وينسى . قَالَ : أجل هَكَذَا هُوَ ، وَلَكِن لم نرَى أَن يتبعهُ متابع عَلَى رِوَايَته ، وَقد رَوَى عَن سُهَيْل جمَاعَة كَثِيرَة لَيْسَ عِنْد أحد مِنْهُم هَذَا الحَدِيث . قلت : إِنَّه يَقُول بِخَبَر الْوَاحِد ؟ قَالَ : أجل ، غير أَنِّي لَا أرَى هَذَا الحَدِيث أصلا عَن أبي هُرَيْرَة أعتبر بِهِ ، وَهَذَا أصل من الْأُصُول لم يُتَابع عَلَيْهِ ربيعَة . هَذَا آخر كَلَامه ، وَقد أسلفنا أَنه رَوَاهُ غير وَاحِد عَن سُهَيْل كَرِوَايَة ربيعَة عَنهُ ، قَالَ الْخَطِيب : تَابع ربيعَة عَلَى رِوَايَته مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن يزْدَاد العامري ، وَمُحَمّد بن زِيَاد الْمَدِينِيّ فَرَوَاهُ عَن سُهَيْل كَذَلِك ، وَرَوَى أَيْضا عَن سُلَيْمَان بن بِلَال ، وَأبي أويس ، وَحَمَّاد بن سَلمَة جَمِيعًا عَن سُهَيْل بِهِ - مثل قَول ربيعَة وَرَوَاهُ أَبُو سعيد النقاش فِي كتاب الشُّهُود من حَدِيث الْوَلِيد بن عَطاء ، عَن عبد الله بن عبد الْعَزِيز ، نَا سعيد بن أبي سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة . قَالَ : الثَّانِي أَكثر طرقًا ، وَأَصَح نقلا ، وَالْأول وهم من زُهَيْر بن مُحَمَّد .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لعن الله الراشي والمرتشي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن حبَان ، وَالْحَاكِم ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَهَذَا حَدِيث حسن . وَعَزاهُ صَاحب التنقيب عَلَى الْمُهَذّب إِلَى أبي دَاوُد ، وَهُوَ غلط ، وَتَبعهُ بعض العصريين الشاميين عَلَى ذَلِك فاجتنبه . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَفِي الْبَاب عَن عبد الله بن عَمْرو ، وَعَائِشَة ، وَأم سَلمَة . قَالَ ابْن مَنْدَه : وَابْن عمر ، وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَيْضا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عبد الله بن عَمْرو مَرْفُوعا ، وَرُوِيَ عَن أبي سَلمَة ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا وَلَا يَصح . قَالَ : وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن [ يَقُول ] : حَدِيث أبي سَلمَة عَن عبد الله مَرْفُوعا أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب وَأَصَح ، ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ [ فِي ] علله : إنه أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . رَوَاهُ أَيْضا - أَعنِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو - أَحْمد وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان أَيْضا [ أثْنَاء ] كَلَامه عَلَى أَحْكَام عبد الْحق : إِسْنَاده صَحِيح . وَأما ابْن حزم فوهاه ، فَقَالَ : خبر لعن الله الراشي والمرتشي إِنَّمَا رَوَاهُ الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . قلت : هَذَا فِي طَرِيق حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ، وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي حق الْحَارِث هَذَا : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَقد عرفت طَرِيق أبي هُرَيْرَة السالف وَقَول التِّرْمِذِيّ : إِن فِي الْبَاب عَن جمَاعَة . وَعَن ابْن مَنْدَه أَيْضا كَمَا سلف سردهم ، فَهَذِهِ سقطة من ابْن حزم ، وَفِي مُسْند أَحْمد وصحيح الْحَاكِم من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ : لعن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الراشي والمرتشي [ والرائش ] ) . يَعْنِي الَّذِي يمشي بَينهمَا ، وَفِي إِسْنَاده لَيْث بن أبي سليم . قَالَ : إِنَّمَا ذكرته فِي الشواهد لَا فِي الْأُصُول ، وَقَالَ الْبَزَّار : لا نعلمه يُرْوى [ قَوْله الرائش ] إِلَّا من هَذَا الْوَجْه .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّمَا أَنا بشر وَإِنَّكُمْ تختصمون إليَّ ، ولعلَّ بَعْضكُم أَن يكون أَلحن بحجته من بعض فأقضي لَهُ عَلَى نَحْو مَا أسمع ، فَمن قضيت لَهُ بِشَيْء من حق أَخِيه فَلَا يَأْخُذهُ ، وَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من النَّار . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث أم سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . وَفِي رِوَايَة لَهما : أَنه سمع جلبة خصومات فِي حجرته فَخرج إِلَيْهِم فَقَالَ : إِنَّمَا أَنا بشر الحَدِيث ، وَفِي آخِره : فَمن قضيت لَهُ بِحَق مُسلم فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَة من النَّار فليحملها أَو يذرها . وَفِي رِوَايَة لَهما : فَمن قضيت لَهُ من [ حق ] أَخِيه شَيْئا فَلَا يَأْخُذهُ ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : فَبَكَى الرّجلَانِ ، وَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه : حَقي لَك ، فَقَالَ لَهما النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أما إِذْ فعلتما كذَلِك فاقتسما (فَتَوَخَّيَا) الْحق ، ثمَّ اسْتهمَا ثمَّ تحاللا ، وَفِي رِوَايَة [ لَهُ ] : يختصمان فِي مَوَارِيث وَأَشْيَاء قد درست ، قَالَ : قَالَ : فَأَنا أَقْْضِي ببينكما برأيي مَا لم ينزل عَلّي فِيهِ . ذكر هَذِه [ الرِّوَايَة ] ، وَالَّتِي قبلهَا صَاحب الْإِلْمَام فِي إلمامه ، قَالَ : فِي إسنادهما أُسَامَة بن زيد .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : هَدَايَا الْعمَّال غلُول . هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن أبي حميد رَفعه بِهِ سَوَاء ، وَإِسْمَاعِيل ضَعِيف فِي رِوَايَته عَن الْحِجَازِيِّينَ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا إِلَّا أَنه قَالَ : الْأُمَرَاء بدل الْعمَّال ، وَلابْن شاهين مثل لفظ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، وَفِي إِسْنَاده يَحْيَى بن نعيم وَلَا أعرفهُ ، وَمُحَمّد بن الْحسن بن بكير وَهُوَ كَذَّاب كَمَا قَالَ البرقاني ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : خلط الْجيد بالرديء فأفسده . وَلابْن عدي مثل لفظ الرَّافِعِيّ سَوَاء من حَدِيث أَحْمد بن مُعَاوِيَة الْبَاهِلِيّ ، عَن النَّضر بن شُمَيْل ، عَن ابْن عون ، عَن مُحَمَّد ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ أَحْمد : هَذَا حَدِيث بَاطِل وَكَانَ يسرق الحَدِيث . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى هَدَايَا الْعمَّال سحت . قلت : أخرجه بِهَذَا اللَّفْظ الْخَطِيب أَبُو بكر الْحَافِظ فِي كِتَابه تَلْخِيص الْمُتَشَابه من حَدِيث أنس رَفعه : هَدَايَا السُّلْطَان سحت وَغُلُول . قلت : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ بِمَعْنَاهُ .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي قصَّة الْمُلَاعنَة : لَو كنت راجمًا أحدا من غير بَيِّنَة رجمتها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما بِلَفْظ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي هَذَا الْمَعْنى قصَّة الْمُلَاعنَة : اللَّهُمَّ بَيِّن . فَوَضَعته شَبِيها [ بِالرجلِ ] الَّذِي ذكر زَوجهَا أَنه وجده عِنْدهَا ، ثمَّ قَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس فِي الْمجْلس : (هِيَ) هِيَ الَّتِي قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو رجمت أحدا بِغَيْر بَيِّنَة رجمت هَذِه . قَالَ ابْن عَبَّاس : لَا ، تِلْكَ امْرَأَة كَانَت تظهر فِي الْإِسْلَام السوء .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عدلت شَهَادَة الزُّور الْإِشْرَاك بِاللَّه - تَعَالَى وتلا قَوْله تَعَالَى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ الْآيَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث خريم - بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة ثمَّ رَاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ، ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة - بن فاتك الْأَسدي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الصُّبْح ، فَلَمَّا انْصَرف قَامَ قَائِما ، فَقَالَ : عدلت شَهَادَة الزُّور بالإشراك بِاللَّه - ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قَرَأَ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ، وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك إِلَّا أَنه لم [ يقل ] ثَلَاث مَرَّات ، وَرِجَال إِسْنَاده كلهم مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح إِلَّا حبيب بن النُّعْمَان الْأَسدي فَلم يرو لَهُ إِلَّا (د ق) ، وَلَا أعرف من جرحه وَلَا من عدله ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث ، وَلَا يعرف حَاله . قلت : وثمَّ آخر اسْمه حبيب - مخفف ، تَصْغِير حبيب بن النُّعْمَان الْأَسدي - لَهُ عَن أنس بن مَالك ، وخريم أَيْضا ، أَو أَيمن بن خريم لَيْسَ لَهُ ذكر فِي الْكتب السِّتَّة فِيمَا ظهر لي ، قَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد فِي حَقه : لَهُ مَنَاكِير . وَقد يكونَانِ وَاحِدًا كَمَا تردد فِيهِ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِير فإسناده واه ؛ لِأَنَّهُ دائر بَين مَجْهُول وَضَعِيف إِلَّا زِيَاد الْكُوفِي الْعُصْفُرِي فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى من هُوَ ، وَانْفَرَدَ بِالْإِخْرَاجِ عَنهُ د ق ، ( وَقَالَ) ابْن الْقطَّان فِي حَقه : إِنَّه مَجْهُول . وَفِي الْمِيزَان للذهبي : زِيَاد أَبُو الورقاء الْكُوفِي الْعُصْفُرِي وَالِد سُفْيَان رَوَى عَن حُبيب - بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالتَّخْفِيف - بن النُّعْمَان الْأَسدي عَن خريم بن فاتك ، وَزِيَاد لَا يُدْرَى من هُوَ عَن مثله ، رَوَى عَنهُ وَلَده سُفْيَان بن زِيَاد هَذَا الحَدِيث ، وَقيل : عَن حبيب عَن أَيمن بن خريم . هَذَا كَلَامه ، وَهُوَ جزم مِنْهُ بِأَنَّهُ هُوَ المخفف ، قلت : وخريم بن فاتك لَهُ صُحْبَة ، وَهُوَ مَشْهُور لَهُ عدَّة أَحَادِيث ، وَهُوَ بَدْرِي كَمَا قَالَ البُخَارِيّ ، وَرَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فِي أَبْوَاب الشَّهَادَات ، وَرِوَايَة أَيمن بن خريم بن الأخرم بن شَدَّاد بن فاتك : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : [ يَا ] أَيهَا النَّاس ، عدلت شَهَادَة الزُّور إشراكًا بِاللَّه . ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ : عدلت شَهَادَة الزُّور إشراكًا بِاللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ثَلَاثًا ثمَّ ذكر الْآيَة ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث سُفْيَان بن زِيَاد - يَعْنِي : حَدِيث خريم بن فاتك السالف - قَالَ : وَقد اخْتلف فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَنهُ ، وَلَا نَعْرِف لأيمن بن خريم بن فاتك السالف سَمَاعا من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَذكر [ غير ] التِّرْمِذِيّ أَن لَهُ صُحْبَة ، وَأَنه رَوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حديثين اخْتلف فِي أَحدهمَا ، وَرجح يَحْيَى بن معِين حَدِيث خريم بن فاتك كَمَا ذكره التِّرْمِذِيّ .
الحَدِيث الثَّانِي [ كتب أَبُو بكر لأنس كتابا ] . هَذَا صَحِيح ، وَقد أسلفته بِطُولِهِ فِي كتاب الزَّكَاة .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر . هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ أَحْمد ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عبد الْملك [ بن عُمَيْر ، عَن مولَى لربعي بن حِرَاش ] ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة : كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جُلُوسًا فَقَالَ : مَا أَدْرِي قدر مقَامي فِيكُم ؛ فاقتدوا باللذين من بعدِي ، وَأَشَارَ إِلَى أبي بكر وَعمر ، وتمسكوا بِهَدي عمار ، وَمَا حَدثكُمْ ابْن مَسْعُود فصدقوه ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي المناقب من جَامعه ، وَابْن مَاجَه فِي كتاب السّنة من سنَنه من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن زَائِدَة ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن [ مولَى لربعي بن حِرَاش ، عَن ] ربعي بن حِرَاش ، عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا بِلَفْظ أَحْمد الأول ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن سُفْيَان ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر نَحوه ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن . قَالَ : وَكَانَ سُفْيَان يُدَلس فِي هَذَا فَرُبمَا ذكر زَائِدَة ، وَرُبمَا لم يذكرهُ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن سعد ، عَن سُفْيَان ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن هِلَال مولَى ربعي ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة . وَعَن عَمْرو بن هرم ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة . وَعَن سُفْيَان ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن مولَى لربعي ، عَن ربعي بِهِ ، وَقَالَ : حَدِيث حسن . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم [ بن ] إِسْمَاعِيل بن يَحْيَى بن سَلمَة ابن كهيل ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن سَلمَة بن كهيل ، عَن عبد الله بن هَانِئ أبي الزَّعْرَاء الأودي الْكُوفِي ، عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يَحْيَى بن سَلمَة ، وَيَحْيَى مضعف الحَدِيث . وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن شيبَة ، عَن وَكِيع ، عَن سَالم الْمرَادِي ، عَن عَمْرو بن هرم ، عَن ربعي بن حِرَاش وَأبي عبد الله ، عَن رجل من أَصْحَاب حُذَيْفَة ، عَن حُذَيْفَة بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه ، لكنه قَالَ عَمْرو بن مرّة ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة قَالَ : كُنَّا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنِّي لأرَى مقَامي فِيكُم إِلَّا قَلِيلا ، فاقتدوا باللذين من بعدِي ، وَأَشَارَ إِلَى أبي بكر وَعمر ، واهتدوا بِهَدي عمار ، وَمَا حَدثكُمْ ابْن مَسْعُود فاقبلوه . قلت : وَله طَرِيق آخر مُنكر ، وَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَفعه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا ملصق بِمَالك ، رَوَاهُ بِهِ أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب الْبَاهِلِيّ وَأمره بَيِّنٌ ، ثمَّ قَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه بعد أَن أخرجه من حَدِيث مَالك : هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أصل لَهُ من حَدِيث مَالك . قَالَ : وَهُوَ يرْوَى عَن حُذَيْفَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بأسانيد جِيَاد تثبت . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الثَّوْريّ ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن هِلَال مولَى ربعي ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا : اقتدوا باللذين من بعدِي وَرَوَاهُ زَائِدَة وَغَيره عَن عبد الْملك ، عَن ربعي ، عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا ، أَيهمَا أصح ؟ قَالَ : مَا قَالَ الثَّوْريّ زَاد رجلا وجود الحَدِيث . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي فَضَائِل أبي بكر من حَدِيث حَفْص بن عمر الْأَيْلِي ، عَن مسعر بن كدام ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر كَمَا تقدم [ و ] من حَدِيث سُفْيَان بن سعيد ، ومسعر عَن عبد الْملك بِهِ [ و ] من حَدِيث وَكِيع عَن مسعر بِهِ ، وَمن حَدِيث ابْن عُيَيْنَة عَن مسعر بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث من أجل مَا رُوِيَ فِي فَضَائِل الشَّيْخَيْنِ ، وَيثبت بِمَا ذكرنَا صِحَّته وَإِن لم يخرجَاهُ ، وَقد وجدنَا لَهُ شَاهدا [ بِإِسْنَاد ] صَحِيح عَن عبد الله بن مَسْعُود فَذكره بِإِسْنَاده مَرْفُوعا كَمَا تقدم ، وَأما مُحَمَّد بن [ حزم ] فَإِنَّهُ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيّ عَن مولَى ربعي - مَجْهُول - وَعَن الْمفضل الضَّبِّيّ ، وَلَيْسَ بِحجَّة . هَذَا كَلَامه ، وَقد علمت أَنه يرْوَى من غير مَا ذكره كَمَا ذكرته لَك من طرق ، وَمولى ربعي قد عرفت أَنه هَالك ، وَسَبقه إِلَى ذَلِك الْبَزَّار والمفضل هَذَا لَا أعلمهُ ورد فِي طَرِيق .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل دَار الْهِجْرَة يَوْم الِاثْنَيْنِ . هَذَا صَحِيح مَشْهُور عَنهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام من ذَلِك حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : لم أَعقل أَبَوي قطّ إِلَّا وهما يدينان الدَّين الحَدِيث بِطُولِهِ ذكره البُخَارِيّ فِي الْهِجْرَة من صَحِيحه فِي أوراق ، وَفِيه : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نزل فِي بني عَمْرو بن عَوْف فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ من شهر ربيع الأول فَائِدَة غَرِيبَة : أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة الدِّمَشْقِي ، نَا [ يَحْيَى ] بن صَالح الوحاظي ، ثَنَا جَمِيع بن ثوب ، نَا [ أَبُو ] سُفْيَان الرعيني ، عَن أبي أُمَامَة قَالَ : [ كَانَ ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يولي واليًا حَتَّى يعممه ، ويرخي لَهُ [ عذبة ] من جَانب الْأَيْمن نَحْو الْأذن .
الحَدِيث السَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث الْعِرْبَاض بن سَارِيَة السّلمِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذَات يَوْم ، ثمَّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت مِنْهَا الْعُيُون ، ووجلت مِنْهَا الْقُلُوب ، فَقُلْنَا : يَا رَسُول الله ، كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا ، قَالَ : أوصيكم بتقوى الله - عَزَّ وَجَلَّ - والسمع وَالطَّاعَة ، وَإِن تَأمّر عَلَيْكُم عبد ، وَإنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا ؛ فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء [ الرَّاشِدين ] المهديين عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ ، وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور ، فَإِن كل بِدعَة ضَلَالَة ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه كَذَلِك ، وَرُبمَا زَاد الْحَرْف والكلمة ، وَفِي آخِره : فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة . وَقَالَ الْبَزَّار : وَهُوَ أصح إِسْنَادًا من حَدِيث حُذَيْفَة : اقتدوا باللذين من بعدِي ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِي إِسْنَاده ، ومتكلم فِيهِ من أجل مولَى ربعي وَهُوَ مَجْهُول عِنْدهم . قَالَ ابْن عبد الْبر فِي كتاب الْعلم : هُوَ كَمَا قَالَ ، حَدِيث الْعِرْبَاض ثَابت ، و [ حَدِيث ] حُذَيْفَة حسن . قَالَ : وَقد رَوَى عَن مولَى ربعي عبد الْملك بن عُمَيْر ، وَهُوَ كَبِير . قلت : مَعَ ذكر ابْن حبَان لَهُ فِي الثِّقَات أَيْضا . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي أَوَائِل مُسْتَدْركه من رِوَايَة ثَوْر بن يزِيد عَن خَالِد بن معدان عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو السّلمِيّ ، عَن العرباض بن سَارِيَة مَرْفُوعا بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح لَيْسَ لَهُ عِلّة ، وَقد احْتج - البُخَارِيّ بِعَبْد الرَّحْمَن . قلت : عبد الرَّحْمَن لم يخرج لَهُ أصلا . قَالَ : وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا توهما أَنه لَيْسَ لَهُ راوٍ عَن خَالِد بن معدان غير ثَوْر بن يزِيد ، وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث الْمخْرج [ حَدِيثه ] فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن خَالِد بن معدان . ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ عَنهُ ، وَقَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ جَمِيعًا ، وَلَا أعرف لَهُ عِلّة . قَالَ : وَقد تَابع ضَمرَة بن حبيب خَالِد بن معدان عَلَى رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو السّلمِيّ . ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ عَنهُ . قَالَ : وَقد تَابع عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو عَلَى رِوَايَته عَن الْعِرْبَاض ثَلَاثَة من الْأَثْبَات الثِّقَات من أَئِمَّة الشَّام [ مِنْهُم ] : حجر بن حجر الكلَاعِي ، وَيَحْيَى بن أبي المطاع الْقرشِي ، ومعبد بن عبد الله بن هِشَام الْقرشِي ، وَلَيْسَ الطَّرِيق إِلَيْهِ من شَرط هَذَا الْكتاب فتركته . قَالَ : وَقد استقصيت فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث بعض الِاسْتِقْصَاء عَلَى مَا أدّى إِلَيْهِ اجتهادي ، وَكتب فِيهِ ، كَمَا قَالَ إِمَام أَئِمَّة الحَدِيث شُعْبَة فِي حَدِيث عبد الله بن عَطاء ، عَن عقبَة بن عَامر لما طلبه بِالْبَصْرَةِ والكوفة وَالْمَدينَة وَمَكَّة ، ثمَّ عَاد الحَدِيث إِلَى شهر بن حَوْشَب فَتَركه ، ثمَّ قَالَ شُعْبَة : لِأَن يَصح لي مثل هَذَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ أحب إِلَيّ من وَلَدي ووالدي وَالنَّاس أَجْمَعِينَ . قَالَ الْحَاكِم : وَقد صَحَّ هَذَا الحَدِيث وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين . وَخَالف ابْن الْقطَّان فَقَالَ فِي كِتَابه : حجر بن حجر لَا يعرف ، وَلَا أعرف أحدا ذكره ، [ فَأَما ] عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو السّلمِيّ [ فالرجل ] مَجْهُول الْحَال ، والْحَدِيث من أَجله لَا يَصح . قلت قد صحّح ابْن حبَان من طريقهما ، وَعبد الرَّحْمَن أشهر من حجر ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَقد وثقهما مَعَ ابْن حبَان الْحَاكِم كَمَا سلف ، وَاخْتَارَ الْبَزَّار طَريقَة يَحْيَى بن أبي المطاع ، وَهُوَ ثِقَة كَمَا شهد لَهُ بذلك دُحَيْم وَالْحَاكِم وَغَيرهمَا .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّمَا نحكم بِالظَّاهِرِ ، وَالله يتَوَلَّى السرائر . هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، لَا أعلم من خرجه من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا ، وَسُئِلَ عَنهُ حَافظ زَمَاننَا جمال الدَّين الْمزي فَقَالَ : لَا أعرفهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي سنَنه بَاب الحكم بِالظَّاهِرِ . ثمَّ أورد حَدِيث إِنَّمَا أَنا بشر وَقد أوردهُ الرَّافِعِيّ قبل هَذَا .
الحَدِيث الثَّامِن عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ [ اهْتَدَيْتُمْ ] . هَذَا الحَدِيث غَرِيب لم يروه أحد من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة وَله طرق : أَحدهَا : عَن حَمْزَة بن أبي حَمْزَة الْجَزرِي النصيببي ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَفعه : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ أَخَذْتُم بقوله اهْتَدَيْتُمْ ، رَوَاهُ عبد بن حميد هَكَذَا فِي مُسْنده ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْفَضَائِل ، وَحَمْزَة هَذَا واهٍ ، قَالَ فِيهِ ابْن معِين : لَا يُسَاوِي فلسًا ، وَقَالَ البُخَارِيّ والرازي : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالنَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، وَقَالَ أَحْمد : مطروح الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مروياته مَوْضُوعَة ، وَقَالَ ابْن حبَان : ينْفَرد عَن الثِّقَات بالموضوعات حَتَّى كَأَنَّهُ كالمتعمد لَهَا ، لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي ، عَن وهب بن جرير ، عَن أَبِيه ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ من اقْتَدَى بِشَيْء مِنْهَا اهْتَدَى ، رَوَاهُ الْقُضَاعِي فِي مُسْند الشهَاب وجعفر هَذَا واهٍ ، قَالَ أَبُو زرْعَة : حدث بِأَحَادِيث لَا أصل لَهَا ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يضع الحَدِيث ، وَقَالَ مرّة : مَتْرُوك ، وَقَالَ ابْن عدي : كَانَ يتهم بِوَضْع الحَدِيث وَكَانَ يسرقها ، وَيَأْتِي بِالْمَنَاكِيرِ عَن الثِّقَات ، وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يقلب الْأَخْبَار فَلَا يشك أَنه كَانَ يعملها ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : هَذَا الحَدِيث من بلايا جَعْفَر هَذَا . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن جَابر بن عبد الله مَرْفُوعا : مَا لم تُؤْتوا بِهِ من كتاب الله ، وَلم يكن مني سنة ، فَإلَى أَصْحَابِي فَإِنَّهُم كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَلَى مَا نَقله الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك من حَدِيث جميل بن يزِيد ، عَن مَالك ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر ، وَجَمِيل هَذَا لَا أعرفهُ ، وَرَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي كتاب الْعلم من هَذَا الْوَجْه . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن جُوَيْبِر ، عَن الضَّحَّاك بن مُزَاحم قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مثل أَصْحَابِي مثل الْملح لَا يصلح الطَّعَام إِلَّا بِهِ ، وَمثل أَصْحَابِي مثل النُّجُوم لَا يهتدى إِلَّا بهَا ، فَبِأَي قَول أَصْحَابِي أَخَذْتُم بِهِ اهْتَدَيْتُمْ ، رَوَاهُ أَبُو ذَر عبد بن أَحْمد الْهَرَوِيّ فِي كتاب السّنة من حَدِيث منْدَل بن عَلّي ، عَن جويبر بِهِ . وَهَذَا طَرِيق ضَعِيف جدًّا ، منْدَل واه ، وجويبر مَتْرُوك ، وَالضَّحَّاك ضَعِيف ، وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُنْقَطع . الطَّرِيق الْخَامِس : عَن عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي ، عَن أَبِيه ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن عمر بن الْخطاب رَفعه سَأَلت رَبِّي فِيمَا اخْتلف فِيهِ أَصْحَابِي من بعدِي ، فَأَوْحَى الله إِلَيّ : يَا مُحَمَّد ، أَصْحَابك عِنْدِي بِمَنْزِلَة النُّجُوم فِي السَّمَاء بَعْضهَا أَضْوَأ من بعض ، فَمن أَخذ بِشَيْء مِمَّا هم عَلَيْهِ من اخْتلَافهمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هدى ، وَهَذَا ضَعِيف أَيْضا ومنقطع ؛ فَإِن سعيد بن الْمسيب لم يسمع من عمر شَيْئا ، وَعبد الرَّحْمَن ووالده ضعيفان كَمَا مر فِي أول الْكتاب فِي أثْنَاء بَاب الْوضُوء وَاضحا . الطَّرِيق السَّادِس : عَن أنس مَرْفُوعا بِهِ ، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي جُزْء لَهُ ، وَإِسْنَاده ضَعِيف أَيْضا . فتلخص ضعف جَمِيع هَذِه الطّرق ، لَا جرم قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي رسَالَته الْكُبْرَى فِي إبِْطَال الْقيَاس والتقليد وَغَيرهمَا : هَذَا خبر مَكْذُوب مَوْضُوع بَاطِل لم يَصح قطّ . قَالَ : وَقَالَ الْحَافِظ أَحْمد بن عَمْرو بن عبد الْخَالِق الْبَزَّار : سَأَلْتُم عَمَّا يرْوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا فِي أَيدي الْعَامَّة يرويهِ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّمَا مثل أَصْحَابِي كَمثل النُّجُوم - أَو قَالَ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ - فبأيها اقتدوا اهتدوا ، وَهَذَا الْكَلَام لم يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَوَاهُ عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي ، عَن أَبِيه ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : وَإِنَّمَا ضعف هَذَا الحَدِيث من قبل عبد الرَّحِيم ؛ لِأَن أهل الْعلم سكتوا عَن الرِّوَايَة لحديثه . قَالَ : وَالْكَلَام أَيْضا مُنكر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلم يثبت ، وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يَصح الِاخْتِلَاف بعده من الصَّحَابَة . هَذَا نَص كَلَام الْبَزَّار . وَقَالَ ابْن معِين : عبد الرَّحِيم هَذَا كَذَّاب لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . قَالَ ابْن حزم : وَرَوَاهُ أَيْضا حَمْزَة الْجَزرِي ، وَهُوَ سَاقِط مَتْرُوك . قَالَ : بل هُوَ مِمَّا يقطع عَلَى أَنه كذب مَوْضُوع ؛ لِأَن الصَّحَابَة اخْتلفُوا فَحرم وَاحِد وحلل آخر ، مِنْهُم ذَلِك الشَّيْء الَّذِي حرمه صَاحبه ، وَأوجب بَعضهم ، وأبطل غَيره مِنْهُم مَا أوجبه صَاحبه ، لَو كَانَ هَذَا الْخَبَر حقًّا لكَانَتْ أَحْكَام الله - تَعَالَى - متضادة فِي الدَّين مُخْتَلفَة حَلَالا وحرامًا - معَاذ الله - قد كذب هَذَا بقول الصَّادِق : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ، قَالَ : فصح أَن الِاخْتِلَاف لَيْسَ إِلَّا من عِنْد غير الله . قلت لَكِن فِي كتاب الِاعْتِقَاد لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ بعد أَن ذكر حَدِيث أبي مُوسَى رَفعه : النُّجُوم أَمَنَة للسماء ، إِذا ذهبت النُّجُوم أَتَى أهل السَّمَاء مَا كَانُوا يوعدون ، وأصحابي أَمَنَة لأمتي ، فَإِذا ذهبت أَصْحَابِي أَتَى أمتِي مَا كَانُوا يوعدون ، رَوَاهُ مُسلم بِمَعْنَاهُ ، رُوِيَ فِي حَدِيث مَوْصُول بِإِسْنَاد غير قوي ، وَفِي حَدِيث مُنْقَطع أَنه قَالَ : مثل أَصْحَابِي كَمثل النُّجُوم فِي السَّمَاء من أَخذ بِنَجْم مِنْهَا اهْتَدَى . قَالَ : وَالَّذِي رَوَيْنَاهُ هَاهُنَا من الحَدِيث الصَّحِيح يُؤَدِّي بعض مَعْنَاهُ .
الحَدِيث الرَّابِع أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَهُوَ من رِوَايَة مُعَاوِيَة بن عمار الدهني ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر . قَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِمُعَاوِيَة بَأْس ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا يحْتَج بِهِ . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده وَإِن أخرجه مُسلم ، وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي التَّذْكِرَة : هُوَ من حَدِيث شُعْبَة [ بَاطِل ، وَأحمد بن طَاهِر كَذَّاب ، وَشعْبَة لم يحدث ] عَن أبي الزبير إِلَّا بِحَدِيث وَاحِد ، وَهُوَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيّ ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن عَفَّان ، نَا حَمَّاد ، نَا أَبُو الزبير ، عَن جَابر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل يَوْم الْفَتْح وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء . فَائِدَة : قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه فِي حَدِيث أنس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دخل مَكَّة وَعَلَى رَأسه المغفر ، قَالَ : وَفِي خبر جَابر هَذَا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دَخلهَا وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء قَالَ : وَلم يدْخل عَلَيْهِ السَّلَام مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَهُوَ يَوْم الْفَتْح . قَالَ : وَيُشبه أَن يكون الْمُصْطَفَى [ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] فِي ذَلِك الْيَوْم كَانَ عَلَى رَأسه المغفر ، وَقد تعمم بعمامة سَوْدَاء فَوْقه ، فَإِذًا جَابر ذكر الْعِمَامَة الَّتِي عاينها ، وَإِذا أنس ذكر المغفر الَّذِي (رَوَاهُ) من غير أَن يكون بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن فَقَالَ : وَإِن كَانَ جَامِدا ألقوها وَمَا حولهَا ، وَإِن كَانَ مَائِعا فأريقوه . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب الْبيُوع .
الحَدِيث الْعشْرُونَ إِلَى الحَدِيث (الثَّامِن) بعد الْعشْرين حَدِيث النَّهْي (بعد حَدِيث) التَّضْحِيَة بالعوراء . وَقد سلف فِي بَابه . وَحَدِيث : لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان . وَقد سلف فِي الْبَاب . وَحَدِيث : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الراكد . وَقد سلف فِي بَابه . وَحَدِيث : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدافة . وَحَدِيث : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سها فَسجدَ . وَحَدِيث : زنَى مَاعِز فرجم . وَحَدِيث : بَرِيرَة عتقت فخيرت . وَحَدِيث : إِذا اجْتهد الْحَاكِم فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر الحَدِيث . وكل هَذِه الْأَحَادِيث سلفت فِي مواطنها .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة : لَا تسْأَل الْإِمَارَة ؛ فإنك إِن أعطيتهَا عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا ، وَإِن أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا [ من ] طَرِيق الْحسن بن أبي الْحسن عَن عبد الرَّحْمَن .
بَاب الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا ، وَهُوَ حَدِيث هِنْد [ زَوْجَة ] أبي سُفْيَان ، أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح لَا يعطيني من النَّفَقَة مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بني (أفآخذ من مَاله مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بني ؟ ) فَقَالَ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَقد سلف فِي النَّفَقَات وَاضحا ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ قَضَاء عَلَى زَوجهَا أبي سُفْيَان وَهُوَ غَائِب . قلت : وَكَذَا ترْجم عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب ، لَكِن ذكر جمَاعَة من الْمُحَقِّقين أَن ذَلِك كَانَ فَتْوَى لَا قَضَاء ، وَصَححهُ أَصْحَابنَا أَيْضا ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم : اسْتدلَّ بِهِ جماعات من أَصْحَابنَا وَغَيرهم عَلَى جَوَاز الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب ، وَلَا يَصح الِاسْتِدْلَال بِهِ ؛ لِأَن هَذِه الْقِصَّة كَانَت بِمَكَّة ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حَاضرا بهَا ، وَشرط الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب أَن يكون غَائِبا عَن الْبَلَد ، أَو مستترًا لَا يقدر عَلَيْهِ أَو متعذرًا ، وَلم يكن هَذَا الشَّرْط فِي أبي سُفْيَان مَوْجُودا ، وَلَا يكون قَضَاء عَلَى الْغَائِب ، بل هُوَ إِفْتَاء . هَذَا آخر كَلَامه ، وَنَصّ أَبُو نعيم والسهيلي أَيْضا عَلَى أَنه كَانَ حَاضرا حِينَئِذٍ كَمَا سلف فِي حد الزِّنَا ، وَقد سلف فِي كتاب النَّفَقَات من كَلَام الرَّافِعِيّ مَا يدل عَلَى أَن ذَلِك كَانَ إِفْتَاء لَا قَضَاء ، ويوضح ذَلِك أَيْضا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يستحلفها أَنَّهَا لم تَأْخُذ النَّفَقَة ، وَلم يقدرها ؛ بل قَالَ لَهَا : خذي من مَاله مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ ، فَجعل التَّقْدِير إِلَيْهَا فِيمَا تَأْخُذهُ ، وَمَعْلُوم أَن مَا كَانَ من فرض النَّفَقَة عَلَى وَجه الْقَضَاء لَا يكون تَقْدِيره إِلَى مُسْتَحقّه إِلَّا أَن يُقَال : الْوَاجِب قدر الْكِفَايَة ، كَمَا هُوَ أحد أَقْوَال الشَّافِعِي وَهُوَ ظَاهر الحَدِيث . وَذكر الرَّافِعِيّ فِيهِ أَيْضا حَدِيث : اغْدُ يَا أنيس عَلَى امْرَأَة هَذَا فَإِن اعْترفت فارجمها وَقد سلف فِي مَوْضِعه .
الحَدِيث الْعَاشِر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ قَالَ ] : إِنَّا لَا نكره أحدا عَلَى الْقَضَاء . هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ ، وَأورد ابْن الرّفْعَة أَيْضا بِلَفْظ : إِنَّا لَا نلزم وَلم يعزه لأحد .
وَأما آثاره فثمانية : أَحدهَا : أَن عبد الله بن عمر امْتنع من الْقَضَاء لما استقضاه عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه من حَدِيث عبد الْملك - وَهُوَ ابْن جميلَة - عَن عبد الله بن موهب القَاضِي أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر : اذْهَبْ فَاقْض [ بَين النَّاس . قَالَ : أَو تعافيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ؟ قَالَ : فَمَا تكره من ذَلِك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي ؟ قَالَ : إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى ] بِالْعَدْلِ فبالحري أَن يَنْقَلِب مِنْهُ كفافًا . فَمَا أَرْجُو بعد ذَلِك ؟ ! . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بِمُتَّصِل ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : عبد الْملك بن أبي جميلَة ، و [ عبد الله ] بن موهب عَن عُثْمَان مُرْسل . قلت : أما جَهَالَة عبد الْملك فَهِيَ كَمَا قَالَ ، لَكِن ابْن حبَان ذكره فِي (ثقاته) . وَرَوَى عَن عبد الله بن موهب وَغَيره ، وَعنهُ مُعْتَمر بن أبي سُلَيْمَان . وَأما الْإِرْسَال بَين عبد الله بن موهب فَلَا شكّ فِيهِ ، وَقد قَالَ البُخَارِيّ أَيْضا : إِنَّه مُرْسل . وَأما ابْن حبَان فَخَالف وَأخرج الحَدِيث فِي صَحِيحه فَقَالَ : أَنا الْحسن بن سُفْيَان ، نَا أُميَّة بن بسطَام ، ثَنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، سَمِعت عبد الْملك بن أبي جميلَة يحدث ، عَن عبد الله بن وهب : أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر : اذْهَبْ وَكن قَاضِيا . قَالَ : أَو تعفيني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ؟ قَالَ : عزمت عَلَيْك إِلَّا ذهبت فَقضيت . قَالَ : لَا تعجل ، سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن أكون قَاضِيا . قَالَ : وَمَا يمنعك وَقد كَانَ أَبوك يقْضِي ؟ قَالَ : لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : [ من كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بِالْجَهْلِ كَانَ من أهل النَّار ] ، وَمن كَانَ قَاضِيا فَقَضَى بالجور كَانَ من أهل النَّار ، وَمن كَانَ قَاضِيا عَالما يقْضِي بِحَق أَو بِعدْل سَأَلَ التفلت كفافا . فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بعد ذَا ؟ ! . ثمَّ قَالَ ابْن حبَان : ابْن وهب هَذَا هُوَ عبد الله بن وهب بن ربيعَة ابْن الْأسود الْقرشِي من أهل [ الْمَدِينَة ] رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ . هَذَا كَلَامه ، وَعَلِيهِ بعد تَسْلِيم ثِقَة عبد الْملك اعتراضان : أَحدهمَا : إرْسَاله ، كَمَا شهد بذلك التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم . ثَانِيهمَا : يُخَالف التِّرْمِذِيّ فِي إِبْدَال عبد الله بن موهب بِعَبْد الله بن وهب ، وَيُمكن أَن يكون رَوَاهُ أَيْضا ؛ فَإِنَّهُ رَوَى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة . وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر قَالَ أَحْمد فِي مُسْنده : نَا [ عَفَّان ] نَا حَمَّاد بن سَلمَة ، أَنا أَبُو سِنَان ، عَن يزِيد بن موهب أَن عُثْمَان قَالَ لِابْنِ عمر : اقْضِ بَين النَّاس . فَقَالَ : لَا أَقْْضِي بَين اثْنَيْنِ وَلَا [ أؤم ] رجلَيْنِ ، أما سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من عاذ بِاللَّه فقد عاذ بمعاذ ؟ قَالَ عُثْمَان : بلَى . قَالَ : فَإِنِّي أعوذ بِاللَّه أَن تَسْتَعْمِلنِي . فأعفاه ، وَقَالَ : لَا تخبر بِهَذَا أحدا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وهرب أَبُو قلَابَة من الْقَضَاء . هُوَ كَمَا قَالَ ، قَالَ أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة : نَا مُسَدّد نَا ابْن علية ، عَن أَيُّوب : لما توفّي عبد الرَّحْمَن بن أذينة ذكر أَبُو قلَابَة للْقَضَاء ، فهرب حَتَّى أَتَى الشَّام فَوَافَقَ ذَلِك عزل قاضيها ، فَذكر هُنَاكَ للْقَضَاء ، فهرب فَلَقِيَهُ بعد ذَلِك فَقَالَ : مَا وجدت القَاضِي الْعَالم إِلَّا مثل سابح وَقع فِي الْبَحْر كم عَسى أَن يسبح حَتَّى يغرق . قَالَ الرَّافِعِيّ : وهرب الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة مِنْهُ ، وَرُوِيَ أَن الشَّافِعِي أَوْصَى الْمُزنِيّ فِي مرض مَوته بِأَن لَا يتَوَلَّى الْقَضَاء ، وَفرض عَلَيْهِ كتاب الرشيد بِالْقضَاءِ ، فَلم يجبهُ الْبَتَّةَ ، وَانْتَهَى امْتنَاع أبي عَلّي بن خيران - من أَصْحَابنَا - لما استقضاه الْوَزير ابْن الْفُرَات حَتَّى ختمت دوره بالطين أَيَّامًا . وَهُوَ كَمَا ذكر فَلَا نطول بِهِ . الْأَثر الثَّانِي : قَالَ الرَّافِعِيّ : ذكر أَن القَاضِي الْعَادِل إِذا استقضاه أَمِير بَاغ أَجَابَهُ إِلَيْهِ ، فقد سُئِلت عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَن ذَلِك لمن استقضاه زِيَاد فَقَالَت : إِن لم يقْض لكم خياركم قَضَى لكم شِرَاركُمْ . وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ . الْأَثر الثَّالِث : أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أحالوا فِي الْفَتَاوَى بَعضهم عَلَى بعض مَعَ مشاهدتهم التَّنْزِيل . وَهَذَا مَشْهُور عَنْهُم فِي عدَّة وقائع قد يطول بهَا . الْأَثر الرَّابِع : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه سُئِلَ عَمَّن [ قتل أَله ] تَوْبَة ؟ [ فَقَالَ مرّة : لَا ، وَقَالَ مرّة : نعم . ] فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : رَأَيْت فِي عَيْني الأول أَنه يقْصد الْقَتْل فقمعته ، وَكَانَ الثَّانِي صَاحب وَاقعَة يطْلب الْمخْرج . وَهَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ ، وتكرر ذكره فِي تصانيف آدَاب الْمُفْتِي والمستفتي . الْأَثر الْخَامِس وَالسَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن فِي التَّحْكِيم وَقد أسلفناه قَرِيبا فَرَاجعهَا مِنْهُ .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لن يفلح قوم وليتهم امْرَأَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي بكرَة - بهاء التَّأْنِيث فِي آخِره - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : بلغ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أهل فَارس ملكوا عَلَيْهِم بنت كسْرَى قَالَ : لن يفلح قوم ولوا أَمرهم امْرَأَة .
الحَدِيث الرَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حكم بَين اثْنَيْنِ تَرَاضيا بِهِ فَلم يعدل فَعَلَيهِ لعنة الله . هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرَّجه من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَن بعض أَصْحَابهم فَقَالَ : مَسْأَلَة يَصح التَّحْكِيم خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي ، ثمَّ لنا مَا رَوَى أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز من أَصْحَابنَا من حَدِيث عبد الله بن جَراد قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من حكم بَين اثْنَيْنِ تحاكما إِلَيْهِ وارتضيا بِهِ فَلم يقل بَينهمَا بِالْحَقِّ فَعَلَيهِ لعنة الله . قلت : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح للاحتجاج بِهِ ؛ لِأَنَّهُ من نُسْخَة ابْن جَراد وَهِي نُسْخَة بَاطِلَة - وَقد ذكر ابْن الْجَوْزِيّ مرّة أَنَّهَا نُسْخَة مَوْضُوعَة ، وَبَالغ فِي الْحَط عَلَى الْخَطِيب الْحَافِظ لما احْتج بِحَدِيث مِنْهَا . وَلما ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه مَا جَاءَ فِي التَّحْكِيم لم يذكر فِيهِ هَذَا الحَدِيث ، وَإِنَّمَا ذكر فِيهِ حَدِيثا وَاحِدًا وَهُوَ حَدِيث أبي دَاوُد ، عَن الرّبيع بن نَافِع ، عَن يزِيد بن الْمِقْدَام بن شُرَيْح ، عَن أَبِيه ، عَن جده (شُرَيْح) عَن أَبِيه هَانِئ أَنه لما وَفد إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَى الْمَدِينَة فسمعهم يكنونه بِأبي الحكم ، فَدَعَاهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِن الله هُوَ الحكم ، وَإِلَيْهِ يرجع الحكم فَلم تكنى أَبَا الحكم ؟ قَالَ : إِن قومِي إِذا اخْتلفُوا فِي شَيْء أَتَوْنِي فحكمت بَينهم فَرضِي كلا الْفَرِيقَيْنِ . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَمَا أحسن هَذَا ! فَمَا لَك من الْوَلَد ؟ قَالَ : لي شُرَيْح ، وَمُسلم ، وَعبد الله . قَالَ : فَمن أكبرهم ؟ قَالَ : قلت : شُرَيْح . قَالَ : فَأَنت أَبُو شُرَيْح . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَن عمر ، وَأبي بن كَعْب تحاكما إِلَى زيد بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل عَن عَامر قَالَ : كَانَ بَين عمر وَأبي خُصُومَة فِي حَائِط فَقَالَ عمر : بيني وَبَيْنك زيد بن ثَابت . فَانْطَلقَا ، فطرق عمر الْبَاب ، فَعرف زيد صَوته [ فَفتح الْبَاب ] فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، أَوَلا بعثت إِلَيّ حَتَّى آتِيك . قَالَ فِي بَيته يُؤْتَى الحكم قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَن عُثْمَان وَطَلْحَة تحاكما إِلَى جُبَير بن مطعم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه أَيْضا فِي الْبيُوع فِي بَاب : من قَالَ يجوز بيع الْغَائِب ، من حَدِيث عبيد الله بن عبد الْمجِيد ، نَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف ، عَن ابْن أبي مليكَة أَن عُثْمَان ابْتَاعَ من طَلْحَة بن عبيد الله أَرضًا بِالْمَدِينَةِ ناقله بِأَرْض لَهُ بِالْكُوفَةِ ، فَلَمَّا تباينا نَدم عُثْمَان ، ثمَّ قَالَ : بِعْتُك مَا لم أره . فَقَالَ طَلْحَة : إِنَّمَا النّظر لي ، إِنَّمَا ابتعت مغيبًا ، وَأما أَنْت فقد رَأَيْت مَا ابتعت . فَجعلَا بَينهمَا حكما جُبَير [ بن ] مطعم ، فَقَضَى عَلَى عُثْمَان أَن البيع جَائِز ، وَأَن النّظر لطلْحَة أَن ابْتَاعَ مغيبًا . وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة حَدِيث : من اشْتَرَى مَا لم يره فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذا رَآهُ . وَضَعفه قَالَ : لَا أصل فِي هَذَا . ثمَّ سَاق الْأَثر الْمَذْكُور . فَائِدَة : مَعْنَى ناقله : بادله . ومُغَيبًا : بِضَم الْمِيم وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة ، وَفتح الْمُثَنَّاة تَحت المتعددة . وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب حَدِيث معَاذ السالف حَيْثُ قَالَ فِي إثْبَاته : إِنَّه عَلَيْهِ السَّلَام اختبر معَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَقد سلف بَيَانه وَاضحا ، هَذَا آخر أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْقُضَاة ثَلَاثَة : وَاحِد فِي الْجنَّة ، وَاثْنَانِ فِي النَّار ، فَأَما الَّذِي فِي الْجنَّة فَرجل عرف الْحق فَقَضَى بِهِ ، والَّلذان فِي النَّار رجل عرف الْحق فجار فِي الحكم ، وَرجل قَضَى فِي النَّاس عَلَى جهل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من خلال سعد بن عُبَيْدَة السّلمِيّ ، عَن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه بُرَيْدَة مَرْفُوعا . وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هَاشم الرماني الْكَبِير - واسْمه يَحْيَى . وَقيل : نَافِع - عَن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه بُرَيْدَة مَرْفُوعا . وَفِي إِسْنَاد أبي دَاوُد رجل فِيهِ لين . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ ، وَالْحَاكِم من حَدِيث عبد الله بن بكير ، عَن حَكِيم بن جُبَير ، عَن عبد الله بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح . قَالَ : وَله شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم فَذكره بطرِيق التِّرْمِذِيّ الَّتِي قدمناها . وَقَالَ الْحَاكِم فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث : هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ الخراسانيون فَإِن رُوَاته عَن [ آخِرهم ] مراوزة ، وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة ابْن عمر فِي أول الْآثَار من هَذَا الْبَاب من صَحِيح ابْن حبَان .
الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من سُئِلَ فَأفْتَى بِغَيْر علم فقد ضل وأضل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعًا ينتزعه من النَّاس - وَفِي رِوَايَة : من الْعباد - وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء ، حَتَّى إِذا لم [ يبْق ] عَالما اتخذ النَّاس رُءُوسًا جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : إِن الله لَا ينْزع الْعلم بعد (إِعْطَائِهِ) ، وَلَكِن يَنْزعهُ مِنْهُم مَعَ قبض الْعلمَاء بعلمهم ، فَيَأْتِي نَاس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون . وَفِي سنَن أبي دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، و الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أُفْتِي فتيا غير ثَبت فَإِنَّمَا إثمه عَلَى [ من ] أفتاه لفظ ابْن مَاجَه ، وَلَفظ أبي دَاوُد : من أُفْتِي فتيا بِغَيْر علم كَانَ إِثْم ذَلِك عَلَى الَّذِي أفتَى . رَوَاهُ الْحَاكِم باللفظين فِي كتاب الْعلم من مُسْتَدْركه ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث قد احْتج الشَّيْخَانِ بِجَمِيعِ رُوَاته عَن عَمْرو بن أبي نعيمة ، وَقد وَثَّقَهُ بكر بن عَمْرو الْمعَافِرِي - وَهُوَ أحد أَئِمَّة أهل مصر - وَالْحَاجة بِنَا عَلَى لفظ التثبت فِي الْفتيا شَدِيدَة . هَذَا لفظ الْحَاكِم هُنَا ، [ و ] ذكره فِي آخر كتاب الْعلم بِنَحْوِ ورقة مِنْهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ ، وَلَا أعرف لَهُ عِلّة . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : عَمْرو مَجْهُول الْحَال ، وَبُكَيْر لَا تعلم عَدَالَته ، وَوَصفه أَحْمد بِأَنَّهُ يرْوَى عَنهُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : شيخ . وَفِيه يَحْيَى بن أَيُّوب الغافقي ، قَالَ الْحَاكِم فِي الْمدْخل : أخرج حَدِيثه جَمِيعًا عَنهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ فِيهِ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . ذكره فِيمَن عيب عَلَى مُسلم إِخْرَاج حَدِيثه ، وَضَعفه أَحْمد ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا يحْتَج بِهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : لسوء حفظه .
الحَدِيث الثَّالِث أَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أوف بِنَذْرِك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا ، وَقد سلف فِي كتاب الِاعْتِكَاف .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا نذر فِي مَعْصِيّة ، وكفارته كَفَّارَة يَمِين . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا - وَهُوَ أمثلها - من طَرِيق عمرَان بن الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما مَرْفُوعا ، رَوَاهُ كَذَلِك النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ . قَالَ الْحَاكِم : [ هَذَا حَدِيث رَوَاهُ مُحَمَّد بن الزبير بن الْحسن عَن عمرَان ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن يَحْيَى بن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه ، عَن عمرَان ] قَالَ : وَقد أعضله معمر عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، قَالَ : حَدثنِي رجل من بني حنيفَة عَن عمرَان . قَالَ : وَهَذَا الرجل هُوَ مُحَمَّد بن الزبير بِلَا شكّ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول من بني حَنْظَلَة فَقَالَ : من بني حنيفَة ، فَأَما قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : لَا نذر فِي مَعْصِيّة الله فقد اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ، ومدار الحَدِيث عَلَى مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، وَلَيْسَ يَصح . هَذَا آخر كَلَام الْحَاكِم . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم يَحْيَى بن أبي كثير وَالثَّوْري وَأَبُو بكر النَّهْشَلِي وَغَيرهم ، فَقَالُوا : عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَن أَبِيه ، عَن عمرَان ، وَلم يذكرُوا السماع كَمَا [ ذكره ] جرير بن حَازِم ، عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَن أَبِيه ، سَمِعت عمرَان بن حُصَيْن الحَدِيث . قَالَ : وَرَوَاهُ عبد الْوَارِث ، عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَمَّن سمع من عمرَان مَرْفُوعا . قَالَ : وَحَدِيث عبد الْوَارِث هَذَا أشبه ؛ لِأَنَّهُ قد بَين عَورَة الحَدِيث ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه ، عَن عمرَان . ثمَّ أخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن رجل من بني حَنْظَلَة ، عَن عمرَان بن عدي . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور بِمُحَمد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه عَن عمرَان ، وَاخْتلف عَلَيْهِ فِي إِسْنَاده وَمَتنه ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ مُنْقَطع ، الزبير لم يسمع من عمرَان . قَالَ يَحْيَى بن معِين : قيل لمُحَمد بن الزبير : أسمع أَبوك من عمرَان ؟ (قَالَ : لَا) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالَّذِي يدل عَلَى هَذَا أَن ابْن الْمُبَارك رَوَاهُ عَن عبد الْوَارِث بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه أَن رجلا حَدثهُ أَنه سَأَلَ عمرَان بن الْحصين قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقيل : عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن رجل صَحبه ، عَن عمرَان . وَقيل : عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَن الْحسن ، عَن عمرَان قَالَ : وَهَذَا مُنْقَطع ؛ فَلَا يَصح عَن الْحسن عَن عمرَان سَماع من وَجه صَحِيح يثبت مثله ، قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : لم يَصح عَن الْحسن عَن عمرَان سَماع من وَجه صَحِيح يثبت . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَمُحَمّد بن الزبير الْحَنْظَلِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، قَالَ خَ : مُنكر الحَدِيث . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : إِن الْحسن لم يسمع من عمرَان ، وَقَالَ هُوَ وجماعات : إِن الْحسن سمع من عمرَان . فَجزم ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِأَنَّهُ سمع مِنْهُ ، ذُكِرَ ذَلِك فِي حَدِيث الْحسن ، عَن سَمُرَة : كَانَت لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سكتتان ، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ إِيرَاد شَيْخه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا ؛ فَإِن [ الْحَاكِم ] أخرج لَهُ حَدِيثا فِي طيب الرِّجَال : ريح لَا لون لَهُ ، وَطيب النِّسَاء لون لَا ريح لَهُ ، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ؛ فَإِن مَشَايِخنَا - وَإِن اخْتلفُوا فِي سَماع الْحسن عَن عمرَان فَإِن - أَكْثَرهم عَلَى أَنه سمع مِنْهُ ، وَقَالَ الْحَاكِم أَيْضا فِي مُسْتَدْركه فِي أواخره فِي أَوَائِل بَاب الْأَهْوَال : لم يخرج البُخَارِيّ وَمُسلم هَذِه التَّرْجَمَة وَهِي الْحسن عَن عمرَان . قَالَ : وَذكر أَن الْحسن لم يسمع مِنْهُ . قَالَ : وَالَّذِي عِنْدِي أَن الْحسن قد سمع من عمرَان بن حُصَيْن . وَجزم بِهِ فِي أَوَائِل الْمُسْتَدْرك فِي كتاب الْإِيمَان ، وَكَذَا صَاحب الْكَمَال ، وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَن عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ : قلت ليحيى بن معِين : الْحسن لَقِي عمرَان بن الْحصين ؟ قَالَ : أما حَدِيث الْبَصرِيين فَلَا ، وَأما حَدِيث الْكُوفِيّين فَنعم . وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب لَا تَفْرِيط عَلَى من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا ، حَدِيثا مُصَرحًا فِيهِ بِأَن الْحسن سمع مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيث : التَّعْرِيس آخر اللَّيْل ، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم ، وَقَالَ صَاحب الإِمَام : رِجَاله ثِقَات . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَهُوَ مُنْقَطع وَإِن ذكره ابْن السكن فِي صحاحه ؛ لِأَن الزُّهْرِيّ لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أبي سَلمَة . كَذَا قَالَه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أَيُّوب ابن سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن أبي بكر بن أبي أويس ، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق ومُوسَى بن عقبَة ، كِلَاهُمَا عَن ابْن شهَاب عَن سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة . قَالَ أَحْمد بن شبويه : قَالَ ابْن الْمُبَارك فِي هَذَا الحَدِيث : حدث أَبُو سَلمَة فَدلَّ عَلَى أَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من أبي سَلمَة ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب . قَالَ : وَهُوَ أصح من حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : سُلَيْمَان بن أَرقم مَتْرُوك الحَدِيث ، خَالفه غير وَاحِد من أَصْحَاب يَحْيَى فِي هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْخطابِيّ : هَذَا حَدِيث مقلوب الْإِسْنَاد ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا ، وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : حدث [ أَبُو ] سَلمَة . وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا حَدِيث لم يسمعهُ الزُّهْرِيّ من أبي سَلمَة ؛ فقد جَاءَ من طَرِيق آخر عَنهُ قَالَ : بَلغنِي أَن أَبَا سَلمَة قَالَ : (رُبمَا) يدل عَلَى أَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من أبي سَلمَة ؛ وَإِنَّمَا سَمعه من (سُلَيْمَان بن أَرقم مَا أَنبأَنَا بِهِ شَيخنَا) ، وَذكر بِإِسْنَادِهِ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، وَهَذَا وهم من سُلَيْمَان ؛ فيحيى بن أبي كثير إِنَّمَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي عَن أَبِيه عَن عمرَان مَرْفُوعا كَمَا تقدم ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث غَالب بن عبيد الله الْعقيلِيّ الْجَزرِي ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من جعل عَلَيْهِ نذر فِي مَعْصِيّة ، فكفارته كَفَّارَة يَمِين . وغالب هَذَا ضَعِيف بِمرَّة ، قَالَ الْأَزْدِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ . فتلخص ضعف هَذِه الطّرق بالانقطاع وَغَيره ، وَمِمَّنْ ضعفه من الْمُتَأَخِّرين : النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدارقطني من رِوَايَة عَائِشَة وَعمْرَان . وَضعفهمَا فَقَالَ : وَاتفقَ الْحفاظ عَلَى ذَلِك ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَة : حَدِيث لَا نذر فِي مَعْصِيّة وكفارته كَفَّارَة يَمِين ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث كريب ، عَن ابْن عَبَّاس ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من نذر نذرا فِي مَعْصِيّة فكفارته كَفَّارَة يَمِين . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه طول ، وَذكر أَنه رُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس وَإِسْنَاده جيد ، وَأعله ابْن حزم فِي محلاه فَقَالَ : فِيهِ طَلْحَة بن يَحْيَى ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف جدًّا . قلت : قد قَالَ يَحْيَى بن معِين : ثِقَة ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَا بَأْس بِهِ . وَاحْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ؛ نعم قَول ابْن حزم فِيهِ هُوَ قَول يَعْقُوب بن شيبَة ، وَقَالَ أَحْمد : مقارب الحَدِيث ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِقَوي . قَالَ ابْن حزم : وَرُوِيَ مثله عَن ابْن عَبَّاس ، وَهُوَ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَبِيه ، وَأَبُو أويس ضَعِيف . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ مَرْفُوعا وَهُوَ مُرْسل ، قَالَ عبد الْحق : وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد مُرْسل ومنقطع عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن رجل من بني حنيفَة وَأبي سَلمَة ، كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الحَدِيث .
الحَدِيث السَّابِع عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : ورد النَّهْي عَن طروق الْمَسَاجِد إِلَّا لحَاجَة . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَله طرق : أَحدهَا : من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خِصَال لَا تنبغي فِي الْمَسْجِد : لَا يتَّخذ طَرِيقا ، وَلَا يشهر فِيهِ سلَاح ، وَلَا ينتثر فِيهِ بقوس ، وَلَا ينشر فِيهِ بنبل ، وَلَا يمر بِلَحْم فِيهِ ، وَلَا يضْرب فِيهِ حد ، وَلَا يقْتَصّ فِيهِ من أحد . قَالَ عبد الْحق فِي علله : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح . وَله طَرِيق آخر من حَدِيث ابْن عمر : أَيْضا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى أَن تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا ، أَو تُقَام فِيهَا الْحَد ، أَو تنشد فِيهَا الْأَشْعَار ، أَو ترفع فِيهِ الْأَصْوَات . ذكره ابْن عدي ، وَأعله عبد الْحق بفرات بن السَّائِب ، وَقَالَ : إِنَّه مُنكر الحَدِيث ، ضعيفه . هُوَ كَمَا قَالَ . وَفِي صَحِيح الْحَاكِم ، و سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا : لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد . ثَانِيهَا : من طَرِيق أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا : من أَمَارَات السَّاعَة أَن تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا ، وَأَن يظْهر موت الْفُجَاءَة . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : يرويهِ الشّعبِيّ مُرْسلا . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَفِيه مَعَ ذَلِك انْقِطَاع . ثَالِثهَا : من طَرِيق خَارِجَة بن الصَّلْت قَالَ : دَخَلنَا مَعَ عبد الله فِي الْمَسْجِد وَالْإِمَام رَاكِع ، فَرَكَعَ عبد الله فَرَكَعْنَا مَعَه ، وَجعل يمشي إِلَى الصَّفّ وَنحن رُكُوع ، فَمر رجل فَسلم عَلَيْهِ ، فَقَالَ : صدق الله وَرَسُوله . فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة قَالَ : كَانَ يُقَال : من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يسلم الرجل عَلَى الرجل بالمعرفة ، وَأَن تتَّخذ الْمَسَاجِد طرقًا ، وَأَن يتجر الرجل وَامْرَأَته ، وَأَن تغلوا الْخَيل وَالنِّسَاء ثمَّ يرخصن ثمَّ لَا تغلوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب مَا يجوز من قِرَاءَة الْقُرْآن وَالذكر فِي الصَّلَاة يُرِيد بِهِ جَوَابا ، من حَدِيث عبد الْأَعْلَى بن الحكم عَن خَارِجَة بِهِ .
الحَدِيث [ السَّادِس ] أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْقصر : إِن الله تصدق [ عَلَيْكُم ] فاقبلوا صدقته . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث يعْلى بن أُميَّة ، عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي بَاب الْوضُوء ، وَبَاب صَلَاة الْمُسَافِر .
الحَدِيث الثَّانِي أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا نذر فِي مَعْصِيّة الله وَلَا فِيمَا [ لَا ] يملكهُ ابْن آدم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ذَكرْنَاهُ بِطُولِهِ فِي بَاب الْأمان .
الحَدِيث السَّابِع وَالثَّامِن وَالتَّاسِع قَالَ الرَّافِعِيّ : رغب فِي عِيَادَة الْمَرْضَى وَفِي إفشاء السَّلَام عَلَى الْمُسلمين وَفِي زِيَارَة القادمين . هُوَ كَمَا قَالَ ، أما الأول : فصح فِي عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من أَتَى أَخَاهُ الْمُسلم عَائِدًا مشي فِي خرفة الْجنَّة حَتَّى يجلس ؛ فَإِذا جلس غمرته الرَّحْمَة ، فَإِن كَانَ غدْوَة صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يُمْسِي ، وَإِن كَانَ مسَاء صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألف ملك حَتَّى يصبح . رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ ، وبيَّن بِذكر أَوله وَزَاد : وَكَانَ لَهُ خريف فِي الْجنَّة ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن غَرِيب . وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من عَاد مَرِيضا نَادَى مُنَاد من السَّمَاء : طبت وطاب ممشاك ، وتبوأت من الْجنَّة منزلا روياه أَيْضا . وَمِنْهَا حَدِيث ثَوْبَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن (الْمُؤمن) إِذا عَاد أَخَاهُ الْمُسلم لم يزل فِي [ خرفة ] الْجنَّة رَوَاهُ مُسلم . وَمِنْهَا حَدِيث جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من عَاد مَرِيضا لم يزل يَخُوض فِي الرَّحْمَة حَتَّى يجلس ؛ فَإِذا جلس اغتمس فِيهَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده . وَأما الثَّانِي : وَهُوَ ترغيبه فِي إفشاء السَّلَام عَلَى الْمُسلمين ، فَصَحِيح عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ ، وَقد تقدم جملَة مِمَّا ورد فِي ذَلِك فِي أَوَائِل كتاب السّير وَاضحا . وَأما الثَّالِث : فَالَّذِي يحضرني مِنْهُ فِي اسْتِحْبَاب الزِّيَارَة مُطلقًا حَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي مُسلم عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَن رجلا زار أَخا لَهُ فِي قَرْيَة أُخْرَى ، فأرصد الله [ لَهُ ] عَلَى مدرجته ملكا ، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ : أَيْن تُرِيدُ ؟ قَالَ : أُرِيد أَخا لي فِي هَذِه الْقرْيَة . قَالَ لَهُ : هَل لَك من نعْمَة ترُبُها ؟ قَالَ : لَا ؛ غير أَنِّي أحببته فِيهِ . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من عَاد مَرِيضا ، أَو زار أَخا لَهُ فِي الله ناداه مناديان : طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الْجنَّة منزلا ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَلَا يحضرني الْآن شَيْء من الْأَحَادِيث عَلَى طبق مَا ذكره المُصَنّف لَهُ .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أَن رجلا نذر أَن ينْحَر إبِلا فِي مَوضِع - سَمَّاهُ - فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل فِيهِ وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة يعبد ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أوف بِنَذْرِك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، كل رِجَاله أَئِمَّة ، مجمع عَلَى عدالتهم من رِوَايَة ثَابت بن الضَّحَّاك ، قَالَ : نذر رجل عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن ينْحَر [ إبِلا ببوانة ، فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنِّي نذرت أَن أنحر إبِلا ] ببوانة . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل كَانَ فِيهَا وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة يعبد ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَل فِيهَا عيد من أعيادهم ؟ قَالُوا : لَا . فَقَالَ رَسُول الله : أوف بِنَذْرِك ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة الله وَلَا فِيمَا لَا يملكهُ ابْن آدم . وَرَوَاهُ أَحْمد بِسَنَدِهِ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن ابْنة كردم ، عَن أَبِيهَا : أَنه سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنِّي نذرت أَن أنحر ثَلَاثَة من إبلي . فَقَالَ : إِن كَانَ عَلَى جمع من جمع الْجَاهِلِيَّة ، أَو عَلَى عيد من أعياد الْجَاهِلِيَّة ، أَو عَلَى وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة فَلَا ، وَإِن كَانَ عَلَى [ غير ] ذَلِك فَاقْض نذرك . قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن عَلَى أم هَذِه الْجَارِيَة مشيًا ، أفأمشي ، عَنْهَا ؟ قَالَ : نعم . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن عَبَّاس : أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت أَن أنحر ببوانة ؟ فَقَالَ : فِي نَفسك شَيْء من أَمر الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أوف بِنَذْرِك . وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة مَيْمُونَة بنت كردم الثقفية : أَن أَبَاهَا لَقِي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وهى رديفة كردم ، فَقَالَ : إِنِّي نذرت أَن أنحر ببوانة . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل فِيهَا وثن ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : أوف بِنَذْرِك وإسنادهما حسن . وَفِي رِوَايَة لأبي نعيم تعْيين المنحور خلاف مَا وَقع فِي مُسْند أَحْمد ، وَهَذَا لَفظه : إِنِّي نذرت أَن أذبح عددا من الْغنم . قَالَ : لَا أعلم إِلَّا [ خمسين ] شَاة عَلَى رَأس بوانة الحَدِيث . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : ذكر ابْن دحْيَة فِي كتاب الْآيَات الْبَينَات هَذَا الحَدِيث من طَرِيق أَحْمد ، وَفِيه زِيَادَة أنكرها ، فعقب ذَلِك بِأَن قَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل بِيَقِين ؛ إِذْ لم يَنْقُلهُ أحد من ثِقَات الْمُسلمين . وَهَذَا الْإِطْلَاق لَيْسَ بجيد مِنْهُ . ثَانِيهَا : بُوانة - بِضَم أَوله وبالنون عَلَى بِنَاء فعالة - : مَوضِع بَين الشَّام وَبَين ديار بني عَامر . كَذَا ضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه ، وَكَذَا الْحَازِمِي ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : بوان بِضَم الْبَاء . وَكَذَا النَّوَوِيّ فِي مُخْتَصر المبهمات قَالَ : بوانة ، أَولهَا بَاء مُوَحدَة مَضْمُومَة ، وَألف ثمَّ نون ثمَّ هَاء . وَحَكَى ابْن الْأَثِير فِي نهايته ، ثمَّ الْمُنْذِرِيّ فتح الْبَاء أَيْضا . قَالَ الْجَوْهَرِي فِي صحاحه : وَيُقَال : بوان . بِلَا هَاء ، قَالَ ابْن الْأَثِير ، ثمَّ الْمُنْذِرِيّ : وبوانة هضبة من وَرَاء يَنْبع قَرْيَة من سَاحل الْبَحْر ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ : بوانة أَسْفَل مَكَّة أَسْفَل يَلَمْلَم . ثَالِثهَا : هَذَا الرجل هُوَ كردم بن سُفْيَان ، كَمَا سلف عَن رِوَايَة ابْن ماجه ، وَقد نبه عَلَيْهِ الْخَطِيب فِي مبهماته أَيْضا . رَابِعهَا - وَهُوَ مُهِمّ - : وَهُوَ أَن صَاحب الْمُهَذّب ذكر فِي هَذَا الْموضع من كِتَابه حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن امْرَأَة قَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت أَن أذبح مَكَان كَذَا وَكَذَا - مَكَان يذبح فِيهِ أهل الْجَاهِلِيَّة - قَالَ : لصنم ؟ قَالَت : لَا . قَالَ : لوثن ؟ قَالَت : لَا . قَالَ : أوف بِنَذْرِك فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، وَلَكِن مَعْنَاهُ مَشْهُور من رِوَايَة ثَابت بن الضَّحَّاك . ثمَّ سَاق الحَدِيث السالف ، وَهَذَا من أغرب مَا اتّفق لَهُ ؛ فَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب هَذَا الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه حَدِيث ثَابت فِي كل النّسخ ، و الْأَطْرَاف للمزي وَغَيرهمَا من كتب الْأَحْكَام ؛ فَتنبه لذَلِك .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : بَيْنَمَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخْطب إِذا هُوَ بِرَجُل قَائِم فِي الشَّمْس فَسَأَلَ عَنهُ ، فَقَالُوا : أَبُو إِسْرَائِيل ، نذر أَن يقوم وَلَا يقْعد ، وَلَا يستظل وَلَا يتَكَلَّم ، ويصوم . فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : مروه فَلْيَتَكَلَّمْ وليستظل ، وليقعد وليتم صَوْمه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَلَيْسَ فِيهَا فِي الشَّمْس نعم هُوَ فِي صَحِيح ابْن حبَان ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَكلهمْ من رِوَايَة عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس . قَالَ البُخَارِيّ : رَوَاهُ عبد الْوَهَّاب ، عَن عِكْرِمَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَعْنِي : مُرْسلا . وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن حميد بن قيس وثور بن يزِيد مُرْسلا ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأَى رجلا قَائِما فِي الشَّمْس وَذكر الحَدِيث ، وَزَاد قَالَ : مَا لك فَأمره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بإتمام مَا كَانَ لله طَاعَة وَترك مَا كَانَ مَعْصِيّة ، وَلم يبلغنِي أَنه أمره بكفارة . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جريج أَخْبرنِي ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن أبي إِسْرَائِيل قَالَ : دخل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْمَسْجِد وَأَبُو إِسْرَائِيل يُصَلِّي ، [ فَقيل ] لرَسُول الله : هُوَ ذَا يَا رَسُول الله لَا يقْعد وَلَا يكلم النَّاس ، وَلَا يستظل وَهُوَ يُرِيد الصّيام . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ليقعد وليكلم النَّاس وليستظل وليصم . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن طَاوس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِأبي إِسْرَائِيل وَهُوَ قَائِم فِي الشَّمْس الحَدِيث ، وَفِي آخِره : وَلم يَأْمر بكفارة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُرْسل جيد . قَالَ : وَفِيه وَفِيمَا قبله دلَالَة عَلَى أَنه لم يَأْمُرهُ بكفارة . قَالَ : وَرَوَاهُ الْحسن بن عمَارَة عَن حبيب بن أبي ثَابت ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس بِمثلِهِ ، وَفِي آخِره : وَلم يَأْمُرهُ بِالْكَفَّارَةِ . وَرُوِيَ [ عَن ] مُحَمَّد بن كريب عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس ، وَفِيه الْأَمر بِالْكَفَّارَةِ ، وَمُحَمّد بن كريب ضَعِيف . ثمَّ ذكره بِإِسْنَادِهِ ، وَفِي آخِره : فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اقعد واستظل وَتكلم وَكفر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا وجدته : وَكفر ، وَعِنْدِي أَن ذَلِك خطأ وتصحيف ، وَإِنَّمَا هُوَ وصم كَمَا فِي سَائِر الرِّوَايَات . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة إِسْحَاق بن مُحَمَّد الْفَروِي ، نَا عبد الله بن عمر ، عَن أَخِيه عبيد الله بن عمر ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِرَجُل قَائِم فِي الشَّمْس ، فَقَالَ : مَا هَذَا الحَدِيث ، عبد الله - المكبر فِيهِ - ضَعِيف ، وَرَوَى لَهُ مُسلم مَقْرُونا ، وَقَالَ ابْن معِين : صُوَيْلِح . وَتكلم فِيهِ غَيره ، والاعتماد فِي طرق هَذَا الحَدِيث عَلَى مَا تقدم . (فَائِدَة) أَبُو إِسْرَائِيل الْمَذْكُور فِي الحَدِيث قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي المبهمات : هُوَ أَبُو إِسْرَائِيل العامري ، قيل : اسْمه : قَيْصر . قَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْبَصْرِيّ : لَيْسَ فِي أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من كنيته أَبُو إِسْرَائِيل غير هَذَا ، وَلَا من اسْمه : قَيْصر . غَيره ، وَلَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث . قلت : وَقيل اسْمه قُشَيْر ، قَالَه المنيعي ، وَلَعَلَّه الشَّيْخ زكي الدَّين فِي حَوَاشِي السّنَن عَن أبي الْقَاسِم الْبَغَوِيّ ، وَابْن [ معن ] فِي التنقيب عَن أبي نعيم ، وَقَالَهُ أَيْضا الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة وَهَذَا نَصه : قُشَيْر أَبُو إِسْرَائِيل الَّذِي نذر أَن يَصُوم وَلَا يتَكَلَّم وَيقوم فِي الشَّمْس . ذكره الْبَغَوِيّ وَسَماهُ قشيرًا ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : نذر أَبُو إِسْرَائِيل قُشَيْر رَوَاهُ كريب عَنهُ ، وَوَقع فِي بعض نسخ الْمُهَذّب : ابْن إِسْرَائِيل ، وَهُوَ غلط ، وَالصَّوَاب أَبُو إِسْرَائِيل ، كَمَا وَقع فِي بعض نسخه ، نبه عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب وَغَيره .
كتاب النَّذر كتاب النَّذر ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث عشْرين حَدِيثا : الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من نذر أَن يطيع الله فليطعه ، وَمن نذر أَن يعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، كَذَلِك من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . زَاد الطَّحَاوِيّ : وليكفر عَن يَمِينه ، قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذِه الزِّيَادَة عِنْدِي مَشْكُوك فِي [ رَفعهَا ] .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَن الْمُشْركين استاقوا سرح الْمَدِينَة وَفِيه العضباء نَاقَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وأسروا امْرَأَة من الْأَنْصَار ، فَلَمَّا نَامُوا قَامَت وَركبت العضباء ، ونذرت لَئِن نجاها الله عَلَيْهَا لتنحرنها ، فَلَمَّا أَتَت الْمَدِينَة أخْبرت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بذلك ، فَأخذ النَّاقة وَقَالَ : لَا نذر فِيمَا لَا يملك ابْن آدم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة عمرَان بن الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي بَاب الْأمان .
الحَدِيث السَّادِس عشر عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رجلا قَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت إِن فتح الله عَلَيْك مَكَّة أَن أُصَلِّي فِي بَيت الْمُقَدّس رَكْعَتَيْنِ . فَقَالَ : صل هَا هُنَا . فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : صل هَا هُنَا - ثَلَاثًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَجزم بِكَوْنِهِ عَلَى شَرط مُسلم الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي آخر الاقتراح ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور للبيهقي إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره : فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فشأنك إِذا ، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم : قَالَ ذَلِك مرّة وَاحِدَة زَاد أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ : فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ ، لَو صليت هَا هُنَا لأجزأ عَنْك صَلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَلَفظه : عَن إِبْرَاهِيم بن عمر [ قَالَ : سَمِعت عَطاء ] بن أبي رَبَاح [ قَالَ ] : جَاءَ الشريد إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْفَتْح ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي نذرت إِن الله - عَزَّ وَجَلَّ - فتح عَلَيْك مَكَّة أَن أُصَلِّي فِي بَيت الْمُقَدّس . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَا هُنَا (أفضل) ثَلَاث مَرَّات . فَائِدَة : قَوْله : شَأْنك هُوَ مَنْصُوب ، أَي : الزم شَأْنك ؛ أَي : إِن أَن تَفْعَلهُ فافعله . فَائِدَة أُخْرَى : هَذَا الرجل اسْمه : الشريد بن سُوَيْد الثَّقَفِيّ ، كَذَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ السالفة ، وَكَذَا قَالَه الْخَطِيب فِي مبهماته ، وَالنَّوَوِيّ فِي مختصرها ، وَابْن معن فِي تنقيبه عَلَى الْمُهَذّب قَالَ : وَهُوَ الَّذِي أردفه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَلفه ، واستنشده فِي شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت فَأَنْشد مائَة قافية .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حج رَاكِبًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح متكرر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة ، وَمِنْهَا حَدِيث أنس فِي صَحِيح البُخَارِيّ : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حج عَلَى رَحل (وَكَانَ) زاملته .
الحَدِيث الْعشْرُونَ حَدِيث الرواح فِي السَّاعَة الأولَى فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة الحَدِيث . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَقد سلف فِي بَابه .
الحَدِيث الثَّالِث عشر اشْتهر عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ لعَائِشَة : أجرك عَلَى قدر نصبك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَنهُ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد رَوَاهُ كَذَلِك البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَفِي رِوَايَة : عَلَى قدر عنائك ونصبك ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه رَوَى عَنْهَا : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهَا فِي [ عمرتها ] : إِن لَك [ من ] الْأجر عَلَى قدر نصبك ونفقتك ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَله شَاهد صَحِيح فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهَا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا : إِنَّمَا أجرك فِي عمرتك عَلَى قدر نَفَقَتك .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّمَا النّذر مَا ابْتغِي بِهِ وَجه الله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا نذر إِلَّا فِيمَا يبتغى بِهِ وَجه الله - تَعَالَى - وَلَا يَمِين فِي قطيعة رحم ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نظر إِلَى أَعْرَابِي قَائِم فِي الشَّمْس وَهُوَ يخْطب فَقَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : نذرت يَا رَسُول الله ، أَن لَا أَزَال فِي الشَّمْس حَتَّى تفرغ فَقَالَ رَسُول الله : لَيْسَ هَذَا نذرا ، إِنَّمَا النّذر مَا ابْتغِي بِهِ وَجه الله ! ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : لَا نذر إِلَّا فِيمَا ابْتغِي [ بِهِ ] وَجه الله ، وَفِي رِوَايَة لَهُ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أدْرك رجلَيْنِ وهما مقترنان يمشيان إِلَى الْبَيْت ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا بَال الْقرَان ؟ قَالَا : يَا رَسُول الله ، نذرنا أَن نمشي إِلَى الْبَيْت مقترنين . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ هَذَا نذرا - فَقطع قرانهما - إِنَّمَا النّذر مَا ابْتغِي بِهِ وَجه الله ، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ : أَن امْرَأَة أبي ذَر جَاءَت عَلَى الْقَصْوَاء - رَاحِلَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى أناخت عِنْد الْمَسْجِد ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، نذرت لَئِن نجاني الله عَلَيْهَا لآكلن من كَبِدهَا وسنامها . قَالَ : بئس مَا جزيتيها ، لَيْسَ هَذَا نذرا إِنَّمَا النّذر مَا ابْتغِي بِهِ وَجه الله .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أَن أُخْت عقبَة نذرت أَن تحج مَاشِيَة ، فَسئلَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقيل : إِنَّهَا [ لَا ] تطِيق ذَلِك ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فلتركب ولتهد هَديا . وَفِي رِوَايَة بَدَنَة . هَذَا الحَدِيث أَصله فِي الصَّحِيحَيْنِ من طَرِيق أبي الْخَيْر [ عَن ] عقبَة بن عَامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : نذرت أختي أَن تمشي إِلَى بَيت الله ، وأمرتني أَن أستفتي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : لتمش ولتركب . وَمَعْنَاهُ - وَالله أعلم - : لتمش إِذا قدرت وتركب إِذا عجزت أَو شقّ عَلَيْهَا الْمَشْي . وَكَذَا ترْجم لَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَله طَرِيق آخر أوضحتها فِي شرحي للعمدة فَرَاجعهَا مِنْهُ تَجِد مَا يشفي العليل . فَائِدَة : أُخْت عقبَة هِيَ أم حبَان - بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة ، ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ نون - بنت عَامر أسلمت وبايعت ، أغفلها ابْن عبد الْبر فِي استيعابه واستدركته عَلَيْهِ ، أَفَادَهُ الْمُنْذِرِيّ وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي مُعْجَمه . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر أُخْت عقبَة بن عَامر ، وَقد نذرت أَن تمشي بِحَجّ أَو عمْرَة ، وَهَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة لَا يحضرني من خرجها بعد الْبَحْث عَنْهَا .
خَاتِمَة : قَالَ الرَّافِعِيّ - قبل الحَدِيث الثَّانِي عشر - : إِذا نذر صَوْم بعض يَوْم ، هَل ينْعَقد نَذره ؟ فِيهِ وَجْهَان : أصَحهمَا : الْمَنْع ، وَبَنَى الْمُتَوَلِي الْمَسْأَلَة عَلَى أَن المتنفل إِذا نَوى الصَّوْم نَهَارا يكون صَائِما من وَقت النِّيَّة ، أَو من ابْتِدَاء النَّهَار ، فَإِن قُلْنَا الأول انْعَقَد نَذره ، وَإِن قُلْنَا الثَّانِي ؛ فَوَجْهَانِ أَحدهُما : لَا ، وَثَانِيهما : نعم ؛ لِأَنَّهُ ورد أَنه نذر بإمساك بعض النَّهَار [ كَمَا ] فِي حق من أصبح مُفطرا يَوْم الشَّك ثمَّ بَان أَنه من رَمَضَان . هَذَا آخر مَا ذكره . وَترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بَاب من أصبح يَوْم الشَّك لَا يَنْوِي الصَّوْم ، ثمَّ علم أَنه من رَمَضَان أمسك بَقِيَّة يَوْمه اسْتِدْلَالا بِحَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث رجلا من أسلم إِلَى قومه يَوْم عَاشُورَاء ، فَقَالَ : مرهم فليصوموا [ هَذَا الْيَوْم ] فَقَالَ : [ يَا ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا [ أَرَانِي آتيهم ] حَتَّى يطعموا ! فَقَالَ : من طعم مِنْهُم فليصم بَقِيَّة يَوْمه رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَرَوَاهُ مُسلم من وَجه آخر عَن يزِيد . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ فِي الحَدِيث أَنه أَمر بِالْقضَاءِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن مسلمة عَن عَمه أَن أسلم أَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم عَاشُورَاء ، فَقَالَ : صمتم يومكم هَذَا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَأتمُّوا بَقِيَّة يومكم واقضوه ، هَذَا مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء قَالَت : أرسل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَدَاة عَاشُورَاء إِلَى قرَى الْأَنْصَار الَّتِي حول الْمَدِينَة : من كَانَ أصبح صَائِما فليتم صَوْمه ، وَمن كَانَ أصبح مُفطرا فليتم بَقِيَّة يَوْمه . وَكُنَّا بعد ذَلِك نصومه ونصوم صبياننا الصغار . قَالَ الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنه من تعين عَلَيْهِ صَوْم يَوْم وَلم يُنَوّه لَيْلًا أَن يُجزئهُ نَهَارا قبل الزَّوَال . وَفِيمَا ذكره نظر .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد : الْمَسْجِد الْحَرَام ، ومسجدي هَذَا ، وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى . هَذَا الحَدِيث أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : إِنَّمَا يُسَافر إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد : مَسْجِد الْكَعْبَة ، ومسجدي ، وَمَسْجِد إيلياء . فَائِدَة : أَكثر الرِّوَايَات : لَا تشد الرّحال بِضَم التَّاء ، عَلَى مَا لم يسم فَاعله . وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن أبي سعيد : لَا تشدوا فَسَمَّى الْفَاعِل .
الحَدِيث الثَّامِن عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا تعدل ألف صَلَاة فِي غَيره ، وَصَلَاة فِي إيلياء تعدل ( 500 ) صَلَاة فِي غَيره ، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل مائَة ألف صَلَاة فِي غَيره . هَذَا الحَدِيث كَذَا ذكره الْغَزالِيّ فِي وسيطه ، وَلَا نعلم هَذَا فِي حَدِيث وَاحِد . وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : إن الْغَزالِيّ سَاقه مساق حَدِيث وَاحِد ، قَالَ : وَهُوَ هَكَذَا بِتَمَامِهِ غير ثَابت - فِيمَا أعلم - أما الصَّلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام . وَفِي صَحِيح مُسلم من ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عبد الْبر : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِي غَيره إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام ؛ فَإِنَّهُ أفضل مِنْهُ بِمِائَة صَلَاة . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث جَابر بِلَفْظ مُسلم ، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث مَيْمُونَة بنت الْحَارِث مثل حَدِيث ابْن عمر . وَأما الصَّلَاة فِي مَسْجِد إيلياء - وَهُوَ الْبَيْت الْمُقَدّس - فَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث مَيْمُونَة بنت سعد - وَيُقَال : بنت سعيد - مولاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنَّهَا قَالَت : قلت : يَا رَسُول الله : أَفْتِنَا فِي بَيت الْمُقَدّس ؟ قَالَ : أَرض الْمَحْشَر والمنشر ، ائتوه فصلوا فِيهِ ؛ فَإِن صَلَاة فِيهِ كألف صَلَاة فِي غَيره . قلت : أَرَأَيْت إِن لم أستطع أَن أحمل إِلَيْهِ ؟ قَالَ : فتهدي إِلَيْهِ زيتًا يسرج فِيهِ . وَلم يذكر فضل الصَّلَاة . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب بِلَفْظ : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن بَيت الْمُقَدّس ، قَالَ : نعم السكن بَيت الْمُقَدّس ، وَمن صَلَّى فِيهِ صَلَاة بِأَلف صَلَاة فِيمَا سواهُ وَقَالَت : فَمن لم يطق ذَلِك ؟ قَالَ : فليهد لَهُ زيتًا . وَفِي سنَن ابْن مَاجَه ، و كنى الْحَاكِم أبي أَحْمد من حَدِيث أنس بن مَالك عَنهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : صَلَاة الرجل فِي بَيته بِصَلَاة ، وَصلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين صَلَاة ، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يجمع فِيهِ بِخَمْسِمِائَة صَلَاة ، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة ، وَصلَاته فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة ، وَصَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا بِخَمْسِينَ ألف صَلَاة . وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي تلخيصه بِلَفْظ : صَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة ، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِخَمْسِينَ صَلَاة ، وَالصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الَّذِي تجمع فِيهِ الْجُمُعَة بِخمْس وَعشْرين ألف صَلَاة ، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخمْس وَعشْرين ألف صَلَاة ، وَرَوَاهُ فِي غير هَذَا الْكتاب بِلَفْظ : وَصَلَاة فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بست وَعشْرين ألف صَلَاة ، وَفِي إِسْنَاده رُزَيْق - بِتَقْدِيم الرَّاء الْمُهْملَة - الْأَلْهَانِي . قَالَ أَبُو زرْعَة : فَلَا بَأْس بِهِ . نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي مُقْتَصرا . وَقَالَ ابْن حبَان فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء : ينْفَرد بالأشياء الَّتِي لَا تشبه حَدِيث الْأَثْبَات لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَّا عِنْد الْوِفَاق ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ، وَقَالَ الْخَطِيب : رُزَيْق هَذَا فِي عداد المجهولين . قلت : وَرَأَيْت ابْن حبَان ذكره فِي ثقاته ، والراوي عَن رُزَيْق لَا يعرف ، وَهُوَ أَبُو الْخطاب حَمَّاد . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه : لَيْسَ بالمشهور . وَوَقع فِي كَلَام ابْن بدر الْموصِلِي الْحَنَفِيّ أَمر غَرِيب ، فَقَالَ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى بالمغني عَن الْحِفْظ وَالْكتاب بقَوْلهمْ لم يَصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب : بَاب فَضَائِل بَيت الْمُقَدّس والصخرة وعسقلان وقزوين ، ثمَّ قَالَ : لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غير ثَلَاثة أَحَادِيث فِي بَيت الْمُقَدّس : أَحدهَا : لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثة مَسَاجِد . ثَانِيهَا : أَنه سُئِلَ عَن أول بَيت وضع فِي الأَرْض ، فَقَالَ : الْمَسْجِد الْحَرَام . ثمَّ قيل : مَاذَا ؟ قَالَ : الْمَسْجِد الْأَقْصَى ، قيل : كم بَينهمَا ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ عَاما . ثَالِثهَا : إِن الصَّلَاة تعدل فِيهِ سَبْعمِائة صَلَاة . كَذَا قَالَ ، وَفِي الثَّالِث ، وَفِيه : بل لَا أعلمهُ ورد عوضا عَن صِحَة . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ عَن عبد الله بن الصَّامِت ، عَن أبي ذَر مَرْفُوعا : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من أَربع صلوَات فِي بَيت الْمُقَدّس ، وَكَذَا اخْتِلَافا فِي إِسْنَاده ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم كَذَلِك ، وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَن تكون الصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس بمائتين وَخمسين صَلَاة . وَرَوَى ابْن عدي فِي كَامِله من حَدِيث يَحْيَى بن أبي حَيَّة ، عَن عُثْمَان [ بن ] الْأسود ، عَن مُجَاهِد ، عَن جَابر مَرْفُوعا : الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة ، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِأَلف صَلَاة ، وَفِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة صَلَاة . وَقد افْتَرَقت أَقْوَال الْأَئِمَّة فِي يَحْيَى هَذَا (فِي الصَّلَاة) ، وَأما الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فقد تقدم فِيهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر ومَيْمُونَة ، وَرَوَى الإِمَام أَحْمد ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عبد الله بن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام ، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة صَلَاة فِي مَسْجِدي . وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من رِوَايَة أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا : الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام بِمِائَة ألف صَلَاة ، وَالصَّلَاة فِي مَسْجِدي بِأَلف صَلَاة ، وَالصَّلَاة فِي بَيت الْمُقَدّس خَمْسمِائَة صَلَاة ، وَسَنَده مُحْتَمل ، وَفِيه عَن عطاف بن خَالِد ، عَن عُثْمَان بن عبد الله بن الأرقم ، عَن جده الأرقم مَرْفُوعا : صَلَاة (هُنَا) خير من ألف صَلَاة ثمَّ . يَعْنِي : مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس . قَالَ ابْن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد : هَذَا حَدِيث ثَابت لَا مطْعن لأحد فِيهِ . قَالَ الرَّافِعِيّ : قَالَ الْإمَام : كَانَ شَيْخي يَقُول : لَو نذر صَلَاة فِي الْكَعْبَة فَصَلى فِي أَطْرَاف الْمَسْجِد الْحَرَام خرج عَن النّذر ، وَإِن الزِّيَادَة الَّتِي رويت فِي الحَدِيث السَّابِق - يَعْنِي : الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ أَولا أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَصَلَاة فِي الْكَعْبَة تعدل مائَة ألف صَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام . لم يصححها الْأَثْبَات ؛ فَلَا تعويل عَلَيْهَا وَالْعلم عِنْد الله . انْتَهَى . وَهَذِه الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة غَرِيبَة جدًّا وبعيدة أَيْضا ، نعم فِي سنَن النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ من الْمَسَاجِد إِلَّا الْكَعْبَة ، وَفِيه أَيْضا من حَدِيث مَيْمُونَة مَرْفُوعا صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ [ من الْمَسَاجِد ] إِلَّا الْمَسْجِد الْكَعْبَة . خَاتِمَة : نقل ابْن دحْيَة فِي كتاب التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير أَنه حسب الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام عَلَى رِوَايَة ابْن عمر وَابْن الزبير ، فبلغت صَلَاة وَاحِدَة فِيهِ عمر خمس وَخمسين سنة وَسِتَّة أشهر وَعشْرين لَيْلَة ، وَصَلَاة يَوْم وَلَيْلَة فِيهِ مِائَتي وَسبع وَسبعين سنة وَتِسْعَة أشهر وَعشر لَيَال ، وَهَذَا قد سبقه بِهِ أَبُو بكر النقاش ؛ فَإِنَّهُ لما رَوَى عَن أَحْمد بن فياض ، ثَنَا أَبُو أَحْمد أَخُو الإِمَام ، ثَنَا عبد الله بن عَمْرو ، عَن عبد الْكَرِيم ، عَن عَطاء ، عَن جَابر - رَفعه - : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام ، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة ألف صَلَاة . قَالَ : فَحسب ذَلِك عَلَى هَذِه الرِّوَايَة فَذكر مثله حرفا بِحرف ، ذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فِي الْحَج ، وَقَوله : عَن عبد الله بن عَمْرو خطأ ، صَوَابه : عبيد الله - بِالتَّصْغِيرِ - وَحَدِيث جَابر هَذَا أخرجه أَحْمد فِي الْمسند بِإِسْنَاد صَحِيح ، فَقَالَ أَحْمد : [ ثَنَا ] ابْن عبد الْملك ، حَدثنَا عبيد الله ، عَن عبد الْكَرِيم ، عَن عَطاء ، عَن جَابر مَرْفُوعا : صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا أفضل من ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام ، وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من مائَة ألف صَلَاة فِيمَا سواهُ ، وَعبد الْكَرِيم هُوَ ابْن مَالك الْجَزرِي ، أحد الثِّقَات .
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا اجْتهد فِي الْيَمين قَالَ : لَا ، وَالَّذِي نَفْس أبي الْقَاسِم بِيَدِهِ ، أَو نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا اجْتهد فِي الْيَمين قَالَ : لَا ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ، وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ ، وَمن ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ، لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا الثَّابِت فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ ، لَو أَن عِنْدِي ملْء أحد ذَهَبا لأحببت أَن لَا يَأْتِي عَلّي ثَلَاث لَيَال وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار أجد من يقبله ، إِلَّا شَيْء أرصده لدين عَلّي . وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث المستفيضة الْمَعْرُوفَة .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْيَمين عَلَى من أنكر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا لَو أعطي النَّاس بدعواهم لادعى رجال دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ ، وَلَكِن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى من أنكر ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَن ابْن عَبَّاس ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ ، وَلمُسلم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لادعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ وَلَكِن الْيَمين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْكَبَائِر : الْإِشْرَاك بِاللَّه ، وعقوق الْوَالِدين ، وَقتل النَّفس ، وَالْيَمِين الْغمُوس . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَن أعرابيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : مَا الْكَبَائِر يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : الْإِشْرَاك [ بِاللَّه ] قَالَ : ثمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : [ عقوق الْوَالِدين . قَالَ ثمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ] الْيَمين الْغمُوس . قلت : وَمَا الْيَمين الْغمُوس ؟ قَالَ : الَّذِي يقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم - يَعْنِي : يَمِين هُوَ فِيهَا كَاذِب . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي أُمَامَة عَن عبد الله بن أنيس - الْجُهَنِيّ مَرْفُوعا : من أكبر الْكَبَائِر : الْإِشْرَاك بِاللَّه ، وعقوق الْوَالِدين ، وَالْيَمِين الْغمُوس ، مَا حلف حَالف بِاللَّه يَمِين صَبر (فأحل مِنْهَا) مثل جنَاح الْبَعُوضَة إِلَّا جعلهَا الله [ نُكْتَة ] فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي هَذَا : حَدِيث حسن غَرِيب ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان - تبعا لِلتِّرْمِذِي - : أَبُو أُمَامَة هَذَا قد رَوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يعرف اسْمه . قلت : بلَى اسْمه : إِيَاس بن ثَعْلَبَة ، وَقيل : عبد الله ، وَقيل غير ذَلِك ، قَالَ : وَفِيه أَيْضا : هِشَام بن سعد . قلت : قد أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِدُونِهِ أخرجه [ عَن ] عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق ، عَن مُحَمَّد بن زيد ، عَن عبد الله بن أبي أُمَامَة ، عَن عبد الله بن أنيس - رَفعه - : من أكبر الْكَبَائِر : الْإِشْرَاك بِاللَّه ، وعقوق الْوَالِدين ، وَالْيَمِين الْغمُوس ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ، لَا يحلف رجل عَلَى مثل جنَاح بعوضة إِلَّا كَانَت لَهُ كيَّة فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة .
كتاب الْأَيْمَان كتاب الْأَيْمَان ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا . أما الْأَحَادِيث فستة وَعِشْرُونَ حَدِيثا : الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَالله لأغزون قُريْشًا وَفِي رِوَايَة قَالَ ذَلِك ، وَفِي رِوَايَة قَالَ ذَلِك ثَلَاثًا - ثمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة : إِن شَاءَ الله . هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة عِكْرِمَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَالله لأغزون قُريْشًا [ قَالَهَا ثَلَاثًا ] ، ثمَّ قَالَ : إِن شَاءَ الله ، وَذكر أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، (وَابْن حبَان فِي غير صَحِيحه ) أَنه أسْندهُ غير وَاحِد عَن عِكْرِمَة عَن [ ابْن ] عَبَّاس ، وَأخرجه فِي صَحِيحه من حَدِيث معمر عَن سماك ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه فَذكره بِمثلِهِ سَوَاء إِلَّا أَنه قَالَ فِي آخِره : ثمَّ سكت فَقَالَ : إِن شَاءَ الله ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد عَن عِكْرِمَة - يرفعهُ - أَنه قَالَ : وَالله لأغزون قُريْشًا ، ثمَّ قَالَ : إِن شَاءَ الله ، [ ثمَّ قَالَ : وَالله لأغزون قُريْشًا إِن شَاءَ الله ، ثمَّ قَالَ : وَالله لأغزون قُريْشًا . ثمَّ سكت ، ثمَّ قَالَ : ] إِن شَاءَ الله ، زَاد فِيهِ بعض الروَاة : ثمَّ لم يغزهم ، وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من هَذِه الطّرق ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : الْأَشْبَه إرْسَاله . وَكَذَا قَالَ عبد الْحق : الصَّحِيح أَنه مُرْسل ، وَأَن الرِّوَايَة الموصولة ضَعِيفَة ؛ لِأَن فِيهَا عبد الْوَاحِد بن صَفْوَان عَن عِكْرِمَة ، وَهُوَ لَيْسَ [ حَدِيثه ] بِشَيْء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يحْتَمل أَن يكون النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِن صَحَّ هَذَا عَنهُ - يَعْنِي حَدِيث عِكْرِمَة الْأَخير - لم يقْصد رد الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْيَمين ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك امتثالاً (لكتابه) . وَأخرجه ابْن حبَان فِي تَارِيخه الضُّعَفَاء من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْبَلْخِي ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر - رَفعه - وَقَالَ فِي الثَّالِثَة : إِن شَاءَ الله ثمَّ قَالَ : مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْبَلْخِي يروي المقلوبات عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات كَأَنَّهُ كالمتعمد ، لَا يكْتب حَدِيثه إِلَّا للاعتبار ، وَقَالَ : لَيْسَ هُوَ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة ، وَهَذَا شَيْء رَوَاهُ مسعر وَشريك عَن سماك ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، أَرْسلَاهُ مرّة ورفعا أُخْرَى ، وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ : مُحَمَّد هَذَا لم يكن [ يوثق ] فِي علمه ، كَانَ قُتَيْبَة يذكرهُ بِأَسْوَأ الذّكر وَيَقُول : حدثت أَنه شتم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالْكُوفَةِ فَطلب فهرب .
الحَدِيث السَّابِع عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بِسبع : بعيادة الْمَرِيض ، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز ، وتشميت الْعَاطِس ، ورد السَّلَام ، وَإجَابَة الدَّاعِي ، وإبرار الْقسم ، وَنصر الْمَظْلُوم . وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا وَقد تقدم فِي كتاب السّير .
الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ كثيرا مَا يحلف فَيَقُول : لَا ، ومقلب الْقُلُوب . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَلَفظه : أَكثر مَا كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يحلف : لَا ، ومقلب الْقُلُوب وأرسله مَالك قَالَ : بَلغنِي أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول : لَا ، ومقلب الْقُلُوب ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مُسْندًا ، وَلَفظه الْأَوَّلين : كثيرا مَا كَانَ يحلف بِهَذِهِ الْيَمين : لَا ، ومقلب الْقُلُوب ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : أَكثر مَا كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يحلف بِهَذِهِ الْيَمين : لَا ، ومقلب الْقُلُوب . وَلَفظ النَّسَائِيّ : كَانَت يَمِين يحلف عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا ، ومقلب الْقُلُوب ، وَفِي رِوَايَة لَهُ كَانَت يَمِين رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الَّتِي يحلف بهَا لَا ، ومصرف الْقُلُوب . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه : كَانَت أَكثر أَيْمَان النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا ، ومصرف الْقُلُوب .
الحَدِيث الثَّامِن أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ : إِن شَاءَ الله ، لم يَحْنَث . هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن ماجه فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيق عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن [ ابْن ] طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لِلتِّرْمِذِي ، وَلَفظ النَّسَائِيّ : من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ : إِن شَاءَ الله ، فقد اسْتثْنى وَلَفظ ابْن مَاجَه : من حلف فَقَالَ : إِن شَاءَ الله ، فَلهُ ثنياه ، وَلَفظ ابْن حبَان : من حلف فَقَالَ : إِن شَاءَ الله ، فقد اسْتثْنى ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل - يَعْنِي : البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيث خطأ ، أَخطَأ فِيهِ عبد الرَّزَّاق ، اخْتَصَرَهُ من حَدِيث معمر عَن ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن سُلَيْمَان بن دَاوُد قَالَ : لأطوفن اللَّيْلَة عَلَى سبعين امْرَأَة ، تَلد كل امْرَأَة غُلَاما فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلم تَلد امْرَأَة مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَة نصف غُلَام ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو قَالَ : إِن شَاءَ الله لَكَانَ كَمَا قَالَ . رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي السّنَن المأثورة عَنهُ للمزني ، وَأحمد فِي مُسْنده وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ : إِن شَاءَ الله . فَلَا حنث عَلَيْهِ هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ ، وَلَفظ البَاقِينَ - خلا أَحْمد - : من حلف عَلَى يَمِين فَقَالَ : إِن شَاءَ الله فقد اسْتثْنى ، وَفِي رِوَايَة لَهُم : من حلف عَلَى يَمِين فاستثنى ، فَإِن شَاءَ رَجَعَ وَإِن شَاءَ ترك غير حنث ، وَلَفظ أَحْمد : إِذا حلف الرجل فَقَالَ : إِن شَاءَ الله فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، إِن شَاءَ فليمض وَإِن شَاءَ فليترك ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . قَالَ : وَقد رَوَاهُ [ عبيد الله ] بن عمر وَغَيره عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَوْقُوفا ، وَهَكَذَا رُوِيَ ، عَن سَالم ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . قلت : وَقد أخرجه مَالك فِي موطئِهِ مَوْقُوفا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَلَا نعلم أحدا رَفعه غير أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم : كَانَ أَيُّوب أَحْيَانًا يرفعهُ وَأَحْيَانا لَا يرفعهُ . قلت : وَأَيوب ثِقَة إِمَام مجمع عَلَى جلالته ، فَلَا يضر تفرده بِالرَّفْع عَلَى أَنه لم ينْفَرد ؛ فقد رَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة وَعبد الله بن عمر ، وحبان بن عَطِيَّة ، وَكثير بن فرقد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَا يَصح رَفعه إِلَّا من جِهَة أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، وَأَيوب يشك فِيهِ أَيْضا ، وَرَوَاهُ الْجَمَاعَة من أوجه صَحِيحَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر من قَوْله غير مَرْفُوع . قلت : وَلما رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث كثير بن فرقد ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : من حلف عَلَى يَمِين ثمَّ قَالَ : إِن شَاءَ الله فَإِن لَهُ ثنياه قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَلم يُخرجهُ هَكَذَا ، وَلما أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أَيُّوب ، عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : من حلف فَقَالَ : إِن شَاءَ الله فقد اسْتثْنى ، ثمَّ قَالَ : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ . ثمَّ أخرج عَن شَيْخه ابْن خُزَيْمَة بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن وهب ، عَن سُفْيَان ، عَن أَيُّوب بن مُوسَى ، عَن نَافِع ، وَلَفظه فَقَالَ : إِن شَاءَ الله لم يَحْنَث ، ثمَّ أخرج من حَدِيث عبد الْوَارِث بن سعيد ، ثَنَا أَيُّوب ، عَن نَافِع ، وَلَفظه : من حلف فاستثنى فَهُوَ بِالْخِيَارِ ؛ إِن شَاءَ أَمضَى وَإِن شَاءَ ترك غير حنث .
وَأما الْأَثر الثَّانِي : فَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ فِي أَوَائِله فِي آخر بَاب الْعلم من حَدِيث مُصعب بن سعد أَن حَفْصَة قَالَت لَهُ : أَلا تلبس ثوبا أَلين من ثَوْبك ، وتأكل طَعَاما أطيب من طَعَامك هَذَا ، وَقد فتح الله عَلَيْك الْأَمر ، وأوسع عَلَيْك الرزق ! فَقَالَ : سأخاصمك إِلَى نَفسك . فَذكر أَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمَا كَانَ [ يلقى ] من شدَّة الْعَيْش فَلم [ يزل يُنكر ] حَتَّى بَكت ، فَقَالَ : إِنِّي قد قلت : لأشاركنهما فِي مثل عيشهما الشَّديد ؛ لعَلي أدْرك مَعَهُمَا عيشهما الرخي ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرطهمَا ؛ فَإِن مُصعب بن سعد كَانَ يدْخل عَلَى أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ من كبار التَّابِعين و [ من ] أَوْلَاد الصَّحَابَة . وَاعْترض عَلَيْهِ الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره للمستدرك فَقَالَ : فِي هَذَا الحَدِيث انْقِطَاع . قلت : وَهُوَ قَول مُصعب بن سعد ، أَن حَفْصَة قَالَت ؛ فَإِن ثَبت سَمَاعه مِنْهَا فَلَا اعْتِرَاض إِذن . فِي الْمُسْتَدْرك أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر : أَن عمر رَأَى فِي يَد جَابر بن عبد الله درهما فَقَالَ لَهُ : مَا هَذَا الدِّرْهَم ؟ ! قَالَ : أُرِيد أَن أشْترِي لأهلي بدرهم لَحْمًا [ فرموا إِلَيْهِ ] فَقَالَ عمر : أكل مَا اشتهيتم اشتريتموه ؟ ! فَمَا يُرِيد أحدكُم أَن يطوي بَطْنه لِابْنِ عَمه وجاره ، أَيْن تذْهب عَنْكُم هَذِه الْآيَة : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا إِلَى قَوْله : بِهَا ؟ ! وَلم يتَكَلَّم عَلَيْهِ ، وَفِي سَنَده الْقَاسِم بن عبد الله الْعمريّ وَهُوَ واه .
وَمَا ذكر فِيهِ من الْآثَار ثَلَاثَة : أَحدهَا : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَنَّهَا سُئِلت [ عَمَّن ] جعل مَاله فِي رتاج الْكَعْبَة إِن كلم ذَا قرَابَة لَهُ ، فَقَالَت : يكفر [ مَا يكفر ] الْيَمين . وَثَانِيهَا : عَن عمر رَضِي الله [ عَنهُ ] أَنه قيل لَهُ : لَو لينت طَعَامك وشرابك ! فَقَالَ : سَمِعت الله - تَعَالَى - يَقُول لأقوام : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا . وَثَالِثهَا : عَن عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه سُئِلَ : هَل تُجزئ القلنسوة فِي الْكَفَّارَة ؟ فَقَالَ : إِذا وَفد عَلَى الْأَمِير فَأَعْطَاهُمْ قلنسوة قيل : قد كساهم . أما الْأَثر الأول : فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة ، عَن عَائِشَة فَذكره بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَذكره ابْن السكن فِي صحاحه وَلَفظه عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت : من جعل مَاله فِي سَبِيل الله أَو فِي رتاج الْكَعْبَة فكفارته كَفَّارَة يَمِين ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن سعيد بن الْمسيب أَن أَخَوَيْنِ من الْأَنْصَار كَانَ بَينهمَا مِيرَاث ، فَسَأَلَ أَحدهمَا صَاحبه الْقِسْمَة فَقَالَ : إِن عدت تَسْأَلنِي الْقِسْمَة فَكل مَالِي فِي رتاج الْكَعْبَة . فَقَالَ لَهُ عمر : إِن الْكَعْبَة غنية عَن مَالك ، كفر عَن يَمِينك وكلم أَخَاك ، سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا يَمِين عَلَيْك ، وَلَا نذر فِي مَعْصِيّة الرب ، وَلَا فِي قطيعة الرَّحِم ، وَلَا فِيمَا لَا يملك ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم : قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : سعيد بن الْمسيب عَن عمر عندنَا حجَّة ؛ قد رَأَى عمر وَسمع مِنْهُ ، إِذا لم يقبل سعيد عَن عمر فَمن يقبل ؟ ! وَقَالَ مَالك وَيَحْيَى بن معِين : لم يسمع مِنْهُ . وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن أَيُّوب بن مُوسَى ، عَن مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن الحَجبي ، عَن أمه ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا سُئِلت عَن رجل قَالَ : مَالِي فِي رتاج الْكَعْبَة . فَقَالَت عَائِشَة : يكفر مَا يكفر الْيَمين . فَائِدَة : الرتاج : الْبَاب ، وَقَوله فِي رتاج الْكَعْبَة أَي : للكعبة ، وكنى عَنْهَا بِالْبَابِ ؛ لِأَن مِنْهُ يدْخل إِلَيْهَا ، وَجمع الرتاج : رتج ، ككتاب وَكتب .
وَأما الْأَثر الثَّالِث : فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه أَن رجلا حَدثهُ أَنه سَأَلَ عمرَان بن الْحصين عَن رجل حلف أَن لَا يُصَلِّي فِي مَسْجِد قومه ، فَقَالَ عمرَان : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لَا نذر فِي مَعْصِيّة [ الله ] وكفارته كَفَّارَة يَمِين . فَقلت : يَا أَبَا [ نجيد ] إِن صاحبنا لَيْسَ بالموسر فَبِمَ يكفر ؟ ! فَقَالَ : [ لَو ] أَن قوما قَامُوا إِلَى أَمِير من الْأُمَرَاء (فكساهم) كل إِنْسَان مِنْهُم قلنسوة لقَالَ النَّاس : قد كساهم . وَمُحَمّد بن الزبير هَذَا ضَعِيف ، قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث ، وَفِيه نظر ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ غَيره : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب أَن ابْن كج رَوَى عَن بعض التصانيف أَن الْحلف بِأَيّ اسْم كَانَ من الْأَسْمَاء التِّسْعَة وَالتسْعين الَّتِي ورد بهَا الْخَبَر صَرِيح ، وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام الرَّافِعِيّ كَانَ من حَقنا أَن نذكرهُ فِي الْأَحَادِيث لَكِن أَخَّرته سَهوا ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما ، من حفظهَا دخل الْجنَّة ، إِن الله وتر يحب الْوتر . هَذَا لفظ مُسلم ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : لله تِسْعَة وَتسْعُونَ اسْما ، مائَة إِلَّا وَاحِدًا ، من أحصاها دخل الْجنَّة ، إِنَّه وتر يحب الْوتر . وَلَفظ البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ : لله تِسْعَة وَتسْعُونَ اسْما مائَة إِلَّا وَاحِدًا لَا يحفظها أحد إِلَّا دخل الْجنَّة ، وَهُوَ وتر يحب الْوتر ، ذكره فِي آخر الدَّعْوَات . وَأخرجه من حَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن لله (تسعا) وَتِسْعين اسْما ، مائَة إِلَّا وَاحِدًا ، من أحصاها دخل الْجنَّة ، قَالَ البُخَارِيّ : من أحصاها : حفظهَا . وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ مُسْندًا ، وَمن حَدِيث همام عَن أبي هُرَيْرَة بِنَحْوِهِ ، وَأخرجه بسرد الْأَسْمَاء ، وَالْأَئِمَّة : التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث صَفْوَان بن صَالح الثَّقَفِيّ ، ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم ، ثَنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة أَبُو الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن لله (تسعا) وَتِسْعين اسْما ، مائَة إِلَّا وَاحِدَة ، من أحصاها دخل الْجنَّة ، إِنَّه وتر يحب الْوتر : هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن ، الرَّحِيم ، الْملك ، القدوس ، السَّلَام ، الْمُؤمن ، الْمُهَيْمِن ، الْعَزِيز ، الْجَبَّار ، المتكبر ، الْخَالِق ، البارئ ، المصور ، الْغفار ، القهار ، الْوَهَّاب ، الرَّزَّاق ، الفتاح ، الْعَلِيم ، الْقَابِض ، الباسط ، الْخَافِض ، الرافع ، الْمعز ، المذل ، السَّمِيع ، الْبَصِير ، الحكم ، الْعدْل ، اللَّطِيف ، الْخَبِير ، الْحَلِيم ، الْعَظِيم ، الغفور ، الشكُور ، الْعلي ، الْكَبِير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الْجَلِيل ، الْكَرِيم ، الرَّقِيب ، الْمُجيب ، الْوَاسِع ، الْحَكِيم ، الْوَدُود ، الْمجِيد ، الْبَاعِث ، الشَّهِيد ، الْحق ، الْوَكِيل ، الْقوي ، المتين ، الْوَلِيّ ، الحميد ، المحصي ، المبدئ ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الْحَيّ ، القيوم ، الْوَاجِد ، الْمَاجِد ، الْوَاحِد ، الْأَحَد ، الصَّمد ، الْقَادِر ، المقتدر ، الْمُقدم ، الْمُؤخر ، الأول ، الآخر ، الظَّاهِر ، الْبَاطِن ، الْوَالِي ، المتعالي ، الْبر ، التواب ، المنتقم ، الْعَفو ، الرءوف ، مَالك الْملك ، ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام ، المقسط ، الْجَامِع ، الْغَنِيّ ، الْمُغنِي ، الْمَانِع ، الضار ، النافع ، النُّور ، الْهَادِي ، [ البديع ] ، الْبَاقِي ، الْوَارِث ، الرشيد ، الصبور . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، ثَنَا بِهِ غير وَاحِد عَن صَفْوَان بن صَالح ، وَهُوَ ثِقَة عِنْد أهل الحَدِيث ، [ وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث ] من غير وَجه عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا نعلم فِي كثير شَيْء من الرِّوَايَات [ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح ] ذكر الْأَسْمَاء إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَقد رَوَى آدم بن أبي إِيَاس هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَاد آخر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَذكر فِيهِ الْأَسْمَاء وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد صَحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله عقب إِخْرَاجه لهَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ الْأَسْمَاء فِيهِ : هَذَا حَدِيث قد خرجاه فِي الصَّحِيحَيْنِ بأسانيد صَحِيحَة دون ذكر الْأَسَامِي فِيهِ ، وَالْعلَّة فِيهِ عِنْدهمَا أَن الْوَلِيد بن مُسلم تفرد بسياقته بِطُولِهِ ، وَذكر الْأَسْمَاء فِيهِ وَلم يذكرهَا غَيره ، وَلَيْسَ هَذَا بعلة ؛ فَإِنِّي لَا أعلم اخْتِلَافا بَين أَئِمَّة الحَدِيث أَن الْوَلِيد بن مُسلم أوثق وأحفظ وَأعلم وَأجل من أبي الْيَمَان ، وَبشر بن شُعَيْب ، وَعلي بن عَيَّاش ، وأقرانهم من أَصْحَاب [ شُعَيْب ] . ثمَّ نَظرنَا فَوَجَدنَا الحَدِيث قد رَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن الْحصين عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ [ و ] هِشَام بن حسان جَمِيعًا ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما ، من أحصاها دخل الْجنَّة : الله ، الرَّحْمَن ، الرَّحِيم ، الْإِلَه ، الرب ، الْملك ، القدوس ، السَّلَام ، الْمُؤمن ، الْمُهَيْمِن ، الْعَزِيز ، الْجَبَّار ، المتكبر ، الْخَالِق ، البارئ ، المصور ، الْحَلِيم ، الْعَلِيم ، السَّمِيع ، الْبَصِير ، الْحَيّ ، الْكَافِي ، الْوَاسِع ، اللَّطِيف ، الْخَبِير ، الحنان ، المنان ، البديع ، الْوَدُود ، الغفور ، الشكُور ، الْمجِيد ، المبدئ ، المعيد ، النُّور ، البارئ ، الأول ، الآخر ، الظَّاهِر ، الْبَاطِن ، الْغفار ، الْوَهَّاب ، القهار ، الْأَحَد ، الصَّمد ، الْبَاقِي ، الْوَكِيل ، المغيث ، الدَّائِم ، المتعال ، ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام ، الْوَلِيّ ، الْبَصِير ، الْحق ، الْمُبين ، الْبَاعِث ، الْمُجيب ، المحيي ، المميت ، الْجَمِيل ، الْعَادِل ، الحفيظ ، الْكَبِير ، الْقَرِيب ، الرَّقِيب ، الفتاح ، الْعَلِيم ، التواب ، الْقَدِيم ، الأكرم ، الرءوف ، الْمُدبر ، الفاطر ، الرَّزَّاق ، العلام ، الْعلي ، الْعَظِيم ، الْمُغنِي ، المليك ، المقتدر ، الْمَالِك ، الْقَدِير ، الْهَادِي ، الشاكر ، الرفيع ، الْكَفِيل ، الْجَلِيل ، الْكَرِيم ، ذُو المعارج ، ذُو الْفضل ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث مَحْفُوظ من حَدِيث أَيُّوب وَهِشَام ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مُخْتَصرا دون ذكر الْأَسَامِي الزَّائِدَة فِيهَا كلهَا فِي الْقُرْآن ، وَعبد الْعَزِيز بن الْحصين ثِقَة و [ إِن ] لم يخرجَاهُ ، وَإِنَّمَا جعلته شَاهدا للْحَدِيث الأول . قلت : إِنَّمَا لم يخرجَا لَهُ ؛ لِأَنَّهُمَا جرحاه ، قَالَ مُسلم فِيهِ : ذَاهِب الحَدِيث ، وَقَالَ البُخَارِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَضَعفه عَلّي وَيَحْيَى ، وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَا يُسَاوِي حَدِيثه شَيْئا لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ ابْن حبَان : يروي المقلوبات عَن الْأَثْبَات والموضوعات عَن الثِّقَات ؛ فَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَلم أر أحدا وَثَّقَهُ ، لَا جرم قَالَ الْبَيْهَقِيّ - بعد إِخْرَاجه من هَذِه الطَّرِيق - : تفرد بِهَذِهِ الرِّوَايَة عبد الْعَزِيز هَذَا ، وَهُوَ ضَعِيف عِنْد أهل النَّقْل ، ضعفه يَحْيَى بن معِين وَالْبُخَارِيّ ، وَيحْتَمل أَن يكون التَّفْسِير وَقع من بعض الروَاة ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم ، وَلِهَذَا الِاحْتِمَال [ ترك ] خَ م إِخْرَاج حَدِيث الْوَلِيد فِي الصَّحِيح ؛ فَإِن [ كَانَ ] مَحْفُوظًا عَن رَسُول الله فَكَأَنَّهُ قصد أَن من [ أحصى ] من أَسمَاء الله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما دخل الْجنَّة ، أحصاها من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم أَو من عبد الْعَزِيز أَو من سَائِر مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة ، وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ : هَذِه الْأَسْمَاء رويت مَعْدُودَة فِي الحَدِيث نَفسه عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيق ابْن سِيرِين بِزِيَادَة وَنقص . رَوَاهُ عَنهُ أَيُّوب وَهِشَام ، رَوَاهُ عَنْهُمَا عبد الْعَزِيز بن الْحصين وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة - وَإِن كَانَ عِنْدهم مَأْمُونا - لَكِن لَا يعلم هَل تَفْسِير هَذِه الْأَسْمَاء فِي الحَدِيث هَل هِيَ من قَول الرَّاوِي أَو من قَول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ والظواهر أَنَّهَا من قَول الرَّاوِي ؛ لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَن أَصْحَاب الحَدِيث لم يذكروها . وَالثَّانِي : أَن فِيهَا تَفْسِيرا بِزِيَادَة ونقصان ، وَذَلِكَ لَا يَلِيق بالمرتبة الْعليا النَّبَوِيَّة ، قَالَ الإقليسي : عبد الْعَزِيز هَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث ، وَأولَى الرِّوَايَات بالتعويل مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ؛ فَإِنَّهُ حكم بهَا أصح . وَكَذَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه سَوَاء وباقيها مُضْطَرب ، وَقَالَ ابْن حزم فِي الْمُحَلَّى بعد أَن رَوَى حَدِيث الصَّحِيح : قَالَ الله : إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ، فصح أَنه لَا يحل لأحدٍ أَن يُسَمِّي الله إِلَّا بِمَا سَمّى بِهِ نَفسه ، وَصَحَّ أَن أسماءه لَا تزيد عَلَى تِسْعَة وَتِسْعين شَيْئا ، لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : مائَة إِلَّا وَاحِدًا فنفى الزِّيَادَة وأبطلها [ لَكِن يخبر عَنهُ بِمَا يفعل تَعَالَى ] ، وَجَاءَت أَحَادِيث فِي إحصائها مضطربة لَا يَصح مِنْهَا شَيْء أصلا ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذ من [ نَص ] الْقُرْآن وَبِمَا صَحَّ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد بلغ [ إحصاؤنا مِنْهَا ] إِلَى مَا نذكرهُ ، وَهِي : الله [ الرَّحْمَن ، الرَّحِيم ] الْعَلِيم ، الْحَكِيم ، الْكَرِيم ، الْعَظِيم ، الْحَلِيم ، القيوم [ الأكرم ] السَّلَام ، التواب ، الرب ، الْوَهَّاب ، الْإِلَه ، الْقَرِيب ، السَّمِيع ، الْمُجيب ، الْوَاسِع ، الْعَزِيز ، الشاكر ، القاهر ، الآخر ، الظَّاهِر ، الْكَبِير ، الْخَبِير ، الْقَدِير [ الْبَصِير ] الغفور ، الشكُور ، الْغفار ، القهار ، الْجَبَّار ، المتكبر ، المصور ، الْبر ، المقتدر ، البارئ ، الْعلي [ الْغَنِيّ ] الْوَلِيّ ، الْقوي ، (المحيي) الْمجِيد ، الحميد ، الْوَدُود ، الصَّمد ، الْأَحَد ، الْوَاحِد ، الأول ، الْأَعْلَى ، المتعال ، الْخَالِق ، الخلاق ، الرَّزَّاق ، الْحق ، اللَّطِيف ، رءوف ، عَفْو ، الفتاح ، المتين ، الْمُبين ، الْمُؤمن ، الْمُهَيْمِن ، الْبَاطِن ، القدوس ، [ الْملك ] ، مليك ، الْأَكْبَر ، الْأَعَز ، السَّيِّد ، سبوح ، وتر ، محسان ، جميل ، رَفِيق (الْمعز) الْقَابِض ، الباسط ، الشافي ، الْمُعْطِي ، الْمُقدم ، الْمُؤخر ، الدَّهْر . قَالَ الْقُرْطُبِيّ : عجب لِابْنِ حزم لم يكمل التِّسْعَة وَالتسْعين اسْما من الْكتاب ، وَإِنَّمَا ذكر مِنْهَا أَرْبَعَة وَثَمَانِينَ ، وَالله يَقُول : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ فَترك : اللَّهُمَّ ، والصادق ، والمستعان ، ومحيطًا ، وحافظًا ، وفعالاً ، وكاف ، وَنور ، ومخرج ، فاطر ، فالق ، بديع ، رَافع . وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ : الْخَافِض ، الرافع ، قَالَ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ : وَلم أعرف أحدا من الْعلمَاء اعتنى بِطَلَب الْأَسْمَاء وَجَمعهَا سُوَى رجل من حفاظ أهل الْمغرب يُقَال لَهُ : عَلّي بن حزم ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : صَحَّ عِنْدِي قريب من ثَمَانِينَ اسْما [ اشْتَمَل ] عَلَيْهَا الْكتاب والصحاح من الْأَخْبَار ؛ ليطلب الْبَاقِي بطرِيق الِاجْتِهَاد ، وَأَظنهُ لم يبلغهُ الحَدِيث الَّذِي فِي عدد الْأَسَامِي ، وَإِن كَانَ بلغه فَكَأَنَّهُ استضعف إِسْنَاده ؛ إِذْ عدل عَنهُ إِلَى الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي الصِّحَاح وَإِلَى استنباط ذَلِك مِنْهَا . قلت : قد بلغه وَضَعفه كَمَا تقدم ، وتحامل القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ عَلَى ابْن حزم ، فَقَالَ فِي أَحْكَامه : قَالَ سخيف من المغاربة : [ عددت ] أَسمَاء الله فَوَجَدتهَا ثَمَانِينَ . قَالَ : وَلَيْسَ الْعجب مِنْهُ ؛ إِنَّمَا الْعجب من [ الطوسي ] أَن يَقُول : وَقد عد بعض حفاظ الْمغرب [ الْأَسْمَاء ] فَوَجَدَهَا ثَمَانِينَ حسب مَا نَقله إِلَيْهِ طريد [ طريف ] ببورقة الْحميدِي ؛ وَإِنَّمَا وَقع أَبُو حَامِد فِي ذَلِك بجهله [ بالصناعة ] إِنَّمَا كَانَ فصيحًا ذَرِب اللِّسَان ، ذَرِب القَوْل فِي الاسترسال عَلَى الْكَلِمَات الصائبة لَكِن القانون كَانَ عَنهُ نَائِيا . وَقَالَ ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره : حَدِيث التِّرْمِذِيّ لَيْسَ بالمتواتر ، وَفِي بعض أَسْمَائِهِ شذوذ ؛ إِنَّمَا الْمُتَوَاتر مِنْهُ إِلَى قَوْله : دخل الْجنَّة . وَورد فِي بعض دُعَاء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا حنان يَا منان ، وَلم يَقع هَذَانِ الاسمان فِي تَسْمِيَة التِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الجناد : رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات ، وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ ؛ لِأَن هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكر فِيهَا الْأَسْمَاء مُعَارضَة عَنهُ لمن ذكر الحَدِيث بِدُونِهَا ، وَأَنت تعلم بِأَدْنَى نظر أَن لَيست هَذِه مُعَارضَة فَيحْتَاج إِلَى التَّرْجِيح بَين الروَاة ، وَإِذا كَانَ الرَّاوِي الَّذِي ذكر الْأَسْمَاء فِي رِوَايَته عدلا فرواية الْعدْل مَقْبُولَة ، وَمَا ذكره ابْن العربي من أَنه لَا يعلم هَذِه الْأَسْمَاء فِي الحَدِيث من قَول الرَّاوِي ، أَو من قَول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فاحتمال يتَطَرَّق لكل حَدِيث ، فَيكْرَه طرح كل حَدِيث والتوقف عَنهُ ، وكل حَدِيث مَرْوِيّ إِلَى هَذَا فَهُوَ بَاطِل مَرْدُود ، وَلَا يَبْقَى أَن تُرْوَى الْآي وَالْأَحَادِيث بِالِاحْتِمَالِ الْعقلِيّ ، وَإِنَّمَا تحمل الْآي وَالْأَحَادِيث عَلَى الِاحْتِمَال اللّغَوِيّ ، وَهَذَا أصل عَظِيم فِي التَّأْوِيل فِي سَائِر أَحْكَام الشَّرِيعَة ، فَكيف فِي أَسمَاء الله - تَعَالَى - الَّتِي اتّفق الْجَمِيع عَلَى أَنه لَا يجوز وَضعهَا بِالِاجْتِهَادِ فَكيف يظنّ بالصاحب أَنه وَضعهَا من عِنْد نَفسه أَو وَضعهَا بِالِاجْتِهَادِ ؛ بل الْأَقْرَب أَن يُقَال : إِنَّمَا أسقطها من قصر حفظه عَن الْإِتْيَان بهَا عَلَى وَجههَا . قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث يجب قَوْله وَالْعَمَل بِهِ وَالرُّجُوع إِلَيْهِ ، وَقد ورد فِي هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا السَّنَد زِيَادَة وَنقص وتبديل ، وَلكنه بطرِيق معتل ؛ فَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ . قلت : يُرِيد حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْحصين ، وَبَقِي لهَذَا الحَدِيث طَريقَة أُخْرَى لم يذكرهَا : أخرجه ابْن مَاجَه فِي سنَنه من طَرِيق هِشَام بن عمار ، ثَنَا عبد الْملك بن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيّ ، ثَنَا زُهَيْر بن مُحَمَّد التَّمِيمِي ، ثَنَا مُوسَى بن عقبَة ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لله تِسْعَة وَتسْعُونَ اسْما ، مائَة إِلَّا وَاحِدًا ، إِنَّه وتر يحب الْوتر ، من حفظهَا دخل الْجنَّة فَذكرهَا ، وعلته مِنْهَا مَا لم يَقع فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَإِن كَانَ بَعْضهَا قد وَقع فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ . فَأَما مَا لم يَقع فِيهَا : الْبَار ، الراشد ، الْبُرْهَان ، الشَّديد ، الوافي ، الغانم ، الْحَافِظ ، النَّاظر ، السَّامع ، الْمُعْطِي ، الْأَبَد ، الْمُنِير ، التَّام . قَالَ زُهَيْر : فَبَلغنَا من غير وَاحِد من أهل الْعلم أَن أَولهَا يفْتَتح بقول : لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد بِيَدِهِ الْخَيْر ، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير ، لَا إِلَه إِلَّا الله ، لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى . قَالَ الْقُرْطُبِيّ : إِسْنَاده حسن . هِشَام أخرج لَهُ البُخَارِيّ ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَغَيره ، وَعبد الْملك قَالَ أَبُو حَاتِم (الرَّازِيّ ) : يكْتب حَدِيثه ، وَسُئِلَ عَنهُ دُحَيْم فَكَأَنَّهُ ضجعه . وَزُهَيْر خرج لَهُ خَ م ، وَسَائِر السَّنَد مَعْرُوف رِجَاله . قلت : عبد الْملك قَالَ فِيهِ سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن : ثِقَة . ووهاه ابْن حبَان فَقَالَ : يُجيب فِيمَا يسْأَل عَنهُ حَتَّى ينْفَرد بالموضوعات ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بروايته . وَزُهَيْر ثِقَة ، فِيهِ لين وَإِن كَانَ بِنَفسِهِ ، وَلَا يتقاصر هَذَا السَّنَد عَن الْحسن كَمَا قَالَه الْقُرْطُبِيّ ، هَذَا مَجْمُوع مَا حضر لي من طرق حَدِيث أَسمَاء الله الْحُسْنَى وَكَلَام الْحفاظ عَلَيْهَا ، وَهُوَ جليل حفيل ، فَلَا يَضرك طوله ، وأختم الْكَلَام فِيهِ بأمرين : أَحدهمَا : اخْتلف الْعلمَاء فِي مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : من أحصاها دخل الْجنَّة عَلَى أَرْبَعَة أَقْوَال حَكَاهَا الْخطابِيّ . أَحدهَا : وَبِه فسر البُخَارِيّ وَالْأَكْثَرُونَ أَن مَعْنَاهُ : حفظهَا . وتؤيدها رِوَايَة مُسلم السَّابِقَة : من حفظهَا دخل الْجنَّة ، وَكَذَا رَوَاهُ الْمحَاربي عَلَى مَا سبق . وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ : من عرف مَعَانِيهَا وآمن بهَا . وَالثَّالِث : من أطاقها بِحسن الرِّعَايَة لَهَا ، وتخلق بِمَا يُمكنهُ من الْعَمَل بمعانيها . وَالرَّابِع : مَعْنَاهُ أَن يقْرَأ الْقُرْآن حَتَّى يختمه [ فَإِنَّهُ ] يَسْتَوْفِي هَذِه الْأَسْمَاء كلهَا فِي أَضْعَاف التِّلَاوَة ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ : من حفظ الْقُرْآن وقرأه فقد اسْتحق دُخُول الْجنَّة ، وَذهب إِلَى نَحْو من هَذَا : أَبُو عبد الله الزبيري ، قَالَ الْقُرْطُبِيّ : جعل - أَعنِي : الزبيري - عَلَى هَذَا التَّأْوِيل أَسمَاء الله كلهَا مَوْجُودَة فِي الْقُرْآن . قَالَ : وَقد أخرجهَا عَنهُ فَوَجَدَهَا مائَة وَثَلَاثَة عشر اسْما ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي أَحْكَامه : إِنَّهَا نزلت إِلَى ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة من الْكتاب وَالسّنة ، وَذكر الْأَئِمَّة . وَذكر فِي كتاب الأمد أَنه اجْتمع لَهُ مِائَتَا اسْم وَسَبْعَة وَسِتُّونَ اسْما . قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وَالصَّحِيح أَن المُرَاد الإحصاء أَمر زَائِد عَلَى الْعد وَالْحِفْظ . قَالَ ابْن الْحصار : وأظن أَنِّي رَأَيْت فِي بعض التواليف أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا من أحصى جَمِيع الْأَسْمَاء الْحُسْنَى . وَهَذَا إفراط وَجَهل ، وَقَائِل هَذِه الْمقَالة يكفر كثيرا مِمَّن ينتمي إِلَى الْعلم وَالْعُلَمَاء فضلا عَن الْمُسلمين ، وَفِي الصَّحِيح : مَا من عبد يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا حرمه الله عَلَى النَّار قَالَ الْقُرْطُبِيّ : وأحصاها مَهْمُوز اللَّام وَغير مَهْمُوز لُغَتَانِ . الْأَمر الثَّانِي : أسميت هَذِه الْأَسْمَاء حَتَّى تسْأَل لما فِيهَا من الْعُلُوّ ، وَقيل : لما وعد فِيهَا من الثَّوَاب ، وَقيل : لكَونهَا حَسَنَة فِي الأسماع والقلوب . و المقيت رُوِيَ بِالْقَافِ ، قَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك : بِالْقَافِ ذهب إِلَيْهِ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ، وَرُوِيَ الْمُبين بِالْبَاء الْمُوَحدَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ الرافع بدل الْمَانِع وَمحل الْخَوْض فِي هَذَا كتب الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ، وَقد أفردها بالتصنيف جمع كَابْن الْعَرَبِيّ وَالْغَزالِيّ والحليمي وَالْبَيْهَقِيّ ، وَغَيرهم ، وَآخرهمْ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْقُرْطُبِيّ فِي مجلدين ضخمين ، فأجاد وَأفَاد رَحْمَة الله عَلَيْهِم ، وَهَذَا الْقدر الَّذِي كتبنَا هُوَ مَقْصُود الْحَلِيمِيّ ، وَلَعَلَّه فهم مَا فِي هَذِه الْكتب ، وَالله أعلم .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ ، وَلَا تحلفُوا إِلَّا بِاللَّه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه النَّسَائِيّ فِي سنَنه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ ، وَلَا تحلفُوا [ إِلَّا ] بِاللَّه [ وَلَا تحلفُوا إِلَّا ] وَأَنْتُم صَادِقُونَ ، وَعَزاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَابْن الْأَثِير فِي جَامعه إِلَى أبي دَاوُد ، وَلم أره فِيهِ ، وَلم يذكرهُ ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه أَيْضا ، نعم قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : هُوَ مَوْجُود فِي رِوَايَة أبي الْحسن بن العَبْد ، وَأبي بكر بن داسة فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور .
الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [ قَالَ ] لَيْسَ عَلَى مقهور يَمِين . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي بكر مُحَمَّد بن الْحسن الْمُقْرِئ ، ثَنَا الْحُسَيْن بن إِدْرِيس ، ثَنَا خَالِد بن الْهياج ، ثَنَا أبي ، عَن عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن ، عَن الْعَلَاء ، عَن مَكْحُول ، عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع ، وَعَن أبي أُمَامَة قَالَا : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَيْسَ عَلَى مقهور يَمِين . وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، أما أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن الْمُقْرِئ فَهُوَ النقاش صَاحب التَّفْسِير وَهُوَ كَذَّاب ، قَالَ طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر : كَانَ النقاش يكذب ، وَقَالَ البرقاني : كل حَدِيثه مُنكر ، وَقَالَ الْخَطِيب : أَحَادِيثه مَنَاكِير بأسانيد مَشْهُورَة . وَأما خَالِد بن الْهياج فَلَا أعرفهُ ، قَالَ ابْن الْقطَّان : لَا يعرف حَاله ، وَرَوَى عَنهُ الْحُسَيْن بن إِدْرِيس أَحَادِيث أنْكرت عَلَيْهِ لَا أصل لَهَا ، مِنْهَا هَذَا الحَدِيث . وَأما وَالِده الْهياج فَهُوَ ابْن بسطَام الترجمي الْهَرَوِيّ وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، كَمَا قَالَه أَحْمد وَغَيره ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ . وَأما عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن فَهُوَ قرشي بَصرِي ، وَهُوَ مَتْرُوك ، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ وَغَيره ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : كَانَ يضع الحَدِيث ، وَقَالَ الْأَزْدِيّ : كَذَّاب ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ مِمَّن يضع الحَدِيث ونسأل الله الْعَافِيَة . وَقد ضعفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه بِسَبَب عَنْبَسَة ، وَعبد الْحق فِي أَحْكَامه بِسَبَب هياج ، وَابْن الْقطَّان بِالْكُلِّ ، ثمَّ هُوَ بعد ذَلِك مُنْقَطع ، مَكْحُول لم ير أَبَا أُمَامَة ، وَفِي سَمَاعه من وَاثِلَة خلاف أوضحته فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب فَرَاجعه مِنْهُ ، وَاحْتج الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي الْمَسْأَلَة بِحَدِيث عَائِشَة أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا طَلَاق وَلَا عتاق فِي إغلاق وَبِحَدِيث : وضع عَن أمتِي الْخَطَأ والنسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث الْعَاشِر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أدْرك عمر بن الْخطاب وَهُوَ يسير فِي ركب ، فَسَمعهُ وَهُوَ يحلف بِأَبِيهِ ، فَقَالَ : إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ؛ فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت . قَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : فَمَا حَلَفت بهَا بعد ذَلِك ذَاكِرًا وَلَا آثرًا - أَي : حاكيًا عَن غَيْرِي . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ ، فَقَالَ : إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ؛ فَمن كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت ، وَفِي رِوَايَة لَهما : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سمع عمر يَقُول : وَأبي وَأمي . فَقَالَ : إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ؛ فَمن كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه أَو لِيَسْكُت . وَفِي أُخْرَى لَهما : كل من كَانَ حَالفا فَلَا يحلف إِلَّا بِاللَّه . وَكَانَت قُرَيْش تحلف بِآبَائِهَا ، فَقَالَ : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : وَكَانَت الْعَرَب تحلف بِآبَائِهَا ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ عمر : وَالله مَا حَلَفت بهَا مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينْهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثرًا ، وَرِوَايَة الإِمَام الرَّافِعِيّ هِيَ عَن رِوَايَة الشَّافِعِي ، عَن مَالك ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر إِلَى قَوْله : أَو ليصمت ، وَقَالَ بعد قَوْله : فِي ركب وَيحلف بِاللَّه بدل قَوْله : فَسَمعهُ وَهُوَ يحلف بِأَبِيهِ وَقَالَ : من بدل فَمن ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه قَالَ : سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عمر يحلف بِأَبِيهِ فَقَالَ : إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ، قَالَ عمر : فوَاللَّه مَا حَلَفت بهَا ذَاكِرًا وَلَا آثرًا . فَائِدَة : تَفْسِير الإِمَام الرَّافِعِيّ : آثرًا أَي : حاكيًا عَن غَيره . هُوَ مَا جزم بِهِ الْأَزْهَرِي والجوهري ، وَحَكَى القَاضِي حُسَيْن قَوْلَيْنِ : أَحدهمَا هَذَا ، وَقَالَ : هُوَ الْأَصَح . وَالثَّانِي : إِنَّه اتِّبَاع لذاكر ، تَأْكِيدًا لقَولهم شَيْطَان بيطان ، جَامع مَانع ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا - يَعْنِي : عَامِدًا وَلَا نَاسِيا . وَالثَّانِي : مُعْتَقدًا لنَفْسي .
الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي أَوَاخِر بَاب شُرُوط الصَّلَاة .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للأعرابي الَّذِي قَالَ : لَا أَزِيد عَلَيْهَا وَلَا أنقص : أَفْلح (وَالله) إِن صدق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة طَلْحَة بن عبيد الله ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي كتاب الصّيام .
الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ حَدِيث إِمَامَة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، تقدم بَيَانه فِي كتاب الصَّلَاة .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حلف بِغَيْر الله فقد كفر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور : الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي أَوَائِله من رِوَايَة [ سعد ] بن عُبَيْدَة ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، قَالَ : وَهَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، فقد احتجا بِمثل إِسْنَاده ، وخرجاه فِي كِتَابَيْهِمَا ، وَلَيْسَ [ لَهُ ] عِلّة وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَله شَاهد عَلَى شَرط مُسلم فَذكره بِإِسْنَادِهِ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ ، عَن الْحسن بن عبيد الله ، عَن سعد بن عُبَيْدَة ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : كل يَمِين يحلف بهَا دون الله شرك ، وَذكره أَيْضا بعد هَذَا بأوراق بِاللَّفْظِ الأول ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وخلا الْمَوْضِعَيْنِ فِي كتاب الْأَيْمَان فِي أَوَائِل كِتَابه . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك . قلت : هُوَ صَحِيح أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ ، وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر ، عَن عمر أَنه قَالَ : لَا وَأبي . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَه ! إِنَّه من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك [ فِي كتابي ] الْإِيمَان والأيمان من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة ، عَن ابْن عمر وَحده قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ، من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة سعد بن عُبَيْدَة أَن ابْن عمر سمع رجلا يَقُول : والكعبة . فَقَالَ ابْن عمر : لَا يُحلف بِغَيْر الله ؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من حلف بِغَيْر الله فقد كفر أَو أشرك ، كَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بـ أَو الَّتِي هِيَ للشَّكّ ، وَفِي الْحَاكِم وَابْن حبَان بحذفها ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد . قلت : ومدار طرق هَذَا الحَدِيث عَلَى سعد بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي ، وَهُوَ ثِقَة ثَبت ، أخرج لَهُ أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة رَوَى عَن ابْن عمر ، والبراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث لم يسمعهُ سعد بن عُبَيْدَة من ابْن عمر . قلت : وَفِي ذَلِك نظر ؛ فقد صرح بِسَمَاعِهِ من ابْن عمر ، وَقد بَين ذَلِك الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف فَقَالَ بعد أَن أخرجه من طريقي أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ : رَوَى هَذَا الحَدِيث عبد الْوَاحِد بن زِيَاد وفضيل بن سُلَيْمَان ، عَن الْحسن بن عبيد الله عَن سعد بن عُبَيْدَة ، وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن سعد بن عُبَيْدَة : كنت عِنْد ابْن عمر فَذكر فِيهِ قصَّة ، وَقَالَ : روح (وَسَعِيد) عَن مَنْصُور ، عَن سعد بن عُبَيْدَة : كنت عِنْد ابْن عمر - فَذكر الْقِصَّة ، وَقَالَ : وَمَعِي رجل من كِنْدَة - فَقُمْت من عِنْد ابْن عمر فَأتيت سعيد بن الْمسيب فَأَتَانِي الْكِنْدِيّ وَأَنا عِنْد سعيد ، فَقَالَ : مَا سَمِعت مَا حدث ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ فَنَهَاهُ وَقَالَ : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ قَالَ أَبُو عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ : يُقَال : إِنَّه مُحَمَّد الْكِنْدِيّ ، وَقَالَ الْأَعْمَش عَن سعد بن عُبَيْدَة ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن ابْن عمر ، زَاد فِيهِ : عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، وَمُلَخَّصه أَن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين : أَحدهمَا : عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر . الثَّانِي : عَن سعد ابن عُبَيْدَة ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن ابْن عمر . وَمن طَرِيق ثَالِث : عَن سعد الْمَذْكُور ، عَن ابْن عمر ، وَله طَرِيق آخر شَاهد لَهُ ، أدْركهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة مَكْحُول الْأَسدي بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ مَرْفُوعا : من حلف بالشرك وآثم فقد أشرك ، وَمن حلف (بالْكفْر) وآثم فقد أشرك . فَائِدَة : قَالَ التِّرْمِذِيّ : فسر بعض الْعلمَاء قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : كفر أَو أشرك عَلَى التَّغْلِيظ ، كَمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : الرِّيَاء شرك قَالَ : وَقد فسر بعض أهل الْعلم قَوْله تَعَالَى : وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا قَالَ : لَا يرائي ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : قَوْله : فقد أشرك فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا : فقد أشرك بَين الله وَبَين غَيره فِي التَّعْظِيم ، وَإِن لم يصر من الْمُشْركين الْكَافرين . وَثَانِيهمَا : صَار كَافِرًا بِهِ إِن اعْتقد لُزُوم يَمِينه بِغَيْر الله ، كاعتقاد لُزُومهَا بِاللَّه .
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ قَالَ الرَّافِعِيّ : إِذا حلف ليحمدن الله بِمَجَامِع الْحَمد - وَقَالَ فِي التَّتِمَّة : بِأَجل التحاميد - الْبر أَن يَقُول : الْحَمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده . يرْوَى أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام علم آدم هَذِه الْكَلِمَات وَقَالَ : علمتك مجامع الْحَمد . هَذَا لم أَجِدهُ بعد [ الْبَحْث ] ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : ضَعِيف الْإِسْنَاد غير مُتَّصِل فَذكره ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة : لَيْسَ لهَذِهِ الْمَسْأَلَة دَلِيل مُعْتَمد . فَهَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بتضعيفه .
الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي حَدِيث ركَانَة : آللَّهُ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب الطَّلَاق ، قَالَ الرَّافِعِيّ : رَوَاهُ صَاحب الْبَيَان بِالرَّفْع ، وَالْقَاضِي الرَّوْيَانِيّ بِالْجَرِّ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لِابْنِ مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : [ آللَّهُ ] قتلتَ أَبَا جهل بِالنّصب . قلت : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي إِسْحَاق ، عَن الحكم ، عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : انْتَهَى عبد الله بن مَسْعُود إِلَى أبي جهل يَوْم بدر وَهُوَ وقيذ ، فاستل سَيْفه فَضرب عُنُقه ، فقدَّ رَأسه ، ثمَّ أَخذ سلبه ، فَأَتَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأخْبرهُ أَنه قتل أَبَا جهل ، فأحلفه بِاللَّه ثَلَاث مَرَّات ، فَحلف فَجعل لَهُ سلبه ، ثمَّ أخرجه من حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن أبي عُبَيْدَة ، عَن أَبِيه ، وَفِيه فَقلت : قتلت أَبَا جهل . فَقَالَ : آللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ؟ فاستحلفه ثَلَاث مَرَّات ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ من هَذِه الطَّرِيق : يَا رَسُول الله ، لقد قتل الله أَبَا جهل . قَالَ : آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ؟ فَقلت : آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ، لقد قتلته ، ثمَّ أخرجه من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون عَنهُ ، وَفِيه فَقتلته ثمَّ قلت : يَا رَسُول الله ، ألم تَرَ أَن الله قتل أَبَا جهل . قَالَ : آللَّهُ ؟ قلت : آللَّهُ . حَتَّى حلَّفَني ثَلَاثًا . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن أبي عُبَيْدَة عَن أَبِيه ، كَمَا سَاقه الطَّبَرَانِيّ إِلَّا أَنه لم يقل : فاستحلفه ثَلَاث مَرَّات .
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أنس وَأبي أَيُّوب ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرطهمَا ، وَلأبي دَاوُد عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : لَا يكون لمُسلم أَن يهجر مُسلما فَوق ثَلَاثَة أَيَّام ، وَلأبي أَحْمد الْحَاكِم فِي كِتَابه فِي هَذَا الحَدِيث بعد لَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ فَوق ثَلَاث إِلَّا أَن يكون مِمَّن لَا تؤمن بوائقه . قَالَ الْحَاكِم : قَالَ أَبُو أُميَّة : فألقيت هَذَا الحَدِيث عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ : فكذَّبه وَأنكر هَذَا الْكَلَام ، وَقَالَ : لَيْسَ كَلَام النَّبِي - يَعْنِي : الْحَرْف الْأَخير . وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أبي خرَاش السّلمِيّ أَنه سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من هجر أَخَاهُ سنة فَهُوَ كسفك دَمه .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَايْم الله [ إِنَّه ] لخليق بالإمارة . هَذَا الحَدِيث كَذَا وَقع فِي نسخ الإِمَام الرَّافِعِيّ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر رضي الله عَنْهُمَا قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعثًا وَأمر عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد فطعن النَّاس فِي إمارته ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن [ تطعنوا ] فِي إمارته فقد كُنْتُم تطعنون فِي إِمَارَة أَبِيه من قبل ، وَايْم الله إِن كَانَ لخليقًا بالإمارة ، إِن كَانَ لمن أحب النَّاس إليّ ، وَإِن هَذَا من أحب النَّاس إِلَيّ بعده .
الحَدِيث السَّادِس عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعا وموقوفًا إِن لَغْو الْيَمين : لَا وَالله ، وبلى وَالله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أما رِوَايَة الرّفْع فرواها أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح : اللَّغْو فِي الْيَمين [ قَالَ : ] قَالَت عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : إن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : هُوَ كَلَام الرجل فِي بَيته : كلا وَالله وبلى وَالله ، وَأما رِوَايَة الْوَقْف فرواها البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، عَن هِشَام قَالَ : حَدثنِي أبي عَن عَائِشَة فِي هَذِه الْآيَة : لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم . قَالَ : هُوَ قَول الرجل : لَا وَالله وبلى وَالله ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الرّبيع قَالَ : قلت للشَّافِعِيّ : مَا لَغْو الْيَمين ؟ قَالَ : الله أعلم ، أما الَّذِي نَذْهَب [ إِلَيْهِ ] فَمَا قَالَت عَائِشَة ، أخبرنَا مَالك ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت : لَغْو الْيَمين : قَول الْإِنْسَان : لَا وَالله ، وبلى وَالله . وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ أَيْضا كَذَلِك ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان ؛ أخبرنَا سُفْيَان ، أَنا عَمْرو [ عَن ] ابْن جريج ، عَن عَطاء قَالَ : ذهبت أَنا وَعبيد بن عُمَيْر إِلَى عَائِشَة وَهِي معتكفة ، فسألناها عَن قَول الله - تَعَالَى - : لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم قَالَت : هُوَ لَا وَالله ، وبلى وَالله . قَالَ أَبُو دَاوُد : رَوَاهُ غير وَاحِد عَن عَطاء ، عَن عَائِشَة مَوْقُوفا عَلَيْهَا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طرق مَوْقُوفا عَلَيْهَا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : وَالصَّحِيح فِيهِ الْوَقْف .
الحَدِيث الْخَامِس عشر عَن عقبَة بن عَامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كَفَّارَة النّذر كَفَّارَة الْيَمين . هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَهُوَ من أَفْرَاده ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ بِزِيَادَة فِيهِ ، وَهَذَا لَفْظهمَا : كَفَّارَة النّذر إِذا لم يسم شَيْئا كَفَّارَة الْيَمين ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَمَا رَوَاهُ مُسلم ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنَّه مَحْمُول عندنَا عَلَى اللِّجاج الَّتِي تخرج مخرج الْأَيْمَان . تَنْبِيه : ذكر الرَّافِعِيّ هُنَا الْمُبَايعَة كَانَت فِي زمن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالمصافحة ، وَهَذَا صَحِيح ؛ فَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب عَن [ مرْثَد ] بن عبد الله ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن الْجُهَنِيّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - طلع راكبان ، فَلَمَّا رآهما قَالَ : كنديان مَذْحِجِيَّان . حَتَّى أَتَيَاهُ ، فَإِذا رجلَانِ من مذْحج ، قَالَ : فَدَنَا أَحدهمَا إِلَيْهِ ليبايعه قَالَ : فَلَمَّا أَخذ بِيَدِهِ قَالَ : يَا رَسُول الله ، أَرَأَيْت من رآك فَآمن بك وصدقك ثمَّ اتبعك ، مَاذَا لَهُ ؟ فَقَالَ : طُوبَى لَهُ . فَمسح عَلَى يَده فَانْصَرف ، ثمَّ أقبل الآخر حَتَّى أَخذ بِيَدِهِ ليبايعه ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أَرَأَيْت من آمن بك وصدقك واتبعك وَلم يَرك . قَالَ : طُوبَى لَهُ ، ثمَّ طُوبَى لَهُ [ ثمَّ طُوبَى لَهُ ] قَالَ : فَمسح عَلَى يَده وَانْصَرف . وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : كَانَ الْمُؤْمِنَات إِذا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يمْتَحن) بقول الله - تَعَالَى - : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ . الْآيَة . قَالَت عَائِشَة : فَمن (آمن) بِهَذَا من الْمُؤْمِنَات ، فقد أقرّ بالمحنة ، وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أقررن بذلك من قولهن قَالَ لَهُنَّ : انطلقن ؛ فقد بايعتكن . وَلَا وَالله مَا مست يَد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَد امْرَأَة قطّ غير أَنه يُبَايِعهُنَّ بالْكلَام . وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث [ الشريد بن ] سُوَيْد قَالَ : كَانَ فِي وَفد ثَقِيف رجل مجذوم ، فَأرْسل إِلَيْهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّا قد بايعناك فَارْجِع . وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي نعيم فِي تَرْجَمَة قريبَة العتوارية ، عَنْهَا ابْنَتهَا عقيلة بنت عبيد بن الْحَارِث - وَقيل : غقيلة بالغين - من حَدِيث بكار بن عبد الْعَزِيز ، ثَنَا مُوسَى بن عُبَيْدَة ، ثَنَا زيد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أمه حجَّة بنت (قُرَيْظَة) عَن أمهَا عقيلة بنت عبيد بن الْحَارِث قَالَت : جِئْت أَنا وَأمي قريرة بنت الْحَارِث العتوارية فِي نسَاء من [ الْمُهَاجِرَات ] إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ ضَارب عَلَيْهِ بقبة بِالْأَبْطح ، فَأخذ علينا أَن لَا نشْرك بِاللَّه شَيْئا . قَالَت : فأقررنا وبسطنا أَيْدِينَا لنبايعه ، فَقَالَ : إني لَا أمس يَد النِّسَاء . فَاسْتَغْفر لنا (وَكَانَ ذَلِك بيعتنا ) قَالَ أَبُو نعيم : كَذَا وَقع فِي كتابي : قريرة . وفيهَا أَيْضا من حَدِيث أُمَيْمَة بنت رقيقَة أَنَّهَا لما بَايَعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَت : قد ذهبت أصافحه ، فَقَالَ : إِنِّي لَا أُصَافح النِّسَاء ؛ إِنَّمَا قولي لمِائَة مِنْكُن كَقَوْلي لامْرَأَة ، وَهَذَا فِي صَحِيح ابْن حبَان بأطول مِنْهُ ، وفيهَا أَيْضا من حَدِيث بهية بنت عبد الله البكرية قَالَت : وفدت مَعَ أبي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَبَايع الرِّجَال وصافحهم ، وَبَايع النِّسَاء وَلم يُصَافِحهُنَّ ، وَنظر إليّ فدعاني وَمسح عَلَى رَأْسِي ودعا لي ولوالدي . قَالَ : فولد لَهَا سِتُّونَ ولد : أَرْبَعُونَ رجلا وَعِشْرُونَ امْرَأَة ، وَاسْتشْهدَ مِنْهُم عشرُون . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه الْحَدِيثين الْأَوَّلين من هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي أخرجهَا أَبُو نعيم ، وَفِيه أَيْضا من حَدِيث يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن [ معقل ] بن يسَار أَنه عَلَيْهِ السَّلَام فِي بيعَة الرضْوَان كَانَ يُصَافح النِّسَاء من تَحت الثَّوْب ، وَفِي [ مُسْند ] أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن [ عَمْرو ] أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ لَا يُصَافح النِّسَاء .
الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات ، وَقد رَأَيْت تَأْخِير الْكَلَام عَلَيْهِ إِلَى كتاب الْكِتَابَة ؛ فَهُوَ أليق بِهِ .
الحَدِيث السَّادِس عشر عَن عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا عبد الرَّحْمَن ، لَا تسْأَل الْإِمَارَة ؛ فَإنَّك إِن أتتك عَن مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا ، وَإِن أتتك عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا ، وَإِذا حَلَفت عَلَى يَمِين فَرَأَيْت غَيرهَا خيرا مِنْهَا فَائت الَّذِي هُوَ خير وَكفر عَن يَمِينك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : كفر عَن يَمِينك وائت الَّذِي هُوَ خير . وَفِي رِوَايَة للنسائي : إِذا حلف أحدكُم عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه ، ولينظر الَّذِي هُوَ خير فليأتيه وَفِي رِوَايَة لَهما : فَكفر عَن يَمِينك ثمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خير . وَهَذِه الرِّوَايَة ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب ، وَذكر رِوَايَة أُخْرَى وَهِي : من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا ، فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه ، وَهِي رِوَايَة صَحِيحَة أخرجهَا مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ : أعتم رجل عِنْد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ رَجَعَ إِلَى أَهله ، فَوجدَ الصبية قد نَامُوا ، فَأَتَاهُ أَهله بطعامه فَحلف أَن لَا [ يَأْكُل ] من أجل صبيته ، ثمَّ بدا لَهُ فَأكل ، فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكر ذَلِك لَهُ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأتها وليكفر عَن يَمِينه ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى [ غَيرهَا ] خيرا مِنْهَا فليكفر عَن يَمِينه وليفعل وَفِي أُخْرَى فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه . قَالَ عبد الْحق : وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا شَيْئا . وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث عبد الله بن عمر مَرْفُوعا : من حلف عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير ، وليكفر عَن يَمِينه . وَهَذِه طبق رِوَايَة الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وأخرجها أَيْضا أَحْمد فِي مُسْنده كَذَلِك .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ لَا يَأْكُل الصَّدَقَة وَيقبل الْهَدِيَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَشْهُور ؛ فقد قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : إِنَّا أهل بَيت لَا تحل لنا الصَّدَقَة ، وَقبل هَدَايَا كَثِيرَة ، وَقد تقدم جملَة من ذَلِك فِي كتاب الْهِبَة ، وَكتاب قسم الصَّدقَات ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا أُتِي بِطَعَام سَأَلَ عَنهُ ؛ فَإِن قيل : هَدِيَّة . أكل مِنْهَا ، وَإِن قيل : صَدَقَة لم يَأْكُل مِنْهَا ، وَقَالَ البُخَارِيّ : فَإِن قيل : صَدَقَة ، قَالَ لأَصْحَابه : كلوا وَلم يَأْكُل ، وَإِن قيل : هَدِيَّة ضرب بِيَدِهِ فَأكل مَعَهم ، خرجه فِي كتاب الْهِبَة من صَحِيحه ، وَمُسلم فِي الزَّكَاة . وَقد ذكره الطَّبَرَانِيّ مُصَرحًا بِهِ فِي حَدِيث وَاحِد رَوَاهُ عَن عبد الله بن أَحْمد ، ثَنَا أبي ، حَدثنَا هَاشم بن سعيد ، ثَنَا الْحسن بن أَيُّوب ، عَن عبد الله بن بسر قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقبل الْهَدِيَّة وَلَا يقبل الصَّدَقَة ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْند أَحْمد لَكِن فِيهِ هِشَام بن سعيد ، وَهِشَام بن سعيد قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بشيء . وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات ، وَالْحسن بن أَيُّوب لم أره فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل مكبرًا ؛ بل مُصَغرًا فِي كتاب الْأَزْدِيّ ، وَقَالَ : إِنَّه مَجْهُول . نعم الْحسن بن أَيُّوب ضعفه ابْن معِين ؛ فَالله أعلم هَل هُوَ أم لَا . أبنا الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه إليَّ من دمشق سنة نَيف وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة ، نَا مُحَمَّد بن صاعد ، أَنا الْحسن بن إِسْمَاعِيل ، أَنا أَبُو طَاهِر السلَفِي ، أبنا أَبُو بكر الطريثيثي وَابْن خشيش قَالَا : أبنا أَبُو عَلّي ابْن شَاذ ، شَاذان ، أبنا عبد الله بن جَعْفَر ، ثَنَا يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَسَوِي ، ثَنَا مكي بن إِبْرَاهِيم ، ثَنَا بهز بن حَكِيم ذكره عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أُتِي بِالطَّعَامِ سَأَلَ عَنهُ : أهدية أم صَدَقَة ؟ فَإِن قَالُوا : هَدِيَّة بسط يَده ، وَإِن قَالَ : صَدَقَة قَالَ : لأَصْحَابه : كلوا . غَرِيب .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا أَحْلف عَلَى يَمِين فَأرَى غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خير وتحللت عَن يَمِيني . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِيه قصَّة أَخْرَجَاهَا بِطُولِهَا عَن أبي مُوسَى قَالَ : أتيت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي رَهْط من الْأَشْعَرِيين نستحمله ، فَقَالَ : وَالله لَا أحملكم ، وَمَا عِنْدِي مَا أحملكم . ثمَّ لبثنا مَا شَاءَ الله ، فَأتي بِإِبِل فَأمر لنا بِثَلَاث ذود فَانْطَلَقْنَا ، قَالَ بَعْضنَا لبَعض : لَا يُبَارك الله لنا ، أَتَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نستحمله فَحلف لَا يحملنا ! قَالَ أَبُو مُوسَى : فأتينا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذَكرنَا ذَلِك لَهُ ، فَقَالَ : مَا أَنا حملتكم ؛ بل الله حملكم ، إِنِّي وَالله لَا أَحْلف الحَدِيث .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه وَاضحا فِي بَاب النَّجَاسَات وَالْمَاء النَّجس .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة ، إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله الحَدِيث . حَدِيث صَحِيح جليل حفيل ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : إِن الْحَلَال وَالْحرَام بَين وَبَينهمَا مُشْتَبهَات لَا يعلمهُنَّ كثير من النَّاس ، فَمن اتَّقَى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه ، وَمن وَقع فِي الشُّبُهَات وَقع فِي الْحَرَام كَالرَّاعِي يرْعَى حول الْحمى يُوشك أَن يواقعه ، أَلا وَإِن لكل ملك حمى ، أَلا وَإِن حمى الله مَحَارمه ، أَلا وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد كُله ، وَإِذا فَسدتْ فسد كُله ، أَلا وَهِي الْقلب .
الحَدِيث الْخَامِس عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو نصل أَو حافر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ نَافِع الْبَزَّاز الْمدنِي مولَى أبي أَحْمد - وَقد وَثَّقَهُ - عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح أَيْضا ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : إِنَّه حَدِيث صَحِيح . وَلما ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام قَالَ عَن يَحْيَى بن معِين أَن نَافِع بن أبي نعيم ثِقَة . قلت : وَله طرق عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمثلِهِ ، وفروخ يُخَالف فِي حَدِيثه ، قَالَ : وَالصَّحِيح مَا رَوَاهُ النَّاس عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن نَافِع بن أبي نَافِع ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة من حَدِيث أبي بكر الْحَنَفِيّ عَن نَافِع ، وَرَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي الحكم مولَى بني لَيْث ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ مُحَمَّد بن عمر - أحد رُوَاته - : وَيَقُولُونَ : أَو نصل ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي فديك ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن عباد بن أبي صَالح ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا سبق إِلَّا فِي حافر أَو خف ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي عبد الله مولَى الجندعيين - حَيّ من بني لَيْث - قَالَ مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي : وَهُوَ [ نَافِع ] بن أبي نَافِع ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا يحل سبق إِلَّا بخف أَو حافر . قلت : (وَرُوِيَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة) ، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وَمن حَدِيث عبد الله بن عمر ، وَلم يذكر فِي رِوَايَة ابْن عمر أَو خف قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله - وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث أبي الفوارس ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر - : هَذَا الحَدِيث يرويهِ الثَّوْريّ ، وَاخْتلف عَنهُ فِي رَفعه ، فرفعه ابْن وهب عَن الثَّوْريّ ، وَوَقفه مُعَاوِيَة [ بن ] هِشَام وَغَيره ، وَالْمَوْقُوف أشبه ، قَالَ : وَلَا يعرف أَبُو الفوارس إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث . وَرَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن حبَان الْمَعْرُوف بِأبي الشَّيْخ فِي كتاب السَّبق من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : لَا سبق إِلَّا [ فِي ] نصل أَو حافر أَو خف ، والنصل : هُوَ السهْم ، والحافر : هُوَ الْفرس ، والخف : هُوَ الْبَعِير . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من هَذَا الْوَجْه إِلَى قَوْله : أَو خف ، وَهُوَ من رِوَايَة قدامَة بن مُحَمَّد بن خشرم قَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، وَقَالَ ابْن حبَان : يروي المقلوبات ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد . قلت : وَحدث غياث بن إِبْرَاهِيم أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي هَذَا الحَدِيث ، وَزَاد فِيهِ بعد أَو نصل : أَو جنَاح لِأَن الْمهْدي كَانَ يحب الْحمام ، فَأمر لَهُ الْمهْدي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ، فَلَمَّا خرج قَالَ : أشهد أَن قفاك قفا كَذَّاب ! ثمَّ أَمر بالحمام فذبحت . فَائِدَة : قَالَ الْخطابِيّ : السَّبق - بِفَتْح الْبَاء - : مَا يَجْعَل للسابق عَلَى سبقه من جعل ونوال ، وَأما السَّبق بِسُكُون الْبَاء فَهُوَ مصدر سبقت الرجل أسبقه سبقًا . قَالَ : وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِي هَذَا الحَدِيث السَّبق مَفْتُوحَة الْبَاء ، يُرِيد أَن الْعَطاء والجعل لَا يسْتَحق إِلَّا فِي سباق الْخَيل وَالْإِبِل ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا من النضال وَهُوَ الرَّمْي ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : إِن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فِيهِ فتح الْبَاء . وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب : إِن الأثبت فِي الرِّوَايَة فتح الْبَاء . وَذكر ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة لغتين فِي السَّبق بِمَعْنى الْخَيل أَنه بِفَتْح الْبَاء وإسكانها . وَقَوله : أَو نصل قَالَ المطرزي فِي المعرب : نصل السَّيْف : حديدته ، وَالْجمع : نصول ونصال . قَالَ : وَأما قَوْله : لَا سبق إِلَّا فِي كَذَا وَكَذَا فَالْمُرَاد بِهِ : الموافاة . قَالَ : وَالضَّاد الْمُعْجَمَة تَصْحِيف ؛ إِنَّمَا ذَاك المناضلة والنضال .
الحَدِيث السَّادِس يرْوَى أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : رهان الْخَيل طلق . أَي : حَلَال . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فَقَالَ فِي تَرْجَمَة يَحْيَى : عَن أبي إِسْحَاق ، عَن أمه ، عَن أَبِيهَا - واسْمه : رِفَاعَة ابْن رَافع - : ثَنَا عبد الله بن جَعْفَر ، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الله ، نَا أَبُو نعيم ، ثَنَا عبد السَّلَام بن حَرْب ، عَن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن يَحْيَى بن إِسْحَاق ابن عبد الله بن أبي طَلْحَة ، عَن أمه حميدة - أَو عُبَيْدَة - عَن أَبِيهَا قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رهان الْخَيل طلق قَالَ أَبُو نعيم : سَمّى أَبُو نعيم أَبَاهَا ، فَقَالَ : رِفَاعَة بن رِفَاعَة . قلت : أما أَبُو نعيم فَهُوَ الْملَائي ، أحد الْحفاظ الْأَعْلَام ، وَعبد السَّلَام بن حَرْب شريك أبي نعيم فِي بيع الملاء ، ثِقَة بِإِجْمَاع ، وَيزِيد بن عبد الرَّحْمَن هُوَ أَبُو خَالِد الدالاني ، قد عرفت أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ فِي حَدِيث النّوم فِي بَاب الْأَحْدَاث ، وَيَحْيَى بن إِسْحَاق وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَأمه ذكرهَا الْمزي ، ثمَّ الذَّهَبِيّ ، وَلم يذكر لَهَا حَالا ، وَقد أسلفت لَك حَالهَا فِي بَاب النَّجَاسَات فِي حَدِيث الْهِرَّة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم أَو الطوافات .
كتاب السَّبق وَالرَّمْي كتاب السَّبق وَالرَّمْي ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فسبعة عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَابق بَين الْخَيل الَّتِي قد ضُمِّرت من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع ، وسابق بَين الْخَيل الَّتِي لم تضمر من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع ، وسابق بَين الْخَيل الَّتِي لم تضَمَّر من الثَّنية إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِيهِمَا عَن مُوسَى بن عقبَة : إِن بَين الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع خَمْسَة أَمْيَال أَو سَبْعَة ، وللبخاري قَالَ سُفْيَان : من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع خَمْسَة أَمْيَال أَو سِتَّة ، وَمن ثنية الْوَدَاع إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق ميل . فَائِدَة : يُقَال : أضمرت وضمرت ، وَمَعْنَاهُ أَن يقلل عَلفهَا مُدَّة وَتدْخل بَيْتا وتجلل فِيهِ فتعرق ويجف عرقها فيخف لَحمهَا وتقوى عَلَى الجري . والحفياء بحاء مُهْملَة ثمَّ فَاء سَاكِنة ، وبالمد وَالْقصر ، الفصيح الْأَشْهر الْمَدّ ، وَعَلِيهِ اقْتصر الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه ، والحاء مَفْتُوحَة بِلَا خلاف ، وَأَخْطَأ من ضمهَا ، كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب الْمطَالع وَيُقَال : بِتَقْدِيم الْيَاء عَلَى الْفَاء . حَكَاهُ الْحَازِمِي قَالَ : وَالْأَشْهر تَقْدِيم الْفَاء . وَقَوله : لم تضمر رُوِيَ بِسُكُون الضَّاد وتحريكها . وثنية الْوَدَاع عِنْد الْمَدِينَة ، سميت بذلك ؛ لِأَن الْخَارِج من الْمَدِينَة يمشي مَعَه المودعون إِلَيْهَا . وَبَنُو زُرَيْق [ بِتَقْدِيم ] الزَّاي عَلَى الرَّاء ، وزريق أَخُو بياضة ابْنا عَامر بن زُرَيْق بن عبد جَارِيَة بن مَالك بن غصب - بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة - بن حسيم بن الْخَزْرَج أخي الْأَوْس ابْني جَارِيَة بَطنا من الْأَنْصَار ، قَالَ ابْن دحْيَة فِي تنويره : وَفِي السّنة السَّادِسَة من الْهِجْرَة سَابق النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْخَيْلِ أول سباق كَانَ بِالْمَدِينَةِ .
الحَدِيث السَّابِع عَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قيل لَهُ : أَكُنْتُم تراهنون عَلَى عهد رَسُول الله ؟ قَالَ : نعم . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طَرِيقين ، لَكِن لَا ذكر لعُثْمَان فيهمَا . أَحدهمَا : عَن أبي لبيد قَالَ : أرسل الحكم بن أَيُّوب الْخَيل يَوْمًا فَقُلْنَا : لَو أَتَيْنَا أنس بن مَالك . فأتيناه فَسَأَلْنَاهُ : أَكُنْتُم تراهنون عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : نعم ، لقد رَاهن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى فرس لَهُ يُقَال لَهَا : سبْحَة ، جَاءَت سَابِقَة . فبهش لذَلِك وَأَعْجَبهُ ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و خلافياته . و سبْحَة من قَوْلهم : فرس سباح إِذا كَانَ حسن مد الْيَدَيْنِ فِي الجري . وَقَوله : فبهش أَي : هش وَفَرح . قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد ، وَأخرجه الدَّارمِيّ بِلَفْظ : فانهش ثمَّ قَالَ : أنهشه ، يَعْنِي : أعجبه . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن سُلَيْمَان بن حَرْب ، عَن حَمَّاد بن زيد أَو سعيد بن زيد ، عَن وَاصل مولَى أبي عُيَيْنَة قَالَ : حَدثنِي مُوسَى بن عبيد قَالَ : [ أَصبَحت ] فِي الْحجر بَعْدَمَا صلينَا الْغَدَاة ، فَلَمَّا أسفرنا إِذا فِينَا عبد الله بن عمر فَجعل يستقرئنا رجلا رجلا يَقُول : أَيْن صليت يَا فلَان ؟ قَالَ : يَقُول : هَاهُنَا ، حَتَّى أَتَى عَلّي فَقَالَ : أَيْن صليت يَا ابْن عبيد ؟ فَقلت : هَاهُنَا . فَقَالَ : بخ بخ ! مَا نعلم صَلَاة أفضل عِنْد الله من صَلَاة الصُّبْح جمَاعَة يَوْم الْجُمُعَة ، فَسَأَلُوهُ [ فَقَالُوا ] : يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ، أَكُنْتُم تتراهنون عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : نعم ؛ لقد رَاهن عَلَى فرس يُقَال لَهَا : سبْحَة ، فَجَاءَت سَابِقَة . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و خلافياته قَالَ : قَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق : كَانَ سُلَيْمَان بن حَرْب ثَنَا بِهَذَا الحَدِيث عَن حَمَّاد بن زيد ، ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك : حَمَّاد بن زيد أَو سعيد بن زيد . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب ، عَن حَمَّاد بن زيد من غير شكّ ، وَرَوَاهُ أَسد بن مُوسَى عَن حَمَّاد بن زيد ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا إِن صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ إِذا سبق أحد الفارسين صَاحبه فَيكون السَّبق مِنْهُ دون صَاحبه ، وَأعله الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي ، فَقَالَ فِي كتاب الْخَيل : سقط بَين مُوسَى بن عُبَيْدَة وَابْن عمر : نَافِع أَو عبد الله بن دِينَار .
الحَدِيث الرَّابِع عَن عقبَة بن عَامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر يَقُول : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي ، أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي ، أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي . وَفِي رِوَايَة لَهُ من ستفتح لكم أرضون ويكفيكم الله ؛ فَلَا يعجز أحدكُم أَن يلهو بأسهُمه ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . قَالَ : وَإِنَّمَا لم يُخرجهُ البُخَارِيّ ؛ لِأَن صَالح بن كيسَان أوقفهُ .
الحَدِيث الثَّامِن أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تسابق هُوَ وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي السّنَن المأثورة عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : سابقت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فسبقته ، فَلَمَّا حملت اللَّحْم سابقته فَسَبَقَنِي ، فَقَالَ : هَذِه بِتِلْكَ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أَبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، وَعَن أَبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا كَانَت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سفر (فسابقني) فسبقته عَلَى رجْلي ، فَلَمَّا حملت اللَّحْم سابقته فَسَبَقَنِي ، فَقَالَ : هَذِه بِتِلْكَ السبقة . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْفَزارِيّ ، عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن [ أَبي ] سَلمَة عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سفر وَهِي جَارِيَة ، فَقَالَ لأَصْحَابه : تقدمُوا ، فتقدموا ، ثمَّ قَالَ : تعالي أسابقك . فسابقته فسبقته عَلَى رجْلي ، فَلَمَّا كَانَ بعد خرجت مَعَه فِي سفر فَقَالَ لأَصْحَابه : تقدمُوا ، ثمَّ قَالَ : تعالي أسابقك . ونسيت الَّذِي كَانَ ، وَقد حملت اللَّحْم فَقلت : كَيفَ أسابقك يَا رَسُول الله وَأَنا عَلَى هَذِه الْحَال ؟ ! فَقَالَ : لتفعلن . فسابقته فَسَبَقَنِي ، فَقَالَ : هَذِه بِتِلْكَ السبقة . وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة ، عَن رجل غير مُسَمَّى ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث سُفْيَان ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَنْهَا قَالَت : سابقني رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فسبقته . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا من رِوَايَة هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : سابقني النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فسبقته ، فلبثنا حَتَّى إِذا أرهقني اللَّحْم سابقني فَسَبَقَنِي ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم هَذِه بِتِلْكَ . وَفِي علل ابْن أبي [ حَاتِم ] عَن أبي زرْعَة أَنه قَالَ : رَوَى هَذَا الحَدِيث هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، وَرَوَاهُ هِشَام ، عَن رجل ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا قَالَ أَبُو زرْعَة : وَهَذَا أصح . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه وَأبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة ، قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَة ، عَن هِشَام ، عَن رجل ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة ، وَرَوَاهُ جرير ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . قلت : وَكَذَا أخرجه الْأَئِمَّة : أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه ، كَمَا تقدم ، وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا هُوَ الصَّوَاب ؛ لِاجْتِمَاع عدَّة من الروَاة عَلَيْهِ لَا كَمَا قَالَ أَبُو زرْعَة ، وَيحْتَمل أَنه سمع الحَدِيث من أَبِيه وَمن أبي سَلمَة .
وَأما آثاره : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : علمُوا أَوْلَادكُم الرَّمْي وَالْمَشْي بَين الغرضين . وَلَا أعلم من رَوَاهُ عَنهُ هَكَذَا ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ أَنه كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن علمُوا غِلْمَانكُمْ العوم ، ومقاتلتكم الرَّمْي . قَالَ : وَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ بَين الْأَغْرَاض ، فجَاء سهم غرب فَأصَاب غُلَاما فَقتله ، وَهَكَذَا هُوَ فِي مُسْند أَحْمد ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عِيسَى بن إِبْرَاهِيم ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سُلَيْمَان مولَى أبي رَافع ، عَن أبي رَافع قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، أللولد علينا حق كحقنا عَلَيْهِم ؟ قَالَ : نعم ، حق الْوَلَد عَلَى الْوَالِد أَن يُعلمهُ الْكِتَابَة والسباحة وَالرَّمْي [ وَأَن يورثه طيبا ] ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا حَدِيث ضَعِيف ، عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الْهَاشِمِي هَذَا من شُيُوخ بَقِيَّة ، مُنكر الحَدِيث ، ضعفه يَحْيَى بن معِين وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى الرَّمْي بَين الغرضين عَن عقبَة ، وَابْن عمر ، وَأنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . قلت : أثر عقبَة أخرجه مُسلم فِي أَفْرَاده من حَدِيث الْحَارِث بن يَعْقُوب ، عَن عبد الرَّحْمَن بن شماسَة أَن فقيمًا اللَّخْمِيّ قَالَ لعقبة بن عَامر : تخْتَلف بَين هذَيْن الغرضين وَأَنت كَبِير يشق عَلَيْك ذَلِك ! فَقَالَ عقبَة : لَوْلَا كَلَام سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم أَعَانَهُ . قَالَ الْحَارِث : فَقلت لِابْنِ شماسَة : وَمَا ذَلِك قَالَ : إِنَّه [ قَالَ ] من علم الرَّمْي ثمَّ تَركه فَلَيْسَ منا - أَو قد عَصَانِي ، وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير بِسَنَد جيد ، عَن مُجَاهِد قَالَ : رَأَيْت ابْن عمر يشْتَد بَين الغرضين وَيَقُول : (إِنِّي) بهَا ، ثمَّ أخرج بِسَنَدِهِ عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا : من مَشَى بَين الغرضين كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة حَسَنَة ، وَفِي النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء من حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ : رَأَيْت جَابر بن عبد الله ، وَجَابِر بن عُمَيْر (الْأنْصَارِيّ) يرميان ، فمل أَحدهمَا فَجَلَسَ ، فَقَالَ الآخر : [ كسلت ! ] : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : كل شَيْء لَيْسَ من ذكر الله فَهُوَ لَغْو وسهو إِلَّا أَربع خِصَال : مشي الرجل بَين الغرضين ، وتأديب فرسه ، وملاعبته أَهله ، وَتَعْلِيم السباحة .
الحَدِيث التَّاسِع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صارع ركَانَة عَلَى شِيَاه . هَذَا الحَدِيث [ رَوَاهُ ] أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ فِي كتاب اللبَاس من سُنَنهمَا عَن قُتَيْبَة بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن ربيعَة ، عَن أبي الْحسن الْعَسْقَلَانِي ، عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن ركَانَة ، عَن أَبِيه أَن ركَانَة صارع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فصرعه ، قَالَ ركَانَة : وَسمعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : فرق مَا بَيْننَا وَبَين الْمُشْركين العمائم عَلَى القلانس ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَلَيْسَ إِسْنَاده بالقائم ، وَلَا نَعْرِف أَبَا الْحسن وَلَا ابْن ركَانَة . وَقَالَ النَّوَوِيّ : مُرْسل ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف : لَا يَصح . قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف : هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْحسن بن العَبْد ، وَغير وَاحِد عَن أبي دَاوُد بِمثل رِوَايَة التِّرْمِذِيّ ، وَذكر أَبُو الْقَاسِم - يَعْنِي : ابْن عَسَاكِر - أَن أَبَا دَاوُد قَالَه عَن أبي جَعْفَر [ بن ] مُحَمَّد بن ركَانَة قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو الْحُسَيْن بن قَانِع فِي مُعْجَمه عَن أَحْمد ابن عبد الرَّحْمَن بن بشار النَّسَائِيّ ، ومُوسَى بن هَارُون ، عَن قُتَيْبَة ، عَن مُحَمَّد بن ربيعَة ، عَن أبي الْحسن ، عَن مُحَمَّد بن يزِيد بن ركَانَة ، عَن أَبِيه أَن ركَانَة صارع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يذكر أَبَا جَعْفَر . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ بالبطحاء فَأَتَى عَلَيْهِ يزِيد بن ركَانَة - أَو ركَانَة بن يزِيد - وَمَعَهُ أعنز لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك أَن تصارعني ؟ فَقَالَ : مَا تسبقني ؟ قَالَ : شَاة من غنمي . فصارعه [ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] فصرعه ، فَأخذ شَاة ، فَقَالَ ركَانَة : هَل لَك فِي الْعود ؟ قَالَ : مَا تسبقني . قَالَ : أُخْرَى . ذكر ذَلِك مرَارًا فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، وَالله مَا وضع أحد جَنْبي إِلَى الأَرْض وَمَا أَنْت الَّذِي تصرعني ! يَعْنِي : فَأسلم ، فَرد عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غنمه ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : (هَذَا مُرْسل) قَالَ : وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد آخر مَوْصُولا إِلَّا أَنه ضَعِيف . وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ الَّتِي قدمناها ، أَو إِلَى رِوَايَة أبي بكر الشَّافِعِي ؛ فَإِنَّهُ رَوَاهُ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَ زيد بن ركَانَة إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة من الْغنم ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك أَن تصارعني [ قَالَ ] وَمَا تجْعَل لي إِن صرعتك ؟ قَالَ : مائَة من غنمي . قَالَ : فصارعه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فصرعه ، ثمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك فِي الْعود ؟ قَالَ : وَمَا تجْعَل لي إِن صرعتك ؟ قَالَ : مائَة أُخْرَى . قَالَ فصارعه فصرعه ، ثمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّد ، هَل لَك فِي الْعود ؟ قَالَ : وَمَا تجْعَل لي ؟ قَالَ : مائَة من الْغنم . قَالَ : فصارعه فصرعه ، قَالَ : يَا مُحَمَّد ، وَمَا وضع ظَهْري أحد عَلَى الأَرْض فَتلك ، وَمَا كَانَ أحد أبْغض إِلَيّ مِنْك ؛ فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله . فَقَامَ عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ورد عَلَيْهِ غنمه . وَأخرجه أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة مطولا ، وَفِيه : أَن واديه أجم يُقَال لَهُ : إضم ، وَأَنه صارعه عَلَى عشرَة فصرعه ، ثمَّ مثلهَا فصرعه . ثمَّ مثلهَا فصرعه . وَفِيه : أَنه دَعَا الشَّجَرَة ثمَّ ردهَا وَفِي آخِره فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنِّي دَعَوْت رَبِّي فَأَعَانَنِي عَلَيْهِ ، وَإِن رَبِّي أعانني عَلَيْهِ ببضع عشرَة وبقوة عشرَة . فَائِدَتَانِ : أَحدهمَا : ركَانَة - بتَخْفِيف الْكَاف ، وَضم الرَّاء ، وبالنون - هُوَ ابْن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي قرشي حجازي مكي مدنِي ، أسلم يَوْم فتح مَكَّة هَذَا الَّذِي نعرفه ، وَإِن كَانَ ظَاهر رِوَايَة أبي دَاوُد ، وَأبي بكر الشَّافِعِي يُخَالف ذَلِك ، لَا جرم قَالَ الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فِي كتاب الْخَيل - بعد أَن سَاق مثل رِوَايَة أبي دَاوُد عَن العسكري وَالصَّحِيح أَنه من مسلمة الْفَتْح - : وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء ركَانَة غَيره . هَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَغَيرهمَا ، قَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ : وَهَذَا الحَدِيث أمثل مَا رُوِيَ فِي مصارعة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَأَما مَا رُوِيَ فِي مصارعته - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] أَبَا جهل فَلَا أصل لَهُ ، وركانة هَذَا هُوَ الَّذِي طلق امْرَأَته سهيمة أَلْبَتَّة ، وَلَا أعرف لَهُ غير هذَيْن الْحَدِيثين . الثَّانِيَة : وَقع فِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي هَذَا الْبَاب أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صارع يزِيد بن ركَانَة وَهُوَ مُوَافق لرِوَايَة أبي بكر السالفة ، وَكَذَا رِوَايَة أبي دَاوُد ، فَإِن فِيهَا يزِيد بن ركَانَة - أَو ركَانَة بن يزِيد - بِالشَّكِّ ، لَكِن ركَانَة بن يزِيد هُوَ الْمَشْهُور ؛ فَاشْتَدَّ إِنْكَار النَّوَوِيّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ فِي التَّهْذِيب : إِن هَذَا مِنْهُ غلط لَا شكّ فِيهِ ، وَلم يطلع عَلَى رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي ذكرهَا فِي الْمَرَاسِيل . فَائِدَة ثَالِثَة : هَذَا الحَدِيث يسْتَدلّ بِهِ من يجوز الْمُسَابقَة بالمصارعة بعوض ، وَالْأَظْهَر عدم جَوَاز هَذَا ؛ لحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيُجَاب عَن الحَدِيث بِأَنَّهُ كَانَ الْغَرَض فِي الْقِصَّة أَن يرِيه شدته ليسلم ، فَلَمَّا أسلم رد عَلَيْهِ غنمه .
الحَدِيث الثَّالِث عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى قوم من أسلم يتناضلون بِالسُّيُوفِ ، فَقَالَ : ارموا بني إِسْمَاعِيل ؛ فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَهَذَا لَفظه : مر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى نفر من أسلم يتنضلون ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ارموا بني إِسْمَاعِيل ، فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا [ ارموا ] وَأَنا مَعَ بني فلَان . قَالَ : فَأمْسك أحد الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِم ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا لكم لَا ترمون ؟ ! قَالُوا : كَيفَ نرمي وَأَنت مَعَهم ؟ ! فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ ، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ : وَلَقَد رموا عَامَّة يومهم ذَلِك ، ثمَّ تفَرقُوا عَلَى السوَاء مَا نضل بَعضهم بَعْضًا ، وَقَالا فِي أَوله : حسن لهَذَا اللَّهْو ، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا . قَالَ الْحَاكِم : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالُوا : يَا رَسُول الله ، من كنت مَعَه غلب ! ثمَّ سَاق الحَدِيث ، قَالَ : وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم قَالَ : وَهُوَ شَاهد لحَدِيث ابْن عَبَّاس - الَّذِي عَلَى شَرطه أَيْضا - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِقوم يرْمونَ ، فَقَالَ : (ارموا) بني إِسْمَاعِيل ؛ فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أَدخل فرسا بَين فرسين وَقد أَمن أَن يسبقهما فَهُوَ قمار ، وَإِن لم يُؤمن أَن يسبقهما فَلَيْسَ بقمار . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مَحْمُود بن خَالِد ، عَن الْوَلِيد بن مُسلم ، عَن سعيد بن بشير ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَعَن مُسَدّد ، عَن حُصَيْن بن نمير ، وَعَن عَلّي بن مُسلم ، عَن عباد بن الْعَوام ، عَن سُفْيَان بن حُسَيْن ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، وَمُحَمّد بن يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَن يزِيد بن هَارُون عَن سُفْيَان بِهِ ، وَرَوَاهُ أَحْمد عَن يزِيد ثَنَا سُفْيَان بِهِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه عَن سعيد بن أَوْس الدِّمَشْقِي الإسكاف ، عَن هِشَام بن خَالِد الْأَزْرَق ، عَن الْوَلِيد بن مُسلم ، عَن سعيد بن بشير ، عَن قَتَادَة ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا كَمَا سلف ، ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن قَتَادَة إِلَّا سعيد ، وَلَا عَنهُ إِلَّا الْوَلِيد ، تفرد بِهِ هِشَام بن خَالِد . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طريقي أبي دَاوُد ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ سُفْيَان بن حُسَيْن وَسَعِيد بن بشير . وَرَوَاهُ شَيْخه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، فَإِن خَ و م وَإِن لم يخرجَا حَدِيث سعيد بن بشير وسُفْيَان بن حُسَيْن فهما إمامان بِالشَّام وَالْعراق ، وَمِمَّنْ يجمع حَدِيثهمَا . قَالَ : وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمَا اعتمدا [ حَدِيث ] معمر عَلَى الْإِرْسَال ؛ فَإِنَّهُ أرْسلهُ عَن الزُّهْرِيّ . وَأقر الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته مقَالَة الْحَاكِم فِي أَنه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَسَعِيد بن بشير حَافظ وَثَّقَهُ شُعْبَة ودحيم وسُفْيَان بن عُيَيْنَة ، تكلم فِيهِ غَيره ، وسُفْيَان بن حُسَيْن صَدُوق تكلم فِيهِ وَاسْتشْهدَ بِهِ خَ وَذكره م فِي مُقَدّمَة صَحِيحه ، وَصحح التِّرْمِذِيّ حَدِيثه عَن يُونُس بن عبيد عَن عَطاء عَن جَابر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام نهَى عَن المحاقلة والمزابنة وَالْمُخَابَرَة والثُّنْيَا إِلَّا أَن تعلم ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام بعد أَن رَوَاهُ : سُفْيَان هَذَا ثِقَة أخرج لَهُ مُسلم ، إِلَّا أَنه قد استضعف فِي حَدِيث الزُّهْرِيّ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه رَوَى هَذَا الحَدِيث : معمر وَشُعَيْب وَعقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن رجال من أهل الْعلم ، ثمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد : وَهَذَا أصح عندنَا . قَالَ ابْن الْقطَّان : هَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو دَاوُد من أَن وقف هَذَا الحَدِيث هُوَ الْأَصَح عِنْده لَيْسَ بعلة فِي الْحَقِيقَة لَو كَانَ سُفْيَان وَسَعِيد [ رافعاه ] ثقتين ؛ إِذْ لَا بعد أَن يكون فِي الْخَبَر عِنْد الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، وَعَن رجال من أهل الْعلم ذَهَبُوا إِلَيْهِ ورأوه رَأيا لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا الشَّأْن فِي سُفْيَان وَسَعِيد . وَصَححهُ أَيْضا أَبُو مُحَمَّد بن حزم كَمَا صَححهُ الْحَاكِم وَأعله جماعات بِالْوَقْفِ ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : هَذَا خطأ لم يعْمل سُفْيَان بن حُسَيْن شَيْئا لاشتبه أَن يكون عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأحسن أَحْوَاله أَن يكون عَن سعيد بن الْمسيب قَوْله ، وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد - يَعْنِي : الْأنْصَارِيّ - عَن سعيد قَوْله ، وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان مَرْفُوعا وَغَيره لَا يرفعهُ ، وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : سَأَلت ابْن معِين فَقَالَ : بَاطِل . وَخط عَلَى أبي هُرَيْرَة ، وَرجح ابْن عبد الْبر أَيْضا وَقفه عَلَى سعيد ، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي [ الْحِلْية ] مُخْتَصرا من طَرِيق أبي دَاوُد الأولَى ، لكنه قَالَ بدل سعيد بن بشير : سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن الزُّهْرِيّ بِهِ ، ثمَّ قَالَ : غَرِيب من حَدِيث سعيد تفرد بِهِ الْوَلِيد .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أَن العضباء نَاقَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَت لَا تسبق ، فجَاء أَعْرَابِي عَلَى قعُود لَهُ فسبقها ، فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَى الْمُسلمين ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن حقًّا عَلَى الله أَن لَا يرفع شَيْئا من الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من رِوَايَة حميد عَن أنس بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه والعضباء : المشقوقة الْأذن ، وَلم تكن نَاقَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عضباء ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا اسْما لَهَا كَمَا تقدم فِي كتاب الْحَج فِي الْقَصْوَاء ، وَوَقع فِي الْمُهَذّب : أَن لَا يرفع من هَذِه الْقُدْرَة شَيْء إِلَّا وَضعه قيل : لفظ الْقُدْرَة بِالدَّال الْمُهْملَة بِمَعْنى الْمَقْدُور ، وَقيل : بِمَعْنى القذرة - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة .
الحَدِيث الْحَادِي عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَابق بَين الْخَيل ، وَجعل بَينهمَا سبقًا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه عَن الْحسن بن سُفْيَان ، ثَنَا [ إِبْرَاهِيم ] بن الْمُنْذر الْحزَامِي ، ثَنَا عبد الله بن نَافِع ، عَن عَاصِم بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَابق بَين الْخَيل وَجعل بَينهمَا [ سبقا ] وَجعل بَينهمَا محللاً ، وَقَالَ : لَا سبق إِلَّا فِي حافر أَو نصل ، وَعَاصِم هَذَا قد صحّح ابْن حبَان حَدِيثه كَمَا ترَى ، وَذكره فِي ثقاته وَقَالَ : يُخطئ وَيُخَالف . (وَذكره فِي الضُّعَفَاء وَقَالَ : لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ) . فَخَالف كَلَامه فِي ثقاته وَقَالَ : يُخطئ وَيُخَالف . وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام وَلم يعقبه بِتَضْعِيف ، وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم النَّبِيل فِي كتاب الْجِهَاد فَقَالَ : ثَنَا عبد الله بن كاسب ، ثَنَا عبد الله بن نَافِع ، عَن عَاصِم بن عمر ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سبق بَين الْخَيل ، وَجعل بَينهمَا محللاً ، وَقَالَ قبيله : ثَنَا يَعْقُوب بن حميد ، ثَنَا عبد الله بن نَافِع ، عَن عَاصِم بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سَابق بَين الْخَيل ، وَجعل بَينهمَا سبقًا قَالَ أَبُو مُوسَى : عَن معمر ، عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سبق بَين الْخَيل وراهن ، وَرَوَاهُ الْجَلِيّ فِي كتاب فرق الفروسية من حَدِيث عبد الله بن دِينَار أَيْضا ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَابق بَين الْخَيل وَجعل بَينهمَا محللاً ، وَقَالَ : لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو نصل ، وَرَوَى فِيهِ أَيْضا من حَدِيث عبد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سَابق بَين الْخَيل فَذكره بِمثلِهِ ، وَرَوَى فِيهِ أَيْضا بِهَذَا السَّنَد أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سَابق بَين الْخَيل وراهن وَهَذَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده .
الحَدِيث السَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أجلب عَلَى الْخَيل يَوْم الرِّهَان فَلَيْسَ منا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث ضرار بن صرد - وَهُوَ أَبُو نعيم - ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن ثَوْر بن زيد ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من جلب عَلَى الْخَيل يَوْم الرِّهَان فَلَيْسَ منا ، وَضِرَار هَذَا كذبه ابْن معِين وَقَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ : مَتْرُوك ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق صَاحب قُرْآن وفرائض وَلَا يحْتَج بِهِ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره : ضَعِيف . وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم السالف ، عَن أبي شُعَيْب صَالح بن دِينَار السُّوسِي ، ثَنَا مُوسَى بن دَاوُد ، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن ثَوْر بن زيد الديلِي ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من أجلب عَلَى الْخَيل يَوْم الرِّهَان فَلَيْسَ منا . انْتَهَى الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث الثَّانِي عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : إِذا [ سبق أحرز مَا ] أخرج وَلَا شَيْء لَهُ عَلَى الآخر ، وَإِن سبق الآخر أَخذ مَا أخرج الأول جَازَ ؛ لما رُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بحزبين من الْأَنْصَار يتناضلون وَقد سبق أَحدهمَا الآخر ، فأقرهما عَلَى ذَلِك ، وَعَن مَالك أَنه لَا يجوز ؛ لِأَنَّهُ قمار ، وَأجَاب الْأَصْحَاب بِأَن الْقمَار أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مترددًا بَين أَن يغنم وَيغرم ، وليسا ولا أحد مِنْهُمَا كَذَلِك ، أما الْمخْرج فَإِنَّهُ يتَرَدَّد بَين أَن يغرم وَبَين أَن لَا يغرم وَلَا يغنم بِحَال ، وَأما الآخر فمتردد بَين أَن يغنم وَبَين أَن لَا يغنم وَلَا يغرم بِحَال . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ . وَهَذَا الحَدِيث لَا أعلم من خرجه وَلَا دلَالَة فِيهِ للْمُدَّعِي .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا جلب وَلَا جنب فِي الرِّهَان . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب أَدَاء الزَّكَاة وتعجيلها وَهُوَ الحَدِيث الْخَامِس مِنْهُ ، وَمِمَّا لم يقدمهُ هُنَاكَ أَن الْحَافِظ إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب الْجوزجَاني رَوَى هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا جلب وَلَا جنب ، وَإِذا لم يدْخل المراهنان فرسا يَسْتَبِقَانِ عَلَى السهْم فِيهِ فَهُوَ حرَام ، وَفِي إِسْنَاده مَجْهُول ، وَرَوَاهُ القَاضِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو بن أبي عَاصِم النَّبِيل ، عَن رجل من ولد الْحَارِث بن هِشَام ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : لَا جنب وَلَا جلب ، وَإِذا أَدخل المرتهنان فرسا يَسْتَبِقَانِ عَلَى سَيْفه فَهُوَ حرَام .
الحَدِيث الثَّالِث عشر قَالَ الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِن ذكرا غَايَة لَا يصبهَا السهْم بَطَل العقد ، وَإِن كَانَت الْإِصَابَة فِيهَا نادرة فَفِيهِ الْوَجْهَانِ وَالْقَوْلَان فِي الشُّرُوط النادرة ، وَقدر الْأَصْحَاب الْمسَافَة الَّتِي تقرب بِموضع الْإِصَابَة فِيهَا بمائتين وَخمسين ذِرَاعا ، وَقد رُوِيَ عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قيل لَهُ : كَيفَ كُنْتُم تقاتلون الْعَدو ؟ فَقَالَ : إِذا كَانُوا عَلَى مِائَتَيْنِ وَخمسين ذِرَاعا قاتلناهم بِالْحِجَارَةِ ، وَإِذا كَانُوا عَلَى أقل من ذَلِك قاتلناهم بِالسَّيْفِ . قَالَ : وقدروا الْمسَافَة [ الَّتِي يتَعَذَّر فِيهِ ] الْإِصَابَة بِمَا زَاد عَلَى ثَلَاثمِائَة وَخمسين ، وَرووا أَنه لم يرم إِلَى أَرْبَعمِائَة إِلَّا عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ ، وَجعلُوا مَا بَين المقدارين فِي حد النَّادِر . هَذَا كَلَام الرَّافِعِيّ . وَأخرج الحَدِيث الْمَذْكُور بِنَحْوِهِ وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن أَحْمد بن [ مابهرام ] الإيذجي ثَنَا إِسْحَاق بن زيد الْقطَّان الْأَيْلِي ، ثَنَا يَعْقُوب بن محمدٍ ثَنَا عَاصِم بن سُوَيْد ، ثَنَا مُحَمَّد بن الْحجَّاج ، عَن حُسَيْن بن السَّائِب بن أبي لبَابَة ، ثَنَا أبي ، عَن أَبِيه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم بدر : كَيفَ تقاتلون الْقَوْم إِذا لقيتموهم ؟ فَقَامَ عَاصِم بن ثَابت فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِذا كَانَ الْقَوْم منا حَيْثُ ينالهم النبل كَانَت المراماة بِالنَّبلِ ، فَإِذا اقتربوا حَتَّى ينالنا وإياهم الْحِجَارَة كَانَت المراضخة بِالْحِجَارَةِ فَأخذ ثَلَاثَة أَحْجَار : حجرا فِي يَده ، وحجرين فِي حجزته ، فَإِذا اقتربوا حَتَّى ينالنا وإياهم الرماح كَانَت المداعسة بِالرِّمَاحِ فَإِذا انْقَضتْ الرماح كَانَت الجلاد بِالسُّيُوفِ . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بِهَذَا أنزلت الْحَرْب ، من قَاتل فَيُقَاتل قتال عَاصِم . قلت : وَعَاصِم بن ثَابت هَذَا هُوَ ابْن أبي الأقلح - بِالْقَافِ لَا بِالْفَاءِ - كَمَا ورد فِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي نعيم ، فَإِنَّهُ سَاقه كَذَلِك ، وَهَذَا سياقته : ثَنَا أَبُو [ عَمْرو ] بن حمدَان ، ثَنَا [ الْحسن ] بن سُفْيَان ، ثَنَا مُحَمَّد بن الصَّباح ، ثَنَا عَاصِم بن سُوَيْد ، حَدثنِي رِفَاعَة بن الْحجَّاج الْأنْصَارِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن حُسَيْن بن السَّائِب قَالَ : لما كَانَ لَيْلَة الْعقبَة - أَو لَيْلَة الْبَدْر - قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لمن مَعَه : كَيفَ تقاتلون ؟ فَقَامَ [ عَاصِم ] بن ثَابت بن الأقلح ، فَأخذ الْقوس وَأخذ النبل فَقَالَ : أَي رَسُول الله ، إِذا كَانَ الْقَوْم قَرِيبا من مِائَتي ذِرَاع أَو نَحْو ذَلِك كَانَ الرَّمْي بالقسي ، وَإِذا دنا الْقَوْم حَتَّى تنالنا وتنالهم الْحِجَارَة كَانَت المراضخة بِالْحِجَارَةِ ، فَإِذا دنا الْقَوْم حَتَّى تنالنا وتنالهم الرماح كَانَت المداعسة بِالرِّمَاحِ حَتَّى تتقصف ، [ فَإِذا تقصفت ] وَضعنَا وَأخذ [ السَّيْف فتقلد ] واستُل السَّيْف ، وَكَانَت السلَّة والمجالدة بِالسُّيُوفِ . قَالَ : فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بِهَذَا أنزلت الْحَرْب ، من قَاتل فليقاتل قتال عَاصِم .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بحزبين من الْأَنْصَار يتناضلون ، فَقَالَ : أَنا من الحزب الَّذِي فِيهِ ابْن الأدرع . هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه مَرْوِيّ من طَرِيقين فِي أَحدهمَا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقوم من أسلم يرْمونَ ، فَقَالَ : ارموا بني (أسلم) فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميًا ، ارموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع . فَأمْسك الْقَوْم (رميهم) فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، من كنت مَعَه غلب . قَالَ : ارموا وَأَنا مَعَ كلكُمْ . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي عَن مُحَمَّد بن إِيَاس بن سَلمَة بن الْأَكْوَع ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر عَلَى نَاس من أسلم يتناضلون ، فَقَالَ : حسن هَذَا اللَّهْو - مرَّتَيْنِ - ارموا فَإِنَّهُ كَانَ لكم أَب يَرْمِي ، ارموا وَأَنا مَعَ ابْن الأدرع . فَأمْسك الْقَوْم أَيْديهم ، فَقَالَ : مَا لكم ؟ فَقَالُوا : لَا وَالله لَا نرمي وَأَنت مَعَه يَا رَسُول الله ، إِذا ينضلنا . فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : ارموا وَأَنا مَعكُمْ جَمِيعًا . قَالَ : فرموا عَامَّة يومهم ، ثمَّ تفَرقُوا عَلَى السوَاء مَا نضل بَعضهم بَعْضًا . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من طَرِيقين ، وَلم أر فِي طَرِيق من طرق هَذَا الحَدِيث وَلَا غَيره : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام مر بحزبين من الْأَنْصَار ، وَإِنَّمَا فِيهَا : أَنه [ مر ] بِقوم من أسلم ، وَفِي بَعْضهَا : بِنَفر من أسلم ، وَابْن الأدرع صَحَابِيّ نزل الْبَصْرَة واختط مَسْجِدهَا ، واسْمه : محجن ، وَاسم الأدرع : سَلمَة بن ذكْوَان ، والأدرع بِفَتْح الْهمزَة ، وَإِسْكَان الدَّال وَفتح الرَّاء وبالعين المهملات .
الحَدِيث الرَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا بَين الهدفين رَوْضَة من رياض الْجنَّة . هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي الزبير ، عَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَجَبت محبتي عَلَى من سَعَى بَين الغرضين بقوسي لَا بقوس كسْرَى . وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ : رَأَيْت جَابر بن عبد الله وَجَابِر بن عُمَيْر الأنصاريين يرميان [ فملَّ أَحدهمَا ] فَجَلَسَ ، فَقَالَ لَهُ صَاحبه ! أجلست أما سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : كل [ شَيْء ] لَيْسَ من ذكر الله فَهُوَ سَهْو وَلَهو إِلَّا أَربع : مشي الرجل بَين الغرضين ، وتأديبه فرسه ، وتعلمه السباحة ، وملاعبته أَهله .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ( سُئِلَ عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن والودك (فَقَالَ) : استصبحوا بِهِ وَلَا تأكلوه . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : أنسبها رِوَايَة عبد الْوَاحِد بن زِيَاد ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن فَقَالَ : إِن كَانَ جَامِدا فخذوها ، وَمَا حولهَا فألقوه ، وَإِن كَانَ ذائبًا أَو مَائِعا فاستصبحوا بِهِ - أَو فانتفعوا بِهِ . ذكره الطَّحَاوِيّ فِي بَيَان الْمُشكل و(اخْتِلَاف الْعلمَاء) عَن فَهد بن سُلَيْمَان ، ثَنَا الْحسن بن الرّبيع ، ثَنَا عبد الْوَاحِد فَذكره ، وَذكره أَيْضا ابْن عبد الْبر فِي تمهيده وَعبد الْوَاحِد هَذَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة ، وَهُوَ ثِقَة (لَهُ) أَوْهَام كَغَيْرِهِ ، مَشاهُ ابْن عدي ، وَتكلم فِيهِ ابْن معِين وَيَحْيَى الْقطَّان وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : إِنَّه ثِقَة إِذا انْفَرد بِحَدِيث قبل حَدِيثه ، وَكَذَلِكَ إِذا انْفَرد بِزِيَادَة قبلت زِيَادَته . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث ابْن عمر : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن والودك ، فَقَالَ : اطرحوها واطرحوا مَا حولهَا إِن كَانَ جَامِدا ، وَإِن كَانَ مَائِعا فانتفعوا بِهِ ، وَلَا تأكلوه . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث شُعَيْب بن يَحْيَى ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن ابْن جريج ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم بن عبد الله ، عَن أَبِيه . وَشُعَيْب بن يَحْيَى هَذَا ثِقَة عَابِد من رجال النَّسَائِيّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم فِي حَقه إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف . فَإِن أَرَادَ بِهِ (أَنه لَيْسَ مَعْرُوف) الْحَال ، فقد عرف ، أَو الْعين ، فقد رَوَى عَن حَيْوَة بن شُرَيْح ، وَاللَّيْث ، وَعنهُ : الْحَارِث بن مِسْكين ، وَبكر بن سهل . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ لأجل مقَالَة (أبي) حَاتِم هَذِه ، وَقد عرفت مَا فِيهَا ، وَأعله عبد الْحق فِي أَحْكَامه بِيَحْيَى بن أَيُّوب ، وَقَالَ : إِنَّه لَا يحْتَج بِهِ . وَيَحْيَى هَذَا من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة وَهُوَ ثِقَة يعرف ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَحَله الصدْق وَلَا يحْتَج بِهِ . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ لأجل هَذَا . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن وَالزَّيْت ، فَقَالَ : استصبحوا بِهِ ، وَلَا تأكلوه . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه أَيْضا من حَدِيث أبي هَارُون الْعَبْدي ، عَن أبي سعيد بِهِ . وَأَبُو هَارُون الْعَبْدي : عمَارَة بن جُوَيْن واه بِالْإِجْمَاع ، وَقَالَ حَمَّاد بن زيد : كَذَّاب . وَقَالَ شُعْبَة : لِأَن أقدم فَيضْرب عنقِي أحب إليّ من (أَن) أحدث عَنهُ . الطَّرِيق الرَّابِع : (من) حَدِيث إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن أبي جَابر البياضي ، عَن ابْن الْمسيب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن كَانَ جَامِدا أَخذ مَا حولهَا قدر الْكَفّ ، وَإِذا وَقع فِي الزَّيْت ، (استصبح) . (رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق) فِي مُصَنفه عَن إِبْرَاهِيم بِهِ ، وَهَذَا مَعَ إرْسَاله مُشْتَمل عَلَى إِبْرَاهِيم هَذَا ، وَقد عرفت حَاله فِي كتاب الطَّهَارَة ، وَأبي جَابر البياضي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ، وَقد تَرَكُوهُ ، قَالَ الشَّافِعِي : من حدث عَن أبي جَابر البياضي بيض الله عَيْنَيْهِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الْجَبَّار بن عمر ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن فَأْرَة وَقعت فِي سمن ، فَقَالَ : ألقوها وَمَا حولهَا ، وكلوا مَا بَقِي . فَقيل : يَا نَبِي الله ، أَفَرَأَيْت إِن كَانَ السّمن مَائِعا ؟ فَقَالَ : انتفعوا بِهِ وَلَا تأكلوه) ثمَّ قَالَ : عبد الْجَبَّار هَذَا غير مُحْتَج بِهِ . قَالَ : وَرَوَى ابْن جريج عَن ابْن شهَاب هَكَذَا ، وَالطَّرِيق إِلَيْهِ غير قوي . ثمَّ رَوَى حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب السالف ثمَّ قَالَ : وَالصَّحِيح عَن ابْن عمر مَوْقُوفا من قَوْله غير مَرْفُوع . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق يعْلى بن عبيد ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر فِي فَأْرَة وَقعت فِي زَيْت ، قَالَ : استصبحوا بِهِ ، وادهنوا بِهِ (أدمكم) ثمَّ رَوَى حَدِيث أبي سعيد السالف مَرْفُوعا ثمَّ مَوْقُوفا ، وَقَالَ : إِنَّه الْمَحْفُوظ . ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَن حَدِيث الْفَأْرَة هَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث مَيْمُونَة وَلم يفرق فِيهِ بَين الْمَائِع والجامد ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من حَدِيث معمر ، عَن الزُّهْرِيّ (عَن ابْن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة ) بالتفرقة ، وَضَعفه التِّرْمِذِيّ . وَقَالَ : إِنَّه غير مَحْفُوظ ، سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ يَقُول : حَدِيث معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة - فِي هَذَا - خطأ ، وَالصَّحِيح حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن عبيد الله ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة . وسيكون لنا عودة إِلَيْهِ فِي كتاب البيع حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ هُنَاكَ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - ذَلِك وَقدره . هَذَا آخر أَحَادِيث الْبَاب .
كتاب صَلَاة الْخَوْف كتاب صَلَاة الْخَوْف ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ؛ أما الْأَحَادِيث فسبعة : الحَدِيث الأول أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يصل صَلَاة الْخَوْف فِي حَرْب الخَنْدَق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي بَاب الْأَذَان مَعَ الْجَواب عَنهُ .
الحَدِيث الثَّانِي صلَاته - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِبَطن نخل ، وَهِي أَن تصلى مرَّتَيْنِ كل مرّة بفرقة . رَوَاهَا جَابر وَأَبُو (بكرَة) . هُوَ كَمَا قَالَ ، أما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنهُ ، أما البُخَارِيّ فَرَوَاهُ فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع من كتاب الْمَغَازِي وَلَفظه عَنهُ : كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِنَخْل فَصَلى الْخَوْف . وَلما أخرج حَدِيث صَالح بن خَوات الْآتِي ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِنَخْل فَذكر صَلَاة الْخَوْف . وَأما مُسلم (فَرَوَاهُ) هُنَا وَلَفظه عَنهُ : أَنه صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الْخَوْف ، فَصَلى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، ثمَّ صَلَّى بالطائفة الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ، فَصَلى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَربع رَكْعَات وَصَلى بِكُل طَائِفَة رَكْعَتَيْنِ . وَأما حَدِيث أبي (بكرَة) فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَالنَّسَائِيّ) بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ قَالَ : صَلَّى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي خوف الظّهْر ، فَصف بَعضهم خَلفه وَبَعْضهمْ بِإِزَاءِ الْعَدو ، فَصَلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سلم ، فَانْطَلق الَّذين صلوا مَعَه فوقفوا موقف أَصْحَابهم ، ثمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فصلوا خَلفه ، فَصَلى بهم رَكْعَتَيْنِ [ ثمَّ سلم ] فَكَانَت للنَّبِي صلى الله عليه وسلم أَرْبعا (وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ) . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بقريب من هَذَا اللَّفْظ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه لَكِن بِلَفْظ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَلَّى بالقوم فِي الْخَوْف صَلَاة الْمغرب ثَلَاث رَكْعَات ثمَّ انْصَرف ، وَجَاء الْآخرُونَ فَصَلى بهم ثَلَاث رَكْعَات . قَالَ الْحَاكِم : سَمِعت أَبَا عَلّي الْحَافِظ يَقُول : هَذَا حَدِيث غَرِيب . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هُوَ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . فَائِدَتَانِ : الأولَى : أبدى ابْن الْقطَّان لحَدِيث أبي بكرَة (هَذَا عِلّة فَقَالَ فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام : عِنْدِي أَن هذَيْن الْحَدِيثين - يَعْنِي حَدِيث أبي بكرَة) من طريقيه - غير متصلين ، فَإِن أَبَا بكرَة لم يصل مَعَه صَلَاة الْخَوْف ، وَإِن كَانَ قد قَالَ فِي حَدِيث أبي دَاوُد أَنه صلاهَا مَعَه وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك ؛ لِأَن من المتقرر عِنْد أهل السّير (والأخباريين) - وَهُوَ أَيْضا صَحِيح (الْإِسْنَاد الْموصل) عِنْد الْمُحدثين - أَنه أسلم حِين حِصَار الطَّائِف ، نزل من سورها ببكرة وَبهَا كني أَبَا بكرَة ، وحصار الطَّائِف كَانَ بعد الِانْصِرَاف من حنين ، وَقيل : قسم غنائمها بالجعرانة ، وَلما انْتقل عَنْهَا إِنَّمَا انْتقل (إِلَى) الْجِعِرَّانَة فقسم بهَا غَنَائِم حنين ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة فَأَقَامَ بهَا مَا بَين ذِي الْحجَّة إِلَى رَجَب ، ثمَّ خرج إِلَى تَبُوك غازيًا للروم ، فَأَقَامَ بتبوك بضع عشرَة لَيْلَة لم يجاوزها وَلم يكن بهَا حَرْب تصلى لَهَا صَلَاة الْخَوْف ، وَهِي آخر غَزْوَة غَزَاهَا بِنَفسِهِ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ، فعلَى هَذَا لَا أَدْرِي لصَلَاة أبي (بكرَة) مَعَه موطنًا ، وَقد جَاءَت عَنهُ فِي هَذَا رِوَايَات لَا توهم أَنه شَهِدَهَا كَرِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن أبي حرَّة ، عَن الْحسن ، عَن أبي بكرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْخَوْف فصفهم صفّين صف بِإِزَاءِ الْعَدو الحَدِيث . ذكره الْبَزَّار ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُنكر ، فَإِنَّهُ لم يقل أَنه صلاهَا مَعَه ، وَكَذَلِكَ [ رِوَايَة ] أَشْعَث ، عَن الْحسن ، عَن أبي (بكرَة) ذكرهَا الْبَزَّار أَيْضا ، فَاعْلَم ذَلِك . الْفَائِدَة الثَّانِيَة : بطن نخل مَكَان من نجد من أَرض غطفان ، هَكَذَا قَالَ صَاحب الْمطَالع وَالْجُمْهُور . وَقَالَ الْحَازِمِي : بطن نخل قَرْيَة بالحجاز . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : وَلَا مُخَالفَة بَينهمَا . قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : وَاعْلَم أَن بطن نخل مَوضِع من أَرض نجد من أَرض غطفان ، فَهِيَ وَذَات الرّقاع من أَرض غطفان ، ولكنهما صلاتان فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين . وَفِي كتاب الْمَغَازِي من صَحِيح البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ : خرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى ذَات الرّقاع من أَرض نخل فلقي (جمعا من) غطفان فَلم يكن قتال وأخاف النَّاس بَعضهم بَعْضًا ، فَصَلى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَكْعَتي (الْخَوْف) .
الحَدِيث الثَّالِث صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام بعسفان . وَهِي (صَحِيحَة) وَقد أخرجهَا البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث سهل بن أبي (حثْمَة) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْف فصفهم خَلفه صفّين ، فَصَلى بالذين يلونه رَكْعَة ، ثمَّ قَامَ فَلم يزل قَائِما حَتَّى صَلَّى الَّذين (خَلفه) رَكْعَة ، ثمَّ تقدمُوا وَتَأَخر الَّذين كَانُوا (قدامه) فَصَلى بهم رَكْعَة ، ثمَّ قعد حَتَّى صَلَّى الَّذين (تخلفوا) رَكْعَة ثمَّ سلم . وَأخرجه مُسلم من حَدِيث جَابر مطولا . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ من حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي مطولا . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : (إِسْنَاده) صَحِيح إِلَّا أَن بعض أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ يشك فِي سَماع مُجَاهِد من أبي عَيَّاش . ثمَّ ذكر الحَدِيث بِإِسْنَاد جيد عَن مُجَاهِد قَالَ : نَا أَبُو عَيَّاش . وَقَالَ : بَين فِيهِ سَماع مُجَاهِد من أبي عَيَّاش . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بعد أَن أخرج الحَدِيث : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن مُجَاهدًا لم يسمع هَذَا الْخَبَر من أبي عَيَّاش وَلَا لأبي عَيَّاش الزرقي صُحْبَة فِيمَا زعم . ثمَّ أخرجه من حَدِيث مُجَاهِد ، نَا أَبُو عَيَّاش الزرقي قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعسفان ثمَّ (سَاق) الحَدِيث ، قَالَ الْمُنْذِرِيّ : سَمَاعه مِنْهُ مُتَوَجّه فَإِنَّهُ ذكر مَا يدل عَلَى أَن مولد مُجَاهِد سنة عشْرين ، وعاش أَبُو عَيَّاش إِلَى بعد الْأَرْبَعين ، وَقيل إِلَى بعد الْخمسين . قَالَ أَبُو حَاتِم ابن حبَان فِي صَحِيحه : وَأَبُو عَيَّاش هَذَا اخْتلف فِي اسْمه ، فَمنهمْ من قَالَ : هُوَ زيد بن النُّعْمَان ، وَمِنْهُم من قَالَ : زيد بن الصَّامِت ، وَمِنْهُم من قَالَ : هُوَ عبيد بن مُعَاوِيَة بن الصَّامِت ، وَمِنْهُم من قَالَ : عبيد بن معَاذ بن الصَّامِت . وَرَوَى النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم نَحْو هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس . قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط (البُخَارِيّ) . قلت : وَأخرجه البُخَارِيّ بِلَفْظ : قَامَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَامَ النَّاس مَعَه فَكبر وَكَبرُوا مَعَه ، وَركع وَركع نَاس (مِنْهُم) ، وَسجد وسجدوا مَعَه ، ثمَّ قَامَ ثَانِيَة فَقَامَ الَّذين سجدوا وحرسوا إخْوَانهمْ ، وَأَتَتْ الطَّائِفَة الْأُخْرَى [ فركعوا وسجدوا ] مَعَه وَالنَّاس كلهم فِي صَلَاة وَلَكِن يحرس بَعضهم بَعْضًا . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : لما ذكر الرَّافِعِيّ الْكَيْفِيَّة الَّتِي ذكرهَا الشَّافِعِي فِي الْمُخْتَصر أَن أهل الصَّفّ الثَّانِي يَسْجُدُونَ مَعَه فِي الرَّكْعَة الأولَى وَالْأول فِي الثَّانِيَة . ثمَّ ذكر الرَّافِعِيّ اخْتِلَاف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك وَأَن مِنْهُم من قَالَ : إِن هَذِه الْكَيْفِيَّة منقولة عَن فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمِنْهُم من قَالَ : هَذَا خلاف التَّرْتِيب فِي السّنة ، فَإِن الثَّابِت فِي السّنة أَن أهل الصَّفّ الأول يَسْجُدُونَ مَعَه فِي الرَّكْعَة الأولَى ، وَأهل الصَّفّ الثَّانِي يَسْجُدُونَ مَعَه فِي الثَّانِيَة ، وَالشَّافِعِيّ عكس ذَلِك . وَقَالُوا : الْمَذْهَب مَا ورد بِهِ الْخَبَر ؛ لِأَن الشَّافِعِي قَالَ : إِذا رَأَيْتُمْ قولي مُخَالفا (للسّنة) فاطرحوه . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَاعْلَم أَن مُسلما وَأَبا دَاوُد وَابْن مَاجَه وَغَيرهم من أَصْحَاب المسانيد لم يرووا إِلَّا الثَّانِي نعم فِي بعض الرِّوَايَات أَن طَائِفَة سجدت مَعَه ، ثمَّ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة سجد مَعَه الَّذين كَانُوا قيَاما ، وَهَذَا يحْتَمل الترتيبين جَمِيعًا ، وَلم يقل الشَّافِعِي إِن الْكَيْفِيَّة الَّتِي ذكرتها صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعسفان ، وَلَكِن قَالَ : وَهَذَا نَحْوهَا . قلت : وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي قَالَ الرَّافِعِيّ أَنَّهَا مُحْتَملَة الترتيبين جَمِيعًا أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، حَدثنِي دَاوُد بن الْحصين ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : مَا كَانَت صَلَاة الْخَوْف إِلَّا كَصَلَاة أحراسكم (هَؤُلَاءِ الْيَوْم خلف أئمتكم إِلَّا أَنَّهَا كَانَت أَظُنهُ) قَالَ عقبه : قَامَت الطَّائِفَة وهم جَمِيع مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وسجدت مَعَه طَائِفَة ، ثمَّ قَامَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَسجد الَّذين (كَانُوا) قيَاما (لأَنْفُسِهِمْ) ثمَّ قَامَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَامُوا مَعَه جَمِيعًا ، ثمَّ ركع وركعوا مَعَه جَمِيعًا ، ثمَّ سجد (فَسجدَ) مَعَه الَّذين كَانُوا قيَاما أول مرّة ، وَقَامَ الْآخرُونَ الَّذين كَانُوا سجدوا مَعَه أول مرّة ، فَلَمَّا جلس رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالَّذين سجدوا مَعَه فِي آخر صلَاتهم سجد الَّذين كَانُوا قيَاما لأَنْفُسِهِمْ ثمَّ (جَلَسُوا) فَجَمعهُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالسَّلَامِ . ثَانِيهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَحَكَى أَبُو الْفضل بن عَبْدَانِ أَن من أَصْحَابنَا من قَالَ يَحْرُسُونَ فِي الرُّكُوع أَيْضا . قَالَ : وَفِي بعض الرِّوَايَات مَا يدل عَلَيْهِ . قلت : هُوَ ظَاهر رِوَايَة البُخَارِيّ السالفة . ثَالِثهَا : قَالَ الرَّافِعِيّ : واشتهر فِي (البُخَارِيّ) أَن (الصَّفّ الثَّانِي يَحْرُسُونَ فِي الرَّكْعَة الأولَى ، وَفِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة يتَقَدَّم أهل الصَّفّ الثَّانِي ويتأخر أهل الصَّفّ الأول ، فَتكون الحراسة فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِمَّن خلف الصَّفّ الأول) لَا من الصَّفّ الأول ، كَذَلِك ورد فِي الْخَبَر . قلت : حَدِيث أبي عَيَّاش الزرقي الَّذِي (سقناه صَرِيح) فِي ذَلِك . فَائِدَة : عسفان - بِعَين مَضْمُومَة ثمَّ سين سَاكِنة - مهملتين - قَرْيَة جَامِعَة بهَا مِنْبَر وَهِي بَين مَكَّة وَالْمَدينَة . وَقَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّأ : بَين عسفان وَمَكَّة أَرْبَعَة برد . وَهُوَ صَحِيح فالأربعة برد ثَمَانِيَة و(أَرْبَعُونَ) ميلًا وَذَلِكَ مرحلتان . و (وَقع) فِي الْمطَالع أَن بَينهمَا سِتَّة وَثَلَاثِينَ ميلًا . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه بعد أَن حَكَاهُ عَنهُ : غير مَقْبُول مِنْهُ . وَتبع الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه صَاحب (الْمطَالع) وَأفَاد أَنَّهَا سميت بعسفان لعسف السُّيُول (بهَا) .
الحَدِيث الرَّابِع صلَاته عَلَيْهِ السَّلَام بِذَات الرّقاع رَوَاهُ مَالك عَن يزِيد بن رُومَان ، عَن صَالح بن خَوات بن جُبَير ، عَمَّن صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم ذَات الرّقاع . وَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن صَالح ، عَن سهل بن أبي (حثْمَة) ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهَا ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ . أما حَدِيث صَالح فمتفق عَلَيْهِ من حَدِيث عَمَّن صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم ذَات الرّقاع صَلَاة الْخَوْف أَن طَائِفَة (صفت) مَعَه وَطَائِفَة وجاه الْعَدو ، فَصَلى بالذين مَعَه رَكْعَة ، ثمَّ ثَبت قَائِما وَأَتمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ، ثمَّ انصرفوا (وصفوا) وجاه الْعَدو ، وَجَاءَت الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَصَلى الرَّكْعَة الَّتِي بقيت ، ثمَّ ثَبت جَالِسا وَأَتمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ، ثمَّ سلم بهم . وَرَوَاهُ مَالك بلفظين : أَحدهمَا هَذَا . وَثَانِيهمَا : عَن صَالح أَن سهل بن أبي حثْمَة حَدثهُ أَن صَلَاة الْخَوْف أَن يقوم الإِمَام وَمَعَهُ طَائِفَة من أَصْحَابه وَطَائِفَة مُوَاجهَة الْعَدو ، فيركع الإِمَام رَكْعَة ، وَيسْجد بالذين مَعَه ، ثمَّ يقوم ، فَإِذا اسْتَوَى قَائِما ثَبت وَأَتمُّوا لأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة الْبَاقِيَة ، ثمَّ يسلمُونَ وينصرفون ، وَالْإِمَام قَائِم ، فيكونون وجاه الْعَدو ، ثمَّ يقبل الْآخرُونَ الَّذين لم (يسلمُوا) فيكبرون وَرَاء الإِمَام ، فيركع بهم وَيسْجد ثمَّ يسلم ، فَيقومُونَ فيركعون لأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَة (الثَّانِيَة) ثمَّ يسلمُونَ . وَأما رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ لَهُ ، عَن صَالح ، عَن سهل بن أبي حثْمَة ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَصَحِيح كَمَا عزاهُ الرَّافِعِيّ إِلَيْهِمَا . قَالَ عبد الْحق : وَمُرَاد صَالح بن خَوات بِمن صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هُوَ سهل بن أبي حثْمَة . وَتوقف ابْن الْقطَّان فِي ذَلِك ؛ لِأَن ذَات الرّقاع كَانَت بعد بني النَّضِير فِي صدر السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة ، وَسَهل توفّي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين . قَالَه جماعات . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم إِنَّه بَايع تَحت الشَّجَرَة وَشهد الْمشَاهد كلهَا إِلَّا بَدْرًا ، وَكَانَ دَلِيل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَا يَصح ؛ إِنَّمَا كَانَ الدَّلِيل أَبوهُ عَامر بن سَاعِدَة ، وَهُوَ الَّذِي بَعثه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خارصًا ، وَأَبُو بكر وَعمر بعده . وَتُوفِّي فِي خلَافَة مُعَاوِيَة ؛ فسهل كَانَ سنه فِي زمن ذَات الرّقاع سنتَيْن أَو نَحْوهَا . ثمَّ أوضح ذَلِك بدلائله . وَأما حَدِيث ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - فمتفقٌ عَلَيْهِ من حَدِيثه ، قَالَ : (صَلَّى) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَاة الْخَوْف بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَة ، والطائفة الْأُخْرَى مُوَاجهَة الْعَدو ، ثمَّ انصرفوا ، وَقَامُوا فِي مقَام أَصْحَابهم مُقْبِلين عَلَى الْعَدو ، وَجَاء أُولَئِكَ ، ثمَّ صَلَّى بهم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ سلم (بهم) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَة وَهَؤُلَاء رَكْعَة . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة . (فَائِدَة : خوَّات - بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة ثمَّ وَاو مُشَدّدَة ، ثمَّ مثناة فَوق - وَهُوَ فِي اللُّغَة : الرجل الجريء . كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي . وحثمة بمثلثة بعد الْمُهْملَة ، والحثمة هِيَ الأكمة الْحَمْرَاء ، وَبهَا سميت الْمَرْأَة حثْمَة . قَالَه الْجَوْهَرِي . قَالَ : وَتقول حثمْتُ بِمَعْنى أَعْطَيْت ، وَبِمَعْنى دلكت) . فَائِدَة : - ذَات الرّقاع بِكَسْر الرَّاء - : مَوضِع قبل نجد من أَرض غطفان ، وَاخْتلف فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك عَلَى أَقْوَال ، أَصَحهَا كَمَا قَالَه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ وَالنَّوَوِيّ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنه قَالَ فِيهَا : نقبت أقدامنا فَكُنَّا نلف عَلَى أَرْجُلنَا الخِرق ؛ فسميت غَزْوَة ذَات الرّقاع ؛ لما كُنَّا نعصب عَلَى أَرْجُلنَا من الْخرق . ونقبت - بِفَتْح النُّون ، وَضمّهَا - أَي : تقرحت وتقطعت جلودها . (وَعبارَة الرَّافِعِيّ ، قيل : كَانَ الْقِتَال فِي سفح جبل فِيهِ جدد بيض وحمر كالرقاع . انْتَهَى . وسفح الْجَبَل : أَسْفَله ، حَيْثُ يسفح فِيهِ المَاء ، أَي يُراق . والجُدد : الطّرق ، جمع جُدد ، بِضَم الْجِيم فيهمَا ، فالجبل الْمَذْكُور كَانَت فِيهِ طرائق تخَالف لون الْجَبَل) . وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب : الْأَصَح أَنه اسْم مَوضِع ؛ لقَوْله فِي صَحِيح مُسلم : حَتَّى إِذا كُنَّا بِذَات الرّقاع . وَهَذَا يدل عَلَى أَنه مَوضِع ، قَالَ : وَذَات الرّقاع ، قيل : إِنَّه اسْم شَجَرَة هُنَاكَ سميت بِهِ الْغَزْوَة ، وَقيل : (إِنَّه) اسْم جبل هُنَالك بِنَجْد من أَرض غطفان فِيهِ بَيَاض وَحُمرَة وَسَوَاد يُقَال لَهَا الرّقاع ، فسميت الْغَزْوَة بِهِ . وَيحْتَمل أَن هَذِه الْأُمُور كلهَا وجدت فِيهَا . وَجمع أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي أَمَالِيهِ أقوالاً فِي اسْمهَا ، فَقَالَ : قَالَ بعض أهل الْعلم : التقَى الْقَوْم فِي أَسْفَل أكمة ذَات ألوان ، فَهِيَ ذَات الرّقاع . وَقَالَ ابْن (جرير) : ذَات الرّقاع من نخل . قَالَ : و(الْجَبَل) الَّذِي سميت بِهِ ذَات الرّقاع ، هُوَ جبل فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد . قَالَ ابْن إِسْحَاق : وَيُقَال : ذَات الرّقاع لشَجَرَة بذلك الْموضع . وَقيل : بل تقطعت راياتهم فرقعت ، فَلذَلِك سميت ذَات الرّقاع . قَالَ غَيره : وَقيل : بل كَانَت راياتهم ملونة الرّقاع . وَكَانَت غَزْوَة ذَات الرّقاع سنة أَربع من الْهِجْرَة . وَذكر البُخَارِيّ أَنَّهَا بعد خَيْبَر ؛ لِأَن أَبَا مُوسَى (الْأَشْعَرِيّ) جَاءَ بعد خَيْبَر . فَائِدَة (ثَالِثَة) : جَاءَت صَلَاة الْخَوْف عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى سِتَّة عشر نوعا ، وَهِي مفصلة فِي صَحِيح مُسلم ، ومعظمها فِي سنَن أبي دَاوُد وَاخْتَارَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهَا هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة ، أَعنِي : صلَاته بِبَطن نخل ، وبذات الرّقاع ، وبعسفان ، وَذكر الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه مِنْهَا ثَمَانِيَة أَنْوَاع ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه مِنْهَا تِسْعَة ، ثمَّ قَالَ : هَذِه الْأَخْبَار لَيْسَ بَينهَا تضَاد وَلَا تهاتر ، وَلَكِن الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم صَلَّى صَلَاة الْخَوْف مرَارًا فِي أَحْوَال مُخْتَلفَة بأنواع متباينة عَلَى حسب مَا ذَكرنَاهَا ، أَرَادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام تَعْلِيم أمته صَلَاة الْخَوْف ، أَنه مُبَاح لَهُم أَن يصلوها أَي نوع من الْأَنْوَاع التِّسْعَة (الَّتِي صلاهَا فِي الْخَوْف عَلَى حسب الْحَاجة إِلَيْهَا ، والمرء مُبَاح لَهُ أَن يُصَلِّي مَا شَاءَ) عِنْد الْخَوْف من هَذِه الْأَنْوَاع الَّتِي ذَكرنَاهَا ، إِذْ هِيَ من الِاخْتِلَاف الْمُبَاح من غير أَن يكون بَينهَا تضَاد وَلَا تهاتر . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم : قد جَاءَ فِيهَا نَحْو أَرْبَعَة عشر نوعا . و(نقل) ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ : مَا أعلم فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيثا صَحِيحا . وَاخْتَارَ حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة . وَقَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيّ : جَمِيع مَا ورد عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (فِي صَلَاة الْخَوْف) جَائِز لَا يرجح بعضه عَلَى بعض . قَالَ أهل الحَدِيث وَالسير عَلَى مَا نَقله عَنْهُم النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَأول صَلَاة صلاهَا الشَّارِع للخوف صَلَاة بِذَات الرّقاع . وَقَول الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط والرافعي فِي الْكتاب أَنَّهَا آخر غَزَوَاته غير صَحِيح ، بل آخرهَا غَزْوَة تَبُوك كَمَا هُوَ الْمَشْهُور من أهل الْمَغَازِي وَالسير .
الحَدِيث الْخَامِس عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - (أَنه قَالَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى : (فَإِن خِفْتُمْ فرجالاً أَو ركبانًا) قَالَ ابْن عمر : أَي مستقبلي الْقبْلَة ، وَغير مستقبليها . قَالَ نَافِع : لَا أرَاهُ ذكر ذَلِك إِلَّا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) . هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة .
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث ابْن [ عَمْرو ] - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَرَوَاهُ أَيْضا مَعَ الشَّيْخَيْنِ الشَّافِعِي وَأحمد فِي مسنديهما ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن (صَحِيح) . وَفِي أبي دَاوُد بعد ذَلِك : وَمن قتل دون أَهله أَو دون مَاله ، أَو دون دينه فَهُوَ شَهِيد . وَفِي رِوَايَة للنسائي : من قَاتل دون مَاله فَقتل فَهُوَ شَهِيد ، (وَمن قَاتل دون دَمه فَقتل فَهُوَ شَهِيد) ، وَمن قَاتل دون أَهله فَقتل فَهُوَ شَهِيد . وَفِي رِوَايَة لَهُ : وَمن قَاتل دون دينه فَهُوَ شَهِيد .
وَأما آثاره فخمسة : أَولهَا وَثَانِيها وَثَالِثهَا : أَن عليًّا وَأَبا مُوسَى وَحُذَيْفَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وَغَيرهم صلوا صَلَاة الْخَوْف بعد وَفَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ كَمَا قَالَ (فقد) صَحَّ ذَلِك عَنْهُم كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن سعيد بن أبي وَقاص ، وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة ، وَسَعِيد بن العَاصِي ، وَغَيرهم ، رَوَى أَحَادِيثهم الْبَيْهَقِيّ وَبَعضهَا فِي سنَن أبي دَاوُد والنَّسَائِيّ وصَحِيح الْحَاكِم وَغَيرهم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالصَّحَابَة الَّذين رووا صَلَاة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْخَوْف لم يحملهَا أحد مِنْهُم عَلَى تخصيصها بِالنَّبِيِّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا بزمنه بل رَوَاهَا كل وَاحِد وَهُوَ يعتقدها مَشْرُوعَة عَلَى الصّفة الَّتِي رَوَاهَا . الْأَثر الرَّابِع : أَن عليًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - صَلَّى الْمغرب صَلَاة الْخَوْف لَيْلَة الهرير بالطائفة الأولَى رَكْعَة ، وبالثانية رَكْعَتَيْنِ . وَهَذَا الْأَثر ذكره عَلَى هَذَا الْوَجْه الصيدلاني ، وَالْإِمَام ، وَالْغَزالِيّ وَذكره ( الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِنَحْوِهِ) بِغَيْر إِسْنَاد ، وَأَشَارَ إِلَى ضعفه ، فَقَالَ : وَيذكر عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَن عليًّا صَلَّى الْمغرب صَلَاة الْخَوْف (لَيْلَة) الهرير . وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة بِإِسْنَادِهِ إِلَى الشَّافِعِي قَالَ : وَحفظ عَن عَلّي بن أبي طَالب أَنه صَلَّى صَلَاة الْخَوْف لَيْلَة الهرير . كَمَا رَوَى صَالح بن خَوات ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَائِدَة : الهرير - بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء ، ثمَّ يَاء (مثناة تَحت) ثمَّ رَاء أُخْرَى - تَقول الْعَرَب : هر فلَان الْحَرْب هريرًا أَي كرهها . كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي ، وَكَأَنَّهَا سميت بذلك لكراهتهم الْحَرْب فِي تِلْكَ اللَّيْلَة لِكَثْرَة مَا وَقع فِيهَا من الْقَتْل . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : هِيَ حَرْب بَين عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَبَين الْخَوَارِج ، وَكَانَ بَعضهم يهر عَلَى بعض ، فسميت بذلك . قَالَ : وَقيل : هِيَ لَيْلَة صفّين بَين عَلّي وَمُعَاوِيَة . وَجزم بِهَذِهِ الْمقَالة فِي شَرحه الْمُهَذّب فَقَالَ : هِيَ لَيْلَة من ليَالِي صفّين ، سميت بذلك لِأَنَّهُ كَانَ لَهُم هرير عِنْد حمل بَعضهم عَلَى بعض . وَعبارَة صَاحب التنقيب عَلَى الْمُهَذّب : إِنَّهَا لَيْلَة صفّين بَين عَلّي وَأهل الشَّام ، سميت بذلك لأَنهم لما عجزوا عَن الْقِتَال كَانَ بَعضهم يهر عَلَى بعض . قَالَ : وَكَانَ أَصْحَاب عَلّي تسعين ألفا ، وَأَصْحَاب مُعَاوِيَة مائَة و(عشْرين) ألفا ، وَقيل بِالْعَكْسِ . قَالَ : وَبَقِي الْقِتَال بَينهم مائَة وَعشرَة أَيَّام ، وَقتل من أَصْحَاب عَلّي خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا ، مِنْهُم من الصَّحَابَة والبدريين خَمْسَة وَعِشْرُونَ ، وَقتل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا . الْأَثر الْخَامِس : قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأما تسميد الأَرْض بالزبل فَجَائِز . قَالَ الإِمَام : وَلم يمْنَع مِنْهُ أحد للْحَاجة الْقَرِيبَة من الضَّرُورَة ، وَقد نَقله الْأَثْبَات عَن أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت : ترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بَاب مَا جَاءَ فِي طرح السرجين والعذرة فِي الأَرْض فِي أثْنَاء كتاب الْمُزَارعَة ثمَّ رَوَى (عَن) سعد بن أبي وَقاص أَنه كَانَ يحمل مكتل عُرّة إِلَى أَرض لَهُ وَفِي لفظ لَهُ مكتل عُرّة مكتل بر قَالَ أَبُو عبيد ، عَن الْأَصْمَعِي : (العُرّة هِيَ) عذرة النَّاس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر خلاف ذَلِك فِي الْعذرَة خَاصَّة ، ثمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يشْتَرط عَلَى الَّذِي يكريه أرضه أَن لَا يَعُرّها ، وَذَلِكَ قبل أَن يدع عبد الله الْكِرَاء قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ فِيهِ حَدِيث ضَعِيف . ثمَّ أسْندهُ من حَدِيث ابْن عَبَّاس : كُنَّا نكرِي أَرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ونشترط عَلَيْهِم أَن لَا (يدملوها) بعذرة (النَّاس) . ثمَّ رَوَى عَن ابْن عمر أَن رجلا أَتَاهُ ، فَقَالَ : إِنِّي كنت أكنس حَتَّى تزوجت وعتقت وَحَجَجْت . فَقَالَ : مَا كنت تكنس ؟ قَالَ : الْعذرَة . قَالَ : أَنْت خَبِيث (وعتقك) خَبِيث وحجك خَبِيث ، اخْرُج مِنْهُ كَمَا دخلت فِيهِ .
الحَدِيث الثَّالِث عَن أبي قَتَادَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه رَأَى حمارا وحشيًّا فِي طَرِيق مَكَّة فَقتله ، فَأكل مِنْهُ بعض أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبَى بَعضهم ؛ لأَنهم كَانُوا محرمين ، فسألوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ طعمة أطعمكموها الله هَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ وَقد سلف بَيَانه وَاضحا فِي بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام .
الحَدِيث السَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كل ذِي نَاب من السبَاع فَأَكله حرَام . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور مُنْفَردا بِهِ .
الحَدِيث الثَّانِي عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَام خَيْبَر عَن نِكَاح الْمُتْعَة ، وَعَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحه ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى ذَلِك - يَعْنِي تَحْرِيم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة - من حَدِيث جَابر وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث جَابر وَعبد الله بن عمر ، وَعبد الله بن عَبَّاس ، وَأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي ، وَأنس بن مَالك ، والبراء ، وَعبد الله بن أبي أَوْفَى ، وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع ، وَأخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار ، وزاهر الْأَسْلَمِيّ ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، والعرباض بن سَارِيَة ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث خَالِد ابن الْوَلِيد ، وَعَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب . وَهَذِه الْأَحَادِيث كلهَا مؤذنة بِضعْف حَدِيث ابْن أبجر ، ثمَّ عَلَى تَقْدِير صِحَّته هُوَ فِي حَالَة الِاضْطِرَاب .
الحَدِيث الثَّامِن رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر خَالِد بن الْوَلِيد عَام خَيْبَر حَتَّى نَادَى : أَلا لَا يحل لكم الْحمار الأهلي ، وَلَا كل ذِي نَاب من السبَاع . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه قَرِيبا فِي آخر الحَدِيث الرَّابِع وَلَيْسَ فِيهِ أَن خَالِد بن الْوَلِيد نَادَى لكنه رَاوِي الحَدِيث ، وَتقدم أَنه حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِمثلِهِ ، وَهَذَا لَفظه فِي مُسْند أَحْمد : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أكل لُحُوم الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير . وَفِي رِوَايَة لَهُ : غزونا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَزْوَة خَيْبَر ، فأسرع النَّاس فِي حظائر يهود ، فَأمرنِي أَن أنادي : الصَّلَاة جَامِعَة وَلَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُسلم . ثمَّ قَالَ : يَا أَيهَا النَّاس [ إِنَّكُم ] قد أسرعتم فِي حظائر يهود ، أَلا لَا تحل أَمْوَال المعاهدين إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَحرَام عَلَيْكُم الْحمر الْأَهْلِيَّة وخيلها وبغالها ، وكل ذِي نَاب من السبَاع ، وكل ذِي مخلب من الطُّيُور . وَالَّذِي ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس أَن الَّذِي نَادَى بِتَحْرِيم الْحمر الْأَهْلِيَّة هُوَ أَبُو طَلْحَة . وَأغْرب النَّوَوِيّ فِي مبهماته فَقَالَ : الرجل الَّذِي نَادَى بِتَحْرِيم الْحمر الْأَهْلِيَّة يَوْم خَيْبَر هُوَ أَبُو طَلْحَة رَوَاهُ أَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي مُسْنده من رِوَايَة أنس . وَعَزوه إِلَى مُسلم أولَى ، وَفِي مُسْند أَحْمد أَنه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ذكره من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي .
الحَدِيث السَّادِس عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع ، وَذي مخلب من الطير . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ من هَذَا الطَّرِيق عبد الله بن أَحْمد فِي مُسْند أَبِيه فَقَالَ : حَدثنِي مُحَمَّد بن يَحْيَى ، ثَنَا عبد الصَّمد ، ثَنَا أبي ، حَدثنِي حُسَيْن بن ذكْوَان ، عَن حبيب بن أبي ثَابت ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن كل ذِي نَاب من السبَاع ، وَعَن كل ذِي مخلب من الطير ، وَعَن ثمن الْميتَة ، وَعَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة ، وَعَن مهر الْبَغي ، وَعَن عسب الْفَحْل ، وَعَن المياثر الأرجوان ، كَذَا وَقع فِي الْمسند : حُسَيْن بن ذكْوَان وَهُوَ خطأ ، وَالصَّوَاب حسن بن ذكْوَان . وَكَذَا أخرجه أَبُو يعْلى عَن أبي خَيْثَمَة ، عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث ، عَن أَبِيه ، عَن الْحسن بن ذكْوَان بِهِ ، كَذَا أخرجه الإِمَام إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده عَن عبد الصَّمد ، عَن أَبِيه بِهِ ، وَلَفظه نهَى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع ، وكل ذِي مخلب من الطير ، وَثمن الْميتَة ، وَثمن الْخمر ، والحمر الْأَهْلِيَّة ، وَكسب الْبَغي ، وعسب كل ذِي فَحل ، والمياثر الأرجوان ، وَفِي هَذَا الحَدِيث عِلّة غَرِيبَة لَا يعرفهَا إِلَّا العريق فِي هَذَا الْفَنّ وَهِي الِانْقِطَاع بَين الْحسن بن ذكْوَان وحبِيب ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : الْحسن بن ذكْوَان لم يسمع من حبيب بْن أبي ثَابت شَيْئا ، إِنَّمَا سمع من عَمْرو بن خَالِد عَنهُ ، وَعَمْرو بن خَالِد لَا يسوى حَدِيثه شَيْئا إِنَّمَا هُوَ كَذَّاب مَا تَقول فِيهِ ؟ قَالَ : أَحَادِيثه بَوَاطِيلُ ، يروي عَن حبيب بن أبي ثَابت . فَقلت لَهُ : نعم ، عِنْده غير حَدِيث عَجِيب ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي فِي الْمَسْأَلَة وعسيب الْفَحْل ، فَقَالَ أَبُو عبد الله : هُوَ لم يسمع من حبيب بن أبي ثَابت ، إِنَّمَا هَذِه أَحَادِيث عَمْرو بن خَالِد الوَاسِطِيّ ، وَقَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : لم يرو حبيب بن أبي ثَابت عَن عَاصِم بن ضَمرَة إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَا تثبت لحبيب رِوَايَة عَن عَاصِم ، وَقَالَ ابْن مهْدي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ : حبيب لم يرو عَن عَاصِم بن ضَمرَة شَيْئا . قلت : وَقد اخْتلف الْأَئِمَّة فِي تَوْثِيق عَاصِم بن ضَمرَة فَهَذَا حَدِيث لَا يحْتَج بِهِ ، ويستغنى عَنهُ بِمَا سَيَأْتِي . فَائِدَة : قَالَ أهل اللُّغَة : المخلب بِكَسْر الْمِيم وَإِسْكَان الْمُعْجَمَة وَهُوَ للطير وَالسِّبَاع كالظفر للْإنْسَان وَإِنَّمَا نهَى عَن المياثر لِأَنَّهَا حَرِير والأرجوان : الشَّديد الْحمرَة .
الحَدِيث الرَّابِع عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : ذبحنا يَوْم خَيْبَر الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير فنهانا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن البغال وَالْحمير ، وَلم ينهنا عَن الْخَيل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم ، وَزَاد : وَكُنَّا قد أصابتنا مجاعَة وَذكر بعده فنهانا لَا جرم أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَهَذَا لَفظه : عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، [ عَن ] أبي الزبير ، عَن جَابر أَنهم ذَبَحُوا يَوْم خَيْبَر الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير ، فَنَهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن البغال وَالْحمير وَلم ينْه عَن الْخَيل ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من غير ذكر البغال ، وَهَذَا لَفْظهمَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة ، وأَذِن فِي الْخَيل ، وَفِي رِوَايَة لَهما : أكلنَا زمن خَيْبَر الْخَيل وحمير الْوَحْش ، وَنَهَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْحمار الأهلي ، وَفِي رِوَايَة : فَرخص فِي لُحُوم الْخَيل ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة عَن جَابر قَالَ : أطعمنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لُحُوم الْخَيل ونهانا عَن لُحُوم الْحمر . قلت : هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور عَن قُتَيْبَة بن سعيد ، عَن سُفْيَان ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن جَابر مَرْفُوعا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ثمَّ قَالَ : كَذَا رَوَى غير وَاحِد عَن عَمْرو . وَرَوَى حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي ، عَن جَابر . وَرِوَايَة ابْن عُيَيْنَة أصح ، وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول : ابْن عُيَيْنَة أحفظ من حَمَّاد بن زيد . قلت : وَلم يرو أصل الحَدِيث البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة ، إِنَّمَا رَوَاهُ هُوَ وَمُسلم من حَدِيث حَمَّاد ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَا أعلم أحدا وَافق حَمَّاد بن زيد عَلَى مُحَمَّد بن عَلّي ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث [ سُفْيَان ] بِهِ ، ثمَّ قَالَ : يشبه أَن يكون عَمْرو لم يسمع هَذَا الْخَبَر من جَابر ؛ لِأَن حَمَّاد بن زيد رَوَاهُ عَن عَمْرو ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي عَن جَابر . وَيحْتَمل أَن يكون عَمْرو سمع جَابِرا و [ سمع ] مُحَمَّد بن عَلّي [ عَن جَابر ] ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق حَمَّاد هَذَا لَكِن لَفظه : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم خَيْبَر عَن لُحُوم الْحمر وَأذن فِي لُحُوم الْخَيل ، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث حُسَيْن بن وَاقد ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، وَعَمْرو بن دِينَار عَن جَابر ، وَعَن ابْن أبي نجيح ، عَن عَطاء ، عَن جَابر قَالَ : أطعمنَا رَسُول الله يَوْم خَيْبَر لُحُوم الْخَيل ونهانا عَن لُحُوم الْحمر . وَأما مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من مُعَارضَة مَا نَحن فِيهِ ، عَن خَالِد بن الْوَلِيد أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن أكل لُحُوم الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير وكل ذِي نَاب من السبَاع ، وَفِي بعض رواياتهم أَن ذَلِك يَوْم خَيْبَر فضعيف بِمرَّة . وَقَالَ الإِمَام أَحْمد : هَذَا حَدِيث مُنكر . قلت : فَلم أخرجته فِي مسندك ؟ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : إِنَّه مَنْسُوخ . وَقد أوضحت مقالاتهم فِيهِ فِي شرحي للعمدة ، فراجع ذَلِك مِنْهُ .
الحَدِيث التَّاسِع عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن كل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطير . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من رِوَايَة مَيْمُون بن مهْرَان عَنهُ وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ ، قَالَ ابْن الْقطَّان : وَلم يسمعهُ من ابْن عَبَّاس بل بَينهمَا فِيهِ سعيد بن جُبَير ، كَذَلِك ذكره أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَالْبَزَّار فِي مُسْنده وَقَالَ الْخَطِيب : الصَّحِيح عَن مَيْمُون عَن ابْن عَبَّاس ، لَيْسَ بَينهمَا أحد . وَهَذَا الحَدِيث مَوْجُود فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ ، وَرَوَى البُخَارِيّ وَمُسلم مثله عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي إِلَى قَوْله : السبَاع وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة الْمِقْدَام بن معدي كرب . وَرَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة أبي الدَّرْدَاء مُقْتَصرا عَلَى الْقطعَة الأولَى ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى : وَرَوَاهُ عبد الله بن شبْل قَالَ : وَنقل ساربه رَوَاهُ أَيْضا وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عدي من حَدِيث الْمِقْدَام أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِخَيْبَر فَخَطب النَّاس فَقَالَ : وَإِنِّي أحرم عَلَيْكُم كل ذِي نَاب من السبَاع ، وَمَا سخر من الدَّوَابّ إِلَّا مَا سُمي الله عَلَيْهِ ، وَفِي إسنادها ضعف أوضحه عبد الْحق فِي أَحْكَامه وَغَيره .
كتاب الْأَطْعِمَة كتاب الْأَطْعِمَة ذكر فِيهِ من الْأَحَادِيث أَرْبَعِينَ حَدِيثا . أَحدهَا أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَي لحم نبت من حرَام فَالنَّار أولَى بِهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فِي أَوَاخِر كتاب الصَّلَاة وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل رَوَاهُ من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة وَقَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أُعِيذك بِاللَّه يَا كَعْب بن عجْرَة من أُمَرَاء [ يكونُونَ ] بعدِي ، فَمن غشي أَبْوَابهم فَصَدَّقَهُمْ فِي كذبهمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظلمهم فَلَيْسَ مني وَلست مِنْهُ وَلَا يرد عليَّ الْحَوْض ، وَمن غشي أَبْوَابهم أَو لم يغش (وَلم) يُصدقهُمْ فِي كذبهمْ وَلم يُعِنْهُمْ عَلَى ظلمهم فَهُوَ مني وَأَنا مِنْهُ وَسَيَرِدُ عليَّ الْحَوْض ، يَا كَعْب بن عجْرَة ، الصَّلَاة برهَان ، وَالصَّوْم جنَّة حَصِينَة ، وَالصَّدَََقَة تُطْفِئ الْخَطِيئَة كَمَا يُطْفِئ المَاء النَّار ، يَا كَعْب بن عجْرَة ، إِنَّه لَا يَرْبُو لحم نبت من سحت إِلَّا كَانَت النَّار أولَى [ بِهِ ] . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ، وَسَأَلت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عَن هَذَا الحَدِيث [ فَلم يعرفهُ إِلَّا من حَدِيث عبيد الله بن مُوسَى وَاسْتَغْرَبَهُ جدًّا ] . طَرِيق ثانٍ : رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من سحت ، النَّار أولَى بِهِ ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَذكره شَاهدا لحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : إِن الله أبى عَلّي أَن يدْخل الْجنَّة لحم نبت من سحت ، النَّار أولَى بِهِ ثمَّ قَالَ فِي هَذَا : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من هَذَا الْوَجْه - أَعنِي من حَدِيث جَابر رَفعه - بِلَفْظ : يَا كَعْب بْن عجْرَة ، إِنَّه لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من سحت . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل . قَالَ الْحَاكِم : وَقد رُوِيَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : لحم نبت من سحت عَن أبي بكر وَعمر . ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من نبت لَحْمه من السُّحت فَالنَّار أولَى بِهِ ثمَّ رَوَى أَيْضا موقوفًا عَلَى عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : من نبت لَحْمه من السُّحت فَإلَى النَّار وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة عَنهُ مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي قبله ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث يزِيد بن عبد الْملك النَّوْفَلِي ، عَن يزِيد بن خصيفَة ، عَن السَّائِب بن يزِيد ، عَن عمر بن الْخطاب مَرْفُوعا : من نبت لَحْمه عَلَى السُّحت فَالنَّار أولَى بِهِ . وَله طَرِيق آخر من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَفعه : من نبت لَحْمه من السُّحت فَالنَّار أولَى بِهِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن أبي عبلة إِلَّا مُحَمَّد بن حمير تفرد بِهِ سعيد بن رَحْمَة وَرَوَاهُ فِي الْكَبِير أَيْضا لَكِن عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، ثَنَا مُحَمَّد بن أبان الوَاسِطِيّ ، ثَنَا أَبُو شهَاب ، عَن أبي مُحَمَّد الْجَزرِي - وَهُوَ حَمْزَة النصيبي ، وَهُوَ آفته ؛ فَإِنَّهُ وَضاع - عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا مطولا وَفِي آخِره : وَمن نبت لَحْمه من سحت فَالنَّار أولَى بِهِ ثمَّ قَالَ : فِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن زِيَاد الْقرشِي ، قَالَ الْخَطِيب : فِي حَدِيثه نكرَة . قَالَ يَحْيَى : لَا أعرفهُ . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث أَيُّوب بن سُوَيْد ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن ربعي بن حِرَاش ، عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا : كل لحم أَنْبَتَهُ السُّحت فَالنَّار أولَى بِهِ فَقَالَ : هَذَا خطأ أَخطَأ فِيهِ أَيُّوب بن سُوَيْد ، رَوَى هَذَا الثَّوْريّ ، عَن أبي حَيَّان ، عَن شَدَّاد بن أبي الْعَالِيَة ، عَن أبي دَاوُد الأحمري ، عَن حُذَيْفَة مَوْقُوفا .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَأَلَ رجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أكل الضَّب فَقَالَ : لَا آكله وَلَا أحرمهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِي رِوَايَة لمُسلم : لَا آكله وَلَا أنهَى عَنهُ .
الحَدِيث الْخَامِس عَن أَسمَاء بنت أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : نحرنا فرسا عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأكلنا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَزَاد : وَنحن بِالْمَدِينَةِ وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ : نحرنا فرسا عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأكلناه نَحن وَأهل بَيته .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : دخلت أَنا وخَالِد بن الْوَلِيد مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَيت مَيْمُونَة فَأتي بضب محنوذ ، فَرفع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَده فَقلت : أحرام هُوَ يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : لَا ، وَلكنه لم يكن بِأَرْض قومِي فأجدني أعافه . قَالَ خَالِد : فاجتررته فأكلته وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينظر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَقد ذكرت فَوَائده وَضبط أَلْفَاظه وَالْجَوَاب عَمَّا عَارضه فِي شرح الْعُمْدَة فَليُرَاجع مِنْهُ .
وَمن الْآثَار أثرا وَاحِدًا ، وَهُوَ عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : مَا فِي الْبَحْر شَيْء إِلَّا قد ذكاه الله لكم . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَمْرو ابن دِينَار ، قَالَ : سَمِعت شَيخا يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن قَالَ : سَمِعت أَبَا بكر فَذكره بِلَفْظِهِ سَوَاء . وَرَوَاهُ أَيْضا من رِوَايَة شريك ، عَن ابْن أبي بشير ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : سَمِعت أَبَا بكر يَقُول : إِن الله ذكى لكم صيد الْبَحْر ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ . قَالَ : وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن دِينَار وَأبي الزبير أَنَّهُمَا سمعا رجلا أدْرك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كل شَيْء فِي الْبَحْر مَذْبُوح . قَالَ : وَرُوِيَ ذَلِك [ عَن ] أبي الزبير عَن شُرَيْح مَرْفُوعا ، وَرُوِيَ عَن جَابر وَعبد الله بن سرجس مَرْفُوعا . وَفِي الطّهُور لأبي عبيد : ثَنَا مُحَمَّد ، ثَنَا خلف بن هِشَام ، ثَنَا خَالِد بن عبد الله ، عَن وَاصل مولَى أبي عُيَيْنَة ، عَن أبي الزبير ، عَن عبد الرَّحْمَن مولَى بني مَخْزُوم أَن أَبَا بكر قَالَ : مَا فِي الْبَحْر شَيْء إِلَّا وَقد كَانَ ذكاه الله لكم ، وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير عَن ابْن عمر رَفعه : كل دَابَّة من دَوَاب الْبر وَالْبَحْر لَيْسَ لَهَا دم ينْعَقد فَلَيْسَتْ لَهَا ذَكَاة . وَعَن عصمَة بن مَالك مَرْفُوعا : إِن الله ذكى لكم صيد الْبَحْر . فِي الأول سُوَيْد بن عبد الْعَزِيز الدِّمَشْقِي قَالَ أَحْمد : مَتْرُوك الحَدِيث . [ و ] وهنه ابْن حبَان أَولا ، ثمَّ أُخْرَى قَالَ : وَهُوَ مِمَّن أستخير الله فِيهِ ، وَهُوَ بقريب من الثِّقَات . وَفِي الثَّانِي : الْفضل بن الْمُخْتَار ، قَالَ أَبُو حَاتِم : مَجْهُول ، يُحدث بالأباطيل . وَذكر فِيهِ أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كَانُوا يكتسبون بِالتِّجَارَة ، وَهَذَا مَشْهُور عَنْهُم لَا حَاجَة لنا إِلَى عزوه وإطالة الْكَلَام فِيهِ .
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه سُئلَ عَن الضبع أصيد هُوَ ؟ قَالَ : نعم . قيل : أيؤكل ؟ قَالَ : نعم ، قيل : أسمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : نعم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّافِعِي ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا ، وَلَفظه : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الضبع ، فَقَالَ : هِيَ صيد وَيجْعَل فِيهِ كَبْش إِذا صَاده الْمحرم ، وَقد تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام ، وَأعله ابْن عبد الْبر فِي تمهيده بِأَن قَالَ : انْفَرد بِهِ عبد الرَّحْمَن بن أبي عمار ، وَلَيْسَ بِمَشْهُور بِنَقْل الْعلم ، وَلَا بِمن يحْتَج بِهِ إِذا خَالفه من هُوَ أثبت مِنْهُ ، يَعْنِي حَدِيث النَّهْي عَن كل ذِي نَاب من السبَاع . وَهَذَا عجب مِنْهُ ؛ فقد وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ ، وَأخرج لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه ، وَكَانَ من عباد أهل مَكَّة كَبِيرا بهَا حَتَّى سمي [ بالقس ] ، وَلَا أعلم أحدا تكلم فِيهِ ، وَبَعض هَذَا كَاف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ ، كَيفَ وَقد صحّح حَدِيثه الْأَئِمَّة : البُخَارِيّ - كَمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ - وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن حبَان ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَلم ينْفَرد بِهِ ، بل تَابعه عَطاء كَمَا سَاقه الْحَاكِم ، وَصَححهُ الْبَيْهَقِيّ . قَالَ الشَّافِعِي : وَمَا يُبَاع لحم الضباع إِلَّا بَين الصَّفَا والمروة ، وَمِمَّنْ قَالَ بِإِبَاحَة الضبع عَلّي بن أبي طَالب ، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ، وَأَبُو ثَوْر ، وَأحمد ، وَدَاوُد ، وخلائق من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَحرمه أَبُو حنيفَة ، وَكَرِهَهُ مَالك ، وَورد فِي الْبَاب حَدِيث ظَاهره التَّحْرِيم ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن حِبَّان - بِكَسْر الْحَاء - بْن جُزْء ، عَن أَخِيه خُزَيْمَة قَالَ : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أكل الضبع فَقَالَ : أَوَيَأْكُل الضبع أحد ؟ ! وَسَأَلته عَن أكل الذِّئْب ، فَقَالَ : أَوَيَأْكُل الذِّئْب أحد ؟ ! لكنه حَدِيث ضَعِيف ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة ، وَقد تكلم فيهمَا بعض أهل الحَدِيث ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده ضَعِيف ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : فِي إِسْنَاده حبَان بن جُزْء ؛ وَهُوَ مَجْهُول الْحَال ، وَقَالَ ابْن حزم : إِسْمَاعِيل بن مُسلم ضَعِيف ، وَابْن أبي الْمخَارِق سَاقِط ، وحبان مَجْهُول ، وَقَالَ عبد الْحق : ضَعِيف ، وَقد صَحَّ أكل الضبع بِإِسْنَاد آخر تقدم فِي الْحَج ، وَأَشَارَ إِلَى الحَدِيث الْمُتَقَدّم حَدِيث جَابر .
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تعليقة إِبْرَاهِيم الْمروزِي : إِنَّه وَردت أَخْبَار فِي النَّهْي عَن الطين الَّذِي يُؤْكَل ، وَلَا يثبت شَيْء مِنْهَا ، وَيَنْبَغِي أَن يحكم بِالتَّحْرِيمِ إِذا ظَهرت الْمضرَّة فِيهِ ، وَإِن لم تثبت الْأَخْبَار . انْتَهَى مَا ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد وَردت فِي ذَلِك أَخْبَار كَثِيرَة ، وَلَا يَصح شَيْء مِنْهَا . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : من انهمك عَلَى أكل الطين فقد أعَان عَلَى قتل نَفسه ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : عبد الله بن مَرْوَان الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده مَجْهُول . قلت : بل مَعْرُوف الْحَال واهٍ . قَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه فِيهَا نظر ، وَقَالَ ابْن حبَان : يلزق الْمُتُون الصِّحَاح [ الَّتِي لَا يعرف لَهَا إِلَّا طَرِيق وَاحِد ] بطرِيق آخر لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ . ثمَّ رَوَى عَن أبي هُرَيْرَة الحَدِيث الْمُتَقَدّم ثمَّ قَالَ : قَالَ ابْن عدي : فِي إِسْنَاده مَجْهُول . قلت : رَوَى عَنهُ بَقِيَّة وَسَهل بن عبد الله الْمَرْوذِيّ ، قَالَ الْعقيلِيّ : صَاحب مَنَاكِير ، غَلبه الْوَهم ، لَا يُقيم شَيْئا من الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا لَو صَحَّ لم يدل عَلَى التَّحْرِيم ، وَإِنَّمَا دلّ عَلَى كَرَاهَة الْإِكْثَار مِنْهُ ، والإكثار مِنْهُ وَمن غَيره حَتَّى يضر بِبدنِهِ مَمْنُوع . قلت : بل هُوَ دَال عَلَى التَّحْرِيم ؛ لِأَن الْإِعَانَة عَلَى قتل النَّفس مُحرمَة فَكَذَا هَذِه ، وَلِهَذَا قطع جمَاعَة من أَصْحَابنَا بِتَحْرِيمِهِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَذكر لعبد الله بن الْمُبَارك حَدِيث : إِن أكل الطين حرَام فَأنكرهُ ، وَقَالَ : لَو علمت أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَه لحملته عَلَى الرَّأْس وَالْعين والسمع وَالطَّاعَة . هَذَا آخر مَا ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَحَادِيث ، وَذكر فِيهِ عَن مُجَاهِد أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ مَا يأمل الْجِيَف - يَعْنِي الصَّحَابَة - وَلم أره .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أنفجنا أرنبًا بمر الظهْرَان فأدركتها وأتيت بهَا أَبَا طَلْحَة فذبحها ، وَبعث فَخذهَا إِلَى رَسُول الله فَقبله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم بِزِيَادَة فِيهِ ، وَهَذَا لَفْظهمَا عَن أنس رَضِي الله [ عَنهُ ] قَالَ : أنفجنا أرنبًا بمر الظهْرَان فسعى الْقَوْم فلغبوا وأدركتها ، فَأتيت بهَا أَبَا طَلْحَة فذبحها ، وَبعث إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بوركها وفخذها فَقبله وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : بعجزها . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة : فَأكل مِنْهُ . قلت : هَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي آخر الحَدِيث عِنْد قَوْله : بوركها وفخذها ، وَقَالَ هِشَام بن زيد بن أنس : قلت لأنس : وَأكل مِنْهَا . قَالَ : أكل مِنْهَا ، ثمَّ قَالَ بعد : قَبِلَه . مَعْنَى أنفجنا : أثرنا ونفَّرنا . و مر الظهْرَان بِفَتْح الْمِيم والظاء : مَوضِع قريب من مَكَّة . وَقَوله : فلغبوا : هُوَ بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة فِي اللُّغَة الفصيحة الْمَشْهُورَة ، وَفِي لُغَة ضَعِيفَة بِكَسْرِهَا حَكَاهَا الْجَوْهَرِي وَغَيره ، وضعفوا أَي أعيوا .
الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ قَالَ الرَّافِعِيّ : إِذا استضاف مُسلم لَا اضطرار بِهِ مُسلما لم تجب عَلَيْهِ ضيافته ، وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْبَاب مَحْمُولَة عَلَى الِاسْتِحْبَاب . قلت : فلنذكر من ذَلِك خَمْسَة أَحَادِيث : الأول : حَدِيث أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ الْمُتَقَدّم فِي كتاب الْجِزْيَة وَهُوَ الحَدِيث السَّابِع عشر مِنْهُ . الثَّانِي : عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَيْلَة الضَّيْف حق عَلَى كل مُسلم فَمن أصبح بفنائه فَهُوَ عَلَيْهِ دين إِن شَاءَ (اقْتَضَى) ، وَإِن شَاءَ ترك . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح . الثَّالِث : عَن عقبَة بن عَامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، إِنَّك تبعثنا فَنَنْزِل بِقوم فَلَا يقرونا ، فَمَا ترَى ؟ فَقَالَ لنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن نزلتم بِقوم فَأمروا لكم بِمَا يَنْبَغِي للضيف فاقبلوا ، فَإِن لم يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُم حق الضَّيْف الَّذِي يَنْبَغِي لَهُم . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه . الرَّابِع : عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَيّمَا رجل أضَاف قوما فَأصْبح الضَّيْف محرومًا فَإِن نَصره حق عَلَى كل مُسلم حَتَّى يَأْخُذ [ بقرى ] ليلته من زرعه وَمَاله ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح . الْخَامِس : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا سُوَى ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح .
الحَدِيث الرَّابِع عشر عَن بعض الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : [ اصطدت ] أرنبين فذبحتهما بمروة ، وَسَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمرنِي بأكلها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة مُحَمَّد بن صَفْوَان ، وَهُوَ المُرَاد بقول الرَّافِعِيّ : عَن بعض الصَّحَابَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى من حَدِيث مُحَمَّد بن صَفْوَان ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : الصَّحِيح مُحَمَّد بن صَفْوَان ، وَمن قَالَ مُحَمَّد بن صَيْفِي فقد وهم ، ذَلِك يروي حَدِيث عَاشُورَاء يروي عَنهُ الشّعبِيّ . وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ إِن مُحَمَّد بن صَفْوَان أصح . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ مثل ذَلِك من حَدِيث جَابر ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَابْن حبَان من رِوَايَة زيد بن ثَابت لكنهما قَالَا : إِن ذئبًا نيَّب فِي شَاة فذبحوها بمروة ، فسألوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمر بأكلها فأكلوها ، وَكَذَا أخرجه أَحْمد ، وَهُوَ فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن كَعْب بن مَالك أَنه سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن مَمْلُوكَة ذبحت شَاة بمروة فَأمره بأكلها . وَأخرج هَذَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن ابْن عمر أَن خَادِمًا كَانَت لكعب الحَدِيث ، وَهُوَ فِي الْمسند أَيْضا .
الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا جعل شفاؤكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب حد الشّرْب .
الحَدِيث الْخَامِس عشر ورد فِي الْخَبَر الْهِرَّة سبع . هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَاب النَّجَاسَات وَالْمَاء النَّجس .
الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر الرَّهْط العرنيين أَن يشْربُوا من أَبْوَال الْإِبِل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَمُسلم من رواية أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن نَاسا من عكل أَو عرينة اجتووا الْمَدِينَة ، فَأمر لَهُم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بلقاح وَأمرهمْ أَن يشْربُوا من أبوالها وَأَلْبَانهَا ، وَانْطَلَقُوا ، فَلَمَّا صحُّوا قتلوا الرَّاعِي وَاسْتَاقُوا الْغنم ، فجَاء الْخَبَر فِي أول النَّهَار فَبعث فِي آثَارهم ، فَلَمَّا ارْتَفع النَّهَار جِيءَ فَأمر بِقطع أَيْديهم وأرجلهم ، وسملت أَعينهم ، وَتركُوا فِي الْحرَّة يستسقون فَلَا يسقون . قَالَ أَبُو قلَابَة أحد رُوَاة الحَدِيث : هَؤُلَاءِ سرقوا وَقتلُوا وَكَفرُوا بعد إِيمَانهم وحاربوا الله وَرَسُوله . قَالَ قَتَادَة : فَحَدثني ابْن سِيرِين أَن ذَلِك كَانَ قبل أَن تنزل الْحُدُود . فَائِدَة : قَالَ ابْن شاهين : هَذَا الحَدِيث نسخه حَدِيث عمرَان بن حُصين قَالَ : مَا قَامَ فِينَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَطِيبًا إِلَّا أمرنَا بِالصَّدَقَةِ ونهانا عَن الْمثلَة . قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث ينْسَخ كل مثلَة كَانَت فِي الْإِسْلَام . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْإِعْلَام : ادِّعَاء النّسخ يحْتَاج إِلَى تَارِيخ ، وَقد قَالَ الْعلمَاء : إِنَّمَا سمل أعين أُولَئِكَ ، لأَنهم سملوا الرعاء فاقتص مِنْهُم بِمثل مَا فعلوا ، وَالْحكم بذلك ثَابت . وَمَا ادَّعَاهُ ابْن شاهين من نسخ حَدِيث العرنيين هَذَا سبقه بِهِ إمامنا الشَّافِعِي ، فَحَكَى الإِمَام فِي نهايته عَنهُ أَنه قَالَ : هَذَا حَدِيث مَنْسُوخ ؛ إِذْ فِيهِ أَنه مثل بهم ، ثمَّ مَا قَامَ فِي مقَام الْأَمر بِالصَّدَقَةِ ، وَنَهَى عَن الْمثلَة . فَائِدَة ثَانِيَة : اسْم راعي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْمَذْكُور يسَار ، ذكره ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب ، قيل : كَانَ نوبيًّا ، وَكَذَا قَالَ الْبَغْدَادِيّ فِي مبهماته : إِن اسْم الرَّاعِي يسَار . قَالَ : وَكَانَ غُلَاما للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأعْتقهُ . وَكَذَا جزم بِهَذَا أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة . وَفِي رِوَايَته أَنهم ذبحوه وَجعلُوا الشوك فِي عَيْنَيْهِ . قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين : وَكَانَت قصَّة العرنيين سنة سِتّ من الْهِجْرَة ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي المبهمات : عدد العرنيين ثَمَانِيَة . كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي مُسْنده ، وَهَذَا عجب مِنْهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنهم ثَمَانِيَة فعزوه إِلَيْهَا أولَى . وَمَعْنى اجتووا الْمَدِينَة : استوخموها . وَفِي مُسْند أَحْمد شكوا حمى الْمَدِينَة . وَفِي الْمُسْتَدْرك لأبي عبد الله الْحَاكِم ، عَن أنس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّمَا سمل أَعينهم ؛ لأَنهم سملوا أعين الرعاء ، وَهَذَا لَا يسْتَدرك ؛ لِأَنَّهُ فِي صَحِيح مُسلم . وَوَقع فِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق : أَنهم من بني فَزَارَة قد مَاتُوا هزلا . قَالَ ابْن الطلاع : وَفِي حَدِيث آخر من بني سليم .
الحَدِيث السَّادِس عشر عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يكره لحم مَا يَأْكُل الْميتَة . هَذَا الحَدِيث من هَذَا الْوَجْه غَرِيب ، وكرره الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب ، وَذكر عَن مُجَاهِد أَنهم كَانُوا يكْرهُونَ مَا يَأْكُل الْجِيَف - يَعْنِي الصَّحَابَة - ويغني عَن ذَلِك حَدِيث ابْن عمر وَغَيره أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن أكل الْجَلالَة . وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِر هَذَا الْبَاب بَيَانه وَاضحا حَيْثُ ذكره .
الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كسر عِظَام الْمَيِّت ككسر عِظَام الْحَيّ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد تقدم بَيَانه مَبْسُوطا فِي آخر كتاب الْغَصْب .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خمس فواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم : الْحَيَّة ، والفأرة ، والغراب الأبقع ، وَالْكَلب ، والحدأة . وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى تَقْيِيد الْكَلْب بالعقور . قلت : وَهُوَ كَذَلِك فِي كل رِوَايَات الحَدِيث . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بدل الْغُرَاب : الْعَقْرَب . قلت : ظَاهر هَذَا الْكَلَام من الإِمَام الرَّافِعِيّ أَن هَذِه اللَّفْظَة وَهِي الْعَقْرَب لم تُوجد فِي حَدِيث عَائِشَة ، وَلَيْسَ كَذَلِك ؛ بل رَوَاهَا البُخَارِيّ وَمُسلم فِي حَدِيث عَائِشَة ، واتفقا عَلَى إخْرَاجهَا عَنْهَا ، وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي ذكره المُصَنّف فِيهِ هَذِه اللَّفْظَة فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَهَذَا لَفظه : خمس قتلهن حَلَال فِي الْحرم : الْحَيَّة ، وَالْعَقْرَب ، والحدأة ، والفأرة ، وَالْكَلب الْعَقُور ، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عجلَان الْمدنِي ، وَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . قَالَ غَيرهم : سيئ الْحِفْظ ، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله : خرج لَهُ مُسلم ثَلَاثَة عشر حَدِيثا كلهَا فِي الشواهد ، ويغني عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيح ، وَفِيه اللَّفْظَة الْمَذْكُورَة ؛ فقد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا كَذَلِك من حَدِيث حَفْصَة ، وَعبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة : وكل سبع عَاد . قلت : هَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَغَيرهمَا وَقد تقدم بَيَانهَا وَاضحا فِي بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام .
[ الحَدِيث ] الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ رُوِيَ فِي الْخَبَر : " إِن من الذُّنُوب مَا لَا يكفره صَوْم وَلَا صَلَاة ، ويكفره عرق الجبين فِي الحرفة " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كتاب " تَلْخِيص الْمُتَشَابه " من حَدِيث يَحْيَى بن بكير ، عَن مَالك بن أنس ، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " إِن من الذُّنُوب ذَنبا لَا يكفرهَا الصَّلَاة وَلَا الصَّوْم وَلَا الْحَج وَلَا الْعمرَة ، قيل : فَمَا يكفرهَا يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : يكفرهَا الهموم فِي طلب الْمَعيشَة " . وَفِي " صَحِيح البُخَارِيّ " عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " مَا أكل [ أحد ] طَعَاما قطّ خير من أَن يَأْكُل من عمل يَده ، وَإِن نَبِي الله دَاوُد - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَأْكُل من عمل يَده " . وَفِي " علل ابْن أبي حَاتِم " عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : " إِن الله يحب الْمُؤمن المحترف " ، سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : حَدِيث مُنكر .
الحَدِيث الثَّامِن عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن أكل الرخمة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ عَن الْمَالِينِي عَنهُ عَن ابْن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نصر الرَّمْلِيّ قَالَا : ثَنَا وَارِث بن الْفضل ، ثَنَا خلف بن أَيُّوب ، نَا خَارِجَة - وَهُوَ ابْن مُصعب - عَن [ عبد الْمجِيد ] بن سُهَيْل ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . قَالَ [ الْبَيْهَقِيّ ] : لم أكتبه إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . قلت : وَسَببه أَن خَارِجَة بن مُصعب ، عَن [ عبد الْمجِيد ] بن سُهَيْل ضَعِيف جدًّا حَتَّى قَالَ ابْن حبَان : [ لَا يحل ] الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ .
الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن كسب الْحجام ، فَنَهَى عَنهُ ، وَقَالَ : أطْعمهُ رقيقك وأعلفه ناضحك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن ابْن محيصة الْأنْصَارِيّ أَنه اسْتَأْذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي أُجْرَة الْحجام فِيهَا ، وَكَانَ لَهُ مولَى حجامًا ، فَلم يزل يسْأَله ويستأذنه حَتَّى قَالَ آخرا : أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن محيصة عَن أَبِيه . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ حَدِيث حسن . وَصَححهُ ابْن حبَان ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : إِسْنَاده صَالح ، وَقَالَ عبد الْحق : ابْن محيصة هُوَ حرَام بن سعد بن محيصة ينْسب تَارَة إِلَى جده . قَالَ : وَلَيْسَت لِابْنِ محيصة صُحْبَة . قلت : بلَى ، لَهُ ولأبيه . وَقيل : سعيد . وَقيل : سَاعِدَة . قَالَ عبد الْحق : وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ ، عَن شُعْبَة ، نَا أَبُو بلج قَالَ : سَمِعت عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع يحدث أَن جده هلك وَترك غُلَاما حجامًا وناضحًا وأرضًا وَأمة ، فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يَجْعَل كسب الْحجام فِي علف الناضح الحَدِيث . قَالَ : وَلَا أعلم هَذَا أَيْضا مُتَّصِل . قلت : وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده عَن سُفْيَان ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن كسب الْحجام فَقَالَ : أعلفه ناضحك
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن قتل الخطاف . هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام .
الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ أَن أَبَا طيبَة حجم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمر لَهُ بِصَاع من تمر ، وَأمر أَهله أَن يخففوا من خراجه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أنس بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه سُئِلَ عَن أجر الْحجام فَقَالَ : احْتجم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجمه أَبُو طيبَة ، وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ من طَعَام ، وكلم موَالِيه فخففوا عَنهُ وَقَالَ : إِن أمثل مَا تداويتم بِهِ الْحجامَة والقسط البحري . وَفِي رِوَايَة : دَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غُلَاما حجامًا فحجمه ، فَأمر لَهُ بِصَاع أَو صَاعَيْنِ ، أَو مد أَو مَدين ، وكلم فِيهِ موَالِيه فخفَّف من ضريبته ، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأَبُو دَاوُد عَنهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي أوردهُ الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، وَفِي رِوَايَة لأبي حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، عَن جَابر : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر أَبَا طيبَة أَن يَأْتِيهِ مَعَ غيبوبة الشَّمْس ، فَأمره أَن يضع المحاجم مَعَ إفطار الصَّائِم ثمَّ سَأَلَهُ : كم خراجك قَالَ : صَاعَيْنِ . فَوضع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَنهُ صَاعا . وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن عِكْرِمَة قَالَ : احْتجم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأعْطَى [ الْحجام ] عمالته دِينَارا . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه من حَدِيث ابْن عَبَّاس [ أَنه ] عَلَيْهِ السَّلَام بعث إِلَى أبي طيبَة لَيْلًا فحجمه ، وَأَعْطَاهُ أجره . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث جَعْفَر بن أبي وحشية ، عَن سُلَيْمَان بن قيس ، عَن جَابر قَالَ : دَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا طيبَة فحجمه ، فَسَأَلَهُ : كم ضريبتك ؟ قَالَ : ثَلَاثَة آصَع . فَوضع [ عَنهُ ] صَاعا . فَائِدَة : أَبُو طيبَة بِفَتْح الطَّاء ، واسْمه نَافِع . وَقيل : ميسرَة . وَقيل : دِينَار ( ) لبني بياضة .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن قتل النملة والنحلة والصرد . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام أَيْضا ، وَمِمَّا لم أقدمه هُنَاكَ حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الذُّبَاب كُله فِي النَّار إِلَّا النحلة . وَكَانَ ينْهَى عَن قتلهن ، وَعَن إحراق الْعِظَام . قَالَ سُفْيَان : أَي فِي أَرض الْعَدو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَإِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا .
الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، إِنَّا لننحر الْإِبِل ، ونذبح الْبَقر وَالشَّاة ، فنجد فِي بَطنهَا الْجَنِين أفنلقيه أم نأكله ؟ فَقَالَ : كلوه إِن شِئْتُم ، فَإِن ذَكَاته ذَكَاة أمه . هَذَا الحَدِيث من هَذَا الطَّرِيق لَهُ طرق : أَحدهَا عَن مجَالد ، عَن أبي الوداك - واسْمه : جبر بن نوف - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ ، وَأَبُو دَاوُد بلفظين : أَحدهمَا مَا ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ ، إِلَّا أَنه قَالَ : النَّاقة بدل الْإِبِل . الثَّانِي : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْجَنِين ، فَقَالَ : كلوه إِن شِئْتُم . قَالَ : ذَكَاته ذَكَاة أمه . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بلفظين : أَحدهمَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن الْجَنِين [ يخرج مَيتا ] فَقَالَ : إِن شِئْتُم فكلوه . الثَّانِي : أَنه سُئِلَ عَن الْجَزُور وَالْبَقَرَة يُوجد فِي بَطنهَا الْجَنِين ، فَقَالَ : إِذا سميتم عَلَى الذَّبِيحَة فذكاته ذَكَاة أمه ، ثمَّ ذكره بِلَفْظ أبي دَاوُد المطول ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن . قَالَ : وَقد رُوِيَ من غير هَذَا الْوَجْه عَن أبي سعيد . قَالَ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَغَيرهم . قلت : مدَار الحَدِيث عَلَى مجَالد بن سعيد الْهَمدَانِي ضَعَّفُوهُ ، وَفِي روايةٍ عَن النَّسَائِيّ توثيقه ، وَأخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا مَعَ غَيره ، وَادَّعَى النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الِاتِّفَاق عَلَى ضعفه ، فَكيف يُحسنهُ التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ قَالَ : وَقد رُوِيَ من غير هَذَا الْوَجْه عَن أبي سعيد . وَأما ابْن حزم فِي محلاه فَقَالَ : وَاحْتج المخالفون بأخبار واهية مِنْهَا هَذَا الْخَبَر فَذكره بِلَفْظ أبي دَاوُد الثَّانِي ، وَذكر من حَدِيث مجَالد ، عَن الشّعبِيّ ، عَن أبي الوداك ، ثمَّ قَالَ : ومجالد ضَعِيف ، وَأَبُو الوداك كَذَلِك . قلت : قد تقدم القَوْل فِي مجَالد ، وَأما أَبُو الوداك ، فَقَالَ ابْن معِين : ثِقَة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : صَالح . وَاحْتج بِهِ مُسلم ، وَلَا أعلم فِيهِ جرحا ، وَأما الإِمَام فِي نهايته فَإِنَّهُ ذكره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ وَقَالَ : هُوَ حَدِيث صَحِيح ، وَقَالَ ابْن الصّلاح : حَدِيث ثَابت ، ثُبُوت الْحسن مَرْوِيّ من حَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو سعيد . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَفعه : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه . ذكره ابْن حزم فِي محلاه ، وَقَالَ : ابْن أبي لَيْلَى سيئ الْحِفْظ ، وعطية هَالك . قلت : أخرجه الْحَاكِم من حَدِيث أبي حَمْزَة مُحَمَّد بن مَيْمُون السكرِي ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر ، عَن عَطِيَّة ، عَن أبي سعيد رَفعه بِمثلِهِ سَوَاء . فَهَذَا طَرِيق لَيْسَ فِيهِ ابْن أبي لَيْلَى ، وَعبد الْملك من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَإِن لين . وَفِي التَّهْذِيب أَنه رَوَى عَن عَطِيَّة الْقرظِيّ فَليُحرر عَطِيَّة هَذَا هُوَ الْقرظِيّ أَو الْعَوْفِيّ . الطَّرِيق الثَّالِث وَهُوَ أجدرها بالتقدم : عَن يُونُس بن أبي إِسْحَاق ، عَن أبي الوداك ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، عَن أبي عُبَيْدَة الْحداد ، عَن يُونُس بِهِ . وَأَبُو عُبَيْدَة هَذَا اسْمه [ عبد الْوَاحِد ] بن وَاصل ، احْتج بِهِ البُخَارِيّ ، وَوَثَّقَهُ الْأَئِمَّة ابْن معِين وَغَيره ، لَا جرم أخرجهَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الثَّقَفِيّ ، ثَنَا عَلّي بن أنس العسكري ، ثَنَا أَبُو عُبَيْدَة فَذكره ، وَاقْتصر عَلَى هَذَا الطّريق الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام ، وَعَزاهَا إِلَى ابْن حبَان وَحده ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك : هَذَا بَاب كَبِير مَدَاره عَلَى طَرِيق عَطِيَّة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَطَرِيق أبي الوداك ، عَن أبي سعيد تفرد بِهِ عَلان . كَذَا قَالَ ، وَلَا أعرف هَذَا فِي طرقه . ثمَّ قَالَ : وَفِيه زيادات فِي اللَّفْظ وَلَا تقوم بِهِ حجَّة . قَالَ : وَمن تَأمل هَذَا الْبَاب من أهل الصَّنْعَة قَضَى [ فِيهِ ] بالعجب أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَاهُ فِي الصَّحِيح . قلت : حاشاهما من إِخْرَاج كل طرقه ، نعم بَعْضهَا جيد كَمَا عَرفته وستعرفه ، وَلما ذكر التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي سعيد هَذَا قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن جَابر ، وَأبي أُمَامَة ، وَأبي الدَّرْدَاء ، وَأبي هُرَيْرَة . زَاد الْبَيْهَقِيّ بِدُونِ أبي أُمَامَة : وَعلي بن أبي طَالب ، وَابْن مَسْعُود ، وَابْن عمر ، وَابْن عَبَّاس ، وَأبي أَيُّوب ، والبراء بن عَازِب . قلت : وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن كَعْب بن مَالك ، ولنذكر طرق هَذِه الْأَحَادِيث ونتكلم عَلَيْهَا ، فَإِن هَذَا الحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة ، فَنَقُول : أما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ الدَّارمِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، من حَدِيث إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ، عَن عتاب بن بشير ، عَن عبيد الله بن أبي زِيَاد القداح ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر رَفعه ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه . أعله عبد الْحق فِي أَحْكَامه بعبيد الله القداح وَقَالَ : إِنَّه ضَعِيف الحَدِيث . وَتعقبه ابْن الْقطَّان بِأَنَّهُ لم يبين أَنه من روايه عتاب بن بشير عَنهُ ، قَالَ : وعتاب هُوَ الْحَرَّانِي ، زَعَمُوا أَنه رَوَى بِأخرَة أَحَادِيث مُنكرَة وَأَنه اخْتَلَط عَلَيْهِ الْعرض وَالسَّمَاع فتكلموا فِيهِ . قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي من الوسواس وَلَا يضرّهُ ذَلِك ؛ فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا تحمل صَحِيح . واستمداد هَذَا التَّعْلِيل من كتاب أبي مُحَمَّد بن حزم فَهُوَ عَن مَجْهُول ، ثمَّ لم يَأْتِ عَن [ أبي ] الزبير إِلَّا من طَرِيق حَمَّاد بن شُعَيْب ، وَالْحسن بن بشر ، وعتاب بن بشير عَن عبيد الله القداح وَكلهمْ ضعفاء . انْتَهَى . فَأَما القداح هَذَا فَقَالَ ابْن معِين فِيهِ مرّة : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ أَحْمد : صَالح الحَدِيث . وَقَالَ ابْن عدي : لم أر لَهُ شَيْئا مُنْكرا . وَصحح التِّرْمِذِيّ حَدِيثه عَن الْقَاسِم ، عَن : عَائِشَة إِنَّمَا جعل الطّواف (وَالسَّعْي والجمار لإِقَامَة ذكر الله تَعَالَى . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ) وَلَا بالمتين يحول من الضُّعَفَاء . وَأما عتاب بن بشير ، فقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين مرّة . وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَقَول ابْن حزم لم يَأْتِ عَن [ أبي ] الزبير إِلَّا من الطّرق الَّذِي ذكرهَا للتبين كَذَلِك هَذَا خرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث زُهَيْر ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه ، ثمَّ قَالَ : تَابعه من الثِّقَات عبيد الله ابن زِيَاد ، عَن أبي الزبير فَذكره بِإِسْنَادِهِ ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ ، وَإِنَّمَا يعرف من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى وَحَمَّاد بن شُعَيْب ، عَن أبي الزبير . وَهَذَا طَرِيق آخر لم يذكرهُ ابْن حزم وَهُوَ طَرِيق ابْن أبي لَيْلَى ، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبان ، عَن صباح بن يَحْيَى الْمدنِي ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر رَفعه : كل الْجَنِين فِي بطن أمه ، وَفِي لفظ : فِي بطن النَّاقة . وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث يُوسُف بن عدي ، نَا بشر بن عمَارَة ، عَن الْأَحْوَص بن حَكِيم ، عَن رَاشد بن سعد ، عَن عتبَة بن عبد ، عَن أبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه ، ثمَّ أخرجه من حَدِيث رَاشد بن سعد ، عَن أبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء . وَرَاشِد هَذَا ثِقَة ، والأحوص بن حَكِيم ضَعْفه مَحْض ، وَعتبَة بن عبد كَأَنَّهُ صَحَابِيّ . وَأما حَدِيث أبي الدَّرْدَاء فقد عَرفته الْآن . وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عمر بن قيس ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ فِي الْجَنِين : ذَكَاته ذَكَاة أمه . قَالَ عبد الْحق : لَا يحْتَج بِإِسْنَادِهِ . وَلم يبين مَوضِع الْعلَّة ، وَبَينهَا ابْن الْقطَّان بعمر بن قيس فَقَالَ : هُوَ مَتْرُوك . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لَكِن ابْن الْقطَّان ذكره عَن طَاوس ، عَن [ ابْن ] عَبَّاس ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَذكره الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا وَلم [ يذكر ] أَبَا هُرَيْرَة . وَقَالَ : حَدِيث مُنكر لَكِن ذكره الْحَاكِم من رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن سعيد المَقْبُري ، عَن جده ، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه بِهِ ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده صَحِيح . وَفِيه وَقْفَة ، فعبد الله هَذَا قَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَأما حَدِيث عَلّي فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَفِيه الْحَارِث الْأَعْوَر الْكذَّاب ، وَعنهُ مُوسَى بن عُثْمَان الْكُوفِي . ادَّعَى ابْن الْقطَّان جهالته وَغلط ، نعم هُوَ ضَعِيف ، قَالَ ابْن عدي : حَدِيثه لَيْسَ بالمحفوظ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَتْرُوك . وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة عَلْقَمَة عَنهُ أرَاهُ رَفعه : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه . وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا أَن شيخ شَيْخه أَحْمد بن حجاج بن الصَّلْت ذكره الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان ، وَذكر لَهُ [ حَدِيثا ] وَأَنه آفته ، وَالظَّاهِر أَنه هُوَ . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَلهُ طرق عَنهُ أَحدهَا : عَن عِصَام بن يُوسُف ، عَن مبارك بن مُجَاهِد ، عَن عبيد الله [ بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْجَنِين : ذَكَاته ذَكَاة أمه أشعر أم لم ] يشْعر ، قَالَ عبيد الله : وَلكنه إِذا خرج من بطن أمه يُؤمر بذَبْحه حَتَّى يخرج الدَّم من جَوْفه . قَالَ عبد الْحق : إِسْنَاده ضَعِيف ، فِيهِ عِصَام ومبارك . قَالَ ابْن الْقطَّان : لم يبين حَال عِصَام ، وَهُوَ رجل لَا تعرف حَاله ، قَالَ : وَأرَاهُ الَّذِي ذكره ابْن أبي حَاتِم وَلم يعرف من حَاله . شَيْء غير أَنه قَالَ فِيهِ : الزَّاهِد . قلت : قد تكلم فِيهِ ابْن عدي فَقَالَ : رَوَى عَن الثَّوْريّ وَغَيره أَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا . ومبارك بن مُجَاهِد ضعفه البُخَارِيّ وَقَالَ عَن قُتَيْبَة : كَانَ قدريًّا ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَا أرَى بحَديثه بَأْسا . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن وهب بن بَقِيَّة ، ثَنَا مُحَمَّد بن الْحسن الوَاسِطِيّ ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَفعه : ذَكَاة الْجَنِين إِذا أشعر ذَكَاة أمه وَلكنه يذبح حَتَّى ينصاب مَا فِيهِ من الدَّم أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط من هَذِه الطَّرِيق بِلَفْظ : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه إِذا أشعر ، ثمَّ قَالَ : لم يرو هَذَا الحَدِيث عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق إِلَّا مُحَمَّد بن الْحسن ، تفرد بِهِ وهب بن بَقِيَّة ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء من هَذِه الطَّرِيق بِلَفْظ الْحَاكِم ثمَّ قَالَ : مُحَمَّد هَذَا يرفع الْمَوْقُوفَات ويسند الْمَرَاسِيل ، وَإِنَّمَا هُوَ قَول ابْن عمر . وَأخرجه الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك من حَدِيث أَحْمد بن عِصَام ، ثَنَا مَالك ، عَن نَافِع بِهِ وَلم يذكر إِذا أشعر ، ثمَّ قَالَ : هُوَ فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوف وَذَلِكَ أصح . قلت : وَأحمد تكلم فِيهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : ضَعِيف . وَلَفظ الْمُوَطَّأ عَن نَافِع عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول : إِذا نحرت النَّاقة فذكاة مَا فِي بَطنهَا فِي ذكاتها إِذا كَانَ قد تمّ خلقه وَنبت شعره ، فَإِذا خرج من بطن أمه ذبح حَتَّى يخرج الدَّم من جَوْفه . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أَحْمد بن يَحْيَى الْأَنْطَاكِي ، عَن عبد الله بن نصر بِهِ . ثمَّ قَالَ : لم يروه مَرْفُوعا عَن عبيد الله إِلَّا أَبُو أُسَامَة ، تفرد بِهِ عبد الله بن نصر . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن أبي حُذَيْفَة ، نَا مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، عَن أَيُّوب بن مُوسَى قَالَ : ذُكِرَ [ لي ] عَن ابْن عمر ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْجَنِين إِذا أشعر فذكاته ذَكَاة أمه . ذكره ابْن حزم فِي محلاة ، ثمَّ قَالَ : أَبُو حُذَيْفَة ضَعِيف ، وَمُحَمّد بن مُسلم أسقط مِنْهُ ، ثمَّ هُوَ مُنْقَطع . قلت : أَبُو حُذَيْفَة هُوَ مُوسَى بن مَسْعُود الْبَصْرِيّ ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقيل ليحيى بن معِين : إِن بندارًا يَقع فِيهِ . قَالَ يَحْيَى : هُوَ خير من بنْدَار وَمن ملْء الأَرْض مثله ، وَقَالَ أَحْمد : صَدُوق ، هُوَ من أهل الصدْق ، وَقَالَ الْعجلِيّ : ثِقَة صَدُوق . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق . نعم قَالَ التِّرْمِذِيّ : يضعف [ فِي ] الحَدِيث . وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة : لَا أحتج بِهِ ، وَقَالَ الفلاس : لَا يحدث عَنهُ من يبصر الحَدِيث . وَأما مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي فاحتج بِهِ مُسلم فِي صَحِيحه ، وَله فِيهِ حَدِيث وَاحِد ، وَقَالَ ابْن معِين : لَا بَأْس بِهِ ، فَإِذا حدث من حفظه يُخطئ . وَقَالَ البُخَارِيّ : قَالَ ابْن مهْدي : كتبه صِحَاح . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، وَقَالَ ابْن عدي : لم أر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا ، وَقَالَ : اخْتلف فِي رَفعه عَن نَافِع . فَذكر الِاخْتِلَاف ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ أَيُّوب وَجَمَاعَة عدَّدهم عَن نَافِع عَن ابْن عمر مَوْقُوفا وَهُوَ الصَّحِيح . وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُوسَى بن عُثْمَان الْكِنْدِيّ ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عِكْرِمَة ، عَنهُ مَرْفُوعا بِلَفْظ : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه . أعله ابْن الْقطَّان بِجَهَالَة مُوسَى هَذَا وَهُوَ الْمُتَقَدّم ذكره فِي حَدِيث عَلّي . وَأما حَدِيث أبي أَيُّوب فَأخْرجهُ الْحَاكِم من حَدِيث شُعْبَة ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن أَخِيه ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن أبي أَيُّوب مَرْفُوعا بِهِ ، وَقَالَ : رُبمَا توهم متوهم أَن حَدِيث أبي أَيُّوب صَحِيح وَلَيْسَ كَذَلِك . وَأخرجه ابْن حزم فِي محلاه من طَرِيق ابْن أبي لَيْلَى ، عَن أَخِيه عِيسَى ، عَن أَبِيه عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه إِذا أشعر . ثمَّ قَالَ ابْن أبي لَيْلَى : سيئ الْحِفْظ ثمَّ هُوَ مُنْقَطع . قلت : قد ذكر بذلك مَوْصُولا . وَأما حَدِيث الْبَراء فَلَا يحضرني غير مَا ذكرته عَن الْبَيْهَقِيّ . وَأما حَدِيث كَعْب بن مَالك فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الْحسن بن عَمْرو بن شَقِيق ، عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك ( ) أخرجه من حَدِيث عبد الله بن الجهم ، ثَنَا عبد الله بن الْعَلَاء بن شبيب ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن ( ) عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن كَعْب رَفعه بِهِ . فَهَذِهِ طرق هَذَا الحَدِيث ، وَهِي إِحْدَى عشر طَرِيقا مُوضحَة الْكَلَام عَلَيْهَا ، وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : لَا يحْتَج بأسانيدها كلهَا . وَأقرهُ ابْن الْقطَّان عَلَى ذَلِك ، وَسَبقه بذلك ابْن حزم فَإِنَّهُ قَالَ فِي محلاه : وَاحْتج المخالفون بأخبار واهية . ثمَّ ذكره من أَربع طرق ووهاها ، وَقد عرفت أَن بَعْضهَا يصلح للاحتجاج بِهِ ، وَهُوَ طَرِيق أبي سعيد الَّتِي أخرجهَا أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن حبَان ، وَطَرِيق جَابر الَّتِي أخرجهَا الْحَاكِم ، ويقابل قَول ابْن حزم ، وَعبد الْحق فِي تَضْعِيف مَا ورد من ذَلِك عَلَى سَبِيل الْإِجْمَال قَول الْغَزالِيّ فِي كِتَابه الْإِحْيَاء تبعا لإمامه إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الأساليب : وَقد صَحَّ فِي الصِّحَاح من الْأَخْبَار حَدِيث الْجَنِين فَإِن ذَكَاته ذَكَاة أمه صِحَة لَا يتَطَرَّق احْتِمَال إِلَى مَتنه وَلَا ضعف إِلَى سَنَده ، وَهَذَا من الْعجب العجاب ، وَخير الْأُمُور أوسطها ، وَإِن طرقه ضَعِيفَة خلا طَريقَة أبي سعيد وَجَابِر الْمُتَقَدِّمين وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق . كَيفَ وَقد رَوَى ابْن حزم من طَرِيق سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن كَعْب بن مَالك قَالَ : كَانَ أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُولُونَ : ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مَا يُقَوي ذَلِك . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : ذَكَاة الْجَنِين حَاصِلَة بِذَكَاة أمه . قَالَ النَّوَوِيّ ، ويوضحه أَن فِي رِوَايَة للبيهقي ذَكَاة الْجَنِين فِي ذَكَاة أمه ، وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا ذَكَاة الْجَنِين بِذَكَاة أمه ، قَالَ : وَبَعض النَّاس ينصب ذَكَاة ويجعله بِالنّصب دَلِيلا لأَصْحَاب أبي حنيفَة فِي أَنه لَا يحل إِلَّا بِذَكَاة وَيَقُول : ذَكَاته كذكاة أمه ، حذفت الْكَاف [ فانتصب ] . قَالَ : وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء ؛ لِأَن الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة بِالرَّفْع ، وَكَذَا نَقله الْخطابِيّ وَغَيره ، وَتَقْدِيره عَلَى الرّفْع يحْتَمل أوجهًا أحْسنهَا أَن ذَكَاة الْجَنِين خبر مقدم و ذَكَاة أمه مُبْتَدأ ، وَالتَّقْدِير : ذَكَاة أم الْجَنِين ذَكَاة لَهُ . كَقَوْل الشَّاعِر : بنونا بَنو أَبْنَائِنَا ونظائر ذَلِك ؛ لِأَن الْخَبَر مَا حصلت بِهِ الْفَائِدَة ، وَلَا تحصل [ إِلَّا ] بِمَا ذَكرْنَاهُ ، وَأما رِوَايَة النصب عَلَى تَقْدِير صِحَّتهَا فتقديرها : ذَكَاة الْجَنِين حَاصِلَة وَقت ذَكَاة أمه . وَأما قَوْلهم بتقديره كذكاة أمه ، فَلَا يَصح عِنْد النَّحْوِيين ؛ بل هُوَ لحن ، وَإِنَّمَا جَاءَ النصب بِإِسْقَاط [ الْحَرْف ] فِي مَوَاضِع مَعْرُوفَة عِنْد الْكُوفِيّين بِشَرْط لَيْسَ مَوْجُودا هُنَا . هَذَا آخر كَلَام النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب .
الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ قَالَ الرَّافِعِيّ : فِي اللقلق وَجْهَان : أَحدهمَا - وَإِلَيْهِ ميل الشَّيْخ أبي مُحَمَّد - أَنه حَلَال كالكُرْكي ، وَجعله الْغَزالِيّ أظهر ، وَفِي التَّهْذِيب أَن الْأَصَح التَّحْرِيم ، وَهُوَ الَّذِي أوردهُ (الْعَبَّادِيّ) وَاحْتج بِأَنَّهُ يطعم الْخَبَائِث وَبِأَنَّهُ يصف ، وَقد رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ قَالَ ] : كل مَا دف ودع مَا صف . يُقَال : دف الطَّائِر فِي طيرانه إِذا حرك جناحيه كَأَنَّهُ يضْرب بهما دفة ، وصف إِذا لم يَتَحَرَّك كَمَا تفعل الْجَوَارِح . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ . وَهَذَا الحَدِيث مَذْكُور غَرِيب .
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن أكل الْجَلالَة ، وَشرب أَلْبَانهَا حَتَّى تحبس . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ لَكِن من رِوَايَة عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَلَعَلَّ إِسْقَاط الْوَاو من النساخ : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الْإِبِل الْجَلالَة أَن يُؤْكَل لَحمهَا ، وَلَا يشرب أَلْبَانهَا ، وَلَا يركبهَا النَّاس حَتَّى تعلف أَرْبَعِينَ لَيْلَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا لفظ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَلَفظ الْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْجَلالَة أَن يُؤْكَل لَحمهَا ، أَو يشرب لَبنهَا ، وَلَا يحمل عَلَيْهَا الْأدم ، وَلَا يركبهَا النَّاس حَتَّى تعلف أَرْبَعِينَ لَيْلَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَأما عبد الْحق فَقَالَ : فِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن مهَاجر البَجلِيّ عَن أَبِيه ، وَإِسْمَاعِيل : ضَعِيف ، وَأَبوهُ لَا يحْتَج بِهِ ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه التَّحْقِيق بعد أَن أوردهُ : إِسْمَاعِيل وَأَبوهُ ضعيفان . قلت : أما إِسْمَاعِيل فضعفوه ، وَتَصْحِيح الْحَاكِم حَدِيثه هَذَا يُؤذن بِثِقَتِهِ عِنْده ، وَأما أَبوهُ فروَى لَهُ مُسلم ، وَقَالَ الثَّوْريّ وَأحمد : لَا بَأْس بِهِ . وَضَعفه ابْن معِين ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث . قلت : قد جَاءَ النَّهْي عَن الْجَلالَة وَالشرب من لَبنهَا ، وَالرُّكُوب عَلَيْهَا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ، وَعبد الله بن عَبَّاس ، وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَيْضا ، وَأبي هُرَيْرَة . أما حَدِيث عبد الله بن عمر فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَنهُ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن جلالة الْإِبِل أَن يركب عَلَيْهَا أَو يشرب من أَلْبَانهَا . هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَفِي رِوَايَة لَهُ نهَى عَن الْجَلالَة فِي الْإِبِل أَن يركب عَلَيْهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : نهَى عَن ركُوب الْجَلالَة ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن أكل الْجَلالَة وَأَلْبَانهَا . وَلَفظ ابْن مَاجَه [ نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] عَن لُحُوم الْجَلالَة وَأَلْبَانهَا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب ، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن ابْن أبي نجيح . وَذكر التِّرْمِذِيّ أَن سُفْيَان الثَّوْريّ رَوَاهُ عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : خَالف شريكُ ابنَ أبي نجيح ، فَرَوَاهُ عَن لَيْث بن أبي سليم ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس . قَالَ : وَرُوِيَ أَيْضا من وَجه آخر عَن ابْن عمر فَذكره من حَدِيث أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر . وَرَوَاهُ عبد الْوَارِث ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر . وَأما حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس ، فَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن أكل الْمُجثمَة وَهِي المصبورة للْقَتْل ، وَعَن أكل الْجَلالَة وَشرب أَلْبَانهَا ، وَفِي لفظ : عَن لبن الْجَلالَة ، وَعَن الشّرْب [ من ] فِي السقاء ، وَلَفظ أَحْمد : [ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى ] عَن الْمُجثمَة ، وَالْجَلالَة ، وَأَن يشرب من فِي السقاء . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي كتاب الْجِهَاد : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر الاقتراح فِي الْقسم الْخَامِس فِي ذكر أَحَادِيث رَوَاهَا قوم خرَّج عَنْهُم البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، وَلم يخرج عَنْهُم مُسلم إِذْ خرج عَنْهُم مَعَ الاقتران بِالْغَيْر . وَأما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ؛ فَرَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ عَنهُ قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة ، وَعَن الْجَلالَة وَعَن ركُوبهَا وَأكل لحومها . وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يشرب [ من ] فِي السقاء وَالْمُجَثمَة وَالْجَلالَة . الْمُجثمَة : الَّتِي تُجعل هدفًا ليرميها بِالسِّهَامِ حَتَّى تَمُوت . وَالْجَلالَة : الَّتِي تَأْكُل الْعذرَة .
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا من إِنْسَان يقتل عصفورًا فَمَا فَوْقهَا بِغَيْر حَقّهَا إِلَّا سَأَلَهُ الله - عَزَّ وَجَلَّ - عَنْهَا ، قيل : وَمَا حَقّهَا ؟ قَالَ : يذبحها ويأكلها ، وَلَا يقطع رَأسهَا فيطرحها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : فِيهِ صُهَيْب مولَى بني عَامر وَلَا يعرف لَهُ حَال ، هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ وَأبي نعيم بسندهما ، عَن عَمْرو بن يزِيد عَن أَبِيه رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : مَا من أحد يقتل عصفورًا إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة . فَقَالَ : يَا رب ، هَذَا قتلني عَبَثا ، فَلَا هُوَ انْتفع بقتلي ، وَلَا هُوَ تركني فأعيش فِي أَرْضك ، وَفِي مُسْند أَحْمد ، و سنَن النَّسَائِيّ ، و صَحِيح ابْن حبَان ، عَن عَمْرو بن الشَّريد مَرْفُوعا : من قتل عصفورًا عَبَثا عج إِلَى الله يَوْم الْقِيَامَة يَقُول : إِن فلَانا قتلني عَبَثا ، وَلم يقتلني مَنْفَعَة . قَالَ ابْن الْأَثِير فِي شرح مُسْند الشَّافِعِي : العصفور مُذَكّر وَالْأُنْثَى عصفورة ، وَقد ورد الضَّمِير فِي هَذَا الحَدِيث تَارَة إِلَى الْمُؤَنَّث فَقَالَ : فَمَا فَوْقهَا بِغَيْر حَقّهَا هَكَذَا جَاءَ فِي نسخ الْمسند عَلَى مَا وصل إِلَيْنَا مِنْهَا ، فَإِن لم يكن سَهوا من الْكَاتِب فَيكون ذَلِك ردًّا إِلَى النَّفس أَي : من قتل نفسا . ورده تَارَة إِلَى الْمُذكر ، فَقَالَ : يسْأَله عَزَّ وَجَلَّ عَن قَتله ردًّا إِلَى اللَّفْظ ، ثمَّ أعَاد فَقَالَ : وَمَا حَقّهَا ؟ . فَأثْبت الضَّمِير . وَهَذَا وَأَمْثَاله فَاش فِي الْعَرَبيَّة أَن يحمل تَارَة عَلَى اللَّفْظ وَتارَة عَلَى الْمَعْنى ، فَيُقَال : كل وَاحِد من الْأَمريْنِ مَا يَقْتَضِيهِ من تذكير وتأنيث وَجمع وإفراد ، وَغير ذَلِك .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ قَالَ الرَّافِعِيّ : فِي الْقُنْفُذ وَجْهَان : أَحدهمَا - وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَأحمد - : يحرم ؛ لما رُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه من الْخَبَائِث . وَالثَّانِي : - وَهُوَ الْأَصَح - الْحل ؛ لقَوْله تَعَالَى : قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَة . وَيروَى أَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه سُئِلَ عَن الْقُنْفُذ فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة ، فَقَالَ شيخ عِنْده : سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول : ذكر الْقُنْفُذ عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : خَبِيث من الْخَبَائِث . فَقَالَ ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : إِن كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَه فَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَإِن كَانَ الشَّيْخ مَجْهُولا فَلم نر قبُول رِوَايَته ، وَحمله بَعضهم عَلَى أَنه خَبِيث الْفِعْل ؛ لِأَنَّهُ يخفي رَأسه عِنْد التَّعَرُّض لذبحه ويؤذي شوكه إِذا صيد . وَعَن الْقفال : إِن صَحَّ الْخَبَر فَهُوَ حرَام ، وَإِلَّا رَجعْنَا إِلَى الْعَرَب هَل يستطيبونه ؟ وَالْمَنْقُول عَنْهُم الاستطابة . انْتَهَى كَلَام الرَّافِعِيّ . وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من رِوَايَة عِيسَى بن نميلَة - بالنُّون - عَن أَبِيه قَالَ : كنت عِنْد ابْن عمر الحَدِيث فَذَكَرَاهُ . قَالَ الْخطابِيّ : لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : لم يرو إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَهُوَ إِسْنَاد فِيهِ ضعف ، (وَرِوَايَة شيخ مَجْهُول) . وَذكر الذَّهَبِيّ فِي الكاشف أَن ابْن حبَان وثق عِيسَى بن نميلَة . وَذكر هَذَا الحَدِيث عبد الْحق فِي الْأَحْكَام ، وَسكت عَنهُ ، وَاحْتج بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق . والقُنفذ : بِضَم الْقَاف قطعا ، وَفِي فائه لُغَتَانِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح .
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَأْكُل الدَّجَاج . هَذَا الحَدِيث صَحِيح . رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم . والدجاج مثلث الدَّال حَكَاهُ غير وَاحِد ، وَقد ذكرته مَبْسُوطا فِي كتابي الْمُسَمَّى بالإشارات إِلَى مَا وَقع فِي الْمِنْهَاج من الْأَسْمَاء وَالْمعْنَى واللغات .
الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ قَالَ الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الحشرات كلهَا مستخبثة مَا يدرج مِنْهَا وَمَا يطير ، وَمِنْهَا مَا هِيَ ذَوَات السمُوم وإبر فَتحرم لما فِيهِ من الضَّرَر ، وَفِي النَّهْي عَن الوزغ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم أَنْوَاعهَا . وعددهم الرَّافِعِيّ ، وَهَذَا الَّذِي ذكره من النَّهْي عَن قَتلهَا شَيْء لَا نعرفه ، بل هُوَ خلاف الْمَنْقُول عَن سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَفِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن أبي وَقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بقتل الوزغ وَسَماهُ فويسقًا . وَرَوَى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أم شريك أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمرهَا بقتل الأوزاغ . وَفِي رِوَايَة لَهما أَمر . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : وَكَانَ ينْفخ النَّار عَلَى إِبْرَاهِيم . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : من قتل وزغًا فِي أول ضَرْبَة كتبت لَهُ [ مائَة ] حَسَنَة ، وَفِي الثَّانِيَة دون ذَلِك ، وَفِي الثَّالِثَة دون ذَلِك وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي ضَرْبَة سبعين حَسَنَة . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان من حَدِيث عَائِشَة : لم يكن دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا أطفأت عَن إِبْرَاهِيم النَّار غير الوزغ فَإِنَّهُ كَانَ ينْفخ عَلَيْهِ النَّار ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بقتْله ، فَغَفَلَ الإِمَام الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَرَادَ أَن يكْتب : وَمِنْهَا مَا أَمر بقتْله ، فَسبق الْقَلَم إِلَى : مَا نهي عَن قَتله . وَرَأَيْت فِي صَحِيح ابْن حبَان تَرْجَمَة تدل عَلَى أَن بعض الْعلمَاء كره قَتلهَا ، يُقَال ذكر الْأَمر بقتل الأوزاغ ضد قَول من كره قَتلهَا ثمَّ ذكر حَدِيث أم شريك السالف .
الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أكلت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لحم حبارى . هَذَا الحَدِيث كَذَا وجدته فِي نُسْخَة أَصْلِيَّة مُقَابلَة عَلَى نُسْخَة منعوت عَلَيْهَا وَوَجَدته فِي أُخْرَى منعوت عَلَيْهَا عَن شُعْبَة وَكِلَاهُمَا خطأ بِلَا ريب ، وَصَوَابه عَن سفينة بسين مُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ فَاء ثمَّ يَاء مثناة تَحت ثمَّ نون ثمَّ هَاء ، لَا يشك فِيهِ من لَهُ أدنَى إِلْمَام بِهَذَا الْفَنّ ، كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَغَيرهمَا من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن عمر بن سفينة ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : أكلت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لحم حبارى . وَالْأول غلط بِلَا شكّ ، وَقد ظهر غلط مَا تقدم ؛ فَإِن فِي الأَصْل الْمَذْكُور أَولا عَن سفينة ، ثمَّ خرَّج الْكَاتِب تَخْرِيجه وَكتب الْمُغيرَة بن ، ثمَّ صحّح عَلَى ذَلِك ، وَهَذَا كُله تَحْرِيف من الْكَاتِب ، فَإِن كَانَ كَبِيرا فَإِنِّي أُجل الإِمَام الرَّافِعِيّ من الْوُقُوع فِي مثل ذَلِك ، هَذَا الَّذِي يتداول مَعْرُوف عَلَى أَن هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده ضَعِيف . قَالَ البُخَارِيّ : عمر بن سفينة مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَبِيه ، رَوَى عَنهُ ابْنه بُرَية - يَعْنِي عَن إِبْرَاهِيم - بِإِسْنَاد مَجْهُول ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِبْرَاهِيم ضَعِيف ، وَقَالَ ابْن حبَان : إِبْرَاهِيم هَذَا يُخَالف الثِّقَات فِي الرِّوَايَات ، يروي عَن أَبِيه مَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ من رِوَايَات الْأَثْبَات ، فَلَا يحل الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ بِحَال ثمَّ ذكر لَهُ الحَدِيث الْمَذْكُور وَغَيره ، وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء : بُرية بن عمر بن سفينة لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه وَلَا يعرف إِلَّا بِهِ . ثمَّ ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث وَسَاقه أَيْضا إِلَى تَرْجَمَة عمر بن سفينة ، عَن أَبِيه ثمَّ قَالَ : حَدِيثه غير مَحْفُوظ ، وَلَا يعرف إِلَّا بِهِ . وَخَالف أَبُو زرْعَة فَقَالَ : هُوَ صَدُوق . كَذَا نقل هَذِه القولة صَاحب الْمِيزَان والحبارى : طَائِر مَعْرُوف . قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره .
الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ ورد النَّهْي عَن قتل الضفدع . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام ، وَفِي الضفدع أَربع لُغَات ذكرتها مُوضحَة فِي لُغَات الْمِنْهَاج . وَهُوَ الْمُسَمَّى بالإشارات .
الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْبَحْر : هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته . هَذَا الحَدِيث قد ذَكرْنَاهُ مَبْسُوطا بِطرقِهِ وفوائده فِي أول هَذَا الْكتاب .
الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن طَائِفَة من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَصَابَتْهُم المجاعة فِي غزَاة فَلفظ الْبَحْر حَيَوَانا عَظِيما يُسمى العنبر ، فَأَكَلُوا مِنْهُ ، ثمَّ أخبروا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما قدمُوا ، فَلم يُنكر عَلَيْهِم ، وَقَالَ : هَل حملتم لي مِنْهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَفِي رِوَايَة لمُسلم قَالَ : بعثنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَنحن ثَلَاثمِائَة رَاكب وأميرنا أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح نرصد عيرًا لقريش ، فَأَقَمْنَا بالسَّاحل نصف شهر ، وأصابنا جوع شَدِيد حَتَّى أكلنَا الْخبط فَسُمي جَيش الْخبط ، فَألْقَى لنا [ الْبَحْر ] دَابَّة يُقَال لَهَا العنبر ، فأكلنا مِنْهَا نصف شهر ، وادهنا من ودكها حَتَّى ثَابت أجسامنا ، قَالَ : فَأخذ أَبُو عُبَيْدَة ضلعًا من أضلاعه فنصبه ، ثمَّ نظر إِلَى أطول رجل فِي الْجَيْش وأطول جمل فَحَمله عَلَيْهِ فَمر تَحْتَهُ ، وَجلسَ فِي حجاج عينه نفر ، وأخرجنا من [ وَقب عينه ] كَذَا وَكَذَا قلَّة ودك ، وَكَانَ مَعنا جراب من تمر ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُعْطي كل رجل قَبْضَة قَبْضَة ، ثمَّ أَعْطَانَا تَمْرَة تَمْرَة ، فَلَمَّا فني وَجَدْنَاهُ [ فَقده ] . وَفِي رِوَايَة لَهُ : بعثنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمر علينا أَبَا عُبَيْدَة نتلقى عيرًا لقريش ، وزودنا جرابًا من تمر لم نجد لنا غَيره ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُعْطِينَا تَمْرَة تَمْرَة ، فَلَمَّا فني وَجَدْنَاهُ . وَفِي رِوَايَة : فَقلت لَهُ : كَيفَ تَصْنَعُونَ بهَا ؟ قَالَ : نمصها كَمَا يمص الصَّبِي ، ثمَّ نشرب عَلَيْهَا المَاء فتكفينا يَوْمنَا إِلَى اللَّيْل ، وَكُنَّا نضرب بعصينا الْخبط ثمَّ نبله بِالْمَاءِ فنأكله . قَالَ : وانطلقنا عَلَى سَاحل الْبَحْر فَرفع لنا سَاحل الْبَحْر كَهَيئَةِ الْكَثِيب الضخم فأتيناه فَإِذا هُوَ دَابَّة تُدعَى : العنبر . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : ميتَة . ثمَّ قَالَ : لَا ؛ بل نَحن رسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد اضطررتم ، فَكُلُوا . قَالَ : فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شهرا وَنحن ثَلَاثمِائَة حَتَّى سمنا . قَالَ : وَلَقَد رَأَيْتنَا نغترف من وَقب عينه بالقلال الدّهن ، ونقطع مِنْهُ الفدر كالثور أَو كَقدْر الثور ، فَلَقَد أَخذ منا أَبُو عُبَيْدَة ثَلَاثَة عشر رجلا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقب عينه ، وَأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ، ثمَّ رَحل أعظم بعير مَعنا فَمر من تَحْتَهُ ، وتزودنا [ من ] لَحْمه وشائق ، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة أَتَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذَكرنَا ذَلِك لَهُ . فَقَالَ : هُوَ رزق أخرجه الله لكم ، فَهَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء فتطعمونا ؟ قَالَ : فَأَرْسَلنَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِنْهُ فَأَكله . وَفِي رِوَايَة لَهُ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بسرية [ وَأَنا ] إِلَى سيف الْبَحْر ، وسَاق الحَدِيث ، وَفِيه : فَأكل مِنْهَا الْجَيْش ثَمَانِي عشرَة لَيْلَة . وَفِي رِوَايَة لَهُ : بعث بعثًا إِلَى أَرض جُهَيْنَة وَاسْتعْمل عَلَيْهِ رجلا وسَاق الحَدِيث . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : غزونا جَيش الْخبط وأميرنا أَبُو عُبَيْدَة فجعنا جوعا شَدِيدا ، فَألْقَى الْبَحْر حوتًا مَيتا لم نر مثله يُقَال لَهُ : العنبر ، فأكلنا مِنْهُ نصف شهر ، وَأخذ أَبُو عُبَيْدَة عظما من عِظَامه فَمر الرَّاكِب تَحْتَهُ . وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَإِذا حوت مثل الظرب فَأكل مِنْهُ الْقَوْم ثَمَانِي عشرَة لَيْلَة ، ثمَّ أَمر أَبُو عُبَيْدَة بضلعين من أضلاعه فنصبا ، ثمَّ أَمر براحلة فرحلت ، ثمَّ مرت تحتهَا فَلم تصبها ، وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلمُسلم : وَكَانَ فِينَا رجل فَلَمَّا اشْتَدَّ الْجُوع نحر ثَلَاث جزائر ثمَّ ثَلَاث جزائر ، ثمَّ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَة . وَجَاء فِي رِوَايَة البُخَارِيّ : أن هَذَا الرجل هُوَ [ قيس بن ] سعد بن عبَادَة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : فَلَمَّا (قدمنَا ذكرنَا ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : ) كلوا رزقا أخرجه الله لكم ، أطعمونا إِن كَانَ مَعكُمْ ، فَأَتَاهُ بَعضهم فَأَكله . وَفِي رِوَايَة للنسائي أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر . وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الْعُمْدَة فِي أَن السّمك الطافي - وَهُوَ الَّذِي يَمُوت فِي الْبَحْر بِلَا سَبَب - حَلَال . وَقد قَالَ جَمَاهِير الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق ، وَأَبُو أَيُّوب ، وَعَطَاء ، وَمَكْحُول ، وَالنَّخَعِيّ ، وَمَالك ، وَالشَّافِعِيّ ، وَأحمد ، وَأَبُو ثَوْر ، وَدَاوُد ، وَغَيرهم ، وَقَالَ جَابر بن عبد الله ، وَجَابِر بن زيد ، وَطَاوُس ، وَأَبُو حنيفَة : لَا يحل . وَدَلِيل الْجُمْهُور الحَدِيث الْمَذْكُور بعد قَوْله تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ ، قَالَ ابْن عَبَّاس وَالْجُمْهُور : صَيْده مَا صدتموه وطافيه مَا قذفه . وَبِغير ذَلِك من الْأَدِلَّة الَّذِي لَيْسَ هَذَا مَوضِع بسطها ، وَمن ذَلِك الحَدِيث الصَّحِيح : هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته . وَأما الحَدِيث الْمَرْوِيّ عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا : مَا أَلْقَاهُ الْبَحْر أَو حرز مِنْهُ فكلوه ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَلَا تأكلوه ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أنَّه حَدِيث ضَعِيف بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ لَو لم يُعَارضهُ شَيْء ، فَكيف وَهُوَ معَارض بِمَا ذَكرْنَاهُ ؟ ! وَقد أطنب الْبَيْهَقِيّ القَوْل فِي تَضْعِيفه فِي سنَنه و خلافياته ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه و علله وَغَيرهمَا ، وَيَكْفِينَا من ذَلِك قَول البُخَارِيّ فِيهِ : إِنَّه حَدِيث لَيْسَ بِمَحْفُوظ . وَقَول الإِمَام أَحْمد : إِنَّه حَدِيث لَيْسَ بِصَحِيح . الثَّانِي : إِنَّه مَنْسُوخ بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته . قَالَه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي عُلُوم الحَدِيث فَإِن قيل : لَا حجَّة لكم فِي حَدِيث العنبر ؛ لأَنهم كَانُوا مضطرين . قُلْنَا : الِاحْتِجَاج بِهِ بِأَكْل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مِنْهُ فِي الْمَدِينَة من غير ضَرُورَة .
الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب النَّجَاسَات .
كتاب الْعَقِيقَة كتاب الْعَقِيقَة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَحَادِيث أحد عشر حَدِيثا : أَحدهَا : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نعق عَن الْغُلَام بشاتين ، وَعَن الْجَارِيَة بِشَاة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور نَحْو لفظ ابْن مَاجَه ، وَهَذَا لَفظه : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نعق عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، وَرَوَاهُ أَحْمد كَذَلِك ، وَلَفظ ابْن حبَان : عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، وَتقدم فِي الْبَاب قبله ضبط قَوْله : مكافئتان .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : سموا السقط . هَذَا الحَدِيث أوردهُ الرَّافِعِيّ وَلَا أعرفهُ بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَذكره الْبَغَوِيّ وَغَيره من أَصْحَابنَا فَقَالُوا : يسْتَحبّ تَسْمِيَة السقط لحَدِيث ورد فِيهِ . وَرَأَيْت فِيمَا انتخبه الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السِّلَفي من كتب شَيْخه أبي الْحُسَيْن الصَّيْرَفِي الْمَعْرُوف بِابْن الطيوري بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي هُرَيْرَة رَفعه : إِذا اسْتهلّ الصَّبِي صَارِخًا سمي ، وَصلي عَلَيْهِ ، وتمت دِيَته ، ووُرِّث ، وَإِن لم يستهل صَارِخًا ، لم يسم ، وَلم تتمّ دِيَته ، وَلم يصل عَلَيْهِ ، وَلم يوُرَّث . وَإِسْنَاده ضَعِيف ؛ لِأَن فِيهِ عبد الله بن شبيب وَهُوَ واهٍ ، قَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم : ذَاهِب الحَدِيث . وَبَالغ فضلك الرَّازِيّ فَقَالَ : يحل ضرب عُنُقه . وَنسبه ابْن خرَاش إِلَى سَرقَة الحَدِيث ، وَفِي عمل يَوْم وَلَيْلَة لِابْنِ السّني من حَدِيث عبد الله بن أَيُّوب المَخْزُومِي ، ثَنَا دَاوُد بن المحبر ، ثَنَا مُحَمَّد بن عُرْوَة ، عَن هِشَام بن عُرْوَة [ عَن أَبِيه ] عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : أسقطت من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سقطا فَسَماهُ عبد الله ، وَكَنَّانِي بِأم عبد الله . قَالَ مُحَمَّد : وَلَيْسَ فِينَا امْرَأَة اسْمهَا عَائِشَة إِلَّا كنيت أم عبد الله . وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف ؛ لِأَن دَاوُد بن المحبر قَالَ فِي حَقه ابْن حبَان : إِنَّه يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات ، وَمُحَمّد بن عُرْوَة هُوَ ابْن هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير فِيهِ جَهَالَة ، وَقَالَ ابْن حبَان فِي حَقه : لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ، مُنكر الحَدِيث جدًّا . أما كنيتها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بذلك - وَلَا محَالة فِي صِحَّتهَا - فَفِي سنَن أبي دَاوُد بِسَنَد صَحِيح عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت : يَا رَسُول الله ، كل صواحبي لَهُنَّ كنى . قَالَ : فاكتني بابنك عبد الله . قَالَ الرَّاوِي : يَعْنِي عبد الله [ بن ] الزبير وَهُوَ ابْن أُخْتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر ، وَكَانَت عَائِشَة تكنى أم عبد الله . وَفِي المعجم الْكَبِير للطبراني من حَدِيث سيف بن مُحَمَّد ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه [ عَن ] عَائِشَة قَالَت : كناني النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أم عبد الله ، وَلم يكن لي ولد [ قطّ ] وَفِيه : ثَنَا إِسْحَاق ، عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كناها أم عبد الله فَكَانَ يُقَال لَهَا : أم عبد الله حَتَّى مَاتَت وَلم تَلد [ قطّ ] . قلت : وَهَذَا أَيْضا مِمَّا يضعف حَدِيث ابْن الْمسيب .
الحَدِيث السَّادِس عَن [ عبد الله ] بن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه قَالَ : كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا ولد لِأَحَدِنَا غُلَام ذبح شَاة ولطخ رَأسه بدمها ، فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نذبح شَاة ونحلق رَأسه ونلطخه بزعفران . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَائِشَة قَالَت : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يجْعَلُونَ قطنة فِي دم الْعَقِيقَة ، ويجعلونها عَلَى رَأس الْمَوْلُود ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يَجْعَل مَكَان الدَّم خلوقًا . وَهَذَا الحَدِيث أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فَذَكرته بِكَمَالِهِ .
الحَدِيث الثَّامِن أَن فَاطِمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وزنت شعر الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وَزَيْنَب وَأم كُلْثُوم فتصدقت بوزنه فضَّة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَلّي بن حُسَيْن فِي حسن وحسين عَلَيْهِمَا السَّلَام وَرَوَاهُ أَيْضا الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان ابن بِلَال ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذبحت عَن حسن وحسين [ حِين ] ولدتهما شَاة ، وحلقت شعورهما ، ثمَّ تَصَدَّقت بوزنه فضَّة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن عبد الله بن أبي بكر ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي بن حُسَيْن ، عَن أَبِيه عَلّي قَالَ : عق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْحسن بِشَاة ، وَقَالَ : يَا فَاطِمَة ، احلقي رَأسه ، وتصدقي بزنة شعره فضَّة . فوزناه فَكَانَ وَزنه دِرْهَم أَو بعض دِرْهَم . وَهَذِه الرِّوَايَة رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من الطَّرِيق الْمَذْكُور ، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور ثمَّ قَالَ - أَعنِي التِّرْمِذِيّ - : حسن غَرِيب ، وَإِسْنَاده لَيْسَ بِمُتَّصِل ، وَأَبُو جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن لم يدْرك عَلّي بن أبي طَالب . قلت : إِذا كَانَ هَذَا حَاله فَكيف يكون حسنا ؟ ! وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَنه مُنْقَطع ، قَالَ : وَقيل فِي رِوَايَته : عَن مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَلَا أَدْرِي مَحْفُوظًا هُوَ أم لَا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن ابْن الْحُسَيْن ، عَن أبي رَافع قَالَ : لما ولدت فَاطِمَة حسنا قَالَت : يَا رَسُول الله ، أَلا أعق عَن ابْني بِدَم ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِن احلقي شعره ، وتصدقي بوزنه من الورِق عَلَى الأوقاض أَو عَلَى الْمَسَاكِين - قَالَ عَلّي : قَالَ شريك : يَعْنِي بالأوقاض أهل الصّفة - فَفعلت ذَلِك ، فَلَمَّا ولدت حُسَيْنًا فعلت مثل ذَلِك قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا هُوَ الصَّوَاب ، وَحدث بِهِ أَبُو نعيم الْحلَبِي ، عَن عبيد الله بن عَمْرو ، عَن ابْن عقيل ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَلّي بن الْحُسَيْن ، وَذكر أبي سَلمَة عَنهُ وهم . وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن مُحَمَّد بن عَلّي بن حُسَيْن ، عَن أبي رَافع أَن الْحسن بن عَلّي حِين وَلدته أمه أَرَادَت أَن تعق عَنهُ بكبش عَظِيم ، فَأَتَت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ لَهَا : لَا تعقي عَنهُ بِشَيْء وَلَكِن احلقي شعر رَأسه ، ثمَّ تصدقي بوزنه من الورِق فِي سَبِيل الله أَو عَلَى ابْن السَّبِيل . وَولدت الْحُسَيْن من الْعَام الْمقبل فصنعت مثل ذَلِك قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ ابْن عقيل ، وَهُوَ إِن صَحَّ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يتَوَلَّى الْعَقِيقَة عَنْهُمَا بِنَفسِهِ - كَمَا رَوَيْنَاهُ - فَأمرهَا بغَيْرهَا وَهُوَ التَّصَدُّق بِوَزْن شعرهما من الْوَرق . وَرَوَى الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْحُسَيْن ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر فَاطِمَة فَقَالَ : زني شعر الْحُسَيْن ، وتصدقي بوزنه فضَّة ، وَأعْطِي الْقَابِلَة رجل الْعَقِيقَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ذكره فِي مَنَاقِب الْحُسَيْن وَفِي صِحَّته نظر ؛ فَإِن ابْن الْمَدِينِيّ قَالَ فِي حق الْحُسَيْن بن زيد : إِنَّه ضَعِيف وَقَالَ أَبُو حَاتِم : - تعرف وتنكر ، وَقَالَ ابْن عدي : وجدت فِي حَدِيثه بعض النكرَة ، وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَكَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة ، وَرَوَى الْحميدِي عَن الْحُسَيْن بن زيد ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَن عَلّي بن أبي طَالب أعْطى الْقَابِلَة رجل الْعَقِيقَة قَالَ : وَرَوَاهُ حَفْص بن غياث ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا فِي أَن يبعثوا إِلَى الْقَابِلَة مِنْهَا بِرَجُل وَاعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من هَذِه الطّرق كلهَا وَهِي متفقة عَلَى التَّصَدُّق بزنة الشّعْر فضَّة لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا ذكر الذَّهَب ، بِخِلَاف مَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَسَائِر أَصْحَابنَا فَإِنَّهُم قَالُوا : يسْتَحبّ أَن يتَصَدَّق بِوَزْن شعره ذَهَبا ، فَإِن لم يفعل ففضة . والعجيب أَن الرَّافِعِيّ وأصحابنا يذكرُونَ الْمَسْأَلَة هَكَذَا ويستدلون بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور وَلَا دلَالَة فِيهِ عَلَى اللَّفْظ الَّذِي قَالُوهُ .
الحَدِيث الْخَامِس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن . هَذَا صَحِيح وَقد ورد ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث : مِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن كَبْشًا كَبْشًا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَهَذَا لَفظه ، وَالنَّسَائِيّ بِلَفْظ بكبشين كبشين ، قَالَ عبد الْحق : هَذَا حَدِيث صَحِيح . قَالَ : وَقَالَ ابْن حزم : ولد الْحسن عَام أحد ، وَولد الْحُسَيْن فِي الْعَام الثَّانِي . وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي آخر اقتراحه فِي الْقسم الْخَامِس فِي ذكر أَحَادِيث رَوَاهَا قوم خرَّج عَنْهُم البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح ، وَلم يخرج عَنْهُم مُسلم أَو خرج عَنْهُم مَعَ الاقتران بِالْغَيْر . وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : عق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْحسن وَالْحُسَيْن يَوْم السَّابِع ، وسماهما ، وَأمر أَن يماط عَن رءوسهما الْأَذَى . رَوَاهُ ابْن حبَان ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ . قَالَ الْحَاكِم : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَرَوَاهُ ابْن السكن فِي صحاحه مطولا ، وَهَذَا لَفظه عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يعق عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة . قَالَت : وعق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْحسن وَالْحُسَيْن شَاتين لكل وَاحِد ، وَقَالَ : اذبحوا وَقُولُوا : بِاسم الله ، اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك ، هَذِه عقيقة فلَان . وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يجْعَلُونَ قطنة فِي دم الْعَقِيقَة ، ويجعلونها عَلَى رَأس الْمَوْلُود ، فَأَمرهمْ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يجْعَلُوا مَكَان الدَّم خلوقًا . وَمِنْهَا حَدِيث بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه عَلَيْهِ السَّلَام عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه بِسَنَد صَحِيح . وَمِنْهَا حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا كبشين اثْنَيْنِ مثلين متكافئين رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَسكت عَلَيْهِ ، وَفِي إِسْنَاده سوار أَبُو حَمْزَة وَهُوَ ضَعِيف . وَمِنْهَا حَدِيث فَاطِمَة الْآتِي قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى . وَمِنْهَا حَدِيث قَتَادَة عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عق عَن الْحسن وَالْحُسَيْن وختنهما لسبعة أَيَّام . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ، ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن ابْن الْمُنْكَدر إِلَّا زُهَيْر ، وَلم يقل أحد مِمَّن رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن زُهَيْر : وختنهما لسبعة أَيَّام إِلَّا الْوَلِيد بن مُسلم .
الحَدِيث التَّاسِع أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَذََّنَ فِي أُذنِ الْحُسَيْن حِين وَلدته فَاطِمَة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق سُفْيَان ، عَن عَاصِم بن [ عبيد الله ] عَن عبيد الله بن أبي رَافع ، عَن أَبِيه أبي رَافع قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أذن فِي أذن الْحسن بن عَلّي حِين وَلدته فَاطِمَة بِالصَّلَاةِ كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أَحْمد وَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ الْحسن مكبرًا فِي غير مَا نُسْخَة . وَكَذَا ذكره الْمزي فِي أَطْرَافه عَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ ، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، وَوَقع فِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم : الْحُسَيْن بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت ، وَذكره فِي تَرْجَمَة الْحُسَيْن بِالْيَاءِ ، وَقَالَ : مِمَّا يُقَوي عدم التَّصْحِيف . وَكَذَا وَقع فِي نسخ الرَّافِعِيّ كلهَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ؛ فقد رَوَاهُمَا أَبُو نعيم فِي حَدِيث وَاحِد من طَرِيق أبي رَافع الْمَذْكُور أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَذَّنَ فِي أُذنِ الْحسن وَالْحُسَيْن وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَزَاد : وَأمر بِهِ قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَسكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد ، وَعبد الْحق فِي أَحْكَامه فَهُوَ إِمَّا حسن أَو صَحِيح ، لَكِن عَاصِم بن عبيد الله الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده فِيهِ مقَال سلف وَاضحا فِي بَاب الْوضُوء فِي فضل السِّوَاك للصَّائِم ، ونقلنا عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . وانتقد عَلَيْهِ ابْن حبَان رِوَايَة هَذَا الحَدِيث وَغَيره ، وَأعله ابْن الْقطَّان أَيْضا بِهِ وَقَالَ : إِنَّه ضَعِيف الحَدِيث مُنكر ومضطرب . فَلَعَلَّهُ اعتضد عِنْدهمَا بطرِيق آخر فَصَارَ صَحِيحا عَلَى أَنِّي لم أجد لَهُ طَرِيقا غير الطَّرِيق الْمَذْكُورَة .
الحَدِيث الثَّالِث عَن أم كرز رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عَن الْغُلَام شَاتَان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ د ت ن وَابْن حبَان ، وَالْحَاكِم كَمَا تقدم فِي الْبَاب قبله ، وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن مَاجَه من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عبيد الله ، عَن أَبِيه ، عَن سِبَاع ، عَن أم كرز بِلَفْظ : عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث حَمَّاد ، عَن قيس بن سعد ، عَن عَطاء وَطَاوُس [ و ] مُجَاهِد ، عَن أم كرز مَرْفُوعا : فِي الْغُلَام شَاتَان مكافئتان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان قَالَ : قَالَ عَمْرو ، عَن عَطاء ، عَن حَبِيبَة بنت ميسرَة ، عَن أم كرز مَرْفُوعا : عَن الْغُلَام بِمثل الَّذِي قبله ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، أبنا ابْن جريج ، أَخْبرنِي عَطاء ، عَن حَبِيبَة بنت ميسرَة ، عَن أم بني كرز مَرْفُوعا فِي الْعَقِيقَة عَن الْغُلَام شَاتَان مكافئتان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة . فَقلت لَهُ - يَعْنِي عَطاء - : مَا المكافئتان ؟ قَالَ : مثلان ، وذكرانهما أحب إِلَيْهِ من إناثهما . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب من رِوَايَة عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن أَبِيه - كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِيمَا تقدم - ثمَّ قَالَ : هَكَذَا قَالَه سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أَبِيه ، وَذكر أَبِيه فِيهِ وهم ؛ فقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد ، عَن حَمَّاد بن زيد ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن سِبَاع ، عَن أم كرز . قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا هُوَ الحَدِيث ، وَحَدِيث سُفْيَان وهم . وَاعْترض ابْن عبد الْبر فِي تمهيده عَلَى أبي دَاوُد فَقَالَ : لَا أَدْرِي من أَيْن قَالَ [ هَذَا أَبُو دود ] ، وَابْن عُيَيْنَة حَافظ ، وَقد زَاد فِي الْإِسْنَاد ، وَله عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن أَبِيه ، عَن سِبَاع ، عَن أم كرز ثَلَاثَة أَحَادِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ الْمُزنِيّ فِي الْمُخْتَصر عَن الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن سِبَاع بن وهب ، عَن أم كرز . قَالَ : والمزني واهم فِيهِ فِي موضِعين : أَحدهمَا : أَن سَائِر الروَاة رَوَوْهُ عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن أَبِيه ، عَن سِبَاع . وَالثَّانِي : أَنهم قَالُوا فِيهِ : سِبَاع بن ثَابت ، وَقد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ فِي كتاب السّنَن فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الصَّوَاب كَمَا رَوَاهُ سَائِر النَّاس عَن سُفْيَان . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، فقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمعرفَة من حَدِيث الطَّحَاوِيّ ، عَن الْمُزنِيّ ، ثَنَا الشَّافِعِي ، حَدثنَا سُفْيَان ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن أَبِيه ، عَن سِبَاع . وَهَكَذَا هُوَ فِي السّنَن المأثورة من طَرِيق الطَّحَاوِيّ أَيْضا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ ابْن جريج ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن سِبَاع بن ثَابت أَن مُحَمَّد بن ثَابت بن سِبَاع أخبرهُ أَن أم كرز أخْبرته ، وَرُوِيَ أَيْضا من طَرِيق آخر عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن عَطاء ، عَن حَبِيبَة بنت ميسرَة ، عَن أم كرز . قلت : أخرجه التِّرْمِذِيّ من طَرِيق ابْن جريج الأولَى ثمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيق سُفْيَان الَّتِي ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ بعد ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن قيس بن سعد ، عَن عَطاء ، وَطَاوُس وَمُجاهد ثَلَاثَتهمْ ، عَن أم كرز . وَأَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث سُفْيَان ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن أَبِيه ، عَن سِبَاع ، عَن أم كرز . وَعَن حَمَّاد بن زيد ، عَن عبيد الله بْن أبي يزِيد عَن سِبَاع . وَلم يقل : عَن أَبِيه . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن سُفْيَان وَلم يقل : عَن أَبِيه . وَعَن ابْن جريج عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن سِبَاع بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، وَهِشَام بن عمار كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان ، وَقَالا : عَن أَبِيه بِهِ . وَقد تقدم فِي الْبَاب قبله كل هَذَا وَاضحا ، وَقَالَ الْمزي فِي أَطْرَافه : اخْتلف فِيهِ عَن عَطاء وَغَيره اخْتِلَافا كثيرا قَالَ : وَحَدِيث سِبَاع ابْن ثَابت عَن أم كرز هُوَ الْمَحْفُوظ . وَاعْترض النَّوَوِيّ فِي شَرحه للمهذب عَلَى تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ لهَذَا الحَدِيث بِأَن قَالَ : فِي إِسْنَاده عبيد الله بن أبي [ يزِيد ] ، وَقد ضعفه الْأَكْثَرُونَ قَالَ : فَلَعَلَّهُ اعتضد عِنْده فصححه . قلت : قد صَححهُ الْحَاكِم من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة ، وَقَالَ أَحْمد فِي عبيد الله هَذَا : إِنَّه صَالح ، وَقَالَ ابْن عدي : لم أر لَهُ شَيْئا مُنْكرا عَلَى أَنه لم ينْفَرد ، بل قد رَوَاهُ جماعات كَذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا . فَائِدَة : تقدم فِي طَرِيق هَذِه الْأَحَادِيث قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : مكافئتان قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : مَعْنَاهُ متساويتان أَو متقاربتان . قَالَ الْخطابِيّ : وَقد فسره أَبُو عبيد بقريب من هَذَا إِلَّا أَن المُرَاد من هَذَا بذلك التكافؤ فِي السن ، يُرِيد شَاتين مُسنَّتَيْنِ يجوز أَن تَكُونَا فِي الضَّحَايَا لَا تكون إِحْدَاهمَا غير مُسِنَّة وَالْأُخْرَى مُسِنَّة . و متكافئتان بِكَسْر الْفَاء يُقَال : كافئته مكافئة فَهُوَ مكافئه أَي مساويه . قَالَ الْخطابِيّ والجوهري : والمحدثون يَقُولُونَ : مكافأتان بِالْفَتْح ، وكل من سَاوَى شَيْئا يكون مثله فقد كافأه ، وَقَالَ بَعضهم فِي تَفْسِير الحَدِيث : يذبح إِحْدَاهمَا مُقَابل الْأُخْرَى . قَالَ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه : وَأرَى الْفَتْح أولَى ؛ فَإِنَّهُ يُرِيد شَاتَان قد سُوَى بَينهمَا ، أَي : شَاتَان متساوٍ بَينهمَا ، وَأما بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاه أَنَّهُمَا متساويتان فَيحْتَاج أَن يذكر [ أَي شَيْء ساويا ] ، وَقَالَ النَّوَوِيّ - أَظُنهُ فِي شرح الْمُهَذّب - : هُوَ بِكَسْر الْفَاء وَبعدهَا همزَة هَكَذَا صَوَابه عِنْد أهل اللُّغَة ، وَمِمَّنْ صرح بِهِ الْجَوْهَرِي قَالَ : ويقوله المحدثون بِفَتْح الْفَاء وَالصَّحِيح كسرهَا ، وَقَالَ ابْن [ معن ] فِي تنقيبه : المحدثون يَقُولُونَ : مكافئتان بِالْهَمْز يَعْنِي لَيست إِحْدَاهمَا مُسِنَّة وَالْأُخْرَى غير مُسِنَّة ، بل هما بِحَيْثُ تجوزان فِي الْأَضَاحِي . وَقيل : متكافئتان بِمَعْنى متساويتان . وَقيل : مَعْنَاهُ أَن تذبح إِحْدَاهمَا مُقَابلَة الْأُخْرَى . قَالَ : وَضبط مُقَابلَة بِفَتْح الْبَاء ، وَيجوز كسرهَا .
الحَدِيث الْعَاشِر حَدِيث فَاطِمَة فِي إِعْطَاء رجل الْعَقِيقَة للقابلة . تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قبل هَذَا الحَدِيث وَاضحا ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله من طَرِيق جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْعَقِيقَة الَّتِي عقتها فَاطِمَة عَن الْحسن وَالْحُسَيْن أَن يبعثوا إِلَى الْقَابِلَة مِنْهَا رجل وكلوا وأطعموا وَلَا تكسروا مِنْهَا عظما .
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ عق ] عَن نَفسه بعد النُّبُوَّة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عبد الله بن مُحَرر - بالراء الْمُهْملَة المكررة فِي آخِره - عَن قَتَادَة ، عَن أنس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عق عَن نَفسه بعد النُّبُوَّة . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِمرَّة ؛ لِأَن عبد الله هَذَا واه بالِاتِّفَاقِ (وَقد سلف أَقْوَال الْأَئِمَّة) فِيهِ فِي بَاب صَلَاة التَّطَوُّع فِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين مِنْهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ عبد الرَّزَّاق : إِنَّمَا تركُوا عبد الله بن مُحَرر لحَال هَذَا الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ حَدِيث مُنكر . قَالَ : وَقد رُوِيَ من وَجه آخر عَن قَتَادَة ، وَمن وَجه آخر عَن أنس ، وَلَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث بَاطِل .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا فرع وَلَا عتيرة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة . قَالَ أهل اللُّغَة : الْفَرْع بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء وبالعين الْمُهْملَة ، وَيُقَال لَهَا أَيْضا : الفرعة بِالْهَاءِ : أول نتاج الْبَهِيمَة ، كَانُوا يذبحونه وَلَا يملكونه رَجَاء الْبركَة فِي الْأُم وَكَثْرَة نسلها . و العتيرة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة : ذَبِيحَة كَانُوا يذبحونها فِي الْعشْر الأول من رَجَب ويسمونها الرجبية أَيْضا . وَقد جَاءَ فِي أَحَادِيث أخر صَحِيحَة الْأَمر بالفرع وَالْعَتِيرَة مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره بِإِسْنَاد صَحِيح عَن نُبَيْشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : نَادَى رجل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِنَّا كُنَّا نعتر عتيرة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب فَمَا تَأْمُرنَا ؟ قَالَ : اذبحوا لله فِي أَي شهر كَانَ ، وبروا لله وأطعموا . قَالَ : إِنَّا كُنَّا نفرع فرعا فِي الْجَاهِلِيَّة فَمَا تَأْمُرنَا ؟ قَالَ : فِي كل سَائِمَة فرع تغذوه ماشيتك حَتَّى إِذا استحمل ذبحته فتصدقت بِلَحْمِهِ . قَالَ ابْن الْمُنْذر : هُوَ حَدِيث صَحِيح . قَالَ أَبُو قلَابَة : أخذُوا بِهِ السَّائِمَة مائَة . وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الثَّابِتَة فِي الْأَمر بهما . وَقد ذكر الْبَيْهَقِيّ جملَة مِنْهَا فِي سنَنه فَإِذا تقرر هَذَا فيجاب عَن حَدِيث لَا فرع وَلَا عتيرة السالف بأجوبة : أَحدهَا : جَوَاب الشَّافِعِي : أَن المُرَاد الْوُجُوب ، أَي : لَا فرع وَاجِب وَلَا عتيرة وَاجِبَة . ثَانِيهَا : أَن المُرَاد نفي مَا كَانُوا يذبحونه لأصنامهم إِلَيْهَا فَإِنَّهُمَا ليسَا كالأضحية فِي الِاسْتِحْبَاب وَفِي ثَوَاب إِرَاقَة الدَّم ، فَأَما تَفْرِقَة اللَّحْم عَلَى الْمَسَاكِين فبر وَصدقَة ، وَقد نَص الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي سنَن حَرْمَلَة أَنَّهُمَا إِن تيسرا كل شهر كَانَ حسنا . وَادَّعَى القَاضِي عِيَاض أَن جَمَاهِير الْعلمَاء عَلَى نسخ الْأَمر بالفرع وَالْعَتِيرَة . هَذَا آخر مَا ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب من الْأَحَادِيث ، وَذكر فِيهِ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - أَنه كَانَ إِذا ولد لَهُ ابْن أذن فِي أُذُنه الْيُمْنَى وَأقَام فِي الْيُسْرَى . وأصحابنا يتواترون عَلَى نقل هَذَا عَنهُ ، وَلَعَلَّه بلغه مَا رَوَى ابْن السّني عَن الْحُسَيْن بن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من ولد لَهُ مَوْلُود فَأذن فِي أُذُنه الْيُمْنَى وَأقَام فِي الْيُسْرَى لم تضره أم الصّبيان . وَأم الصّبيان هِيَ التابعة من الْجِنّ . قَالَ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه : وَرَوَى رزين زِيَادَة من حَدِيث أبي رَافع السالف أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أذن فِي أذن الْحُسَيْن : وَقَرَأَ فِي أُذُنه سُورَة الْإِخْلَاص وحنكه بِتَمْر وَسَماهُ قَالَ ابْن الْأَثِير : وَلم أجد هَذِه الزِّيَادَة فِي الْأُصُول .
الحَدِيث الثَّانِي عَن سَمُرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْغُلَام مُرْتَهن بعقيقته تذبح عَنهُ فِي الْيَوْم السَّابِع ، ويحلق رَأسه وَيُسمى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحسن الْبَصْرِيّ ، عَن سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَقَالَ عبد الْحق : سَماع الْحسن من سَمُرَة هَذَا الحَدِيث صَحِيح . أَي لِأَن الْحسن صرح فِيهِ بِسَمَاعِهِ من سَمُرَة لما سُئِلَ عَن ذَلِك ، ذكره البُخَارِيّ وَغَيره ، وَاللَّفْظ الَّذِي ذكره المُصَنّف هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ ، وَإِحْدَى روايتي الْحَاكِم ، وَلَفظ أَحْمد : كل غُلَام رهينة بعقيقته تذبح عَنهُ يَوْم سابعه - وَقَالَ بهز : ويدمى وَيُسمى فِيهِ ، ويحلق فِي الْيَوْم السَّابِع - ويحلق رَأسه وَيُسمى ، زَاد أَبُو دَاوُد : قَالَ همام فِي رِوَايَته : ويدمى ، وَكَانَ قَتَادَة إِذا سُئِلَ عَن الدَّم كَيفَ يصنع بِهِ قَالَ : إِذا ذبحت الْعَقِيقَة أخذت مِنْهَا صوفة ، واستقبلت مِنْهَا أوداجها ، ثمَّ تُوضَع عَلَى يافوخ الصَّبِي حَتَّى تسيل عَلَى رَأسه مثل الْخَيط ، ثمَّ تغسل رَأسه بعد ويحلق . قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا وهم من همام ، وَجَاء تَفْسِيره عَن قَتَادَة ، وَهُوَ يدمى قَالَ : و يُسمى أصح ، هَكَذَا قَالَ سَلام بن أبي مُطِيع ، عَن قَتَادَة ، وَإيَاس بن دَغْفَل ، عَن الْحسن قَالَ : وَيُسمى ، وَفِي جَامع المسانيد لِابْنِ الْجَوْزِيّ أَنه رَوَى عَن الْحسن أَنه قَالَ : تطلى رَأسه بِدَم الْعَقِيقَة . وَقد كره هَذَا أَكثر الْعلمَاء مِنْهُم الزُّهْرِيّ ، وَالشَّافِعِيّ ، وَمَالك ، وَأحمد وَقَالُوا : كَانَ هَذَا من أَعمال الْجَاهِلِيَّة . قَالَ : وَقَوله يدمى غلط من همام إِنَّمَا هُوَ يُسمى كَذَلِك رَوَاهُ عَن قَتَادَة شُعْبَة وَسَلام بن أبي مُطِيع ، وَأقر الْبَيْهَقِيّ مقَالَة أبي دَاوُد السالفة ، وَقَالَ عبد الْحق : قَالَ غير أبي دَاوُد : همام ثَبت ، وَقد سبق أَنهم سَأَلُوا قَتَادَة عَن صفة التدمية الْمَذْكُورَة فوصفها .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ضحوا بالجذع من الضَّأْن . هَذَا الحَدِيث ذكره أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى ، عَن أمه ، عَن أم بِلَال مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء ، وَعَزاهُ إِلَى رِوَايَة مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ ، ثمَّ أعله بِأم مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى ، وَقَالَ : إِنَّهَا مَجْهُولَة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بلفظين ، عَن أم بِلَال مَرْفُوعا : أَحدهمَا : ضحوا بالجذع من الضَّأْن فَإِنَّهُ جَائِز . ثَانِيهمَا : يجوز الْجذع من الضَّأْن أضْحِية . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِاللَّفْظِ الأول من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة . وَأم بِلَال هَذِه ذكرهَا ابْن عبد الْبر ، وَأَبُو نعيم ، وَابْن مَنْدَه فِي كتب الصَّحَابَة ، وَذكرهَا الْعجلِيّ فِي ثقاته ، وَقَالَ : تابعية ثِقَة . فَخَالف ، وَاقْتصر الْمزي فِي تهذيبه ، وتلميذه الذَّهَبِيّ عَلَى ذَلِك ، وَلَيْسَ بجيد لما عَلمته ، وَالْأَمر كَمَا قَالَه أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي جَهَالَة أم مُحَمَّد هَذِه ، فَلَا أعلم حَالهَا بعد الْكَشْف التَّام عَنْهَا . وَرَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن مَاجَه بالسند الْمَذْكُور ، عَن أم بِلَال بنت هِلَال ، عَن أَبِيهَا أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يجوز الْجذع من الضَّأْن أضْحِية . وهلال ذكره ابْن مَنْدَه فِي الصَّحَابَة ، وَذكره ابْن حزم بعد ذَلِك من الطَّرِيق السالفة ، ثمَّ قَالَ : أم مُحَمَّد لَا يُدْرَى من هِيَ ، وَزَاد هُنَا أَن أم بِلَال مَجْهُولَة لَا يُدْرَى ألها صُحْبَة أم لَا . وَقد علمت حَالهَا فِيمَا قدمنَا .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : نعمت الْأُضْحِية الْجذع من الضَّأْن . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي كباش قَالَ : جلبت غنما جذعًا إِلَى الْمَدِينَة فكسدت عليّ ، فَلَقِيت أَبَا هُرَيْرَة فَسَأَلته فَقَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : نعم - أَو نعمت - الْأُضْحِية الْجذع من الضَّأْن . قَالَ : فانتهبه النَّاس ، رَوَاهُ من حَدِيث عُثْمَان بن وَاقد - وَهُوَ مِمَّن اخْتلف فِي توثيقه ، وَثَّقَهُ ابْن معِين وَغَيره ، وَقَالَ أَحْمد : لَا أرَى بِهِ بَأْسا . وَضَعفه أَبُو دَاوُد - عَن كدام - بِالدَّال - بن عبد الرَّحْمَن - وَهُوَ السّلمِيّ - عَن أبي كباش ، وَلَا أعلم حَالهمَا فَيَأْتِي فيهمَا الْخلاف فِي الِاحْتِجَاج بالمستور . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، وَفِي بعض نسخه : حسن . قَالَ : وَقد رُوِيَ هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا . قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن ابْن عَبَّاس ، وَأم بِلَال بنت هِلَال عَن أَبِيهَا ، وَجَابِر ، وَعقبَة بن عَامر ، وَغَيرهم . وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمد فِي الكنى بِالْإِسْنَادِ السالف ، لَكِن بِلَفْظ : نعم الْأُضْحِية الْجذع السمين من الضَّأْن ، وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه ، والسياق لَهُ ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث هِشَام بن سعد ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : جَاءَ جِبْرِيل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْأَضْحَى فَقَالَ [ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا جِبْرِيل ] كَيفَ رَأَيْت نسكنا هَذَا ؟ فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، لقد باهى بِهِ أهل السَّمَاء ، وَاعْلَم يَا مُحَمَّد ، أَن الْجذع من الضَّأْن خير من الثَّنية من الْمعز وَالْإِبِل وَالْبَقر ، وَلَو علم الله - تَعَالَى - فِيهِ [ ذبحا ] أفضل مِنْهُ لفدى بِهِ إِبْرَاهِيم قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : مُنكر ، إِنَّمَا فدى بِهِ ابْن إِبْرَاهِيم ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : هَذَا حَدِيث رَوَاهُ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْجَنبي ، وَقد قَالَ البُخَارِيّ : فِي حَدِيثه نظر ، وَلَا يُتَابِعه عَلَى هَذَا الحَدِيث ثِقَة . قلت : هُوَ هَالك ، وَهِشَام بن سعد لَيْسَ بمعتمد ، قَالَ ابْن عدي : مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه . قَالَ الْعقيلِيّ : وَيروَى من حَدِيث زِيَاد بن مَيْمُون أَيْضا عَن أنس ، وَزِيَاد هَذَا يكذب . وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَإِنَّهُ ذكره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - التِّرْمِذِيّ - وَمن طَرِيق الْعقيلِيّ وَالْحَاكِم ، لَكِن أخرج هَذَا مُخْتَصرا بِلَفْظ : إِن جِبْرِيل قَالَ لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا مُحَمَّد ، إِن الْجذع من الضَّأْن خير من المسنة من الْمعز ، ثمَّ قَالَ : وَطَرِيق أبي هُرَيْرَة الأول أسقطها كلهَا وفضيحة الدَّهْر ؛ لِأَنَّهُ عَن عُثْمَان بن وَاقد - وَهُوَ مَجْهُول - عَن كدام بن عبد الرَّحْمَن - وَلَا نَدْرِي من هُوَ - عَن أبي كباش الَّذِي جلب الكباش الْجَذعَة إِلَى الْمَدِينَة فبارت عَلَيْهِ . هَذَا نَص حَدِيثه ، وَهنا جَاءَ مَا جَاءَ أَبُو كباش ، وَمَا أَدْرَاك مَا [ أَبُو ] كباش . والطريقة الثَّانِيَة فِيهَا هِشَام بن سعد وَهُوَ ضَعِيف . قلت : أما كدام فقد رَوَى عَنهُ أَبُو حنيفَة [ و ] ابْن وَاقد ، فارتفعت جَهَالَة عينه كَمَا سلف ، وَبقيت جَهَالَة حَاله . وَأما عُثْمَان بن وَاقد فحاشاه من الْجَهَالَة ، وَقد علمت أَنه مِمَّن اخْتلف فِيهِ كَمَا سلف لَك ، وَقد رَوَى عَنهُ خلق . وَأما أَبُو كباش فَلَا أعلم رَوَى عَنهُ غير كدام ، وَلَا رَوَى عَن غير أبي هُرَيْرَة . وَأما هِشَام فَقَالَ فِيهِ هُنَا مَا عَلمته ، وَذكر عقبه أَنه ضَعِيف ضعفه أَحْمد بن حَنْبَل ، وأساء القَوْل فِيهِ جدًّا وأطرحه ، وَلم يجز الرِّوَايَة عَنهُ يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، وَلَا ابْن معِين وَلَا غَيرهمَا ، وَهِشَام هَذَا قَالَ ابْن معِين فِي حَقه فِي رِوَايَة صَالح : لَيْسَ بمتروك الحَدِيث . وَقَالَ فِي أُخْرَى : ضَعِيف ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : مَحَله الصدْق ، وَقَالَ الْعجلِيّ : جَائِز الحَدِيث حسن الحَدِيث . وَاحْتج بِهِ مُسلم ، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ ، وَقد أخرج الْحَاكِم حَدِيثه كَمَا تقدم ، وَقَالَ : صَالح الْإِسْنَاد . وَذكر ابْن حزم هَذَا الحَدِيث مرّة وَقَالَ : إِنَّه كذب ظَاهر ، وَهُوَ قَوْله : الَّذِي فدى الله إِبْرَاهِيم ، وَلم يفد إِبْرَاهِيم بِلَا شكّ ، وَإِنَّمَا فدى ابْنه . فَائِدَة : الْجذع من الضَّأْن مَا لَهُ سنة تَامَّة ، هَذَا هُوَ الْأَصَح وَالْأَشْهر فِي اللُّغَة ، وَقيل : سِتَّة أشهر . وَقيل : وَدخل فِي السَّابِعَة . وَقيل : ثَمَانِيَة . وَقيل : عشرَة . وَقيل : إِن كَانَ ابْن شابين فستة إِلَى سَبْعَة ، وَإِن كَانَ ابْن هرمين فثمانية .
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي حَدِيث الْعَقِيقَة : لَا يضركم ذكرانًا كن أَو إِنَاثًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أم كرز الْكَعْبِيَّة الصحابية رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَنَّهَا سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ : عَن الْغُلَام شَاتَان (وَعَن الْجَارِيَة شَاة) ، وَلَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث صَحِيح . وَاللَّفْظ الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ ، أخرجه عَن الْحسن بن عَلّي ، ثَنَا عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جريج ، أَخْبرنِي عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن سِبَاع بن ثَابت أَن مُحَمَّد بن ثَابت بن سِبَاع أخبرهُ أَن أم كرز أخْبرته أَنَّهَا سَأَلت الحَدِيث ، وَلَفظ أبي دَاوُد : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : عَن الْغُلَام شَاتَان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، لَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا . أخرجه هَكَذَا عَن مُسَدّد ، نَا سُفْيَان ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن سِبَاع بن ثَابت بِهِ . إِلَى قَوْله : شَاة ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا هُوَ الحَدِيث ، وَحَدِيث سُفْيَان وهم . وَلَفظ النَّسَائِيّ : أتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحُدَيْبِية أسأله عَن لُحُوم الْهَدْي ، فَسَمعته يَقُول : عَلَى الْغُلَام شَاتَان وَعَلَى الْجَارِيَة شَاة ، لَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا . أخرجه هَكَذَا عَن قُتَيْبَة ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن عبيد الله - وَهُوَ ابْن أبي يزِيد - عَن سِبَاع ، عَن أم كرز الحَدِيث . قَالَ : وأبنا عَمْرو بن عَلّي ، ثَنَا يَحْيَى ، ثَنَا ابْن جريج ، حَدثنِي عبيد الله بن أبي يزِيد ، عَن سِبَاع بن ثَابت ، عَن أم كرز مَرْفُوعا : عَن الْغُلَام شَاتَان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، لَا يضركم ذكرانًا كن أَو إِنَاثًا . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَرِوَايَة أبي دَاوُد معلولة بِأبي يزِيد وَالِد عبيد الله وَهُوَ لَا يعرف حَاله وَلَا رَوَى عَنهُ غير ابْنه ، وَعلة أُخْرَى وَذَلِكَ أَن مَا بَين سِبَاع وَأم كرز مُنْقَطع ، يتَبَيَّن ذَلِك من رِوَايَة التِّرْمِذِيّ - وَقد تقدّمت - فَإِنَّهَا تورث شكًّا فِي سَماع سِبَاع من أم كرز ، لَا جرم أَن أَبَا دَاوُد قَالَ : إِنَّه وهم . وَقد تبين عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ أَن عبيد الله سمع من سِبَاع ، وَأَن سباعًا سمع من أم كرز فَصَارَ حَدِيث سُفْيَان وهما . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ثَنَا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي ، ثَنَا يزِيد بن سِنَان ، ثَنَا مُحَمَّد بن بكر البرْسَانِي ، ثَنَا ابْن جريج ، أَخْبرنِي عبيد الله بن أبي يزِيد أَن سِبَاع بن ثَابت ابْن عَم مُحَمَّد بن ثَابت أخبرهُ أَن أم كرز أخْبرته أَنَّهَا سَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْعَقِيقَة فَقَالَ : يعق عَن الْغُلَام شَاتَان ، وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، وَلَا يضركم ذكرانًا كن أم إِنَاثًا قَالَ ابْن الْقطَّان : وَلَا بعد فِي أَن يكون عبيد الله سَمعه من سِبَاع ، فدليل قَوْله آنِفا أَنه أخبرهُ وسَمعه من أَبِيه عَنهُ فَحدث بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . قلت : وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَخرج فِيهِ بِأَن أَبَاهُ حَدثهُ بِهِ ، أخرجه من حَدِيث الْحميدِي ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن عبيد الله بن أبي يزِيد ، حَدثنِي أبي ، عَن سِبَاع بن ثَابت ، عَن أم كرز قَالَت : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : أقرُّوا الطير عَلَى مكناتها ، وسمعته يَقُول : عَن الْغُلَام شَاتَان وَعَن الْجَارِيَة شَاة ، لَا يَضرك ذكرانًا كن أَو إِنَاثًا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَلم يخرجَاهُ . وَرَوَاهُ كَذَلِك أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه فَقَالَ : أَنا أَحْمد بن عَلّي بن الْمثنى ، ثَنَا أَبُو خَيْثَمَة ، نَا سُفْيَان بِهِ سَوَاء ، لكنه قَالَ : لَا يضركم .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : اشْتريت كَبْشًا لأضحي ، فَعدا الذِّئْب فَأخذ مِنْهُ الألية ، فَسَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : ضح بِهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد عَن وَكِيع ، ثَنَا سُفْيَان ، عَن جَابر ، عَن مُحَمَّد بن قرظة ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : اشْتريت كَبْشًا أضحي بِهِ فَعدا الذِّئْب [ فَأخذ الألية ] فَسَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : ضح بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث جَابر بن يزِيد ، عَن مُحَمَّد بن قرظة الْأنْصَارِيّ ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : ابتعنا كَبْشًا نضحي بِهِ ، فَأصَاب الذِّئْب من أليته وَفِي بعض النّسخ أَو من أُذُنه ، فسألنا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمرنَا أَن نضحي بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي ثقاته بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه : اشْتريت كَبْشًا أضحي بِهِ فَقطع الذِّئْب أليته - أَو من الألية فَسَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمرنِي أَن أضحي بِهِ وَرَوَاهُ ابْن حزم فِي محلاه بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه : فَعدا الذِّئْب عَلَى ذَنبه فَقَطعه ، فَسَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : ضح بِهِ وَجَابِر هَذَا هُوَ الْجعْفِيّ ، وَقد سلفت حَالَته فِي بَاب الْأَذَان ، قَالَ أَبُو دَاوُد : لَيْسَ فِي كتابي لَهُ سُوَى حَدِيث فِي السَّهْو . وَمُحَمّد بن قرظة لَا يعرف لَهُ حَال كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : مَا رَوَى عَنهُ سُوَى جَابر الْجعْفِيّ . قلت : لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ أعله فِي محلاه بجابر فَقَالَ : أثر رَدِيء ، وَجَابِر كَذَّاب . وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بالسند الْمَذْكُور بِلَفْظ : اشْتريت شَاة لأضحي بهَا ، فَخرجت فَأخذ الذِّئْب أليتها ، فَسَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : ضح بهَا قَالَ : وَفِي رِوَايَة سُفْيَان : اشترينا كَبْشًا لنضحي بِهِ فَقطع الذِّئْب أليته أَو من أليته - فَسَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمرنِي أَن أضحي بِهِ قَالَ : وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ شُعْبَة بن الْحجَّاج [ وَشريك ] بن عبد الله عَن جَابر الْجعْفِيّ ، إِلَّا أَن جَابِرا غير مُحْتَج بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَى الْحجَّاج ابْن أَرْطَاة ، عَن شيخ من أهل الْمَدِينَة ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا بَأْس بالأضحية المقطوعة الذَّنب قَالَ : وَهَذَا مُخْتَصر من الحَدِيث الأول ؛ فقد رَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن حجاج ، عَن عَطِيَّة ، عَن أبي سعيد أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن شَاة قطع [ الذِّئْب ] ذنبها يضحى بهَا ؟ فَقَالَ : ضح بهَا ، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده بعد أَن أخرجه من رِوَايَة جَابر ، عَن مُحَمَّد بن قرظة ، عَن أبي سعيد بِمثل حَدِيث سُفْيَان : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِقَوي . قَالَ : وَقيل : إِن مُحَمَّد بن قرظة لم يسمع من أبي سعيد الْخُدْرِيّ . قَالَ : وَكَانَ شُعْبَة يصف جَابر بن يزِيد بِالْحِفْظِ وَيحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : رَوَاهُ شُعْبَة وسُفْيَان وَاخْتلف فِيهِ فَقَالَ شُعْبَة : عَن جَابر ، عَن مُحَمَّد بن قرظة عَن أبي سعيد ، وَقَالَ الثَّوْريّ : عَن جَابر ، عَن قرظة ، عَن أبي سعيد . قَالَ : وَالثَّوْري أحفظ . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله مثله سَوَاء .
الحَدِيث التَّاسِع عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : خَطَبنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم النَّحْر بعد الصَّلَاة ، فَقَالَ : من صَلَّى صَلَاتنَا ونسك نسكنا فقد أصَاب النّسك ، وَمن نسك قبل الصَّلَاة فَلَا نسك لَهُ . فَقَامَ أَبُو بردة بن نيار خَال الْبَراء بن عَازِب فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، لقد نسكت قبل أَن أخرج إِلَى الصَّلَاة . فَقَالَ : تِلْكَ شَاة لحم . قَالَ : فَإِن عِنْدِي عنَاقًا جَذَعَة هِيَ خير من شاتي لحم فَهَل تجزي عني ؟ قَالَ : نعم ، وَلنْ تجزي عَن أحد بعْدك . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَهَذَا اللَّفْظ هُوَ لفظ إِحْدَى روايتي أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا بدل فَلَا نسك لَهُ : فَتلك شَاة لحم ، وَقَالا بعد قَوْله : قبل أَن أخرج إِلَى الصَّلَاة : وَعرفت أَن الْيَوْم يَوْم أكل وَشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أَهلِي وجيراني . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : تِلْكَ شَاة لحم الحَدِيث . وَلَفظ الشَّيْخَيْنِ عَن الْبَراء أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن أول مَا نبدأ بِهِ فِي يَوْمنَا هَذَا نصلي ، ثمَّ نرْجِع فننحر ، فَمن فعل ذَلِك فقد أصَاب سنتنا ، وَمن ذبح قبل فَإِنَّمَا هُوَ لحم قدمه لأَهله لَيْسَ من النّسك فِي شَيْء . وَكَانَ أَبُو بردة بن نيار قد ذبح فَقَالَ : عِنْدِي جذع خير من مُسِنَّة . فَقَالَ : اذْبَحْهَا وَلنْ تجزي عَن أحد بعْدك . وَفِي لفظ لَهما : ذبح أَبُو بردة بن نيار قبل الصَّلَاة ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أبدلها ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا جَذَعَة وَهِي خير من مُسنة ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اجْعَلْهَا مَكَانهَا وَلنْ تجزي عَن أحد بعْدك ، وَفِي رِوَايَة لَهما : إِن عِنْدِي داجنًا جَذَعَة من الْمعز ، وَفِي رِوَايَة لَهما : عنَاق لبن ، وَفِي أُخْرَى : عنَاق جَذَعَة . فَائِدَة : العناق بِفَتْح الْعين : الْأُنْثَى من الْمعز إِذا قويت مَا لم تستكمل سنة . وَقَوله : تجزي هُوَ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق غير مَهْمُوز ، فَهُوَ بِمَعْنى الْكِفَايَة . وَقَوله : عنَاق لبن مَعْنَاهُ (صَغِيرَة) ، قريبَة بِمَا ترْضع . وَقَوله : وَلنْ تجزي [ عَن ] أحد بعْدك أَي جَذَعَة الْمعز ، وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاق الْكَلَام ، وَإِلَّا فجذعة الضَّأْن تَجْزِي ، وَالْمعْنَى أَنَّهَا الْوَاجِب عَن أحد بعْدك .
كتاب الضَّحَايَا كتاب الضَّحَايَا ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فزائدة عَلَى الْأَرْبَعين . الحَدِيث الأول عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يُضحي بكبشين أملحين أقرنين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَزَادا : ذبحهما بِيَدِهِ وَسَمَّى وكبر ، وَوضع رجله عَلَى صفاحهما . فَائِدَة : فِي الأملح أَقْوَال ذكرتها فِي شرحي للعمدة ، اخْتَار الرَّافِعِيّ مِنْهَا أَنه الَّذِي فِيهِ بَيَاض وَسَوَاد وَالْبَيَاض أَكثر ، وَهُوَ قَول أبي زيد وَأبي عبيد . وَقَوله : أقرنين أَي لكل وَاحِد مِنْهُمَا قرنان حسنان . وَقَوله : وَوضع رجله عَلَى صفاحهما ، أَي صفحة الْعُنُق وَهِي جَانِبه . وَسبب اخْتِيَار الأملح قيل : إِنَّه لحسن منظره ، وَقيل : لِكَثْرَة شحمه . حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ ، وَسَبقه إِلَيْهَا الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن عقبَة [ بن ] عَامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قسم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ضحايا [ فَأَعْطَانِي ] عنَاقًا جَذَعَة فَقلت : عنَاق . فَقَالَ : ضح بِهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : قسم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَين أَصْحَابه ضحايا فَصَارَت لعقبة جَذَعَة فَقلت : يَا رَسُول الله ، أصابني جذع . فَقَالَ : ضح بِهِ أَنْت . وَفِي رِوَايَة لَهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعطَاهُ غنما يقسمها عَلَى أَصْحَابه ، فَبَقيَ عتود ، فَذكره للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : ضح بِهِ أَنْت . وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث ، وَالْجمع بَينه وَبَين الَّذِي قبله فِي شرحي للعمدة فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث الثاني عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بكبش أقرن يطَأ فِي سَواد ، وَينظر فِي سَواد ، ويبرك فِي سَواد ، فأتيِ بِهِ ليضحي بِهِ ، فَقَالَ لَهَا : يَا عَائِشَة ، هَلُمِّي المدية . ثمَّ قَالَ : اشحذيها بِحجر . فَفعلت ، ثمَّ أَخذهَا وَأخذ الْكَبْش فأضجعه ثمَّ ذبحه ، ثمَّ قَالَ : بِاسم الله ، اللَّهُمَّ تقبل من مُحَمَّد وَمن أمة مُحَمَّد . ثمَّ ضحى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِكُل هَذِه الْحُرُوف ، وَمِنْه نقلته وَفِيه زِيَادَة عَلَى مَا فِي الرَّافِعِيّ ، وَزَاد النَّسَائِيّ : وَيَأْكُل فِي سَواد ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : ضحى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بكبش أقرن يمشي فِي سَواد [ وَيَأْكُل ] فِي سَواد ، وَينظر فِي سَواد . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر الاقتراح بعد أَن عزاهُ من هَذِه الطَّرِيق إِلَى أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَتَصْحِيح التِّرْمِذِيّ : هُوَ عَلَى شَرط مُسلم . فَائِدَة : مَعْنَى يطَأ فِي سَواد ، وَينظر فِي سَواد ، ويبرك فِي سَواد : قوائمه وبطنه وَمَا حول عَيْنَيْهِ أسود . قَالَه النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم ، وَسَبقه إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب وَقَالَ : وَقيل إِنَّه إِشَارَة إِلَى كَثْرَة ظله لسمِنه وضخامة جسده . وَمَعْنى هَلُمِّي المدية : هاتيها ، وَهِي مُثَلّثَة الْمِيم ، أَعنِي : المدية . و اشحذيها بالشين الْمُعْجَمَة ، والحاء الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وبالذال الْمُعْجَمَة أَي : حدديها . وَوَقع فِي سنَن أبي دَاوُد : اشحثيها بالثاء الْمُثَلَّثَة ، وَهِي بِمَعْنى اشحذيها ؛ لِأَن الذَّال والثاء متقاربان . وَقَوله : وَأخذ الْكَبْش فأضجعه ، ثمَّ ذبحه ، ثمَّ قَالَ : بِاسم الله إِلَى آخِره فِيهِ تَقْدِيم وتأخير ، وَالتَّقْدِير : فأضجعه ، ثمَّ أَخذ فِي ذبحه قَائِلا بِاسم الله إِلَى آخِره مضحيًا بِهِ ، وَلَفظه : ثمَّ هُنَا متأولة عَلَى مَا ذكرته بِلَا شكّ .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن مَاذَا يتقَى من الضَّحَايَا ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : العرجاء الْبَين ظلعها - وَيروَى : عرجها والعوراء الْبَين عورها ، والمريضة الْبَين مَرضهَا ، والعجفاء الَّتِي لَا تنقي . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَأحمد فِي مُسْنده ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة : د ت ق ن ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَهُوَ حَدِيث عَظِيم ، أصل من أصُول هَذَا الْبَاب ، قَالَ الإِمَام أَحْمد : مَا أحْسنه من حَدِيث ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن صَحِيح ، لَا أعرفهُ إِلَّا من حَدِيث عبيد بن فَيْرُوز عَن الْبَراء ، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح . قلت : ومداره عَلَى عبيد بن فَيْرُوز ، وَهُوَ أَبُو الضَّحَّاك مولَى بني شَيبَان عَن الْبَراء ، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَنهُ مِنْهُم عَمْرو بن الْحَارِث . قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : عبيد بن فَيْرُوز هَذَا من أهل مصر ، وَلم يدر ألقيه عَمْرو بن الْحَارِث أم لَا ، فَنَظَرْنَا فَإِذا عَمْرو بن الْحَارِث لم يسمعهُ من عبيد بن فَيْرُوز ، إِنَّمَا سَمعه من يزِيد بن أبي حبيب عَنهُ ، ثمَّ نَظرنَا فَإِذا يزِيد بن أبي حبيب لم يسمعهُ من عبيد بن فَيْرُوز ، إِنَّمَا سَمعه من سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عبيد بن فَيْرُوز ، لَكِن لم يذكر سَماع سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن من عبيد ، ثمَّ نَظرنَا فَإِذا سُلَيْمَان هَذَا لم يسمعهُ من عبيد بن فَيْرُوز ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ لَيْث بن سعد ، عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، عَن الْقَاسِم مولَى خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة ، عَن عبيد بن فَيْرُوز . قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : فَإِذا الحَدِيث حَدِيث لَيْث بن سعد ، عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن إِلَى أَن قَالَ : قَالَ عُثْمَان بن عمر : فَقلت لليث بن سعد : يَا أَبَا الْحَارِث ، إِن شُعْبَة يروي هَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن أَنه سمع عبيد بن فَيْرُوز . قَالَ : لَا ، إِنَّمَا حَدثنَا بِهِ سُلَيْمَان ، عَن الْقَاسِم مولَى خَالِد ، عَن عبيد بن فَيْرُوز . قَالَ عُثْمَان بن عمر : فَلَقِيت شُعْبَة فَقلت لَهُ : إِن ليثًا حَدثنَا بِهَذَا الحَدِيث عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، عَن الْقَاسِم ، عَن عبيد بن فَيْرُوز . قَالَ : فَقَالَ شُعْبَة : هَكَذَا حفظته كَمَا حدثت بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : كَذَا رَوَاهُ عُثْمَان بن عمر ، عَن لَيْث بن سعد . وَقد رَوَاهُ يَحْيَى بن بكير ، عَن اللَّيْث بن سعد ، عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عبيد بن فَيْرُوز ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يزِيد بن أبي حبيب ، وَشعْبَة بن الْحجَّاج عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، وَذكر شُعْبَة سَماع سُلَيْمَان من عبيد بن فَيْرُوز . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فِيمَا بَلغنِي عَن التِّرْمِذِيّ ، عَن البُخَارِيّ أَنه كَانَ يمِيل إِلَى تَصْحِيح رِوَايَة شُعْبَة ، وَلَا يرْضَى رِوَايَة عُثْمَان بن عمر . قلت : وَكَذَلِكَ أخرجه أَحْمد ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، رَوَاهُ أَحْمد ، عَن عَفَّان ، نَا شُعْبَة ، أَخْبرنِي سُلَيْمَان بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة شُعْبَة بِهِ ، وَمن رِوَايَة يزِيد بن أبي حبيب عَن سُلَيْمَان بِهِ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة بِهِ ، وَمن رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث وَاللَّيْث ، عَن سُلَيْمَان بِهِ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة شُعْبَة بِهِ . قَالَ الْمزي فِي أَطْرَافه : وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل ابْن أبي أويس ، عَن مَالك بن أنس ، عَن عَمْرو بن الْحَارِث ، عَن عبيد ، عَن الْبَراء ، وَخَالف روح بن عبَادَة فَرَوَاهُ عَن أُسَامَة بن زيد ، عَن عَمْرو بن الْحَارِث ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن عبيد . وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة شُعْبَة أَيْضا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم ؛ لقلَّة رِوَايَات سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، وَقد أظهر عَلّي ابن الْمَدِينِيّ فضائله وإتقانه . قَالَ : وَلِهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد مُتَفَرِّقَة بأسانيد صَحِيحَة ، ثمَّ سَاقهَا بِإِسْنَادِهِ . هَذَا كَلَامه فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج من مُسْتَدْركه ، ثمَّ أَعَادَهُ فِي كتاب الضَّحَايَا مِنْهُ من رِوَايَة أَيُّوب بن سُوَيْد - وَقد ضعفه أَحْمد - عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن عبد الله بن عَامر ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن الْبَراء ، وَمن رِوَايَة أَيُّوب الْمَذْكُور ، عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، عَن الْبَراء . قَالَ الْحَاكِم : قَالَ الرّبيع فِي (كتابي) بالإسنادين . قَالَ الْحَاكِم : وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : إِنَّمَا أخرج مُسلم حَدِيث سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عبيد ابن فَيْرُوز ، وَهُوَ مِمَّا أَخذ عَلَى مُسلم ؛ لاخْتِلَاف الناقلين فِيهِ . هَذَا آخر كَلَامه ، ودعواه أَن مُسلما أخرج الحَدِيث من الطَّرِيق الْمَذْكُور عَجِيب مِنْهُ ؛ فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ أصلا ، بل لم يخرج مُسلم فِي صَحِيحه عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، وَلَا عَن عبيد بن فَيْرُوز أصلا [ لَا ] الحَدِيث الْمَذْكُور وَلَا غَيره ، وَالْحَاكِم مِمَّن قَالَ فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج فِي حَدِيث سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، عَن عبيد بن فَيْرُوز : لم يُخرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم . ثمَّ شرع بعد ذَلِك يعْتَذر عَن السَّبَب الْمُوجب لعدم تخريجهما لَهُ ، وَهَذَا من أعجب الْعجب مِنْهُ إِذا عرفت طرق هَذَا الحَدِيث فهاك أَلْفَاظه : فَلفظ أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ عَن عبيد بن فَيْرُوز قَالَ : سَأَلنَا الْبَراء عَمَّا لَا يجوز فِي الْأَضَاحِي فَقَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وأصابعي أقصر من أَصَابِعه ، وأناملي أقصر من أنامله - فَقَالَ : أَربع - وَأَشَارَ بِأَرْبَع أَصَابِعه - لَا تجوز فِي الْأَضَاحِي : العوراء بيَّن عورها ، والمريضة بيِّن مَرضهَا ، والعرجاء بيِّن ظلعها ، والكسير الَّتِي لَا تنقي . ثمَّ قَالَ : قلت : فَإِنِّي أكره أَن يكون فِي السن نقص . قَالَ : مَا كرهت فَدَعْهُ وَلَا تحرمه عَلَى أحد . وَفِي رِوَايَة للنسائي : والعجفاء الَّتِي لَا تنقي بدل الكسير ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ أَن الْبَراء قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يضحى بالعرجاء بَين ظلعها ، وَلَا العوراء بَين عورها ، وَلَا بالمريضة بَين مَرضهَا ، وَلَا بالعجفاء الَّتِي لَا تنقي . وَلَفظ الْمُوَطَّأ نَحْو رِوَايَة أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ إِلَى قَوْله : لَا تنقي ، وَجعل بدل الكسير : الْعَجْفَاء . وَلَفظ ابْن مَاجَه ، عَن عبيد بن فَيْرُوز : قلت للبراء بن عَازِب : حَدثنِي مَا كره أَو نهَى عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الْأَضَاحِي ، فَقَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَكَذَا بِيَدِهِ - ويدي [ أقصر ] من يَده - : أَربع لَا تُجزئ فِي الْأَضَاحِي : العوراء الْبَين عورها ، والمريضة الْبَين مَرضهَا ، والعرجاء الْبَين ظلعها ، والكسير الَّتِي لَا تنقي . قلت : فَإِنِّي أكره أَن يكون نقص الْأذن قَالَ : فَمَا كرهت مِنْهُ فَدَعْهُ وَلَا تحرمه عَلَى أحد . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِكُل هَذِه الْأَلْفَاظ ، وَلَفظ أَحْمد ، وَالْحَاكِم ، وَابْن حبَان بِنَحْوِ مَا تقدم . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : الْبَين ظلعها هُوَ بِفَتْح الظَّاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام . قَالَ صَاحب المعرب : وَهُوَ الصَّوَاب ، وَقَالَ غَيره : قد تسكن اللَّام ، وَهُوَ العرج . قَالَ الْجَوْهَرِي فِي ظلع بالظاء الْمُعْجَمَة : ظلع الْبَعِير يظلع ظلعًا : أَي غمز فِي مَشْيه . انْتَهَى . وَكتبه بَعضهم بالصَّاد الساقطة غير الْمُعْجَمَة . وَقَوله : الَّتِي لَا تُنْقِي هُوَ بِضَم التَّاء ، وَإِسْكَان النُّون ، وَكسر الْقَاف ، أَي : لَا (نِقْي) لَهَا - بِكَسْر النُّون ، وَإِسْكَان الْقَاف - وَهُوَ المخ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَقيل : هِيَ الَّتِي يُوجد فِيهَا شَحم يُقَال : أنقت الْإِبِل وَغَيرهَا إِذا سمنت ، وَصَارَ فِيهَا نقي وَهُوَ المخ ، وَهَذِه نَاقَة منقية ، وناقة لَا تُنقي .
الحَدِيث الثَّالِث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : عظموا أضحياكم فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاط مَطَايَاكُمْ . هَذَا الحَدِيث لَا يحضرني من خرَّجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : إِنَّه غير مَعْرُوف وَلَا ثَابت فِيمَا علمناه ، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي الأحوذي شرح التِّرْمِذِيّ : لَيْسَ فِي فضل الْأُضْحِية حَدِيث صَحِيح . قَالَ : وَمِنْهَا قَوْله : إِنَّهَا مَطَايَاكُمْ إِلَى الْجنَّة ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بَاب مَا جَاءَ فِي فضل الْأُضْحِية . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا عمل آدَمِيّ من عمل يَوْم النَّحْر أحب إِلَى الله من إهراق الدَّم ، [ إِنَّهَا ] لتأتي يَوْم الْقِيَامَة بقرونها وَأَشْعَارهَا وأظلافها ، وَإِن الدَّم ليَقَع [ من ] الله بمَكَان قبل أَن يَقع من الأَرْض ، فطيبوا نفسا لَهَا ، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بَاب مَا جَاءَ فِي فضل الْأُضْحِية : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . قلت : وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِيه نظر ؛ فَإِن فِي إِسْنَاده سُلَيْمَان بن يزِيد أَبُو الْمثنى الكعبي الْخُزَاعِيّ تَركه بَعضهم ، وَقَالَ الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . وَخَالف فِي ثقاته فَذكره فِيهَا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَفِي الْبَاب عَن عمرَان بن حُصَيْن ، وَزيد بن أَرقم . قَالَ : وَيروَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ فِي الْأُضْحِية : لصَاحِبهَا بِكُل شَعْرَة حَسَنَة ، وَيروَى بقرونها . قلت : أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث زيد بن أَرقم : قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، مَا هَذِه الْأَضَاحِي ؟ قَالَ : سنة أبيكم إِبْرَاهِيم . قُلْنَا : فَمَا لنا مِنْهَا ؟ قَالَ : بِكُل شَعْرَة حَسَنَة . قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، فالصوف ؟ قَالَ : بِكُل شَعْرَة من الصُّوف حَسَنَة ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح . وَفِيه نظر ؛ لِأَن فِيهِ عَائِذ الله الْمُجَاشِعِي ، قَالَ البُخَارِيّ : لَا يَصح حَدِيثه ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الْمَنَاكِير ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . فَائِدَة : قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث الَّذِي أوردهُ الرَّافِعِيّ : قيل : المُرَاد بهَا تهَيَّأ مراكب المضحين يَوْم الْقِيَامَة . وَقيل : المُرَاد أَن التَّضْحِيَة بهَا تسهل الْجَوَاز عَلَى الصِّرَاط .
الحَدِيث الثَّانِي عشر ورد النَّهْي عَن التَّضْحِيَة بالثولاء . هَذَا الحَدِيث غَرِيب ، لَا أعلم من خرجه بعد شدَّة الْبَحْث عَنهُ ، وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : هَذَا الحَدِيث لم أَجِدهُ ثَابتا . قلت : وَفِي نِهَايَة ابْن الْأَثِير من حَدِيث الْحسن : لَا بَأْس أَن يضحى بالثولاء . فَائِدَة : الثولاء بثاء مُثَلّثَة مَفْتُوحَة مَأْخُوذ من الثول وَهُوَ الْجُنُون ، وتستعمل فِي الأناسي مجَازًا فَيَقُولُونَ : رجل أثول وَامْرَأَة ثولاء . قَالَ الْجَوْهَرِي : الثول - بِفَتْح الثَّاء وَالْوَاو - : جُنُون يُصِيب الشَّاة فَلَا تتبع الْغنم وتستدير فِي مرعاها ، يُقَال : شَاة ثولاء ، وتيس أثول .
الحَدِيث الرَّابِع رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ثَلَاث هِيَ عَلّي فَرَائض وَلكم تطوع : النَّحْر ، وَالْوتر ، وركعتي الضُّحَى . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب صَلَاة التَّطَوُّع ، وأسلفنا الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى : ثَلَاث كتبت عليّ وَلم تكْتب عَلَيْكُم : الضُّحَى ، والأضحى ، وَالْوتر ، وَهَذِه الرِّوَايَة بِمَعْنى الأولَى .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن ، وَأَن لَا نضحي بِمُقَابلَة ، وَلَا مدابرة ، وَلَا شرقاء ، وَلَا خرقاء . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَالْبَزَّار فِي مسنديهما وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة : د ت ن ق ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، وَالْبَيْهَقِيّ بأسانيد صَحِيحَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ غير وَاحِد ، عَن سَلمَة بن كهيل ، عَن حجية ، عَن عَلّي ، وَلَا نعلم رَوَى أَبُو إِسْحَاق عَن سَلمَة حَدِيثا مُسْندًا سواهُ ، وَلَا [ رَوَاهُ ] عَن أبي إِسْحَاق إِلَّا جرير بن حَازِم ، وَاللَّفْظ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، زَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته الْأُخْرَى : والمقابلة : مَا قطع من طرف أذنها ، والمدابرة : مَا قطع من جَانب الْأذن ، والشرقاء : المشقوقة ، والخرقاء : المثقوبة . وَلَفظ أبي دَاوُد ، وَإِحْدَى روايتي النَّسَائِيّ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن ، وَلَا نضحي بعوراء وَلَا مُقَابلَة وَلَا مدابرة وَلَا خرقاء وَلَا شرقاء . قَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ زُهَيْر : فَقلت لأبي إِسْحَاق : أَذَكر عضباء ؟ قَالَ : لَا . قلت : فَمَا الْمُقَابلَة ؟ قَالَ : يقطع طرف الْأذن . قلت : فَمَا المدابرة ؟ قَالَ : يقطع مُؤخر الْأذن . قلت : فَمَا الشرقاء ؟ قَالَ : تشق الْأذن . قلت : فَمَا الخرقاء ؟ قَالَ : تخرق أذنها للسِّمَة . وَلَفظ ابْن مَاجَه : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يضحى بِمُقَابلَة أَو مدابرة أَو شرقاء أَو خرقاء أَو جَدْعَاء ، وَهَذَا لفظ أَحْمد وَهُوَ يرد عَلَى قَول ابْن حزم فِي محلاه : حَدِيث : لَا تُجزئ الجدعاء لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق جَابر الْجعْفِيّ . وَهَذَا طَرِيق لَيْسَ هُوَ فِيهَا ، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستشرف الْعين وَالْأُذن ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ لفظ الْبَزَّار وَابْن حبَان ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ كَلَفْظِ د ت ق ، وَلَفظ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج من مُسْتَدْركه كَلَفْظِ ابْن مَاجَه الْأَخير وَمن تبعه ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده صَحِيح . وَلَفظه فِي كتاب الْأَضَاحِي مِنْهُ بِلَفْظ ابْن مَاجَه الأول ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . ثمَّ رَوَاهُ بِلَفْظ أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنه لم يذكر فِيهِ العَوَر ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح أسانيده كلهَا ، وَلم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ لزِيَادَة ذكرهَا قيس بن الرّبيع عَن أبي إِسْحَاق ، عَلَى أَنَّهُمَا لم يحْتَجَّا بقيس . قَالَ : وَرَوَاهُ أَيْضا سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة ، عَن سَلمَة بن كهيل ، عَن حجية بن عدي ثمَّ ذكر ذَلِك بأسانيده عَنْهُمَا ، ثمَّ قَالَ : هَذِه الْأَسَانِيد كلهَا صَحِيحَة ، وَلم يحْتَجَّا بحجية بن عدي ، وَهُوَ من كبار أَصْحَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلّي بن أبي طَالب ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : إرْسَال هَذَا الحَدِيث عَن عَلّي هُوَ الْأَشْبَه ، وَفِي رِوَايَة للْجَمَاعَة الْمَذْكُورين كلهم عَن عَلّي قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يضحى بأعضب الْقرن وَالْأُذن ، قَالَ قَتَادَة : فَذكرت ذَلِك لسَعِيد بن الْمسيب ، فَقَالَ : العضب مَا بلغ النّصْف فَمَا فَوق ذَلِك . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح الْإِسْنَاد . وَخَالف ابْن عبد الْبر وَالْمُنْذِرِي فَقَالَا : لَا [ يحْتَج ] بِمِثْلِهَا . وَسبب مقالتهما أَن مَدَاره عَلَى جُرَي بن كُلَيْب الْبَهْزِي ، قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : مَجْهُول لَا أعلم رَوَى عَنهُ غير قَتَادَة ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَا يحْتَج بحَديثه ، وَقَالَ الْبَزَّار : لَا نعلم روىَ قَتَادَة عَن جري غير هَذَا الحَدِيث ، وَحَدِيث النَّهْي عَن الْمُتْعَة ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لم يرو عَنهُ غير قَتَادَة ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ - يَعْنِي قَتَادَة - وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ فَقَالَ : بَصرِي ثِقَة . وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَيَنْبَغِي أَن نعلم أَن لَهُم آخر اسْمه جري بن كُلَيْب ، والفارق بَينهمَا أَن هَذَا بَصرِي ، وَذَاكَ كُوفِي ، وَهَذَا نهدي ، وَذَاكَ سدوسي ، كَذَا فرق بَينهمَا أَبُو دَاوُد . قَالَ الْمزي : وَرَوَى عَن هَذَا أَبُو إِسْحَاق السبيعِي ، وَابْنه يُونُس بن أبي إِسْحَاق . قلت : وَعَاصِم بن بَهْدَلَة ، كَمَا ذكره ابْن مَاكُولَا ، وَأغْرب الذَّهَبِيّ فِي مِيزَانه ، فَقَالَ : رَوَى [ عَنهُ ] أَبُو إِسْحَاق السبيعِي . وَأما ابْن أبي حَاتِم فَاقْتَضَى كَلَامه أَنَّهُمَا وَاحِد فَإِنَّهُ ذكر جري النَّهْدِيّ ، وَقَالَ : رَوَى عَنهُ قَتَادَة وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي . فَتنبه لَهُ ، وَأما ابْن حزم فَقَالَ فِي محلاه : وَرُوِيَ فِي الأعضب أَنه لَا يُجزئ وَلَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق جري بن كُلَيْب وَلَيْسَ مَشْهُورا ، وَعَمن لم يسم عَن عَلّي . هَذَا كَلَامه ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة كَمَا تقدم من حَدِيث قَتَادَة عَن جري عَن عَلّي نَفسه لَيْسَ بَينه وَبَين جري أحد ، وَقد صرح جري بِالسَّمَاعِ أَنه عَن عَلّي . قَالَ ابْن مَاجَه : ثَنَا حميد بن مسْعدَة ، ثَنَا خَالِد بن الْحَارِث ، ثَنَا سعيد [ عَن قَتَادَة ] أَنه ذكر أَنه سمع جري بن كُلَيْب يحدث أَنه سمع عليًّا عَلَيْهِ السَّلَام يحدث : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يضحى بأغضب الْقرن أَو الْأذن ، وَكَذَا أوردهُ ابْن الْمُغلس الظَّاهِرِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جري قَالَ : سَمِعت عليًّا يَقُول : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يضحى بأعضب الْقرن . فَائِدَة : فِي تَفْسِير مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث من الْغَرِيب فَإِنَّهُ مُهِمّ : مَعْنَى استشراف الْأذن وَالْعين : أَن تشرف عَلَيْهِمَا ويتأملان كَيْلا يَقع فيهمَا نقص وعيب . وَقيل : إِن ذَلِك مَأْخُوذ من الشُرْف - بِضَم الشين وَإِسْكَان الرَّاء - وَهُوَ خِيَار المَال أَي أمرنَا أَن نتخيرها . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَقيل : مَعْنَى الحَدِيث أَن نضحي بواسع الْعين طَوِيل الْأُذُنَيْنِ . والمقابَلة والمدابَرة : بِفَتْح الْبَاء فيهمَا ، قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من أهل اللُّغَة والغريب وَالْفُقَهَاء : الْمُقَابلَة هِيَ الَّتِي قطع من مقدم أذنها فلقَة وتدلت مِنْهُ وَلم تنفصل ، والمدابرة الَّتِي قطع من مُؤخر أذنها فلقَة وتدلت مِنْهُ وَلم تنفصل . والفلقة الأولَى تسمى الإقبالة ، وَالْأُخْرَى تسمى الإدبارة ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي كِتَابه غَرِيب الحَدِيث : الْمُقَابلَة الموسومة بالنَّار فِي بَاطِن أذنها ، والمدابرة فِي ظَاهر أذنها . وَالْمَشْهُور الأول ، والشرقاء والخرقاء ممدودان ، وَالْأولَى المشقوقة ، وَالثَّانيَِة الَّتِي فِي أذنها ثقب مستدير ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَالَّذِي قَالَه جماعات ، وَمِنْهُم الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، وَفسّر صَاحب الْمُهَذّب الشرقاء بِالَّتِي ثقبت أذنها من الكي ، والخرقاء الَّتِي شقّ أذنها بالطول . وأنكروه عَلَيْهِ وغلطوه فِيهِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيّ ، وَالصَّوَاب الأول ، وَعَن الشَّافِعِي أَن الشرقاء : المشقوقة الْأذن طولا - وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الْحَاوِي لَا غير والجدعاء : المقطوعة الْأذن كلهَا . والعضباء : الَّتِي قد ذهب مُعظم أذنها وقرنها . قَالَ ابْن عقيل الْحَنْبَلِيّ لما قَالَ : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ، وَكَانَ شقّ الْأذن أثرا حصل من الْأَذَى بِطَاعَة الشَّيْطَان ، حسن أَن ينْهَى عَن التَّضْحِيَة بِمَا هَذِه صفته ؛ لِأَنَّهَا هَدْيه إِلَى الله .
الْأَثر الثَّالِث : عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : من عين أضحيته فَلَا يسْتَبْدل بهَا . وَهَذَا الْأَثر غَرِيب لَا يحضرني من خرجه عَنهُ ، ويغني فِي الدّلَالَة عَنهُ حَدِيث عمر السَّابِق .
الْأَثر السَّادِس : عَن عَلّي أَيْضا أَنه رَأَى رجلا يَسُوق بَدَنَة مَعهَا وَلَدهَا ، فَقَالَ : لَا تشرب من لَبنهَا إِلَّا مَا فضل عَن وَلَدهَا . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سُفْيَان ، عَن زُهَيْر بن أبي ثَابت ، عَن مُغيرَة بن حذف الْعَبْسِي قَالَ : كُنَّا مَعَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بالرحبة فجَاء رجل من هَمدَان يَسُوق بقرة مَعهَا وَلَدهَا فَقَالَ : إِنِّي اشْتَرَيْتهَا أضحي بهَا وَإِنَّهَا ولدت . قَالَ : فَلَا تشرب من لَبنهَا إِلَّا فضلا عَن وَلَدهَا ، فَإِذا كَانَ يَوْم النَّحْر فانحرها هِيَ وَوَلدهَا عَن سَبْعَة ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة فِيمَا حَكَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي علله عَنهُ - : هَذَا حَدِيث صَحِيح .
وَأما آثاره فستة : أَحدهَا وَثَانِيها : عَن أبي بكر وَعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنَّهُمَا كَانَا لَا يضحيان ؛ مَخَافَة أَن يعْتَقد النَّاس وُجُوبهَا . وَهَذَا الْمَرْوِيّ عَنْهُمَا قَالَ الشَّافِعِي : بلغنَا أَن أَبَا بكر الصّديق وَعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما كَانَا لَا يضحيان كَرَاهَة أَن يُقْتَدَى بهما فيظن من [ رآهما أَنَّهَا ] وَاجِبَة ، ثمَّ سَاق الْبَيْهَقِيّ عقب ذَلِك من حَدِيث الْفرْيَابِيّ : ثَنَا سُفْيَان ، عَن أَبِيه ومطرف وَإِسْمَاعِيل ، عَن الشّعبِيّ ، عَن أبي سريحَة الْغِفَارِيّ قَالَ : (أدركنا) أَبَا بكر - أَو رَأَيْت أَبَا بكر - وَعمر لَا يضحيان كَرَاهِيَة أَن يُقْتَدَى بهما ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : أَبُو سريحَة الْغِفَارِيّ هُوَ حُذَيْفَة بن أسيد صَاحب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ذكره بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : إِن الصَّحِيح رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَن الشّعبِيّ ؛ لِأَنَّهُ سَمعه مِنْهُ . ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ مثل ذَلِك ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَأبي مَسْعُود البدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
الْأَثر الْخَامِس : عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ فِي خطبَته بِالْبَصْرَةِ : إِن أميركم هَذَا قد رَضِي من دنياكم بطمريه ، وَإنَّهُ لَا يَأْكُل اللَّحْم فِي السّنة إِلَّا الفلذة من كبد أضحيته . هَذَا الْأَثر غَرِيب لَا يحضرني من خرجه عَنهُ ، قَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : هَذَا الْأَثر إِن صَحَّ فَيكون طمريه بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْمِيم أَي : ثوباه الخلقان . قَالَ : والفِلذة - بِكَسْر الْفَاء ثمَّ لَام سَاكِنة ثمَّ ذال مُعْجمَة - : الْقطعَة .
الْأَثر الرَّابِع : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّهَا أَهْدَت هديين فأضلتهما ، فَبعث ابْن الزبير إِلَيْهَا هديين فنحرتهما ، ثمَّ عَاد الضالان فنحرتهما وَقَالَت : هَذِه سنة الْهَدْي . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْقَاسِم عَنْهُمَا بِإِسْنَاد صَحِيح ، قَالَ ابْن الْقطَّان : كل إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا سعد بن سعيد الْأنْصَارِيّ فَإِنَّهُ ضَعِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى من فَوْقه ، وَقد أخرج لَهُ مُسلم حَدِيث : من صَامَ رَمَضَان ، ثمَّ أتبعه ستًّا من شَوَّال ، وَأعله عبد الْحق بِأَن قَالَ : لَا يحْتَج بِإِسْنَادِهِ ، فَاعْترضَ عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان بِمَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ قَالَ : وَلَعَلَّه اشْتبهَ عَلَيْهِ سعد هَذَا بِسَعْد بن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يضحى بالمصفرة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي حميد الرعيني قَالَ : أَخْبرنِي يزِيد ذُو مِصْر - بِكَسْر الْمِيم ، وَإِسْكَان الصَّاد الْمُهْملَة ، هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي ضَبطه ، وَمِمَّنْ ضَبطه كَذَلِك ابْن الْأَثِير فِي جَامعه ، وَقَيده الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السّنَن بِضَم الْمِيم ، وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبعدهَا رَاء مُهْملَة ، وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ - قَالَ : أتيت عتبَة بن عبد السّلمِيّ ، فَقلت : يَا أَبَا الْوَلِيد ، خرجت ألتمس الضَّحَايَا فَلم أجد شَيْئا يُعجبنِي غير ثرماء فَمَا تَقول ؟ قَالَ : أَفلا جئتني أضحي بهَا . قَالَ : سُبْحَانَ الله ، تجوز عَنْك وَلَا تجوز عني ؟ ! قَالَ : نعم ، أَنْت تشك وَأَنا لَا أَشك ، إِنَّمَا نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن المصفرة والمستأصلة والبخقاء [ والمشيعة ] والكسراء . والمصفرة : الَّتِي تستأصل أذنها حَتَّى يَبْدُو صماخها ، والمستأصلة [ هي الَّتِي استؤصل ] قرنها من أَصله ، والبخقاء : الَّتِي تُبْخق عينهَا ، والمشيَّعة : الَّتِي لَا تتبع الْغنم ، والكسراء : الكسير . وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ صَالح الِاحْتِجَاج بِهِ عِنْده ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَاخِر كتاب الْحَج : إِسْنَاده صَحِيح ، وَقَالَ فِي هَذَا الْبَاب : إِنَّه حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم عَن يزِيد بن خَالِد بدل يزِيد ذُو مصر ، وَأعله عبد الْحق فَقَالَ : أَبُو حميد وَيزِيد ليسَا بمشهورين - فِيمَا أعلم - وَلَا أعلم رَوَى عَن يزِيد إِلَّا أَبُو حميد ، وَلَا عَن [ أبي ] حميد إِلَّا ثَوْر بن يزِيد . قلت : تبع فِي ذَلِك ابْن حزم فَإِنَّهُ أعله بهما لَكِن صحَّفها فَقَالَ فِي محلاه : وَجَاء خبر أَنه لَا تُجزئ المستأصلة قرنها ، وَلَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق أبي جميل الرعيني ، عَن أبي مصر ، وهما مَجْهُولَانِ . هَذَا كَلَامه . وَكَذَا فِي نُسْخَة مُعْتَمدَة مِنْهُ - وَصَوَابه عَن أبي حميد - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ - عَن يزِيد ذِي مصر - كَمَا قَدمته - وَيزِيد هَذَا رَوَى عَنهُ أَبُو حميد الرعيني وَغَيره ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف ، وَعَن صَفْوَان بن عَمْرو ، عَن أمه قَالَت : قدم يزِيد ذُو مصر عَلَى مُعَاوِيَة فِي ثَلَاثَة آلَاف فَقَالَ : من هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ : عَبِيدِي وموالي . فَقَالَ : إِنِّي لأمير الْمُؤمنِينَ وَمَا لي هَذَا . وَأَبُو حميد قد أخرج الْحَاكِم لَهُ ، وَصحح حَدِيثه كَمَا تقدم ، فَهُوَ مُؤذن بِالْوُقُوفِ عَلَى معرفَة حَاله . فَائِدَة : فِي بَيَان مَا وَقع فِيهِ من الْغَرِيب : الثرماء بِالْمدِّ : (الَّذِي) ذهب بعض أسنانها . وَقيل : هُوَ سُقُوط الثَّنية . وَقيل : لَا يُقَال ذَلِك إِلَّا لمن سنه من قُدَّام كالثنية والرباعية . وَقيل : أَن تنقلع السن من أَصْلهَا . والمصفرة - بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء - سميت بذلك ؛ لِأَن صماخيها صَفِرا من الْأذن أَي : خلوا . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : هِيَ من أصفره إِذا أخلاه ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته : وَإِن رويت المصفرة بِالتَّشْدِيدِ فللتكثير . قَالَ : وَقيل : هِيَ المهزولة لخلوها من السّمن . وَلِهَذَا جزم الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ : الهزيلة الَّتِي اصفر لَوْنهَا من الهزال ، قَالَ الْأَزْهَرِي : وَرَوَاهُ شمر بالغين ، وَفَسرهُ عَلَى مَا فِي الحَدِيث وَلَا أعرفهُ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : رَوَاهُ شمر بالغين ، وَهِي حِينَئِذٍ من الصغار . والبخقاء : العوراء ، وَقيل : البخق أَن يذهب الْبَصَر بِفَتْح الْعين . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : البخقاء : العوراء ، وَقيل : البخق أَن يذهب الْبَصَر وَتَبقى الْعين قَائِمَة منفتحة . والمشيِّعة - بِكَسْر الْيَاء - : هِيَ الَّتِي لَا تزَال تتبع الْغنم ، فَهِيَ أبدا تمشي وَرَاءَهَا . وَأما من فتح الْبَاء فَلِأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى من يسقيها أَو يَسُوقهَا لتأخرها عَن الْغنم .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْأَرْبَعين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن ذَبَائِح الْجِنّ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ من حَدِيث عبد الله بن أذينة ، عَن ثَوْر بن يزِيد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : وَعبد الله بن أذينة شيخ رَوَى عَن ثَوْر مَا لَيْسَ من حَدِيثه ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال . قَالَ : وَهَذِه نُسْخَة كتبناها عَنهُ ، لَا يحل ذكرهَا فِي الْكتب إِلَّا عَلَى سَبِيل الْقدح فِيهَا . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته من هَذَا الْوَجْه ، ثمَّ ذكر الْكَلَام الْمَذْكُور فِيهِ ، عَن ابْن حبَان أَيْضا ، وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي غَرِيبه ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيثه عَن عمر بن هَارُون ، عَن يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي ، عَن الزُّهْرِيّ يرفع الحَدِيث أَنه نهَى عَن ذَبَائِح الْجِنّ . قَالَ : وذبائح الْجِنّ أَن يَشْتَرِي الرجل الدَّار ، أَو يسْتَخْرج الْعين وَمَا أشبه ذَلِك فَيذْبَح لَهَا ذَبِيحَته للطيرة . قَالَ أَبُو عبيد : وَهَذَا التَّفْسِير فِي الحَدِيث مَعْنَاهُ أَنهم يَتَطَيَّرُونَ فيخافون إِن لم يذبحوا أَن يمسهم فِيهَا شَيْء من الْجِنّ يؤذيهم فَأبْطل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذَلِك وَنَهَى عَنهُ . قلت : وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا أَبُو عبيد ، وَالْبَيْهَقِيّ ضَعِيفَة لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : لانقطاعها وَهُوَ ظَاهر . ثَانِيهمَا : أَن عمر بن هَارُون واهٍ مُتَّهم ، قَالَ يَحْيَى : كَذَّاب خَبِيث لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ضحى بكبشين موجوءين . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة عَائِشَة ، أَو [ أبي ] هُرَيْرَة قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ضحى دَعَا بكبشين عظيمين سمينين أملحين موجوءين أقرنين ، فذبح أَحدهمَا عَن أمته من شهد لَهُ بالبلاغ ، وَشهد لله بِالتَّوْحِيدِ ، ويذبح الآخر عَن مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد . فِي إِسْنَاده عبد الله بن عقيل ، وَقد أسلفنا فِي أَوَائِل هَذَا الْكتاب فِي بَاب الْوضُوء أَن جماعات احْتَجُّوا بِهِ ، وَأَن التِّرْمِذِيّ حسن حَدِيثه ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن عَائِشَة أَو عَن أبي هُرَيْرَة ، وَرَوَاهُ زُهَيْر بن مُحَمَّد [ عَن عبد الله ] بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن عَلّي بن الْحُسَيْن ، عَن أبي رَافع مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ابْن عقيل ، عَن عبد الرَّحْمَن بن جَابر ، عَن أَبِيه مَرْفُوعا . قَالَ البُخَارِيّ : لَعَلَّه سمع من هَؤُلَاءِ . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي بَاب التَّفْسِير من مُسْتَدْركه فِي تَفْسِير سُورَة الْحَج من حَدِيث أبي رَافع الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ ، وَلم يذكر فِيهِ موجوءين ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَفِيمَا قَالَه نظر ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده زُهَيْر بن مُحَمَّد ، وَهُوَ ذُو مَنَاكِير ، وَابْن عقيل لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة فِيمَا حَكَاهُ أَبُو حَاتِم فِي علله عَنهُ : الَّذِي رَوَوْهُ عَن ابْن عقيل كلهم ثِقَات . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي عَيَّاش ، عَن جَابر : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذبح يَوْم النَّحْر كبشين أقرنين أملحين موجوءين ، فِيهِ مَعَ أبي عَيَّاش هَذَا عنعنة ابْن إِسْحَاق ، وَأَبُو عَيَّاش هَذَا رَوَى عَنهُ خَالِد بن أبي عمرَان ، وَيزِيد بن أبي حبيب ، وَهُوَ مَسْتُور لم يتَحَقَّق حَاله . قَالَ عبد الْحق : لم أسمع فِيهِ بتجريح وَلَا بتعديل ، وَذكر عَنهُ راويان . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ : ضحى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بكبشين أقرنين أملحين جدعين موجوءين . فِيهِ قيس بن الرّبيع صَدُوق وَلَا يحْتَج بِهِ . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر فِيهِ الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، وَمن هَذَا الطَّرِيق أخرجه أَحْمد وَلَفظه : بكبشين جدعين موجوءين . فَائِدَة : الوجاء بِكَسْر الْوَاو ، وَالْمدّ - : رض عروق الْأُنْثَيَيْنِ . قَالَ الْهَرَوِيّ : الخصيتان بحالهما . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَالصَّحِيح موجوءين أَي منزوعي الْأُنْثَيَيْنِ ، قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره . قلت : وَيُؤَيّد هَذَا رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ [ وَأحمد ] ، عَن أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ضحى بخصيين ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير : مِنْهُم من يرويهِ موجيين بِغَيْر همز عَلَى التَّخْفِيف ، وَيكون من وجيته وجيًا فَهُوَ موجيّ ، فَقَالَ المطرزي فِي كتاب المعرب : موجيين وموجوين خطأ ، وَالصَّوَاب موجوءين . كذا في المطبوع ونسخة أحمد الثالث ، والذي يظهر أنه سبق قلم والصواب أنه حديث أبي رافع ، وأما ما أشار إليه من طريق الحجاج بن أرطاة فهو حديث أبي الدرداء ، وأحاديثه مفقودة من المعجم الكبير ، وعزاه للطبراني الهيثميُ في مجمع الزوائد ، والله أعلم .
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : دف نَاس من أهل الْبَادِيَة حَضْرَة الْأُضْحِية زمن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ادخروا ثَلَاثًا - وَفِي رِوَايَة : لثلاث - ثمَّ تصدقوا بِمَا بَقِي ، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك قَالُوا : يَا رَسُول الله ، إِن النَّاس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ، ويجملون مِنْهَا الودك . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : وَمَا ذَاك ؟ قَالُوا : نهيت أَن نَأْكُل لُحُوم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاث . قَالَ : إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أجل الدافة الَّتِي دفت ، فَكُلُوا وتصدقوا وَادخرُوا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَاللَّفْظ لمُسلم ، وَلَفظ البُخَارِيّ قَالَت : الضحية كُنَّا نملح مِنْهُ فنقدم بِهِ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ : لَا تَأْكُلُوا [ إِلَّا ] ثَلَاثَة أَيَّام . وَلَيْسَت بعزيمة ، وَلَكِن أَرَادَ أَن نطعم مِنْهُ وَالله أعلم ، وَفِي لفظ لَهُ ، عَن عَابس بن ربيعَة قلت لعَائِشَة : أنهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُؤْكَل من لُحُوم الْأَضَاحِي فَوق ثَلَاث ؟ قَالَت : مَا فعله إِلَّا فِي عَام جَاع النَّاس فِيهِ ، فَأَرَادَ أَن يطعم الْغَنِيّ وَالْفَقِير . قلت : وَفِي الْبَاب عَن جَابر ، وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع - أخرجهُمَا الشَّيْخَانِ - وَبُرَيْدَة ، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ . (أخرجهُمَا مُسلم) قَالَ الرَّافِعِيّ : وَجَاء فِي رِوَايَة : كلوا وَادخرُوا ، وَاتَّجرُوا . قلت : هَذِه الرِّوَايَة حَسَنَة رويناها فِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث نُبَيْشَة - عَلَى وزن عُيَيْنَة - الْهُذلِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَن لحومها أَن تَأْكُلُوهَا فَوق ثَلَاث لكَي تَسَعكم ، (جَاءَكُم) الله بِالسَّعَةِ ، فَكُلُوا وَادخرُوا وَاتَّجرُوا ، أَلا وَإِن هَذِه الْأَيَّام أَيَّام أكل وَشرب وَذكر الله وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده . فَائِدَة : قَالَ الرَّافِعِيّ : اتَّجرُوا أَي اطْلُبُوا الْأجر بِالصَّدَقَةِ . قَالَ : وَتعرض للادخار ؛ لأَنهم أرجعوه فِيهِ فَقَالَ : كلوا فِي الْحَال إِن شِئْتُم . وَادخرُوا إِن شِئْتُم ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْأَثِير إنه أَمر من الْأجر ، أَي : اطْلُبُوا بِهِ الْأجر وَالثَّوَاب . قَالَ : وَلَو كَانَ من التِّجَارَة لَكَانَ بتَشْديد الرَّاء ، وَالتِّجَارَة فِي الضَّحَايَا لَا تصح ؛ لِأَن بيعهَا فَاسد ، إِنَّمَا يُؤْكَل وَيتَصَدَّق مِنْهَا ، وَقَالَ ابْن الصّلاح : اتَّجرُوا عَلَى وزن اتَّخذُوا ، وَهُوَ بِمَعْنى ائتجروا بِالْهَمْز من الْأجر ؛ لقَولهم فِي الْإِزَار : يتزر وَقد [ صحّح ذَلِك من حَيْثُ ] اللُّغَة الْخطابِيّ والهروي . قَالَ الْخطابِيّ : أَصله ايتجروا عَلَى وزن افتعلوا يُرِيد الصَّدَقَة الَّتِي يبتغى [ أجرهَا وثوابها ] ، ثمَّ قيل : اتَّجرُوا كَمَا يُقَال : اتَّخذت [ الشَّيْء ] وَأَصله ايتخذته ، وَهَذَا من الْأَخْذ هُوَ من الْأجر ، وَلَيْسَ من بَاب التِّجَارَة . وَقد أَبَى الزَّمَخْشَرِيّ الْهَمْز ؛ لِأَن الْهَمْز لَا يدْخل فِي التَّاء قَالَ : وَقد غلط من قَرَأَ الَّذِي أتمن أَمَانَته . وَقَوْلهمْ : اتزر عَامي والفصحاء عَلَى ائتزر . فَائِدَة ثَانِيَة : قَوْلهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْها دف نَاس هُوَ بتَشْديد الْفَاء أَي : جَاءَ . قَالَ أهل اللُّغَة : الدافة : قومٍ يَسِيرُونَ جمَاعَة سيرًا لَيْسَ بالشديد يُقَال لَهُم : يدففون تدفيفًا . والبادية والبدو بِمَعْنى ، وَهُوَ مَأْخُوذ من البُدُو وَهُوَ الظُّهُور . وَقَوْلها : حضر هُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة ، وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ، هَكَذَا رَوَاهُ الْأَكْثَر ، وَقَيده بَعضهم بِفَتْح الضَّاد ، وَالْمعْنَى وَاحِد وَهُوَ الترف ، وَيجوز فتح الْحَاء وَكسرهَا وَضمّهَا ثَلَاث لُغَات حكاهن ابْن السّكيت وَغَيره . وَقَوْلها : ويجملون الودك هُوَ بِالْجِيم ، وَيجوز ضم الْيَاء وَفتحهَا وَهُوَ أفْصح وَهُوَ الإذابة . تَنْبِيه : حَكَى الرَّافِعِيّ هُنَا خلافًا فِي أَنه لَو دفت دافة الْيَوْم فَهَل نحكم بِتَحْرِيم الادخار ؟ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَالظَّاهِر عدم التَّحْرِيم وَتَبعهُ فِي الرَّوْضَة . قلت : لَكِن نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة عَلَى خِلَافه ، ذكره فِي بَاب الْعِلَل فِي الحَدِيث فاستفده .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خير الضحية الْكَبْش الأقرن . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبَادَة بن نسي ، عَن أَبِيه ، عَن عبَادَة بن الصَّامِت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خير الْكَفَن الْحلَّة ، وَخير الضحية الْكَبْش الأقرن . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : نسي لَا يعرف حَاله ، وَآخر مَعَه فِي الْإِسْنَاد وَهُوَ حَاتِم بن أبي نصر . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة مَرْفُوعا : خير الضَّحَايَا الْكَبْش الأقرن ، وَفِي إِسْنَاده عفير بن معدان أَبُو عَائِذ الْحِمصِي وَهُوَ ضَعِيف ، قَالَ أَحْمد : ضَعِيف مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : عفير بن معدان ضَعِيف فِي الحَدِيث ، وَهَذَا حَدِيث غَرِيب . وَذكر حَدِيثه ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من هَذِه الطَّرِيق وَضَعفه بقول التِّرْمِذِيّ ، وَنقل عَن يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ [ أَنَّهُمَا قَالَا ] فِي عفير : لَيْسَ بِثِقَة . تَنْبِيه : قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي كتاب الْجَنَائِز عقب هَذَا الحَدِيث : الْحلَّة : ثَوْبَان أَحْمَرَانِ غَالِبا . هَذَا لَفظه ، وَمَا رَأَيْت أحدا من أهل اللُّغَة قيدهما بالحمرة .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّلَاثِينَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَأْكُل من كبد أضحيته . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ - كَمَا سلف - فِي بَاب صَلَاة الْعِيدَيْنِ فِي الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين مِنْهُ .
الحَدِيث السَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن التَّضْحِيَة بالهتماء . يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ فَوق . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، قَالَ الرَّافِعِيّ : والهتماء هِيَ الَّتِي انْكَسَرَ سنّهَا أَو سَائِر أسنانها . وَفِي الْغَرِيب لأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام مَا نَصه : وَأما حَدِيث طَاوس فِي الهتماء يضحى بهَا فَإِنَّهَا الْمَكْسُورَة الْأَسْنَان . وَنقل القَاضِي حُسَيْن عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : لَا يحفظ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْأَسْنَان شَيْئا .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّلَاثِينَ عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أَمرنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن أقوم عَلَى بدنه وَأقسم جلودها وجلالها ، وَأَن لَا أعطي الجزار مِنْهَا شَيْئا ، وَقَالَ : نَحن نُعْطِيه من عندنَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . فَائِدَة : الْجلَال - بِكَسْر الْجِيم - جمع جلّ .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أُتِي بكبش أقرن فأضجعه وَقَالَ : بِاسم الله ، اللَّهُمَّ تقبل من مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد . ثمَّ ضحى بِهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي أول الْبَاب وَهُوَ الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ ، وَقد رُوِيَ من غير طريقها أَيْضا .
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن عليًّا قدم ببدن من الْيمن وسَاق النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مائَة بَدَنَة ، فَنحر مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَة بِيَدِهِ ، وَنحر عَلّي مَا بَقِي ، ثمَّ أَمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تُؤْخَذ بضعَة من كل بَدَنَة فتجعل فِي قدر ، فأكلا من لَحمهَا وحسيا من مرقها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه وَقد سلف فِي الْحَج بِطُولِهِ . فَائِدَة : البَضعة بِفَتْح الْبَاء لَا غير ، وَإِنَّمَا أَخذ عَلَيْهِ السَّلَام من كل بَدَنَة بضعَة وَشرب من مرقها ؛ ليَكُون قد تنَاول من كل وَاحِدَة شَيْئا .
الحَدِيث التَّاسِع عشر عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : نحرنا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْحُدَيْبِية الْبَدنَة عَن سَبْعَة ، وَالْبَقَرَة عَن سَبْعَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من هَذَا الْوَجْه وَبِهَذَا اللَّفْظ ، وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أشرك بَين الْمُسلمين الْبَقَرَة عَن سَبْعَة ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَنه قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نشترك كل سَبْعَة فِي بَدَنَة وَنحن متمتعون . قلت : هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة ، أخرجهَا مُسلم فِي صَحِيحه ، وَهَذَا لَفظه عَن جَابر قَالَ : كُنَّا نتمتع مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالْعُمْرَةِ فنذبح الْبَقَرَة عَن سَبْعَة نشترك فِيهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مهلين بِالْحَجِّ ، فَأمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نشترك فِي الْإِبِل وَالْبَقر كل سَبْعَة منا فِي بَدَنَة . وَفِي رِوَايَة : اشتركنا مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْحَج وَالْعمْرَة كل سَبْعَة فِي بَدَنَة ، فَقَالَ رجل : أيشترك فِي الْبَدنَة مَا يشْتَرك فِي الْجَزُور ؟ قَالَ : مَا هِيَ إِلَّا من الْبدن . وَحضر جَابر الْحُدَيْبِيَة فَقَالَ : نحرنا يَوْمئِذٍ سبعين بَدَنَة ، اشتركنا كل سَبْعَة فِي بَدَنَة . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه عَن جَابر قَالَ : نحرنا يَوْم [ الْحُدَيْبِيَة ] سبعين بَدَنَة ، الْبَدنَة عَن سَبْعَة ، اشْترك النَّفر فِي الْهَدْي . وَفِي رِوَايَة للبرقاني عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ قَالَ لنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اشْتَركُوا فِي الْإِبِل وَالْبَقر كل سَبْعَة فِي بَدَنَة ، وَفِي صَحِيح الْحَاكِم بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أبي الْأسود السّلمِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : كنت سَابِع سَبْعَة [ مَعَ ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سفر ، فَأَدْرَكنَا الْأَضْحَى ، فَأمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَجمع كل رجل منا درهما ، فاشترينا أضْحِية بسبعة دَرَاهِم وَقُلْنَا : يَا رَسُول الله ، لقد غلينا بهَا . فَقَالَ : إِن أفضل الضَّحَايَا أغلاها وأسمنها . قَالَ : ثمَّ أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأخذ رَجُلٌ بِرِجْلٍ ، وَأخذ رجلٌ بِرِجْلٍ ، وَرَجُلٌ بِيَدٍ ، وَرَجُلٌ بَيَدٍ ، وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ ، وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ ، وَذَبَحَ السَّابِعُ ، وَكَبِّرُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا ، وَفِي الْمُسْتَدْرك ، و جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس : كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سفر فَحَضَرَ الْأَضْحَى ، فاشتركنا فِي الْبَقر سَبْعَة ، وَفِي الْبَعِير عشرَة قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب . وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي سنَنه وَجَمِيع رِجَاله ثِقَات . قلت : وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه : كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سفر فَحَضَرَ النَّحْر فاشتركنا فِي الْبَقر سَبْعَة ، وَفِي الْبَعِير سَبْعَة أَو عشرَة ، قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : وَفِي حَدِيث رَافع بن خديج : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَجْعَل فِي قسم الْغَنَائِم عشر من الشياه بِبَعِير دَلِيل عَلَى أَن الْبَدنَة تقوم عَن عشرَة إِذا (ذبحت) .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ عِنْد الضحية بذلك الْكَبْش : اللَّهُمَّ تقبل من مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي الْبَاب ، وَمِمَّا لم يقدمهُ هُنَاكَ أَن أَحْمد فِي مُسْنده أخرجه من حَدِيث زُهَيْر بن عبد الله بن مُحَمَّد ، عَن عَلّي بن حُسَيْن ، عَن أبي رَافع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا ضحى اشْتَرَى كبشين سمينين أملحين أقرنين ، فَإِذا صَلَّى وخطب النَّاس أَتَى بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ قَائِم فِي مُصَلَّاهُ فذبحه بِنَفسِهِ بالمدية ثمَّ يَقُول : اللَّهُمَّ هَذَا عَن أمتِي جَمِيعًا مِمَّن شهد لَك بِالتَّوْحِيدِ وَشهد لي بالبلاغ . ثمَّ يُؤْتَى بِالْآخرِ فيذبحه بِنَفسِهِ وَهُوَ يَقُول : هَذَا عَن مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد . ويطعمهما جَمِيعًا الْمَسَاكِين وَيَأْكُل هُوَ وَأَهله مِنْهُمَا ، فَمَكثْنَا سِنِين لَيْسَ رجل من بني هَاشم يُضحي قد كَفاهُ الله الْمُؤْنَة برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالْغُرْم .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تذبحوا إِلَّا الثَّنية إِلَّا أَن يعسر عَلَيْكُم فاذبحوا الْجذع من الضَّأْن . هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَّا أَن لَفظه : لَا تذبحوا إِلَّا مُسِنَّة إِلَّا أَن يعسر عَلَيْكُم فتذبحوا جَذَعَة من الضَّأْن ، وَهَكَذَا رَوَاهُ د س ق فِي سُنَنهمْ : لَا تذبحوا إِلَّا مُسِنَّة وَلم أجد فِي شَيْء من طرق الحَدِيث الثَّنية كَمَا ذكره المُصَنّف ، نعم هِيَ هِيَ . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم نقلا عَن الْعلمَاء : المسنة هِيَ الثَّنية من كل شَيْء من الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم فَمَا فَوْقهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : والمسنة من الْبَقر مَا لَهَا ثَلَاث وَدخلت فِي الرَّابِعَة . وَقيل : هِيَ الَّتِي كَمَا دخلت فِي الثَّالِثَة . ثمَّ اعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث ظَاهِرَة مُشكل ؛ فَإِن مُقْتَضَاهُ الْجَذعَة من الضَّأْن لَا تُجزئ إِلَّا إِذا عجز عَن المسنة ، وَلكنه مِمَّا يجب تَأْوِيله ؛ لِأَن الْأمة مجتمعة عَلَى خلاف ظَاهره ؛ فَإِنَّهُم كلهم جوزوا جذع الضَّأْن إِلَّا مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر وَالزهْرِيّ أَنه لَا يُجزئ سَوَاء قدر عَلَى مُسِنَّة أم لَا ، فَيحمل هَذَا الحَدِيث عَلَى الْأَفْضَل والأكمل ، وَيكون تَقْدِيره يسْتَحبّ لكم أَن لَا تذبحوا إِلَّا مُسِنَّة فَإِن عجزتم فجذعة .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أوجبت عَلَى نَفسِي بَدَنَة وَهِي تطلب مني بسوق . فَقَالَ : انحرها وَلَا تبعها وَلَو طلبت بِمِائَة بعير . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة الجهم بن الْجَارُود ، عَن سَالم بن عبد الله ، عَن أَبِيه قَالَ : أهْدَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بختيًّا ، فَأعْطَى بهَا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ثَلَاثمِائَة دِينَار فَأَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أهديت بختيًّا ، فَأعْطيت بهَا ثَلَاثمِائَة دِينَار فأبيعها وأشتري بِثمنِهَا بدنًا ؟ قَالَ : لَا ، انحرها إِيَّاهَا . قَالَ البُخَارِيّ : لَا يعرف لجهم سَمَاعا من سَالم . نَقله الْمُنْذِرِيّ عَنهُ ، وَتَابعه عبد الْحق فَقَالَ فِي أَحْكَامه : لَا يعرف لَهُ سَماع من سَالم . قَالَ ابْن الْقطَّان : وجهم مَجْهُول الْحَال ، لَا يعرف رَوَى عَنهُ غير أبي عبد الرَّحِيم خَالِد بن أبي [ يزِيد ] وَبِذَلِك من غير مزِيد ذكره البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِي الْمِيزَان : [ فِيهِ ] جَهَالَة ، وَقَالَ فِي الضُّعَفَاء : مَجْهُول . فَائِدَة : قَوْله : أهديت بختيًّا رَأَيْته فِي نُسْخَة مُعْتَمدَة من سنَن أبي دَاوُد بنُون ثمَّ جِيم ثمَّ مثناة تَحت ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ ألف ومكتوب عَلَى ذَلِك عَلامَة تَصْحِيح ، وَكَذَلِكَ رَأَيْته عَلَى هَذَا الضَّبْط فِي كتاب ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق وَكَذَلِكَ شَرحه ابْن الْأَثِير فِي جَامعه فَقَالَ : النجيب من الْإِبِل نوع مِنْهُ مَعْرُوف وَهُوَ من خِيَارهَا . وَذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي أَطْرَافه أَنه قَالَ : نجيبة بِالْهَاءِ فِي آخِره . وَكَذَا شَرحه ابْن [ معن ] فِي تنقيبه عَلَى الْمُهَذّب فَقَالَ : قَوْله أهديت نجيبة النجائب من الْإِبِل : الَّتِي يركبهَا أَصْحَاب الْبَرِيد وَالسَّابِقُونَ إِلَى المَاء . وَقيل : المُرَاد هُنَا الْكَرِيمَة . والنجب : النجباء نوع من الْإِبِل نجاب الرّكُوب ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَقع فِي الْمُهَذّب : نجيبة وَالَّذِي قَالَه المحدثون وَوَقع فِي روايتهم نجيبًا بِغَيْر هَاء . قلت : لَا إنكارها عَلَى صَاحب الْمُهَذّب فقد وجدت كَمَا عَرفته ، وَأما الْمُنْذِرِيّ فضبطه فِي اختصاره للسنن بباء مُوَحدَة مَضْمُومَة ثمَّ خاء مُعْجمَة سَاكِنة ثمَّ مثناة فَوق ثمَّ من تَحت مُشَدّدَة . وَكَذَا وَقع فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ لكنه قَالَ بُخْتِيَّة بهاء التَّأْنِيث ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ بعد ذَلِك : كَذَا قَالَ : بُخْتِيَّة وَفِي ذَلِك إِشَارَة إِلَى توقف فِي ذَلِك . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَالْبخْت من الْإِبِل مَعْرُوف ، وَقيل : هُوَ عَرَبِيّ ، وَهِي طوال الْأَعْنَاق . وَقيل : إبل غِلَاظ ذَات سنَامَيْنِ الْوَاحِدَة بختى وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّة وَجَمعهَا بخاتى غير مَصْرُوف وَلَك أَن تخفف التَّاء فَتَقول بَخَاتِي وَهَذِه قَاعِدَة مَشْهُورَة لأهل الْعَرَبيَّة .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من رَاح فِي السَّاعَة الأولَى فَكَأَنَّمَا قرب بَدَنَة ، ثمَّ ذكر الْبَقَرَة ، ثمَّ ذكر الْكَبْش الأقرن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَقد سبق بِطُولِهِ وفوائده فِي بَاب صَلَاة الْجُمُعَة وَاضحا .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كنت أفتل قلائد هدي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ يقلدها هُوَ بِيَدِهِ ، ثمَّ يبْعَث بهَا فَلَا يحرم عَلَيْهِ شَيْء أحله الله - تَعَالَى - لَهُ حَتَّى ينْحَر الْهَدْي . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَهُوَ إِحْدَى رِوَايَتهَا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : دم عفراء أحب إِلَى الله من دم سوداوين . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا [ مَوْقُوفا ] عَلَى أبي هُرَيْرَة ، وَقَالَ : قَالَ البُخَارِيّ : لَا يَصح رَفعه . وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ الِاخْتِلَاف فِي رَفعه وَوَقفه ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه وَأَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث كَبِيرَة بنت سُفْيَان مَرْفُوعا : أهريقوا فَإِن دم عفراء أَزْكَى عِنْد الله من دم سوداوين ، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مسمول وَقد ضعفه غير وَاحِد ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : دم الشَّاة الْبَيْضَاء عِنْد الله أَزْكَى من دم السوداوين ، وَفِيه حَمْزَة النصيبي قَالَ ابْن عدي : كَانَ يضع الحَدِيث .
الحَدِيث [ الثَّالِث ] بعد الثَّلَاثِينَ عَن أم سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا دخل الْعشْر وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فَلَا يمس من شعره وَلَا بشره شَيْئا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح تقدم بَيَانه وَالْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي أول الْبَاب ، وَوَقع هُنَا فِي الرَّافِعِيّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أهْدَى وَلم ينْقل أَنه يتَلَفَّظ بِشَيْء ، فحدفته اعْتِمَادًا عَلَى ذكري لَهُ فِي آخر الْحَج .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من ذبح قبل الصَّلَاة فَإِنَّمَا يذبح لنَفسِهِ ، وَمن ذبح بعد الصَّلَاة فقد تمّ نُسكه ، وَأصَاب سنة الْمُسلمين . هَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَأخرجه مُسلم أَيْضا بِنَحْوِهِ ، قَالَ الرَّافِعِيّ : فِي رِوَايَة : من صَلَّى صَلَاتنَا هَذِه وَذبح بعْدهَا فقد أصَاب النّسك . قلت : هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَقد سلف بِطُولِهِ فِي الْبَاب ، لَكِن لَيْسَ فِيهِ لَفْظَة هَذِه ، وَلَفْظَة : من صَلَّى صَلَاتنَا ، ونسك نسكنا فقد أصَاب النّسك ، وَهِي بِمَعْنَاهُ سَوَاء . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يقْرَأ فِي الأولَى ق وَفِي الثَّانِيَة اقْتَرَبت ، ويخطب خطْبَة متوسطة . قلت : قِرَاءَته عَلَيْهِ السَّلَام ق ، و اقْتَرَبت تقدم فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ ، وخطبته خطْبَة متوسطة تقدم فِي الْجُمُعَة قَالَ : و كَانَ لَا يطول الصَّلَاة . قلت : لَا شكّ فِي ذَلِك فَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ من أخف النَّاس صَلَاة فِي تَمام ، وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ، وَقد سبق بَعْضهَا فِي كتاب صَلَاة الْجَمَاعَة .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا دخل الْعشْر ، وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فَلَا يمس من شعره وبشره شَيْئا . هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث أم سَلمَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِذا دخل الْعشْر وَعِنْده أضْحِية يُرِيد أَن يُضحي فَلَا يَأْخُذن شعرًا وَلَا يقلمن ظفرًا ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِذا رَأَيْتُمْ هِلَال ذِي الْحجَّة ، وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي فليمسك من شعره وأظافره ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الثَّانِي مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَاهُ مَوْقُوفا عَلَى أم سَلمَة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا شَاهد للَّذي قبله . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الصَّحِيح عِنْدِي أَنه مَوْقُوف . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِاللَّفْظِ الثَّانِي مَرْفُوعا ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن صَحِيح . قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره : قَالَ الشَّافِعِي : فِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة عَلَى أَن الضحية لَيست بِوَاجِب ؛ لقَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : وَأَرَادَ أحدكُم أَن يُضحي ، وَلَو كَانَت الضحية وَاجِبَة أشبه أَن يَقُول : فَلَا يمس من شعره حَتَّى يُضحي . قَالَ أَصْحَابنَا : وَالْحكمَة فِي النَّهْي أَن يَبْقَى كَامِل الْأَجْزَاء ليعتق من النَّار . قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب : وَقد ورد أَن الله - تَعَالَى - يعْتق بِكُل عُضْو من الضحية عضوا من المضحي . وَهَذَا غَرِيب لَا يحضرني من خرجه ، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : إِنَّه حَدِيث غير مَعْرُوف وَإنَّهُ لم يجد لَهُ سندًا يثبت بِهِ . هَذَا كَلَامه . قلت : وَفِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ نَحوه من حَدِيث أبي دَاوُد النَّخعِيّ ، عَن عبد الله بن حسن بن حسن ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا : من ضحى طيبَة بهَا نَفسه ، محتسبًا بأضحيته كَانَت لَهُ حِجَابا من النَّار . وَأَبُو دَاوُد هَذَا كَذَّاب ، قَالَ أَحْمد : كَانَ يضع الحَدِيث . وَمن الْعلمَاء من أبدى لذَلِك حِكْمَة أُخْرَى ، وَهِي التَّشَبُّه بالمحرم ، وَللشَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْله : لَا يمس من شعره وبشره تَأْوِيلَانِ : أَحدهمَا : أَن المُرَاد من الشّعْر شعر الرَّأْس وَمن الْبشر شعر الْبدن . وَعَلَى هَذَا لَا يكره تقليم الْأَظْفَار ، وَقد سلف التَّصْرِيح بِأَنَّهُ لَا يقلم الظفر ، فَالْقَوْل بِعَدَمِ الْكَرَاهَة بعيد .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عَرَفَة كلهَا موقف ، وَأَيَّام منى كلهَا منحر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جُبَير بن مطعم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مَرْفُوعا : كل عَرَفَات موقف ، وَارْفَعُوا عَن عُرَنَة ، وكل مُزْدَلِفَة موقف ، وَارْفَعُوا عَن محسر ، وكل فجاج منى منحر ، وَفِي كل أَيَّام التَّشْرِيق ذبح . روياه من حَدِيث سعيد بن عبد الْعَزِيز ، عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن ، عَن جُبَير بن مطعم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالصَّحِيح أَنه عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى ، عَن جُبَير مُرْسلا . يَعْنِي أَن سُلَيْمَان الْمَذْكُور لم يدْرك جُبَير عَن أَبِيه مَرْفُوعا : أَيَّام التَّشْرِيق كلهَا ذبح قَالَ : وَرَوَاهُ أَبُو معبد ، عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى أَن عَمْرو بن دِينَار حَدثهُ عَن جُبَير بن مطعم مَرْفُوعا بِمثلِهِ . قَالَ : وَرَوَاهُ ابْن جريج ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، أَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم أخبرهُ ، عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قد سَمَّاهُ نَافِع فَنسيته - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لرجل من غفار : قُم فَأذن ، أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن ، وَأَنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب أَيَّام منى ، زَاد سُلَيْمَان بن مُوسَى : وَذبح ، يَقُول ابْن جريج : أَيَّام ذبح . قَالَ : [ وَرَوَاهُ ] مُعَاوِيَة بن يَحْيَى الصَّدَفِي ، [ عَن الزُّهْرِيّ ] ، عَن سعيد بن الْمسيب [ مرّة ، عَن أبي سعيد ، و ] مرّة عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : أَيَّام التَّشْرِيق كلهَا ذبح . قَالَ ابْن عدي : وهما جَمِيعًا غير محفوظين لَا يرويهما غير الصَّدَفِي . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَمَا رُوِيَ أَن الْأَضَاحِي إِلَى آخر الشَّهْر لمن أَرَادَ أَن يستأني بهَا فَفِي بعضه إرْسَال وَفِي بعضه جَهَالَة . قلت : وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي علله من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مَوْضُوع عِنْدِي ، وَلم يقرأه عَلَى النَّاس ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر عَنهُ : إِنَّه حَدِيث كذب .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ضحى بكبشين أملحين ، فَلَمَّا وجههما قَرَأَ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا الْآيَتَيْنِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن أبي عَيَّاش عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : ذبح النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم النَّحْر كبشين أملحين أقرنين موجوءين ، فَلَمَّا أوجههمَا قَالَ : إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين ، إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ ، وَبِذَلِك أمرت وَأَنا من الْمُسلمين ، اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك ، اللَّهُمَّ عَن مُحَمَّد وَأمته ، بِاسم الله وَالله أكبر ثمَّ ذبح . وَقد تقدم قَرِيبا - بأوراق فِي هَذَا الْبَاب - الْكَلَام عَلَى إِسْنَاده وَهُوَ الحَدِيث الْخَامِس عشر مِنْهُ . وَأخرجه أَحْمد [ وَالْحَاكِم ] فِي مُسْتَدْركه مُصَرحًا بِالتَّحْدِيثِ لِابْنِ إِسْحَاق ، وَبِزِيَادَة أُخْرَى فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيثه قَالَ : حَدثنِي يزِيد بن أبي حبيب ، عَن خَالِد بن أبي عمرَان ، عَن أبي عَيَّاش ، عَن جَابر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام ذبح يَوْم الْعِيد كبشين ثمَّ قَالَ حِين وجههما : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إِلَى قَوْله وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ بِاسم الله وَالله أكبر ، اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك من مُحَمَّد وَأمته وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فِي سنَنه من طَرِيق أبي دَاوُد بِنَحْوِ من لَفْظهمَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الشَّافِعِي : قد يرْوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وَجه لَا يثبت مثله أَنه ضحى بكبشين فَقَالَ فِي أَحدهمَا بعد ذكر الله : اللَّهُمَّ عَن مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَفِي الآخر : اللَّهُمَّ عَن مُحَمَّد وَأمة مُحَمَّد قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِي حَدِيث عَائِشَة أَو أبي هُرَيْرَة . ثمَّ ذكر الحَدِيث الْخَامِس عشر من أَحَادِيث هَذَا الْبَاب ثمَّ قَالَ : وَفِيمَا ذكرنَا قبل هَذَا كِفَايَة . استنادًا إِلَى حَدِيث عَائِشَة الثَّابِت فِي مُسلم ، وَهُوَ الحَدِيث الثَّانِي من هَذَا الْبَاب ، وَإِلَى حَدِيث جَابر الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَيْضا .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الذّبْح لَيْلًا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث سُلَيْمَان بن سَلمَة الخبائري ، ثَنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يضحى لَيْلًا ، والخبائري هَذَا مَتْرُوك كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم وَغَيره ، وَقَالَ الْأَزْدِيّ : كَانَ يكذب . وَبَقِيَّة قد عرفت الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مَضَى غير مرّة . وَأَبُو مُحَمَّد هَذَا لَا أعرفهُ ، وَذكره عبد الْحق من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن مُبشر بن عبيد ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الذّبْح بِاللَّيْلِ ، ثمَّ أعله بمبشر وَقَالَ : إِنَّه مَتْرُوك . قلت : وَنسبه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ إِلَى الْوَضع أَيْضا ، وَبَوَّبَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بَابا فِي التَّضْحِيَة لَيْلًا من أَيَّام منى ، وَذكر فِيهِ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد أَنه سُئِلَ عَن الْأَضْحَى بِاللَّيْلِ فَقَالَ : لَا . وَعَن الْحسن قَالَ : نهي عَن جدَاد اللَّيْل ، وحصاد اللَّيْل ، والأضحى بِاللَّيْلِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك من شدَّة حَال النَّاس ، كَانَ الرجل يَفْعَله لَيْلًا فنهي عَن ذَلِك ، ثمَّ رخص فِي ذَلِك . وَهَذَا مُرْسل أَو مَوْقُوف .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ عَن شَدَّاد بن أَوْس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الله كتب الْإِحْسَان فِي كل شَيْء ، فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة ، وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة ، وليحد أحدكُم شفرته ، وليرح ذَبِيحَته . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم مُنْفَردا بِهِ ، وَقد سلف فِي بَاب الْقصاص وَاضحا ، وَوَقع فِي الرَّافِعِيّ فِي كل شَيْء بدل : عَلَى كل شَيْء وَالْمَوْجُود فِي أَحْمد وَمُسلم وَالسّنَن الْأَرْبَعَة عَلَى وَقد ذكره كَذَلِك الرَّافِعِيّ فِي الْموضع السالف .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أهْدَى مائَة بَدَنَة فَنحر مِنْهَا بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَأمر عليًّا فَنحر الْبَاقِي . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه ، من حَدِيث جَابر الطَّوِيل ، وَقد أسلفناه بِطُولِهِ فِي الْحَج ، وَوَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ : فَنحر مِنْهَا ستًّا وَسِتِّينَ ، وَهُوَ من النَّاسِخ ، وَقد ذكره عَلَى الصَّوَاب بعد هَذَا الْموضع بأوراق فِي أثْنَاء الحكم الثَّالِث فِي الْأكل من الْأُضْحِية . وَوَقع فِي مُسْند أَحْمد ، و سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث عَلّي - كرم الله وَجهه - قَالَ : لما نحر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بدنه ، فَنحر ثَلَاثِينَ بِيَدِهِ ، وَأَمرَنِي فنحرت سائرها ، وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق ، حَدثنِي رجل ، عَن عبد الله بن أبي نجيح . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَجَاء فِي حَدِيث غرفَة بن الْحَارِث ، أَنه أُتِي بِالْبدنِ فَقَالَ : ادعوا لي أَبَا حسن . فدعي لَهُ عَلّي بن أبي طَالب فَقَالَ لَهُ : خُذ بِأَسْفَل الحربة . وَأخذ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِأَعْلَاهَا ثمَّ طَعنا بهَا الْبدن . فَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نحر بِيَدِهِ وَحده ثَلَاثِينَ ، وَنحر هُوَ وَعلي بن أبي طَالب ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، فأضاف الْجَمِيع إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَيحصل الْجمع بَين الْأَحَادِيث . قلت : وَإِنَّمَا يلتجأ إِلَى الْجمع عِنْد صِحَة الْمعَارض ، وَهَذَا الْمعَارض ضَعِيف ؛ فَإِن فِي إِسْنَاده عبد الله بن الْحَارِث وَلَا يعرف لَهُ حَال ، وَإِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَلَا يعرف لَهُ راوٍ غير حَرْمَلَة بن [ عمرَان ] قَالَ ابْن الْقطَّان : وَقد أخرج مُسلم هَذَا الحَدِيث فِي غير صَحِيحه كَمَا أخبر بذلك ابْن السكن ، وَإِنَّمَا لم يُخرجهُ فِيهِ لجَهَالَة عبد الله . فَائِدَة : ذكر ابْن حبَان فِي صَحِيحه أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَوْصَى بذلك سني عمره وَهِي ثَلَاث وَسِتُّونَ بَدَنَة عَن كل سنة بَدَنَة .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لفاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : قومِي إِلَى أضحيتك فاشهديها ، فَإِنَّهُ بِأول قَطْرَة من دَمهَا يغْفر لَك مَا سلف من ذنوبك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من حَدِيث عمرَان بن الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لفاطمة : قومِي إِلَى أضحيتك فاشهديها ؛ فَإِنَّهُ يغْفر لَك عِنْد أول قَطْرَة تقطر من دَمهَا كل ذَنْب عملتيه . وَقَوْلِي : إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي [ ومماتي ] لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ ، وَبِذَلِك أمرت وَأَنا من الْمُسلمين . قَالَ عمرَان : يَا رَسُول الله ، هَذَا لَك وَلأَهل بَيْتك خَاصَّة - وَأهل ذَلِك أَنْتُم - أم للْمُسلمين عَامَّة ؟ قَالَ : بل للْمُسلمين عَامَّة ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : فِيهِ نظر ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده أَبَا حَمْزَة الثمالِي ثَابت بن أبي صَفِيَّة مولَى الْمُهلب بن أبي صفرَة وَهُوَ ضَعِيف جدًّا . قَالَ أَحْمد وَابْن معِين : لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ ابْن حبَان : فحش خَطؤُهُ ، وَكثر وهمه فَاسْتحقَّ التّرْك . قَالَ الْحَاكِم : وَلِهَذَا الحَدِيث شَاهد من حَدِيث عَطِيَّة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لفاطمة : يَا فَاطِمَة ، قومِي إِلَى أضحيتك فاشهديها فَإِن لَك بِأول قَطْرَة تقطر من دَمهَا يغْفر لَك مَا سلف من ذنوبك . قَالَت : يَا رَسُول الله ، هَذَا لنا أهل الْبَيْت خَاصَّة أَو لنا وللمسلمين عَامَّة ؟ قَالَ : بل لنا وللمسلمين عَامَّة - مرَّتَيْنِ . قلت : هَذَا الشَّاهِد يحْتَاج إِلَى دعائم ؛ فعطية واه ، وَفِيه مَعَه دَاوُد بن عبد الحميد الْكُوفِي ، قَالَ أَبُو حَاتِم : حَدِيثه يدل عَلَى ضعفه ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : رَوَى عَن عَمْرو بن قيس الْملَائي أَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا مِنْهَا هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَفِيه رِوَايَة أُخْرَى من غير هَذَا الْوَجْه فِيهَا لين أَيْضا . قلت : لَعَلَّه أَرَادَ الطَّرِيقَة الأولَى فتلخص ضعف الْأَصْلِيّ وَالشَّاهِد ، لَا جرم قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن حَدِيث سعيد هَذَا [ فَقَالَ ] حَدِيث مُنكر . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ ، وَمن طَرِيق عَمْرو بن خَالِد ، عَن مُحَمَّد بن عَلّي ، عَن آبَائِهِ ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لفاطمة : يَا فَاطِمَة [ قومِي ] فاشهدي أضحيتك ، أما إِن لَك بِأول قَطْرَة تقطر من دَمهَا مغْفرَة لكل ذَنْب ، أما إِنَّه ليجاء بهَا يَوْم الْقِيَامَة بِلُحُومِهَا ودمائها سبعين ضعفا حَتَّى تُوضَع فِي ميزانك . فَقَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ : يَا رَسُول الله ، أهذه لأهل مُحَمَّد خَاصَّة - فهم أهل لما خصوا بِهِ من خير - أَو لآل مُحَمَّد وَالنَّاس عَامَّة ؟ [ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بل هِيَ لآل مُحَمَّد وَالنَّاس عَامَّة ] قَالَ الْبَيْهَقِيّ : عَمْرو بن خَالِد ضَعِيف . وَسكت عَن الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلين ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وَذكره الْحَاكِم فِي كتاب مَنَاقِب فَاطِمَة من هَذِه الطَّرِيق الَّتِي ضعفها الْبَيْهَقِيّ وَلم يُضعفهُ وَقَالَ بدل عَن آبَائِهِ : عَن مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي وَهُوَ المُرَاد أَيْضا .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يذبح أضحيته بالمصلى . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَهَذَا لَفظه : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يذبح أَو ينْحَر بالمصلى وَاللَّفْظ الَّذِي ذكره المُصَنّف هُوَ لفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَأْمر نِسَاءَهُ أَن يلين ذبح هديهن . هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ .
الحَدِيث السَّادِس عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كل إنسية توحشت فذكاتها ذَكَاة الوحشية . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حرَام ، عَن عبد الرَّحْمَن ، وَمُحَمّد ابْني جَابر ، عَن أَبِيهِمَا أَنه قَالَ : ندت علينا بقرة ممتنعة نافرة ، وَلَا تمر عَلَى أحد إِلَّا نطحته ، وندت عَلَيْهِ فخرجنا نكدها حَتَّى بلغنَا الصماء ، ومعنا غُلَام قبْطِي لبني حرَام وَمَعَهُ مُشْتَمل ، فشدت عَلَيْهِ لتنطحه ، فضربها أَسْفَل من المنحر ، وَفَوق مرجع الْكَتف ، فركبت ردعها فَلم يدْرك لَهَا ذَكَاة . قَالَ جَابر : فَأخْبرت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بشأنها فَقَالَ : إِذا استوحشت الإنسية ، وتمنعت فَإِنَّهُ يحلهَا مَا يحل الوحشية ، ارْجعُوا إِلَى بقرتكم فكلوها . فرجعنا إِلَيْهَا فاجتزرناها . وَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن حرَام بن عُثْمَان أَيْضا ، عَن أبي عَتيق ، عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء ، وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف بِسَبَب حرَام بن عُثْمَان وَهُوَ واهٍ . قَالَ الشَّافِعِي - فِيمَا نَقله ابْن غَانِم فِي فضائله - : حَدِيث حرَام [ حرَام ] ، والرياحي ريَاح ، ومجالد [ يخالد ] ، وَمن رَوَى عَن جَابر البياضي بيض الله عينه ، وَالشعْبِيّ بالعراق مثل عرق بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد وَغَيره : ترك النَّاس حَدِيثه ، وَقَالَ البُخَارِيّ : هُوَ مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ يَحْيَى وَالسَّعْدِي : مُنكر الحَدِيث ، يقلب الْأَسَانِيد ، وَيرْفَع الْمَرَاسِيل ، وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ ، عَن الشَّافِعِي مثل هَذِه الْعبارَة فِيهِ أَيْضا . وَقَالَ عبد الْحق : هُوَ عِنْد أهل الحَدِيث كَمَا قَالَ فِيهِ الشَّافِعِي ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي الِاسْتِظْهَار : ضَعِيف لَا تقوم بِمثلِهِ الْحجَّة ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ : مَتْرُوك بِاتِّفَاق مِنْهُم . قلت : وَأَبُو عَتيق لَا يعرف من هُوَ ، كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان فِي حَقه .
الحَدِيث الثَّامِن عَن رَافع بن خديج قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّا لاقو الْعَدو غَدا وَلَيْسَ مَعنا مدى . فَقَالَ : مَا أنهر الدَّم ، وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فَكل ، لَيْسَ السن وَالظفر ، وسأحدثك ؛ أما السن فَعظم ، وَأما الظفر فمدى الْحَبَشَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَقد تقدم بِطُولِهِ وفوائده فِي أَوَائِل الْبَاب ، وَهُوَ الحَدِيث الرَّابِع مِنْهُ .
الحَدِيث الْخَامِس عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، عَن أَبِيه أَنه قَالَ : يَا رَسُول الله ، أما تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبة ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : وَأَبِيك لَو طعنت فِي فَخذهَا لأجزأك ، وَيروَى أَنه سَأَلَ عَن بعير نادٍّ - وَيروَى أَنه لَو تردى لَهُ بعير فِي بِئْر - فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : لَو طعنت فِي خاصرته لحل لَك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول بِدُونِ الْقسم أَحْمد ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ فَإِن أَبَا العشراء الدَّارمِيّ - بِضَم الْعين ، وبالمد عَلَى الْهَمْز - فِيهِ جَهَالَة ، وَقد تكلم البُخَارِيّ وَغَيره فِي حَدِيثه . قَالَ الْمَيْمُونِيّ : سَأَلت الإِمَام أَحْمد عَن حَدِيثه هَذَا فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي غلط ، وَلَا يُعجبنِي ، وَلَا أذهب إِلَيْهِ إِلَّا فِي مَوضِع ضَرُورَة ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث حَمَّاد ، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه : فِي حَدِيث أبي العشراء ، واسْمه وسماعه من أَبِيه نظر . وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي ثقاته فِي التَّابِعين فَقَالَ : أَبُو العشراء الدَّارمِيّ اسْمه عَامر بن أُسَامَة بن مَالك بن قهطم ، يروي عَن أَبِيه ، وَله صُحْبَة ، رَوَى عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَات : أُسَامَة بن مَالك بن قهطم أَبُو العشراء الدَّارمِيّ لَهُ حَدِيث ، رَوَى عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقَالَ الْخطابِيّ : ضعفوا هَذَا الحَدِيث ؛ لِأَن رَاوِيه مَجْهُول ، وَأَبُو العشراء لَا يُدْرَى من أَبوهُ ، وَلم يروه غير حَمَّاد بن سَلمَة . وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم وَالْإِيهَام : عِلّة هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا العشراء لَا يعرف حَاله ، وَلَا يعرف لَهُ وَلَا لِأَبِيهِ إِلَّا هَذَا الحَدِيث ، وَلَا نَعْرِف رَوَى عَنهُ إِلَّا حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقَالَ ابْن الصّلاح : هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، عَن أَبِيه ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ؛ فقد اتَّفقُوا عَلَى أَن مَدَاره عَلَى أبي العشراء ، قَالُوا : وَهُوَ مَجْهُول لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث ، وَلم يرو عَنهُ غير حَمَّاد بن سَلمَة ، وَقد اتّفق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ عَلَى أَن من لم يرو عَنهُ غير وَاحِد فَهُوَ مَجْهُول ، إِلَّا أَن يكون مَشْهُورا بِعلم أَو صَلَاح أَو شجاعة وَنَحْو ذَلِك ، وَلم يُوجد شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء فِي أبي العشراء فَهُوَ مَجْهُول ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه لم يرو عَنهُ غير حَمَّاد بن سَلمَة . وَأما عبد الْحق فَذكره من طَرِيق أبي دَاوُد ، وَسكت عَلَيْهِ وَهُوَ قَاض بِصِحَّتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ فِي خطْبَة كِتَابه ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ ، وقولة ابْن حبَان الشائعة تفرد بهَا فَلَا تصلح أَن تكون سندًا لَهُ . وَأما اللَّفْظ الثَّانِي الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ فَغَرِيب جدًّا ، ونقلها ابْن الصّلاح ، عَن الشَّيْخ أبي حَامِد أَنه قَالَ : فِي بعض الْأَخْبَار أنه سُئِلَ عَن بعير تردى فِي بِئْر ، فَقَالَ : أما تصلح الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحلق واللبة ؟ وَذكر الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ ابْن الصّلاح : وَذَلِكَ بَاطِل لَا يعرف . وَأما الرِّوَايَة الثَّالِثَة الَّتِي فِيهَا ذكر الخاصرة فتبع الرَّافِعِيّ فِي إيرادها الْغَزالِيّ فِي وسيطه ، وَالْغَزالِيّ تبع فِي إيرادها شَيْخه إِمَام الْحَرَمَيْنِ . قَالَ ابْن الصّلاح فِي مشكلات الْوَسِيط : وَهُوَ غلط ، وَالْمَعْرُوف فِي الحَدِيث ذكر الْفَخْذ . قَالَ : وَذكر الخاصرة ورد فِي أثر رَوَيْنَاهُ ، وَذكره الشَّافِعِي قَالَ : تردى بعير إِلَى بِئْر فطعن فِي شاكلته ، فَسئلَ عبد الله بن عمر عَن أكله فَأمر بِهِ . قَالَ : والشاكلة : الخاصرة . هَذَا آخر كَلَامه . وَلَيْسَ بغلط من هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ، بل هُوَ مَرْوِيّ كَمَا ذكره ، رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي جمعه لأحاديث أبي العشراء من حَدِيث حَمَّاد بن زيد ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، عَن أَبِيه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّمَا تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي اللبة أَو الْحلق ؟ قَالَ : لَو طعنت فَخذهَا أَو شاكلتها ، وَذكر اسْم الله - تَعَالَى - لأجزأ عَنْك ، وَورد فِي حَدِيث آخر بدل الْحلق : الخاصرة . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُعْجَمه : ثَنَا عَلّي بن مسْهر ، وَبِه حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن غَالب ، ثَنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ، ثَنَا مَالك بن أنس ، ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي العشراء ، عَن أَبِيه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، أما تكون الذَّكَاة إِلَّا فِي الخاصرة واللبة ؟ قَالَ : لَو طعنت فِي فَخذهَا لأجزأت عَنْك . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : وَقع غلط لإِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين ؛ أَحدهمَا : أَنه جعل أَبَا العشراء الدَّارمِيّ هُوَ الَّذِي خاطبه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِنَّمَا هُوَ أَبوهُ ، وَأَبُو العشراء تَابِعِيّ مَشْهُور . ثَانِيهَا : أَنه ذكر تردي الْبَعِير فِي متن الحَدِيث ، وَلَيْسَ ذَلِك من الحَدِيث ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِير من أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، قَالُوا : هَذَا عِنْد الضَّرُورَة فِي المتردي فِي الْبِئْر وأشباهه . الثَّانِي : اخْتلف أهل الحَدِيث فِي اسْم أبي العشراء وَاسم أَبِيه ، فَقَالَ البُخَارِيّ : هُوَ أُسَامَة بن مَالك بن قحطم - يَعْنِي بحاء مُهْملَة ، وبكسر الْقَاف - وَكَذَا قَالَه أَحْمد بن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَقيل : عُطَارِد بن برز - بِفَتْح الرَّاء وسكونها - وَقيل : عُطَارِد بن بَلْز . وَقيل : يسَار بن بلز ابن خولى ، نزل الجفرة (قَالَ ابْن عبد) وَقيل : اسْمه بكر بن جَهْضَم . وَقيل : عُطَارِد بن برد . وَهُوَ من بني دارم بن مَالك بن زيد بن تَمِيم ، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي الْمعرفَة : بلز ، وَقيل : برز ، وَقيل : رزن ، وَقيل : مَالك بن قحطم بن أبي العشراء الدَّارمِيّ ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : مَالك بن قهطم ، وَقيل : عُطَارِد بن بدر . الثَّالِث : قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْرِف لأبي العشراء عَن أَبِيه غير هَذَا الحَدِيث . وَكَذَا قَالَه الإِمَام أَحْمد : لَا نَعْرِف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث . وَكَذَا قَالَه أَيْضا غَيرهمَا ، وَلم يذكر لَهُ [ أَبُو ] نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة سواهُ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا فَلهُ عدَّة أَحَادِيث . قَالَ ابْن حبَان فِي ثقاته فِي تَرْجَمَة أبي العشراء : رَوَى عَنهُ حَمَّاد بن سَلمَة ثَلَاثَة أَحَادِيث الْمَشْهُور مِنْهَا هَذَا الحَدِيث فَذكره . وأفرد الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي حَدِيث جُزْء مُنْفَرد ذكر لَهُ فِيهِ خَمْسَة عشر حَدِيثا ، وَقد ذكرتها فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط فَرَاجعهَا مِنْهُ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات الَّتِي يرحل إِلَيْهَا .
الحَدِيث التَّاسِع عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن صيد المعراض ، فَقَالَ : إِن قتل بحده فَكل ، وَإِن قتل بنصله فَلَا تَأْكُل ، وَرَوَى : إِذا أصبت بحده فَكل ، وَإِذا أصبت بعرضه فَلَا تَأْكُل ؛ فَإِنَّهُ وقيذ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي البُخَارِيّ وَمُسلم ، كَمَا تقدم فِي أول الْبَاب ، وَأما الرِّوَايَة الأولَى فروياها أَيْضا إِلَّا أَنَّهُمَا لم يذكرَا : وَإِن قتل بنصله فَلَا تَأْكُل ، وَلم أرها أَيْضا فِي رِوَايَة غَيرهمَا .
الحَدِيث الرَّابِع أَن بَعِيرًا ندَّ فَرَمَاهُ رجل مِنْهُم فحبسه الله ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن لهَذِهِ الْبَهَائِم أوابد كأوابد الْوَحْش ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث رَافع بن خديج رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقد فرقه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب فأذكره بِكَمَالِهِ ، فَأَقُول : أخرج الشَّيْخَانِ من حَدِيث رَافع الْمَذْكُور قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِذِي الحليفة من تهَامَة فَأصَاب النَّاس جوع ، فَأَصَابُوا إبِلا وَغنما ، وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي أخريات الْقَوْم ، فعجلوا وذبحوا ونصبوا الْقُدُور ، فَأمر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت ، ثمَّ قسم فَعدل عشرَة من الْغنم بِبَعِير ، فند مِنْهَا بعير فطلبوه فأعياهم ، وَكَانَ فِي الْقَوْم خيل يسيرَة ، فَأَهْوَى رجل بِسَهْم فحبسه الله ، فَقَالَ : إِن لهَذِهِ الْبَهَائِم أوابد كأوابد الْوَحْش فَمَا [ ند ] عَلَيْكُم مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا . قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّا لاقو الْعَدو غَدا ، وَلَيْسَت مَعنا مُدى أفنذبح بالقصب ؟ قَالَ : مَا أنهر الدَّم ، وَذكر اسْم الله عَلَيْهِ فكلوه ، لَيْسَ السن وَالظفر ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَن ذَلِك ؛ أما السن فَعظم ، وَأما الظفر فمدى الْحَبَشَة ، وَزَاد الْحميدِي بعد قَوْله : فَاصْنَعُوا بِهِ هَذَا : وكلوه . تَنْبِيه : قَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : وَقع شكّ فِي كَونه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : أما السن فَعظم إِلَى آخِره ، أما الرَّاوِي فَبين ذَلِك وَاضحا . فَائِدَة : نَدَّ هُوَ بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الدَّال ، أَي : هرب من صَاحبه ، وَذهب لوجهه . و الأوابد بِفَتْح الْهمزَة ، وبالباء الْمُوَحدَة ، وَهِي النفور والتوحش ، جمع آبدة - بِالْمدِّ وَكسر الْبَاء - يُقَال : أبدت - بِكَسْر الْبَاء وَالتَّخْفِيف - تأبد ، و [ أما مدية ] بِكَسْر [ الْمِيم ] وَضمّهَا وَفتحهَا سَاكِنة الدَّال ، وَهِي السكين ، سميت مدية ؛ لِأَنَّهَا تقطع مدى حَيَاة الْحَيَوَان . و أنهر الدَّم أَي : أساله ، وَالْمَشْهُور أَنه بالراء الْمُهْملَة . قَالَ القَاضِي عِيَاض - وَذكره يَحْيَى بالزاي - : والنهز بِمَعْنى الدّفع ، وَهُوَ غَرِيب ، وَقَوله : لَيْسَ السن وَالظفر هما منصوبان بليس ، وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَى هَذِه الْأَلْفَاظ وَغَيرهَا فِي شرحي للعمدة ، فراجع ذَلِك مِنْهُ فَإِنَّهُ مُهِمّ .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا علمت من كلب أَو باز ، ثمَّ أرْسلت وَذكرت اسْم الله - تَعَالَى - فَكل مَا أمسك عَلَيْك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد - كَمَا تقدم فِي أول الْبَاب - وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مجَالد ، عَن الشّعبِيّ ، عَن عدي ، وَلكنه حَدِيث ضَعِيف قَالَ : مجَالد لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ يَحْيَى مرّة ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَا يحْتَج بحَديثه . وَقَالَ مرّة : صَالح ، وَقَالَ ابْن حبَان : يقلب الْأَسَانِيد ، فيرفع الْمَرَاسِيل ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ذكر الْبَازِي فِي هَذِه الرِّوَايَة لم يَأْتِ بِهِ الْحفاظ عَن الشّعبِيّ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ مجَالد . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مجَالد .
الحَدِيث الثَّالِث عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِن لي كلابًا مكلبة فأفتني فِي صيدها . فَقَالَ : كل مَا أمسكن . قلت : ذكي وَغير ذكي ؟ ! [ قَالَ : ذكي أَو غير ذكي ] . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور بِزِيَادَة : وَإِن أكل مِنْهُ ؟ قَالَ : وَإِن أكل مِنْهُ . قَالَ : يَا رَسُول الله ، أَفْتِنِي فِي قوسي ؟ قَالَ : كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك . قَالَ : ذكي وَغير ذكي ؟ قَالَ : وَإِن تغيَّب عني ؟ قَالَ : وَإِن تغيب عَنْك مَا لم تصل أَو تَجِد فِيهِ أثرا غير سهمك . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح ، فَإِنَّهُ أخرجه عَن يزِيد بن زُرَيْع ، عَن حبيب الْمعلم - وَهُوَ من الثِّقَات الْحفاظ من رجال الصَّحِيحَيْنِ - عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده - وَقد علمت فِي أَوَائِل الْكتاب أَن الْأَكْثَر عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ - [ عَن ] أبي ثَعْلَبَة . وَأخرجه النَّسَائِيّ ، عَن عَمْرو بن عَلّي ، عَن ابْن سَوَاء ، عَن سعيد ، عَن أبي مَالك ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : أَن رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن لي كلابًا مكلبة فأفتني فِيهَا . فَقَالَ : مَا أمسك عَلَيْك كلابك فَكل . قلت : وَإِن قتلن ؟ قَالَ : وَإِن قتلن . قَالَ : أَفْتِنِي فِي قوسي . قَالَ : مَا رد عَلَيْك سهمك فَكل . قَالَ : وَإِن تغيب عَلّي ؟ [ قَالَ : وَإِن تغيب عَلَيْك ] مَا لم تَجِد فِيهِ أثر سهم غير سهمك ، أَو تَجدهُ قد صل - يَعْنِي قد أنتن . قَالَ ابْن سَوَاء : وسمعته من أبي مَالك عبيد الله بن الْأَخْنَس ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَذَا إِسْنَاد لَا يسْأَل عَنهُ ، احْتج بهم كلهم فِي الصَّحِيح . شيخ النَّسَائِيّ عَمْرو بن عَلّي هُوَ الفلاس ، أحد الْحفاظ الْأَعْلَام ، أخرج لَهُ السِّتَّة . وَشَيْخه ابْن سَوَاء ، وَهُوَ مُحَمَّد بن سَوَاء ، أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان . وَشَيْخه سعيد هُوَ ابْن [ أبي ] عرُوبَة أحد الْأَعْلَام ، احْتج بِهِ السِّتَّة . وَأَبُو مَالك هُوَ عبيد الله بن الْأَخْنَس كَمَا سَاقه ثَانِيًا ، احْتج بِهِ السِّتَّة ، وَوَثَّقَهُ الْأَئِمَّة ، فَهَذِهِ الطَّرِيق صَحِيحَة أَيْضا ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث مُوَافق لحَدِيث أبي دَاوُد ، عَن مُحَمَّد بن عِيسَى ، عَن [ هشيم ] ، عَن دَاوُد بن عَمْرو ، عَن بسر بن عبيد الله ، عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ ، عَن أبي ثَعْلَبَة قَالَ : قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي صيد الْكَلْب : إِذا أرْسلت كلبك ، وَذكرت اسْم الله فَكل وَإِن أكل مِنْهُ ، وكل مَا ردَّتْ عَلَيْك يدك ، إِلَّا أَن حَدِيث أبي ثَعْلَبَة مخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ربيعَة بن يزِيد الدِّمَشْقِي ، عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ ، عَن أبي ثَعْلَبَة وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْأكل . وَحَدِيث عدي فِي النَّهْي عَنهُ إِذا أكل أصح من رِوَايَة أبي دَاوُد فِي الْأكل . قَالَ : وَقد رَوَى شُعْبَة عَن عبد ربه بن سعيد ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن رجل من هُذَيْل : أَنه سَأَلَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْكَلْب يصطاد ، قَالَ : كل ، أكل أَو لم يَأْكُل قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَصَارَ حَدِيث عَمْرو بِهَذَا معلولاً . وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ أعل فِي محلاه الحَدِيث من طريقيه فَقَالَ : لَا يَصح الأول ؛ لِأَنَّهُ عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده . وَقد أسلفنا لَك آنِفا أَن الْأَكْثَر عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ فِي الثَّانِي : دَاوُد بن عَمْرو ضَعِيف ، ضعفه أَحْمد بن حَنْبَل ، وَقد ذكر بِالْكَذِبِ ، فَإِن لجوا وَقَالُوا : هُوَ ثِقَة . قُلْنَا : لَا عَلَيْكُم وثقتموه هُنَا ، وَأما نَحن فَمَا نحتج بِهِ وَلَا نقبله . قلت : دَاوُد هَذَا مُخْتَلف فِيهِ ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين ، وَقَالَ أَحْمد : حَدِيثه مقارب . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا بَأْس بِهِ ، وَقَالَ ابْن عدي : لَا أرَى بروايته بَأْسا ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : شيخ ، وَقَالَ الْعجلِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : صَالح ، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : انْفَرد بِحَدِيث : أَحْسنُوا أسماءكم ، وَبِهَذَا الحَدِيث وَهَذَا حَدِيث مُنكر . وَلقَائِل أَن يَقُول : لَيْسَ بَين حَدِيث عَمْرو وَدَاوُد ، وَبَين حَدِيث عدي الْمخْرج فِي الصَّحِيحَيْنِ مُنَافَاة ؛ لِأَنَّهُ علل وَلَا يَأْكُل فِي حَدِيث عدي بِكَوْنِهِ أمسك عَلَى نَفسه ، وَفِي هَذَا الحَدِيث يحْتَمل أَنه أكل مِنْهُ بعد أَن قَتله وَانْصَرف عَنهُ فَلَا تنَافِي إِذن .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أصيد بكلبي الْمعلم ، وكلبي الَّذِي لَيْسَ بمعلم . فَقَالَ : مَا صدت بكلبك الْمعلم فاذكر اسْم الله عَلَيْهِ وكل ، وَمَا صدت بكلبك الَّذِي لَيْسَ بمعلم فأدركت ذَكَاته فَكل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة ، وَهَذَا سياقهما عَن أبي ثَعْلَبَة قَالَ : أتيت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّا بِأَرْض قومِ أهل كتاب أفنأكل فِي آنيتهم ، وَفِي أَرض صيد [ أصيد ] بقوسي وبكلبي الَّذِي لَيْسَ بمعلم وبكلبي الْمعلم ، فَمَا يصلح لي ؟ قَالَ : أما مَا ذكر - يَعْنِي من آنِية أهل الْكتاب - فَإِن وجدْتُم غَيرهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا ، وَإِن لم تَجدوا فاغسلوها وكلوا فِيهَا ، وَمَا صدت [ بقوسك فَذكرت اسْم الله فَكل ، وَمَا صدت بكلبك الْمعلم فَذكرت اسْم الله فَكل ، وَمَا صدت ] بكلبك غير معلم فأدركت ذَكَاته فَكل .
الحَدِيث السَّابِع عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، أَرَأَيْت أَحَدنَا صَاد صيدا وَلَيْسَ مَعَه سكين ، أيذبح بالمروة ؟ فَقَالَ : أَمر الدَّم بِمَا شِئْت ، وَاذْكُر اسْم الله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه أَبُو دَاوُد ، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل - وَهُوَ التَّبُوذَكِي الْحَافِظ - [ عَن حَمَّاد ] - وَهُوَ ابْن سَلمَة بن دِينَار - عَن سماك بن حَرْب ، عَن مُري بن قطري ، عَن عدي بن حَاتِم قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، أَرَأَيْت إِن أَحَدنَا أصَاب صيدا ، وَلَيْسَ مَعَه سكين أيذبح بالمروة وشقة الْعَصَا ؟ فَقَالَ : أمرر الدَّم بِمَا شِئْت ، وَاذْكُر اسْم الله ، وَهَذَا إِسْنَاد كل رِجَاله فِي الصَّحِيح خلا مُري بن قطري ، فَإِن ابْن حبَان وَثَّقَهُ [ و ] التَّبُوذَكِي من رجال الصَّحِيحَيْنِ . وَحَمَّاد بن سَلمَة ، وَسماك من رجال مُسلم وَإِن تكلم فِي سماك ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى ، وَإِسْمَاعِيل بن مَسْعُود ، عَن خَالِد ، عَن شُعْبَة ، عَن سماك قَالَ : سَمِعت مري بن قطري ، [ عَن عدي بن حَاتِم ] يَقُول : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أرسل [ كَلْبِي ] فآخذ الصَّيْد فَلَا أجد مَا أذكيه بِهِ فأذبحه بالمروة وبالعصا ، فَقَالَ : (أهرق) الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله عَلَيْهِ . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه ، عَن مُحَمَّد بن بشار - وَهُوَ الْحَافِظ أخرج لَهُ أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة - عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ، عَن سُفْيَان - وناهيك بهما - عَن سماك بن حَرْب ، عَن [ مري ] بن قَطَري ، عَن عدي بن حَاتِم قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّا نصيد الصَّيْد فَلَا نجد سكينًا إِلَّا الظرار وشقة الْعَصَا . فَقَالَ : أمرر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله - عَزَّ وَجَلَّ - وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور والسند الْمَذْكُور ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، عَن أَحْمد بن عَلّي بن الْمثنى ، ثَنَا عَلّي بن الْجَعْد الْجَوْهَرِي ، أبنا شُعْبَة ، عَن سماك بن حَرْب قَالَ : سَمِعت مري بن قطري يحدث عَن عدي بن حَاتِم قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أرسل (كَلْبا) فَيَأْخُذ صيدا وَلَا آخذ مَا أذبح بِهِ إِلَّا الْمَرْوَة أَو الْعَصَا . قَالَ : أَمر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من هَذِه الطَّرِيق ، وَلَفظه : إِنِّي أرمي الصَّيْد وَلَا أجد مَا أذكيه بِهِ إِلَّا الْمَرْوَة والعصا . قَالَ : أَمر الدَّم بِمَا شِئْت وَاذْكُر اسْم الله . قلت : طَعَام مَا أَدَعهُ [ إِلَّا ] تحرجًا . قَالَ : وَمَا ضارعت فِيهِ نَصْرَانِيَّة فَلَا تَدعه . وَأما ابْن حزم فقد قَالَ فِي محلاه : فَإِن ذكرُوا مَا رَوَيْنَاهُ عَن شُعْبَة ، عَن سماك بن حَرْب ، عَن مري بن قطري ، عَن عدي بن حَاتِم ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أنهر الدَّم بِمَا شِئْت ، وَاذْكُر اسْم الله ، قُلْنَا : هَذَا خبر سَاقِط ؛ لِأَنَّهُ عَن سماك بن حَرْب وَهُوَ يقبل التَّلْقِين ، عَن مري بن قطري وَهُوَ مَجْهُول . انْتَهَى . وَقد رَوَاهُ عَن سماك : شُعْبَة ، وسُفْيَان الثَّوْريّ ، وَحَمَّاد بن سَلمَة ، وَصَححهُ الْحَاكِم من حَدِيث الثَّوْريّ - كَمَا تقدم - وَسماك يكفينا احتجاج مُسلم بِهِ ، وَقد تقدم أَن ابْن حبَان وثق مري بن قطري ، وَصحح الحَدِيث من جِهَته ، وَكَذَا الْحَاكِم ؛ فَزَالَتْ الْجَهَالَة . فَائِدَة : شقة الْعَصَا - بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة - أَي : بِمَا يشق مِنْهَا وَيكون محددًا . و أمرر براءين أَي : اجْعَل الدَّم يمر أَي يذهب . وَهَذِه الرِّوَايَة تؤيد رِوَايَة أَمر الْوَاقِعَة فِي إِحْدَى روايتي ابْن مَاجَه بتَشْديد الرَّاء غلط ، وَذكر الْخطابِيّ فِي كِتَابه تصاحيف الروَاة أَن هَذِه الرِّوَايَة : أَمر بتَشْديد الرَّاء غلط ، وَذكر غَيره أَنه لَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ يكون قد أدغم ، وَالصَّوَاب عِنْد الْخطابِيّ رِوَايَة من رَوَاهُ أَمر الدَّم سَاكِنة الْمِيم خَفِيفَة الرَّاء ، وَمَعْنى ذَلِك أسِلْهُ وأجره . قَالَ الْهَرَوِيّ : والظرار وَاحِدهَا ظرر وَهُوَ حجر محدد صلبِ .
الحَدِيث الثَّانِي عشر فِي الْخَبَر فَإِن أكل فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك عَلَى نَفسه . هَذَا الحَدِيث هُوَ بعض من حَدِيث عدي ، وَقد تقدم فِي أول الْبَاب بِطُولِهِ .
الحَدِيث الْعشْرُونَ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَن قوما حَدِيث عهد بجاهلية يأْتونَ بلحمان لَا نَدْرِي أذكروا اسْم الله عَلَيْهَا أم لم يذكرُوا ، أنأكل مِنْهَا أم لَا ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اذْكروا اسْم الله وكلوا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، وَأَبُو دَاوُد - بِإِسْنَاد عَلَى شَرط البُخَارِيّ - وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَهُوَ عمدتنا فِي أَن مَتْرُوك التَّسْمِيَة حَلَال ، وَرُوِيَ مُرْسلا وموصولاً ، وَقد علمت أَن الْوَصْل مقدم ، وانتصر ابْن عبد الْبر ، وَابْن الْجَوْزِيّ لمذهبهما ، فَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي تمهيده : فِي هَذَا الحَدِيث أَن مَا ذبحه الْمُسلم ، وَلم يعرف اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا أَنه لَا بَأْس بِأَكْلِهِ ، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنه قد سَمّى ، وَالْمُؤمن لَا يظنّ بِهِ إِلَّا الْخَيْر ، وذبيحته وصيده أبدا مَحْمُول عَلَى السَّلامَة حَتَّى يَصح فِيهِ غير ذَلِك من تعمد ترك التَّسْمِيَة وَنَحْوه ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي مُشكل الصَّحِيحَيْنِ : الظَّاهِر من الْمُسلم والكتابي أَنه يُسَمِّي ، فَيحْتَمل أمره عَلَى سَائِر أَحْوَاله ، وَلَا يلْزمنَا سُؤَاله عَلَى هَذَا . وَقَوله : سموا أَنْتُم وكلوا لَيْسَ بِمَعْنى أَنه يُجزئ عَمَّا لم يسم عَلَيْهِ ، وَلَكِن لِأَن التَّسْمِيَة عَلَى الطَّعَام سنة . هَذَا آخر كَلَامهمَا ، وَلَا يخْفَى مَا فِيهِ .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم ، وَذكرت اسْم الله فَكل . قَالَ : وَإِن قتل ؟ قَالَ : وَإِن قتل ، قَالَ : وَإِن أكل ؟ قَالَ : وَإِن أكل . هَذَا الحَدِيث الثَّالِث الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب ، وَقد سلف قَرِيبا وَاضحا .
كتاب الصَّيْد والذبائح كتاب الصَّيْد والذبائح ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَحَادِيث اثْنَيْنِ وَعشْرين حَدِيثا ، وَمن الْآثَار أثرا وَاحِدًا . الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لعدي بن حَاتِم : إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم ، وَذكرت اسْم الله عَلَيْهِ فَكل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِأَلْفَاظ ، ومدار هَذَا الْبَاب عَلَيْهِ ، وَعَلَى أبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي ، فَأَنا أذكرهُ بطرق وأحيل مَا بعده عَلَيْهِ ، فَأَقُول : أخرج الشَّيْخَانِ من حَدِيثه : سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقلت : إِنَّا قوم نصيد بِهَذِهِ الْكلاب . فَقَالَ : إِذا أرْسلت كلابك المعلمة ، وَذكرت اسْم الله فَكل مِمَّا أمسكن عَلَيْك ، إِلَّا أَن يَأْكُل الْكَلْب فَلَا تَأْكُل ؛ فَإِنِّي أَخَاف أَن يكون مِمَّا أمسك عَلَى نَفسه ، وَإِن خالطها كلب من غَيرهَا فَلَا تَأْكُل . وَفِي رِوَايَة لَهما : سَأَلته عَن صيد المعراض ، فَقَالَ : مَا أصَاب بحده فَكل ، وَمَا أصَاب بعرضه فَهُوَ وقيذ فَلَا تَأْكُل . وَسَأَلته عَن صيد الْكَلْب فَقَالَ : مَا أمسك عَلَيْك [ وَلم يَأْكُل مِنْهُ ] فكله ، فَإِن أَخذ الْكَلْب ذَكَاته ، فَإِن وجدت مَعَ كلبك أَو كلابك كَلْبا غَيره ، فَخَشِيت أَن يكون أَخذه مَعَه ، وَقد قَتله فَلَا تَأْكُل ؛ فَإِنَّمَا ذكرت اسْم الله عَلَى كلبك ، وَلم تذكر عَلَى غَيره . وَفِي رِوَايَة لَهما بعد : فَإِذا أرْسلت كلبك وَسميت فَكل : قلت : فَإِن أكل ؟ قَالَ : فَلَا تَأْكُل ؛ فَإِنَّهُ لم يمسك عَلَيْك ، إِنَّمَا أمسك عَلَى نَفسه . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّا نرسل الْكلاب المعلمة . قَالَ : كل مَا أمسكن عَلَيْك . قلت : وَإِن قتلن ؟ قَالَ : وَإِن قتلن . قلت : إِنَّا نرمي بالمعراض . قَالَ : كل مَا خرق ، وَمَا أصَاب بعرضه فَلَا تَأْكُل . وَفِي رِوَايَة لَهُ : وَإِن رميت الصَّيْد فَوَجَدته بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أثر سهمك فَكل ، فَإِن وَقع فِي المَاء فَلَا تَأْكُل . وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِن أَحَدنَا يَرْمِي الصَّيْد (فيقتفي) أَثَره الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة ، ثمَّ يجده مَيتا وَفِيه سَهْمه . قَالَ : يَأْكُل إِن شَاءَ . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : إِنِّي أرسل الْكلاب المعلمة ، فيمسكن عَلّي ، وأذكر اسْم الله [ عَلَيْهِ ] فَقَالَ : إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم ، وَذكرت اسْم الله فَكل . قلت : وَإِن قتلن ؟ قَالَ : وَإِن قتلن مَا لم يشركها كلب لَيْسَ مَعهَا . فَقلت لَهُ : فَإِنِّي أرمي بالمعراض الصَّيْد فأصيبه ، فَقَالَ : إِذا رميت بالمعراض فخرق فكله ، وَإِن أَصَابَهُ بعرضه فَلَا تَأْكُله ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِذا أرْسلت كلبك فاذكر اسْم الله عَلَيْهِ ، فَإِن أمسك عَلَيْك فَأَدْرَكته حيًّا فاذبحه ، وَإِن أَدْرَكته قد قتل ، وَلم يَأْكُل مِنْهُ فكله ، وَإِن وجدت مَعَ كلبك كَلْبا غَيره ، وَقد قتل فَلَا تَأْكُل فَإنَّك لَا تَدْرِي أَيهمَا قَتله ، وَإِن رميت بسهمك فاذكر اسْم الله ، فَإِن غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلم تَجِد فِيهِ إِلَّا أثر سهمك فَكل إِن شِئْت ، وَإِن وجدته غريقًا فِي المَاء فَلَا تَأْكُل . وَفِي رِوَايَة لَهُ : فإنك لَا تَدْرِي المَاء قَتله أَو سهمك . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ : إِذا رميت سهمك ، وَذكرت اسْم الله ، فَوَجَدته من الْغَد وَلم تَجدهُ فِي مَاء ، وَلَا فِيهِ أثر غير سهمك فَكل [ وَإِذا اخْتَلَط بكلابك كلب من غَيرهَا فَلَا تَأْكُل ؛ لَا تَدْرِي لَعَلَّه قَتله الَّذِي لَيْسَ مِنْهَا ، وَفِي رِوَايَة لَهما أَيْضا : مَا علمت من كلب أَو باز ، ثمَّ أَرْسلتهُ ، وَذكرت اسْم الله فَكل ] مِمَّا أمسك عَلَيْك . قلت : وَإِن قتل ؟ قَالَ : إِذا قَتله وَلم يَأْكُل مِنْهُ شَيْئا فَإِنَّمَا أمسك عَلَيْك . وَفِي إسنادهما مجَالد بن سعيد ، وَقد ضَعَّفُوهُ كَمَا ستعلمه فِي الْبَاب ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : قلت : يَا رَسُول الله ، أرمي الصَّيْد وَأَجد فِيهِ من الْغَد سهمي ؟ قَالَ : إِذا علمت أَن سهمك قَتله ، وَلم تَرَ فِيهِ أثر سبع فَكل . فَائِدَة : المعراض الْمَذْكُور فِي الحَدِيث - بِكَسْر الْمِيم ، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة - : سهم عريض لَا ريش فِيهِ وَلَا نصل . وَقيل : هُوَ حَدِيدَة . وَقيل : خَشَبَة محدودة الطّرف . و الوقذ - بِالْقَافِ ، والذال الْمُعْجَمَة - : الموقوذ ، وَهُوَ الْمَضْرُوب بالعصا حَتَّى يَمُوت ، فعل بِمَعْنى مفعول . وَقَوله : إِن أُصِيب بعَرضه - هُوَ بِفَتْح الْعين - أَي الْعرض الَّذِي هُوَ خلاف الطول ، وَخرج السهْم إِذا أصَاب وَبعد فِي الرَّمية ، والاقتفاء : تتبع الْأَثر . فَائِدَة ثَانِيَة : عدي هَذَا كُوفِي صَحَابِيّ ، كَانَ جوادًا شريفًا فِي قومه ، مُعظما عِنْدهم وَعند غَيرهم . قَالَ ابْن قُتَيْبَة : وَكَانَ طوَالًا إِذا ركب الْفرس كَادَت رجلَيْهِ تخط الأَرْض ، وَأَبوهُ حَاتِم هُوَ الْمَشْهُور بِالْكَرمِ .
الحَدِيث الرَّابِع عشر عَن عدي بن حَاتِم أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا أرْسلت كلبك وَسميت وَأمْسك وَقتل فَكل ، وَإِن أكل فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك عَلَى نَفسه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَقد سلف وَاضحا فِي أول الْبَاب .
الحَدِيث الثَّامِن عشر عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَعْنَى حَدِيث أبي ثَعْلَبَة الَّذِي قبله ، وَقَالَ : كُله إِلَّا أَن تَجدهُ وَقع فِي مَاء . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَقد تقدم أول الْبَاب ، لَا جرم قَالَ الرَّافِعِيّ فِيهِ وَفِي الحَدِيث قبله : هما حديثان .
الحَدِيث الْخَامِس عشر حَدِيث عدي الَّذِي فِيهِ ذكر الْبَازِي . وَقد تقدم بَيَانه قَرِيبا .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه وَاضحا فِي أَوَائِل الْكتاب فِي بَاب النَّجَاسَات مِنْهُ ، فَرَاجعه من ثمَّ .
الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كل مَا رد عَلَيْك قوسك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ قَالَ : حَدثنِي أَبُو ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ : قَالَ لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا أَبَا ثَعْلَبَة ، كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك وكلبك الْمعلم ، ويدك (ذكي) وَغير ذكي فِي إِسْنَاده بَقِيَّة عَن الزبيدِيّ ، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْوَلِيد الْحِمصِي القَاضِي ثِقَة من رجال الصَّحِيح ، وَقد أسلفنا فِيمَا مَضَى عَن جماعات الِاحْتِجَاج بِبَقِيَّة إِذا رَوَى عَن ثِقَة ، فَيكون هَذَا الحَدِيث صَحِيحا إِذن لَوْلَا مَا عرف من عنعنته . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ وَقد سُئِلَ عَن حَدِيث سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي ثَعْلَبَة مَرْفُوعا : كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك فَقَالَ : يرويهِ الْأَوْزَاعِيّ ، وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ ضَمرَة بن ربيعَة عَنهُ ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن سعيد بِهِ . وَغَيره يرويهِ عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن أبي ثَعْلَبَة مُرْسلا ، والمرسل أصح . قلت : وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر قَالَ أَحْمد فِي مُسْنده : ثَنَا حسن ، ثَنَا ابْن لَهِيعَة ، ثَنَا عَمْرو بن الْحَارِث ، عَن عَمْرو بْن شُعَيْب أَنه [ حَدثهُ ] أَن مولَى شُرَحْبِيل [ بن ] حَسَنَة حَدثهُ أَنه سمع عقبَة بن عَامر ، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان يَقُولَانِ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : كل مَا ردَّتْ عَلَيْك قوسك .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه مروا بِظَبْيٍ حَاقِف ، فهم أَصْحَابه بِأَخْذِهِ ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : دَعوه حَتَّى يَجِيء صَاحبه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان ، وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث الضمرِي [ عَن الْبَهْزِي ] ، واسْمه زيد بن كَعْب - عَلَى مَا قَالَه الْخَطِيب فِي مبهماته وَغَيره - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج يُرِيد مَكَّة وَهُوَ محرم حَتَّى إِذا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إِذا حمَار وَحشِي عقير ، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ رَسُول الله : دَعوه فَإِنَّهُ يُوشك أَن يَأْتِي صَاحبه . فجَاء الْبَهْزِي - وَهُوَ صَاحبه - إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، شَأْنكُمْ بِهَذَا الْحمار . فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا بكر فَقَسمهُ بَين الرفاق ، ثمَّ مَضَى حَتَّى إِذا كَانَ بالأثاية بَين الرُّوَيْثَة وَالْعَرج إِذا ظَبْي حَاقِف وَفِيه سهم ، فَزعم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر رجلا يقف عِنْده لَا يرِيبهُ أحد من النَّاس حَتَّى يُجَاوِزهُ . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِنَحْوِهِ . فَوَائِد : الأولَى : قَالَ الْخَطِيب فِي مبهماته : الرجل الْمَأْمُور بِالْإِقَامَةِ عَلَيْهِ ليحفظه هُوَ أَبُو بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . قلت : وَوَقع فِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة بن عبيد الله ، عَن أَبِيه طَلْحَة : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعطَاهُ حمَار وَحش ، وَأمره أَن يفرقه فِي الرفاق ، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي أَطْرَافه : قَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : هَذَا الحَدِيث لَا أعلم رَوَاهُ هَكَذَا غير ابْن عُيَيْنَة ، وَأَحْسبهُ أَرَادَ أَن يختصره فَأَخْطَأَ فِيهِ ، وَقد خَالفه النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث ، رَوَاهُ مَالك وجماعات من حَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة ، عَن عُمَيْر بن سَلمَة ، عَن رجل من بهز ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالُوا جَمِيعًا فِي حَدِيثهمْ : فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا بكر أَن يقسمهُ فِي الرفاق وهم محرمون ، وَلَعَلَّ ابْن عُيَيْنَة حِين اخْتَصَرَهُ لحقه الْوَهم ؛ لِأَن فِي إِسْنَاد الحَدِيث عِيسَى بن طَلْحَة فَقَالَ : عَن أَبِيه . والبهزي يُقَال : إِن اسْمه زيد بن كَعْب ، وَهُوَ من بني سليم ، وَهُوَ صَاحب الظبي الحاقف . قلت : وَقد رَوَاهُ كَمَا رَوَاهُ النَّاس أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي آخر كتاب المناقب فِي تَرْجَمَة عُمَيْر بن سَلمَة الضمرِي قَالَ : بَينا نَحن نسير مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ محرم إِذا نَحن بِحِمَار وَحش معقور ، فَذَكرته للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : دَعوه ، فَأَتَاهُ الَّذِي عقره وَهُوَ رجل من بهز الحَدِيث كَمَا سلف ، وَإِسْنَاده صَحِيح . ثمَّ اعْلَم أَنه وَقع فِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ تَغْيِير فِي اسْم رَاوِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي أوردناه فَقَالَ : رجل من فهر بهاء مَكْسُورَة وَرَاء . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : وَكَذَا نَقله بعض الْأَئِمَّة الْفُضَلَاء عَن خطّ المُصَنّف وَهُوَ غلط وتصحيف ، وَالصَّوَاب : رجل من بهز . بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وبالزاي . الْفَائِدَة الثَّانِيَة : الروحاء مَمْدُود : قَرْيَة جَامِعَة لمزينة عَلَى لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة ، بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا . قَالَه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ . وَقَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه : الروحاء منهل مَعْرُوف قَرِيبا من الْمَدِينَة . الْفَائِدَة الثَّالِثَة : مَعْنَى عقير : معقور ، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى . الرَّابِعَة : فِي ضَبطه أَسمَاء الْأَمَاكِن الْوَاقِعَة فِيهِ : الأُثاية بِضَم أَولهَا ، ثمَّ مُثَلّثَة ، وبهاء فِي الْآخِرَة قبلهَا يَاء مثناة تَحت . كَذَا ضَبطهَا الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه بِضَم أَولهَا ، وَقَالَ الْحَازِمِي فِي المؤتلف والمختلف : أثاية رَوَاهُ قوم أَثَاثَة وأثانة بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالنون ، وَالصَّحِيح هُوَ الأول بِفَتْح همزته وكسرتها مَوضِع فِي طَرِيق الْجحْفَة ، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسخًا . وَعبارَة الْمُحب فِي أَحْكَامه أَنه مَوضِع مَعْرُوف بغرب مَكَّة ، وَهِي مقَالَة بِالضَّمِّ وَبَعْضهمْ يكسرها . والرويثة : اسْم مَوضِع قريب مِنْهَا . و العرج بِفَتْح الْعين وَسُكُون الرَّاء ، كَذَا ضَبطه الْحَازِمِي فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : عقبَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة عَلَى جادة الْحَاج ، وَقَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه : هِيَ عقبَة بَينهَا وَبَين الرُّوَيْثَة أَرْبَعَة و [ عشر ] ميلًا ، وَبَين الرُّوَيْثَة وَالْمَدينَة أحد وَعِشْرُونَ فرسخًا ، وَمن العرج إِلَى السقيا سَبْعَة عشر ميلًا ، وَالْعَرج من بِلَاد [ أسلم ] . قَالَ كثير : إِنَّمَا سمي العرج لتعريجه . وَعبارَة الْمُحب فِي أَحْكَامه : العرج - بِإِسْكَان الرَّاء ثمَّ جِيم - قَرْيَة جَامِعَة من عمل الْفَرْع عَلَى إِمَام الْمَدِينَة و العرج أَيْضا مَوضِع بِالطَّائِف ، وَإِلَيْهِ ينْسب العرجي من ولد عُثْمَان بن عَفَّان ؛ لشكاية من أجل مَال كَانَ لَهُ فِيهِ ، وَهُوَ الْقَائِل : أضاعوني الْبَيْت . الْفَائِدَة الْخَامِسَة : الحاقف هُوَ المنحني الْعَاجِز عَن الِامْتِنَاع . قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، وَعبارَة الْمُحب فِي أَحْكَامه : حَاقِف أَي : منحني كَأَنَّهُ قَائِم قد انحنى فِي نَومه لَا يرِيبهُ وَلَا يزعجه ، وَلَا يتَعَرَّض إِلَيْهِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب . وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرا وَاحِدًا وَقد سلف فِي أثْنَاء الحَدِيث التَّاسِع عشر .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن أبي ثَعْلَبَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : إِذا رميت بسهمك فَغَاب عَنْك فَأَدْرَكته فكله مَا لم ينتن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ فِي الَّذِي يدْرك صَيْده بعد ثَلَاث : فكله مَا لم ينتن . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : إِذا رميت الصَّيْد فَأَدْرَكته بعد ثَلَاث لَيَال ، وسهمك فِيهِ فَكل مَا لم ينتن . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وأصحابنا النَّهْي عَن أكله إِذا أنتن للتنزيه لَا التَّحْرِيم ، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أكل إهالة سنخة وَهِي الْمُتَغَيّر الرّيح . قلت : وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم فَقَالَ : وَسَوَاء أنتن أَو لم ينتن . قَالَ : وَلَا يَصح الْأَثر الَّذِي فِيهِ الَّذِي يدْرك صَيْده بعد ثَلَاث : فكله مَا لم ينتن ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح . هَذَا كَلَامه ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : مُعَاوِيَة بن صَالح لَيْسَ بِالْقَوِيّ . قلت : مُعَاوِيَة هَذَا قَاضِي الأندلس . قَالَ أَحْمد ، وَابْن سعد ، وَالْعجلِي ، وَأَبُو زرْعَة : ثِقَة . وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي يوثقه ، وَكَانَ يَحْيَى بن سعيد لَا يرضاه . وَأخرج مُسلم الحَدِيث من جِهَته - كَمَا مَرَّ - وَكَذَا أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُسلم يذبح عَلَى اسْم الله سَمّى أَو لم يسم . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَأغْرب الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء فَقَالَ : حَدِيث الْبَراء صَحِيح . وَلَا أعلمهُ مرويًّا من هَذَا الْوَجْه عوضا عَن كَونه صَحِيحا ، وَالَّذِي يحضرني رِوَايَته من حَدِيث ثَوْر بن يزِيد ، عَن الصَّلْت قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ذَبِيحَة الْمُسلم حَلَال ذكر اسْم الله أَو لم يذكر ؛ لِأَنَّهُ إِن ذكر لم يذكر إِلَّا اسْم الله ، رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد فِي مراسيله . قَالَ عبد الْحق : هَذَا مُرْسل وَضَعِيف ، وَقد أسْندهُ [ الدَّارَقُطْنِيّ ] من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُسلم يَكْفِيهِ اسْمه ، فَإِن نسي أَن يُسَمِّي حِين يذبح فليسم ، وليذكر اسْم الله عَلَيْهِ ثمَّ ليَأْكُل ، وَعَن أبي هُرَيْرَة فِيمَن نسي التَّسْمِيَة أَيْضا [ قَالَ ] قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اسْم الله عَلَى فَم كل مُسلم ، وكلا الْحَدِيثين ضَعِيف . وَلم يبين سَبَب ذَلِك ، وَبَينه ابْن الْقطَّان فِي كَلَامه عَلَيْهِ فَقَالَ : سَبَب الضعْف فِي الأول هُوَ أَن الصَّلْت لَا يعرف لَهُ حَال ، وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا ، وَلَا رَوَى عَنهُ إِلَّا ثَوْر بن يزِيد . قلت : لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَأما سَبَب الضعْف فِي الثَّانِي - فَلَيْسَ فِي إِسْنَاده عَلَى أصل عبد الْحق إِلَّا ثِقَة - مُحَمَّد بن يزِيد وَهُوَ ابْن سِنَان الرهاوي ، وَقد رَوَى عَنهُ النَّاس مِنْهُم أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وَمُحَمّد بن مُسلم بن وارة ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بالمتين ، هُوَ أَشد غَفلَة من أَبِيه مَعَ أَنه كَانَ رجلا صَالحا صَدُوقًا [ لم يكن من أحلاس الحَدِيث ، وَكَانَ يرجع إِلَى ستر وَصَلَاح ] ، وَكَانَ النُّفَيْلِي يرضاه ، وَقَالَ أَبُو أَحْمد : لَهُ أَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا . قَالَ : ( وَأما معقل بن عبيد الله الْمَذْكُور) فِي إِسْنَاده فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ يضعف فَإِن عبد الْحق يقبله . قلت : وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَإِنَّهُ أعله فِي تَحْقِيقه بِهِ ، وَأغْرب فَقَالَ : إِنَّه مَجْهُول . وَهُوَ عجب ؛ فَإِنَّهُ معقل بن عبيد الله الْجَزرِي الْحَرَّانِي ، كَمَا صرح بِهِ الْبَيْهَقِيّ وَابْن الْقطَّان ، وَهُوَ من رجال مُسلم ، وَقَالَ ابْن معِين وَغَيره : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ ابْن معِين فِي رِوَايَة الكوسج : ثِقَة . وَقَالَ فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن صَالح : ضَعِيف . والغريب مِنْهُ أَنه ذكره فِي كتاب الضُّعَفَاء ، وَاقْتصر فِيهِ عَلَى هَذِه القولة الثَّالِثَة فَكيف يكون مَجْهُولا إِذن ؟ ! وَأما سَبَب الضعْف فِي الثَّالِثَة فَهُوَ أَن فِيهِ مَرْوَان بن سَالم الْغِفَارِيّ ، وَلَيْسَ بِثِقَة بل هُوَ ضَعِيف ، وَلَيْسَ بِمَرْوَان بن سَالم الْمَكِّيّ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس : إِن الْمَحْفُوظ وَقفه عَلَيْهِ . قلت : وَقد أخرجه ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة كَذَلِك ، وَعنهُ أَنه قَالَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة : إِنَّه حَدِيث مُنكر .
الحَدِيث التَّاسِع عشر عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّا أهل صيد ، وَإِن أَحَدنَا يَرْمِي الصَّيْد فيغيب عَنهُ الليلتين وَالثَّلَاث ، فيجده مَيتا . فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم - : إِذا وجدت فِيهِ أثر سهمك ، وَلم يكن فِيهِ سبع ، وَعلمت أَن سهمك قَتله فَكل . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ ، وَقد تقدم لَفْظهمَا فِي الحَدِيث الأول من أَحَادِيث الْبَاب . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَنه قَالَ : كل مَا أصميت ودع مَا أنميت . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد فِيهِ رجل مَسْتُور أَو مَجْهُول ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ : أَتَى أَعْرَابِي عبد الله بن عَبَّاس وَأَنا عِنْده فَقَالَ : أصلحك الله ، إِنِّي أرمي الصَّيْد فأصمي وأنمي . فَقَالَ ابْن عَبَّاس : كل مَا أصميت ودع مَا أنميت . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن أبي الْهُذيْل قَالَ : أَمرنِي نَاس من أَهلِي أَن أسأَل لَهُم عبد الله بن عَبَّاس عَن أَشْيَاء ، فكتبتها فِي صحيفَة ، فَأتيت لأسأله ، فَإِذا عِنْده نَاس يسألونه فَسَأَلُوهُ (حَتَّى سَأَلُوهُ) عَمَّا فِي صحيفتي ، وَمَا سَأَلته عَن شَيْء ، فَجَاءَهُ رجل أَعْرَابِي ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ : إني مَمْلُوك أكون فِي إبل أَهلِي ، فيأتيني الرجل يستسقيني أفأسقيه ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِن خشيت أَن [ يهْلك ] قَالَ : فاسقه مَا يبلغهُ ، ثمَّ أخبر بِهِ أهلك . قَالَ : فَإِنِّي رجل أرمي فأصمي وأنمي . قَالَ : مَا أصميت فَكل ، وَمَا أنميت فَلَا تَأْكُل . قلت للْحكم : مَا الإصماء ؟ قَالَ : الإقعاص . قلت : فَمَا الإنماء ؟ [ قَالَ ] مَا توارى عَنْك . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ هَذَا من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : كل مَا أصميت ودع مَا أنميت وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ فِي خلافياته : فِيهِ عُثْمَان الوقاصي وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث لَا يحْتَج بروايته . قَالَ : وَالْمَشْهُور وَقفه عَلَى ابْن عَبَّاس . قلت : وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة مَرْفُوعا أَيْضا من حَدِيث عَمْرو بن تَمِيم ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : قلت : يَا رَسُول الله ، إِنَّا أهل بَدو ، قَالَ : إِذا رميت الصَّيْد فَكل مَا أصميت ، وَلَا تَأْكُل مَا أنميت ، وَفِيه مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بْن مسمول ، وَقد ضَعَّفُوهُ . قَالَ الرّبيع : قَالَ الشَّافِعِي : مَا أصميت : مَا قتلته الْكلاب وَأَنت ترَاهُ ، و مَا أنميت مَا غَابَ عَنْك مَقْتَله .
الحَدِيث الثَّامِن أَنه كَانَ فِي مهادنة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قُريْشًا عَام الْحُدَيْبِيَة ، وَقد جَاءَ سُهَيْل بن عَمْرو رَسُولا مِنْهُم : من جَاءَنَا مِنْكُم مُسلما رددناه ، وَمن جَاءَكُم منا فسحقًا سحقًا . هَذَا الحَدِيث هَكَذَا ذكره الْغَزالِيّ فِي وسيطه ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بعد عقد الْهُدْنَة جَوَابا لبَعض الصَّحَابَة ؛ فقد رَوَى مُسلم فِي صَحِيحه ، وَهُوَ من أَفْرَاده من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن قُريْشًا صَالحُوا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فيهم سُهَيْل بن عَمْرو فَذكره إِلَى أَن قَالَ : فَاشْتَرَطُوا فِي ذَلِك : أَن من جَاءَ مِنْكُم لم نرده عَلَيْكُم ، وَمن جَاءَ منا رددتموه علينا . فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، أنكتب هَذَا ؟ قَالَ : نعم ، إِنَّه من ذهب منا إِلَيْهِم فَأَبْعَده الله ، وَمن جَاءَنَا مِنْهُم فسيجعل الله لَهُم [ فرجا ومخرجًا ] .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وادع بني قُرَيْظَة ، فَلَمَّا قصد الْأَحْزَاب الْمَدِينَة آواهم سيد بني قُرَيْظَة ، وَأَعَانَهُمْ بِالسِّلَاحِ ، وَلم يُنكر الْآخرُونَ ذَلِك ، فَجعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ ذَلِك ] نقضا للْعهد من الْكل ، وقتلهم وسبى ذَرَارِيهمْ ، إِلَّا ابْني سعية فَإِنَّهُمَا فارقاهم وأسلما . وَأما موادعته عَلَيْهِ السَّلَام بني قُرَيْظَة ؛ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك ، عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَدا بني النَّضِير بِالْكَتَائِبِ ، وَنزل ببني النَّضِير ودعاهم إِلَى أَن يعاهدوا ، فعاهدوه ، فَانْصَرف عَنْهُم وَهُوَ حَدِيث طَوِيل . وَأما نقضهم للْعهد ؛ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يُونُس بن بكير ، عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ : ثَنَا يزِيد بن رُومَان ، عَن عُرْوَة بن الزبير . وحَدثني يزِيد بن زِيَاد ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ ، وَعُثْمَان بن يهوذا - أحد بني عَمْرو بن قُرَيْظَة عَن رجال من قومه قَالَ : كَانَ الَّذين حزبوا [ الْأَحْزَاب ] نفر من بني النَّضِير ، وَنَفر من بني وَائِل ، وَكَانَ من بني النَّضِير حييّ بن أَخطب ، وكنانة بن الرّبيع بن أبي الْحقيق ، [ وَأَبُو عمار . وَمن بني وَائِل حَيّ من الْأَنْصَار من أَوْس الله ، وحوج بن عَمْرو ، وَرِجَال مِنْهُم ] خَرجُوا حَتَّى قدمُوا عَلَى قُرَيْش ، فدعوهم إِلَى حَرْب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فنشطوا لذَلِك . ثمَّ ذكر الْقِصَّة فِي خُرُوج أبي سُفْيَان بن حَرْب والأحزاب قَالَ : وَخرج حييّ بن أَخطب حَتَّى أَتَى كَعْب بن أَسد ، صَاحب عقد بني قُرَيْظَة وَعَهْدهمْ ، فَلَمَّا سمع بِهِ كَعْب أغلق حصنه دونه ، فَقَالَ : وَيحك يَا كَعْب ، افْتَحْ لي حَتَّى أَدخل عَلَيْك . فَقَالَ : وَيحك يَا حييّ ، إِنَّك امْرُؤ مشئوم ، وَإنَّهُ لَا حَاجَة لي بك وَلَا بِمَا جئتني بِهِ ، إِنِّي لم أر من مُحَمَّد إِلَّا صدقا ووفاء ، وَقد وادعني ووادعته ، فَدَعْنِي وارجع عني . فَقَالَ : وَالله إِن غلقت دوني إِلَّا عَن خشيتك أَن آكل مَعَك مِنْهَا ، فأحفظه فَفتح لَهُ ، فَلَمَّا [ دخل عَلَيْهِ ] قَالَ لَهُ : وَيحك يَا كَعْب ، جئْتُك بعز الدَّهْر ؛ بِقُرَيْش مَعهَا قادتها حَتَّى أنزلهَا برومة ، وجئتك بغطفان عَلَى قادتها وسادتها حَتَّى أنزلتها إِلَى جَانب أحد ، جئْتُك ببحر طام لَا يردهُ شَيْء . فَقَالَ : جئتني وَالله بالذل ، وَيلك فَدَعْنِي وَمَا أَنا عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا حَاجَة لي بك وَلَا بِمَا تَدعُونِي إِلَيْهِ . فَلم يزل حييّ بن أَخطب يفتله فِي الذرْوَة وَالْغَارِب حَتَّى أطَاع لَهُ ، وَأَعْطَاهُ الْعَهْد والميثاق : لَئِن رجعت قُرَيْش وغَطَفَان قبل أَن يُصِيبُوا مُحَمَّدًا لأدخلن مَعَك فِي حصنك حَتَّى يُصِيبنِي مَا أَصَابَك . فنقض كَعْب الْعَهْد ، وَأظْهر الْبَرَاءَة من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمَا كَانَ بَينه وَبَينه . قَالَ ابْن إِسْحَاق : حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة قَالَ : لما بلغ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خبر كَعْب ، وَنقض بني قُرَيْظَة بعث إِلَيْهِم سعد بن عبَادَة ، وَسعد بن معَاذ ، وخوات بن جُبَير ، وَعبد الله بن رَوَاحَة ؛ ليعلموا خبرهم ، فَلَمَّا انْتَهوا إِلَيْهِم وجدوهم عَلَى أَخبث مَا بَلغهُمْ . قَالَ ابْن إِسْحَاق : فَحَدثني عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة ، عَن شيخ [ من ] بني قُرَيْظَة فَذكر قصَّة سَبَب إِسْلَام ثَعْلَبَة وَأسيد ابْني سعية ، وَأسد بن عبيد ، ونزولهم عَن حصن بني قُرَيْظَة ، وإسلامهم ، ثمَّ سَاق ابْن إِسْحَاق الْقِصَّة بكمالها .
[ الحَدِيث التَّاسِع ] " أَن أم كُلْثُوم ابْنة عقبَة بن أبي معيط جَاءَت مسلمة فِي مُدَّة الْهُدْنَة ، وَجَاء أَخُوهَا فِي طلبَهَا ، فَأنْزل الله - تَعَالَى - : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ إِلَى قَوْله : فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم لَا يرد النِّسَاء وَيغرم مهورهن " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق عُرْوَة بن الزبير ، عَن الْمسور بن مخرمَة ، ومروان بن الحكم فِي الحَدِيث الطَّوِيل إِلَى أَن قَالَا : " وَلم يَأْتِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحد من الرِّجَال إِلَّا رده فِي تِلْكَ الْمدَّة وَإِن كَانَ مُسلما ، وَجَاءَت الْمُؤْمِنَات مهاجرات ، وَكَانَت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط مِمَّن خرج إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْمئِذٍ وَهِي عاتق ، فجَاء أَهلهَا يسْأَلُون رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يرجعها إِلَيْهِم ، حَتَّى أنزل الله فِي الْمُؤْمِنَات مَا أنزل " . قَالَ ابْن شهَاب : وَأَخْبرنِي عُرْوَة أَن عَائِشَة زوج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَت : " إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يمْتَحن من هَاجر من الْمُؤْمِنَات بِهَذِهِ الْآيَة : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ، وَعَن عَمه قَالَ : " بلغنَا حِين أَمر الله - سُبْحَانَهُ - رَسُوله أَن يرد إِلَى الْمُشْركين مَا أَنْفقُوا عَلَى من هَاجر من أَزوَاجهم " فَذكر الحَدِيث . كَذَا ذكره فِي غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة ، وَقَالَ فِي بَاب الشُّرُوط : قَالَ عقيل عَن الزُّهْرِيّ : قَالَ عُرْوَة : فأخبرتني عَائِشَة " أَن رَسُول الله [ كَانَ ] يمتحنهن " ، وبلغنا " أَنه لما أنزل الله أَن يردوا إِلَى الْمُشْركين مَا أَنْفقُوا عَلَى من هَاجر من أَزوَاجهم ، وَحكم عَلَى الْمُسلمين أَن لَا يمسكوا بعصم الكوافر ، أَن عمر طلق امْرَأتَيْنِ : قريبَة بنت أبي أُميَّة ، وَابْنَة جَرْوَل الْخُزَاعِيّ ، فَتزَوج قريبَة مُعَاوِيَة ، وَتزَوج الْأُخْرَى أَبُو جهم ، فَلَمَّا أَبَى الْكفَّار أَن يقرُّوا بأَدَاء مَا أنْفق الْمُسلمُونَ عَلَى أَزوَاجهم أنزل الله : وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ ، والعقب : مَا يُؤَدِّي الْمُسلمُونَ إِلَى من هَاجَرت امْرَأَته من الْكفَّار ، فَأمر أَن يُعْطَى من ذهب لَهُ زوج من الْمُسلمين مَا أنْفق من صدَاق نسَاء الْكفَّار اللائي هَاجَرْنَ ، وَمَا نعلم أحدا من الْمُهَاجِرَات ارتددن بعد إيمَانهَا " . وَفِي " سنَن الْبَيْهَقِيّ " من حَدِيث ابْن إِسْحَاق : حَدثنِي الزُّهْرِيّ ، وَعبد الله بن أبي بكر قَالَا : " هَاجَرت أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْحُدَيْبِيَة ، فجَاء أَخُوهَا الْوَلِيد ، وَفُلَان ابْنا عقبَة إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَبَى أَن يردهَا عَلَيْهِمَا " .
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وادع يهود خَيْبَر ، وَقَالَ : أقركم مَا أقركم الله . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي الْبَاب قبله فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث الْعَاشِر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد أَبَا جندل ، وَهُوَ يرسف فِي قيوده عَلَى أَبِيه سُهَيْل بن عَمْرو ، وَأَبا بَصِير ، وَقد جَاءَ فِي طلبه رجلَانِ فَرده إِلَيْهِمَا ، فَقتل أَحدهمَا فِي الطَّرِيق وأفلت الآخر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أَيْضا ، وَهُوَ بعض من الحَدِيث الَّذِي قبله . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ لأبي جندل حِين رد إِلَى أَبِيه : إِن دم الْكَافِر عِنْد الله كَدم الْكَلْب . فعرَّض لَهُ بقتل أَبِيه . قلت : أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده فِي سياقته لهَذَا الحَدِيث الطَّوِيل فِي أوراق عدَّة من حَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن الْمسور ومروان فَذَكَرَاهُ إِلَى أَن قَالَا : فَلَمَّا رَأَى سُهَيْل أَبَا جندل قَامَ إِلَيْهِ ، فَضرب وَجهه ، وَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، قد (تمت) الْقَضِيَّة بيني وَبَيْنك قبل أَن يَأْتِيك هَذَا . قَالَ : صدقت ، فَقَامَ إِلَيْهِ [ فَأخذ ] بتلبيبه . قَالَ : وصرخ أَبُو جندل بِأَعْلَى صَوته : يَا معشر الْمُسلمين ، أتردونني إِلَى أهل الشّرك فيفتنوني فِي ديني ، [ فَزَاد النَّاس شرًّا إِلَى مَا بهم ] ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا أَبَا جندل ، اصبر واحتسب ؛ فَإِن الله جَاعل لَك وَلمن مَعَك من الْمُسْتَضْعَفِينَ فرجا ومخرجًا ، إِنَّا قد عَقدنَا بَيْننَا وَبَين الْقَوْم صلحا ، فأعطيناهم عَلَى ذَلِك وأعطونا عَلَيْهِ عهدا ، وَإِنَّا لن نغدر بهم . قَالَ : فَوَثَبَ إِلَيْهِ عمر بن الْخطاب مَعَ أبي جندل ، فَجعل يمشي إِلَى جنبه وَيَقُول : اصبر يَا أَبَا جندل ؛ فَإِنَّمَا هم الْمُشْركُونَ ، وَإِنَّمَا دم أحدهم كَدم كلب . قَالَ : ويدني قَائِم السَّيْف مِنْهُ . قَالَ : رَجَوْت أَن يَأْخُذ السَّيْف فَيضْرب بِهِ أَبَاهُ . قَالَ : فضن الرجل بِأَبِيهِ الحَدِيث بِطُولِهِ . فَائِدَة : أَبُو بَصِير بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ، وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة ، اسْمه : عتبَة بن أسيد - بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين - حَلِيف بني زهرَة . و أَبُو جندل بِفَتْح الْجِيم ، وَإِسْكَان النُّون ، اسْمه القَاضِي عَلّي . كَمَا قَالَه الرّبيع بن بكار وَغَيره . والجندل مَعْنَاهُ فِي اللُّغَة الْحجر ، وَجمعه جنادل . و يرسف بالراء وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي : يمشي فِي الْقُيُود ، يُقَال : رَسَفَ يَرْسُف ويرسِف - بِالضَّمِّ وَالْكَسْر - ورسفْا - بِالسُّكُونِ - ورَسَفَانًا .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هادن قُريْشًا بِالْحُدَيْبِية عشر سِنِين ، وَكَانَ قد خرج ليعتمر لَا بأهبة الْقِتَال ، وَكَانَ بِمَكَّة مستضعفون ، فَأَرَادَ أَن يظهروا وَيكبر الْمُسلمُونَ . هَذَا الحَدِيث هُوَ بعض من الحَدِيث الأول ، وَقد نبهنا هُنَاكَ عَلَى من خرجه .
الحَدِيث الثَّالِث أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هادن صَفْوَان بن أُميَّة أَرْبَعَة أشهر ، فَأسلم قبل مُضِيّ الْمدَّة . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي كَذَلِك ، وَقد ذكرنَا فِي بَاب نِكَاح الْمُشرك أَنه عَلَيْهِ السَّلَام ستره شَهْرَيْن لَيْسَ إِلَّا ، قَالَ الشَّافِعِي : وَقَول الله - تَعَالَى - : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ كَانَ عِنْد منصرف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من تَبُوك فِي أول الْأَمر ، يَعْنِي فَيجوز أَكثر من ذَلِك ، كَمَا تقدم فِي قصَّة الْحُدَيْبِيَة .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما بلغه تَأَلُّبُ الْعَرَب ، واجتماع الْأَحْزَاب ، قَالَ للْأَنْصَار : إِن الْعَرَب قد كالبتكم ورمتكم عَن قَوس وَاحِدَة ، فَهَل ترَوْنَ أَن ندفع شَيْئا من ثمار الْمَدِينَة إِلَيْهِم ؟ قَالُوا : يَا رَسُول الله ، إِن قلت عَن وَحي فَسمع وَطَاعَة ، وَإِن قلت عَن رأيٍ فرأيك مُتبع ، كُنَّا لَا ندفع إِلَيْهِم ثَمَرَة إِلَّا بِشِرًى أَو قِرًى وَنحن كفار ، فَكيف وَقد أعزنا الله بِالْإِسْلَامِ ؟ ! فسر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بقَوْلهمْ . هَذَا الحَدِيث ذكره ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة قَالَ : حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَمن لَا أتهم ، عَن مُحَمَّد بن مُسلم بْن عبيد الله الزُّهْرِيّ قَالَ : لما اشْتَدَّ عَلَى النَّاس الْبلَاء بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى عُيَيْنَة بن حصن بن حُذَيْفَة بن بدر ، وَإِلَى الْحَارِث بْن عَوْف بن أبي حَارِثَة المري - وهما قائدا غطفان - فَأَعْطَاهُمَا ثلث ثمار الْمَدِينَة عَلَى أَن يرجعا بِمن مَعَهُمَا عَنهُ وَعَن أَصْحَابه ، فَجَرَى بَينه وَبَينهمَا الصُّلْح حَتَّى كتبُوا الْكتاب ، وَلم تقع الشَّهَادَة وَلَا عَزِيمَة الصُّلْح إِلَّا المراوضة فِي ذَلِك ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يفعل ذَلِك بعث إِلَى سعد بن معَاذ ، وَسعد بن عبَادَة ، فَذكر ذَلِك لَهما ، واستشارهما فِيهِ ، فَقَالَا لَهُ : يَا رَسُول الله ، أمرا تحبه فنصنعه أم شَيْئا أنزل الله لا بد لنا من الْعَمَل ، أم شَيْئا تَصنعهُ لنا ؟ قَالَ : بل شَيْء أصنعه لكم ، وَالله مَا أصنع ذَلِك إِلَّا أَنِّي رَأَيْت الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة ، وكالبوكم من كل جَانب ، فَأَرَدْت أَن أكسر عَنْكُم من شوكتهم إِلَى أَمر مَا . فَقَالَ لَهُ سعد بْن معَاذ : يَا رَسُول الله ، قد كُنَّا نَحن وَهَؤُلَاء الْقَوْم عَلَى الشّرك بِاللَّه ، وَعبادَة الْأَوْثَان ، لَا نعْبد الله وَلَا نعرفه ، وهم لَا يطمعون أَن يَأْكُلُوا منا ثَمَرَة إِلَّا قرَى أَو بيعا ، أفحين أكرمنا الله بِالْإِسْلَامِ ، وهدانا لَهُ ، وأعزنا بك وَبِه ؛ نعطيهم أَمْوَالنَا ، مَا لنا بِهَذَا من حَاجَة ، وَالله لَا نعطيهم إِلَّا السَّيْف حَتَّى يحكم الله بَيْننَا . قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَأَنت وَذَاكَ . فَتَنَاول سعد الصَّحِيفَة فمحا مَا فِيهَا من الْكتاب ، ثمَّ قَالَ : ليجهدوا علينا . فَأَقَامَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - والمسلمون وعدوهم يحاصروهم . ثمَّ سَاق ابْن إِسْحَاق أحسن سِيَاقَة عَلَى عَادَته ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه بِلَفْظ آخر فَقَالَ : ثَنَا زَكَرِيَّا السَّاجِي ، ثَنَا عقبَة بن سِنَان الدارع ، ثَنَا عُثْمَان بن عُثْمَان الْغَطَفَانِي ، ثَنَا مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : جَاءَ الْحَارِث الْغَطَفَانِي إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، شاطرنا ثَمَر الْمَدِينَة . قَالَ : حَتَّى أَستَأْمر السُّعُود . فَبعث إِلَى سعد بن معَاذ ، وَسعد بن عبَادَة ، وَسعد بْن الرّبيع ، وَسعد بن خَيْثَمَة ، وَسعد ابن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ، فَقَالَ لَهُم : قد علمْتُم أَن الْعَرَب قد رمتكم عَن قَوس وَاحِدَة ، وَأَن الْحَارِث يسألكم أَن تشاطروه ثَمَر الْمَدِينَة ، فَإِن أردتم أَن تدفعوه عامكم هَذَا حَتَّى ينْظرُوا فِي أَمركُم بعد . فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، أَوَحٌي هَذَا من السَّمَاء فالتسليم لأمر الله ، أَو عَن رَأْيك أَو هَوَاك فَرَأَيْنَا تبع لهواك ورأيك ؟ فَإِن كنت إِنَّمَا تُرِيدُ الْإِبْقَاء علينا فوَاللَّه لقد رَأَيْتنَا وإياهم عَلَى سَوَاء ، مَا ينالون مِنْهَا ثَمَرَة إِلَّا بشرَاء أَو قرَى . فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : هَؤُلَاءِ يسمعُونَ مَا تَقولُونَ . قَالَ : غدرت يَا مُحَمَّد . فَقَالَ حسان بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : [ يَا ] جَار من يغدر بِذِمَّة جَاره أبدا فَإِن مُحَمَّدًا لَا يغدر وأمانه [ المرى ] حِين لقيتها كسر الزجاجة صَدعهَا لَا يجْبر إِن تغدروا فالغدر من عاداتكم واللؤم ينْبت فِي أصُول السخبر فَائِدَة : التألب بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوق ، ثمَّ همزَة ، ثمَّ لَام ، ثمَّ بَاء مُوَحدَة : الِاجْتِمَاع . يُقَال : ألب الْإِبِل - بِالتَّخْفِيفِ عَلَى وزن ضرب - إِذا جمعهَا فَهُوَ يألبها - بِضَم الْبَاء وَكسرهَا - وتألبوا إِذا اجْتَمعُوا ، وهم ألب - بِفَتْح الْهمزَة وَكسرهَا - إِذا كَانُوا مُجْتَمعين . قَالَه الْجَوْهَرِي . قَالَ : وَأما كالبتكم فمقتضاه ساررتكم ، فالمكالبة : المساررة . وَكَذَلِكَ التكالب ، تَقول : هم يتكالبون عَلَى كَذَا ، أَي : يتواثبون عَلَيْهِ .
كتاب المهادنة كتاب المهادنة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ عشرَة أَحَادِيث أَحدهَا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام صَالح سُهَيْل بن عَمْرو بِالْحُدَيْبِية عَلَى وضع الْقِتَال عشر سِنِين . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد كَذَلِك - وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من غير ذكر الْمدَّة كِلَاهُمَا من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير ، عَن الْمسور ، ومروان ، وَهُوَ حَدِيث طَوِيل- مُشْتَمل عَلَى أَحْكَام فِي عدَّة وَرَقَات - ذكره فِي الشُّرُوط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالْمَحْفُوظ أَن الْمدَّة كَانَت عشر سِنِين ، وَأما مَا رَوَاهُ عَاصِم بن عمر الْعمريّ ، عَن ابْن دِينَار ، عَن ابْن عُمَيْر وَأَنَّهَا كَانَت أَربع سِنِين فعاصم مِمَّا لَا يُتَابع عَلَيْهِ ، ضعفه يَحْيَى [ و ] البُخَارِيّ وَغَيرهمَا . قلت : وينكر إِذن عَلَى الْحَاكِم كَيفَ أخرجه فِي مُسْتَدْركه ، وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح ، وَكَذَا ابْن السكن كَيفَ أخرجه فِي صحاحه . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَحكي عَن الشّعبِيّ وَغَيره أَنه قَالَ : لم يكن فِي الْإِسْلَام [ فتح ] كصلح الْحُدَيْبِيَة .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هادن قُريْشًا ، ثمَّ أبطل الْعَهْد قبل تَمام الْمدَّة . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك ، فَقيل : نسخت الزِّيَادَة عَلَى أَرْبَعَة أشهر فَلذَلِك أبْطلهُ ، وَالأَصَح أَنَّهَا مَا نسخت ، وَإِنَّمَا أَقَامَ عَلَى الْهُدْنَة سِنِين ، وَإِنَّمَا أبطل الْعَهْد ؛ لِأَنَّهُ وَقع شَيْء بَين حلفاء النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وهم خُزَاعَة ، وَبَين حلفاء قُرَيْش وهم بَنو بكر ، [ فأعانت قُرَيْش حلفاءها ] عَلَى حلفاء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فانتقضت هدنتهم . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما هادن قُريْشًا عَام الْحُدَيْبِيَة دخل بَنو خُزَاعَة عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَبَنُو بكر فِي عهد قُرَيْش ، ثمَّ عدا بَنو بكر عَلَى خُزَاعَة ، وَأَعَانَهُمْ ثَلَاثَة نفر من قُرَيْش ، فَجعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذَلِك نقضا للْعهد ، وَسَار إِلَى مَكَّة وَفتحهَا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن مَرْوَان بن الحكم ، والمسور بن مخرمَة أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ جَمِيعًا [ قَالَا ] : كَانَ فِي صلح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْحُدَيْبِيَة بَينه وَبَين قُرَيْش : أَنه من شَاءَ أَن يدْخل فِي عقد مُحَمَّد وَعَهده دخل ، وَمن شَاءَ أَن يدْخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ دخل . فتواثبت خُزَاعَة فَقَالُوا : نَحن ندخل فِي عقد مُحَمَّد وَعَهده . وتواثبت بَنو بكر فَقَالُوا : نَحن ندخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ . فَمَكَثُوا فِي تِلْكَ الْهُدْنَة نَحْو السَّبْعَة أَو الثَّمَانِية عشر شهرا ، ثمَّ إِن بني بكر الَّذين كَانُوا دخلُوا فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ وَثبُوا عَلَى خُزَاعَة الَّذين دخلُوا فِي عقد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعَهده لَيْلًا بِمَاء لَهُم يُقَال لَهُ : الْوَتِير ، قريب من مَكَّة فَقَالَت [ قُرَيْش ] : مَا يعلم بِنَا مُحَمَّد ، وَهَذَا اللَّيْل وَمَا يَرَانَا أحد . فأعانوهم عَلَيْهِم بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاح ، فقاتلوهم مَعَهم لِلضِّغْنِ عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِن عَمْرو بن سَالم ركب إِلَى رَسُول الله عِنْدَمَا كَانَ من أَمر بني خُزَاعَة ، وَبني بكر بالْوَتِير حَتَّى قدم الْمَدِينَة عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُخبرهُ الْخَبَر ، وَقد قَالَ أَبْيَات شعر ، فَلَمَّا قدم عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أنْشدهُ إِيَّاهَا : اللَّهُمَّ إِنِّي نَاشد مُحَمَّدًا حلف أَبينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا كُنَّا والدا وَكنت ولدا ثمت أسلمنَا وَلم ننزع يدا فانصر رَسُول الله نصرا عتدَا وَادعوا [ عباد ] الله [ يَأْتُوا مدَدا ] فيهم رَسُول الله قد تجردا إِن سيم خسفا وَجهه تربدا فِي [ فيلق ] كالبحر يجْرِي مزبدا إِن قُريْشًا (أخْلفُوا) الْمَوْعِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقك الْمُؤَكَّدَا وَزَعَمُوا أَن لست أَدْعُو أحدا فهم أذلّ وَأَقل عددا قد جعلُوا إِلَى بكداك المرصدا هم بَيَّتُونَا بالْوَتِير هُجَّدا فَقَتَلُونَا ركعا وَسجدا فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : نصرت يَا عَمْرو بن سَالم ، فَمَا برح حَتَّى مرت (غمامة) فِي السَّمَاء ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن هَذِه السحابة تستهل بنصر بني كَعْب . وَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - النَّاس بالجهاز وكتمهم مخرجه ، وَسَأَلَ الله أَن يعمي عَلَى قُرَيْش خَبره ، حَتَّى يبغتهم فِي بِلَادهمْ . وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَيْضا من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة : أَن أَبَا بكر قَالَ لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : تُرِيدُ قُريْشًا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : أَلَيْسَ بَيْنك وَبينهمْ مُدَّة ؟ ! قَالَ : ألم يبلغك مَا صَنَعُوا ببني كَعْب ؟ وَأذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي النَّاس بالغزو . وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر قَالَ : كَانَت خُزَاعَة حلفاء لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَت بَنو بكر رهطًا من بني كنَانَة حلفاء لأبي سُفْيَان . قَالَ : وَكَانَت بَينهم موادعة أَيَّام الْحُدَيْبِيَة ، فأغارت بَنو بكر عَلَى خُزَاعَة فِي تِلْكَ الْمدَّة ، فبعثوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يشهدونه) ، فَخرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ممدًّا لَهُم فِي شهر رَمَضَان ، فصَام حَتَّى بلغ قديدًا ، ثمَّ أفطر ، وَقَالَ : ليصم النَّاس فِي السّفر ويفطروا ، فَمن صَامَ أَجْزَأَ عَنهُ صَوْمه ، وَمن أفطر وَجب عَلَيْهِ الْقَضَاء . فَفتح الله مَكَّة ، فَلَمَّا دَخلهَا أسْند ظَهره إِلَى الْكَعْبَة ، ثمَّ قَالَ : كفوا السِّلَاح إِلَّا خُزَاعَة وَبكر ثمَّ سَاق الحَدِيث .
كتاب الْجِزْيَة كتاب الْجِزْيَة ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فاثنان وَعِشْرُونَ حَدِيثا . الحَدِيث الأول عَن بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أَمر أَمِيرا عَلَى جَيش أَو سَرِيَّة أوصاه ، وَقَالَ : إِذا لقِيت عَدوك فادعهم إِلَى الْإِسْلَام ، فَإِن أجابوك فاقبل مِنْهُم ، فَإِن أَبَوا فسلهم الْجِزْيَة ، فَإِن أَبَوا فَاسْتَعِنْ بِاللَّه وَقَاتلهمْ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَقد سلف بِطُولِهِ فِي الْبَاب قبله ، وَهُوَ الحَدِيث الْحَادِي عشر مِنْهُ .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يجْتَمع دينان فِي جَزِيرَة الْعَرَب . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من رِوَايَة عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : آخر مَا عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن قَالَ : لَا يترك بِجَزِيرَة الْعَرَب دينان ، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي حَكِيم أَنه سمع مُسلم بن عبد الْعَزِيز يَقُول : بَلغنِي أَنه كَانَ من آخر مَا تكلم بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن قَالَ : قَاتل الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد ، لَا يبْقين دينان بِأَرْض الْعَرَب ، قَالَ مَالك : وَعَن ابْن شهَاب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يجْتَمع دينان فِي جَزِيرَة الْعَرَب ، قَالَ ابْن شهَاب : ففحص عَن ذَلِك عمر بن الْخطاب حَتَّى أَتَاهُ الثَّلج وَالْيَقِين عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : لَا يجْتَمع دينان فِي جَزِيرَة الْعَرَب ، فَأَجْلَى يهود خَيْبَر ، قَالَ مَالك : وَقد أجلى عمر بن الْخطاب أَيْضا يهود نَجْرَان وفدك .
الحَدِيث الثَّانِي عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ لِمعَاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما بَعثه إِلَى الْيمن : إِنَّك سترد عَلَى قوم أَكْثَرهم أهل الْكتاب ، فاعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام ، فَإِن امْتَنعُوا فاعرض عَلَيْهِم الْجِزْيَة ، وَخذ من كل حالم دِينَارا ، فَإِن امْتَنعُوا فَقَاتلهُمْ . هَذَا الحَدِيث ذكره الْغَزالِيّ فِي وسيطه كَذَلِك ، وَكَأن الرَّافِعِيّ تبعه فِي إِيرَاده ، وَلَا أعرفهُ مرويًّا عَلَى الْوَجْه الْمَذْكُور ، وَكَذَا قَالَ [ ابْن ] الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط ، وَالْمَعْرُوف فِيهِ عَن معَاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم ( لما وَجهه إِلَى الْيمن أمره أَن يَأْخُذ من كل حالم دِينَارا ، أَو عدله من المعافر - ثِيَاب تكون بِالْيمن ، كَذَلِك رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَالْحَاكِم وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن . وَذكر أَن بَعضهم رَوَاهُ مُرْسلا وَأَنه أصح ، وَأعله ابْن حزم بالانقطاع وَقَالَ : لم يسمع مَسْرُوق من معَاذ . وَكَذَا قَالَ عبد الْحق : يرويهِ مَسْرُوق بن الأجدع ، عَن معَاذ . ومسروق هَذَا لم يلق معَاذًا ، وَلَا ذكر من حَدثهُ عَن معَاذ ، ذكره ابْن عبد الْبر وَغَيره ، وَفِي بعض نسخ أبي دَاوُد أَن هَذَا حَدِيث مُنكر . قَالَ : وَبَلغنِي عَن أَحْمد أَنه كَانَ يُنكر هَذَا الحَدِيث إنكارًا شَدِيدا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنَّمَا الْمُنكر رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن مَسْرُوق عَن معَاذ ، فَأَما رِوَايَة الْأَعْمَش ، عَن أبي وَائِل ، عَن مَسْرُوق ، فَإِنَّهَا مَحْفُوظَة قد رَوَاهَا عَن الْأَعْمَش جمَاعَة مِنْهُم : سُفْيَان الثَّوْريّ ، وَشعْبَة ، وَمعمر ، وَجَرِير ، وَأَبُو عوَانَة ، وَيَحْيَى بن سعيد ، وَحَفْص بن غياث ، وَقَالَ بَعضهم : عَن معَاذ ، وَقَالَ بَعضهم : إِن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما بعث معَاذًا إِلَى الْيمن ، أَو مَا فِي مَعْنَاهُ . وَأما حَدِيث الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم فَالصَّوَاب عَن الْأَعْمَش ، عَن [ شَقِيق ] ، عَن مَسْرُوق ، [ وَالْأَعْمَش ] عَن إِبْرَاهِيم قَالَا : قَالَ معَاذ الحَدِيث ، هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ : حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي وَائِل [ شَقِيق ] بن سَلمَة ، عَن مَسْرُوق ، وَحَدِيثه عَن إِبْرَاهِيم مُنْقَطع لَيْسَ فِيهِ ذكر مَسْرُوق ، وَقد رَوَيْنَاهُ عَن عَاصِم بن أبي النجُود ، عَن أبي وَائِل ، عَن مَسْرُوق ، عَن معَاذ .
الحَدِيث الْعَاشِر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : لَئِن عِشْت إِلَى قَابل لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَزَاد فِي آخِره : حَتَّى لَا أدع فِيهَا إِلَّا مُسلما ، ثمَّ عزاهُ إِلَى صَحِيح مُسلم ، وَكَذَا عزاهُ من الْمُتَأَخِّرين ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد ، وَأَرَادَ أَصله ، فَإِنَّهُ فِيهِ من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابِرا يَقُول : أَخْبرنِي عمر بن الْخطاب أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى لَا أدع فِيهَا إِلَّا مُسلما . وَلَيْسَ فِيهَا : لَئِن عِشْت . وَأخرجه أَحْمد بِلَفْظ : لَئِن عِشْت لأخْرجَن الْيَهُود والنصارى من جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى لَا أترك فِيهَا إِلَّا مُسلما . قَالَ الشَّافِعِي : كَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام وقف عَلَى الْحَال حِين قَالَ : لَئِن عِشْت فَلم يَعش صلى الله عليه وسلم إِلَى قَابل ، وَلم يتفرغ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لإخراجهم لقصر مدَّته ، واشتغاله بِقِتَال أهل الرِّدَّة ومانعي الزَّكَاة ، فَأخْرجهُمْ عمر بعد صدر من خِلَافَته فَيُقَال : إِنَّه أخرج من الْيَهُود زُهاء أَرْبَعِينَ ألفا ، وَإِن بَعضهم الْتحق بأطراف الشَّام ، وَبَعْضهمْ بأطراف الْكُوفَة .
الحَدِيث الثَّالِث أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر فَأَخَذُوهُ فَأتوا بِهِ ، فحقن دَمه ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَة . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق أنس بن مَالك ، وَعُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر دومة ، فَأَخَذُوهُ وَأتوا بِهِ ، فحقن لَهُ دَمه ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَة . وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد عنعنة ابْن إِسْحَاق ، وَإِنَّمَا حسنا حَدِيثه هَذَا ؛ لِأَنَّهُ صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي طَرِيق آخر ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيثه فَقَالَ : حَدثنِي يزِيد بن رُومَان ، وَعبد الله بن أبي بكر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أكيدر بن عبد الْملك - رجل من كِنْدَة كَانَ ملكا عَلَى دومة ، وَكَانَ نَصْرَانِيّا - فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لخَالِد : إِنَّك ستجده يصيد الْبَقر ، فَخرج [ خَالِد ] حَتَّى إِذا كَانَ من حصنه منظر الْعين ، وَفِي لَيْلَة مُقْمِرَة صَافِيَة وَهُوَ عَلَى سطح ، وَمَعَهُ امْرَأَته ، فَأَتَت الْبَقر تحك بقرونها بَاب الْقصر ، فَقَالَت لَهُ امْرَأَته : هَل رَأَيْت مثل هَذَا قطّ ؟ ! قَالَ : لَا وَالله . قَالَت : فَمن يتْرك مثل هَذَا ؟ قَالَ : لَا أحد ، فَنزل ، فَأمر بفرسه فأسرج وَركب مَعَه نفر من أهل بَيته ، فيهم أَخ لَهُ يُقَال لَهُ : حسان ، فَخَرجُوا مَعَه بمطاردهم - فلقيتهم خيل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأَخَذته وَقتلُوا أَخَاهُ حسان ، وَكَانَ عَلَيْهِ قبَاء ديباج مخوص بِالذَّهَب ، فاستلبه إِيَّاه خَالِد بن الْوَلِيد ، فَبعث بِهِ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قبل قدومه عَلَيْهِ ، ثمَّ إِن خَالِدا قدم بالأكيدر عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فحقن لَهُ دَمه ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَة ، وخلى سَبيله ، فَرجع إِلَى قريته . فَائِدَة : أكيدر بِضَم الْهمزَة تَصْغِير أكدر ، وَهُوَ الَّذِي فِي لَونه كدرة ، وَفِي دومة ثَلَاث لُغَات : دومة ، ودمة ، ودوما وَهِي من بِلَاد الشَّام ، قَالَ الْحَازِمِي فِي المؤتلف والمختلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : دُوما بِضَم الدَّال - وَيُقَال : بِفَتْحِهَا - : دومة الجندل فِي أَرض الشَّام ، وَبَينهَا وَبَين دمشق خمس لَيَال ، وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة خمس عشرَة لَيْلَة ، وصاحبها أكيدر . فَائِدَة : يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَن الْجِزْيَة لَا تخْتَص بالعجم ؛ لِأَن أكيدر دومة عَرَبِيّ من غَسَّان ، وَقيل : من كِنْدَة ، وَيُقَال : إِنَّه أسلم ثمَّ ارْتَدَّ إِلَى النَّصْرَانِيَّة ، فَقتل عَلَى نصرانيته .
الحَدِيث الْحَادِي عشر عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَوْصَى فَقَالَ : أخرجُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث سعيد بن جُبَير عَنهُ أَنه قَالَ : اشْتَدَّ الوجع برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَوْصَى عِنْد مَوته بِثَلَاث : أخرجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب ، وأجيزوا الْوَفْد بِنَحْوِ مَا كنت أجيزهم ، ونسيت الثَّالِثَة . فَائِدَة : قيل : الثَّالِثَة تجهيز أُسَامَة . وَقيل : لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وثنًا ، حَكَاهُمَا الْمُنْذِرِيّ . قَالَ : فِي الْمُوَطَّأ مَا يُشِير إِلَى الثَّانِي .
الحَدِيث السَّادِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لِمعَاذ : خُذ من كل حالم دِينَارا . هَذَا الحَدِيث سلف فِي أول الْبَاب وَاضحا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكتب عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن لَا يَأْخُذُوا الْجِزْيَة من النِّسَاء وَالصبيان . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من طَرِيق زيد بن أسلم عَنهُ ، أَنه كتب إِلَى أُمَرَاء أهل الْجِزْيَة أَن لَا يضْربُوا الْجِزْيَة إِلَّا عَلَى من جرت عَلَيْهِ الموسى ، قَالَ : وَكَانَ لَا يضْرب الْجِزْيَة عَلَى النِّسَاء وَالصبيان ، قَالَ يَحْيَى بن آدم : وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَصْحَابنَا ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : رَوَاهُ نَافِع ، عَن أسلم ، عَن عمر ، وَرَوَاهُ الثَّوْريّ ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر . قلت : فَأَيّهمَا الصَّحِيح ؟ قَالَ : الثَّوْريّ حَافظ ، وَأهل الْمَدِينَة أعلم بِحَدِيث نَافِع من أهل الْكُوفَة . وَفِي رِوَايَة للبيهقي ، عَن أسلم أَيْضا قَالَ : كتب عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَى أُمَرَاء الْجِزْيَة أَن لَا يضعوا الْجِزْيَة إِلَّا عَلَى من جرت عَلَيْهِ المواسي ، وَلَا يضعوا عَلَى النِّسَاء وَالصبيان ، وَكَانَ عمر يخْتم أهل الْجِزْيَة فِي أَعْنَاقهم .
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن جَابر ، عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب ، وَلَا أدع أَن ينزلها إِلَّا مُسلم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم ، وَقد سلف أَيْضا .
الحَدِيث الرَّابِع قَالَ الرَّافِعِيّ : لَو قَالَ الإِمَام أَو الْوَالِي : أقركم مَا شِئْت . قَالَ الإِمَام : من لم يمْنَع التَّأْقِيت بِالْوَقْتِ الْمَعْلُوم لم يمْنَع هَذَا ، وَمن منع [ ذَلِك ] اخْتلفُوا فِي هَذَا ، وَسبب الِاخْتِلَاف مَا رُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لأهل الْكتاب فِي جَزِيرَة الْعَرَب : أقركم مَا أقركم الله . وَالْوَجْه منع هَذَا منا ، وَحمل قَول النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى توقع النّسخ وانتظار الْوَحْي ، وَحَكَى صَاحب الْوَجِيز نَحْو هَذَا ، وَالَّذِي أوردهُ غَيرهمَا أَن قَوْله : أقركم مَا أقركم الله جَرَى فِي المهادنة حِين وادع يهود خَيْبَر لَا فِي عقد الذِّمَّة ، وَأَنه لَو قَالَ غير النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أقركم [ مَا أقركم ] الله ، أَو هادنتكم إِلَى أَن يَشَاء الله لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام يعلم مَا عِنْد الله بِالْوَحْي بِخِلَاف غَيره . انْتَهَى . وَالْأَمر كَمَا قَالَ غير الإِمَام ، وَمن تبعه ؛ فَفِي الْمُوَطَّأ و مُسْند الشَّافِعِي عَنهُ [ عَن ابْن شهَاب ] ، عَن سعيد بن الْمسيب : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ ليهود خَيْبَر يَوْم افْتتح خَيْبَر : أقركم مَا أقركم الله عَلَى أَن الثَّمر بَيْننَا وَبَيْنكُم . قَالَ : وَكَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يبْعَث [ عبد الله بن ] رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ فيخرص بَينه وَبينهمْ ، ثمَّ يَقُول : إِن شِئْتُم فلكم ، وَإِن شِئْتُم فلي ، فَكَانُوا يأخذونه ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن عمر أجلى الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْحجاز ، وَأَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما ظهر عَلَى خَيْبَر أَرَادَ إِخْرَاج [ الْيَهُود ] مِنْهَا ، فَسَأَلت الْيَهُود رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يقرهم بهَا ، عَلَى أَن يكفوا الْعَمَل وَلَهُم نصف الثَّمر ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : نقركم بهَا عَلَى ذَلِك مَا شِئْنَا ، فقروا بهَا ، حَتَّى أجلاهم عمر فِي إمارته إِلَى تيماء وأريحاء . وَفِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَيْضا قَالَ : لما فَدَع أهل خَيْبَر عبد الله بن عمر قَامَ عمر خَطِيبًا ، فَقَالَ : [ إِن ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (كَانَ) عَامل أهل خَيْبَر عَلَى أَمْوَالهم ، وَقَالَ : نقركم مَا أقركم الله وَذكر الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : آخر مَا تكلم بِهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن قَالَ : أخرجُوا الْيَهُود من الْحجاز ، وَأهل نَجْرَان من جَزِيرَة الْعَرَب . أخرجه أَحْمد ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَلَفْظهمَا عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ : آخر مَا تكلم بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أخرجُوا يهود أهل الْحجاز ، وَأهل نَجْرَان من جَزِيرَة الْعَرَب ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي كتاب التَّمْيِيز أَيْضا . فَائِدَة : نَجْرَان بِفَتْح أَوله ، وَإِسْكَان ثَانِيه : مَدِينَة بالحجاز من شقّ (الْيمن) مَعْرُوفَة . قَالَه الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه ، قَالَ الْحَازِمِي فِي مؤتلفه : وَهِي من مخاليف مَكَّة من جنوب الْيمن . قَالَ الْبكْرِيّ : وَسميت بِنَجْرَان بن زيد بن يشجب بن يعرب ، وَهُوَ أول من نزلها ، وَأطيب الْبِلَاد نَجْرَان من الْحجاز ، وَصَنْعَاء من الْيمن ، ودمشق من الشَّام ، والري من خُرَاسَان .
الحَدِيث الثَّامِن عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه كَانَ لَا يَأْخُذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس حَتَّى شهد لَهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ الْجِزْيَة من مجوس هجر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة [ بجالة ] بن عَبَدة الْبَصْرِيّ - وَيُقَال : الْمَكِّيّ - قَالَ : كنت كَاتبا لجزء بن مُعَاوِيَة عَم الْأَحْنَف بن قيس (آنِفا) ، فجاءنا كتاب عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قبل مَوته بِسنة (اقْتُلُوا [ كل ] سَاحر) ، وَفرقُوا بَين كل ذِي محرم من الْمَجُوس ، وَلم يكن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس حَتَّى شهد الحَدِيث . فَائِدَة : هجر هَذِه هِيَ هجر الْبَحْرين ، قَالَ الْحَازِمِي : بَين هجر الْبَحْرين ، وسِرَّين سَبْعَة أَيَّام ، وَقَالَ الْجَوْهَرِي : هجر اسْم بلد مُذَكّر مَعْرُوف . قَالَ : وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا هاجري ، وَقَالَ الزجاجي فِي الْجمل : هجر تذكر وتؤنث . تَنْبِيه : حَدِيث أبي دَاوُد ، عَن ابْن عَبَّاس ، أَن رَسُول الله قَضَى فيهم بِالْإِسْلَامِ أَو الْقَتْل ضَعِيف ؛ لِأَن فِيهِ [ قُشَيْر ] بن عَمْرو ، وَهُوَ مَجْهُول الْحَال . فَائِدَة أُخْرَى : قَالَ الرَّافِعِيّ : يهود خَيْبَر كغيرهم فِي ضرب الْجِزْيَة ، وَسُئِلَ ابْن سُرَيج فِيمَا يدَّعونه أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كتب لَهُم كتابا بإسقاطها ، فَقَالَ : لم ينْقل ذَلِك أحد من الْمُسلمين . قَالَ ابْن الصّباغ : وَفِي زَمَاننَا هَذَا أظهرُوا كتابا ، وَذكروا أَنه بِخَط عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَأَنه كتب عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَبَان تزويرهم وكذبهم فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهِ شَهَادَة سعد بن معَاذ وَمُعَاوِيَة ، وتاريخه بعد موت سعد ، وَقبل إِسْلَام مُعَاوِيَة . وَفِي الْبَحْر أَن ابْن أبي هُرَيْرَة أسقط الْجِزْيَة عَنْهُم ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام ساقاهم وجعلهم بذلك حولا ، وَلِأَنَّهُ قَالَ : أقركم مَا أقركم الله فَأَمنَهُمْ بذلك ، وَهَذَا شَيْء تفرد بِهِ ، وَأَيْضًا [ فَإِنَّهَا ] مُعَاملَة لَا تقتضي إِسْقَاط الْجِزْيَة . وَقَوله : أقركم أَي بالجزية .
الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَالح أهل نَجْرَان عَلَى أَن لَا يَأْكُلُوا الرِّبَا ، فنقضوا الْعَهْد وأكلوه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : صَالح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أهل نَجْرَان عَلَى ألفي حُلة ، النّصْف فِي صفر ، وَالنّصف فِي رَجَب ، يؤدونها إِلَى الْمُسلمين وعارية ثَلَاثِينَ درعًا ، وَثَلَاثِينَ فرسا ، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا ، وَثَلَاثِينَ من كل صنف من أَصْنَاف السِّلَاح يغزون بهَا ، والمسلمون ضامنون لَهَا حَتَّى يردوها عَلَيْهِم إِن كَانَ بِالْيمن كيدُ أَو غُدرة ، عَلَى أَن لَا تهدم لَهُم بيعَة ، وَلَا يخرج لَهُم قس ، وَلَا يفتنوا عَن دينهم مَا لم يحدثوا حَدثا ، أَو يَأْكُلُوا الرِّبَا . قَالَ إِسْمَاعِيل : فقد أكلُوا الرِّبَا . وَإِسْمَاعِيل هَذَا هُوَ السُدي الْكَبِير ، وَفِيه مقَال ، قَالَ أَبُو حَاتِم : لَا يحْتَج بِهِ ، وَقَالَ ابْن معِين : فِي حَدِيثه ضعف ، وَقَالَ ابْن مهْدي : ضَعِيف . وذمه الشّعبِيّ فِي التَّفْسِير ، ورماه بَعضهم بِالْكَذِبِ ، وَبَعْضهمْ بالتشيع . وَقَالَ أَحْمد : هُوَ ثِقَة ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان : لَا بَأْس بِهِ ، مَا رَأَيْت أحدا يذكرهُ إِلَّا بِخَير ، وَمَا تَركه أحد ، وَقَالَ ابْن عدي : هُوَ عِنْدِي صَدُوق . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لين . قلت : وَفِيه عِلّة ، وَهِي أَن [ فِي ] سَماع السّديّ من ابْن عَبَّاس نظر ؛ كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ ، وَإِنَّمَا قيل : إِنَّه رَآهُ ، وَرَأَى ابْن عمر ، وَسمع من أنس . فَائِدَة : الكيدُ الْمَذْكُور فِي الحَدِيث : الْحَرْب . والبيعة - بِكَسْر الْبَاء - لِلنَّصَارَى أَو للْيَهُود أَو كَنِيسَة أهل الْكتاب ، أَقْوَال حكاهن الْمُنْذِرِيّ . والقس - بِفَتْح الْقَاف ، وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة - والقسيسين - بِكَسْرِهَا وَتَشْديد السِّين - : رَئِيس النَّصَارَى فِي الدَّين وَالْعلم .
الحَدِيث الْخَامِس فِي الحَدِيث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول لمن يؤمِّره : إِذا لقِيت عَدوك من الْمُشْركين فادعهم إِلَى الْإِسْلَام ، فَإِن أجابوك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم ، وَإِن أَبَوا فادعهم إِلَى إِعْطَاء الْجِزْيَة ، فَإِن أجابوك فاقبل مِنْهُم . هَذَا الحَدِيث هُوَ حَدِيث بُرَيْدَة ، وَقد تقدم أول الْبَاب .
الحَدِيث الْخَامِس عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ من مجوس هجر ثَلَاثمِائَة دِينَار ، وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة نفر . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من خرجه كَذَلِك ، ويغني عَنهُ مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، و خلافياته عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : سَأَلت مُحَمَّد بن خَالِد ، وَعبد الله بن عَمْرو بن مُسلم ، وعددًا من عُلَمَاء أهل الْيمن ، وَكلهمْ يَحْكِي لي عَن عدد مضوا قبلهم كلهم ثِقَة ، يحكون عَن عدد مضوا قبلهم كلهم ثِقَة ، أَن صلح النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ لأهل ذمَّة الْيمن عَلَى دِينَار لكل سنة ، وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ عقب حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قبل هَذَا عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : قد سَمِعت بعض أهل الْعلم من الْمُسلمين ، وَمن أهل الذِّمَّة من أهل نَجْرَان يذكر أَن قيمَة مَا أَخذ من كل وَاحِد أَكثر من دِينَار .
الْأَثر السَّادِس : يرْوَى أَن جمَاعَة من أهل الذِّمَّة أَتَوا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالُوا : إِن الْمُسلمين إِذا مروا بِنَا كلفونا ذَبَائِح الْغنم والدجاج . فَقَالَ : أطعموهم مِمَّا تَأْكُلُونَ وَلَا تزيدوهم عَلَيْهِ . وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ ، وَفِي علل ابن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث (يزِيد) بن صعصعة ، قلت لِابْنِ عَبَّاس : إِنَّا ننزل بِأَهْل الذِّمَّة فمنا من تذبح لَهُ الشَّاة ، وَمنا من تذبح لَهُ الدَّجَاج ، وَإِن استفتحنا فَلم يفتح لنا كسرنا الْبَاب . قَالَ : فَكيف تَقولُونَ فِي ذَلِك ؟ قَالَ : منا من لَا يرَى بذلك بَأْسا ، قَالَ : أَنْتُم تَقولُونَ كَمَا قَالَ أهل الْكتاب لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس : لَا يحل لكم أَن تَأْكُلُوا من أَمْوَال أهل الذِّمَّة إِلَّا بِطيب نَفْس مِنْهُم ، وكلوا مَا أكلْتُم بِثمن ، فَقَالَ : الصَّحِيح صعصعة بن يزِيد . وَرَوَاهُ شُعْبَة معكوسًا فَأَخْطَأَ ، قَالَ : وَخطأ شُعْبَة أَكْثَره فِي أَسمَاء الرِّجَال - يَعْنِي الروَاة .
الْأَثر الثَّانِي عشر : عَن عمر أَيْضا أَنه شَرط عَلَى أهل الذِّمَّة من أهل الشَّام أَن يركبُوا عرضا عَلَى الأكف . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال عَن عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي ابْن مهْدي - عَن عبد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن أسلم أَن عمر بن الْخطاب أَمر فِي أهل الذِّمَّة أَن تجز نواصيهم ، وَأَن يركبُوا عَلَى الأكف ، وَأَن يركبُوا عرضا ، وَلَا يركبون كَمَا يركبَ الْمُسلمُونَ ، وَأَن يُوثقُوا المناطق . قَالَ أَبُو عبيد : يَعْنِي الزنانير ، ثمَّ رَوَى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز مثله . وَالْمرَاد بالركوب عرضا أَن يَجْعَل الرَّاكِب رجلَيْهِ من جَانب وَاحِد ، كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ .
الْأَثر الْعَاشِر وَالْحَادِي عشر : عَن عمر ، وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يُمكن أهل الذِّمَّة من إِحْدَاث بيعَة فِي بِلَاد الْمُسلمين . أما أثر عمر ؛ فقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حرَام بن مُعَاوِيَة قَالَ : كتب إِلَيْنَا عمر : أَن أدبوا الْخَيل ، وَلَا ترفعن بَين ظهرانيكم الصَّلِيب ، وَلَا تجاورنكم الْخَنَازِير ، وَرَوَى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث يَحْيَى بن عقبَة بن أبي الْعيزَار - وَهُوَ ضَعِيف ، وَإِن سكت عبد الْحق عَلَى إِسْنَاده - عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره ، عَن طَلْحَة بن مصرف ، عَن مَسْرُوق ، عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم . أَنبأَنَا بِهِ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، أبنا زَيْنَب بنت مكي وَغَيرهَا ، أبنا ابْن طبرزد ، أبنا ابْن عبد الْبَاقِي ، أبنا ابْن غَالب الْحَرْبِيّ ، أبنا ابْن بَشرَان ، أبنا ابْن السماك ، ثَنَا أَبُو مُحَمَّد عبيد بن مُحَمَّد بن خلف الْبَزَّار [ أبنا ] صَالح بن أبي ثَوْر ، ثَنَا الرّبيع بن ثَعْلَب أَبُو الْفضل ، ثَنَا يَحْيَى بن عقبَة إِلَى عبد الرَّحْمَن بن غنم قَالَ : كتبت لعمر بن الْخطاب حِين صَالح نَصَارَى من أهل الشَّام : بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ، هَذَا كتاب لعبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ من نَصَارَى مَدِينَة كَذَا وَكَذَا ، إِنَّكُم لما قدمتم علينا سألناكم الْأمان لأنفسنا وذرارينا [ وَأَمْوَالنَا ] ، وَأهل ملتنا ، وشرطنا لكم عَلَى أَنْفُسنَا أَن لَا نُحدث فِي مدينتنا وَلَا فِي حولهَا ديرًا وَلَا كَنِيسَة وَلَا [ قلاية ] وَلَا صومعة رَاهِب ، وَلَا نجدد مَا خرب مِنْهَا ، وَلَا نحيي مَا كَانَ مِنْهَا فِي حطط الْمُسلمين ، وَلَا نمْنَع كنائسنا أَن ينزلها أحد من الْمُسلمين فِي ليل وَلَا نَهَار ، ونوسع أَبْوَابهَا للمارة وَابْن السَّبِيل ، وَأَن ننزل من مر بِنَا من الْمُسلمين ثَلَاثَة أَيَّام ونطعمهم ، وَأَن لَا نؤمن فِي كنائسنا ومنازلنا جاسوسًا ، وَلَا نكتم غشًّا للْمُسلمين ، وَلَا نعلم أَوْلَادنَا الْقُرْآن ، وَلَا نظهر شركا ، وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أحدا ، وَلَا نمْنَع أحدا من قرابتنا الدُّخُول فِي الْإِسْلَام إِن أرادوه ، وَأَن نوقر الْمُسلمين ، وَأَن نقوم لَهُم من مجالسنا إِن أَرَادوا جُلُوسًا ، وَلَا نتشبه بهم فِي شَيْء من لباسهم من قلنسوة وَلَا عِمَامَة وَلَا نَعْلَيْنِ وَلَا فرق شعر ، وَلَا نتكلم بكلامهم ، وَلَا نكتني بكناهم ، [ وَلَا نركب السُّرُوج ] ، وَلَا نتقلد السيوف ، وَلَا نتَّخذ شَيْئا من السِّلَاح وَلَا نحمله مَعنا ، وَلَا ننقش خواتمنا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا نبيع الْخُمُور ، وَأَن نجز مقاديم رءوسنا ، وَأَن نلزم زينا حَيْثُمَا كُنَّا ، وَأَن نَشد الزنانير عَلَى أوساطنا ، وَأَن لَا نظهر صلبنًا وكتبنا فِي شَيْء من طرق الْمُسلمين وَلَا أسواقهم ، وَأَن لَا نظهر الصَّلِيب عَلَى كنائسنا ، وَلَا نضرب بناقوس فِي كنائسنا بَين حَضْرَة الْمُسلمين ، وَأَن لَا نخرج سعانينًا وَلَا باعونًا ، وَلَا نرفع أصواتنا مَعَ أمواتنا ، وَلَا نظهر النيرَان مَعَهم فِي شَيْء من طَرِيق الْمُسلمين ، وَلَا نجاوزهم مَوتَانا ، وَلَا نتَّخذ من الرَّقِيق مَا جَرَى عَلَيْهِ [ سِهَام ] الْمُسلمين وَأَن نرشد الْمُسلمين وَلَا نطلع عَلَيْهِم فِي مَنَازِلهمْ . فَلَمَّا أتيت عمر بِالْكتاب زَاد فِيهِ : وَأَن لَا نضرب أحدا من الْمُسلمين ، شرطنا (لكم) ذَلِك عَلَى أَنْفُسنَا وَأهل ملتنا ، وَقَبلنَا (عَنْهُم) الْأمان ، فَإِن نَحن خَالَفنَا شَيْئا فَمَا شرطناه لكم وضمناه عَلَى أَنْفُسنَا فَلَا ذمَّة لنا ، وَقد حل لكم مَا يحل لكم من أهل المعاندة والشقاق . وَرَوَى ابْن عدي عَن عمر رَفعه : لَا تبنى كَنِيسَة فِي الْإِسْلَام ، وَلَا يجدد مَا خرب مِنْهَا ، وَفِي إِسْنَاده سعيد بن سِنَان وَهُوَ ضَعِيف . وَأما أثر ابْن عَبَّاس ؛ فقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث حَنش ، عَن عِكْرِمَة ، عَنهُ أَنه قَالَ : كل مصر مصَّره الْمُسلمُونَ لَا يُبْنَى فِيهِ بيعَة وَلَا كَنِيسَة ، وَلَا يضْرب فِيهِ ناقوس ، وَلَا يُبَاع فِيهِ لحم خِنْزِير ، وَرَوَاهُ عَنهُ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق بِزِيَادَة فِيهِ .
الْأَثر التَّاسِع : عَن عمر أَيْضا أَنه أذن للحربي فِي دُخُول دَار الْإِسْلَام بِشَرْط أَخذ عُشْر مَا مَعَه من أَمْوَال التِّجَارَة . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين ، قَالَ : جعل عمر بن الْخطاب أنس بن مَالك عَلَى صَدَقَة الْبَصْرَة ، فَقَالَ لي أنس بن مَالك : أَبْعَثك عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب ؟ فَقلت : لَا أعمل (لَك) حَتَّى تكْتب لي عهد عمر الَّذِي عهد إِلَيْك . فَكتب (إِلَيّ أَن نَأْخُذ) من أَمْوَال الْمُسلمين ربع الْعشْر ، وَمن أَمْوَال أهل الذِّمَّة إِذا اخْتلفُوا فِيهَا للتِّجَارَة نصف الْعشْر ، وَمن أَمْوَال أهل الْحَرْب الْعشْر ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : من كل أَرْبَعِينَ درهما دِرْهَم ، وَمن أهل الذِّمَّة [ من كل عشْرين دِرْهَمٌ ، وَمِمَّنْ لَا ذمة لَهُ من كل عشرَة دَرَاهِم دِرْهَم . قَالَ : قلت : ] من لَا ذمَّة لَهُ ؟ قَالَ : الرّوم كَانُوا يقدمُونَ الشَّام . وَفِي رِوَايَة لَهُ : خُذ من الْمُسلمين ربع الْعشْر ، وَمن أهل الذِّمَّة نصف الْعشْر ، وَمن لَا ذمَّة لَهُ الْعشْر . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة عَنهُ : أَنه شَرط فِي الْمُسلمين نصف الْعشْر ، وَمن لَا ذمَّة لَهُ الْعشْر . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفِي رِوَايَة عَنهُ أَنه شَرط مَعَ شَرط الْعشْر فِي سَائِر التِّجَارَات . قلت : رَوَى الشَّافِعِي عَن مَالك [ عَن ] ابْن شهَاب ، عَن سَالم ، عَن أَبِيه أَن عمر كَانَ يَأْخُذ من القبط من الْحِنْطَة وَالزَّبِيب نصف الْعشْر ، يُرِيد بذلك أَن يكثر الْحمل إِلَى الْمَدِينَة ، وَيَأْخُذ من القطنية الْعشْر من تجاراتهم . قلت : هُوَ ظَاهر الرِّوَايَات السالفة وَغَيرهَا عَنهُ .
الْأَثر الثَّالِث عشر : عَن عمر أَيْضا أَنه كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن يختموا رِقَاب أهل الذِّمَّة بِخَاتم الرصاص ، وَأَن يجزوا نواصيهم ، وَأَن يشدوا المناطق . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أسلم قَالَ : كتب عمر إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن اختموا رِقَاب أهل الْجِزْيَة فِي أَعْنَاقهم ، وَبَاقِي الْأَثر سلف بَيَانه قَرِيبا ، وَفِي السالف الطَّوِيل أَيْضا قَالَ الرَّافِعِيّ : قَالَ أَبُو عبيد : المناطق هِيَ الزنانير . وَهَذَا أسلفته عَنهُ .
الْأَثر الرَّابِع عشر : أَن نَصْرَانِيّا استكره مسلمة عَلَى الزِّنَا ، فَرفع إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح فَقَالَ : مَا عَلَى هَذَا صالحناكم . وَضرب عُنُقه . وَهَذَا الْأَثر الْمَعْرُوف أَنه من رِوَايَة مجَالد ، عَن الشّعبِيّ ، عَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ : كُنَّا [ مَعَ عمر بن الْخطاب ] أَمِير الْمُؤمنِينَ بِالشَّام فَأَتَاهُ نبطي مَضْرُوب مشجج مستعدى ، فَغَضب غَضبا شَدِيدا ، فَقَالَ لِصُهَيْب : انْظُر من صَاحب هَذَا . فَانْطَلق فَإِذا هُوَ عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ لَهُ : إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد غضب غَضبا شَدِيدا ، فَلَو أتيت معَاذ بن جبل يمشي مَعَك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ ، فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْك بادرته . فجَاء مَعَه معَاذ ، فَلَمَّا انْصَرف عمر من الصَّلَاة قَالَ : أَيْن صُهَيْب ؟ فَقَالَ : هَا أَنا ذَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ . قَالَ : أجئت بِالرجلِ الَّذِي ضربه ؟ قَالَ : نعم . فَقَامَ إِلَيْهِ معَاذ بن جبل فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، إِنَّه عَوْف بن مَالك فاسمع مِنْهُ وَلَا تعجل عَلَيْهِ . فَقَالَ لَهُ عمر : مَا لَك وَلِهَذَا ؟ قَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، رَأَيْته يَسُوق بِامْرَأَة مسلمة فَنَخَسَ الْحمار ليصرعها فَلم تصرع ، ثمَّ دَفعهَا فخرت عَن الْحمار فغشيها فَفعلت مَا ترَى . قَالَ : ائْتِنِي بِالْمَرْأَةِ لتصدقك . فَأَتَى عَوْف الْمَرْأَة فَقَالَ مَا قَالَه عمر ، قَالَ أَبوهَا وَزوجهَا : مَا أردْت بصاحبتنا فضحتها ؟ فَقَالَت الْمَرْأَة : وَالله لأذهبن مَعَه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ . فَلَمَّا أَجمعت عَلَى ذَلِك قَالَ أَبوهَا وَزوجهَا : [ نَحن ] نبلغ عَنْك أَمِير الْمُؤمنِينَ . فَأتيَا فصدقا عَوْف بن مَالك بِمَا قَالَ . قَالَ : فَقَالَ عمر لِلْيَهُودِيِّ : وَالله مَا عاهدناكم عَلَى هَذَا ، فَأمر بِهِ فصلب ، ثمَّ قَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، فوا بِذِمَّة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ، فَمن فعل مِنْهُم هَذَا فَلَا ذمَّة لَهُ . قَالَ سُوَيْد : إِنَّه لأوّل مصلوب رَأَيْته . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تَابعه ابْن أَشوع ، عَن الشّعبِيّ ، عَن عَوْف . وَمِمَّا حذفته من هَذَا الْبَاب مَا ذكره الرَّافِعِيّ [ من ] فتوح بعض الْبِلَاد ، وَهُوَ شهير فِي كتب السّير ؛ فَلذَلِك حذفته ، هَذَا آخِره بِحَمْد الله وَمَنِّه .
الْأَثر الثَّالِث : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : دِينَار الْجِزْيَة اثْنَا عشر درهما . وَهَذَا الْأَثر يرْوَى عَنهُ بِإِسْنَاد ثَابت أَنه قَالَ : هُوَ عشرَة دَرَاهِم . قَالَ : وَوجه ذَلِك التَّقْوِيم باخْتلَاف السّعر .
الْأَثر السَّابِع : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد : أَن لَا يَأْخُذُوا الْجِزْيَة من النِّسَاء وَالصبيان . هَذَا الْأَثر سلف وَاضحا فِي الحَدِيث السَّادِس .
الْأَثر الثَّانِي : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه أجلى الْيَهُود من الْحجاز ، ثمَّ أذن لمن قدم مِنْهُم تَاجِرًا أَن يُقيم ثَلَاثًا . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن نَافِع ، عَن أسلم مولَى عمر عَنهُ . وَقد ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر ، وتكلمنا عَلَيْهِ هُنَاكَ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مَالك أَيْضا بِهِ أَنه ضرب للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس بِالْمَدِينَةِ إِقَامَة ثَلَاث لَيَال يتسوقون بهَا ، ويقضون حوائجهم ، وَلَا يُقيم أحد مِنْهُم فَوق ثَلَاث لَيَال .
الْأَثر الثَّامِن : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه طلب الْجِزْيَة من نَصَارَى الْعَرَب ، وهم : تنوخ ، وبهراء ، وَبَنُو تغلب . فَقَالُوا : نَحن عرب لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجم ، فَخذ منا مَا يَأْخُذ بَعْضكُم من بعض - يعنون الزَّكَاة - فَقَالَ عمر : هَذَا فرض الله عَلَى الْمُسلمين ، فَقَالُوا : زِدْنَا مَا شِئْت بِهَذَا الِاسْم ، لَا باسم الْجِزْيَة ، فرضاهم عَلَى أَن يضعف عَلَيْهِم الصَّدَقَة ، وَقَالَ : هَؤُلَاءِ حمقى رَضوا بِالِاسْمِ وأبوا بِالْمَعْنَى . وَهَذَا الْأَثر ذكره الشَّافِعِي فَقَالَ : قد ذكره حفظَة الْمَغَازِي ، وَسَاقُوا أحسن سِيَاقَة : أَن عمر فَذكره بِمثلِهِ إِلَى قَوْله : الصَّدَقَة . فَائِدَة : قَالَ المطرزي فِي المعرب : بَنو تغلب قوم من مُشْركي الْعَرَب طالبهم عمر بالجزية فَأَبَوا ، فصولحوا عَلَى أَن يُعْطوا الصَّدَقَة مضاعفة فرضوا ، وَقيل : الْمصَالح كرْدُوس التغلبي ، وَقيل : ابْنه دَاوُد . هَكَذَا فِي كتاب الْأَمْوَال لأبي عبيد . قَالَ المطرزي : وَهُوَ أقرب . قَالَ : وَقيل : زرْعَة بن النُّعْمَان ، أَو النُّعْمَان بن زرْعَة .
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة عشر : أَحدهَا : أَن الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أخذُوا الْجِزْيَة من نَصَارَى الْعَرَب . وَهَذَا صَحِيح ، وَقد نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، عَن الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ : قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله [ عَنهُ ] .
الْأَثر الرَّابِع : عَن عمر أَيْضا أَنه ضرب فِي الْجِزْيَة عَلَى الْغَنِيّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما ، وَعَلَى الْمُتَوَسّط أَرْبَعَة وَعشْرين ، وَعَلَى الْفَقِير المكتسب اثْنَا عشر . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ : إِنَّه مُرْسل . رَوَاهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن (عبيد) الثَّقَفِيّ . قَالَ : وضع عمر بن الْخطاب - يَعْنِي فِي الْجِزْيَة - عَلَى رُءُوس الرِّجَال عَلَى الْغَنِيّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما ، وَعَلَى الْمُتَوَسّط أَرْبَعَة وَعشْرين درهما ، وَعَلَى الْفَقِير اثْنَي عشر درهما . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ قَتَادَة عَن أبي مخلد عَن عمر ، وَهُوَ مُرْسل أَيْضا . وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَنهُ أَنه كتب إِلَى أُمَرَاء الأجناد أَن لَا يضع الْجِزْيَة إِلَّا عَلَى من مرت عَلَيْهِ المواسي ، وجزيتهم [ أَرْبَعُونَ ] درهما عَلَى أهل الْوَرق مِنْهُم ، وَأَرْبَعَة دَنَانِير عَلَى أهل الذَّهَب .
الْأَثر الْخَامِس : عَن عمر أَيْضا : أَنه وضع عَلَى أهل الذَّهَب أَرْبَعَة دَنَانِير ، وَعَلَى أهل الْوَرق ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين درهما ، وضيافة ثَلَاثَة أَيَّام لكل من يمر بهم من الْمُسلمين . وَهَذَا الْأَثر تقدم بَيَانه قَرِيبا فِي أثْنَاء الحَدِيث السَّادِس عشر ، لَكِن فِيهِ أَنه وضع عَلَى أهل الْوَرق أَرْبَعِينَ درهما ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأ .
الحَدِيث السَّادِس عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَالح أهل أَيْلَة عَلَى ثَلَاثمِائَة دِينَار - فَكَانُوا ثَلَاثمِائَة رجل - وَعَلَى ضِيَافَة من يمر بهم من الْمُسلمين . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي ، أبنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن أبي الْحُوَيْرِث ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ضرب عَلَى نَصْرَانِيّ بِمَكَّة - يُقَال لَهُ : موهب - دِينَارا كل سنة ، وَأَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ضرب عَلَى نَصَارَى أَيْلَة ثَلَاثمِائَة دِينَار كل سنةٍ ، وَأَن يضيفوا من مر [ بهم من الْمُسلمين ] ثَلَاثًا ، وَأَن لَا يغشوا مُسلما . قَالَ الشَّافِعِي : وأنبأنا إِبْرَاهِيم قَالَ : أبنا إِسْحَاق بن عبد الله أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة ، فَضرب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْمئِذٍ ثَلَاثمِائَة دِينَار كل سنة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا الحَدِيث مُنْقَطع ، والاعتماد فِي ذَلِك عَلَى مَا سَاق بِإِسْنَادِهِ إِلَى الشَّافِعِي : أبنا مَالك ، عَن نافعٍ ، عَن أسلم مولَى عمر بن الْخطاب ، أَن عمر بن الْخطاب ضرب الْجِزْيَة عَلَى أهل الذَّهَب أَرْبَعَة دَنَانِير ، وَعَلَى أهل الْوَرق أَرْبَعِينَ درهما ، وَمَعَ ذَلِك أرزاق الْمُسلمين ، وضيافة ثَلَاثَة أَيَّام ، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ أَيْضا إِلَى الشَّافِعِي : أَنا سُفْيَان بن عيينةٍ ، عَن أبي إسحاقٍ ، عَن حَارِثَة [ بن ] مضرب [ أَن عمر بن الْخطاب ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فرض عَلَى أهل السوَاد ضِيَافَة يَوْم وليلةٍ ، فَمن حَبسه مطر ، أَو مرض أنْفق من مَاله ، قَالَ الشَّافِعِي : حَدِيث أسلم بضيافة ثَلَاثَة أَيَّام أشبه ؛ لِأَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جعل الضِّيَافَة ثَلَاثَة ، وَقد يجوز أَن يكون جعلهَا عَلَى قوم ثَلَاثًا ، وَعَلَى قوم يَوْمًا وَلَيْلَة ، وَلم يَجْعَل عَلَى آخَرين ضِيَافَة ، كَمَا يخْتَلف صلحه لَهُم ، فَلَا يرد بعض الحَدِيث بَعْضًا . فَائِدَة : أَيْلَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الحَدِيث بِفَتْح الْهمزَة ، وَإِسْكَان الْيَاء الْمُثَنَّاة تَحت وَفتح اللَّام : بَلْدَة مَعْرُوفَة فِي طرف الشَّام عَلَى سَاحل الْبَحْر متوسطة بَين الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة ودمشق وَبَلَدنَا مصر ، بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة نَحْو [ خمس عشرَة ] مرحلة ، وَبَينهَا وَبَين دمشق نَحْو [ اثْنَتَا عشرَة ] مرحلة ، وَبَينهَا وَبَين بلدنا مصر نَحْو ثَمَان مراحل . قَالَ صَاحب الْمطَالع : قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هِيَ مَدِينَة بَين الشَّام ، وَقَالَ الْحَازِمِي فِي مؤتلفه : هِيَ بَلْدَة بحريّة ، قيل : هِيَ آخر الْحجاز وَأول الشَّام .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين قَالَ الرَّافِعِيّ : إِذا كذب الْمُسلم عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عمدا ، فَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَنه يكفر ، ويراق دَمه . قَالَ الإِمَام : وَهَذِه زلَّة ، وَلم أر مَا قَالَه لأحدٍ من الْأَصْحَاب ، وَالظَّاهِر أَنه يُعَزّر وَلَا يكفر وَلَا يقتل ، وَمَا رُوِيَ أَن رجلا انْطلق إِلَى طَائِفَة من الْعَرَب ، وَأخْبرهمْ أَنه رَسُولُ رَسُولِ الله إِلَيْهِم فأكرموه ، ثمَّ ظهر الْحَال ، فَأَمرهمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بقتْله ، فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَن الرجل كَانَ كَافِرًا . انْتَهَى كَلَامه . وَهَذَا الحَدِيث ذكره الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي مُقَدّمَة كِتَابه الموضوعات من طرق فِي أول حَدِيث : من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ، قَالَ : وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ ثمانية و ] تسعون نفسا . ثمَّ ذكرهَا بأسانيده . قَالَ : وَهَذِه الطّرق هِيَ سَبَب هَذَا الحَدِيث : أَحدهَا : من طَرِيق ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى قوم فِي جَانب الْمَدِينَة فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمرنِي أَن أحكم فِيكُم برأيي ، وَفِي أَمْوَالكُم ، وَفِي كَذَا وَفِي كَذَا . وَكَانَ خطب امْرَأَة مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَبَوا أَن يزوجوه ، ثمَّ ذهب حَتَّى نزل عَلَى الْمَرْأَة ، فَبَعثه الْقَوْم إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : كذب عَدو الله . ثمَّ أرسل رجلا فَقَالَ : إِن وجدته حيًّا فاقتله ، وَإِن وجدته مَيتا فحرقه بالنَّار . فَانْطَلق فَوَجَدَهُ قد لدغ فَمَاتَ فحرقه بالنَّار ، فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَيْضا قَالَ : كَانَ حَيّ من بني لَيْث من الْمَدِينَة عَلَى ميلين ، وَكَانَ رجل قد خطب مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يزوجوه ، فَأَتَاهُم وَعَلِيهِ حلَّة فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كساني هَذِه الْحلَّة ، وَأَمرَنِي أَن أحكم فِي أَمْوَالكُم ودمائكم ، ثمَّ انْطلق فَنزل عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ يُحِبهَا ، فَأرْسل الْقَوْم إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : كذب عَدو الله ، ثمَّ أرسل رجلا فَقَالَ : إِن وجدته حَيا - وَمَا أَرَاك تَجدهُ حيًّا - فَاضْرب عُنُقه ، وَإِن وجدته مَيتا فأحرقه بالنَّار . قَالَ : فَجَاءَهُ فَوَجَدَهُ قد لدغته أَفْعَى فَمَاتَ فحرقه بالنَّار قَالَ : فَذَلِك قَول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار . قلت : وَأخرج هَذَا الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه عَن يَحْيَى الْحمانِي ، عَن عَلّي بن مسْهر ، عَن صَالح بن حَيَّان ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَى أَن قَالَ : فَنزل عَلَى الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ يخطبها بدل يُحِبهَا . وَصَالح هَذَا ضعَّفه ابْن معِين ، وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِذَاكَ ، وَقَالَ البُخَارِيّ : فِيهِ نظر ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة ، وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد ، وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ غير مَحْفُوظ . الطَّرِيق الثَّانِي : من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب ، عَن عبد الله بن الْحَارِث رَفعه قَالَ : تَدْرُونَ فِيمَن كَانَ الحَدِيث : من كذب عَليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ؟ كَانَ فِي أبي خدعة رجلا أَعْجَبته امْرَأَة من أهل قبَاء ، فطلبها فَلم يقدر عَلَيْهَا ، فَأَتَى السُّوق فَاشْتَرَى حُلة مثل حُلة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ جَاءَ إِلَى الْقَوْم فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَيْكُم ، وَهَذِه حُلة كسانيها ، وَقد أَمرنِي أَن أتخير أَي بُيُوتكُمْ شِئْت فأتضيفه ، فَلَمَّا رَأَوْهُ ينظر بيتوتة اللَّيْل قَالَ بَعضهم لبَعض : وَالله لعهدنا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ نهَى عَن الْفَوَاحِش فَمَا هَذَا ؟ يَا فلَان وَيَا فلَان ، انْطَلقَا فاسألاه عَمَّا جَاءَ بِهِ هَذَا ، فجَاء إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد قَالَ : فاستنظراه حَتَّى اسْتَيْقَظَ ، فَقَالَا : يَا رَسُول الله ، أَتَانَا رَسُولك أَبُو خدعة ، قَالَ : وَمن أَبُو خدعة ؟ قَالَا : زعم أَنَّك أَرْسلتهُ ، وَعَلِيهِ حلتك ، زعم أَنَّك كسوتها إِيَّاه ، فَجِئْنَا نَسْأَلك عَمَّا جَاءَ بِهِ ، فَغَضب حَتَّى احمر وَجهه ، ثمَّ قَالَ : من كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ، ثمَّ قَالَ : يَا فلَان [ و ] يَا فلَان ، انْطَلقَا فأسرعا فَإِن أدركتماه فاقتلاه ، ثمَّ أحرقاه بالنَّار ، وَلَا أراكما إِلَّا ستكفيانه ، فَإِن كفيتماه فَحَرقَاهُ بالنَّار ، فجاءا وَقد ذهب يَبُول ، فَذهب يَأْخُذ مَاء فِي جدول فَخرجت (مِنْهُ) حَيَّة أَو أَفْعَى فَقتلته . الطَّرِيق الثَّالِث : من طَرِيق عَطاء أَيْضا ، عَن عبد الله بن الزبير قَالَ : قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابه : أَتَدْرُونَ مَا تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث من كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ؟ قَالَ : عشق رجل امْرَأَة فَأَتَى أَهلهَا مسَاء فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَعَثَنِي إِلَيْكُم أَن أتضيف فِي أَي بُيُوتكُمْ شِئْت ، قَالَ : وَكَانَ ينْتَظر بيتوتة الْمسَاء ، قَالَ : فَأَتَى رجل مِنْهُم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِن فلَانا يزْعم أَنَّك أَمرته أَن يبيت فِي أَي بُيُوتنَا مَا شَاءَ ، فَقَالَ : كذب ، يَا فلَان ، انْطلق مَعَه ، فَإِن أمكنك الله مِنْهُ فَاضْرب عُنُقه وَأحرقهُ بالنَّار ، وَلَا أَرَاك إِلَّا قد كفيته ، فَلَمَّا خرج الرَّسُول قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ادعوهُ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : إِنِّي كنت أَمرتك أَن تضرب عُنُقه وَأَن تحرقه بالنَّار ، فَإِن أمكنك الله فَاضْرب عُنُقه وَلَا تحرقه بالنَّار ؛ فَإِنَّهُ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا رب النَّار ، وَلَا أَرَاك إِلَّا قد كفيته ، فَجَاءَت السَّمَاء فصبت ، فَخرج ليتوضأ فلسعته أَفْعَى ، فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : هُوَ فِي النَّار . قلت : وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، عَن عَلّي بن عبد الْعَزِيز ، ثَنَا أَبُو نعيم ، ثَنَا أَبُو حَمْزَة ، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد ابن الْحَنَفِيَّة قَالَ : انْطَلَقت مَعَ أبي إِلَى صهر لنا من أسلم ، فَقَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ يَقُول ] : أَرحْنَا بهَا يَا بِلَال . قَالَ : قلت لَهُ : أَنْت سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَغَضب [ وَأَقْبل عَلَى الْقَوْم يُحَدِّثهُمْ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث رجلا إِلَى حَيّ من الْعَرَب ، فَلَمَّا أَتَاهُم قَالَ : إِن ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ أَمرنِي ] أَن أحكم فِي نِسَائِكُم ، فَقَالُوا : إِن كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمرك أَن تحكم فِي نسائنا فَسمع وَطَاعَة لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ [ صدقوه ] وبيتوه ، وبعثوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَقَالُوا ] : إِن فلَانا أَتَانَا فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمرنِي أَن أحكم فِي نِسَائِكُم ، فَإِن كنت أَمرته فَسمع وَطَاعَة ، فَبعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ : اقتله وَأحرقهُ بالنَّار . فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار . أَترَانِي أكذب عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ؟ . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : تفرد بِهِ الْحجَّاج بن الشَّاعِر ، عَن زَكَرِيَّا بن عدي ، عَن عَلّي بن مسْهر ، وَرَوَى سُوَيْد عَن عَلّي قِطْعَة من آخر الحَدِيث . قلت : لَا ؛ فقد رَوَاهُ الْبَغَوِيّ ، عَن يَحْيَى الْحمانِي ، عَن عَلّي بن مسْهر . قَالَ الذَّهَبِيّ : وَرَوَاهُ صَاحب الصارم المسلول من طَرِيق الْبَغَوِيّ ، عَن يَحْيَى الْحمانِي ، عَن عَلّي بن مسْهر وَصَححهُ ، وَلم يَصح بِوَجْه . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .
الحَدِيث السَّابِع عشر يرْوَى فِي الْخَبَر أَن الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجه من حَدِيث أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه جائزته . قَالُوا : وَمَا جائزته يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : يَوْمه وَلَيْلَته ، والضيافة ثَلَاثَة أَيَّام ، فَمَا كَانَ وَرَاء ذَلِك فَهُوَ صَدَقَة عَلَيْهِ ، وَلَا يحل لرجل مُسلم يُقيم عِنْد أَخِيه حَتَّى يؤثمه . قَالُوا : يَا رَسُول الله ، وَكَيف يؤثمه ؟ قَالَ : يُقيم عِنْده وَلَا شَيْء لَهُ يقريه بِهِ . وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه فِي كتاب الْبر والصلة من مُسْتَدْركه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قَالَ: وَقد صحت الرِّوَايَة فِيهِ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ، وأظنهما قد خرجاه . قَالَ : وَعِنْدِي أَن الشَّيْخَيْنِ أهملا حَدِيث أبي شُرَيْح لرِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق ، عَن سعيد المَقْبُري ، عَن أبي هُرَيْرَة ، ثمَّ أخرجه وَذكر لَهُ مُتَابعًا ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ ، فقد أخرجَا حَدِيث أبي شُرَيْح كَمَا سَاقه ، وَلم يخرجَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، كَمَا ظن أَنَّهُمَا أَخْرجَاهُ . فَائِدَة : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَعَ أبي شُرَيْح وَأبي هُرَيْرَة ، جَابر بن عبد الله ، وَعَائِشَة ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَأَبُو مَسْعُود ، وَابْن عمر ، وَعقبَة بن عَامر ، و(أَحْمد) بن خَالِد ، كَمَا أَفَادَهُ ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه . فَائِدَة ثَانِيَة : رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَن أَشهب قَالَ : سُئِلَ مَالك عَن قَول النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جائزته يَوْم وَلَيْلَة قَالَ : يُكرمهُ ، ويتحفه ، ويحفظه يَوْمًا وَلَيْلَة ، وَثَلَاثَة أَيَّام ضِيَافَة ، وَقَالَ الْخطابِيّ : مَعْنَاهُ أَنه يتَكَلَّف لَهُ فِي الْيَوْم الأول مَا اتَّسع لَهُ من بر وإلطاف ، وَأما فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث فَيقدم مَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ ، وَلَا يزِيد عَلَى عَادَته ، وَمَا كَانَ بعد الثَّلَاثَة فَهُوَ صَدَقَة ومعروف ، إِن شَاءَ فعل وَإِن شَاءَ ترك . قَالَ : وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : وَلَا يحل أَن يُقيم عِنْده حَتَّى (يؤثمه) مَعْنَاهُ : لَا يحل للضيف أَن يُقيم عِنْده بعد الثَّلَاث من غير استدعاء مِنْهُ حَتَّى يوقعه فِي الْإِثْم .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قتل ابْن خطل والقينتين وَلم يؤمنهم . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد سلف وَاضحا فِي أَوَائِل الْبَاب الَّذِي قبله . فَائِدَة : الْقَيْنَة : الْأمة ، سَوَاء كَانَت تغني أم لَا .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْإِسْلَام يَعْلُو وَلَا يعْلى عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه من حَدِيث عمر بن الْخطاب فِي حَدِيث الْأَعرَابِي الَّذِي صَاد ضبًّا ، وَأَن الضَّب حكم للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (وَشهد لَهُ بالرسالة ، وَأَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ للأعرابي : الْحَمد لله الَّذِي هداك إِلَى هَذَا الدَّين الَّذِي يَعْلُو وَلَا يعْلى وَهُوَ حَدِيث طَوِيل . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : ثَنَا [ مُحَمَّد ] بن عَلّي بن الْوَلِيد السُلمي الْبَصْرِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ ، ثَنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان ، ثَنَا كهمس بن الْحسن ، ثَنَا دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن الشّعبِيّ ، عَن عبد الله بن عمر ، عَن أَبِيه عمر بْن الْخطاب [ بِحَدِيث ] الضَّب ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ فِي محفل من أَصْحَابه ؛ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِي من بني سُليم قد صَاد ضبًّا ، وَجعله فِي كمه ، فَذهب بِهِ إِلَى رَحْله (فَأَتَى) جمَاعَة فَقَالَ : عَلَى من هَذِه الْجَمَاعَة ؟ فَقَالُوا : عَلَى الَّذِي يزْعم أَنه نَبِي ، فشق النَّاس ، ثمَّ أقبل عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، مَا اشْتَمَلت (الدُّنْيَا) عَلَى ذِي لهجة أكذب مِنْك وَأبْغض [ إليَّ مِنْك ] ، وَلَوْلَا أَن يسميني قومِي عجولاً لعجلت عَلَيْك فقتلتك ، فسررت بقتلك النَّاس أَجْمَعِينَ . فَقَالَ عمر : يَا رَسُول الله ، دَعْنِي أَقتلهُ . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أما علمت أَن الْحَلِيم كَاد يكون نبيًّا . ثمَّ أقبل عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : وَاللات والعزى لَا آمَنت بك . وَقد قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا أَعْرَابِي ، مَا حملك عَلَى أَن قلت مَا قلت ، وَقلت غير الْحق ، وَلم تكرم مجلسي ؟ قَالَ : وتكلمني أَيْضا - اسْتِخْفَافًا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَاللات والعزى لَا آمَنت بك ، أَو يُؤمن [ بك ] هَذَا الضَّب . فَأخْرج الضَّب من كمه ، فطرحه بَين يَدي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ : إِن آمن بك هَذَا الضَّب آمَنت بك . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا ضَب ، فَتكلم الضَّب بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين يفهمهُ الْقَوْم جَمِيعًا : لبيْك وَسَعْديك يَا رَسُول رب الْعَالمين . فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من تعبد ؟ قَالَ : الَّذِي فِي السَّمَاء عَرْشه ، وَفِي الأَرْض سُلْطَانه ، وَفِي الْبَحْر سَبيله ، وَفِي الْجنَّة رَحمته ، وَفِي النَّار عَذَابه ، قَالَ : فَمن أَنا يَا ضَب ؟ فَقَالَ : أَنْت رَسُول الله رب الْعَالمين وَخَاتم النَّبِيين ، قد أَفْلح من صدقك ، وَقد خَابَ من كَذبك . فَقَالَ الْأَعرَابِي : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله حقًّا ، وَالله لقد أَتَيْتُك وَمَا عَلَى وَجه الأَرْض أحد هُوَ أبْغض إليَّ مِنْك ، وَالله [ لأَنْت ] السَّاعَة أحب إليَّ من نَفسِي ، وَمن وَلَدي ، (وَقد آمَنت بك بشعري) ، وبشري ، وداخلي ، وخارجي ، وسري وعلانيتي . فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْحَمد لله الَّذِي هداك [ إِلَى ] هَذَا الدَّين الَّذِي يَعْلُو وَلَا يعْلى ، لَا يقبله الله إِلَّا بِصَلَاة ، وَلَا يقبل الصَّلَاة إِلَّا بقرآن . فَعلمه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْحَمد ، و قل هُوَ الله أحد ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، وَالله مَا سَمِعت [ فِي ] الْبَسِيط وَلَا فِي الرجز أحسن من هَذَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن هَذَا كَلَام رب الْعَالمين ، وَلَيْسَ بِشعر [ و ] إِذا قَرَأت قل هُوَ الله أحد مرّة فَكَأَنَّمَا قَرَأت ثلث الْقُرْآن ، وَإِذا قَرَأت قل هُوَ الله أحد مرَّتَيْنِ فَكَأَنَّمَا قَرَأت ثُلثي الْقُرْآن ، وَإِذا قَرَأت قل هُوَ الله أحد ثَلَاث مَرَّات فَكَأَنَّمَا قَرَأت الْقُرْآن كُله . فَقَالَ الْأَعرَابِي : نِعْمَ (إِلَه) إلهنا ؛ يقبل الْيَسِير وَيُعْطِي الجزيل ، ثمَّ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أعْطوا الْأَعرَابِي ، فَأَعْطوهُ حَتَّى أبطروه ، فَقَامَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي أُرِيد أَن أعْطِيه نَاقَة أَتَقَرَّب بهَا إِلَى الله - عَزَّ وَجَلَّ - دون البختي وَفَوق الْأَعرَابِي وَهِي عشراء . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [ إِنَّك ] قد [ وصفت ] مَا تُعْطِي فأصف لَك مَا يعطيك الله - عَزَّ وَجَلَّ - جَزَاء ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : لَك نَاقَة من درة جوفاء ، قَوَائِمهَا من زبرجد أَخْضَر ، وعنقها من زبرجد أصفر ، عَلَيْهَا هودج ، وَعَلَى الهودج السندس والإستبرق ، تمر بك عَلَى الصِّرَاط كالبرق الخاطف . فَخرج الْأَعرَابِي من عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلَقِيَهُ ألف أَعْرَابِي عَلَى ألف دَابَّة بِأَلف رمح وَألف سيف ، فَقَالَ لَهُم : أَيْن تُرِيدُونَ ؟ فَقَالُوا : نُقَاتِل هَذَا الَّذِي يكذب وَيَزْعُم أَنه نَبِي ، فَقَالَ الْأَعرَابِي : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، فَقَالُوا : صبوت ؟ ! فَقَالَ : مَا صبوت ، وَحَدَّثَهُمْ هَذَا الحَدِيث ، فَقَالُوا بأجمعهم : لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله . فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَتَلقاهُمْ [ فِي رِدَاء ] فنزلوا عَن ركبهمْ [ يقبلُونَ ] مَا ولوا مِنْهُ وهم يَقُولُونَ : لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ، فَقَالُوا : مرنا [ بِأَمْرك ] يَا رَسُول الله ، فَقَالَ : تدخلون تَحت راية خَالِد بن الْوَلِيد . قَالَ : وَلَيْسَ أحد من الْعَرَب آمن مِنْهُم ألف جَمِيعًا إِلَّا بَنو سليم . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يروه عَن دَاوُد بن أبي هِنْد بِهَذَا التَّمام إِلَّا كهمس ، وَلَا عَن كهمس إِلَّا مُعْتَمر ، تفرد بِهِ مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى . قلت : وَأخرجه أَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابَيْهِمَا دَلَائِل النُّبُوَّة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الْحمل فِيهِ عَلَى السّلمِيّ . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : صدق وَالله الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ خبر بَاطِل .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَيّمَا امْرَأَة خلعت ثوبها فِي غير بَيت زَوجهَا فَهِيَ ملعونة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِنَحْوِهِ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالْحَاكِم من رِوَايَة أبي الْمليح - بِفَتْح الْمِيم - قَالَ : دخل نسْوَة من أهل الشَّام عَلَى عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقَالَت : مِمَّن أنتن ؟ فَقُلْنَ : من أهل الشَّام ، فَقَالَت : لعلكن من الكورة الَّتِي يدْخل نساؤها الحمامات ؟ قُلْنَ : نعم ، قَالَت : إِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : مَا من امْرَأَة تخلع ثِيَابهَا فِي غير بَيتهَا إِلَّا هتكت مَا بَينهَا وَبَين الله - تَعَالَى ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لم يسمع أَبُو الْمليح من عَائِشَة ، وَقَالَ الْبَزَّار : أَحْسبهُ عَن أبي الْمليح عَن مَسْرُوق عَنْهَا . قلت : وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن عَمْرو بن مرّة ، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَنْهَا .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تبدءوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وَإِذا لَقِيتُم أحدهم فِي طَرِيق فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أضيقها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
الحَدِيث السَّابِع رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وموقوفًا عَلَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : لَا جِزْيَة عَلَى العَبْد . هَذَا الحَدِيث لَا يحضرني من خرجه مَرْفُوعا وَلَا مَوْقُوفا ، وَقد ورد (عَلَيْهِ) فِي عدَّة أَحَادِيث كلهَا ضَعِيفَة من طَرِيق ابْن عَبَّاس ، وَعَمْرو بن حزم ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، وَأبي زرْعَة بن سيف بن ذِي يزن ، أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ وَلَكِن ضعفها .
الحَدِيث التَّاسِع أَن بني قُرَيْظَة نزلُوا عَلَى حكم سعد بن معَاذ ، وَهُوَ قتل مقاتلهم وَسبي ذَرَارِيهمْ ، وَأخذ أَمْوَالهم . هَذَا كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : نزل أهل قُرَيْظَة عَلَى حكم سعد بن معَاذ ، فَأرْسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى سعد ، فَأَتَى عَلَى حمَار ، فَلَمَّا دنا من الْمَسْجِد - وَقَالَ مُسلم : قَرِيبا من الْمَسْجِد - قَالَ للْأَنْصَار : قومُوا إِلَى سيدكم - أَو قَالَ : خَيركُمْ - فَقَالَ : هَؤُلَاءِ نزلُوا عَلَى حكمك ، فَقَالَ : تقتل مُقَاتلَتهمْ ، وتُسبَى ذَرَارِيهمْ . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : حكمت فيهم بِحكم الله ، وَرُبمَا قَالَ : بِحكم الْملك ، وَلمُسلم : لقد حكمت فيهم بِحكم الله ، وَلَهُمَا أَيْضا مثله من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا بِزِيَادَة : وَأَن تقسم أَمْوَالهم ، وَلأَحْمَد فِي مُسْنده من حَدِيث اللَّيْث بن سعد ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر : أَن سَعْدا حكم أَن تقتل رِجَالهمْ ، وتستحيا نِسَاؤُهُم وذراريهم ؛ ليستعين بهم [ الْمُسلمُونَ ] ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أصبت حكم الله فيهم . وَكَانُوا أَرْبَعمِائَة وَذكر فِيهِ قصَّة . فَائِدَة : قَالَ الْخطابِيّ قَوْله : لقد حكمت بِحكم الله يرويهِ بَعضهم بِحكم الْملك ، وَالْأول أَجود ؛ لِأَن الْملك هُوَ الله - تَعَالَى - وَله الحكم ، وَمن أَرَادَ الْملك أَرَادَ الحكم الَّذِي أوحاه الْملك إِلَيْهِ عَن الله - عَزَّ وَجَلَّ . قلت : قد يُؤَيّد الأول الرِّوَايَة السالفة : لقد حكمت فيهم بِحكم الله . قَالَ الْخطابِيّ فِي هَذِه الْقِصَّة : لقد حكمت بِحكم الله فَوق سَبْعَة أَرقعَة هُوَ بِالْقَافِ - أَي سبع سماوات - قَالَ : وَمن رَوَاهُ بِالْفَاءِ فقد غلط . فَائِدَة ثَانِيَة : قَوْله : فَلَمَّا دنا من الْمَسْجِد قَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه فِي بَاب قيام الرجل للرجل : لَعَلَّه وهم ؛ لِأَن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من ذَلِك إِرَادَة مَسْجده عَلَيْهِ السَّلَام ، وَعند مَجِيء سعد كَانَ نازلًا عَلَى بني قُرَيْظَة ، وَمن هُنَاكَ وَجه إِلَى سعد ليَأْتِيه إِلَّا أَن يُرِيد مَسْجِدا اختطه عَلَيْهِ السَّلَام هُنَاكَ ؛ ليُصَلِّي فِيهِ مُدَّة مقَامه .
الحَدِيث الرَّابِع عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : مَا عِنْدِي إِلَّا كتاب الله ، وَهَذِه الصَّحِيفَة عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن ذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة ، فَمن أَخْفَر مُسلما فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : مَا كتبنَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا الْقُرْآن وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْمَدِينَة حرَام مِمَّا بَين عير إِلَى ثَوْر ، فَمن أحدث فِيهَا حَدثا ، أَو آوَى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ، لَا يقبل مِنْهُ عدل وَلَا صرف ، ذمَّة الْمُسلمين وَاحِدَة ، يسْعَى بهَا أَدْنَاهُم ، فَمن أَخْفَر مُسلما فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ، لَا يقبل مِنْهُ عدل وَلَا صرف ، وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور مُسلم من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . ذمَّة الْمُسلمين : أَي عَهدهم وأمانهم . وأخفره : نقض عَهده ، كَذَا أسلفه الْجَوْهَرِي رباعيًّا . وَأما خفر الثَّانِي فَمَعْنَاه أجاره وأمَّنه ، وَمِنْه الخفارة ، وَالصرْف : النَّافِلَة . وَقيل : الْفَرِيضَة . وَقيل : الكفيلة . وَقيل : الْوَزْن . وَقيل : التَّوْبَة . وَقيل : الْحِيلَة . وَالْعدْل : الْفِدْيَة ، أَي لَا يجد فِي الْقِصَّة فديًا يفتدى بِهِ ، بِخِلَاف غَيره من المذنبين الَّذين يفدون من النَّار باليهود وَالنَّصَارَى . وَقَوله : أَو آوَى مُحدثا . قَالَ الْخطابِيّ فِي تصاحيف الروَاة : الْوَجْه كسر الدَّال من مُحدثا قَالَ : وَقد يحْتَمل أَن يُقَال بِفَتْحِهَا .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن بُرَيْدَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : وَإِن حاصرت أهل حصن فأرادوك أَن تنزلهم عَلَى حكم الله فَلَا تنزلهم عَلَى حكم الله ، وَلَكِن أنزلهم عَلَى حكمك ، فَإنَّك لَا تَدْرِي أتصيب حكم الله فيهم أم لَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَقَالَ فِي أَوله : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أمَّر أَمِيرا عَلَى جَيش ، أَو سَرِيَّة أوصاه فِي خاصته بتقوى الله وَمن مَعَه من الْمُسلمين خيرا ، ثمَّ قَالَ : اغزوا باسم الله ، فِي سَبِيل الله قَاتلُوا من كفر بِاللَّه ، اغزوا وَلَا تغلوا ، وَلَا تغدروا ، وَلَا تمثلوا ، وَلَا تقتلُوا وليدًا ، وَإِذا لقِيت [ عَدوك ] من الْمُشْركين فادعهم إِلَى ثَلَاث خِصَال ، فأيتهن مَا أجابوك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم ، ثمَّ ادعهم [ إِلَى ] التَّحَوُّل من دَارهم إِلَى دَار الْمُهَاجِرين ، وَأخْبرهمْ إِن فعلوا ذَلِك فَلهم مَا للمهاجرين ، وَعَلَيْهِم مَا عَلَى الْمُهَاجِرين ، فَإِن أَبَوا [ أَن ] يَتَحَوَّلُوا عَنْهَا فَأخْبرهُم أَنهم يكونُونَ كأعراب الْمُسلمين ، يجْرِي عَلَيْهِم حكم الله الَّذِي يجْرِي عَلَى (الْمُسلمين) ، وَلَا يكون لَهُم فِي الْغَنِيمَة والفيء شَيْء ، إِلَّا أَن يجاهدوا مَعَ الْمُسلمين ، فَإِن هم أَبَوا فسلهم الْجِزْيَة ، فَإِن هم أجابوك فاقبل مِنْهُم وكف عَنْهُم ، فَإِن لم يجيبوك فَاسْتَعِنْ بِاللَّه عَلَيْهِم وَقَاتلهمْ ، وَإِذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أَن تجْعَل لَهُم ذمَّة الله وَذمَّة نبيه فَلَا تجْعَل لَهُم ذمَّة الله وَلَا ذمَّة نبيه ، وَلَكِن اجْعَل لَهُم ذِمَّتك وَذمَّة أَصْحَابك ؛ فَإِنَّكُم إِن تخفروا ذمتكم وذمم أصحابكم أَهْون من أَن تخفروا ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله .
الحَدِيث السَّادِس عَن أم هَانِئ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : أجرت رجلَيْنِ من أحمائي ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أمنا من أمنت . هَذَا الحَدِيث أَصله فِي الصَّحِيحَيْنِ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ عَن أم هَانِئ قَالَت : ذهبت إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْفَتْح ، فَوَجَدته يغْتَسل ، وَفَاطِمَة ابْنَته تستره بِثَوْب فَسلمت عَلَيْهِ ، فَقَالَ : من هَذِه ؟ فَقلت : أم هَانِئ بنت أبي طَالب . فَقَالَ : مرْحَبًا يَا أم هَانِئ ، فَلَمَّا فرغ من غسله قَامَ يُصَلِّي ثَمَان رَكْعَات ملتحفًا فِي ثوب وَاحِد ، فَلَمَّا انْصَرف قلت : يَا رَسُول الله ، [ زعم ] ابْن أُمِّي عَلّي بن أبي طَالب أَنه قَاتل رجلا أجرته فلَان ابن هُبَيْرَة ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قد أجرنا من أجرت يَا أم هَانِئ ، قَالَت : وَذَلِكَ ضحى . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء . وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه : إِنِّي أجرت حموي . فَائِدَتَانِ : الأولَى : الرّجلَانِ اللَّذَان أجرتهما أم هَانِئ فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ ، هما : الْحَارِث ، وَعبد الله بن أبي ربيعَة ، كَذَا سَاقه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي بِسَنَدِهِ إِلَى الْوَاقِدِيّ إِلَى عبد الله بن عِكْرِمَة أَن أم هَانِئ أجارت يَوْم الْفَتْح الْحَارِث بن هِشَام ، وَعبد الله بن أبي ربيعَة . وَفِي كتاب الزبير بن بكار عَنْهَا : أجارت هِشَام بن الْحَارِث المَخْزُومِي ، وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي فِي تَرْجَمَة عبد الله بن أبي ربيعَة : قَالَ بعض أهل الْعلم : عبد الله بن أبي ربيعَة هُوَ الَّذِي استجار بِأم هَانِئ ، فَأَرَادَ عَلّي قَتله ، وَمَعَهُ الْحَارِث بن هِشَام ، وَكَذَا فِي تَارِيخ مَكَّة للأزرقي أَنَّهَا أجارت رجلَيْنِ : أَحدهمَا عبد الله بن أبي ربيعَة بن الْمُغيرَة ، وهما من بني مَخْزُوم ، وَقَالَ ابْن الطلاع : اسْم الَّذِي أجارته أم هَانِئ هُبَيْرَة بن أبي وهب ، وَهُوَ زوج أم هَانِئ وَهُوَ مخزومي . وَقيل : إِن الَّذِي أجارته ولد هُبَيْرَة ، حَكَاهُ ابْن عبد الْبر ، عَن مَالك وَهُوَ بعيد ، وَأبْعد مِنْهُ قَول من قَالَ : إنه جعدة بن هُبَيْرَة ، وَقَالَ ابْن شُرَيْح : إنه كَانَ الشرذمة الَّذين قَاتلُوا خَالِدا ، وَلم يقبلُوا الْأمان ، وَلَا ألقوا السِّلَاح ، وَأَرَادَ عَلّي قَتلهَا ، فأجارتها أم هَانِئ ، وَكَانَا من - أحمائها . الثَّانِيَة : اسْم أم هَانِئ : فَاخِتَة ، كَمَا جزم بِهِ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي ترجمتها ، وَكَذَا الْأَمِير فِي الْإِكْمَال ، وَهُوَ الْمَشْهُور كَمَا قَالَه الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ وَغَيره . وَقَالَ ابْن سعد : فَاخِتَة عندنَا أَكثر ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك : إن الْأَخْبَار تَوَاتَرَتْ بِهِ . قلت : وَفِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ فِي هَذَا الحَدِيث أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا : مرْحَبًا بفاختة أم هَانِئ ، وفيهَا خَمْسَة أَقْوَال أخر : أَحدهَا : هِنْد ، قَالَه الإمامان : الشَّافِعِي ، وَأحمد بن حَنْبَل ، وَغَيرهمَا . ثَانِيهَا : فَاطِمَة ، حَكَاهُ ابْن الْأَثِير . ثَالِثهَا : عَاتِكَة ، حَكَاهُ ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَأَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة . رَابِعهَا : حمانة ، حَكَاهُ الزبير بن بكار عَلَى مَا نَقله ابْن دحْيَة فِي تنويره ، وَقَالَ الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي : مقاتلة بن حمانة أَخِيهَا ، وَزعم ابْن الحدان من قَالَ : اسْمهَا حمانة فقد أَخطَأ ؛ حمانة ابْنَتهَا . خَامِسهَا : رَملَة ، حَكَاهُ ابْن الطلاع ، عَن البرقي ، أسلمت عَام الْفَتْح . فَائِدَة ثَالِثَة : هَانِئ بِهَمْزَة فِي آخِره . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : لَا خلاف فِي ذَلِك بَين أهل اللُّغَة والأسماء ، وَكلهمْ مصرحون بِهِ .
الحَدِيث الثَّالِث أَن رجلا أَجَارَ رجلا من الْمُشْركين ، فَقَالَ عَمْرو بن العَاصِي وخَالِد بن الْوَلِيد : لَا يجير ذَلِك . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح : لَيْسَ لَكمَا ذَلِك ؛ سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : يجير عَلَى الْمُسلمين بَعضهم . فأجاروه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده : ثَنَا إِسْمَاعِيل ، ثَنَا إِسْرَائِيل ، عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن الْوَلِيد بن أبي مَالك ، عَن الْقَاسِم ، عَن أبي أُمَامَة قَالَ : أَجَارَ رجل من الْمُسلمين رجلا ، وَعَلَى الْجَيْش أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ، فَقَالَ خَالِد بن الْوَلِيد ، وَعَمْرو بن العَاصِي : لَا تجيروه . فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : نجيره ؛ سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : يجير عَلَى الْمُسلمين أحدهم ، ثمَّ رَوَاهُ بالسند الْمَذْكُور إِلَى أبي أُمَامَة قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : يجير عَلَى الْمُسلمين بَعضهم . الْحجَّاج قد عرفت حَاله سِيمَا وَقد عنعن ، وَالقَاسِم حَاله تَالِف . وَرَوَى أَحْمد أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه : يجير عَلَى الْمُسلمين أَدْنَاهُم ، وَرَوَى الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن الْوَلِيد بن أبي مَالك ، عَن عبد الرَّحْمَن بن مسلمة ، عَن عَمه ، عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يجير عَلَى الْمُسلمين بَعضهم ، ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم لَهُ طَرِيقا عَن أبي عُبَيْدَة إِلَّا هَذَا الطَّرِيق ، عبد الرَّحْمَن لَا يعلم رَوَى إِلَّا هَذَا الحَدِيث .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ، وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث قيس بن عباد قَالَ : دخلت أَنا وَالْأَشْتَر عَلَى عليِّ بن [ أبي ] طَالب يَوْم الْجمل ، فَقلت : هَل عهد إِلَيْك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عهدا دون [ الْعَامَّة ؟ فَقَالَ : لَا ، إِلَّا هَذَا ، وَأخرج من قرَاب سَيْفه ، فَإِذا فِيهَا ] الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ، وَيسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم ، وهم يَد عَلَى من سواهُم ، لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر ، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَشَاهده حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ . وَرَوَى ابْن مَاجَه من حَدِيث معقل بن يسَار مَرْفُوعا : الْمُسلمُونَ يَد عَلَى من سواهُم [ و ] تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ . وَرَوَى أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا : يَد الْمُسلمين عَلَى من سواهُم تكافأ دِمَاؤُهُمْ ، وَيُجِير عَلَى الْمُسلمين أَدْنَاهُم ، وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم ، وهم يَد عَلَى من سواهُم . وَرَوَى ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن عمر ، رَفعه فِي حَدِيث طَوِيل : الْمُؤْمِنُونَ يَد عَلَى من سواهُم ، تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ ، يجير عَلَيْهِم أَدْنَاهُم ، وَيرد عَلَيْهِم أَقْصَاهُم . فَائِدَة : يجير ضَبطه الْمُحب فِي أَحْكَامه بالراء الْمُهْملَة ، أَي للْمُسلمِ أَن يجير الْكَافِر ، وَلَو كَانَ بعيد الدَّار عَن بِلَاد الْكَافِر .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أَن رجلا أسرته الصَّحَابَة فَنَادَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ يمر بِهِ : إِنِّي مُسلم ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَو أسلمت وَأَنت تملك أَمرك أفلحت كل الْفَلاح ، ثمَّ فدَاه برجلَيْن من الْمُسلمين أسرتهمَا ثَقِيف . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من طَرِيق عمرَان ابن الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي الْبَاب قبله ، وَهُوَ الحَدِيث الثَّالِث بعد الْخمسين مِنْهُ .
الْبَاب الثَّالِث ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فخمسة عشر حَدِيثا أَحدهَا : حَدِيث أبي سُفْيَان فِي الْأمان . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أقبل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى قدم مَكَّة ، فَبعث الزبير عَلَى إِحْدَى المُجنِّبتيْن ، وَبعث خَالِدا عَلَى المُجنِّبة الْأُخْرَى ، وَبعث أَبَا عُبَيْدَة عَلَى الحُسر ، فَأخذ بطن الْوَادي وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي كَتِيبَة . قَالَ : فَنظر فرآني فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَة ، قلت : لبيْك يَا رَسُول الله ، فَقَالَ : اهتف : لَا [ يأتيني إِلَّا أَنْصَارِي ] قَالَ : فأطافوا بِهِ ، (وأوبشت) قُرَيْش أوباشًا لَهَا وأتباعًا ، فَقَالُوا : نقدم هَؤُلَاءِ ، فَإِن كَانَ لَهُم شَيْء كُنَّا مَعَهم ، وَإِن أصيبوا أعطينا الَّذِي سئلنا . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ترَوْنَ إِلَى أوباش قُرَيْش وأتباعهم ، ثمَّ قَالَ بيدَيْهِ إِحْدَاهمَا عَلَى الْأُخْرَى : (احصدوهم حصدًا) ثمَّ قَالَ : حَتَّى توافوني بالصفا . قَالَ : فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أحد منا أَن يقتل أحدا إِلَّا قَتله ، وَمَا أحد يُوَجه إِلَيْنَا شَيْئا . قَالَ : فجَاء أَبُو سُفْيَان فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، أبيحت خضراء قُرَيْش ، لَا قُرَيْش ، بعد الْيَوْم . قَالَ : من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن ، وَمن ألْقَى السِّلَاح فَهُوَ آمن ، وَمن أغلق بَابه فَهُوَ آمن ، فَقَالَت الْأَنْصَار : أما الرجل فقد أَخَذته رأفة بعشيرته ، ورغبة فِي قومه ، وَنزل الْوَحْي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : قُلْتُمْ : أما الرجل فقد أَخَذته رأفة بعشيرته ، ورغبة فِي قومه ، أَلا فَمَا اسمِي إِذا - ثَلَاث مَرَّات - أَنا مُحَمَّد بن عبد الله وَرَسُوله ، هَاجَرت إِلَى الله وَرَسُوله قَالَ : فَإِن الله وَرَسُوله يصدقانكم ويعذرانكم . فَائِدَة : الجنيبة : جَانب الْعَسْكَر ، وَله مجنبتان : ميمنة وميسرة . والحسر : جمع حاسر ، وَهُوَ الَّذِي لَا درع لَهُ وَلَا مغفر . والضن : الْبُخْل . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله لَا بعده ذكرهمَا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب قبله ، فذكرتهما هُنَا فاعلمه .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن عمرَان [ بن ] حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن الْمُشْركين أَغَارُوا عَلَى سرح الْمَدِينَة ، وذهبوا بالعضباء ، وأسروا امْرَأَة ، فَانْقَلَبت ذَات لَيْلَة ، فَأَتَت بالعضباء ، فَقَعَدت فِي عجزها ، ونذرت إِن نجاها الله عَلَيْهَا لتنحرنها ، فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة ذكرُوا ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : بئْسَمَا جزيتهَا ، لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة ، وَلَا فِيمَا لَا يملكهُ ابْن آدم ، وَأخذ نَاقَته . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ، وَهُوَ بعض من الحَدِيث الَّذِي قبله ، وَبِه يتم .
الحَدِيث الثَّامِن عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : كَأَنِّي بِالْحيرَةِ قد فتحت ، فَقَالَ رجل : يَا رَسُول الله ، هَب لي مِنْهَا جَارِيَة ، فَقَالَ : قد فعلت ، فَلَمَّا فتحت الْحيرَة بعد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أعُطي الرجل الْجَارِيَة ، فاشتراها مِنْهُ بعض أقاربها بِأَلف دِرْهَم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من رِوَايَة ابْن أبي عمر ، نَا سُفْيَان ، عَن ابْن أبي خَالِد ، عَن قيس ، عَن عدي بن حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مثلت لي الْحيرَة كأنياب الْكلاب ، وَإِنَّكُمْ ستفتحونها ، فَقَامَ رجل فَقَالَ : يَا رَسُول الله هَب لي ابْنة بقيلة ، فَقَالَ : هِيَ لَك ، فَأَعْطوهُ إِيَّاهَا ، فجَاء أَبوهَا فَقَالَ : أتبيعها ؟ قَالَ : نعم ، قَالَ : بكم ؟ قَالَ : احكم بِمَا شِئْت ، قَالَ : ألف دِرْهَم ، قَالَ : قد أَخَذتهَا ، قَالُوا لَهُ : لَو قلت ثَلَاثِينَ ألفا لأخذتها ، قَالَ : وَهل (عقد) أَكثر من ألف . وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ ابْن أبي عمر ، عَن سُفْيَان ، هَكَذَا قَالَ غَيره : عَنهُ عَن عَلّي بن زيد بن جدعَان . وَالْمَشْهُور أَن هَذَا الحَدِيث ، عَن خريم بن أَوْس ، وَهُوَ الَّذِي جعل لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَذِه الْمَرْأَة ، فقد رَوَيْنَاهُ فِي كتاب دَلَائِل النُّبُوَّة فِي آخر غَزْوَة تَبُوك . قلت : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ذكره ابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة فِي تَرْجَمته ، فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ : هَاجَرت إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأسْلمت فَقَالَ : هَذِه الْحيرَة الْبَيْضَاء قد رفعت إِلَيّ ، وَهَذِه الشيماء بنت بَقيِلة الْأَزْدِيّ عَلَى [ بغلة ] شهباء معتجرة بخمار أسود . قلت : يَا رَسُول الله ، إِن نَحن دَخَلنَا الْحيرَة ، فَوَجَدتهَا كَمَا تصف فَهِيَ لي ؟ قَالَ : هِيَ لَك ، فَلَمَّا دخلت الْحيرَة لقيتها عَلَى بغلة شهباء ، كَمَا قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بخمار أسود ، فتعلقت بهَا وَقلت : قد وَهبهَا لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فدعاني خَالِد بِالْبَيِّنَةِ ، فَأَتَيْته بِمُحَمد بن مسلمة ، وَمُحَمّد بن بشير الْأنْصَارِيّ فَقَسمهَا لي ، فَلَمَّا وَقع الصُّلْح بَاعهَا من أَخِيهَا بِأَلف ، وَقَالَ أَبُو نعيم وَالطَّبَرَانِيّ : بَلغنِي أَن الشَّاهِدين كَانَا مُحَمَّد بن مسلمة ، وَعبد الله بن عَمْرو . وَفِي علل ابن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عدي بن حَاتِم قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مثلت لي الْحيرَة كأنياب الْكلاب ، وَإِنَّكُمْ ستفتحونها ، فَقَامَ رجل فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، هَب ابْنة بقيلة ، قَالَ : هِيَ لَك ، قَالَ : فأعطوها إِيَّاه وَذكر الحَدِيث فَقَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل ، وَهَذَا عجب مِنْهُ ، وَلم يبين سَبَب بُطْلَانه ، وَفِي بعض رِوَايَات الطَّبَرَانِيّ أَن أخاها اسْمه عبد الْمَسِيح بن حبَان بن بقيلة ، وفيهَا : وَقيل لَهُ : لَو قلت مائَة ألف لدفعتها إِلَيْك ، فَقَالَ : مَا أَحسب مَالا أَكثر من عشر مائَة .
الحَدِيث الْحَادِي عشر رُوِيَ أَن سعد بن معَاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما حكم بقتل الرِّجَال استوهب لَهُ ثَابت بن قيس الزبير ابْن باطا من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فوهبه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث عُرْوَة قَالَ : أقبل ثَابت بن قيس بن شماس إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : هَب لي الزبير الْيَهُودِيّ أجزيه بيد كَانَت لَهُ عِنْدِي يَوْم بُعَاث ، فَأعْطَاهُ إِيَّاه ، فَأقبل ثَابت حَتَّى أَتَاهُ فَقَالَ : يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن ، هَل تعرفنِي ؟ فَقَالَ : نعم ، وَهل يُنكر الرجل أَخَاهُ ، قَالَ ثَابت : أردْت أَن أجزيك الْيَوْم بيد لَك عِنْدِي يَوْم بُعَاث ، قَالَ : فافعل ؛ فَإِن الْكَرِيم يَجْزِي الْكَرِيم ، قَالَ : قد فعلت ، قد سَأَلت لَك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فوهبك لي ، فَأطلق عَنهُ إساره ، فَقَالَ الزبير : لَيْسَ لي قَائِد وَقد أَخَذْتُم امْرَأَتي وَبني ، فَرجع ثَابت إِلَى الزبير فَقَالَ : رد إِلَيْك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - امْرَأَتك وبنيك ، فَقَالَ الزبير : حَائِط لي فِيهِ أعذق ، لَيْسَ لي وَلَا لأهلي عَيْش إِلَّا بِهِ ، فَرجع ثَابت إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فوهب لَهُ ، فَرجع ثَابت إِلَى الزبير فَقَالَ : قد رد إِلَيْك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أهلك وَمَالك فَأسلم تسلم ، قَالَ : مَا فعل الجيشان ، وَذكر رجال قومه ؟ قَالَ ثَابت : قد قتلوا وَفرغ مِنْهُم ، وَلَعَلَّ الله - تبَارك وَتَعَالَى - أَن يكون أبقاك لخير ، قَالَ الزبير : أَسأَلك بِاللَّه يَا ثَابت ، وَبِيَدِي الخصيم عنْدك يَوْم بُعَاث إِلَّا ألحقتني بهم ؛ فَلَيْسَ فِي الْعَيْش خير بعدهمْ ، فَذكر ذَلِك ثَابت لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمر بالزبير فَقتل ، وَذكره أَيْضا ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة ، وَذكر أَنه الزبير بن باطا الْقرظِيّ ، وَذكره أَيْضا مُوسَى بن عقبَة ، وَذكر أَنه كَانَ يَوْمئِذٍ كَبِيرا أَعْمَى . فَائِدَة : الزبير بِفَتْح الزَّاي ، وَكسر الْبَاء بِلَا خلاف ، كَمَا نَقله صَاحب الْمطَالع وَغَيره . و باطا بموحدة بِلَا مد ، وَلَا همزَة . قَالَ صَاحب الْمطَالع وَيُقَال : باطيا ، وَهُوَ وَالِد عبد الرَّحْمَن بن الزبير الْمَذْكُور فِي بَاب مَا يحرم من النِّكَاح ، وَقتل الزبير بن باطا يَوْم سبي قُرَيْظَة كَافِرًا ، قَتله الزبير بن الْعَوام رَضِيَ اللَّهُ عَنْه صبرا .
الحَدِيث السَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أَنا بَرِيء من كل مُسلم مَعَ [ مُشْرك ] . هَذَا الحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة جرير ابن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث سَرِيَّة إِلَى خثعم ، فاعتصم نَاس بِالسُّجُود ، فأسرع فيهم الْقَتْل ، فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأمر لَهُم بِنصْف الْعقل . وَقَالَ : أَنا بَرِيء من كل مُسلم يُقيم بَين أظهر الْمُشْركين . قَالُوا : يَا رَسُول الله ، وَلم ؟ قَالَ : لَا ترايا نارَاهُما . قَالَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ : وَقد رَوَاهُ جمَاعَة ، وَلم يذكرُوا فِيهِ جَرِيرًا وَهُوَ أصح . وَذكر عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ : الصَّحِيح أَنه مُرْسل . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي علله لما سُئِلَ عَنهُ . قلت : وَأخرجه كَذَلِك مُرْسلا الشَّافِعِي ، وَكَذَا النَّسَائِيّ فِي الْقصاص من سنَنه ، وَلَفظه عَن إِسْمَاعِيل ، عَن قيس ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث سَرِيَّة إِلَى قوم من خثعم فاستعصموا بِالسُّجُود فَقتلُوا ، فَقَضَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِنصْف الْعقل ، وَقَالَ : أَنا بَرِيء من كل مُسلم مَعَ مُشْرك ، ثمَّ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [ لَا ] ترَاءَى ناراهما . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه مُتَّصِلا من حَدِيث قيس ، عَن جرير قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَيْشًا إِلَى خثعم ، فَلَمَّا غشيتهم الْخَيل اعتصموا بِالصَّلَاةِ ، فَقتل رجل مِنْهُم ، فَجعل لَهُم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نصف الْعقل لصلاتهم ، وَقَالَ : أَنا بَرِيء من كل مُسلم مَعَ مُشْرك ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : الَّذِي أسْندهُ عِنْدهم ثِقَة ، يَعْنِي فَيكون مقدما عَلَى رِوَايَة الْإِرْسَال عَلَى الْقَاعِدَة المقررة . فَائِدَة : قَوْله : لَا ترَاءَى (ناراهما) أَي : يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا بِحَيْثُ يرَى نَار صَاحبه ، فَجعل الرُّؤْيَة للنار ، وَلَا رُؤْيَة لَهَا ، يَعْنِي أَن يعرفوا هَذِه من هَذِه ، [ يُقَال ] : دَاري تنظر إِلَى دَار فلَان أَي تقَابلهَا ، وَقيل : مَعْنَاهُ أَرَادَ [ نَار ] الْحَرْب تَقول : ناراهما تخْتَلف ، هَذِه تَدْعُو إِلَى الله ، وَهَذِه تَدْعُو إِلَى الشَّيْطَان ، فَكيف تتَّفقَانِ ، وَكَيف يساكنهم فِي بِلَادهمْ ، وَهَذِه حَال هَؤُلَاءِ ، وَهَذِه حَال هَؤُلَاءِ ؟ حَكَاهُمَا أَبُو عبيد فِي غَرِيبه ، وَابْن الْأَثِير فِي جَامعه .
الحَدِيث الْخَامِس عشر يرْوَى فِي الْخَبَر : الدُّعَاء وَالْبَلَاء يعتلجان ، أَي : يتدافعان . هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ عقب الحَدِيث السَّابِع - وأخرته هُنَا - سَوَاء ، وَهُوَ حَدِيث أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث زَكَرِيَّا ابن مَنْظُور - شيخ من الْأَنْصَار - أَخْبرنِي عطاف بن خَالِد ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا ينفع حذر من قدر ، وَالدُّعَاء ينفع - أَحْسبهُ قَالَ : مَا لم ينزل الْقدر ، وَإِن الدُّعَاء لِيلْقَى الْبلَاء فيتعالجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا نعلمهُ يرْوَى إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد . قلت : وزَكَرِيا هَذَا ضعفه ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة : واه مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوك ، وَقَالَ أَحْمد بن عدي : مَعَ ضعفه يكْتب حَدِيثه ، وعطاف بن خَالِد هُوَ المَخْزُومِي ، وَفِيه خلاف قَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، وَقَالَ ابْن معِين : ثِقَة صَالح الحَدِيث ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ ابْن عدي : لم أر بحَديثه بَأْسا . وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي بَاب الدُّعَاء بالسند الْمَذْكُور ، وَلَفظه : لَا يُغني حذر من قدر ، وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل ، وَمِمَّا لم ينزل ، وَإِن الْبلَاء لينزل فيتلقاه الدُّعَاء فيعتلجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح وَلم يخرجَاهُ . قلت : مَا اقْتصر فِي ذَلِك لضعف ابْن مَنْظُور ، وَالْكَلَام فِي عطاف لَا جرم تعقبه الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره ، فَقَالَ عقب قَوْله هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد : فِيهِ زَكَرِيَّا بن مَنْظُور ، وَهُوَ مجمع عَلَى ضعفه ، لَكِن فِي نَقله الْإِجْمَاع نظر ، وَقد نقل هُوَ فِي تذهيبه ، عَن ابْن معِين من رِوَايَة عَبَّاس عَنهُ أَنه قَالَ : لَا بَأْس بِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ شَيْء زَعَمُوا أَنه طفيلي . ثمَّ نقل عَنهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى السالفة ، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من الطَّرِيق الْمَذْكُور ثمَّ قَالَ : حَدِيث لَا يَصح . ثمَّ ذكر كَلَامهم فِي زَكَرِيَّا بن مَنْظُور . قلت : لَكِن لَهُ شَوَاهِد مِنْهَا حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء ، وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ثمَّ قَالَ : حَدِيث حسن غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يَحْيَى بن الضريس . ذكره بعد أَن ترْجم عَلَيْهِ فِي أَبْوَاب الْقدر بَاب : مَا جَاءَ لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء ثمَّ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن أبي أسيد . قلت : وثوبان أَيْضا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أبي الْجَعْد عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الرجل يحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ ، وَلَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء ، وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ، وَقَالَ ابْن حبَان : لم يرد بِهِ عُمُومه ؛ لِأَن الذَّنب لَا يحرم الرزق الَّذِي رزق العَبْد ، بل يكدر عَلَيْهِ صفاءه [ إِذا فكَّر فِي تعقيب الْحَالة فِيهِ ] ودوام الْمَرْء عَلَى الدُّعَاء يطيب لَهُ وُرُود الْقَضَاء [ فَكَأَنَّهُ رده لقلَّة حسه بألمه ] وَالْبر يطيب الْعَيْش حَتَّى كَأَنَّهُ يُزَاد فِي عمره (لطيب) عيشه . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب وَأما آثاره فستة :
الحَدِيث الرابع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أسلم عَلَى شَيْء فَهُوَ لَهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن عدي ، وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِي إِسْنَاده ياسين بن معَاذ ، أَبُو خلف الزيات الْكُوفِي ، وَهُوَ ضَعِيف بِمرَّة . قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء ، وَقَالَ مرّة : ضَعِيف ، وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : كَانَ رجلا صَالحا ، لَا يعقل مَا يحدث ، مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ النَّسَائِيّ وَغَيره : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الموضوعات عَن الثِّقَات ، وينفرد بالمعضلات عَن الْأَثْبَات ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ ضَعِيف ، خرجه يَحْيَى وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا من الْحفاظ . قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا يرْوَى عَن ابْن أبي مليكَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، وَعَن عُرْوَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مُرْسلا ، وَقَالَ ابْن [ أبي ] حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : لَا أصل [ لَهُ ] . قَالَ الشَّافِعِي : وَكَأن مَعْنَى هَذَا الحَدِيث من أسلم عَلَى شَيْء يجوز لَهُ ملكه فَهُوَ لَهُ . وَفِي مُسْند أَحْمد : ثَنَا وَكِيع ، ثَنَا أبان بن عبد الله البَجلِيّ ، حَدثنِي عمومتي ، عَن جدهم صَخْر بن عيلة أَن قوما من بني سليم فروا عَن أَرضهم ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام ، فأخذتها فأسلموا ، فخاصموني فِيهَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَردهَا عَلَيْهِم وَقَالَ : إِذا أسلم الرجل فَهُوَ أَحَق بأرضه وَمَاله .
الْأَثر الْخَامِس : أَن ثَابت بن قيس بن شمَّاس أَمن الزبير بن باطا يَوْم قُرَيْظَة فَقتله . وَهَذَا الْأَثر تقدم بَيَانه فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الْحَادِي عشر مِنْهُ . وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ السالفة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بِهِ فَقتل . وَقد قدمنَا فِيمَا مَضَى من الْبَاب أَن الزبير هَذَا قَتله الزبير بن الْعَوام صبرا فَالله أعلم .
الْأَثر السَّادِس : أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ حاصر مَدِينَة السوس ، وَصَالَحَهُ [ دهقانها ] عَلَى أَن يُؤمن مائَة رجل من أَهلهَا ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : إِنِّي لأرجو أَن يخدعه الله عَن نَفسه ، قَالَ : اعزلهم ، فَلَمَّا عزلهم ، قَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : أفرغت ؟ قَالَ : نعم ، فَأَمنَهُمْ ، وَأمر بقتل الدهْقَان ، فَقَالَ : أتغدر بِي وَقد أمنتني ؟ ! فَقَالَ : أمنت (الْعدَد) الَّذِي سميت ، وَلم تسم نَفسك . وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه الْآن ، وَزَاد الْمَاوَرْدِيّ فِي آخِره : فَنَادَى بِالْوَيْلِ ، وبذل مَالا كثيرا فَلم يقبل مِنْهُ فَقتله .
الْأَثر الرَّابِع : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ، لَو أَن أحدكُم أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى مُشْرك ، فْنْزل عَلَى ذَلِك ، ثمَّ قَتله لقتلته . وَهَذَا الْأَثر غَرِيب ، لَا يحضرني من خرجه عَنهُ .
الْأَثر الثَّانِي : عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : الله يعلم كل لِسَان ، فَمن أَتَى مِنْكُم أعجمًّا فَقَالَ : مترس . فقد أَمنه . وَهَذَا الْأَثر لَا أعلمهُ مرويًّا من طَرِيق ابْن مَسْعُود ، وَإِنَّمَا هُوَ عَن عمر رضي الله عَنهُ ، كَذَلِك ذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَقَالَ : قَالَ عمر : إِذا قَالَ : مترس فقد آمنهُ ؛ أَن الله يعلم الْأَلْسِنَة كلهَا . وَقَالَ : تكلم لَا بَأْس . وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن رجل من أهل الْكُوفَة عَنهُ أَنه كتب إِلَى عَامل جَيش كَانَ بَعثه : إِنَّه بَلغنِي أَن رجَالًا مِنْكُم يطْلبُونَ العلج حَتَّى إِذا أسْند فِي الْجَبَل وَامْتنع قَالَ رجل : مترس - وَفِي رِوَايَة : مطرس . لَا تخف - فَإِذا أدْركهُ قَتله ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أعلم مَكَان أحد فعل ذَلِك إِلَّا ضربت عُنُقه . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي وَائِل ، قَالَ : جَاءَنَا كتاب عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : وَإِذا قَالَ الرجل للرجل : لَا تخف فقد أَمنه ، وَإِذا قَالَ : مترس . فقد أَمنه ؛ فَإِن الله يعلم الْأَلْسِنَة . فَائِدَة : مترس بِفَتْح الْمِيم وَالتَّاء وَسُكُون الرَّاء ثمَّ سين وَكَذَا ضَبطه صَاحب الِاسْتِقْصَاء وَيُقَال بِالطَّاءِ بدل التَّاء كَمَا سلف ، وَهِي كلمة فارسية كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن الْأَثِير فِي جَامعه وَمَعْنَاهَا : لَا تخف ، كَمَا سلف .
أَحدهَا : أَن الهرمزان لما حمله أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى عمر فَقَالَ لَهُ عمر : تكلم لَا بَأْس عَلَيْك . ثمَّ أَرَادَ قَتله ، فَقَالَ أنس : لَيْسَ لَك إِلَى قَتله سَبِيل ، قلت لَهُ : تكلم لَا بَأْس عَلَيْك . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ [ الْبَيْهَقِيّ ] من طَرِيق الشَّافِعِي ، أَنا الثَّقَفِيّ ، عَن حميد ، عَن أنس بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : حاصرنا تستر فَنزل الهرمزان عَلَى حكم عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، فَقدمت بِهِ عَلَى عمر ، فَلَمَّا انتهينا إِلَيْهِ قَالَ لَهُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : تكلم . قَالَ : كَلَام حَيّ أَو كَلَام ميت ؟ قَالَ : تكلم لَا بَأْس . قَالَ : إِنَّا وَإِيَّاكُم يَا (معشر) الْعَرَب مَا خَلى الله بَيْننَا وَبَيْنكُم ، كُنَّا نتعبدكم ونقتلكم ونغصبكم ، فَلَمَّا كَانَ الله مَعكُمْ لم يكن لنا يدان . فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : مَا تَقول ؟ فَقلت : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، تركت بعدِي عدوًّا كثيرًّا وشوكة شَدِيدَة ، فَإِن قتلته يئس الْقَوْم من الْحَيَاة وَيكون أَشد لشوكتهم . فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أستحيي قَاتل الْبَراء بن مَالك ومجزأة بن ثَوْر ! فَلَمَّا خشيت أَن يقْتله ، قلت : لَيْسَ إِلَى قَتله سَبِيل ؛ قد قلت لَهُ : تكلم لَا بَأْس . فَقَالَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : ارتشيت وأصبت مِنْهُ ؟ ! فَقَالَ : وَالله مَا ارتشيت وَلَا أصبت مِنْهُ . قَالَ : لتَأْتِيني عَلَى مَا شهِدت [ بِهِ ] بغيرك أَو لا بد أَن تشهد بعقوبتك . قَالَ : فَخرجت فَلَقِيت الزبير بن الْعَوام فَشهد معي ، وَأمْسك عمر ، وَأسلم [ الهرمزان ] وَفرض لَهُ . فَائِدَة : الهرمزان بِضَم الْهَاء وَالْمِيم وَهُوَ اسْم لبَعض أكَابِر الْفرس وَهُوَ دهقانهم الْأَصْغَر . قَالَ المطرزي فِي كتاب المعرب : الهرمزان ملك الأهواز أسلم وَقَتله عبيد الله بن عمر اتهامًا أَنه قَاتل أَبِيه أَو الْآمِر بِهِ . و تستر بتاءين مثناتين من فَوق الأولَى مَضْمُومَة وَفتح الثَّانِيَة بَينهمَا سين مُهْملَة سَاكِنة ، وَهِي مَدِينَة مَشْهُورَة بخراسان .
الْأَثر الثَّالِث : عَن فُضَيْل الرقاشِي قَالَ : جهز عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه جَيْشًا كنت فيهم ، فحصرنا قَرْيَة رامهرمز فَكتب عبد أَمَانًا فِي صحيفَة شدها مَعَ سهم رَمَى بِهِ إِلَى الْيَهُود ، فَخَرجُوا بأمانه فَكتب إِلَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَقَالَ : العَبْد الْمُسلم رجل من الْمُسلمين ، ذمَّته ذمتهم . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عَاصِم الْأَحول ، عَن فُضَيْل بن زيد قَالَ : كُنَّا مصافي الْعَدو . قَالَ : فَكتب عبد فِي سهم لَهُ أَمَانًا للْمُشْرِكين فَرَمَاهُمْ بِهِ فَجَاءُوا فَقَالُوا : قد أمنتمونا . فَقَالُوا : لم نؤمنكم ، إِنَّمَا أمنكم عبد . فَكَتَبُوا فِيهِ إِلَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَكتب عمر : إِن العَبْد من الْمُسلمين وذمته ذمتهم . وأمنهم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ فِي حَدِيث أهل الْبَيْت عَن عَلّي مَرْفُوعا : أَمَان العَبْد جَائِز . فَائِدَة : وَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ فضل وَصَوَابه فُضَيْل بِزِيَادَة يَاء كَمَا قَدمته ، وكنيته أَبُو حسان ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي جرحه وتعديله : فُضَيْل بن زيد الرقاشِي يكنى أَبَا حسان ، كناه حَمَّاد بن سَلمَة . قَالَ يَحْيَى بن معِين : هُوَ رجل صَدُوق ثِقَة . وَوَقع فِي الْمُهَذّب : فضل بن يزِيد بِإِثْبَات الْيَاء فِي يزِيد وحذفها من فُضَيْل . قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه كَذَا وَجَدْنَاهُ فِي نسخ الْمُهَذّب قَالَ : وَنقل بعض الْأَئِمَّة عَن خطّ المُصَنّف أَنه واهٍ فحذفها مِنْهُمَا . قَالَ النَّوَوِيّ : وكل هَذَا غلط وتصحيف ، وَالصَّوَاب فُضَيْل بن زيد ، بِإِثْبَات الْيَاء فِي فُضَيْل وحذفها من زيد هَكَذَا ذكره أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ ابنُ أبي حَاتِم ، وَغَيره . و الرقاشِي بِفَتْح الرَّاء ، وَتَخْفِيف الْقَاف مَنْسُوب إِلَى رقاش قَبيلَة مَعْرُوفَة من ربيعَة . و رَامْهُرمُز الْمَذْكُور فِي رِوَايَة المُصَنّف - بِفَتْح الْمِيم الأولَى ، وَضم الْهَاء ، وَإِسْكَان الرَّاء ، وَضم الْمِيم الثَّانِيَة - وَهِي من بِلَاد خوزستان بِقرب شيراز .
الحَدِيث الثَّانِي أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتثْنى يَوْم فتح مَكَّة رجَالًا مخصوصين فَأمر بِقَتْلِهِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَاللَّفْظ لَهُ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ : لما كَانَ يَوْم فتح مَكَّة أَمن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - النَّاس إِلَّا أَرْبَعَة [ نفر ] وَامْرَأَتَيْنِ ، وَقَالَ : اقْتُلُوهُمْ وَإِن وَجَدْتُمُوهُمْ معلقين بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة : عِكْرِمَة بن أبي جهل ، وَعبد الله بن خطل ، وَمقيس بن صبَابَة ، وَعبد الله بن أبي سرح ، فَأَما عبد الله بن خطل ، فأُدرك وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة ، فَاسْتَبق إِلَيْهِ سعيد بن حُرَيْث ، وعمار بن يَاسر ، فَسبق سعيد عمارًا ، وَكَانَ أشب الرجلَيْن فَقتله ، [ وَأما مقيس بن صبَابَة فأدركه النَّاس فِي السُّوق فَقَتَلُوهُ ] ، وَأما عِكْرِمَة بن أبي جهل فَركب الْبَحْر فَأَصَابَتْهُمْ عاصفٌ ، فَقَالَ (أهل) السَّفِينَة : أَخْلصُوا ؛ فَإِن آلِهَتكُم لَا تغني عَنْكُم شَيْئا هَا هُنَا ، فَقَالَ عِكْرِمَة : [ وَالله لَئِن لم يُنجنِي من الْبَحْر إِلَّا الْإِخْلَاص لَا يُنجنِي فِي الْبر غَيره ] ، اللَّهُمَّ [ إِن ] لَك عهدا إِن أَنْت عَافَيْتنِي مِمَّا أَنا فِيهِ أَن آتِي مُحَمَّدًا حَتَّى أَضَع يَدي فِي يَده ، فلأجدنه عفوًّا (غَفُورًا) كَرِيمًا ، فجَاء وَأسلم ، وَأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْد عُثْمَان ، فَلَمَّا دَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - النَّاس إِلَى الْبيعَة جَاءَ حَتَّى أوقفهُ عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، بَايع عبد الله . قَالَ : فَرفع رَأسه فَنظر إِلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يَأْبَى فَبَايعهُ بعد ثَلَاث ، ثمَّ أقبل عَلَى أَصْحَابه فَقَالَ : أما كَانَ فِيكُم رجل رشيد يقوم إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْت يَدي عَن (مبايعته) فيقتله ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، مَا نَدْرِي مَا فِي نَفسك ، أَلا أَوْمَأت إِلَيْنَا بِعَيْنِك ، قَالَ : إِنَّه لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين . قَالَ أَبُو دَاوُد : كَانَ عبد الله أَخا عُثْمَان من الرضَاعَة . وَفِي رِوَايَة للبيهقي من رِوَايَة عمر بن عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد المَخْزُومِي (عَن جده ، عَن أَبِيه) أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ يَوْم فتح مَكَّة : أَمن النَّاس إِلَّا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة ، لَا يُؤمنُوا لَا فِي حل وَلَا حرم : ابْن خطل ، وَمقيس بن صبَابَة ، وَعبد الله بن أبي سرح ، وَابْن معبد . فَأَما ابْن خطل فَقتله الزبير بن الْعَوام ، وَأما ابْن أبي سرح فاستأمن لَهُ عُثْمَان فأمن ، وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة فَلم يقتل ، وَمقيس بن صبَابَة فَقتله ابْن عَم لَهُ لحا - قد سَمَّاهُ ، وَقتل عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ابْن معبد ، وقينتين كَانَتَا لمقيس فقتلت إِحْدَاهمَا ، وأفلتت الْأُخْرَى فَأسْلمت . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِي حَدِيث أنس بن مَالك فِيمَن أَمر بقتْله أم سارة مولاة لقريش ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي : سارة مولاة لبَعض بني عبد الْمطلب ، وَكَانَت مِمَّن تؤذيه بِمَكَّة . وَذكر ابْن هِشَام أَن نميلَة قتل مقيس بن صبَابَة ، وَهُوَ رجل من قومه ، وَابْن عبد الله بن خطل قَتله سعيد بن حُرَيْث ، وَأَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ اشْتَركَا فِي دَمه ، وَجزم أَبُو نعيم فِي الْمعرفَة بِأَن الَّذِي قَتله هُوَ أَبُو بَرزَة وَحده . قَالَ ابْن الطلاع : وَذكر صَاحب كتاب السّرقَة أَن أَبَا بَرزَة قَتله . وَذكر ابْن حبيب أَنه أَمر بقتل هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة وَقَرِيبَة أَيْضا ، وَقتلت قريبَة وَسَارة ، وَأسْلمت هِنْد وبايعته . وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن سارة أمنها النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعد أَن استؤمن لَهَا ، فَبَقيت حَتَّى أَوْطَأَهَا رِجْل فرسٍ فِي زمن عمر بن الْخطاب بِالْأَبْطح فَقَتلهَا . وَذكر أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْوَال أَن سارة حملت كتاب حَاطِب إِلَى مَكَّة . فَائِدَة : قَالَ المطرزي فِي الْمغرب : مقيس بن صبَابَة بالصَّاد غير الْمُعْجَمَة ، عَن الْجَوْهَرِي وَغَيره . قَالَ : والمحدثون يَقُولُونَ : مقيس بِالسِّين . وَعَن ابْن دُرَيْد : مقيس بِوَزْن مَرْيَم ، وضبابة بالضاد مُعْجمَة . وَذكر ابْن مَنْدَه فِي تَارِيخه مقيس بن صبَابَة ، وَقَالَ : ارتد عَن الْإِسْلَام ثمَّ رَجَعَ ، وَهِشَام أَخُوهُ قتل مُسلما . رَوَى عَنهُ عبد الله بن عَبَّاس ، وَقد ذكرنَا قبل أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بقتْله يَوْم الْفَتْح ، وَأَن تُمَيْلة قَتله .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن ابْن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رد يَوْم بدر نَفرا من أَصْحَابنَا استصغرهم . هَذَا الحَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه ، لَا يحضرني من خرجه من هَذَا الطَّرِيق ، وَالَّذِي يحضرني مَا أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن الْبَراء قَالَ : استصغرت أَنا ، وَابْن عمر يَوْم بدر ، وَأخرج الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عَامر بن سعد ، عَن أَبِيه قَالَ : عرض رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَيْشًا فَرد عُمَيْر بن أبي وَقاص ، فَبَكَى عُمَيْر ، فَأَجَازَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعقد عَلَيْهِ حمائل سَيْفه ، قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِي تَصْحِيحه لَهُ نظر ؛ فَإِن فِي إِسْنَاده يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ ، وَهُوَ واهٍ ، وَأخرج أَيْضا فِي مَنَاقِب سعد بن خَيْثَمَة من مُسْتَدْركه ، أَنه عَلَيْهِ السَّلَام استصغره هُوَ ، وَزيد بن (جَارِيَة) ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : فِيهِ نَكَارَة ؛ كَيفَ يستصغر من [ هُوَ ] نقيب ، وَرَوَى الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة بِإِسْنَادِهِ ، أَنه عَلَيْهِ السَّلَام استصغر مُصعب بْن عُمَيْر ، ورده فَبَكَى فَأَجَازَهُ فَكَانَ سعد يَقُول : كنت أعقد لَهُ حمال سيف من صغره ، وَقتل ببدر وَهُوَ ابْن سِتَّة عشر سنة ، وَرَوَى الْحَاكِم ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث زيد بن (جَارِيَة) [ أَن رَسُول الله استصغر نَاسا يَوْم أحد مِنْهُم زيد بن جَارِيَة ] - يَعْنِي نَفسه - والبراء بن عَازِب ، وَزيد بن أَرقم ، وَسعد ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَعبد الله بن عمر ، وَجَابِر بن عبد الله قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد .
الحَدِيث الْخَامِس قَالَ الرَّافِعِيّ : وَذكروا فِي خلال هَذِه الْمُقدمَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يعبد صنمًا قطّ ، وَورد عَنهُ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : مَا كفر بِاللَّه نَبِي قطّ انْتَهَى . وَمَعْنَاهُ صَحِيح بِالْإِجْمَاع .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها سَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَل عَلَى النِّسَاء جِهَاد ؟ قَالَ : نعم ، جِهَاد لَا قتال فِيهِ : الْحَج وَالْعمْرَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه ابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور بِإِسْنَاد صَحِيح ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : وَإسْنَاد ابْن مَاجَه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاده حسن ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : [ من ] مُحَمَّد ابن فضل رَاوِيه إِلَى عَائِشَة كلهم من رجال الصَّحِيح ، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور ، لَكِن لَفظه : قلت : يَا رَسُول الله ، عَلَى النِّسَاء جِهَاد ؟ قَالَ : لَا ، عَلَيْهِنَّ جِهَاد فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عمرَان بن حطَّان ، عَن عَائِشَة يَا رَسُول الله ، هَل عَلَى النِّسَاء جِهَاد ؟ الحَدِيث ، وَهَذِه الطَّرِيق معلولة بِأَن عمرَان لم يسمع من عَائِشَة ، كَمَا قَالَه صَاحب الاستذكار ، وبعمران نَفسه قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علل الصَّحِيحَيْنِ : أخرج البُخَارِيّ حَدِيث عمرَان بن حطَّان ، عَن ابْن عمر ، عَن عمر فِي لبس الْحَرِير ، وَعمْرَان مَتْرُوك لسوء اعْتِقَاده ، وخبث رَأْيه . ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَنه وَقع فِي رِوَايَة الرَّافِعِيّ لهَذَا الحَدِيث جِهَاد لَا شوك فِيهِ بدل لَا قتال فِيهِ - قَالَ : وَهُوَ السِّلَاح وَهَذِه اللَّفْظَة غَرِيبَة من حَدِيث عَائِشَة ، نعم هِيَ مَوْجُودَة فِي حديثين آخَرين : أَحدهمَا : عَن الْحُسَيْن بن عَلّي قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنِّي جبان ، وَإِنِّي ضَعِيف فَقَالَ : هَلُمَّ إِلَى جِهَاد لَا شوك فِيهِ . أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَإِسْنَاده جيد ، وَمُعَاوِيَة بن إِسْحَاق الْمَذْكُور فِيهِ وَثَّقَهُ أَحْمد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن حبَان ، وَأَبُو حَاتِم ، وَخَالف أَبُو زرْعَة فَقَالَ : شيخ واهٍ . الثَّانِي : عَن عُثْمَان بن أبي سُلَيْمَان ، عَن جدته أم أَبِيه قَالَت : جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِنِّي أُرِيد الْجِهَاد فِي سَبِيل الله ، فَقَالَ : أدلك عَلَى جِهَاد لَا شوك فِيهِ ؟ قَالَ : بلَى ، قَالَ : حج الْبَيْت . فِي إِسْنَاده الْوَلِيد بن أبي ثَوْر ، ضعفه النَّسَائِيّ وَغَيره ، وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : اسْتَأْذَنت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْجِهَاد فَقَالَ : جهادكن الْحَج ، وَفِيه أَيْضا قلت : يَا رَسُول الله ، نرَى الْجِهَاد أفضل [ الْعَمَل ] أَفلا نجاهد ؟ قَالَ : لكنَّ أفضل الْجِهَاد حج مبرور ، وَفِي صَحِيح ابْن حبَان عَنْهَا يَا رَسُول الله ، أَلا نخرج ونجاهد مَعَك ، فَإِنِّي لَا أرَى عملا فِي الْقُرْآن أفضل من الْجِهَاد ؟ قَالَ : (أَلا) إِن لكنَّ [ أحسن ] الْجِهَاد حج الْبَيْت حج مبرور . وَفِي سنَن النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد حسن ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا جِهَاد الْكَبِير [ وَالصَّغِير ] والضعيف ، وَالْمَرْأَة الْحَج وَالْعمْرَة .
الحَدِيث السَّادِس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : من جهز غازيًا فقد غزا ، وَمن خلف غازيًا فِي أَهله وَمَاله فقد غزا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَّا أَنَّهُمَا لم يذكرَا : وَمَاله ، وَهِي غَرِيبَة فِي هَذَا الحَدِيث ، وَلكنهَا ثَابِتَة فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الثَّابِت فِي صَحِيح مُسلم : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (بعث إِلَى بني لحيان) ليخرج من كل رجلَيْنِ رجل ، ثمَّ قَالَ للقاعد : أَيّكُم خلَف الْخَارِج فِي أَهله وَمَاله [ بِخَير ] ؛ كَانَ لَهُ مثل نصف أجر الْخَارِج . تَنْبِيه : وَقع فِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم أَن حَدِيث زيد أخرجه مُسلم وَحده ، وَأَن حَدِيث أبي سعيد لم يخرجَاهُ ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ ، فقد أخرجَا جَمِيعًا حَدِيث زيد ، وَأخرج مُسلم حَدِيث أبي سعيد .
الحَدِيث الثَّانِي عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يُبَايع الْأَحْرَار عَلَى الْإِسْلَام وَالْجهَاد ، وَالْعَبِيد عَلَى الْإِسْلَام دون الْجِهَاد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، لَا يحضرني من خرجه من هَذَا الْوَجْه ، وَذكره ابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَته من حَدِيث جَابر مطولا وَلم يعزه لأحد ، وَهَذَا سياقته ، عَن جَابر : أَن عبدا قدم عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَبَايعهُ عَلَى الْجِهَاد وَالسَّلَام ، فَقدم صَاحبه فَأخْبرهُ أَنه مَمْلُوك ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بعبدين ، فَكَانَ بعد ذَلِك إِذا أَتَاهُ من لَا يعرفهُ ليبايعه سَأَلَهُ أحر هُوَ أم عبد ، فَإِن قَالَ : حر بَايعه عَلَى الْإِسْلَام وَالْجهَاد ، وَإِن قَالَ : مَمْلُوك بَايعه عَلَى الْإِسْلَام دون الْجِهَاد ، ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة [ - و ] الرَّافِعِيّ : ذكره دَلِيلا عَلَى عدم وُجُوبه عَلَى الرَّقِيق - مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بِإِسْنَاد حسن ، عَن الْحَارِث بن عبد الله بن [ أَبَي ] ربيعَة : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ فِي بعض مغازيه ، فَمر بأناس من مزينة ، فَاتبعهُ عبد لامْرَأَة مِنْهُم ، فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الطَّرِيق سلم عَلَيْهِ قَالَ : فلَان ؟ قَالَ : نعم ، قَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : أجاهد مَعَك ، قَالَ : أَذِنت لَك سيدتك ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَارْجِع إِلَيْهَا فَإِن مثلك مثل عبد لَا يُصَلِّي إِن مت قبل أَن ترجع إِلَيْهَا فاقرأ عَلَيْهَا السَّلَام ، فَرجع إِلَيْهَا فَأَخْبرهَا الْخَبَر قَالَت : آللَّهُ هُوَ أَمرك أَن تقْرَأ عَلّي السَّلَام ؟ قَالَ : نعم ، قَالَت : ارْجع فَجَاهد مَعَه ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر [ بن ] عبد الله قَالَ : جَاءَ عبد فَبَايع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْهِجْرَة ، وَلم يشْعر أَنه عبد ، فجَاء سَيّده يُريدهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بعنيه ، فَاشْتَرَاهُ بعبدين أسودين ، ثمَّ لم يُبَايع أحدا بعد حَتَّى يسْأَله أعبد هُوَ ؟ .
الحَدِيث الرَّابِع قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْمُقدمَة الَّتِي افْتتح بهَا هَذَا الْكتاب : وَلما هَاجر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْمَدِينَة وَجَبت الْهِجْرَة إِلَيْهَا عَلَى من قدر قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى قَوْله : وَالْوِلْدَانِ ، فَلَمَّا فتحت مَكَّة ارْتَفَعت الْهِجْرَة مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة ، وَعَلَى ذَلِك جَرَى حَدِيث : لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح ، وَبَقِي وجوب الْهِجْرَة عَن دَار الْكفْر فِي الْجُمْلَة ، انْتَهَى . أما الحَدِيث الصَّحِيح مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، كَذَلِك بِزِيَادَة : وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة ، وَإِذا استنفرتم فانفروا ، وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (كَمَا عزاهُ إِلَيْهِمَا) الْحميدِي فِي جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ فِي قسم الْمُتَّفق عَلَيْهِ ، وَأما عبد الْحق فَقَالَ : لم يخرج البُخَارِيّ عَن عَائِشَة فِي هَذَا شَيْئا ، وَأخرجه النَّسَائِيّ من حَدِيث صَفْوَان بن أُميَّة ، وَأخرجه الْخَطِيب فِي تلخيصه من حَدِيث غزيَّة بن الْحَارِث مَرْفُوعا : لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح ، إِنَّمَا هُوَ الْحَشْر وَالنِّيَّة وَالْجهَاد . وَإِنَّمَا التَّأْوِيل الذي أبداه فَهُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ . وَالْقَوْل الثَّانِي أَن المُرَاد : لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح كَامِلَة الْفضل كَالَّتِي قبل الْفَتْح ، وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى تَأْوِيل الحَدِيث تَوْفِيقًا بَينه وَبَين حَدِيث عبد الله بن السَّعْدِيّ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ قَالَ : لَا تَنْقَطِع الْهِجْرَة مَا قوتل الْكفَّار . أخرجه الْبَغَوِيّ وَابْن السكن وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام : بَعْدَمَا أخرجه : وَفِي إِسْنَاده اخْتِلَاف .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فاستأذنه فِي الْجِهَاد فَقَالَ : أَحَي والداك ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : ففيهما فَجَاهد . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَقد سلف فِي بَاب الْإِحْصَار والفوات وَاضحا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَن رجلا جَاءَ فاستأذنه فِي الْجِهَاد ، فَقَالَ : إِنِّي أُرِيد أَن أجاهد مَعَك . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَلَك أَبَوَانِ ؟ قَالَ : نعم . قَالَ كَيفَ تركتهما ؟ قَالَ : تركتهما وهما يَبْكِيَانِ . فَقَالَ : ارْجع إِلَيْهِمَا ، وأضحكهما كَمَا أبكيتهما . قلت : هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة ، رَوَاهَا أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة أَيْضا . وَقد سلفت فِي الْموضع الْمشَار إِلَيْهِ أَولا وَاضحا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَهَذَا فِي الْأَبَوَيْنِ الْمُسلمين . أما إِذا كَانَ الأبوان أَو الْحَيّ مِنْهُمَا مُشْركًا ، فَلَا يحْتَاج فِي الْخُرُوج إِلَى إِذْنه ؛ (للتُّهمَةِ) الظَّاهِرَة بالميل إِلَى [ أهل ] الدَّين ، وَكَانَ عبد الله بن أبي ابن سلول يَغْزُو مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعْلُوم أَن أَبَاهُ كَانَ يكره ذَلِك ، فَإِنَّهُ كَانَ يخذل الْأَجَانِب ويمنعهم عَن الْجِهَاد ، وَهُوَ كَمَا قَالَ .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أنكر عَلَى معَاذ التَّأْوِيل . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي أَوَاخِر كتاب صَلَاة الْجَمَاعَة فِي أثْنَاء بَاب الْمَوَاقِيت ، فَرَاجعه من ثمَّ .
الحَدِيث الرَّابِع عشر إِلَى [ الثَّامِن ] عشر قَالَ الرَّافِعِيّ : وَردت أَخْبَار كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي السَّلام وإفشائه . هُوَ كَمَا قَالَ ، فلنذكر من ذَلِك خَمْسَة أَحَادِيث : أَحدهَا : عَن عبد الله بن عَمْرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي الْإِسْلَام خير ؟ قَالَ : تطعم الطَّعَام ، وتقرأ السَّلَام عَلَى من عرفت وَعَلَى من لم تعرف أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا . ثَانِيهمَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : خلق الله عَزَّ وَجَلَّ آدم عَلَى صورته سِتُّونَ ذِرَاعا ، فَلَمَّا خلقه قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَسلم عَلَى أُولَئِكَ [ النَّفر - وهم ] نفر من الْمَلَائِكَة جُلُوس - فاسمع مَا يحيونك فَإِنَّهَا تحيتك ، وتحية ذريتك [ قَالَ : فَذهب فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُم ] ، [ فَقَالُوا ] : السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله ، فزادوه وَرَحْمَة الله أَخْرجَاهُ أَيْضا . ثَالِثهَا : عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِسبع ، ونهانا عَن سبع ، وعدَّ مِنْهَا إفشَاء السَّلَام أَخْرجَاهُ أَيْضا . رَابِعهَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تدخلون الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا ، وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا ، أَولا أدلكم عَلَى شَيْء إِذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السَّلَام بَيْنكُم ، أخرجه مُسلم . خَامِسهَا : عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اعبدوا الرَّحْمَن ، وأفشوا السَّلَام ، وأطعموا الطَّعَام تدخلون الْجنَّة ، أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَأخرجه الدَّارمِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالْحَاكِم بأسانيد حَسَنَة من رِوَايَة ابْن سَلام رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : يَا أَيهَا النَّاس ، أفشوا السَّلَام ، وأطعموا الطَّعَام ، وصلوا الْأَرْحَام ، وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام ، تدخلون الْجنَّة بِسَلام ، أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَأخرجه الدَّارمِيّ وَالتِّرْمِذِيّ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث صَحِيح ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَالْأَحَادِيث فِي الْبَاب كَثِيرَة ، لَا يسعنا أَن نذكرها هُنَا ؛ لكثرتها وانتشارها ، وَهَذَا الْعدَد كافٍ فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ .
الحَدِيث الثَّالِث عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ [ لغدوة ] فِي سَبِيل الله ، أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : [ لغدوة ] فِي سَبِيل الله ، أَو رَوْحَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سهل بن سعد ، وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة .
الحَدِيث التَّاسِع عشر ورد فِي الْخَبَر النَّهْي عَن السَّلَام عَلَى قَاضِي الْحَاجة . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد مر حَدِيث جَابر وَابْن عمر ، أما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيثه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر عَلَيْهِ رجل وَهُوَ يَبُول ، فسلَّم عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رَأَيْتنِي عَلَى مثل هَذِه الْحَالة فَلَا تسلم عليَّ ؛ فَإنَّك إِن فعلت لم أرد عَلَيْك . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : لَا أعلم رَوَاهُ غير هَاشم بن الْبَرِيد ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن جَابر . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَأخْرجهُ الشَّافِعِي ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد . قَالَ : أَخْبرنِي أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَن رجلا مر عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ وَهُوَ يَبُول ، فَسلم عَلَيْهِ الرجل ، فَرد عَلَيْهِ السَّلَام ، فَلَمَّا جاوزه ناداه النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] فَقَالَ : إِنَّمَا حَملَنِي عَلَى الرَّد عَلَيْك خشيَة أَن تذْهب فَتَقول : إِنِّي سلمت عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يرد عليَّ ، قَالَ : فَإِذا رَأَيْتنِي عَلَى هَذِه الْحَالة فَلَا تسلم عليَّ ؛ فَإنَّك إِن تفعل فَإِنِّي لَا أرد عَلَيْك ، وَأخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث سعيد بن سَلمَة ، ثَنَا أَبُو بكر رجل من ولد عبد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَعَ اخْتِلَاف فِي بعض اللَّفْظ وَنقص يسير . قَالَ عبد الْحق : وَأَبُو بكر هَذَا فِيمَا أعلم هُوَ ابْن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر ، رَوَى عَنهُ مَالك وَغَيره ، وَهُوَ لَا بَأْس بِهِ ، وَلَكِن حَدِيث مُسلم أصح ؛ لِأَنَّهُ من حَدِيث الضَّحَّاك بن عُثْمَان ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَن رجلا سلم عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ يَبُول فَلم يرد عَلَيْهِ ، وَالضَّحَّاك أوثق من أبي بكر ، أَو لَعَلَّه كَانَ ذَلِك فِي موطنين . وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَيْهِ فَقَالَ : هَذَا الَّذِي ذكر فِي أبي بكر هَذَا يَنْبَغِي أَن يتَوَقَّف فِيهِ ؛ فَإِن الرجل الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد لم نعلم فِيهِ أَكثر من أَنه ولد عبد الله بن عمر ، فَمن أَيْن لَهُ أَنه أَبُو بكر بن عمر بن عبد الرَّحْمَن الَّذِي رَوَى عَنهُ مَالك ، وَقد كَانَ (مانعه من ذَلِك لَو ثَبت) أَن الَّذِي فِي الْإِسْنَاد ، يروي عَن نَافِع ، وَالَّذِي توهمه أَنه هُوَ مَعْلُوم الرِّوَايَة عَن ابْن عمر ، ويروي عَنهُ مَالك وَغَيره ، وَإِلَى هَذَا فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور إِنَّمَا يرويهِ عَن أبي بكر الْمَذْكُور سعيد بن سَلمَة [ وَهُوَ ابْن ] [ أبي ] الحسام أَبُو عمر ، مولَى عمر بن الْخطاب ، وَهُوَ قد أخرج لَهُ مُسلم ، وَإِن كَانَ ابْن معِين سُئِلَ عَنهُ فَلم يعرفهُ وَإِنَّمَا نُرِيد حَاله ، وَإِلَّا فقد عرف حَالَة عينه وَنسبه بِالْوَلَاءِ ، وَرِوَايَة من رَوَى عَنهُ وَعَمن رَوَى قَالَ صَاحب الإِمَام : أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق قد تثبت فِي ذَلِك بقوله أَبُو بكر فِيمَا أعلم ، وَلم يجْزم بذلك ، وَقد وَقع مَا دلّ عَلَى صِحَة ظَنّه ؛ فَإِن هَذَا الحَدِيث قد أخرجه ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَقَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى ، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء ، ثَنَا سعيد - يَعْنِي ابْن سَلمَة - عَن أبي بكر - هُوَ ابْن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب - عَن نَافِع ، عَن عبد الله بن عمر [ أَن رجلا مر برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ يهريق المَاء فَسلم عَلَيْهِ الرجل ] ، فَرد عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ قَالَ : إِذا رَأَيْتنِي هَكَذَا فَلَا تسلم عليَّ ؛ فَإنَّك إِن تفعل لَا أرد عَلَيْك السَّلَام . فَهَذِهِ الرِّوَايَة وَقع فِيهَا نسب أبي بكر هَذَا كَمَا ظن عبد الْحق ، وَأَقْوَى من هَذَا رِوَايَة الْحَافِظ أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِسْحَاق السراج ، ثَنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْحَنْظَلِي ، ثَنَا عبد الله بن رَجَاء ، ثَنَا سعيد بن سَلمَة ، حَدثنِي أَبُو بكر بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب بِسَنَدِهِ ، وَفِيه ثمَّ قَالَ : إِنَّه لم يحملني عَلَى السَّلَام عَلَيّ إِلَّا أَنِّي خشيت أَن تَقول : سلمت عليكَّ فَلم ترد عَلَيْكَ السَّلَام . قلت : وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة أَيْضا . فَائِدَة : فِي شرح الْآثَار للطحاوي حَدِيث الْمَنْع من رد السَّلَام مَنْسُوخ بِآيَة الْوضُوء ، وَقيل بِحَدِيث عَائِشَة : كَانَ يذكر الله عَلَى كل أحيانه ، وَزعم الْحسن أَنه لَيْسَ مَنْسُوخا ، وَتمسك بِمُقْتَضَاهُ .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : رفع الْقَلَم عَن ثَلَاث الحَدِيث . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي أثْنَاء بَاب الْمَوَاقِيت فَرَاجعه من ثمَّ .
الحَدِيث الْعشْرُونَ أَن أَعْرَابِيًا قعد عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَاسْتحْسن كَلَامه ، فاستأذنه فِي أَن يقبّل وَجهه فَأذن لَهُ ، ثمَّ اسْتَأْذن أَن يقبّل يَده فَأذن لَهُ ، ثمَّ اسْتَأْذن فِي أَن يسْجد لَهُ فَلم يَأْذَن لَهُ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، قد أسلمت فأرني شَيْئا أزدد بِهِ يَقِينا ، فَقَالَ : فَمَا الَّذِي تريده ؟ قَالَ : اُدع تِلْكَ الشَّجَرَة فلتأتك فَذكر حَدِيثا فِي إتْيَان الشَّجَرَة إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وتسليمها عَلَيْهِ ورجوعها ، وَفِي آخِره : فَقَالَ الْأَعرَابِي : ائْذَنْ لي يَا رَسُول الله ، أَن أقبل رَأسك ورجليك فَفعل ، ثمَّ قَالَ : ائْذَنْ لي أَن أَسجد لَك ، فَقَالَ : لَا يسْجد أحد لأحد ، وَلَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأحدٍ لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا ؛ لعظم حَقه عَلَيْهَا . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث بُرَيْدَة أَيْضا : أَن رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، عَلمنِي شَيْئا أزداد بِهِ يَقِينا . قَالَ فَقَالَ : ادْع تِلْكَ الشَّجَرَة ، فَدَعَا بهَا فَجَاءَت حَتَّى سلمت عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ قَالَ لَهَا : ارجعي فَرَجَعت . قَالَ : ثمَّ أذن لَهُ فَقبل رَأسه وَرجلَيْهِ ، وَقَالَ : لَو كنت آمرًا أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، ذكره فِي كتاب الْبر والصلة ، وَفِي إِسْنَاده وَإسْنَاد أبي نعيم : حبَان بن عَلّي الْغَزِّي الْكُوفِي ، أَخُو منْدَل وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَرَوَاهُ صَالح بن حبَان أَيْضا وَقد ضَعَّفُوهُ ، فَكيف يكون صَحِيح الْإِسْنَاد إِذا ؟ قَالَ أَبُو نعيم : وَرَوَاهُ تَمِيم الدَّارِيّ بن عبد الْمُؤمن ، عَن صَالح بن حبَان ، وَلَفظه : أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ يسْأَل عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَيْن هُوَ ؟ حَتَّى وَقع إِلَى قوم جُلُوس من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسلم ثمَّ قَالَ : أَي نَبِي الله آتِيك فَأقبل رَأسك ؟ فَقَالَ : نعم . قَالَ : أقبل رجليك ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : أَتَيْتُك مُسلما أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك عَبده وَرَسُوله . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ذَلِك خير لَك فَذكر الحَدِيث فِي طلب إتْيَان الشَّجَرَة وإتيانها ورجوعها ، وَفِي آخِره : وَقَالَ : يَا نَبِي الله ، أَسجد لَك ؟ قَالَ : لَا إِنَّمَا السُّجُود لله الحَدِيث . قلت : وَتَمِيم هَذَا لَا أعرف حَاله ، ثمَّ اعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَنه لَا يكره التَّعْظِيم بالتقبيل لزهد ، أَو علم ، وَكبر سنّ ، ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث زارع رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : كَانَ فِي وَفد عبد الْقَيْس قَالَ : فَجعلنَا نتبادر من رواحنا ، فنقبل يَد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقبلنَا يَده ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَمِنْهَا حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما فِي قصَّة قَالَ : فَدَنَوْنَا - يَعْنِي من النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقبلنَا يَده وَرجله ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا ، وَمِنْهَا حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ يَهُودِيّ لصَاحبه : اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِي ، فَأتيَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسَأَلَاهُ عَن تسع آيَات بَيِّنَات ، فَذكر الحَدِيث إِلَى قَوْله : فقبلوا يَده وَرجله ، وَقَالا : نشْهد أَنَّك نَبِي . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه بأسانيد صَحِيحَة .
الحَدِيث الثَّانِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ : أَي الْأَعْمَال أفضل ؟ فَقَالَ : الصَّلَاة لوَقْتهَا . قيل : ثمَّ أَي ؟ قَالَ : بر الْوَالِدين . قيل : ثمَّ أَي ؟ قَالَ : الْجِهَاد فِي سَبِيل الله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَقد سلف فِي أثْنَاء التَّيَمُّم وَاضحا .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : حق الْمُؤمن عَلَى الْمُؤمن سِتَّة : أَن يسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ، وَأَن يجِيبه إِذا دَعَاهُ ، وَأَن يشمته إِذا عطس ، وَأَن يعودهُ إِذا مرض ، وَأَن يشيع جنَازَته إِذا مَاتَ ، وَأَن لَا يظنّ فِيهِ إِلَّا خيرا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه إِلَّا أَنه قَالَ : وَإِذا استنصحك فانصح لَهُ بدل وَأَن لَا تظن فِيهِ إِلَّا خيرا ، وَهَذَا لَفظه : حق الْمُسلم عَلَى الْمُسلم سِتَّة : إِذا لَقيته فَسلم عَلَيْهِ ، وَإِذا دعَاك فأجبه ، وَإِذا استنصحك فانصح ، وَإِذا عطس فحمِدَ الله فشمّته ، وَإِذا مرض فعده ، وَإِذا مَاتَ فَاتبعهُ ، وَفِي رِوَايَة لَهُ وللبخاري : حق الْمُسلم خمس : رد السَّلَام ، وعيادة الْمَرِيض ، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز ، وَإجَابَة الدعْوَة ، وتشميت الْعَاطِس ، وَفِي سنَن ابْن مَاجَه ، و جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي مَرْفُوعا : للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم سِتَّة بِالْمَعْرُوفِ : يسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ، ويجيبه إِذا دَعَاهُ ، ويشمته إِذا عطس ، ويعوده إِذا مرض ، وَيتبع جنَازَته إِذا مَاتَ ، وَيُحب لَهُ مَا يحب لنَفسِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن ، وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، عَن خَالِد بن أبي عمرَان ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَفعه : للمرء الْمُسلم عَلَى أَخِيه من الْمَعْرُوف سِتَّة : تشميته إِذا عطس ، ويعوده إِذا مرض ، وينصحه إِذا غَابَ أَو شهده ، وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ، ويجيبه إِذا دَعَاهُ ، ويتبعه إِذا مَاتَ ، وَنَهَى عَن هِجْرَة الْمُسلم أَخَاهُ فَوق ثَلَاث . وَفِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه من حَدِيث الأفريقي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم ، عَن أَبِيه ، عَن أبي أَيُّوب رَفعه : للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم سِتّ خِصَال وَاجِبَة ، فَمن ترك مِنْهَا خصْلَة ترك حَقًا وواجبًا لِأَخِيهِ : أَن يجِيبه إِذا دَعَاهُ ، وَيسلم عَلَيْهِ إِذا لقِيه ، ويشمته إِذا عطس ، ويعوده إِذا مرض ، ويشيع جنَازَته إِذا مَاتَ ، وينصحه إِذا استنصحه . وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول : مَا أطيبك (وَأطيب) رِيحك ! مَا أعظمك (مَا أعظم) حرمتك ! وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن أعظم عِنْد الله حُرْمَة منَكِ : مَاله وَدَمه ، وَأَن لَا يظنّ [ بِهِ ] إِلَّا خيرا . وَقد رُوِيَ حَدِيث غَرِيب جدا من طَرِيق عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه رَفعه : للْمُسلمِ عَلَى الْمُسلم ثَلَاثُونَ حَقًا ، لَا بَرَاءَة لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِالْأَدَاءِ أَو الْعَفو : يغْفر لَهُ زلته ، وَيرْحَم عبرته ، وَيسْتر عَوْرَته ، ويقيل عثرته ، وَيقبل معذرته ، وَيرد غيبته ، ويديم نصيحته ، ويحفظ خلته ، ويرعى ذمَّته ، وَيعود مريضه ، وَيشْهد ميته ، ويجيب دَعوته ، وَيقبل هديته ، ويكافئ صلته ، ويشمت عطسته ، وَيرد ضالته ، ويشكر نعمه ، وَيحسن نصرته ، وَيَقْضِي حَاجته ، ويتتبع سئلته ، وَيرد سَلَامه ، ويطيب كَلَامه ، ويبر إنعامه ، وَيصدق أقسامه ، وينصره ظَالِما أَو مَظْلُوما ، ويواليه (لَا) يعاديه ، فَأَما نصرته ظَالِما فَيردهُ عَن ظلمه ، وَأما نصرته مَظْلُوما فيعينه عَلَى أَخذ حَقه ، وَلَا يُسلمهُ وَلَا يَخْذُلهُ ، وَيُحب لَهُ من الْخَيْر مَا يحب لنَفسِهِ ، وَيكرهُ لَهُ من الشَّرّ مَا يكره لنَفسِهِ ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر بِهَذِهِ السِّيَاقَة كلهَا ، أَنبأَنَا بِهِ شَيخنَا صَلَاح الدَّين العلائي ، أَنا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الصَّالِحِي ، أَنبأَنَا أَحْمد بن عبد الدايم ، أَنا يَحْيَى الثَّقَفِيّ ، أبنا إِسْمَاعِيل بن الْفضل ، أنبأنا أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الذكواني ، أبنا جدي أَبُو بكر بن أبي عَلّي ، أَنبأَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر الْبَغْدَادِيّ ، نَا أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر ، حَدثنِي أبي ، عَن أَبِيه جَعْفَر ، عَن أَبِيه مُحَمَّد بن عبد الله ، عَن أَبِيه عَلّي بن أبي طَالب فَذكره .
كتاب السّير كتاب السّير وَفِيه ثَلَاثَة أَبْوَاب : الأول : فِي وُجُوبه . وَثَانِيها : فِي كيفيته . وَثَالِثهَا : فِي تَركه بالأمان . الْبَاب الأول فِي وجوب الْجِهَاد . ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ اثْنَيْنِ وَعشْرين حَدِيثا . أَحدهَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَه إِلَّا الله الحَدِيث . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عبد الله بن عمر ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي كتاب الدِّيات وَكتاب الرِّدَّة .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين أَن جَعْفَر بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما قدم من الْحَبَشَة عانقه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق أحْسنهَا : مَا سَاقه الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، نَا عبد الله بن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن جَعْفَر بن أبي طَالب لما قدم من الْحَبَشَة تَلقاهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - واعتنقه ، وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ : مرْحَبًا بأشبههم لي خَلقًا وخُلقًا . ثَانِيهَا : من حَدِيث عمْرَة ، عَن عَائِشَة قَالَت : لما قدم جَعْفَر من أَرض الْحَبَشَة خرج إِلَيْهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعانقه ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، فِي إِسْنَاده أَبُو قَتَادَة الْحَرَّانِي قَالَ : وَقد رُوِيَ عَنْهَا من طَرِيق آخر فِيهِ مُحَمَّد بن عبيد ابن عُمَيْر ، وَكِلَاهُمَا غير مَحْفُوظ . قَالَ : وهما ضعيفان . قلت : وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ من طَرِيق مُحَمَّد هَذَا ، وَلَفظه عَنْهَا : أَنه لما قدم هُوَ وَأَصْحَابه استقبله النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقبل بَين عَيْنَيْهِ . ثَالِثهَا : من حَدِيث الشّعبِيّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تلقى جَعْفَر بن أبي طَالب فَالْتَزمهُ ، وَقبل مَا بَين عَيْنَيْهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه مَعَ الْإِرْسَال الأحلج الْكِنْدِيّ وَهُوَ صَدُوق شيعي جلد ضَعِيف ، ووثق . رَوَاهُ أَبُو نعيم مُتَّصِلا بِدُونِ الأحلج ، وَهَذَا لَفظه عَن عَامر الشّعبِيّ ، عَن عبد الله بن جَعْفَر ، عَن أَبِيه جَعْفَر قَالَ : لما قدمت الْمَدِينَة من عِنْد النَّجَاشِيّ تَلقانِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فاعتنقني ثمَّ قَالَ : مَا أَدْرِي أَنا بِفَتْح خَيْبَر أفرحْ أم بقدوم جَعْفَر ! وَوَافَقَ ذَلِك فتح خَيْبَر ، وَرَوَاهُ أَيْضا كَذَلِك الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث مجَالد ، عَن الشّعبِيّ بِهِ سَوَاء ، وَرَوَاهُ العُقيلي من حَدِيث عبد الله بن جَعْفَر قَالَ : لما قدم جَعْفَر من الْحَبَشَة أَتَاهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقبل بَين عَيْنَيْهِ ، وَقَالَ : مَا أَنا بِفَتْح خَيْبَر أَشد فَرحا مني بقدوم جَعْفَر ، وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن جَعْفَر . قَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه أَحْكَام النّظر : حَاله لَا يعرف . رَابِعهَا : من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : وَجه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَعْفَر بن أبي طَالب إِلَى بِلَاد الْحَبَشَة ، فَلَمَّا قدم اعتنقه ، وَقبل بَين عَيْنَيْهِ ، ثمَّ علمه صَلَاة التَّسْبِيح . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي آخر بَاب صَلَاة التَّطَوُّع ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ . قلت : بلَى ؛ لِأَن فِيهِ أَحْمد بن دَاوُد بن عبد الْغفار الْحَرَّانِي . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوك كَذَّاب . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ بالفسطاط يضع الحَدِيث ، لَا يحل ذكره فِي الْكتب إِلَّا عَلَى سَبِيل الْإِبَانَة لأَمره ليتنكب حَدِيثه . خَامِسهَا : من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : لما قدم جَعْفَر تَلقاهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقبل جَبهته ، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْفَضَائِل فِي تَرْجَمته من مُسْتَدْركه ، وإرساله هُوَ الصَّوَاب . وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ من حَدِيث مكي بن عبد الله الرعيني ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر : قَالَ : لما أَن قدم جَعْفَر إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حجل - قَالَ سُفْيَان : يَعْنِي مَشَى عَلَى رجل وَاحِدَة - إعظامًا لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقبل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا بَين عَيْنَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا أخي ، أَنْت أشبه النَّاس بخلقي وَخلقِي ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح وَلَا يعرف إِلَّا بمكي .
الحَدِيث السَّابِع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غزا بَدْرًا فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة ، وأُحُدًا فِي الثَّالِثَة ، وَذَات الرّقاع فِي الرَّابِعَة ، وغزوة الخَنْدَق فِي الْخَامِسَة ، وغزوة بني النَّضِير فِي السَّادِسَة ، وَفتح خَيْبَر فِي السَّابِعَة ، وَفتح مَكَّة فِي الثَّامِنَة ، وغزوة تَبُوك فِي التَّاسِعَة . هَذِه الْغَزَوَات ثَابِتَة مَشْهُورَة من أَرْبَاب الْمَغَازِي شهرة تغني عَن سرد الْأَحَادِيث فِيهَا ، وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة فَلَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا مرية ، وَكَانَت فِي رَمَضَان قطعا لسبع عشر خلت مِنْهُ ، وَكَانَت يَوْم الْجُمُعَة عَلَى الْمَشْهُور ، وَرَوَى ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه فِي بَاب مولد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف أَنَّهَا كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ ، قَالَ : وَالْمَحْفُوظ أَنَّهَا كَانَت يَوْم الْجُمُعَة ، وَوَقع فِي الْمَاوَرْدِيّ أَنَّهَا يَوْم السبت ثَانِي عشر من رَمَضَان ، وَوَقع فِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة أَنَّهَا يَوْم السبت سَابِع عشر فَالله أعلم ، وَكَأَنَّهُ يَوْم الْخُرُوج ، وتاريخ الْوَقْعَة ، فَإِن الْخُرُوج يَوْم السبت فِي الثَّانِي عشر ، وَقيل : فِي الثَّالِث والوقعة سَابِع عشر . فَائِدَة : بدر مَاء مَعْرُوف ، وقرية عامرة ، عَلَى نَحْو أَربع مراحل من الْمَدِينَة ، قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي مغازيه : وَهِي بِئْر لرجل يُدعَى بدر فسميت باسمه ، قَالَ : وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان : كَانَ بدر رجل من بني غفار فنسب المَاء إِلَيْهِ . قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير : هَذَا هذيان ، وَالزبير أوثق مِنْهُ ، وَقد قَالَ : بدر بن مخلد بن الْحَارِث صَارَت بدر الَّذِي سميت بِهِ وَهُوَ احتفرها ، وَقَالَ الْحَازِمِي فِي المؤتلف والمختلف : وَقيل : بل هُوَ رجل من بني ضَمرَة ، سكن هَذَا الْموضع فنسب إِلَيْهِ ، ثمَّ غلب اسْمه عَلَيْهِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ : وتذكر وتؤنث . فَائِدَة أُخْرَى : ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْبَراء أَن عدد أهل بدر ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر ، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث (ابْن عمر) أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر ، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ : وَالْمَشْهُور أَنهم ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر ، ثمَّ ذكره بِإِسْنَاد ، وَعَن الْبَراء قَالَ : كُنَّا نتحدث أَن أَصْحَاب بدر كَانُوا بِعَدَد أَصْحَاب طالوت ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى سَبْعَة عشر ، قَالَ : (وَكَانُوا) ذكرُوا مَا ذكرُوا عَلَى سَبِيل التَّقْرِيب . قَالَ : هَذِه عدَّة الْمُؤمنِينَ ، وَأما الْمُشْركُونَ فَفِي الْخَبَر أَنهم كَانُوا ألفا ، فَرد الْأَخْنَس ثَلَاثمِائَة من بني زهرَة ، وَبَقِي سَبْعمِائة ، قَالَه مقَاتل . وَالثَّانِي : أَنهم كَانُوا دون الْألف وَفَوق السبعمائة ، فَلَعَلَّ بَعضهم عد الْمُقَاتلَة ، وَبَعْضهمْ عد الْجَمِيع . وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة أحد فِي الثَّالِثَة فَلَا شكّ فِيهِ أَيْضا وَلَا مرية ، وَكَانَت يَوْم السبت سَابِع شَوَّال ، كَذَا قَالَه ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه ، وَابْن دحْيَة فِي تنويره ، والنووي فِي روضته ، وَقَالَ فِي تهذيبه : لإحدى عشرَة خلت مِنْهُ عَلَى رَأس اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ شهرا من الْهِجْرَة ، وَقَالَ ابْن الطلاع : كَذَا ذكره ابْن الْمفضل وَقَالَ غَيره : لثلاث خلت من شَوَّال . فَائِدَة : أحد - بِضَم الْهمزَة والحاء - جبل بِجنب الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة عَلَى ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ، عَلَى نَحْو ميلين مِنْهُ ، كَانَت هَذِه الْوَقْعَة الْعُظْمَى ، قتل فِيهَا خَمْسَة وَسَبْعُونَ من الْمُسلمين ، وَفِي الصَّحِيح هَذَا جبل يحبنا ونحبه . وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة ذَات الرّقاع فِي الرَّابِع فَهُوَ مَا جزم بِهِ [ ابْن ] الْجَوْزِيّ فِي تلقيحه ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان : أَنَّهَا كَانَت بعد بني النَّضِير فِي صدر السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة ، وَبِه جزم شَيخنَا فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي سيرته الصُّغْرَى ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : هَذَا قَوْله وَالأَصَح أَنَّهَا فِي سنة خمس ، وَجزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ ، وَهُوَ فِي الرَّوْضَة قَالَ : وَهِي فِي أول الْمحرم . فَائِدَة : فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك خلاف ، سلف فِي صَلَاة الْخَوْف الْخلاف فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك ، ونقلنا هُنَاكَ عَن البُخَارِيّ أَنه ذكر أَنَّهَا بعد خَيْبَر . وَأما مَا ذكره من كَون غزَاة الخَنْدَق فِي الْخَامِسَة هُوَ مَا جزم بِهِ أَيْضا ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلقيحه ، وَابْن دحْيَة فِي تنويره ، وَالأَصَح أَنَّهَا فِي الرَّابِعَة ، فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي أول بَاب غَزْوَة الخَنْدَق قَالَ : قَالَ مُوسَى بن عقبَة : كَانَت غَزْوَة الخَنْدَق فِي سنة أَربع ، وَقَالَ أَبُو عبيد فِي الْأَمْوَال : كَانَت بعد أحد بِسنتَيْنِ ، وَقَالَ النَّوَوِيّ : ذكر جمَاعَة أَنَّهَا فِي الْخَامِسَة ، وَالأَصَح أَنَّهَا فِي الرَّابِعَة ، وَقَالَ فِي تهذيبه : أَنه الصَّحِيح ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : عرضت عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة فَلم يجزني ، وَعرضت عَلَيْهِ يَوْم الخَنْدَق ، وَأَنا ابْن خمس عشرَة فأجازني قَالَ : وَقد أجْمَعُوا أَن أحدا فِي الثَّالِثَة . فَائِدَة : كَانَت فِي ذِي الْقعدَة ، وَقيل : فِي شَوَّال حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي كِتَابيه ، وَكَانَت مُدَّة حصارهم خَمْسَة عشر يَوْمًا ، ثمَّ أرسل الله عَلَى الْكفَّار ريحًا وجنودًا لم يرهَا الْمُسلمُونَ فَهَزَمَهُمْ بهَا ، وَالْخَنْدَق هُوَ خَنْدَق الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة حفره عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه لما تحزبت عَلَيْهِم الْأَحْزَاب . وَأما غزَاة بني النَّضِير فِي السَّادِسَة فَغَرِيب جدا ، وَإِن كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ سبقه إِلَى ذَلِك فِي نهايته وَنَقله فِي كِفَايَته ، وَأقرهُ عَلَيْهِ ، فَفِي البُخَارِيّ أَنَّهَا كَانَت بعد بدر بِسنة وَشهر قَالَه عُرْوَة ، قَالَ ابْن شهَاب : فِي الْمحرم سنة ثَلَاث ، وَقَالَ غَيره : سنة أَربع خرج إِلَيْهِم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَشِيَّة الْجُمُعَة لتسْع مضين من ربيع الأول ، وحوصروا ثَلَاثة وَعشْرين يَوْمًا وَجزم بِهَذَا الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ : إِنَّهَا فِي ربيع الأول سنة أَربع ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَالنَّوَوِيّ فِي روضته و تهذيبه : أَنه سنة ثَلَاث . قلت : نعم ، غَزْوَة بني المصطلق كَانَت سنة سِتّ عَلَى الْأَصَح ، وَمِمَّنْ صَححهُ ابْن دحْيَة فِي تنويره ، وَقيل : سنة خمس (قَالَ) الدمياطي : وَهُوَ الصَّحِيح . فَائِدَة : النَّضِير بضاد مُعْجمَة غير مشالة ، بِخِلَاف قُرَيْظَة فَإِنَّهَا بِظَاء مشالة ، وهما جَمِيعًا من يهود خَيْبَر ، وينسبان إِلَى هَارُون عَلَيْهِ السَّلَام ، وَالنضْر : هُوَ الذَّهَب ، وَكَذَلِكَ النضار بِضَم النُّون . وَأما كَون فتح خَيْبَر فِي السَّابِعَة فَهُوَ الْمَعْرُوف ، وَبِه جزم ابْن دحْيَة فِي تنويره حَيْثُ قَالَ : خرج إِلَيْهَا فِي صفر سنة سبع ؛ لِأَنَّهُ قدم من الْحُدَيْبِيَة عشرَة آلَاف مقَاتل ، وَنقل ابْن الطلاع عَن ابْن هِشَام أَنه قَالَ : إِنَّهَا كَانَت فِي صفر سنة سِتّ وَهُوَ غَرِيب ، وَجزم فِي الْكِفَايَة هُنَا بِالْأولِ ، وَخَالف فِي زَكَاة الثِّيَاب فاعلمه ، وَذكر هُنَا أَنه خرج مَعَه من حضر عمْرَة الْحُدَيْبِيَة من الأجناد ، وَخَالف فِي كتاب الْحَج . فَائِدَة : أَقَامَ عَلَيْهِ السَّلَام عَن حِصَار خَيْبَر بضع عشرَة لَيْلَة ، قَالَ الْحَازِمِي : وخيبر نَاحيَة مَشْهُورَة ، وَبَينهَا ، وَبَين الْمَدِينَة مسيرَة أَيَّام ، وَهِي تشْتَمل عَلَى حصون ومزارع ، ونخل كثير قَالَ : وَيُقَال : لأراضي خَيْبَر الخبائر . وَأما كَون فتح مَكَّة فِي سنة ثَمَان فَهُوَ كَذَلِك ، وَكَذَا كَون غَزْوَة تَبُوك فِي التَّاسِعَة ، وَكَانَ فِي رَجَب ، وَوَقع فِي الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة بَرَاءَة أَنَّهَا فِي الْعَاشِرَة ، وَهُوَ عَجِيب ، قَالَ الْحَازِمِي فِي مؤتلفه : وتبوك بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ، ثمَّ وَاو ، ثمَّ كَاف : قَرْيَة بِنَاحِيَة الشَّام بَينهَا وَبَين وَادي الْقرى مراحل ، انْتَهَى إِلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أَرَادَ غَزْوَة الرّوم .
الحَدِيث التَّاسِع قَالَ : وَيجْعَل لكل طَائِفَة شعارًا حَتَّى لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا بياتًا . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي سنَن النَّسَائِيّ ، و صَحِيح الْحَاكِم من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ : قَالَ لنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنَّكُم سَتَلْقَوْنَ الْعَدو غَدا ، فَلْيَكُن شِعَاركُمْ حم لَا ينْصرُونَ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث الْمُهلب بن أبي صفرَة ، عَمَّن سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله ، وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، قَالَ : وَالرجل الَّذِي لم يسمعهُ الْمُهلب هُوَ الْبَراء بن عَازِب ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا وَلَفظه - حَدثنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لَيْلَة الخَنْدَق [ إِنِّي ] لَا أرَى الْقَوْم إِلَّا يبيتوكم اللَّيْلَة ، فَإِن شِعَاركُمْ [ حم ] لَا ينْصرُونَ ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : سكت عبد الْحق عَنهُ وَهُوَ عَمَّن لم يسم . قلت : لَا يضرّهُ ؛ لِأَنَّهُ صَحَابِيّ فَلَا يضر جهالته ، وَفِي صَحِيح الْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : جعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شعار الْمُهَاجِرين يَوْم بدر عبد الرَّحْمَن [ والأوس بني عبد الله ] والخزرج عبيد الله ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث غَرِيب صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : لَا ؛ فَفِيهِ يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ ، وَإِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي حَبِيبَة وهما ضعيفان ، وَفِي صَحِيح الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جعل شعار الأزد يَا مبرور يَا مبرور ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِيه نظر أَيْضا ؛ لِأَن فِيهِ إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن زُرَارَة الرقي ، قَالَ الْأَزْدِيّ فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث ، وَأما ابْن حبَان فوثقه . وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ سيمانا يَوْم بدر الصُّوف الْأَبْيَض ، وَفِيه وَأبي دَاوُد وَابْن مَاجَه من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع ، قَالَ : أمَّر علينا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لَيْلَة بيتنا هوَازن ، فَكَانَ من شعارنا أمت أمت .
الحَدِيث الْعَاشِر قَالَ : وَيسْتَحب أَن يدْخل دَار الْحَرْب بتعبئة الْحَرْب ؛ لِأَنَّهُ أحوط وأهيب . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَحَدِيث عُرْوَة السالف قَرِيبا فِي مرورهم عَلَى أبي سُفْيَان قَبيلَة قَبيلَة إِلَى آخر مَا سلف ، وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَالْبَزَّار من حَدِيث عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ، قَالَ : عبأنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ببدر لَيْلًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، عَن مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ ، ثَنَا سَلمَة بن الْفضل ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن عِكْرِمَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَلم يعرفهُ - يَعْنِي الحَدِيث - وَقَالَ : مُحَمَّد بن إِسْحَاق سمع من عِكْرِمَة ؛ وَحين رَأَيْته كَانَ حسن الرَّأْي فِي مُحَمَّد بن حميد ، ثمَّ ضعفه بعد . قلت : وَغير البُخَارِيّ نَفَى سَمَاعه مِنْهُ ، وَأدْخل بَينهمَا يزِيد بن أبي حبيب ، وَسَلَمَة بن الْفضل ضَعِيف ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق الكوسج : أشهد عَلَى مُحَمَّد بن حميد [ أَنه ] كَذَّاب ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار ، عَن عبد الله بن شبيب ، ثَنَا إِبْرَاهِيم بن يَحْيَى بن هَانِئ ، ثَنَا أبي ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَن ثَوْر - يَعْنِي ابْن يزِيد - عَن عِكْرِمَة بِهِ وَيَحْيَى هَذَا . قَالَ أَبُو حَاتِم : ضَعِيف . وَقَالَ السَّاجِي : أَحَادِيثه مَنَاكِير وأغاليط ، وَكَانَ ضريرًا يلقن بِحَدِيث عَن ابْن إِسْحَاق .
الحَدِيث الثَّامِن قَالَ : وَيجْعَل كل أَمِير تَحت راية . هُوَ كَمَا قَالَ [ فَفِي ] صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث عُرْوَة ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . قَالَ : لما سَار رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَام الْفَتْح فَبلغ ذَلِك قُريْشًا ، خرج أَبُو سُفْيَان بن حَرْب ، وَحَكِيم بن حزَام ، وبُدَيل بن وَرْقَاء يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوا مَرّ الظهْرَان ، فَإِذا هم بنيران كَأَنَّهَا نيران عَرَفَة ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : مَا هَذِه ؟ [ لكأنها ] نيران عَرَفَة . فَقَالَ بديل بن وَرْقَاء : نيران بني عَمْرو . فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : عَمْرو أقل من ذَلِك . فَرَآهُمْ نَاس من حرس رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأدركوهم ، فَأَخَذُوهُمْ ، فَأتوا بهم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأسلم أَبُو سُفْيَان ، فَلَمَّا سَار قَالَ للْعَبَّاس : أحبس أَبَا سُفْيَان عِنْد خطم الْجَبَل ؛ حَتَّى ينظر إِلَى الْمُسلمين ، فحبسه الْعَبَّاس ، فَجعلت الْقَبَائِل تمر مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم تمر كَتِيبَة كَتِيبَة عَلَى أبي سُفْيَان ، فمرت كَتِيبَة فَقَالَ : يَا عَبَّاس ، من هَذِه ؟ قَالَ : هَذِه غفار . قَالَ : مَا لِي وَلِغفار ، ثمَّ مرت جُهَيْنَة فَقَالَ مثل ذَلِك ، ثمَّ مرت سعد بن هذيم ، فَقَالَ مثل ذَلِك ، ثمَّ مرت سُليم فَقَالَ مثل ذَلِك ، حَتَّى أَقبلت كَتِيبَة لم ير مثلهَا ، قَالَ : من هَذِه ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْأَنْصَار عَلَيْهِم سعد بن عبَادَة ، وَمَعَهُ الرَّايَة ، فَقَالَ سعد بن عبَادَة : يَا أَبَا سُفْيَان ، الْيَوْم يَوْم الملحمة الْيَوْم تستحل الْكَعْبَة . فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : يَا عَبَّاس ، حبذا يَوْم الذمار . ثمَّ جَاءَت كَتِيبَة وَهِي أقل الْكَتَائِب فيهم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه ، وَرَايَة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَعَ الزبير ، فَلَمَّا مر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِأبي سُفْيَان ، قَالَ : ألم تعلم مَا قَالَ سعد بن عبَادَة ؟ قَالَ : مَا قَالَ ؟ قَالَ : كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : كذب سعد [ وَلَكِن ] هَذَا يَوْم يعظم الله فِيهِ الْكَعْبَة ، [ وَيَوْم تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَة ] . قَالَ : وَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تركز رايته بالحجون ، وَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْمئِذٍ خَالِد بن الْوَلِيد أَن يدْخل من أَعلَى مَكَّة من كداء ، وَدخل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من كدا ، فَقتل من خيل خَالِد بن الْوَلِيد رجلَانِ : حُبَيْش بن الْأَشْعر ، وكرز بن جَابر الفِهري .
الحَدِيث الْحَادِي عشر قَالَ : وَأَن يستنصر بالضعفاء . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه رَأَى أَن لَهُ فضلا عَلَى من دونه . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل ترزقون وتنصرون إِلَّا بضعفائكم ، زَاد النَّسَائِيّ : بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ، وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء د س ت وَصَححهُ ، وَكَذَا ابْن حبَان وَالْحَاكِم .
الحَدِيث السَّابِع قَالَ : وَأَن يعْقد الرَّايَات . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَسَيَأْتِي ذَلِك من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير بِطُولِهِ ، وَتَنَاول أَيْضا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يحب الله وَرَسُوله ، وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله فَأَعْطَاهَا لعَلي الحَدِيث بِطُولِهِ ، وَقد جَاءَت أَحَادِيث عدَّة فِي لون راية النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَفِي التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَت راية النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ سَوْدَاء ، ولِوَاؤُهُ ] أَبيض ، وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن حَيَّان أَخُو مقَاتل بن حَيَّان قَالَ البُخَارِيّ : عِنْده غلط كَبِير . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه مستشهدًا بِهِ بِلَفْظ : كَانَ لِوَاء النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبيض ، ورايته سَوْدَاء . وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث الْبَراء رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَت راية النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَوْدَاء مربَّعة من نمرة ، حسنه التِّرْمِذِيّ ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِيُونُس بن عبيد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده ، وَقَالَ : لَا يعرف إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث ، وَفِي أبي دَاوُد من حَدِيث سماك بن حَرْب ، عَن رجل من قومه ، عَن آخر مِنْهُم قَالَ : رَأَيْت راية النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صفراء . وَفِي إِسْنَاده جَهَالَة كَمَا ترَى . وَفِي ابْن السكن من حَدِيث [ مزيدة ] العصري . قَالَ : عقد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رايات الْأَنْصَار جَعلهنَّ صفراء ، ألزم ابْن الْقطَّان عبد الْحق بِتَصْحِيحِهِ . وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة أَيْضا ، وصحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دخل مَكَّة عَام الْفَتْح وَلِوَاؤُهُ أَبيض . قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالْبُخَارِيّ : غَرِيب ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أنس : أَن ابْن أم مَكْتُوم كَانَت مَعَه راية سَوْدَاء فِي بعض مشَاهد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ابْن الْقطَّان : إِسْنَاده صَحِيح قَالَ : وَهِي بِلَا شكّ من رايات رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث الثَّانِي عشر قَالَ : وَأَن يَدْعُو عِنْد التقاء الصفين . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث سهل بن سعد السَّاعِدِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : ساعتان تفتح فيهمَا أَبْوَاب السَّمَاء عِنْد حُضُور الصَّلَاة ، وَعند الصَّفّ فِي سَبِيل الله ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : ساعتان لَا ترد عَلَى داعٍ دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة ، وَفِي الصَّفّ فِي سَبِيل الله . وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي كتاب وصف الصَّلَاة بِالسنةِ ، وَهِي عَلَى شَرط صَحِيحه : عِنْد النداء بِالصَّلَاةِ ، والصف فِي سَبِيل الله ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : اثْنَان لَا يردان الدُّعَاء عِنْد النداء بِالصَّلَاةِ ، والصف فِي سَبِيل الله ، وَعند الْبَأْس حِين يلحم بَعضهم بَعْضًا ، وَرَوَاهَا الْحَاكِم أَيْضا ، وَفِي إسنادها رجل مُتَكَلم فِيهِ ، وصححها الْحَاكِم وَابْن خُزَيْمَة ، وَفِي صَحِيح الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب السَّمَاء ، واستجيب الدُّعَاء ، فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي ثمَّ قَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد ضَعِيف من حَدِيث أبي أُمَامَة رَفعه : الدُّعَاء يُسْتَجَاب ، وتفتح أَبْوَاب السَّمَاء فِي أَرْبَعَة مَوَاطِن عِنْد التقاء الصُّفُوف ، ونزول الْغَيْث ، وَإِقَامَة الصَّلَاة ، ورؤية الْكَعْبَة . وَفِي الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا : تفتح أَبْوَاب السَّمَاء لخمس : لقرأة الْقُرْآن ، و(التقاء) الزحفين ، ونزول (الْمَطَر) ، ولدعوة الْمَظْلُوم ، وَالْأَذَان ، ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع إِلَّا حَفْص ، تفرد بِهِ عَمْرو بن عون الوَاسِطِيّ .
الحَدِيث السَّادِس قَالَ : فِي أول النَّهَار . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي مُسْند أَحْمد و السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث صَخْر بن ودَاعَة الغامدي - بالغين الْمُعْجَمَة و [ الدَّال ] - الْأَزْدِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها ، قَالَ : كَانَ إِذا بعث سَرِيَّة أَو جَيْشًا بَعثهمْ من أول النَّهَار ، وَكَانَ صَخْر رجلا تَاجِرًا ، وَكَانَ يبْعَث تِجَارَته من أول النَّهَار فَأُسْرِيَ وَكثر مَاله . ونفاه الْمجد فِي أَحْكَامه عَن النَّسَائِيّ ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ ، فَهُوَ فِيهِ كَمَا عزيناه إِلَيْهِ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَخَالَفنَا ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ فِي علله : تَحْسِين عبد الْحق لَهُ خطأ ، وَابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ يرويهِ عمَارَة بن حَدِيد ، عَن صَخْر . قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : عمَارَة مَجْهُول . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا يعرف . قلت : لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته فِي التَّابِعين ، وَقَالَ : رَوَى عَن صَخْر الغامدي ، وَرَوَى عَنهُ [ يعْلى ] بن عَطاء ، وَأخرجه فِي صَحِيحه من طَرِيقين من جِهَته ، وَله شَوَاهِد من غير هَذَا الحَدِيث كَمَا ستعلمه بعد . قَالَ ابْن طَاهِر الْحَافِظ فِي تَخْرِيجه لأحاديث الشهَاب : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات من الصَّحَابَة ، وَلم يخرج مِنْهَا - يَعْنِي فِي الصَّحِيح - عَلَى كثرتها شَيْء ، وأقربها إِلَى الصِّحَّة والشهرة هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي رُءُوس الْمسَائِل : قد حسن التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَكَذَا قَالَ غَيره من الْحفاظ ؛ أَنه حَدِيث حسن صَحِيح . قَالَ : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طرق كَثِيرَة من حَدِيث عَلّي والعبادلة ، وَجَابِر بن عبد الله ، وَعبد الله بن مَسْعُود ، وَعمْرَان بن حُصَيْن ، وَعبد الله بن سَلام ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَبُرَيْدَة بن الْحصين ، وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ ، وَأبي رَافع مولَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعمارَة بن وثيمة ، وَأبي بكرَة ذكر هَذِه الطّرق كلهَا الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرهاوي فِي أربعينه ، وَطَرِيق بُرَيْدَة ذكرهَا ابْن السكن فِي صحاحه ، وَذكره ابْن مَنْدَه فِي مُسْنده من حَدِيث نبيط بن شريط ، وواثلة بن الْأَسْقَع أَيْضا . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله من حَدِيث عَلّي ، وَابْن مَسْعُود ، وَأبي ذَر ، وَابْن عمر ، وَابْن عَبَّاس ، وَكَعب بن مَالك ، وَأبي هُرَيْرَة ، وَجَابِر ، وَبُرَيْدَة ، وَأنس ، و [ العُرس ] بن عميرَة ، وَأبي رَافع وَعَائِشَة ، وَقَالَ : كلهَا لَا تثبت ، ثمَّ ذكر سَبَب ذَلِك وَاضحا ، وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم قَالَ : إِنِّي لَا أعلم فِي اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها [ حَدِيثا صَحِيحا ] . فَائِدَة : رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث أنس بِزِيَادَة ، وَهَذَا لَفظه : اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها يَوْم خميسها . لَكِنَّهَا ذَاهِبَة بِسَبَب عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن الوضاع الْمَذْكُور فِي إسنادها . وَرَوَاهَا الْبَزَّار أَيْضا من حَدِيث أبي جَمْرَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : اللَّهُمَّ بَارك لأمتي فِي بكورها يَوْم خميسها ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس : لَا تسألن رجلا حَاجَة [ بلَيْل ] ، وَلَا يسألن (رجل) أَعْمَى حَاجَة ؛ [ فَإِن الْحيَاء ] فِي الْعَينَيْنِ قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ رَوَاهُ عَن أبي جَمْرَة إِلَّا عَمْرو بن مساور ، وَعَمْرو رَوَى عَنهُ عَفَّان وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الحَدِيث ، وَلم يكن بِالْقَوِيّ ، وَلَا نعلم لَهُ غير هذَيْن الْحَدِيثين . قلت : وَعَمْرو هَذَا نسبه مَجْهُول . قلت : وَرَوَى زِيَادَة نَسَبهَا أَيْضا وَهِي مفتعلة ، كَمَا شهد بذلك أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ الْحَافِظ . فَائِدَة ثَانِيَة : قَالَ التِّرْمِذِيّ : لَا نَعْرِف لصخر غير هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي السالف - وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وَالْبَغوِيّ ، وَابْن عبد الْبر . قلت : وَله حَدِيث آخر لم يخرجَاهُ ، وَهُوَ حَدِيث : لَا تسبوا الْأَمْوَات فتؤذوا الْأَحْيَاء ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد ، نَا الْفرْيَابِيّ ، نَا سُفْيَان ، عَن شُعْبَة ، عَن يعْلى بن عَطاء ، عَن عمَارَة ، عَن صَخْر بِهِ .
الحَدِيث الثَّالِث عشر قَالَ : وَأَن يكبر من غير إِسْرَاف فِي رفع الصَّوْت . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : فتح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَيْبَر بكرَة ، وَقد خَرجُوا بِالْمَسَاحِي ، فَلَمَّا نظرُوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالُوا : مُحَمَّد وَالْخَمِيس ، فَرفع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ : الله أكبر - ثَلَاث مَرَّات خربَتْ خَيْبَر إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فسَاء صباح الْمُنْذرين .
الحَدِيث الْخَامِس قَالَ : وَيسْتَحب الْخُرُوج يَوْم الْخَمِيس . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن كَعْب بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج من الْخَمِيس فِي غَزْوَة تَبُوك ، وَكَانَ يحب أَن يخرج يَوْم الْخَمِيس .
الحَدِيث الرَّابِع عشر قَالَ : وَأَن يحرض النَّاس عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْر والثبات . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح مُسلم : أَن [ أَبَا ] مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن [ أَبْوَاب ] الْجنَّة تَحت ظلال السيوف ، و البُخَارِيّ مثله من رِوَايَة ابْن أبي أَوْفَى .
الحَدِيث الرَّابِع قَالَ : ويتجسس (الْكفَّار ) . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث [ جَابر ] قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْأَحْزَاب : من يأتيني بِخَبَر الْقَوْم ، إِن لكل نَبِي حوارِي ، وحواري الزبير . وَفِي مُسلم من حَدِيث أنس قَالَ : بعث النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بسيسة عينا ينظر مَا صنعت عير أبي سُفْيَان ، فجَاء فحدثه الحَدِيث ، فَخرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَتكلم ، فَقَالَ : إِن لنا طلبة ، فَمن كَانَ ظَهره حَاضرا فليركب مَعنا ، فَجعل رجال يستأذنون فِي ظُهُورهمْ فِي علو الْمَدِينَة ، فَقَالَ : لَا ، إِلَّا من كَانَ ظَهره حَاضرا ، فَانْطَلق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَيْلَة الْأَحْزَاب : أَلا رجل يأتينا بِخَبَر الْقَوْم الحَدِيث بِطُولِهِ .
الحَدِيث الْخَامِس عشر رُوِيَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتَعَانَ بيهود بني قينقاع فِي بعض الْغَزَوَات ورضخ لَهُم . هَذَا الحَدِيث ، رَوَاهُ الشَّافِعِي فَقَالَ : قَالَ أَبُو يُوسُف ، أبنا الْحسن بن عمَارَة ، عَن الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : اسْتَعَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بيهود بني قينقاع ، ورضخ لَهُم ، وَلم يُسهم لَهُم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث لم أَجِدهُ إِلَّا من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة وَهُوَ ضَعِيف ، عَن الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : اسْتَعَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بيهود بني قينقاع ، فرضخ لَهُم ، وَلم يُسهم لَهُم ، قَالَ الشَّافِعِي : وروينا بإسنادٍ أصح من هَذَا ، عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ قَالَ : خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى إِذا خلف ثنية الْوَدَاع إِذا كَتِيبَة ، قَالَ : من هَؤُلَاءِ ؟ قَالُوا : بني قينقاع وَهُوَ رَهْط عبد الله بن سَلام . قَالَ : وَأَسْلمُوا ؟ قَالُوا : لَا ، بل هم عَلَى دينهم . قَالَ : قل لَهُم فليرجعوا فَإنَّا لَا نستعين بالمشركين . وَفِي مَرَاسِيل أبي دَاوُد من حَدِيث الزُّهْرِيّ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اسْتَعَانَ بناس من الْيَهُود فِي حربه ، فَأَسْهم لَهُم ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ أسْهم ] ليهود كَانُوا [ غزوا ] مَعَه مثل سِهَام الْمُسلمين . وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الزُّهْرِيّ أَيْضا : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أسْهم لقوم من الْيَهُود قَاتلُوا مَعَه . ومراسيل الزُّهْرِيّ ضَعِيفَة لَا جرم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُنْقَطع . قَالَ الشَّافِعِي : والْحَدِيث الْمُنْقَطع لَا يكون حجَّة . فَائِدَة : قينقاع قَبيلَة مَعْرُوفَة من الْيَهُود . قَالَ ابْن مَالك فِي مثلثه : ونونه مُثَلّثَة ، قَالَ : وَهُوَ شعب من الْيَهُود الَّذين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ .
الحَدِيث الْخَامِس بعد السّبْعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ حِين سُئِلَ عَن ضَالَّة الْغنم : هِيَ لَك ، أَو لأخيك ، أَو الذِّئْب . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَابه فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث السَّادِس عشر أَن صَفْوَان شهد مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَرْب حنين وَهُوَ مُشْرك . هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الشَّافِعِي هَكَذَا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : إِنه مَعْرُوف فِيمَا بَين أهل الْمَغَازِي . قلت : وَقد سلف فِي بَاب قسم الصَّدقَات فَليُرَاجع مِنْهُ ، وَوَقع فِي الْكِفَايَة بعد أَن ذكر أَنه استصحبه مَعَه وَهُوَ مُشْرك ، قَالَ : واستصحبه مَعَه فِي غَزْوَة هوَازن ، وَهُوَ غَرِيب عَجِيب ؛ فَإِنَّهَا وَاحِدَة فحنين اسْم لمَكَان الْقِتَال ، وهوازن اسْم للقبيلة الْكَافِرَة الْمُقَاتلَة ، وَنَظِير هَذَا مَا وَقع لَهُ فِي كتاب الْقصاص الْمطلب حَيْثُ نقل عَن الزُّهْرِيّ ، وَمُحَمّد بن شهَاب ، فظنهما اثْنَان ، و [ هما ] وَاحِد فَتنبه لَهُ .
الْبَاب الثَّانِي : فِي كَيْفيَّة الْجِهَاد ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فسبعة وَسَبْعُونَ حَدِيثا : الحَدِيث الأول قَالَ الرَّافِعِيّ : يسْتَحبّ إِذا بعث الإِمَام سَرِيَّة أَن يُؤمر عَلَيْهِم أَمِيرا ، وَيَأْمُرهُمْ بِطَاعَتِهِ [ ويوصيه بهم ] ، و أَن يَأْخُذ الْبيعَة عَلَى الْجند حَتَّى لَا يَفروا ، و أَن يبْعَث الطَّلَائِع ، و يتجسس أَخْبَار الْكفَّار ، و يسْتَحبّ الْخُرُوج يَوْم الْخَمِيس فِي أول النَّهَار ، و أَن يعْقد الرَّايَات ، و يَجْعَل كل فريق تَحت راية ، و يَجْعَل لكل طَائِفَة شعارًا حَتَّى لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا بياتًا ، و يسْتَحبّ أَن يدْخل دَار الْحَرْب بتعبئة الْحَرْب ؛ لِأَنَّهُ أحوط وأهيب ، وَأَن يستنصر بالضعفاء ، وَأَن يَدْعُو عِنْد التقاء الصفين ، وَأَن يكبر من غير إِسْرَاف فِي رفع الصَّوْت ، وَأَن يحرض النَّاس عَلَى الْقِتَال وَعَلَى الصَّبْر والثبات ، وكل ذَلِك مَشْهُور فِي سير النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ومغازيه . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ ، وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى عدَّة أَحَادِيث فلينفرد كل وَاحِد بِعقد . أما الأول : فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَرِيَّة وَاسْتعْمل عَلَيْهِم رجلا من الْأَنْصَار وَأمرهمْ أَن يسمعوا لَهُ ويطيعوا ، فأغضبوه فِي شَيْء فَقَالَ : اجْمَعُوا لي حطبًا فَجمعُوا لَهُ ، ثمَّ قَالَ : أوقدوا نَارا فأوقدوا ، ثمَّ قَالَ : ألم يَأْمُركُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قَالُوا : بلَى . قَالَ : فادخلوها . فَنظر بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا : إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من النَّار ، فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى سكن غَضَبه فطفئت النَّار ، فَلَمَّا رجعُوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذكرُوا ذَلِك لَهُ . فَقَالَ : لَو دخلُوا فِيهَا مَا خَرجُوا مِنْهَا أبدا ، وَقَالَ : لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة الله ، إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرج إِلَى بدر فَتَبِعَهُ رجل من الْمُشْركين فَقَالَ : تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَارْجِع فَلَنْ نستعين بمشرك . ثمَّ أَتَاهُ بعد ذَلِك ، وَوصف الْإِسْلَام فَقبله واستصحبه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ، وَفِيه : أَنه قَالَ للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا ، مرَّتَيْنِ جَوَابا لقولة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : تؤمن بِاللَّه وَرَسُوله ؟ وَأَنه آمن فِي الثَّالِثَة ، فَإِن قلت : كَيفَ [ الْجَواب عَن الِاخْتِلَاف ] بَين هَذَا الحَدِيث ، وَالَّذِي قبله قلت : بأوجه ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، حَيْثُ قَالَ : تحكموا فِي الْجَواب عَن هَذَا الحَدِيث بأوجه : أَحدهَا : أَن الِاسْتِعَانَة كَانَت مَمْنُوعَة ثمَّ رخص فِيهَا . ثَانِيهَا : [ إِنَّمَا لم يستعن ] حِينَئِذٍ لفَوَات بعض الشُّرُوط الْمُعْتَبرَة . ثَالِثهَا : أَن الْأَمر فِيهِ إِلَى رَأْي الإِمَام ، فَرَأَى أَن يَسْتَعِين فِي بعض الْغَزَوَات وَلم يره فِي بعض . رَابِعهَا : أَنه تفرس فِيهِ الرَّغْبَة فِي الْإِسْلَام ، فَرده رَجَاء أَن يسلم فَصدق ظَنّه . وَهَذَا الْجَواب ذكره الْبَيْهَقِيّ عَن نَص الشَّافِعِي .
الحَدِيث الثَّانِي قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأَن يَأْخُذ الْبيعَة عَلَى الْجند حَتَّى لَا يَفروا . هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي صَحِيح مُسلم مُنْفَردا بِهِ ، ثمَّ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، والسياق لَهُ من حَدِيث معقل بن يسَار رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : بَايع النَّاس رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زمن الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ تَحت الشَّجَرَة ، وَأَنا رَافع غصنًا من [ أَغْصَانهَا ] عَن وَجهه لم نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت وَلَكِن بَايَعْنَاهُ عَلَى أَن لَا نفر ، وهم يَوْمئِذٍ ألف وَأَرْبَعمِائَة ، وَلَفظ ابْن حبَان : لقد رَأَيْتنِي يَوْم الشَّجَرَة وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُبَايع النَّاس ، وَأَنا رَافع غصنًا من أَغْصَانهَا عَن رَأسه وَنحن أَربع عشرَة مائَة ، وَقَالَ : لم نُبَايِعهُ عَلَى الْمَوْت وَلَكِن بَايَعْنَاهُ عَلَى أَن لَا نفر . فَائِدَة : قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : الصَّحِيح أَنهم ألف وَخَمْسمِائة عَلَى مَا قَالَه ابْن الْمسيب . وَفِي هَذَا الْخَبَر دحض لقَوْل من زعم أَن هَذِه السّنة تفرد بهَا جَابر بن عبد الله . قلت : وَحَدِيث جَابر هَذَا أخرجه مُسلم ، وَأَصله فِي حَدِيث البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو عبد الله بن (بُرَيْدَة) ، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع .
الحَدِيث الثَّامِن عشر (أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) كَانَ يخرج إِلَى الْغَزْو ، وَمَعَهُ عبد الله ابن سلول . هَذَا مَعْرُوف ، أخرجه الْبَيْهَقِيّ وَغَيره ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكَانَ عبد الله قد ظهر التخذيل مِنْهُ . قَالَ : والتخذيل هُوَ الَّذِي يتخوف النَّاس بِأَن يَقُول : [ عَددكم ] قَلِيل ، وخيولكم ضَعِيفَة ، وَلَا طَاقَة لكم بالعدو ، وَمَا أشبه ذَلِك . قَالَ : وَتَكَلَّمُوا فِي أَنه لما كَانَ خرج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمَعَهُ عبد الله بن أبي ، وحاله هَذَا ! فَقيل : كَانَت الصَّحَابَة أقوياء فِي الدَّين لَا يبالون بتخذيله ، وَقيل : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يطلع بِالْوَحْي عَلَى أَفعاله فَلَا يستضير بكيده .
وأختم الْبَاب بفصول ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي أَثْنَائِهَا آثَارٌ ، فَأَرَدْت أَن أذكرها بأحكامها ؛ لِأَن بذلك تتمّ فائدتها . الْفَصْل الأول : قَالَ الرَّافِعِيّ : أَرض الْكفَّار وعقارهم تملك بِالِاسْتِيلَاءِ ، كَمَا تملك المنقولات . وَعَن أبي حنيفَة أَنه يتَخَيَّر الإِمَام فِي الْعقار المغنوم بَين أَن يقسمها عَلَى الْغَانِمين كالمنقول ، وَبَين أَن يَتْرُكهَا فِي أَيدي الْكفَّار ، كَمَا فعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعقار مَكَّة ، وَبَين أَن يقفها عَلَى الْمُسلمين [ و ] إِذا أقرها عَلَى ملك أَرْبَابهَا ضرب عَلَيْهِم جزيتين : إِحْدَاهمَا عَلَى رُءُوسهم ، وَالْأُخْرَى عَلَى الْأَرَاضِي ، فَإِذا أَسْلمُوا أسقطت جِزْيَة الرُّءُوس دون الْأُخْرَى . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ . فَأَما فعله عَلَيْهِ السَّلَام بعقار مَكَّة فمشهور ، لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل عَلَيْهِ ، وَأما فعل عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَسَيَأْتِي بعد ذَلِك وَاضحا .
الْفَصْل الثَّالِث : مَكَّة فتحت صلحا خلافًا لأبي حنيفَة وَمَالك ، حَيْثُ قَالَا : إِنَّهَا فتحت عنْوَة ، وَقد تعلل أَبُو حنيفَة امْتِنَاعه عَلَيْهِ السَّلَام ، عَن غنيمَة العقارات بِأَنَّهَا خلقت حرَّة وَيَقُول : لَا يجوز بيع دور مَكَّة ، وَعِنْدنَا دورها وعِراضها المحياة مَمْلُوكَة ، كَمَا فِي سَائِر الْبِلَاد ، وَيصِح بيعهَا ، وَلم يزل النَّاس يتبايعونها . وَقد رُوِيَ أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه اشْتَرَى حجرَة سَوْدَة بِمَكَّة ، و أَن حَكِيم بن حزَام بَاعَ دَار الندوة من مُعَاوِيَة ، وَهَذَانِ الأثران سلف الْكَلَام عَلَيْهِمَا فِي كتاب الْبيُوع وَاضحا ، قبيل بَاب تَفْرِيق الصَّفْقَة ، لَكِن بِلَفْظ [ عَن ] عمر أَنه اشْتَرَى دَارا بِمَكَّة ، نعم عبد الله بن الزبير اشْتَرَى حجرَة سَوْدَة .
الْفَصْل الثَّانِي : سَواد الْعرَاق ، قَالَ أَبُو إِسْحَاق : فتح صلحا . وَالصَّحِيح الْمَنْصُوص أَن عمر بن الْخطاب [ فتحهَا ] عنْوَة ، قسمه بَين الْغَانِمين ، ثمَّ استطاب قُلُوبهم واسترده ، وَقَالَ : الأول أَن عمر ردهَا عَلَيْهِم بخراج يؤدونه كل سنة . وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِيمَا فعله عمر عَلَى وَجْهَيْن ، الصَّحِيح الْمَنْصُوص أَنه وَقفهَا عَلَى الْمُسلمين وأجره لأَهله ، وَالْخَرَاج الْمَضْرُوب عَلَيْهِ أُجْرَة منجمة تُؤَدَّى كل سنة . قَالَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ : كَانَت بجيلة ربع النَّاس يَوْم الْقَادِسِيَّة ، فقسم لَهُم عمر ربع السوَاد ، فاشتغلوا ثَلَاث سِنِين أَو أَرْبعا ، ثمَّ قدمت عَلَى عمر ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي قَاسم مسئول [ لنزكتكم ] عَلَى مَا قسم لكم ، وَلَكِنِّي أرَى أَن تردوا عَلَى النَّاس فغاصبني ثمن حَقي ، ونيفًا وَثَمَانِينَ دِينَارا ، وَكَانَ معي امْرَأَة يُقَال لَهَا : أم كرز ، فَقَالَت : إِن أبي شهد الْقَادِسِيَّة ، وَثَبت سَهْمه ، وَلَا أسلمه حَتَّى تملأ كفي دَنَانِير وكمي لآلئ ، وتركبني نَاقَة ذلولًا عَلَيْهَا قطيفة حَمْرَاء ، فَفعل رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَتركت حَقّهَا ، وَعَن عتبَة بن فرقد أَنه اشْتَرَى أَرضًا من أَرض السوَاد ، فَأَتَى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فَأخْبرهُ فَقَالَ : مِمَّن اشْتَرَيْتهَا ؟ فَقَالَ : من أَهلهَا ، فَقَالَ : فَهَؤُلَاءِ الْمُسلمُونَ أبعتموه شَيْئا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَاذْهَبْ واطلب مَالك . وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ : جعل عمر السوَاد وَقفا عَلَى الْمُسلمين مَا تَنَاسَلُوا . وَعَن ابْن شبْرمَة أَنه قَالَ : لَا أُجِيز بيع أَرض السوَاد ، وَلَا هبتها ، وَلَا وَقفهَا . فعلَى هَذَا لَا يجوز بَيْعه وَرَهنه وهبته ، وَيجوز لأَهله إِجَارَته بالِاتِّفَاقِ مُدَّة مَعْلُومَة ، وَلَا يجوز إِجَارَته مُؤَبَّدًا عَلَى الْأَصَح ، بِخِلَاف إِجَارَة عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مُؤَبَّدًا فَإِنَّهَا احتملت لمصْلحَة كُلية . وَعَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : لَوْلَا أخْشَى أَن يَبْقَى آخر الزَّمَان ببّانًا لَا شَيْء لَهُم لتركتكم وَمَا قسم لكم ، وَلَكِنِّي أحب أَن يلْحق آخر النَّاس أَوَّلهمْ . وتلا قَوْله تَعَالَى : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْله ببّانًا أَي : شَيْئا وَاحِدًا ، وَقيل : أَي متساوين فِي الْفقر . وَعَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ أَنه قَالَ : أدْركْت النَّاس بِالْبَصْرَةِ وَإنَّهُ ليجاء بِالتَّمْرِ ، فَمَا يَشْتَرِيهِ إِلَّا أَعْرَابِي ، أَو من يتَّخذ النَّبِيذ . يُرِيد أَنهم كَانُوا يتجرون مِنْهُ ، وَأَن ذَلِك كَانَ مَشْهُورا فِيمَا بَينهم . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ مُلَخصا . فَأَما أثر جرير فَرَوَاهُ الشَّافِعِي قَالَ : أَنا الثِّقَة ، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، عَن قيس بن أبي حَازِم ، عَن جرير ، فَذكره مثله سَوَاء . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي : فِي هَذَا الحَدِيث دلَالَة إِذا أعْطى جرير البَجلِيّ عوضا من سَهْمه ، وَالْمَرْأَة عوضا من سهم أَبِيهَا ، أَنه استطاب أنفس الَّذين أوجفوا عَلَيْهِ ، فتركوا حُقُوقهم مِنْهُ ، فَجعله وَقفا للْمُسلمين ، وَهَذَا حَلَال للْإِمَام أَن يفعل ذَلِك كَذَلِك . وَأما أثر عتبَة بْن فرقد أخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين فِي سنَنه قَالَ الشَّافِعِي : وَهَذَا أولَى الْأُمُور بعمر بن الْخطاب عندنَا فِي السوَاد ، وَيتَوَجَّهُ إِن كَانَت عنْوَة . فَائِدَة : قَوْله : ببَّانا هُوَ بباء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ، ثمَّ مثلهَا مُشَدّدَة ، ثمَّ ألف ، ثمَّ نون ، ثمَّ ألف ، كَذَا ضَبطه الْجَوْهَرِي فِي بَاب الْبَاء من صحاحه ، وَذكر فِيهِ قَول عمر فِي الْقسم ، وَكَانَ يفضل الْمُهَاجِرين وَأهل بدر فِي الْعَطاء . قَالَ الْجَوْهَرِي : وَهَكَذَا سمع مِنْهُم ، وناس يجعلونه من هيَّان بن بيَّان ، وَمَا أرَاهُ بِمَحْفُوظ عَن الْعَرَب . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَن عمر بن الْخطاب بعث عُثْمَان بن حنيف ماسحًا ، فَفرض عَلَى كل جريب شعير دِرْهَمَيْنِ ، وَعَلَى كل جريب حِنْطَة أَرْبَعَة دَرَاهِم ، وَعَلَى كل جريب الشّجر وقصب السكر سِتَّة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب النّخل عشرَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الزَّيْتُون اثْنَا عشر دِرْهَم . وَعَن رِوَايَة أبي مخلد أَن ابْن حنيف فرض عَلَى جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب النّخل ثَمَانِيَة دَرَاهِم ، وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الزَّيْتُون ، وَالْبَاقِي كَمَا سبق . هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ ، عَن قَتَادَة ، عَن لَاحق بن حميد قَالَ : بعث عمر بن الْخطاب عمار بن يَاسر ، وَعبد الله بن مَسْعُود ، وَعُثْمَان بن حنيف رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إِلَى الْكُوفَة ، وَبعث عمار بن يَاسر عَلَى الصَّلَاة وَعَلَى الجيوش ، وَبعث ابْن مَسْعُود عَلَى الْقَضَاء ، وَعَلَى بَيت المَال ، وَبعث عُثْمَان بن حنيف [ عَلَى ] مساحة الأَرْض ، وَجعل بَينهم كل يَوْم شَاة شطرها وسواقطها لعمَّار بن يَاسر ، وَالنّصف بَين هذَيْن ، ثمَّ قَالَ : أنزلتكم وإياي من هَذَا المَال كمنزلة وَالِي الْيَتِيم : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَمَا أرَى قَرْيَة يُؤْخَذ مِنْهَا كل يَوْم شَاة إِلَّا (كَانَ ذَلِك [ سَرِيعا ] فِي خرابها ، قَالَ : فَوضع عُثْمَان بن حنيف عَلَى جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم) ، وَعَلَى جريب النّخل أَظُنهُ قَالَ : ثَمَانِيَة ، وَعَلَى جريب الْقصب سِتَّة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الْبر أَرْبَعَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الشّعير دِرْهَمَيْنِ ، وَعَلَى رُءُوسهم عَن كل رجل أَرْبَعَة وَعشْرين كل سنة ، وعطل من ذَلِك النِّسَاء وَالصبيان ، وَفِيمَا يخْتَلف فِيهِ من تجاراتهم نصف الْعشْر . قَالَ : ثمَّ كتب بذلك إِلَى عمر بن الْخطاب ، فَأجَاز ذَلِك وَرَضي بِهِ ، وَقيل لعمر : كَيفَ [ نَأْخُذ ] من تجار الْحَرْب إِذا قدمُوا علينا ؟ فَقَالَ عمر : كَيفَ يَأْخُذُونَ مِنْكُم إِذا أتيتم بِلَادهمْ ؟ قَالُوا : الْعشْر . قَالَ : فَكَذَلِك خُذُوا مِنْهُم . وَفِي رِوَايَة لَهُ : وَعَلَى كل جريب النّخل ثَمَانِيَة ، وَعَلَى جريب الْقصب سِتَّة - لم يشك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن الحكم : أَن عمر بن الْخطاب بعث عُثْمَان بن حنيف يمسح السوَاد ، فَوضع عَلَى كل جريب عَامر – أو غامر - حَيْثُ يَنَالهُ المَاء قَفِيزا أَو درهما . قَالَ : وَكِيع : يَعْنِي الْحِنْطَة وَالشعِير - وَوضع عَلَى كل جريب الْكَرم عشرَة دَرَاهِم ، وَعَلَى جريب الرطاب خَمْسَة دَرَاهِم . وَهَذَا مُنْقَطع ؛ الحكم لم يدْرك عمر ، وَلَا يحضرني من خرجه من طَرِيق الشّعبِيّ عَن عمر ، كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ . فَائِدَة : قَالَ الْحَازِمِي فِي المعرب : الْقصب المقطع من بَاب ضرب قَالَ : وَمِنْه الْقصب الإسفست ؛ لِأَنَّهُ يجز . قَالَ : وَمِنْه حَدِيث الْجِزْيَة هَذَا . وحُنيف بِضَم أَوله تَصْغِير حَنيف ، بِمَعْنى المائل . قَالَ الرَّافِعِيّ . وَيذكر أَن الْحَاصِل من أَرض الْعرَاق عَلَى عهد عمر بن الْخطاب كَانَ مائَة ألف ألف وَسَبْعَة وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم . وَقيل : مائَة ألف ألف ، وَسِتِّينَ ألف ألف ، ثمَّ كَانَ يتناقص حَتَّى عَاد فِي زمَان الْحجَّاج إِلَى ثَمَانِيَة عشر ألف ألف دِرْهَم ، فَلَمَّا ولي عمر بن عبد الْعَزِيز ارْتَفع فِي السّنة الأولَى إِلَى ثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم ، وَفِي الثَّانِيَة إِلَى سِتِّينَ ألف ألف دِرْهَم . وَقيل : فَوق ذَلِك . قَالَ : لَئِن عِشْت لأبلغنه إِلَى مَا كَانَ فِي أَيَّام عمر . فَمَاتَ فِي تِلْكَ السّنة .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من جهز غازيًا فِي سَبِيل الله فقد غزا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد تقدم بَيَانه فِي الْبَاب قبله ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ من جهز غازيًا أَو حاجًّا أَو مُعْتَمِرًا فَلهُ مثل أجره . قلت : هُوَ فِي فَضَائِل الْجِهَاد لِلْحَافِظِ بهاء الدَّين أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم عَلّي بن عَسَاكِر من حَدِيث الْحسن بن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف ، ثَنَا سوار الْهَمدَانِي ، عَن زِيَاد المصفر ، عَن ابْن الْحَنَفِيَّة ، عَن أَبِيه . قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من جهز حَاجا ، أَو غازيًا ، أَو مُعْتَمِرًا ، أَو خَلفهم فِي أَهله كَانَ لَهُ مثل أُجُورهم من غير أَن ينتقص من أُجُورهم شَيْء ، وَفِي مُعْجم الصَّحَابَة لِابْنِ قَانِع ، عَن إِسْحَاق بن الْحسن الْحَرْبِيّ ، ثَنَا هَوْذَة بن خَليفَة ، ثَنَا عَمْرو بن قيس ، عَن عَطاء ، عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من جهز غازيًا فِي سَبِيل الله ، أَو خَلفه فِي أَهله كَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا ، وَمن جهز حاجًّا ، أَو خَلفه فِي أَهله كَانَ لَهُ مثل أجر الْحَاج من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا ، وَمن فطر صَائِما كَانَ لَهُ مثل أجره ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الصَّغِير من حَدِيث أبي إِسْمَاعِيل الْمُؤَدب ، عَن يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن أَبِيه ، عَن زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ، رَفعه : من جهز غازيًا ، أَو فطر صَائِما ، أَو جهز حَاجا كَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا ، ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن يَعْقُوب بن عَطاء إِلَّا أَبُو إِسْمَاعِيل الْمُؤَدب .
الْأَثر الثَّانِي : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : أَنا فِئَة لكل مُسلم ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُنُوده بِالشَّام وَالْعراق . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الشَّافِعِي ، عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد ، أَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أَنا فِئَة لكل مُسلم ، وَقد رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، أخرجه الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن عبد الله بن عمر قَالَ : بعثنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سَرِيَّة ، فلقينا الْعَدو ، فَحَاص الْمُسلمُونَ حَيْصَة ، وَكنت فِيمَن حَاص ، قلت فِي نَفسِي : لَا ندخل الْمَدِينَة ، وَقد بؤنا بغضب من الله ، ثمَّ قُلْنَا : ندْخلهَا فنمتار مِنْهَا ، فَدَخَلْنَا فلقينا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ خَارج إِلَى الصَّلَاة فَقُلْنَا : نَحن الْفَرَّارُونَ ، فَقَالَ : [ بل ] أَنْتُم الْعَكَّارُونَ . فَقُلْنَا : يَا رَسُول الله ، أردنَا أَن لَا ندخل الْمَدِينَة ، وَإن نزلنَا الْبَحْر . فَقَالَ : لَا تَفعلُوا ؛ فَإِنِّي فِئَة كل مُسلم . وَأخرجه الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن يزِيد نَحوه . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن حسن ، عَن زُهَيْر ، عَن يزِيد ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ نَحوه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث [ يزِيد ابْن أبي زِيَاد ] . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَإِنَّا لم نصححه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة يزِيد بن أبي زِيَاد ، وَقد عُلِم مَا فِيهِ . فَائِدَة : مَعْنَى قَوْله : فَحَاص النَّاس حَيْصَة : فروا من الْقِتَال . قَالَه التِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَته : حا ، وصاد مهملتين أَي : مالوا يُرِيدُونَ الْفِرَار . قَالَ : وَرُوِيَ بِالْجِيم بِمَعْنى فروا ، وَمَعْنى قَوْله : بل أَنْتُم الْعَكَّارُونَ الْعَكَّارُ الَّذِي يفر إِلَى أَمَامه ؛ ليبصره لَيْسَ يُرِيد بِهِ الْفِرَار من الزَّحْف . فَائِدَة أُخْرَى : هَذِه السّريَّة هِيَ عزوة مُؤْتَة ، كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض الرِّوَايَات ، وَكَانَ الْعَدو كثيرا جدا ، كَانُوا قَرِيبا من مِائَتي ألف من الرّوم ، ونصارى الْعَرَب ، وَكَانَ الْمُسلمُونَ نَحوا من ثَلَاثَة آلَاف فَقَط ، كَذَا قيل .
الْأَثر الْعَاشِر : أَن أَبَا جهل لما قتل حمل رَأسه ، وَأَن أَبَا بكر حملت إِلَيْهِ رُءُوس . وَهَذَانِ قد سلف بيانهما فِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار أحد عشر أثرا : أَحدهَا : أَن أَبَا بكر الصّديق بعث جَيْشًا إِلَى الشَّام ، فنهاهم عَن قتل الشُّيُوخ ، وَأَصْحَاب الصوامع ، وَعَن قطع الْأَشْجَار المثمرة . وَهَذَا الْأَثر تقدم بَيَانه فِي أثْنَاء الحَدِيث السَّابِع بعد السِّتين .
الْأَثر الْحَادِي عشر : عَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : لَا يفرق بَين الْوَالِد وَولده . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك ، عَن معمر ، عَن أَيُّوب قَالَ : أَمر عُثْمَان بن عَفَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن يُشْتَرَى لَهُ رَقِيق ، وَقَالَ : لَا يفرق بَين الْوَالِد وَولده . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ هَذَا مَوْصُولا ، فَرَوَاهُ [ الْأَشْجَعِيّ ] عَن سُفْيَان ، عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، عَن حميد بن هِلَال ، عَن حَكِيم بن [ عقال ] قَالَ : نهاني عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن أفرق بَين الْوَالِد وَولده فِي البيع .
الْأَثر الرَّابِع إِلَى التَّاسِع : أَن عليا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بارز يَوْم الخَنْدَق عَمْرو بن عبْدُ ود ، وَأَن مُحَمَّد بن مسلمة بارز يَوْم خَيْبَر مرْحَبًا ، وَأَن عليًّا بارزه أَيْضا ، وَأَن الزبير بارز ياسرًا ، وَأَن عبد الله بن رَوَاحَة بارز أَيْضا . وَهَذِه الْآثَار تقدّمت فِي الْأَحَادِيث السالفة فَرَاجعهَا مِنْهُ .
الْأَثر الثَّالِث : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : من فر من ثَلَاثَة لم يفر ، وَمن فر من اثْنَيْنِ فقد فر . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم ، ثَنَا الْأَصَم ، ثَنَا أَحْمد بن شَيبَان ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ . وَهُوَ [ فِي ] مُسْند الشَّافِعِي بِهَذَا الْإِسْنَاد ، لَكِن بِإِسْقَاط عَطاء ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه مَرْفُوعا ، عَن أبي حنيفَة الوَاسِطِيّ ، وعبدان [ قَالَا ] : ثَنَا معمر بن سهل ، ثَنَا [ عَامر ] بن مدرك ، ثَنَا الْحسن بن صَالح ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من فر من اثْنَيْنِ فقد فر ، وَمن فر من ثَلَاثَة فَلم يفر .
الحَدِيث الْعشْرُونَ وحاديه أَيْضا أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - منع أَبَا بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَوْم أحد عَن قتل ابْنه عبد الرَّحْمَن ، وَأَبا حُذَيْفَة بن عتبَة عَن قتل أَبِيه يَوْم بدر . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور فِي كتب الْمَغَازِي وَالسير ، وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، فَقَالَ فِي كتاب الْبُغَاة : بَاب مَا يكره لأهل الْعدْل من أَن (يتَعَمَّد) قتل ذِي رَحمَه من أهل الْبَغي ، اسْتِدْلَالا بِمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كف أَبَا حُذَيْفَة بن عتبَة عَن قتل أَبِيه وَأَبا بكر عَن قتل ابْنه ، ثمَّ رَوَى من حَدِيث الْوَاقِدِيّ ، عَن ابْن أبي الزِّنَاد ، عَن أَبِيه . قَالَ : شهد أَبُو حُذَيْفَة بَدْرًا ، ودعا أَبَاهُ عتبَة إِلَى البرَاز ، فَمَنعه عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْوَاقِدِيّ : عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر لم يزل عَلَى دين قومه في الشّرك حَتَّى شهد بَدْرًا مَعَ الْمُشْركين ، ودعا إِلَى البرَاز ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بكر ليبارزه ، فَذكر أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لأبي بكر : متعنَا بِنَفْسِك ، ثمَّ إِن عبد الرَّحْمَن أسلم فِي هدنة الْحُدَيْبِيَة . ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك أَنه وَقع فِي بسيط الْغَزالِيّ عَلَى الْعَكْس مِمَّا ذكره الرَّافِعِيّ وَغَيره ، فَقَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حُذَيْفَة وَأَبا بكر عَن قتل أبويهما ، وَهُوَ وهم وَكَأَنَّهُ صحف مَا ذكره إِمَامه فِي نهايته فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الْبُغَاة : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَبَا حُذَيْفَة بن عتبَة ، وَنَهَى أَبَا بكر عَن قتل ابْنه يَوْم أحد ، فصحف ابْنه فِي الثَّانِي بِالْيَاءِ بدل النُّون لَا جرم . قَالَ ابْن الصّلاح : هَذَا الَّذِي وَقع فِي الْوَسِيط وَهُوَ تَصْحِيف وَإِنَّمَا هُوَ نهَى أَبَا حُذَيْفَة بن عتبَة عَن قتل أَبِيه ، وَنَهَى أَبَا بكر عَن قتل ابْنه عبد الرَّحْمَن ، فتصحف أَبُو حُذَيْفَة بحذيفة ، وَفِي أبي بكر ابْنه بالنُّون ثَانِيَة قَالَ : ثمَّ فِي ثُبُوت أصل الحَدِيث بعد سَلَامَته من التَّصْحِيف نظر ، وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي تهذيبه : هَذَا الَّذِي فِي الْوَسِيط غلط صَرِيح ، وتصحيف قَبِيح فِي الاسمين جَمِيعًا ، فَإِنَّمَا صَوَابه نهَى أَبَا حُذَيْفَة - واسْمه مهشم وَقيل : هشيم - عَن قتل أَبِيه يَوْم بدر ، وَهُوَ أَبُو حُذَيْفَة ابْن عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس بن عبد منَاف ، وَأما أَبُو بكر فَهُوَ الصّديق ، فَالصَّوَاب عَن قتل ابْنه بالنُّون ، وَهُوَ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَذَلِكَ يَوْم بدر . قَالَ : وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من صَوَاب الاسمين هُوَ الْمَشْهُور الْمَعْرُوف الْمَوْجُود فِي كتب الْمَغَازِي ، وَكتب الحَدِيث الَّذِي ذكر فِيهَا هذَيْن الْحَدِيثين ، وَلَا خلاف بَينهم فِيمَا ذَكرْنَاهُ . وَكَذَلِكَ قَالَ فِي أغاليط الْوَسِيط المنسوبة إِلَيْهِ أَنه غلط مُتَّفق عَلَيْهِ ، وَلَا يخْفَى عَلَى من عِنْده أدنَى علم من النَّقْل ، وَصَوَابه مَا سلف . تَنْبِيه : من الأوهام أَيْضا مَا قَالَه ابْن دَاوُد من أَن ابْن أبي بكر الصّديق الْمشَار إِلَيْهِ غير مُحَمَّد [ و ] عبد الرَّحْمَن فَإِنَّهُمَا ولدا فِي الْإِسْلَام ، وَمَا أسلفناه عَن الْوَاقِدِيّ فِي عبد الرَّحْمَن يردهُ .
الحَدِيث السَّابِع بعد السّبْعين رَوَى أَن رجلا غلَّ فِي الْغَنِيمَة ، فَأحرق النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَحْله . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَبا بكر ، و [ عمر ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أحرقوا مَتَاع الغالّ ، وضربوه ، وَمنعُوا سَهْمه . وَزُهَيْر هَذَا هُوَ أَبُو الْمُنْذر الْمروزِي التَّمِيمِي الْعَنْبَري الْخُرَاسَانِي ، سكن مَكَّة ، وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ ، كَمَا سلف فِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين ، وَالثَّانِي من بَاب صفة الصَّلَاة ، وأسلفنا هُنَاكَ عَن أَحْمد توثيقه ، وَأَنه قَالَ مرّة : هُوَ مُسْتَقِيم الحَدِيث . وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ ، فَمرَّة قَالَ : إِنَّه ثِقَة . وَمرَّة قَالَ : إِنَّه ضَعِيف ، وَقَالَ البُخَارِيّ : رَوَى عَنهُ أهل الشَّام أَحَادِيث مَنَاكِير ، وَقَالَ ابْن عدي : لَعَلَّ الشاميين أخطئوا عَلَيْهِ ؛ فَإِن رِوَايَة الْعِرَاقِيّين تشبه الْمُسْتَقيم . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بالقوي . وَأما الْحَاكِم فَقَالَ بعد أَن أخرجه فِي الْمُسْتَدْرك من طَرِيقه هَذَا : حَدِيث غَرِيب صَحِيح ، لكنه قَالَ - فِيمَا نَقله عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي جُزْء من تكلم فِيهِ وَهُوَ موثق - : إِن زهيرًا هَذَا مِمَّن خَفِي عَلَى مُسلم بعض حَاله ؛ فَإِنَّهُ من الْعباد الصَّالِحين المجاورين بِمَكَّة ، لَيْسَ فِي الحَدِيث بِذَاكَ ، لينه أَحْمد ؛ فيعترض عَلَيْهِ فِي تَصْحِيحه إِذن ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْغلُول لَيْسَ فِيهَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَمر بتحريق مَتَاع الغال قَالَ : وَفِي ذَلِك دَلِيل عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَيُقَال : إِن زهيرًا هَذَا مَجْهُول وَلَيْسَ بِالْمَكِّيِّ . قلت : غَرِيب ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ عَن الشَّافِعِي : لَو صَحَّ هَذَا الحَدِيث قلت بِهِ . قَالَ الرَّافِعِيّ : يُرِيد أَنه لم تظهر صِحَّته . قَالَ : وَبِتَقْدِير الصِّحَّة فليحمل ذَلِك عَلَى أَنه كَانَ فِي مبدأ الْأَمر ثمَّ نسخ . قلت : وَورد أَيْضا الْأَمر بذلك . رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة قَالَ : دخلت مَعَ مَسْلمة أَرض الرّوم ، فَأتي بِرَجُل قد غل ، فَسَأَلَ سالما عَنهُ فَقَالَ : سَمِعت أبي يحدث ، عَن عمر بن الْخطاب ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا وجدْتُم الرجل قد غل (فأحرقوا مَتَاعه) واضربوه . قَالَ : فَوَجَدنَا فِي مَتَاعه مُصحفا ، فَسَأَلَ سالما عَنهُ فَقَالَ : بِعْهُ وَتصدق بِثمنِهِ . وَصَالح هَذَا ضعفه جماعات ، بل الْجُمْهُور ، قَالَ يَحْيَى وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَفِي رِوَايَة عَن يَحْيَى : لَيْسَ بِذَاكَ ، وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يقلب الْأَسَانِيد وَلَا يعلم ، ويسند الْمَرَاسِيل وَلَا يفهم ، فَلَمَّا [ كثر ذَلِك فِي حَدِيثه ] اسْتحق التّرْك . وَلم أر فِي [ توثيقه ] إِلَّا قَول الإِمَام أَحْمد : مَا أرَى بِهِ بَأْسا . وَضعف الحَدِيث أَيْضا جماعات ، وَقَالَ البُخَارِيّ : صَالح بن مُحَمَّد بن زَائِدَة [ يروي عَن سَالم عَن ابْن عمر ] ، عَن عمر رَفعه : من غل فأحرقوا مَتَاعه ، وَقد رَوَى ابْن عَبَّاس ، عَن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الْغلُول وَلم يحرق . قَالَ البُخَارِيّ : [ وَعَامة ] أَصْحَابنَا يحتجون بِهَذَا فِي الْغلُول ، وَهَذَا بَاطِل لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : نَا أَبُو صَالح الْأَنْطَاكِي ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاق صَالح بن مُحَمَّد قَالَ : غزونا مَعَ الْوَلِيد بن هِشَام [ مَعنا ] سَالم بن عبد الله بن عمر ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز فَغَلَّ رجل [ منا ] مَتَاعا ، فَأمر الْوَلِيد بمتاعه فَأحرق ، وطيف بِهِ ، وَلم يُعْطه سَهْمه . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَهَذَا أصح الْحَدِيثين ، رَوَاهُ غير وَاحِد : أَن الْوَلِيد بن هِشَام حرق رَحل [ زِيَاد ] ، وَكَانَ قد غل ، وضربه ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب ، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، وَسَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَقَالَ : إِنَّه رَوَاهُ صَالح بن مُحَمَّد ، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : أَنْكَرُوا هَذَا الحَدِيث عَلَى صَالح بن مُحَمَّد . وَقلت : هَذَا حَدِيث لم يُتَابع عَلَيْهِ ، وَلَا أصل لهَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وَصَالح هَذَا ضَعِيف ، قَالَ : وَالْمَحْفُوظ أَن سالما أَمر بِهَذَا ، وَلم يرفعهُ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَا ذكره عَن أَبِيه وَلَا عَن عمر ، وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : هَذَا الحَدِيث يَدُور عَلَى صَالح بن مُحَمَّد ، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث [ ضَعِيف ] لَا يحْتَج بِهِ ، ضعفه البُخَارِيّ وَغَيره . قَالَ : وَفِي بعض أَلْفَاظه : فاضربوا عُنُقه ، واحرقوا مَتَاعه ، ذكره ابْن عبد الْبر ، وَخَالف الْحَاكِم ، فَقَالَ بعد أَن أخرجه من جِهَة صَالح الْمَذْكُور : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه لمذهبه ، حَيْثُ قَالَ : إِذا غل من الْغَنِيمَة أحرق رَحْله إِلَّا السِّلَاح والمصحف ، خلافًا لأكثرهم ، كَذَا هَذَا الحَدِيث . ثمَّ ذكره من طَرِيق الإِمَام أَحْمد ، ثمَّ قَالَ : فَإِن قَالُوا : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فَبَطل كَلَامه السالف ، وَكَلَام يَحْيَى بن معِين فِيهِ أَيْضا ، ثمَّ قَالَ : قُلْنَا : قَالَ أَحْمد : مَا أرَى بِهِ بَأْسا . وَهَذَا غَرِيب مِنْهُ ، فقد ذكره فِي ضُعَفَائِهِ - أَعنِي صَالح بن مُحَمَّد - وَنقل كَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله ومنّه .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين رُوِيَ أَن أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قتل أَبَاهُ حِين سَمعه يسب النَّبِي فَلم يُنكر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَيْهِ صَنِيعه . هَذَا الحَدِيث غَرِيب هَكَذَا ، لَا أعلم من خرجه كَذَلِك ، وَالَّذِي أعرفهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله ، عَن إِسْمَاعِيل بن سميع الْحَنَفِيّ عَن مَالك بن عُمَيْر . قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي لقِيت الْعَدو ، وَلَقِيت أبي فيهم ، فَسمِعت مِنْهُ مقَالَة قبيحة فطعنته بِالرُّمْحِ فَقتلته ، فَسكت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ جَاءَ آخر فَقَالَ : يَا نَبِي الله ، إِنِّي لقِيت أبي فتركته [ وأحببت ] أَن يَلِيهِ غَيْرِي فَسكت عَنهُ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَقَالَ : إِنَّه مُرْسل جيد . قلت : لَكِن إِسْمَاعِيل هَذَا تَركه زَائِدَة . قَالَ يَحْيَى الْقطَّان : إِنَّمَا تَركه ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صُفريًا . قَالَ الْعقيلِيّ : كَانَ يرَى رَأْي الْخَوَارِج ، وَقَالَ أَبُو نعيم : أَقَامَ جارًا لِلْمَسْجِدِ أَرْبَعِينَ سنة ، لَا يرَى فِي جُمُعَة وَلَا جمَاعَة . قَالَ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْقطَّان : لَا بَأْس بِهِ . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَمَالك بن عُمَيْر مخضرم لم تصح صحبته ، وَإِنَّمَا يروي عَن عَلّي وحالته مَجْهُولَة . قلت : فَإِن كَانَ هَذَا الرجل الْمُبْهم هُوَ الْجراح صَحَّ مَا قَالَه المُصَنّف ، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن الْحَاكِم رَوَى فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمته ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بإسنادهما ، عَن عبد الله بن شَوْذَب قَالَ : جعل أَبُو أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ينصب الْآلهَة لأبي عُبَيْدَة يَوْم بدر ، وَجعل أَبُو عُبَيْدَة يحيد عَنهُ ، فَلَمَّا أَكثر الْجراح قَصده أَبُو عُبَيْدَة فَقتله ، فَأنْزل الله فِيهِ هَذِه الْآيَة حِين قتل أَبَاهُ : لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ ، وَهَذَا مُرْسل عَلَى قَول الْأَكْثَر ، وَعَلَى قَول من زعم أَن الْمُرْسل لَا يكون إِلَّا من التَّابِعين يكون معضلاً ؛ لِأَن عبد الله هَذَا إِنَّمَا يروي عَن التَّابِعين .
الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه وَاضحا فِي بَاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث نَافِع عَنهُ قَالَ : وجدت امْرَأَة مقتولة فِي مغازي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَنَهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان ، وَفِي رِوَايَة لَهما فَأنْكر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قتل النِّسَاء وَالصبيان .
الحَدِيث الثَّالِث بعد السِّتين أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حاصر بني قُرَيْظَة ، فَأسلم ثَعْلَبَة وَأسد ابْنا سَعْية ، فأحرز لَهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار . هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الشَّافِعِي ، فَقَالَ : أسلم ابْنا سعية القرظيان ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - محاصرًا بني قُرَيْظَة ، فأحرزهما إسلامهما نفسهما وأموالهما من النّخل وَالْأَرْض وَغَيرهمَا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة ، عَن شيخ من بني قُرَيْظَة أَنه قَالَ : هَل تَدْرِي [ عمَّ ] كَانَ إِسْلَام ثَعْلَبَة ، (وَأسد ابْني سعية) ، وَأسد بن عبيد نفر من هُذَيْل لم يَكُونُوا من بني قُرَيْظَة ، وَلَا [ نضير ] كَانُوا فَوق ذَلِك ؟ قلت : لَا ، قَالَ : فَإِنَّهُ قدم علينا رجل من الشَّام من يهود يُقَال لَهُ : ابْن الهيبان ، فَأَقَامَ عندنَا ، وَالله مَا رَأينَا رجلا قطّ لَا يُصَلِّي الْخمس خيرا مِنْهُ ، فَقدم علينا قبل مبعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِسنتَيْنِ ، فَكُنَّا إِذا قحطنا وَقل علينا الْمَطَر نقُول لَهُ : [ يَا ] ابْن الهيبان ، اخْرُج فاستسق لنا ، فَيَقُول : لَا وَالله حَتَّى تقدمُوا أَمَام مخرجكم صَدَقَة ، فَنَقُول : كم نقدم ؟ فَيَقُول : صَاعا من تمر ، [ أَو ] مُدين من شعير ، ثمَّ يخرج إِلَى ظَاهِرَة حرتنا ، وَنحن مَعَه ، فيستسقي ، فوَاللَّه مَا يقوم من مَجْلِسه حَتَّى (يمر السَّحَاب) ، قد فعل ذَلِك غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ (وَلَا) ثَلَاثَة فحضرته الْوَفَاة فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا معشر يهود ، مَا تَرَوْنَهُ أخرجني من أَرض الْخمر والخمير إِلَى أَرض الْبُؤْس والجوع ؟ فَقُلْنَا : أَنْت (تعلم) ، فَقَالَ : إِنَّه إِنَّمَا أخرجني أتوقع خُرُوج نَبِي قد أظل زَمَانه هَذِه الْبِلَاد مهاجره فَأتبعهُ فَلَا تسبقن إِلَيْهِ إِذا خرج يَا معشر يهود ؛ فَإِنَّهُ يسفك الدَّم ، وَيَسْبِي الذَّرَارِي وَالنِّسَاء مِمَّن خَالفه ، فَلَا يمنعنكم ذَلِك مِنْهُ . ثمَّ مَاتَ ، فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي افتتحت فِيهَا قُرَيْظَة ، قَالَ أُولَئِكَ الْفتية الثَّلَاثَة ، [ وَكَانُوا ] شبَابًا أحداثًا يَا معشر يهود ، وَالله إِنَّه للرجل الَّذِي كَانَ ذكر لكم ابْن الهيبان . قَالُوا : مَا هُوَ ؟ قَالُوا : بلَى وَالله إِنَّه لَهو يَا معشر يهود ، إِنَّه وَالله لَهو بِصفتِهِ ، ثمَّ نزلُوا فأسلموا ، وخلوا أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وأهليهم ، قَالَ : وَكَانَت أَمْوَالهم فِي الْحصن مَعَ الْمُشْركين ، فَلَمَّا فتح رد ذَلِك عَلَيْهِم . فَائِدَة : سَعْية بِفَتْح السِّين ، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعْدهَا يَاء مثناة تَحت ، هَذَا صَوَابه ، وَحَكَى صَاحب التنقيب فِي كتاب السّلم مِنْهُ أَرْبَعَة أوجه : أَحدهَا : هَذَا . وَثَانِيها : بنُون بدل الْيَاء ، وَجزم بِهِ أَولا ، وَقَالَ : إِنَّه الصَّحِيح . وَثَالِثهَا : كَذَلِك ، لكنه بِضَم السِّين . وَرَابِعهَا : سعبة بسين وباء مُوَحدَة ، قَالَ : وسعبة هَذَا هُوَ وَالِد زيد بن سعبة . قَالَ : ولسعبة ولدان : أَسد ، وثعلبة ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه بعد الضَّبْط الأول : هَذَا هُوَ الصَّوَاب . قَالَ : وَقد حَكَى جمَاعَة مِمَّن صنف فِي أَلْفَاظ الْمُهَذّب ، أَنه يُقَال بالشين الْمُعْجَمَة ، وَأَنه يُقَال بالنُّون بدل الْيَاء ، قَالَ : وَكله تَصْحِيف ، وَالْمَعْرُوف فِي كتب أهل هَذَا الْفَنّ مَا ذَكرْنَاهُ أَولا ، وَمَا ذكره هَذَا الْقَائِل إِنَّمَا أَخذه - وَالله أعلم - من بعض كتب الْفِقْه المضبوطة ضبطًا فَاسِدا . وَهُوَ وَالِد ثَعْلَبَة ، وَأسيد بِفَتْح الْهمزَة ، وَكسر السِّين ، وَقيل بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين ، كَذَا قَيده إِبْرَاهِيم بن سعد ، عَن ابْن إِسْحَاق . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَنْبِيه المشتبه : فَأَخْطَأَ ، وَقيل : [ أَسد ] بِفَتْح الْهمزَة ، وَالسِّين من غير يَاء ، وتوفيا فِي حَيَاة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا جَمِيع مَا ذكره فِي النَّوْع الرَّابِع بِمَا قيل فِيهِ ابْن وأخو فلَان ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضا [ النَّوَوِيّ ] فِي تهذيبه فِي حرف الزَّاي فِي تَرْجَمَة زيد بن سعية : هُوَ أحد أَحْبَار الْيَهُود الَّذين أَسْلمُوا . توفّي فِي غَزْوَة تَبُوك ، و سعية بسين مُهْملَة مَفْتُوحَة ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ : إِنَّهَا مَضْمُومَة . قَالَ : وَهُوَ غَرِيب ، وَهُوَ بالنُّون أَكثر ، وَاقْتصر الْجُمْهُور عَلَى النُّون . و الهيبان بِفَتْح الْهَاء وَالْبَاء ، كَذَا ضَبطه المطرزي فِي الْمغرب ، وَقَالَ : لِأَنَّهُ من الهيبة وَهُوَ الْخَوْف .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِامْرَأَة مقتولة فِي بعض غَزَوَاته فَقَالَ : مَا بَال هَذِه تُقتل وَلَا تقَاتل ؟ ! . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث ريَاح بن ربيع أَنه خرج مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي غَزْوَة غَزَاهَا ، وَعَلَى مقدمته خَالِد بن الْوَلِيد ، فَمر ريَاح وَأَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى امْرَأَة مقتولة مِمَّا أَصَابَت المقدِّمة ، فوقفوا ينظرُونَ إِلَيْهَا - يَعْنِي : ويعجبون من خلقهَا حَتَّى لحقهم - رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى رَاحِلَته فانفرجوا عَنْهَا ، فَوقف [ عَلَيْهَا ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : مَا كَانَت هَذِه لتقاتل . فَقَالَ لأَحَدهم : الْحق خَالِدا فَقل لَهُ : لَا تقتلُوا ذُرِّيَّة وَلَا عسيفًا ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : لَا [ تقتلن ] امْرَأَة وَلَا عسيفًا ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا التِّرْمِذِيّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن رَبَاح بن الرّبيع ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث حَنْظَلَة بن الرّبيع ، أخي ريَاح قَالَ : غزونا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فمررنا عَلَى امْرَأَة مقتولة قد اجْتمع عَلَيْهَا النَّاس ، فأفرجوا لَهُ ، فَقَالَ : مَا كَانَت هَذِه لتقاتل فِيمَن يقاتِل ، ثمَّ قَالَ لرجل : انْطلق إِلَى خَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ : قل لَهُ : إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرك يَقُول : [ لَا تقتلن ] ذُرِّيَّة وَلَا عسيفًا هَذَا لفظ ابْن مَاجَه ، وَلَفظ النَّسَائِيّ : كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي غَزْوَة فَمر بِامْرَأَة مقتولة وَالنَّاس عَلَيْهَا ففرجوا لَهُ . فَقَالَ : مَا كَانَت هَذِه تقَاتل . الْحق خَالِدا فَقل لَهُ : لَا تقتل ذُرِّيَّة وَلَا عسيفًا . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن ، وَابْن جريج ، عَن أبي الزِّنَاد . وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن أبي أويس ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد ، عَن المرقع بن صَيْفِي بن رَبَاح أخي حَنْظَلَة الْمكَاتب ، أَن جده رَبَاح أخبرهُ ، فَصَارَ الحَدِيث صَحِيحا عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : سمع هَذَا الْخَبَر المرقع بن صَيْفِي ، عَن حَنْظَلَة الْمكَاتب ، وسَمعه من جده وجده رَبَاح بن الرّبيع ، وهما محفوظان ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : لَا بَأْس بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ . فَقَالَ : الصَّحِيح الثَّانِي - يَعْنِي من اللَّذين قدمناهما ، وَكَذَا فِي تَارِيخ البُخَارِيّ الْكَبِير ، فَإِنَّهُ أخرجه من حَدِيث [ المرقع ] ، عَن رَبَاح ، وَمن حَدِيث المرقع عَن حَنْظَلَة ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا وهم ، وَقَالَ بَعضهم : ريَاح وَلم يثبت . هَذَا لَفظه . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : رَبَاح هَذَا يُقَال فِيهِ بِالْبَاء الْمُوَحدَة ، ورياح (بِالْيَاءِ) الْمُثَنَّاة تَحت . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ البُخَارِيّ : رَبَاح أصح - يَعْنِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَمن قَالَ ريَاح - يَعْنِي بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت - فقد وهم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَكَذَا قَالَ أَبُو عِيسَى - يَعْنِي التِّرْمِذِيّ - وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من يُقَال لَهُ : ريَاح - يَعْنِي بِالْمُثَنَّاةِ تَحت - إِلَّا عَلَى اخْتِلَاف فِيهِ أَيْضا ، وَقَالَ الْحَازِمِي - عَلَى مَا نَقله الصريفيني عَنهُ - إِنَّه بِالْمُثَنَّاةِ تَحت ، هُوَ الصَّوَاب ، وَقَالَ العسكري : إِن بَعضهم صحفه ، فَقَالَ : بِالْبَاء - يَعْنِي الْمُوَحدَة - فَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن الجهم السمري : إِنَّمَا تسمي الْعَرَب العبيد برباح ، وَلَا نَعْرِف من الْمَشْهُورين غير رَبَاح بن المغترف . ثَانِيهَا : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اخْتِلَاف مر بعضه . قَالَ عبد الْحق : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، عَن عمر بن مُرَقع بن صَيْفِي بن رَبَاح بن الرّبيع قَالَ : سَمِعت أبي يحدث ، عَن جده رَبَاح بن ربيع . وَرَوَاهُ عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن المرقع ، عَن جده رَبَاح . وَعَن سُفْيَان الثَّوْريّ ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن المرقع ، عَن حَنْظَلَة الْكَاتِب ، قَالَ : وَيُقَال حَدِيث سُفْيَان ، عَن أبي الزِّنَاد وهم ، ومرقع بن صَيْفِي سمع ابْن عَبَّاس ، و [ جده ] رَبَاح بن الرّبيع وَيُقَال : ريَاح . رَوَى عَنهُ : ابْنه عَمْرو ، وَأَبُو الزبير ، وَأَبُو الزِّنَاد ، ومُوسَى بن عقبَة ، وَيُونُس بن إِسْحَاق . وَعمر بن مُرَقع لَا بَأْس بِهِ . قَالَه ابْن معِين ، وَكَذَا الْمُغيرَة لَيْسَ بِهِ بَأْس ، وَهُوَ الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن الْحزَامِي . ثَالِثهَا : ذكر الشَّافِعِي فِي رِوَايَة عبد الرَّحْمَن البغداد - فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ - حَدِيث المرقع هَذَا ، ثمَّ ضعفه بِأَن مرقعًا لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ . وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان أَيْضا فِي علله : إنه لَا يعرف حَاله ، وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن حزم ، فَإِنَّهُ رده بِهِ فِي محلاه مُدعيًا جهالته ، وَلَك أَن تَقول قد رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَسمع ابْن عَبَّاس ورباحًا ، ووثق كَمَا سلف ، وَخرج ابْن حبَان ، وَالْحَاكِم لَهُ فِي صَحِيحهمَا ، وصححا حَدِيثه ، فَهُوَ إِذا مَعْرُوف الْحَال . رَابِعهَا : العسيف : أجِير ، وَقيل : الشَّيْخ الفاني ، وَقيل : العَبْد . حكاهن الْمُنْذِرِيّ ، والذرية : الْمَرْأَة . قَالَه الْهَرَوِيّ ، وَعند الْجَوْهَرِي : ذُرِّيَّة الرجل : وَلَده . خَامِسهَا : هَذِه الْغَزْوَة الَّتِي مر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيهَا بِالْمَرْأَةِ المقتولة غَزْوَة خَيْبَر ، وَقيل : الخَنْدَق . حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَته .
الحَدِيث الرَّابِع بعد السّبْعين عَن رويفع بن ثَابت الْأنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا [ يركب دَابَّة ] من فَيْء الْمُسلمين حَتَّى إِذا أعجفها ردهَا إِلَيْهِ ، وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يلبس ثوبا من فَيْء الْمُسلمين حَتَّى إِذا أخلقه رده إِلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَفِي رواياتهم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ذَلِك يَوْم خَيْبَر . فَائِدَة : خلق الثَّوْب - مثلت اللَّام - عَن الْمَشَارِق و الْمطَالع وَغَيرهمَا ، وأخلق أَيْضا إِذا بلي وتمزَّق ، وأخلقته إِمَّا يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى . والعجف - بِالتَّحْرِيكِ - : الهزال ، وأعجفها : هزلها .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِامْرَأَة مقتولة يَوْم خَيْبَر ، فَقَالَ : من قتل هَذِه ؟ فَقَالَ رجل : أَنا يَا رَسُول الله ، غنمتها فأردفتها خَلْفي ، فَلَمَّا رَأَتْ الْهَزِيمَة فِينَا أهوت إِلَى قَائِم سَيفي لتقتلني فقتلتها . فَلم يُنكر عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله بِنَحْوِهِ ، عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ، عَن وهيب ، عَن أَيُّوب ، عَن عِكْرِمَة : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأَى امْرَأَة مقتولة بِالطَّائِف . فَقَالَ : ألم أنْه عَن قتل النِّسَاء ؟ من صَاحب هَذِه المقتولة ؟ قَالَ رجل من الْقَوْم : أَنا يَا رَسُول الله ، أردفتها ، فَأَرَادَتْ أَن تصرعني فتقتلني ، فَأمر بهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن توارى ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث حَفْص بن غياث ، عَن الْحجَّاج ، عَن الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مر بِامْرَأَة يَوْم الخَنْدَق مقتولة ، فَقَالَ : من قتل هَذِه ؟ فَقَالَ رجل : أَنا يَا رَسُول الله . قَالَ : وَلمَ ؟ قَالَ : نازعتني سَيفي . فَسكت .
الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : أصبْنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِخَيْبَر طَعَاما ، فَكَانَ كل وَاحِد منا يَأْخُذ مِنْهُ قدر كِفَايَته . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه أَبُو دَاوُد ، وَالْحَاكِم ، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي مجَالد ، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ : قلت : هَل كُنْتُم تخمسون الطَّعَام فِي عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : أصبْنَا طَعَاما يَوْم خَيْبَر ، فَكَانَ الرجل يَجِيء ، فَيَأْخُذ مِنْهُ مِقْدَار مَا يَكْفِيهِ ثمَّ ينْصَرف . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ ، فقد احْتج (بِمُحَمد بن [ أبي ] المجالد ، وَعبد الله بن أبي المجالد) جَمِيعًا وَلم يخرجَاهُ . هَذَا مَا ذكره فِي الْجِهَاد ، ذكره بعد فِي قسم الْفَيْء ، عَن مجَالد الْمَذْكُور قَالَ : بَعَثَنِي أهل الْمَسْجِد إِلَى ابْن أبي أَوْفَى أسأله : مَا صنع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي طَعَام أهل خَيْبَر ؛ فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقلت : هَل خمَّسَهُ ؟ فَقَالَ : لَا ، كَانَ أقل من ذَلِك ، وَكَانَ أَحَدنَا إِذا أَرَادَ مِنْهُ أَخذ مِنْهُ حَاجته ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الصَّحِيحَيْنِ . أَحْمد فِي مُسْنده بِهَذِهِ السِّيَاقَة . فَائِدَة : الصَّوَاب عبد الله بن أبي المجالد ، لَا مُحَمَّد بن أبي المجالد ، وهم شُعْبَة فِي تَسْمِيَته مُحَمَّد ، كَمَا نبه عَلَى [ ذَلِك ] الْمزي . قَالَ الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : كُنَّا نَأْخُذ من طَعَام الْمغنم مَا نشَاء . قلت : هَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة هَكَذَا ، وَقد استغربها ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط وَقَالَ : لم يذكر فِي كتب الحَدِيث الْأُصُول ، وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير : نَا معَاذ بن أبي الْمثنى ، ثَنَا مُحَمَّد بن كثير الْعَبْدي ، ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ ، ثَنَا أَشْعَث بن سوار ، عَن رجل ، عَن ابْن أبي أَوْفَى قَالَ : لم يُخَمّس الطَّعَام يَوْم خَيْبَر .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اقْتُلُوا شُيُوخ الْمُشْركين واستحيوا شرخهم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ أَحْمد فِي مُسْنده . فَقَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة ، ثَنَا الحَجَّاج ، عَن قَتَادَة ، عَن الْحسن ، عَن سَمُرَة مَرْفُوعا بدل : اسْتَحْيوا وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب . قلت : وَفِيه نظر ؛ فَإِن فِي إِسْنَاده سعيد بن بشير ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَضْعِيفه كَمَا سلف وَاضحا فِي بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة ، وَفِي إِسْنَاد أبي دَاوُد ، وَأحمد حجاج بن أَرْطَاة وَقد ضَعَّفُوهُ ، وَقد ضعف عبد الْحق فِي أَحْكَامه الحَدِيث بهما . فَقَالَ : بعد هَذَا عِلّة أُخْرَى ، وَهِي الْخلاف فِي سَماع الْحسن من سَمُرَة ، وَقد أوضحنا لَك مذاهبهم فِي ذَلِك فِي بَاب صفة الصَّلَاة . فَائِدَة : الشرخ جمع شارخ . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَفسّر بالمراهقين . قلت : يُؤَيّدهُ سِيَاق الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمعرفَة إِذْ فِي آخِره : بِمَعْنى الصغار . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَإِذا كَانَ المُرَاد بالشرخ الصغار ، فَالْمُرَاد بالشيوخ فِي مُقَاتلَتهمْ الرِّجَال المطلقون . وَفِي معالم الْخطابِيّ : يُرِيد بالشرخ الصغار ، وَمن لم يبلغ مبلغ الرِّجَال والشيوخ ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير : هُوَ الشَّبَاب ، أَرَادَ بهم الصغار الَّذين لم يبلغُوا الْحلم . قَالَ : وَمِنْه أَرَادَ بالشرخ أهل الْجلد الَّذين يصلحون للْملك والخدمة . وَفِي جَامع المسانيد لِابْنِ الْجَوْزِيّ : قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : فالشيخ لَا يكَاد يسلم ، والشاب أقرب إِلَى الْإِسْلَام ، والشرخ : الشَّاب . تَنْبِيه : حَدِيث ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا بعث سَرِيَّة - قَالَ : لَا تقتلُوا شَيخا كَبِيرا ، قد يُعَارض حَدِيث سَمُرَة هَذَا ، وَهُوَ حَدِيث أخرجه الطَّحَاوِيّ فِي شرح الْآثَار بإسنادٍ كل رِجَاله ثِقَات ، إِلَّا عَلّي بن [ عَابس ] ؛ فَإِنَّهُ مُتَكَلم فِيهِ ، وَأخرج لَهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك .
الحَدِيث الثَّانِي بعد السّبْعين عَن ابْن عمر أَيْضا قَالَ : كُنَّا نصيب فِي مغازينا الْعَسَل وَالْعِنَب ، فنأكله وَلَا ندفعه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ : كُنَّا نصيب فِي الْمَغَازِي الْعَسَل والفاكهة ، فنأكله وَلَا ندفعه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ ابْن الْمُبَارك ، عَن حَمَّاد بن زيد ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَنهُ : كُنَّا نأتي الْمَغَازِي مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فنصيب الْعَسَل وَالسمن فنأكله .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تقتلُوا النِّسَاء وَلَا أَصْحَاب الصوامع . هَذَا الحَدِيث رَوَى أَحْمد بعضه من حَدِيث ابْن أبي حَبِيبَة ، عَن دَاوُد بن الْحصين ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا بعث جيوشه قَالَ : اخْرُجُوا بِاسم الله ، قَاتلُوا فِي سَبِيل الله من كفر ، لَا تغلوا ، وَلَا تغدروا ، وَلَا تمثلوا ، وَلَا تقتلُوا الْولدَان وَلَا أَصْحَاب الصوامع ، أعله ابْن حزم فِي محلاه بِابْن أبي حَبِيبَة . لكنه وَقع فِي النُّسْخَة : إِبْرَاهِيم بن أبي لَبِيبَة ، وَهُوَ تَصْحِيف من النَّاسِخ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث خَالِد بن زيد . قَالَ : خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مشيعًا لأهل مُؤْتَة حَتَّى بلغ ثنية الْوَدَاع ، فَوقف ووقفوا حوله فَقَالَ : اغزوا بِاسم الله ، فَقَاتلُوا عَدو الله وَعَدُوكُمْ بِالشَّام ، وستجدون فيهم رجَالًا فِي الصوامع معتزلين من النَّاس فَلَا تعرضوا لَهُم ، وستجدون آخَرين للشَّيْطَان ، فِي رُءُوسهم مفاحص فافلقوها بِالسُّيُوفِ ، وَلَا تقتلُوا امْرَأَة ، وَلَا صَغِيرا ضرعًا وَلَا كَبِيرا فانيًا ، وَلَا تقطعن شَجَرَة ، وَلَا تعقرن نخلا ، وَلَا تهدموا بَيْتا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع وَضَعِيف . وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا بعث جَيْشًا من الْمُسلمين إِلَى الْمُشْركين قَالَ : انْطَلقُوا بِاسم الله ، وَفِيه : لَا تقتلُوا وليدًا طفْلا ، وَلَا امْرَأَة ، وَلَا شَيخا كَبِيرا ، وَلَا تغورنَّ عينا ، وَلَا تعقرن شَجرا إِلَّا شَجرا يمنعكم قتالاً ، أَو يحجز بَيْنكُم وَبَين الْمُشْركين ، وَلَا تمثلوا بآدمي ، وَلَا بَهِيمَة ، وَلَا تعذبوا وَلَا تغلوا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فِي إِسْنَاده إرْسَال وَضعف . قَالَ : وَهُوَ بشواهده مَعَ مَا فِيهِ من الْإِرْسَال يقوى . وَفِي علل ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي ، عَن حَدِيث جرير قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا بعث سَرِيَّة قَالَ : بِاسم الله ، وَفِي سَبِيل الله ، وَعَلَى مِلَّة رَسُول الله ، لَا تغلوا ، وَلَا تغدروا ، وَلَا تمثلوا ، وَلَا تقتلُوا الْولدَان ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد ، فِيهِ ابْن لَهِيعَة وَغَيره ، وَلَيْسَ لَهُ أصل بالعراق .
الحَدِيث الْحَادِي بعد السّبْعين عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن جَيْشًا غنموا طَعَاما وَعَسَلًا عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يَأْخُذ مِنْهُم الْخمس ، يَعْنِي مِمَّا تنَاوله . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه أَبُو دَاوُد ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع بِإِسْقَاط ابْن عمر ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : وَهَذَا أشبه .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لخَالِد بن الْوَلِيد : لَا تقتل عسيفًا وَلَا امْرَأَة . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه قَرِيبا وَاضحا .
الحَدِيث السبعون نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن قتل الْحَيَوَان صبرا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يقتل شَيْء من الْبَهَائِم صبرا . وَمن حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لعن من اتخذ شَيْئا فِيهِ الرّوح غَرضا . وَأخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس : أَنه دخل دَار الحكم بن أَيُّوب ، فَإِذا قوم قد نصبوا دجَاجَة يَرْمُونَهَا ، فَقَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ أَن ] تصبر الْبَهَائِم ، وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث بكير [ عَن ] عبيد بن تِعْلَى قَالَ : غزونا مَعَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد ، فَأُتي بأَرْبعَة أعلاج من الْعَدو ، فَأمر بهم [ فَقتلُوا ] صبرا بِالنَّبلِ ، فَبلغ ذَلِك أَبَا أَيُّوب فَقَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (نهَى) عَن قتل الصَّبْر . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث شُعْبَة ، عَن الْمنْهَال قَالَ : كنت أَمْشِي مَعَ سعيد بن جُبَير فَقَالَ : قَالَ عبد الله بن عمر : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : لعن الله من مثَّل بِالْحَيَوَانِ ، وَفِي تَارِيخ الضُّعَفَاء للعقيلي من حَدِيث الْحسن ، عَن سَمُرة قَالَ : نهَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن تصبر الْبَهِيمَة ، وَأَن يُؤْكَل لَحمهَا إِذا صبرت . قَالَ الْعقيلِيّ : قد رَوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي النَّهْي عَن صَبر الْبَهَائِم أَحَادِيث بأسانيد جِيَاد ، وَأما أكل لَحمهَا فَلَا يحفظ إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قطع نخل بني النَّضِير . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا من حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حرق نخل بني النَّضِير ، وَقطع وَحرق البويرة ، قَالَ : وَلها يَقُول حسان بن ثَابت : وَهَان عَلَى سراة لؤي حريق بالبويرة مستطير فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث : أدام الله ذَلِك من صَنِيع وَحرق فِي نَوَاحِيهَا السعير ستعلم أَيّنَا لنا مِنْهَا بنزه وَتعلم أَي أرضينا تصير هَذَا لفظ إِحْدَى روايتي البُخَارِيّ ، وَلَفظ مُسلم . وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى لَهُ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قطع نخل بني النَّضِير ، وَحرق . وَلها يَقُول حسان : وَهَان الْبَيْت . وَفِي ذَلِك نزلت : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ . الْآيَة . وَفِي رِوَايَة للبيهقي بعد . وَهَان عَلَى سراة الْبَيْت . تركْتُم قدركم لَا شَيْء فِيهَا وَقدر الْقَوْم حامية تَفُور وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلين بعد تصير : فَلَو كَانَ النّخل بهَا ركانا لقالوا لَا مقَام لكم فسيروا قَالَ ابْن إِسْحَاق : وأجابه جبل بن حوار الثَّعْلَبِيّ أَيْضا ، فَذكر أبياتًا آخرهَا : تركْتُم قدركم الْبَيْت . فَائِدَة : قَالَ الْحَازِمِي فِي المؤتلف والمختلف : البويرة - بِضَم الْبَاء ، وَفتح الْوَاو - من منَازِل الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ .
الحَدِيث التَّاسِع بعد السِّتين رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن ذبح الْحَيَوَان إِلَّا لمأكلة . هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كتاب الْغَصْب ، فَرَاجعه مِنْهُ .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ أَن دُريد بن الصمَّة قتل يَوْم حنين ، وَقد نَيف عَلَى الْمِائَة ، وَكَانُوا قد استحضروه ؛ ليدبر لَهُم الْحَرْب ، فَلم يُنكر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الشَّافِعِي ، فَقَالَ : قتل يَوْم حنين دُرَيْد بن الصمَّة ابْن خمسين وَمِائَة سنة فِي شجار ، وَلَا يَسْتَطِيع الْجُلُوس ، فَذكر للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يُنكر قَتله . وَالْمَاوَرْدِيّ قَالَ : إِنَّه قتل وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يرَاهُ فَلم ينْه عَنهُ ، ثمَّ قَالَ : كَانَ عُمره مائَة [ و ] خمس وَعِشْرونَ سنة . وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَن مُحَمَّد بن يسَار فِي قصَّة أَوْطَاس : فَأدْرك ربيعَة بن رفيع دُرَيْد بن الصمَّة ، فَأخذ بِخِطَام جمله وَهُوَ يظنّ أَنه امْرَأَة ، وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي شجار لَهُ فَإِذا هُوَ بِرَجُل ، فَأَنَاخَ بِهِ ، فَإِذا هُوَ شيخ كَبِير ، وَإِذا هُوَ دُرَيْد بن الصمَّة ، وَلَا يعرفهُ الْغُلَام ، فَقَالَ دُرَيْد : [ مَاذَا ] تُرِيدُ ؟ قَالَ : قَتلك . قَالَ : وَمن أَنْت ؟ قَالَ : أَنا ربيعَة بن رفيع السّلمِيّ . ثمَّ ضربه بِسَيْفِهِ فَلم يغن شَيْئا . قَالَ دُرَيْد : بئس مَا سلحتّك أمك ! خُذ سَيفي هَذَا من مُؤخر الشجار ، ثمَّ اضْرِب بِهِ ، وارفع عَن الْعِظَام ، واخفض عَن الدِّمَاغ ؛ فَإِنِّي بذلك كنت [ أقْتُل ] الرِّجَال . فَقتله . وأصل قتلة دُرَيْد ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : لما فرغ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من حنين بعث أَبَا عَامر عَلَى جَيش إِلَى أَوْطَاس ، فلقي دُرَيْد بن الصمَّة فَقتله ، وَهزمَ الله أَصْحَابه .
الحَدِيث الثَّامِن بعد السِّتين أَن حَنْظَلَة بن الراهب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عقر بِأبي سُفْيَان فرسه يَوْم أحد ، فَسقط عَنهُ فَجَلَسَ ، فَجَلَسَ حَنْظَلَة عَلَى صَدره ليذبحه ، فجَاء ابْن شعوب ، وَقتل حَنْظَلَة ، [ واستنقذ ] أَبَا سُفْيَان ، وَلم يُنكر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعل حَنْظَلَة . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ الرّبيع : قَالَ الشَّافِعِي : قد عقر حَنْظَلَة بن الراهب بِأبي سُفْيَان بن حَرْب يَوْم أحد (فاكتسعت) فرسه بِهِ ، فَسقط عَنْهَا ، فَجَلَسَ عَلَى صَدره ليذبحه ، فَرَآهُ ابْن شعوب ، فَرجع إِلَيْهِ يعدو كَأَنَّهُ سبع فَقتله ، واستنقذ أَبَا سُفْيَان من تَحْتَهُ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان من بعد ذَلِك : فَلَو شِئْت نجتني كنت رجيلة وَلم أحمل النعماء لِابْنِ شعوب وَمَا زَالَ مهري مزجر الْكَلْب مِنْهُم لدا غدْوَة حَتَّى دنت لغروب أقاتلهم أدعوهم يا لغَالب وأدفعهم عني بِرُكْن صَلِيب قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَنا الْحَاكِم ، ثَنَا الْأَصَم ، ثَنَا أَحْمد بن عبد الْجَبَّار ، ثَنَا يُونُس بن بكير ، عَن [ ابْن ] إِسْحَاق ، عَن الزُّهْرِيّ وَغَيره فِي قصَّة أحد ، فَذكر فِي قصَّة حَنْظَلَة مَعَ أبي سُفْيَان ، وَمَا كَانَ من مَعُونَة ابْن شعوب أَبَا سُفْيَان ، وَقَتله حَنْظَلَة ، إِلَّا أَنه لم يذكر الْعقر ، وَذكر أَبْيَات أبي سُفْيَان بِنَحْوِ مَا ذكرهن الشَّافِعِي ، وَزَاد عَلَيْهِنَّ ، وَذكر الْوَاقِدِيّ فِي هَذِه الْقِصَّة عقره فرسه . أخبرنَا الْحَاكِم ، أبنا مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَصْبَهَانِيّ ، ثَنَا الْحسن بن الجهم ، ثَنَا الْحُسَيْن بن الْفرج ، ثَنَا الْوَاقِدِيّ ، عَن شُيُوخه ، فَذكرُوا قصَّة حَنْظَلَة قَالُوا : وَأخذ حَنْظَلَة بن أبي عَامر سلاحه ، فلحق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِأحد ، وَهُوَ يُسَوِّي الصُّفُوف ، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْمُشْركُونَ اعْترض حَنْظَلَة لأبي سُفْيَان بن حَرْب ، فَضرب عرقوب فرسه ، قَالَ : فاكتسعت الْفرس ، وَوَقع أَبُو سُفْيَان إِلَى الأَرْض ، فَجعل يَصِيح : يَا معشر قُرَيْش ، [ أَنا ] أَبُو سُفْيَان ابن حَرْب ، وحَنْظَلَة يُرِيد ذبحه بِالسَّيْفِ ، فَأَسْمع الصَّوْت رجَالًا لَا يلتفتون إِلَيْهِ فِي الْهَزِيمَة ، حَتَّى غاثه الْأسود بن شعوب ، فَحمل عَلَى حَنْظَلَة بِالرُّمْحِ فأنفذه وهرب أَبُو سُفْيَان . فَائِدَة : ابْن شَعُوب بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ، وَضم الْعين الْمُهْملَة ، وبالباء الْمُوَحدَة ، وَكَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ فِي تهذيبه ، قَالَ ابْن سعد : اسْمه شَدَّاد بن أَوْس بن شعوب اللَّيْثِيّ . قَالَ ابْن إِسْحَاق : هُوَ شَدَّاد بن الْأسود اللَّيْثِيّ ، وَقد أسلفنا فِي أثْنَاء مَا ذَكرْنَاهُ عَن الْوَاقِدِيّ أَنه قَالَ اسْمه : الْأسود بن شعوب .
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن ابْن مَسْعُود رضي الله عَنهُ : أَن رجلَيْنِ أَتَيَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رسولين لمُسَيْلمَة ، فَقَالَ لَهما : [ أتشهدان ] أَنِّي رَسُول الله ؟ فَقَالَا : نشْهد أَن مُسَيْلمَة رَسُول الله . فَقَالَ : إِنِّي لَو كنت قَاتلا رَسُولا لضَرَبْت أعناقكما . فجرت السّنة أَن لَا تقتل الرُّسُل . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هَكَذَا الإمامان أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه . وَقَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وسميا فِي روايتهما الرجلَيْن أَحدهمَا : عبد الله ابْن النواحة ، وَالثَّانِي : ابْن أَثَال ، وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد : أَن ابْن مَسْعُود قَالَ لخرشة : قُم فَاضْرب عُنُقه . فَقَامَ ، فَضرب عُنُقه بعد موت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد من حَدِيث سَلمَة بن نعيم بن مَسْعُود ، عَن أَبِيه قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول حِين جَاءَهُ رَسُولا مُسَيْلمَة الْكذَّاب بكتابه ، وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول لَهما : وأنتما تقولان مثل مَا يَقُول ؟ قَالَا : نعم . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا تقتل لضَرَبْت أعناقكما ، فَكَمَا قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، ذكر ذَلِك فِي أَوَاخِر كتاب فَضَائِل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من مُسْتَدْركه ، وَذكره فِي كتاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة من هَذَا الْوَجْه أَيْضا ، ثمَّ قَالَ فِي هَذَا : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قلت : وَفِي إِسْنَاد كل مِنْهُمَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي ، وَهُوَ من رجال مُسلم مُتَابعَة لَا اسْتِقْلَالا ، وَقد عنعن فِي هَذَا الْموضع ، وَصرح بِالتَّحْدِيثِ فِي الْموضع الأول ، [ فانجبر ] أَحدهمَا بِالْآخرِ ، وَعَزاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الْإِلْمَام إِلَى رِوَايَة الشَّافِعِي فَقَالَ : وَعند الشَّافِعِي ، عَن عبد الله ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَوْلَا أَنَّك رَسُول - يَعْنِي : رَسُول مُسَيْلمَة - لقتلتك قَالَ الشَّيْخ : وَهُوَ فِي الصَّحِيح فِي قصَّة بِمَعْنَاهُ . وَرَوَى أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة وبر بن مشهر الْحَنَفِيّ أَن مُسَيْلمَة بَعثه هُوَ ، وَابْن شغَاف الْحَنَفِيّ ، وَابْن نواحة ، فَأَما [ وبر ] فَإِنَّهُ أسلم ، وَأما الْآخرَانِ فَإِنَّهُمَا شَهدا أَنه رَسُول الله ، وَأَن مُسَيْلمَة من بعده ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : خذوهما . فأُخذا ، فأُخرج بهما إِلَى الْمبيت فحبسا . فَقَالَ رجل : هبهما لي يَا رَسُول الله ، فَفعل . وَفِي إِسْنَاده مُوسَى بن يَعْقُوب ، وَالظَّاهِر أَنه الزمعِي الَّذِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
الحَدِيث السَّابِع بعد السِّتين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قطع عَلَى أهل الطَّائِف كرُومًا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله ، عَن هناد بن السّري ، عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَار إِلَى الطَّائِف ، فَأمر بحصن مَالك بن عَوْف ، فهدم ، وَأمر بِقطع الأعناب . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، عَن الْأسود ، عَن عُرْوَة بن الزبير قَالَ : نزل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالأكمة عِنْد حصن الطَّائِف ، فَحَاصَرَهُمْ بضع عشرَة لَيْلَة ، (وَقَاتلهمْ) ثَقِيف بِالنَّبلِ وَالْحِجَارَة ، وهم فِي حصن الطَّائِف ، وَكَثُرت الْقَتْلَى فِي الْمُسلمين وَفِي ثَقِيف ، وَقطع الْمُسلمُونَ شَيْئا من كروم ثَقِيف ؛ (ليغيظونهم) بذلك ، قَالَ عُرْوَة : وَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْمُسلمين حِين حاصروا ثَقِيف أَن يقطع كل رجل من الْمُسلمين خمس نخلات - أَو حبلات من كرومهم - فَأَتَاهُ عمر بن الْخطاب فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنَّهَا (عقا لَا تُؤْكَل ثَمَرَتهَا) . فَأَمرهمْ أَن يقطعوا مَا أكلت ثَمَرَته الأول فَالْأول . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة فِي غَزْوَة الطَّائِف قَالَ : وَنزل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالأكمة عِنْد حصن الطَّائِف بضع عشرَة لَيْلَة فَقَاتلهُمْ فَذكره إِلَى أَن قَالَ : وَقَطعُوا طَائِفَة من أعنابهم ؛ (ليغيظونهم) بهَا ، فَقَالَت ثَقِيف : لَا تفسدوا الْأَمْوَال فَإِنَّهَا لنا أَو لكم . قَالَ : واستأذنه الْمُسلمُونَ فِي مناهضة (الْجَيْش) . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا أرَى أَن نفتتحه ، وَمَا أذن لنا فِيهِ الْآن . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَذكر أَن الطَّائِف كَانَ آخر غَزَوَاته . قلت : أَي بِنَفسِهِ ؛ فَإِنَّهَا فِي سنة ثَمَان ، وغزوة تَبُوك فِي سنة تسع ، لَكِن لم يُقَاتل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِيهَا . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَن أَبَا بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بعث جَيْشًا إِلَى الشَّام فنهاهم عَن قتل الشُّيُوخ ، وَأَصْحَاب الصوامع ، وَقطع الْأَشْجَار المثمرة . قلت : هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، عَن يَحْيَى بن سعيد أَن أَبَا بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بعث جيوشًا إِلَى الشَّام ، فَخرج يمشي مَعَ يزِيد بن أبي سُفْيَان ، وَكَانَ أَمِير ربع من [ تِلْكَ ] الأرباع ، فَقَالَ يزِيد لأبي بكر : إِمَّا أَن تركب وَإِمَّا أَن أنزل ، فَقَالَ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : مَا أَنْت بنازل وَمَا أَنا رَاكب ؛ إِنِّي احتسبت خُطاي هَذِه فِي سَبِيل الله ، ثمَّ قَالَ : إِنَّك ستجد قوما زَعَمُوا أَنهم حبسوا أنفسهم [ لله ، فذرهم وَمَا زَعَمُوا أَنهم حبسوا أنفسهم لَهُ ] . وستجد قوما فحصوا عَن (أَوسط) رُءُوسهم من الشّعْر ، فَاضْرب مَا فحصوا عَنهُ بِالسَّيْفِ ، وَإِنِّي مُوصِيك بِعشر : لَا تقتلن امْرَأَة ، وَلَا صبيًّا ، وَلَا كَبِيرا هرمًا ، وَلَا تقطعن شَجرا مثمرًا ، وَلَا تخربن عَامِرًا ، وَلَا تعقرن شَاة وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لمأكلة ، وَلَا تحرقن نحلًا وَلَا تفرقنه ، وَلَا تغلل ، وَلَا تجبن ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث يُونُس بن يزِيد ، عَن ابْن شهَاب ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بأطول من هَذَا ، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، مَا أَظن من هَذَا شَيْء ، هَذَا كَلَام أهل الشَّام . وَذكر فِي كتاب الْمعرفَة أَنه لم يقف عَلَى الْمَعْنى الَّذِي لأَجله أنكرهُ ، وَكَانَ ابْنه عبد الله ( زعم أَنه كَانَ مُنكر ذَلِك أَن يكون ) من حَدِيث الزُّهْرِيّ . قَالَ الرّبيع : قَالَ الشَّافِعِي : وَلَعَلَّ أَمر أبي بكر بِأَن يكفوا عَن أَن يقطعوا شَجرا مثمرًا إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخبر أَن بِلَاد الشَّام تفتح عَلَى الْمُسلمين ، فَلَمَّا كَانَ مُبَاحا لَهُ أَن يقطع وَيتْرك اخْتَار التّرْك ؛ نظرا للْمُسلمين ، لَا أَنه [ رَآهُ ] محرما ؛ لِأَنَّهُ قد حضر مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تحريقه بالنضير وخيبر والطائف ، وَهَذَا الْجَواب أجَاب بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب نقلا عَن الْمُخْتَصر .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَصَر أهل الطَّائِف شهر . أمَّا كَونه عَلَيْهِ السَّلَام حاصَر أهل الطَّائِف ، فَذَلِك ثَابت فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَغَيرهمَا من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنس بن مَالك بعد أَن ذكر قصَّة فتح مَكَّة ، ثمَّ انطلقنا إِلَى الطَّائِف ، فحاصرناهم أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، ثمَّ رَجعْنَا إِلَى مَكَّة ، وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم أبي عبد الله ، عَن مُصعب بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أَبِيه قَالَ : افْتتح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَكَّة ، ثمَّ انْصَرف إِلَى الطَّائِف فَحَاصَرَهُمْ سَبْعَة أَو ثَمَانِيَة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : فِيهِ نظر ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده طَلْحَة بن جبر ، وَلَيْسَ بعمدة . قَالَ السَّعْدِيّ : هُوَ مَذْمُوم فِي حَدِيثه غير ثِقَة ، وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ فَقَالَ مرّة : لَا شَيْء . وَقَالَ مرّة : ثِقَة . وَأما كَونه حاصرها شهرا فَأخْرجهُ (أَبُو) دَاوُد فِي مراسيله ، عَن ابْن بشار ، ثَنَا يَحْيَى بن سعيد ، عَن سُفْيَان ، عَن ثَوْر ، عَن مَكْحُول : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نصب عَلَى أهل الطَّائِف المنجنيق ، ثمَّ رَوَى أَيْضا ، عَن أبي صَالح - وَهُوَ مَحْبُوب بن مُوسَى - عَن أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ ، عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى - وَهُوَ ابْن أبي كثير - قَالَ : حَاصَرَهُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شهرا ، فَقلت : أبلغك أَنه رماهم (بالمجانيق) ؟ فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ : مَا نَعْرِف مَا هَذَا . وَرَوَى فِي سنَنه من طَرِيقين : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حَاصَرَهُمْ بضعَة عشر لَيْلَة ، وَمن طَرِيق ثَالِث ، عَن أبي عُبَيْدَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام حاصر أهل الطَّائِف ، وَنصب عَلَيْهِم المنجنيق سَبْعَة عشر يَوْمًا ، قَالَ أَبُو قلَابَة : وَكَانَ يُنكر عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث . قَالَ [ الْبَيْهَقِيّ ] : كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنه كَانَ يُنكر عَلَيْهِ وصل إِسْنَاده قَالَ : وَيحْتَمل أَنه إِنَّمَا أنكر رميهم يَوْمئِذٍ [ بالمجانيق ] ، فقد رَوَى أَبُو دَاوُد فِي مراسيله ، ثمَّ ذكر الْمُرْسل الثَّانِي لأبي دَاوُد ، ثمَّ قَالَ : كَذَا قَالَ : لم يبلغهُ . وَزعم غَيره أَنه بلغه ، ثمَّ ذكر الْمُرْسل الأول من مَرَاسِيل أبي دَاوُد ، ثمَّ قَالَ : وَقد ذكره الشَّافِعِي أَيْضا فِي الْقَدِيم . ثمَّ قَالَ : وَقد ذكره الْوَاقِدِيّ عَن شُيُوخه ، كَمَا ذكره مَكْحُول ، وَزعم أَن الَّذِي أَشَارَ بِهِ سلمَان الْفَارِسِي . فَائِدَة : الطَّائِف بلد مَعْرُوف عَلَى مرحلَتَيْنِ من مَكَّة من جِهَة الْمشرق .
الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قطع نخل بني النَّضِير ، وَحرق عَلَيْهِم ، وَفِي ذَلِك نزل قَوْله تَعَالَى : مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا الْآيَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، تقدم بَيَانه وَاضحا فِي أَوَائِل هَذَا الْبَاب .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شن الْغَارة عَلَى بني المصطلق . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا من حَدِيث عبد الله بن عون . قَالَ : كتبت إِلَى نَافِع أسأله عَن الدُّعَاء قبل الْقِتَال . فَكتب إليَّ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ، وَقد أغار رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى بني المصطلق ، وهم غَارونَ ، وأنعامهم تسقى عَلَى المَاء ، فَقتل مُقَاتلَتهمْ ، وسبى ذَرَارِيهمْ ، وَأصَاب يَوْمئِذٍ جوَيْرِية . حَدثنِي بِهِ عبد الله بن [ عمر ] ، وَكَانَ فِي ذَلِك الْجَيْش . فَائِدَة : غَزْوَة بني المصطلق هِيَ غَزْوَة الْمُريْسِيع . قَالَه البُخَارِيّ . قَالَ : وَقَالَ ابْن إِسْحَاق : وَذَلِكَ سنة سِتّ . وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة : سنة أَربع . وَقَالَ النُّعْمَان بن رَاشد ، عَن الزُّهْرِيّ : كَانَ حَدِيث الْإِفْك فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع . فَائِدَة أُخْرَى : ادَّعَى ابْن شاهين فِي ناسخه ومنسوخه نسخ حَدِيث ابْن عَبَّاس : مَا قَاتل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قوما حَتَّى دعاهم بِحَدِيث ابْن عمر هَذَا ، قَالَ : والناسخ هُوَ قَول نَافِع : إِنَّمَا كَانَ ذَلِك فِي أول الْإِسْلَام ، وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ ، وَقد تعقبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ الْحَافِظ فِي كِتَابه الْإِعْلَام فِي الْفَنّ الْمَذْكُور ، فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا قَول من يعرف النَّاسِخ والمنسوخ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لم يُقَاتل قوما إِلَّا بعد أَن دعاهم ؛ لِأَنَّهُ لما شاعت الدعْوَة افْتتح اتساعها ، ومرورها عَلَى أسماعهم مرَارًا ، فَلَمَّا أصروا عَلَى الْكفْر صَارَت الإغارة عَلَيْهِم عَلَى غرتهم من غير تَحْدِيد دَعْوَة حِينَئِذٍ .
الحَدِيث الْخَامِس بعد السِّتين عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أصبْنَا نسَاء يَوْم أَوْطَاس ، فكرهوا أَن يقعوا عَلَيْهِنَّ من أجل أَزوَاجهنَّ من الْمُشْركين ، فَأنْزل الله عَزَّ وَجَلَّ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فاستحللناهن . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ، وَهَذَا لَفظه : عَن أبي سعيد أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم حنين بعث جَيْشًا إِلَى أَوْطَاس فَلَقوا عدوًّا فقاتلوهم ، فظهروا عَلَيْهِم ، وَأَصَابُوا لَهُم سَبَايَا ، فَكَأَن نَاسا من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تحرجوا من غشيانهن من أجل أَزوَاجهنَّ من الْمُشْركين ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، أَي : فهن لكم حَلَال إِذا انْقَضتْ عدتهن .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بالبيات . الَّذِي ورد فِي التبييت مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحهمَا من حَدِيث الصعب بن جثَّامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يسْأَل أهل الدَّار من الْمُشْركين يبيتُونَ ، فيصاب من نِسَائِهِم وذراريهم . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هم مِنْهُم ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مَا ورد فِي إِبَاحَة التبييت . قَالَ : وَاحْتج الشَّافِعِي أَيْضا فِي إِبَاحَة التبييت بِحَدِيث ابْن عمر فِي قصَّة بني المصطلق الحَدِيث الَّذِي قبله . فَائِدَة : كَانَ الزُّهْرِيّ إِذا حدث بِهَذَا الحَدِيث يَقُول : إِنَّه مَنْسُوخ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان ، وَكَذَا ادَّعَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وقبلهما سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، وَأنكر الشَّافِعِي ذَلِك . وَلما نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الْإِعْلَام نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه ، عَن الزُّهْرِيّ . قَالَ : لَيْسَ قَوْله بِصَحِيح ، وَإِنَّمَا النَّهْي عَن تعمد النِّسَاء وَالصبيان بِالْقَتْلِ ، وَحَدِيث الصعب فِيمَا لم يتَعَمَّد ، فَلَا تنَاقض .
الحَدِيث الرَّابِع بعد السِّتين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ يَوْم أَوْطَاس : أَلا لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع ، وَلَا حَائِل حَتَّى تحيض . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب الِاسْتِبْرَاء وَاضحا .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نصب المنجنيق عَلَى أهل الطَّائِف . هَذَا الحَدِيث سلف قَرِيبا وَاضحا . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فِي بَاب الاسْتِئْذَان عَن قُتَيْبَة ، عَن وَكِيع ، عَن رجل ، عَن ثَوْر بن يزِيد الْحِمصِي : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نصب المنجنيق عَلَى أهل الطَّائِف . قَالَ قُتَيْبَة : قلت لوكيع : من هَذَا - يَعْنِي الرجل ؟ قَالَ : صَاحبكُم عمر بن هَارُون ، قلت : وَهُوَ ضَعِيف .
الحَدِيث الثَّالِث قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأَن يبْعَث الطَّلَائِع . هُوَ كَمَا قَالَ . فَفِي صَحِيح مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ بُسيسة ] عينا ينظر مَا صنعت عير أبي سُفْيَان ، فجَاء وَمَا فِي الْبَيْت أحد غَيْرِي وَغير رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : مَا اسْتثْنى بعض نِسَائِهِ - قَالَ : فَحَدَّثته الحَدِيث ، فَخرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَتكلم فَقَالَ : إِن لنا طلبة ، فَمن كَانَ ظَهره حَاضرا فليركب مَعنا ، فَجعل رجال يستأذنونه فِي ظُهُورهمْ فِي علو الْمَدِينَة فَقَالَ : لَا ، إِلَّا من كَانَ ظَهره حَاضرا . فَانْطَلق رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَصْحَابه حَتَّى سبقوا الْمُشْركين إِلَى بدر ، وَجَاء الْمُشْركُونَ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : [ لَا يقدمن أحد مِنْكُم إِلَى شَيْء حَتَّى أكون أَنا دونه ، فَدَنَا الْمُشْركُونَ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] : قومُوا إِلَى جنَّة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض ، فَقَالَ : يَقُول عُمَيْر بن الْحمام الْأنْصَارِيّ : يَا رَسُول الله ، جنَّة عرضهَا السماوات وَالْأَرْض [ قَالَ : نعم ، قَالَ ] : بخ بخ يَا رَسُول الله ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا يحملك عَلَى قَوْلك بخ بخ ؟ ! قَالَ : لَا وَالله يَا رَسُول الله إِلَّا رَجَاء أَن أكون من أَهلهَا . قَالَ : فَإنَّك من أَهلهَا ، قَالَ : فَأخْرج تمرات من قرنه ، فَجعل يَأْكُل مِنْهُنَّ ، ثمَّ قَالَ : لَئِن أَنا حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إِنَّهَا لحياة طَوِيلَة . قَالَ : فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَه من التَّمْر ، ثمَّ قَاتلهم حَتَّى قتل . وَأما الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه من هَذَا الْوَجْه من عِنْد قَوْله : قومُوا إِلَى الْجنَّة إِلَى آخِره فِي تَرْجَمَة عُمَيْر ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ ، وَفِي معرفَة الصَّحَابَة لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ : أَن عُمَيْر بن الْحمام أنْشد عِنْد مقدمه إِلَى الْقِتَال . ركضنا إِلَى الله بِغَيْر زَاد إِلَى التقَى صَالح الْمعَاد وَالصَّبْر فِي الله عَلَى الْجِهَاد إِن التقَى من أعظم السداد وَخير مَا قاد إِلَى الرشاد وكل حَيّ فَإلَى معاد ثمَّ قَالَ : فَلم يزل يُقَاتل حَتَّى قتل . قَالَ ابْن نَاصِر فِي قصَّة عُمَيْر بن الْحمام الْأنْصَارِيّ : أَنه اسْتشْهد فِي وقْعَة أحد . وَهَذَا غَرِيب فَفِي الصَّحِيح كَمَا تقدم أَن ذَلِك فِي بدر ، وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ : إِن قصَّته كَانَت يَوْم بدر لَا يَوْم أحد وَهُوَ الصَّوَاب . وَنقل الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة ، عَن عبد الْغَنِيّ أَنه قَالَ فِي حَدِيث جَابر يَوْم أحد ، وَفِي حَدِيث أنس : يَوْم بدر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ . فَائِدَة : قَالَ أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة ذكره أَعنِي عُمَيْر بن الْحمام بعض الواهمين وصحف فِيهِ . فَقَالَ : تَمِيم بن الْحمام قتل ببدر .
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الْمُشْركين يبيتُونَ فيصاب من نِسَائِهِم وذراريهم ؟ فَقَالَ: هم مِنْهُم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف .
الحَدِيث الثَّانِي بعد السِّتين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن الْقَوْم إِذا أَسْلمُوا أحرزوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من رِوَايَة أبان بن عبد الله بن أبي [ حَازِم ] ، [ عَن عُثْمَان بن أبي حَازِم ] ، عَن أَبِيه ، عَن جده صَخْر : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غزا ثقيفًا ، فَلَمَّا سمع صَخْر بذلك ركب فِي خيل يُمِدُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوجدَ نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قد انْصَرف ولمُ يُفْتَح ، فَجعل صَخْر يَوْمئِذٍ عهد الله وذمته أَن لَا يُفَارق هَذَا الْقصر حَتَّى ينزلُوا عَلَى حكم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلم يفارقهم حَتَّى نزلُوا عَلَى حكم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَكتب إِلَيْهِ صَخْر : أما بعد ، فَإِن ثقيفًا قد (نزلُوا) عَلَى حكمك يَا رَسُول الله ، وَأَنا مقبل بهم ، وهم فِي خيل ، فَأمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِالصَّلَاةِ جَامِعَة ، فَدَعَا لأحمس عشر دعواتٍ : اللَّهُمَّ بَارك لأحمس فِي خيلها ورجالها ، وَأَتَاهُ الْقَوْم فَتكلم الْمُغيرَة ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِن صخرًا أَخذ عَمَّتي ، وَدخلت فِيمَا دخل فِيهِ الْمُسلمُونَ . فَدَعَاهُ فَقَالَ : يَا صَخْر ، إِن الْقَوْم إِذا أَسْلمُوا أحرزوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ فادفع إِلَى الْمُغيرَة عمته ، فَدَفعهَا إِلَيْهِ ، وَسَأَلَ نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَاء لبني سليم قد هربوا عَن الْإِسْلَام ، وَتركُوا ذَلِك المَاء ، فَقَالَ : يَا نَبِي الله ، أنزلنيه أَنا وقومي . قَالَ : نعم ، فأنزله ، وَأسلم [ يعْنى السلميين ] ، فَأتوا صخرًا فَسَأَلُوهُ أَن يدْفع إِلَيْهِم المَاء فَأَبَى ، فَأتوا نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : يَا نَبِي الله ، أسلمنَا ، وأتينا صخرًا ليدفع إِلَيْنَا المَاء فَأَبَى علينا ، فَدَعَاهُ فَقَالَ : يَا صَخْر ، إِن الْقَوْم إِذا أَسْلمُوا أحرزوا أَمْوَالهم ودماءهم ، فادفع إِلَى الْقَوْم مَاءَهُمْ ، قَالَ : نعم ، يَا نَبِي الله ، فَرَأَيْت وَجه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تغير عِنْد ذَلِك حمرَة حَيَاء من أَخذه الْجَارِيَة ، وَأَخذه المَاء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لَيْسَ بِقَوي ، وَقَالَ عبد الْحق : عُثْمَان بن [ أبي ] حَازِم لَا أعلم رَوَى عَنهُ إِلَّا أبان بن عبد الله . وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان : وَأَبُو حَازِم بن صَخْر لَا يعرف رَوَى عَنهُ إِلَّا ابْنه عُثْمَان ، وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث . قلت : وَعُثْمَان ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، لَكِن لم يذكر لَهُ رَاوِيا غير أبان الْمَذْكُور ، وَأَبَان هَذَا هُوَ ابْن عبد الله البَجلِيّ الْكُوفِي ، قَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين : هُوَ ثِقَة ، وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ ، وَقَالَ أَحْمد : صَدُوق ، صَالح الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ مِمَّن فحش خَطؤُهُ ، وَانْفَرَدَ بِالْمَنَاكِيرِ ، وَمَعَ هَذَا فَأخْرج لَهُ فِي [ صَحِيحه حَدِيثه ] ، وصخر هَذَا هُوَ أَبُو حَازِم صَخْر ابْن العَيْلة ، قَالَه البُخَارِيّ . وَيُقَال : ابْن أبي العَيْلة البَجلِيّ الأحمسي عداده فِي صَخْر بن العيلي . قَالَ البُخَارِيّ : وَيُقَال ابْن أبي العَيٍْلة البَجلِيّ فِي الْكُوفِيّين ، لَهُ صُحْبَة . والعيلة - بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ، وَسُكُون الْمُثَنَّاة تَحت ، وَبعدهَا لَام مَفْتُوحَة ثمَّ تَأْنِيث - اسْم أمه . قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ : لَيْسَ لصخر غير هَذَا الحَدِيث . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالِاسْتِدْلَال إِنَّمَا وَقع بقوله عَلَيْهِ السَّلَام : إِن الْقَوْم إِذا أَسْلمُوا أحرزوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ ، فَأَما اسْتِرْدَاد المَاء من صَخْر بعد مَا ملكه بِتَمْلِيك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِيَّاه ، فَإِنَّمَا يشبه أَن يكون باستطابة نَفسه ، وَلذَلِك كَانَ يظْهر فِي وَجهه أثر الْحيَاء . وعمة الْمُغيرَة إِن كَانَت أسلمت بعد الْأَخْذ ، فَكَأَنَّهُ رَأَى إسْلَامهَا قبل الْقِسْمَة يحرز مَا لَهَا ، وَيحْتَمل أَن يكون إسْلَامهَا قبل الْأَخْذ .
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان . هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَقد سلف قَرِيبا .
الحَدِيث الْحَادِي بعد السِّتين أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَه إِلَّا الله الحَدِيث . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح تقدم بَيَانه فِي الْبَاب قبله وَغَيره .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : زَوَال الدُّنْيَا أَهْون عِنْد الله من قتل مُسلم . هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي أول الْخراج وَاضحا .
الحَدِيث السِّتُّونَ عَن معَاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ يَوْم حنين : لَو كَانَ الاسترقاق جَائِزا عَلَى الْعَرَب لَكَانَ الْيَوْم ، إِنَّمَا هُوَ أسر أَو فدَاء . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن مُحَمَّد - هُوَ ابْن عمر الْوَاقِدِيّ - عَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحَارِث ، عَن أَبِيه ، عَن السَّلُولي ، عَن معَاذ بن جبل : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ يَوْم حنين : لَو كَانَ ثَابتا عَلَى الْعَرَب سبي بعد الْيَوْم لثبت عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَلَكِن إِنَّمَا هُوَ إسَار وفدى . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف . قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِي : وَقد سَبَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بني المصطلق وهوازن وقبائل من الْعَرَب ، وأجرى عَلَيْهِم [ الرّقّ ] حَتَّى منّ عَلَيْهِم بعد ، فَاخْتلف أهل الْعلم بالمغازي ، فَزعم بَعضهم أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أطلق سبي هوَازن قَالَ : لَو كَانَ تَامّ عَلَى أحد من الْعَرَب سبي لتم عَلَى هَؤُلَاءِ ، وَلكنه إسار وَفِدَاء . قَالَ الشَّافِعِي : فَمن ثبَّت هَذَا الحَدِيث زعم أَن الرّقّ لَا يجرى عَلَى عَرَبِيّ بِحَال ، وَهَذَا قَول الزُّهْرِيّ ، وَسَعِيد بن الْمسيب ، وَالشعْبِيّ ، وَيروَى عَن عمر بن الْخطاب ، وَعمر بن عبد الْعَزِيز . قَالَ الشَّافِعِي : أخبرنَا سُفْيَان ، عَن يَحْيَى بن يَحْيَى الغساني ، عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ، وأبنا سُفْيَان ، عَن رجل ، عَن الشّعبِيّ أَن عمر قَالَ : لَا يسترق عَرَبِيّ . وَأخْبرنَا عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن الْمسيب ، قَالَ فِي الْمولى ينْكح الْأمة : يسترق وَلَده . وَفِي الْعَرَبِيّ ينْكح الْأمة : لَا يسترق وَلَده ، عَلَيْهِ قِيمَته . قَالَ الشَّافِعِي : وَمن لم يثبت الحَدِيث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذهب إِلَى أَن الْعَرَب والعجم سَوَاء ، وَأَنه يجْرِي عَلَيْهِم الرّقّ حَيْثُ جَرَى عَلَى الْعَجم . قَالَ الرّبيع : وَبِه يَأْخُذ الشَّافِعِي . قلت : وَقد أخرج الطَّبَرَانِيّ هَذَا الحَدِيث فِي أكبر معاجمه من طَرِيق آخر ، فَقَالَ : ثَنَا [ أَحْمد بن رشدين ] ، ثَنَا أَحْمد بن صَالح ، ثَنَا ابْن وهب ، أَخْبرنِي يزِيد بن عِيَاض ، عَن مُوسَى [ بن مُحَمَّد ] التَّيْمِيّ ، عَن ابْن شهَاب ، عَن البلوي ، عَن معَاذ بن جبل أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَو كَانَ ثَابتا عَلَى أحد من الْعَرَب رق كَانَ الْيَوْم ، إِنَّمَا هُوَ إسار أَو فدَاء .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عدَّ الْفِرَار من الزَّحْف من الْكَبَائِر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَقد سلف بَيَانه فِي بَاب حد الْقَذْف .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْخمسين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ : إِن ذَلِك يَوْم بدر ، وَفِي الْمُسلمين قلَّة ، فَلَمَّا كَثُرُوا ، وَاشْتَدَّ سلطانهم أنزل الله تَعَالَى بعْدهَا فِي الْأسَارَى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ، فَجعل اللهُ النَّبِيَّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَالْمُؤمنِينَ فيهم بِالْخِيَارِ ، إِن شَاءَ قتلوهم ، وَإِن [ شَاءُوا ] استعبدوهم ، وَإِن شَاءُوا فادوهم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي أَبْوَاب الْأَنْفَال من حَدِيث عبد الله بن صَالح ، ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن عَلّي بن أبي طَلْحَة ، عَن ابْن عَبَّاس فَذكره بِمثلِهِ سَوَاء ، إِلَّا أَنه قَالَ بدل : وَفِي الْمُسلمين قلَّة ، والمسلمون يَوْمئِذٍ قَلِيل ، كَمَا سَاقه الْبَيْهَقِيّ ، بعد أَن ترْجم عَلَيْهِ بَاب استعباد الْأَسير ، وَلم يعقبه بإعلال وَهُوَ مُنْقَطع . قَالَ دُحَيْم : عَلّي بن أبي طَلْحَة لم يسمع التَّفْسِير من ابْن عَبَّاس ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : عَلّي بن أبي طَلْحَة ، عَن ابْن [ عَبَّاس : مُرْسل ] [ وَقَالَ ] أَحْمد : لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات . وَقَالَ يَعْقُوب الْفَسَوِي : ضَعِيف ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : هُوَ - إِن شَاءَ الله - مُسْتَقِيم الحَدِيث ، وَلكنه كَانَ يرَى السَّيْف . نعم أخرج مُسلم حَدِيث : سُئِلَ عَن الْعَزْل ، وَكَذَا أخرج مُسلم لمعاوية بن صَالح ، وَإِن كَانَ ابْن أبي طَلْحَة لَا يحْتَج بِهِ ، وَأخرج البُخَارِيّ لعبد الله ابْن صَالح .
الحَدِيث الْأَرْبَعُونَ أَن رجلا قَالَ : يَا رَسُول الله ، أَرَأَيْت لَو انغمست فِي الْمُشْركين فقاتلتهم حَتَّى قتلت ، أَلِي الْجنَّة ؟ قَالَ : نعم . فانغمس الرجل فِي صف الْمُشْركين فقاتل حَتَّى قتل . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك من رِوَايَة ثَابت عَن أنس : أَن رجلا أسود أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي رجل أسود ، منتن الرّيح ، قَبِيح الْوَجْه ، لَا مَال لي ، فَإِن أَنا قَاتَلت هَؤُلَاءِ حَتَّى أقتل فَأَيْنَ أَنا ؟ قَالَ : فِي الْجنَّة ، فقاتل حَتَّى قتل ، فَأَتَاهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : قد بيض الله وَجهك ، وَطيب رِيحك ، وَأكْثر مَالك - وَقَالَ لهَذَا أَو لغيره - : لقد رَأَيْت زَوجته من الْحور الْعين نازعة جُبَّة لَهُ من صوف تدخل بَينه وَبَين جبته ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَقَالَ الشَّافِعِي : حمل رجل من الْأَنْصَار حاسرًا عَلَى جمَاعَة الْمُشْركين يَوْم بدر بعد إِعْلَام النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِيَّاه بِمَا فِي ذَلِك من الْخَيْر فَقتل ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هُوَ عَوْف بن عفراء فِيمَا ذكره ابْن إِسْحَاق ، عَن عمر بن عَاصِم ، عَن قَتَادَة قَالَ : وَلما التقَى النَّاس يَوْم بدر قَالَ عَوْف بن عفراء بن الْحَارِث : يَا رَسُول الله ، مَا يضْحك الرب - تبَارك وَتَعَالَى - من [ عَبده ] ؟ قَالَ : أَن يرَاهُ غمس يَده فِي الْقِتَال يُقَاتل حاسرًا ، فَنزع عَوْف درعه ، ثمَّ تقدم فقاتل حَتَّى قتل . قلت : وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جَابر بن عبد الله قَالَ : قَالَ رجل : أَيْن أَنا يَا رَسُول الله إِن قتلت ؟ [ قَالَ ] : فِي الْجنَّة ؟ فَألْقَى تمرات كن فِي يَده ، ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل ، وَفِي رِوَايَة : قَالَ رجل للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم أحد
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين قَالَ الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : ثمَّ أسر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثُمَامَة بن أَثَال الْحَنَفِيّ بعد ، فمنَّ عَلَيْهِ ، ثمَّ عَاد ثُمَامَة بْن أَثَال بعد وَأسلم ، وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب . قلت : وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَى مُسلم فِي صَحِيحه ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خيلًا قَبِل نجد ، فَجَاءَت بِرَجُل من بني حنيفَة ، يُقَال لَهُ : ثُمَامَة بن أَثَال سيد أهل [ الْيَمَامَة ] ، فربطوه بِسَارِيَة من سواري الْمَسْجِد ، فَخرج إِلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : مَاذَا عنْدك يَا ثُمَامَة ؟ فَقَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّد خير ، إِن تقتل تَقتل ذَا دم ، وَإِن تنعم تنعم عَلَى شَاكر ، وَإِن كنت تُرِيدُ المَال فسل تعط مِنْهُ مَا شِئْت ، فَتَركه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى إِذا كَانَ من الْغَد ، قَالَ : مَا عنْدك يَا ثُمَامَة ؟ قَالَ مَا قلت : إِن تنعم تنعم عَلَى شَاكر ، وَإِن تقتل تقتل ذَا دم ، وَإِن كنت تُرِيدُ المَال فسل تعط مِنْهُ مَا شِئْت . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أطْلقُوا ثُمَامَة ، فَانْطَلق إِلَى نخل قريب من الْمَسْجِد ، فاغتسل ، ثمَّ دخل الْمَسْجِد ، فَقَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، يَا مُحَمَّد ، وَالله مَا كَانَ عَلَى وَجه الأَرْض أبْغض إليَّ من وَجهك ، فقد أصبح وَالله وَجهك أحب الْوُجُوه كلهَا إليَّ ، وَالله مَا كَانَ دين أبْغض إليَّ من دينك ، فقد أصبح دينك أحب الدَّين إليَّ ، وَالله مَا كَانَ من بلدٍ أبْغض إليَّ من بلدك ، فَأصْبح بلدك أحب الْبِلَاد كلهَا إليَّ ، وَإِن خيلك أخذتني ، وَأَنا أُرِيد الْعمرَة فَمَاذَا ترَى ؟ فبشره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأمره أَن يعْتَمر ، فَلَمَّا قدم مَكَّة قَالَ لَهُ قَائِل : أَصَبَوْت ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي أسلمت مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَا وَالله لَا تأتينكم من الْيَمَامَة حَبَّة حِنْطَة حَتَّى يَأْذَن فِيهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْأَرْبَعين أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَحَمْزَة ، وَعبيدَة بن الْحَارِث بارزوا يَوْم بدر عتبَة ، وَشَيْبَة ابْني ربيعَة ، والوليد بن عتبَة ، فَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما طلبُوا أُولَئِكَ ذَلِك . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَلّي - كرم الله وَجهه - قَالَ : لما كَانَ يَوْم بدر تقدم عتبَة بن ربيعَة ، وَتَبعهُ ابْنه ، وَأَخُوهُ ، فَنَادَى : من يبارز ؟ فَانْتدبَ لَهُ شباب من الْأَنْصَار . فَقَالَ : مِمَّن أَنْتُم ؟ فَأَخْبرُوهُمْ . فَقَالُوا : لَا حَاجَة لنا فِيكُم ، إِنَّمَا أردنَا بني عمنَا . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قُم يَا حَمْزَة ، قُم يَا عَلّي ، قُم يَا عُبَيْدَة بن الْحَارِث . فَأقبل حَمْزَة إِلَى عتبَة ، وَأَقْبَلت إِلَى شيبَة ، وَاخْتلفت بَين عُبَيْدَة والوليد ضربتان ، فأثخن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه ، ثمَّ ملنا عَلَى الْوَلِيد ، فقتلناه واحتملنا عُبَيْدَة ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي فَقَالُوا : نعم أكفاء كرام ، ثمَّ أقبل حَمْزَة . بِمثل مَا تقدم . وَرَوَى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، عَن قيس بن عبَاد ، عَن عليّ قَالَ : أَنا أول (من يجثو للخصومة) بَين يَدي الرَّحْمَن يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ قيس بن عباد : وَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة : هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ قَالَ : هم الَّذين تبارزوا يَوْم بدر : عليّ ، وَحَمْزَة ، وَعبيدَة بن الْحَارِث ، وَشَيْبَة بن ربيعَة ، وَعتبَة بن ربيعَة ، والوليد بن عتبَة . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَن عليًّا قَالَ : نزلت هَذِه الْآيَة فِي مبارزتنا يَوْم بدر : هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ . وَرَوَى هُوَ ، وَمُسلم ، وَهُوَ أحسن حَدِيث فِيهِ ، عَن قيس بن عباد قَالَ : سَمِعت أَبَا ذَر يقسم قسما أَن : هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ أَنَّهَا نزلت فِي الَّذين بارزوا يَوْم بدر : حَمْزَة ، وعليّ ، وَعبيدَة بن الْحَارِث ، وَعتبَة ، وَشَيْبَة ابْني ربيعَة ، والوليد بن عتبَة .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْخمسين عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : لما بعث أهل مَكَّة فِي فدَاء (أَسْرَاهُم) بعثت زَيْنَب فدَاء زَوجهَا أبي الْعَاصِ بن أبي الرّبيع بمالٍ ، وَبعثت فِيهِ بقلادة لَهَا كَانَت عِنْد خَدِيجَة أدخلتها بهَا عَلَى أبي الْعَاصِ ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رق لَهَا رقة شَدِيدَة ، وَقَالَ : إِن رَأَيْتُمْ أَن تطلقوا لَهَا أَسِيرهَا ، وتردوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا ، فَقَالُوا : نعم ، وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَخذ عَلَيْهِ أَو وعده أَن يخلي سَبِيل زَيْنَب إِلَيْهِ ، وَبعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - زيد بن حَارِثَة ، ورجلًا من الْأَنْصَار ، فَقَالَ لَهما : كونا بِبَطن يأجج حَتَّى تمر بكما زَيْنَب ، فتصحباها حَتَّى تأتيا بهَا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِإِسْنَاد حسن ، لَا جرم رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه إِلَى قَوْله : نعم بِزِيَادَة عَلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . ذكره فِي تَرْجَمَة الْعَبَّاس رضي الله عَنهُ ، وَكَذَا فِي ترجمتها ، وَكَذَا فِي الْمَغَازِي والسرايا من المناقب . وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند إِلَى قَوْله : نعم وَزَاد : فأطلقوه وردوا عَلَيْهِ الَّذِي لَهَا .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَن عليًّا - كرم الله وَجهه - بارز يَوْم الخَنْدَق عَمْرو بن عبد ود . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد [ ذكره ] الإِمَام الشَّافِعِي هَكَذَا ، وأسنده الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن إِسْحَاق . قَالَ : خرج - يَعْنِي يَوْم الخَنْدَق - عَمْرو بن عبد ود ، فَنَادَى : من يبارز ؟ فَقَامَ عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَهُوَ مقنع فِي الْحَدِيد . فَقَالَ : أَنا لَهَا يَا نَبِي الله ، فَقَالَ : إِنَّه عَمْرو ، اجْلِس ، فَنَادَى عَمْرو : أَلا رجل وَهُوَ يؤنبهم ، وَيَقُول : أَيْن جنتكم الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنه من قتل مِنْكُم دَخلهَا ، (أَفلا تبْرز إليَّ رجلٌ) ؟ فَقَامَ عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، فَقَالَ : أَنا يَا رَسُول الله . فَقَالَ : اجْلِسْ ، فَنَادَى الثَّالِثَة وَذكر شعرًا . فَقَامَ عَلّي فَقَالَ : أَنا يَا رَسُول الله ، فَقَالَ : إِنَّه عَمْرو ، قَالَ : وَإِن كَانَ عمرا . فَأذن لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَمَشى إِلَيْهِ ] حَتَّى أَتَاهُ وَذكر شعرًا . فَقَالَ لَهُ عَمْرو : من أَنْت ؟ فَقَالَ : أَنا عَلّي . قَالَ : ابْن عبد منَاف ؟ فَقَالَ : أَنا عَلّي بن أبي طَالب ، فَقَالَ : غَيْرك يَا ابْن أخي من أعمامك من هُوَ أسن مِنْك ؛ فَإِنِّي أكره أَن أهريق دمك . فَقَالَ عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : لكني وَالله مَا أكره أَن أهريق دمك . فَغَضب وَنزل وسل سَيْفه كَأَنَّهُ شعلة نَار ، ثمَّ أقبل نَحْو عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه مغضبًا ، واستقبله عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بدرقته ، فَضَربهُ عَمْرو فِي الدرقة فقدها ، وَأثبت فِيهَا السَّيْف ، وَأصَاب رَأسه فَشَجَّهُ ، وضربه عَلّي كرم الله وَجهه عَلَى حَبل العاتق فَسقط ، وثار العجاج ، وَسمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - التَّكْبِير ، فَعرف أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَتله ، وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم من حَدِيث بهز بن حَكِيم ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا : لمبارزة عَلّي لعَمْرو بن عبد ود [ يَوْم الخَنْدَق ] أفضل من أَعمال أمتِي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا شَاهد عَجِيب لما تقدم .
الحَدِيث السَّادِس بعد الْخمسين وَهُوَ الحَدِيث الثَّالِث مِمَّا نَحن فِيهِ عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رجَالًا من الْأَنْصَار اسْتَأْذنُوا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : ائْذَنْ لنا فلنترك لِابْنِ أُخْتنَا عَبَّاس فداءه . فَقَالَ : لَا تدعون مِنْهُ درهما . رَوَاهُ البُخَارِيّ . قَالَ ابْن إِسْحَاق فِي قصَّة بدر : وَكَانَ فِي الْأسَارَى أَبُو ودَاعَة السَّهْمِي ، فَقدم ابْنه الْمطلب الْمَدِينَة ، فَأخذ أَبَاهُ بأَرْبعَة آلاف دِرْهَم ، فَانْطَلق بِهِ ، ثمَّ بعثت قُرَيْش أَن فدي الْأسَارَى ، فَقدم مكرز بن حَفْص فِي فدَاء سُهَيْل بن عَمْرو ، فَقَالَ : اجعلوا رجْلي مَكَان رجله ، وخلوا سَبيله حَتَّى يبْعَث إِلَيْكُم بفدائه ، فَخلوا سَبِيل سُهَيْل وحبسوا مكرزًا قَالَ : [ ففدى ] كل قوم أسيرهم بِمَا رَضوا . قَالَ : وَكَانَ أكبر الْأسَارَى يَوْم بدر فدَاء الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا ، وافتدى نَفسه بِمِائَة أُوقِيَّة ذهب .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وبارز مُحَمَّد بن [ مسلمة ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَوْم خَيْبَر مرْحَبًا . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد ذكره الشَّافِعِي أَيْضا ، فَقَالَ : بارز مُحَمَّد بن [ مسلمة ] مرْحَبًا يَوْم خَيْبَر بِأَمْر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن إِسْحَاق - وَمن السِّيرَة نقلت ، وَإنَّهُ أكمل رِوَايَة من الْبَيْهَقِيّ - قَالَ : حَدثنِي عبد الله بن سهل أَخُو بني حَارِثَة ، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ : خرج مرحب الْيَهُودِيّ من حصن خَيْبَر قد جمع سلاحه ، وَهُوَ يرتجز ، وَيَقُول : قد علمت خَيْبَر أَنِّي مرحب شاكي السِّلَاح بَطل مجرب أطعن أَحْيَانًا وحينًا أضْرب إِذا الكثوب أَقبلت تحرَّب إِن حِمَاي للحما لَا لَا يقرب وَهُوَ يَقُول : من يبارز ؟ فَأَجَابَهُ كَعْب بن مَالك . فَقَالَ : قد علمت خَيْبَر أَنِّي كَعْب مفرج الغمى جريء صلب إِذا نشبت الْحَرْب ثمَّ الْحَرْب معي حسام كالعقيق عضب نطؤكم حَتَّى يذلَّ الصعب نعطي الْجَزَاء أَو نفي النهب بكف مَاض لَيْسَ فِيهِ (عيب) فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من [ لهَذَا ] ؟ فَقَالَ مُحَمَّد بن [ مسلمة ] : أَنا [ لَهُ ] يَا رَسُول الله ، أَنا واللهِ الموتور الثائر ؛ قتلوا أخي بالْأَمْس . قَالَ : قُم إِلَيْهِ ، اللَّهُمَّ أعنه عَلَيْهِ . قَالَ : فَلَمَّا دنا أَحدهمَا من صَاحبه دخلت بَينهمَا شَجَرَة عمرية من شجر العُشر ، فَجعل أَحدهمَا يلوذ بهَا من صَاحبه ، كلما لَاذَ بهَا مِنْهُ اقتطع صَاحبه بِسَيْفِهِ مَا دونه مِنْهَا ، حَتَّى برز كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه ، وَصَارَت بَينهمَا كَالرّجلِ الْقَائِم مَا فِيهَا فنن ، ثمَّ حمل مرحب عَلَى مُحَمَّد بن [ مسلمة ] فَضَربهُ ، فاتقاه بالدرقة فَوَقع بِسَيْفِهِ فِيهَا فعضت بِهِ فأمسكته ، وضربه مُحَمَّد بن [ مسلمة ] حَتَّى قَتله . وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : عَلَى أَن الْأَخْبَار متواترة بأسانيد كَثِيرَة ، أَن قَاتل مرحب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلّي كرم الله وَجهه .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْخمسين وَهُوَ الحَدِيث الثَّانِي مِمَّا نَحن فِيهِ ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جعل فدَاء أهل الْجَاهِلِيَّة يَوْمئِذٍ - يَعْنِي يَوْم بدر - أَرْبَعمِائَة . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ : من أَبُو العنبس ، وَلَا يعرف اسْمه وَلَا حَاله . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : شيخ ، وَقَالَ أَحْمد فِي مُسْنده : ثَنَا عَلّي بن عَاصِم ، [ عَن حميد ] ، عَن أنس قَالَ : اسْتَشَارَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - النَّاس فِي الْأسَارَى يَوْم بدر ، فَقَالَ أَبُو بكر : نرَى أَن (تَعْفُو عَنْهُم ، وَتقبل مِنْهُم الْفِدَاء) .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَنه بارزه عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَيْضا . هُوَ كَمَا قَالَ ، وَهِي رواية صَحِيحَة ، أخرجهَا مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ : قدمنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ . قَالَ : فَأرْسل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَدعُوهُ وَهُوَ أرمد . فَقَالَ : لَأُعْطيَن الرَّايَة الْيَوْم رجلا يحب الله وَرَسُوله ، وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله . فَقَالَ : فَأتيت عليًّا فَجئْت بِهِ أقوده ، وَهُوَ أرمد حَتَّى أتيت بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فبصق فِي عينه فبرئ . وَخرج مرحب فَقَالَ : قد علمت خَيْبَر أَنِّي مرحب شاكي السِّلَاح بَطل مجرب إِذا الحروب أَقبلت تلهَّب فَقَالَ عَلّي رضي الله عَنهُ : أَنا الَّذِي سمتني أُمِّي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة قَالَ : فَضرب رَأس مرحب فَقتله ، ثمَّ كَانَ الْفَتْح عَلَى يَده . وَأما الْحَاكِم ، فَأخْرجهُ بأخصر من هَذَا ، ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَلم يخرجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَيروَى ، وَفِي رِوَايَة : فاختلفا ضربتين فبدره عَلّي فَضَربهُ ، فقدَّ الْحجر والمغفر وَرَأسه ، وَوَقع فِي الأضراس ، وَفِي رِوَايَة قَالَ : فَجئْت بِرَأْسِهِ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد أسلفنا فِي بَاب قسم الْفَيْء الِاخْتِلَاف فِي أَن عليًّا هُوَ الَّذِي قتل أم مُحَمَّد بن [ مسلمة ] ، وَذكرنَا أَن الْأَصَح الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر السّير أَن عليًّا هُوَ الَّذِي قَتله .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْخمسين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأخذ المَال فِي فدَاء أَسْرَى بدر مَشْهُور . هُوَ كَمَا قَالَ . وَقد ورد ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث : أَحدهَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : لما كَانَ يَوْم بدر نظر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْمُشْركين وهم ألف ، وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر رجلا ، فَاسْتقْبل نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْقبْلَة ، ثمَّ مد يَده ، فَجعل يَهْتِف بربه يَقُول : اللَّهُمَّ أنْجز [ لي ] مَا وَعَدتنِي ، اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الْإِسْلَام لَا تعبد فِي الأَرْض ، فَمَا زَالَ يَهْتِف بربه مادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبه ، فَأَتَاهُ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، فَأخذ رِدَاءَهُ ، فَأَلْقَاهُ عَلَى (مَنْكِبه) ، ثمَّ الْتَزمهُ من وَرَائه ، وَقَالَ : يَا نَبِي الله ، كَذَاك مُنَاشَدَتك رَبك ؛ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك ، فَأنْزل الله عَزَّ وَجَلَّ : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( فأيده ) الله بِالْمَلَائِكَةِ . قَالَ (سماك) : فَحَدثني ابْن عَبَّاس قَالَ : بَيْنَمَا رجل من الْمُسلمين يومئذٍ يشْتَد فِي أثر [ رجل ] من الْمُشْركين أَمَامه إِذْ سمع ضَرْبَة بِالسَّوْطِ فَوْقه ، وَصَوت الْفَارِس يَقُول : أقدم حيْزُوم ، إِذْ نظر إِلَى الْمُشرك أَمَامه خر [ مُسْتَلْقِيا ] ، فَنظر إِلَيْهِ ، فَإِذا هُوَ قد خطم أَنفه ، وشق وَجهه (بِضَرْب) السَّوْط ، فاخضر ذَلِك أجمع ، فجَاء الْأنْصَارِيّ فحدَّث بذلك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : صدقت ، ذَلِك من مدد السَّمَاء الثَّالِثَة . فَقتلُوا يَوْمئِذٍ سبعين ، وأسروا سبعين ، قَالَ ابْن عَبَّاس : فَلَمَّا أَسرُّوا الْأسَارَى قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لأبي بكر وَعمر : مَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأسَارَى ؟ فَقَالَ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : يَا رَسُول الله ، بَنو الْعم وَالْعشيرَة ، أرَى أَن تَأْخُذ مِنْهُم فديَة ، فَتكون لنا قُوَّة عَلَى الْكفَّار ، فَعَسَى الله أَن يهْدِيهم إِلَى الْإِسْلَام . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا ترَى يَا ابْن الْخطاب ؟ قَالَ : قلت : لَا وَالله يَا رَسُول الله ، مَا أرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بكر ، وَلَكِنِّي أرَى أَن تمَكنا من أَعْنَاقهم فَنَضْرِب أَعْنَاقهم ، فَتمكن عليًّا من عقيل ، وَتُمَكِّنِّي من فلَان - نسيبًا لعمر - فَأَضْرب عُنُقه ؛ فَإِن هَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْكفْر وصناديدها ؛ فهوى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا قَالَ أَبُو بكر ، وَلم يَهو مَا قلت ، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جِئْت ، فَإِذا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو بكر قَاعِدين يَبْكِيَانِ . فَقلت : يَا رَسُول الله ، أَخْبرنِي من أَي شَيْء تبْكي أَنْت وَصَاحِبك ، فَإِن وجدت بكاء بَكَيْت ، وَإِن لم أجد بكاء تَبَاكَيْت ببكائكما . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : (أبْكِي للَّذي عرض عليَّ أَصْحَابك من أَخذهم الْفِدَاء ، لقد عرض عَلّي عَذَابهمْ أدنَى من هَذِه الشَّجَرَة - لشَجَرَة قريبَة) من نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأنْزل الله عَزَّ وَجَلَّ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْله : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ وَأحل الْغَنِيمَة . أخرجه مُسلم بِهَذِهِ الْحُرُوف كلهَا . وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم : فلقي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعد ذَلِك عمر فَقَالَ : كَاد أَن يصيبنا من خِلافك بلَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَلم يخرجَاهُ .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وبارز الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه [ ياسرًا ] . هُوَ كَمَا قَالَ . وَقد ذكره الشَّافِعِي كَذَلِك . قَالَ ابْن إِسْحَاق ، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ فِي قصَّة الخَنْدَق : ثمَّ خرج يَاسر ، فبرز لَهُ الزبير . فَقَالَت صَفِيَّة لما برز إِلَيْهِ الزبير : يَا رَسُول الله ، يقتل ابْني . فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : بل ابْنك يقْتله إِن شَاءَ الله ، فَخرج الزبير وَهُوَ يرتجز ، ثمَّ التقيا فَقتله الزبير . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ ابْن إِسْحَاق : وَكَانَ ذكر أَن عليًّا هُوَ الَّذِي قتل ياسرًا .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْخمسين عَن عمرَان بن الْحصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : كَانَت ثَقِيف حلفا لبني عقيل ، فأسرت ثَقِيف رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأسر أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا من بني عقيل ، وَأَصَابُوا مَعَه العضباء ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ فِي الوثاق ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، فَأَتَاهُ ، قَالَ : مَا شَأْنك ؟ فَقَالَ : بِمَ أخذتني ، وَأخذت سَابِقَة الْحَاج - يَعْنِي العضباء - ؟ فَقَالَ : أخذتك بجريرة حلفائك ثَقِيف ، ثمَّ انْصَرف عَنهُ ، فناداه فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، يَا مُحَمَّد ، وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رحِيما رَقِيقا قَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : إِنِّي مُسلم ، قَالَ : لَو قلتهَا وَأَنت تملك أَمرك أفلحت كل الْفَلاح ، ثمَّ انْصَرف عَنهُ ، فناداه : يَا مُحَمَّد ، يَا مُحَمَّد ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : إِنِّي جَائِع فأطعمني ، وظمآن فاسقني . قَالَ : هَذِه حَاجَتك ، ففدي بِالرجلَيْنِ . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِكُل هَذِه الْحُرُوف . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ ، و صَحِيح ابْن حبَان ، عَن عمرَان أَيْضا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام فدى رجلَيْنِ من الْمُسلمين بِرَجُل من الْمُشْركين . قَالَ سُفْيَان : يَعْنِي أعْطى رجلا من الْمُشْركين ، وَأخذ رجلَيْنِ من الْمُسلمين .
الحَدِيث السَّادِس وَالسَّابِع بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ : أَن عوفًا ، ومعوذًا ابْني عفراء خرجا يَوْم بدر ، فَلم يُنكر عَلَيْهِمَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ كَمَا قَالَ . وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْهُمَا . وَقد سلف وَاضحا فِي كتاب قسم الْفَيْء وَالْغنيمَة .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْخمسين قَالَ الشَّافِعِي : كَانَ من الْمَمْنُون عَلَيْهِم بالأفدية أَبُو عزة الجُمَحِي ، تَركه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لبنَاته ، وَأخذ عَلَيْهِ عهدا أَن لَا يقاتله ، فأخفره وقاتله يَوْم أحد ، فَدَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن لَا يفلت ، فَمَا أسر يَوْمئِذٍ رجل غَيره . فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، اُمْنُنْ عليّ ، وَدعنِي لبناتي ، وَأُعْطِيك عهدا أَن لَا أَعُود لِقِتَالِك . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تمسح عَلَى عَارِضَيْك بِمَكَّة تَقول : قد خدعت مُحَمَّدًا مرَّتَيْنِ ، فَأمر بِهِ فضربتْ عُنُقه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد روينَا فِي ذَلِك عَن غير الشَّافِعِي ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ : أَمن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الْأسَارَى يَوْم بدر أَبَا عزة عبد الله بن عَمْرو الجُمَحِي ، وَكَانَ شَاعِرًا ، وَكَانَ قَالَ للنَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا مُحَمَّد ، إِن لي خمس بَنَات لَيْسَ لَهُنَّ شَيْء ، فَتصدق بِي عَلَيْهِنَّ فَفعل . وَقَالَ أَبُو عزة : أُعْطِيك موثقًا أَن لَا أقاتلك ، وَلَا أَكثر عَلَيْك أبدا . فَأرْسلهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا خرجت قُرَيْش إِلَى أحد ، جَاءَهُ صَفْوَان بن أُميَّة فَقَالَ : اخْرُج مَعنا ، فَقَالَ : إِنِّي قد أَعْطَيْت مُحَمَّدًا موثقًا أَن لَا أقاتله ، فضمن صَفْوَان أَن يَجْعَل بَنَاته مَعَ بَنَاته إِن قتل ، وَإِن عَاشَ أعطَاهُ مَالا كثيرا ، فَلم يزل بِهِ حَتَّى خرج مَعَ قُرَيْش يَوْم أحد ، فَأسر ، وَلم يؤسر غَيره من قُرَيْش ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، إِنَّمَا خرجت كرها ، ولي بَنَات فَامْنُنْ عَلّي ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَيْن مَا أَعْطَيْتنِي من الْعَهْد والميثاق ، لَا وَالله لَا تمسح بعارضيك بِمَكَّة تَقول : سخرت بِمُحَمد مرَّتَيْنِ . قَالَ سعيد بن الْمسيب : فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الْمُؤمن لَا يلْدغ من جحرٍ مرَّتَيْنِ ، يَا عَاصِم بن ثَابت ، قدمه فَاضْرب عُنُقه ، فقدمه فَضرب عُنُقه . قَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه ، وَفِي كتاب السَّرقة : إِن أول من علق رَأسه فِي الْإِسْلَام جعل فِي رمح ، وَحمل إِلَى الْمَدِينَة يَوْم أحد
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ : أَن عبد الله بن رَوَاحَة خرج يَوْم بدر إِلَى البرَاز ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فقد رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن عمر [ بن ] قَتَادَة : أَن عتبَة بن ربيعَة خرج بأَخيه شيبَة ، وَابْنه الْوَلِيد حَتَّى وصل من الصَّفّ ، دَعَا إِلَى المبارزة ، فَخرج إِلَيْهِ ثَلَاثَة نفر من الْأَنْصَار : عبد الله بن رَوَاحَة ، ومعوذ ، وعَوْف ابْنا عفراء ، فَقَالُوا : من أَنْتُم ؟ قَالَ : نَحن رَهْط من الْأَنْصَار . فَقَالُوا : أكفاء كرام ، مَا لنا بكم حَاجَة ، إِنَّا نُرِيد قَومنَا . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قُم يَا عُبَيْدَة بن الْحَارِث ، وقم يَا حَمْزَة ، وقم يَا عَلّي ، فَفَعَلُوا ، فَلَمَّا دنوا مِنْهُم ، قَالُوا : من أَنْتُم ؟ فانتسبوا . فَقَالُوا : أكفاء كرام ، ذكر هَذَا الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن الْحَافِظ أبي الْقَاسِم بن عَسَاكِر فِي كِتَابه فَضَائِل الْجِهَاد من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم . قَالَ : أَخْبرنِي غير وَاحِد عَن ابْن إِسْحَاق . فَذكره . وَكَانَ السِّيَاق أَولا فِي حَدِيث بدر .
وَثَانِيهمَا : وَهُوَ الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين . قَالَ الشَّافِعِي : أسر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أهل بدر ، فَمنهمْ من منَّ عَلَيْهِ بِلَا أَخْذَة مِنْهُ ، وَمِنْهُم من أَخذ مِنْهُ فديَة ، وَمِنْهُم من قَتله ، وَكَانَ المقتولان بعد [ الإسار ] يَوْم بدر عقبَة بن أبي معيط ، وَالنضْر بن الْحَارِث . قَالَ الشَّافِعِي : وَأَنا عدد من أهل الْعلم من قُرَيْش وَغَيرهم من الْعلم بالمغازي : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أسر النَّضر بن الْحَارِث الْعَبْدي يَوْم بدر وَقَتله بالنازية ، أَو الأُثَيِّل صبرا ، وَأسر عقبَة بن أبي معيط يَوْم بدر فَقتله صبرا . وَفِي الْإِكْمَال لِابْنِ مَاكُولَا أَن عليًّا قتل النَّضر بن الْحَارِث بِأَمْر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي أَحْكَام الطَّبَرِيّ عَن ابْن هِشَام : أَن عليًّا قَتله صبرا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بالصفراء [ فِيمَا ] يذكرُونَ . وَذكر ابْن حبيب أَنه أسلم ، فَالله أعلم أَيهمَا أصح . وَأما ابْن قُتَيْبَة فَذكر أَنه قتل صبرا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن سهل بن أبي حثْمَة ، عَن أَبِيه ، عَن جده : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أقبل بالأسارى حَتَّى إِذا كَانَ بعرق الظبية أَمر عَاصِم بن ثَابت بن أبي الأقلح أَن يضْرب عنق عقبَة بن أبي معيط ، فَجعل عقبَة يَقُول : يَا ويلاه ، علام أقتل من بَين هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لعداوتك لله وَلِرَسُولِهِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّد ، منُّك أفضل ، فَاجْعَلْنِي كَرجل من قومِي ، إِن قَتلتهمْ قتلتني ، وَإِن مننت عَلَيْهِم مننت عليَّ ، وَإِن أخذت مِنْهُم الْفِدَاء كنت كأحدهم ، يَا مُحَمَّد من للصبية ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : النَّار ، يَا عَاصِم بن ثَابت ، قدمه فَاضْرب عُنُقه ، فَضرب عُنُقه . قَالَ ابْن دحْيَة فِي تنويره : ثمَّ أَمر بصلبه فَهُوَ أول مصلوب فِي الْإِسْلَام . حَكَاهُ القعْنبِي ، وَفِي أَفْرَاد الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود : النَّار لَهُم ولأبيهم .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين قَالَ الرَّافِعِيّ : فِي نقل رُءُوس الْكفَّار إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَجْهَان : أَحدهمَا : لَا يكره ؛ لِأَن أَبَا جهل لما قتل حمل رَأسه . وأصحهما : أَنه يكره ، وَهُوَ الَّذِي أوردهُ أَصْحَابنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقَاضِي الرَّوْيَانِيّ ، قَالُوا : مَا حمل إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأس كَافِر قطّ ، وَحمل إِلَى عُثْمَان رُءُوس جمَاعَة من الْمُشْركين فَأنكرهُ ، وَقَالَ : مَا فعل هَذَا فِي عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَا فِي أَيَّام أبي بكر ، وَعمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَمَا رُوِيَ من حمل الرَّأْس إِلَى أبي بكر فقد تكلمُوا فِي ثُبُوته ، وَبِتَقْدِير الثُّبُوت فَإِنَّهُ حمل فِي الْوَقْعَة من مَوضِع إِلَى مَوضِع ، وَلم ينْقل من بلدٍ إِلَى بلد ، فكأنهم أَرَادوا أَن ينظر النَّاس إِلَيْهِ فيتحققوا بِمَوْتِهِ . هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ . وَقد اشْتَمَل عَلَى حَدِيث وأثرين ، أما الحَدِيث ، وَهُوَ حمل رَأس أبي جهل ، فَأخْرجهُ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة معَاذ بن عَمْرو بن الجموح قَاتله ، وَأَن ابْن مَسْعُود حزَّها ، وَجَاء بهَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَرَوَاهُ كَذَلِك أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، عَن أبي بشر بكر بن خلف ، نَا سَلمَة بن رَجَاء ، عَن شعثاء الكوفية ، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صَلَّى يَوْم بُشر بِرَأْس أبي جهل رَكْعَتَيْنِ . إِسْنَاده جيد . وَلَا يضر كَلَام بَعضهم فِي سَلمَة بن رَجَاء فقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ ، وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ . قَالَ الْعقيلِيّ : صَلَّى رَكْعَتَيْنِ حِين أُتِي بِرَأْس أبي جهل ، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذِهِ الطّرق . وَأما أثر عُثْمَان فَهُوَ كَذَلِك فِي بعض النّسخ الْمُعْتَمدَة ، وَهُوَ فِي بَعْضهَا : عَن أبي بكر وَهُوَ الصَّوَاب ، وَقد أخرجه كَذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَبَوَّبَ بَابا فِيمَا جَاءَ فِي نقل الرُّءُوس . فروَى عَن عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ : أَن عَمْرو بن العَاصِي ، وشرحبيل ابْن حَسَنَة بعثا عقبَة بريدًا إِلَى أبي بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِرَأْس ينَّاق بطرِيق الشَّام - قلت : وَهُوَ بياء مثناة تَحت مَفْتُوحَة ، ثمَّ نون مُشَدّدَة ، ثمَّ ألف ثمَّ قَاف - فَلَمَّا قدم عَلَى أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنكر ذَلِك . فَقَالَ لَهُ عقبَة : [ يَا ] خَليفَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَإِنَّهُم يصنعون ذَلِك بِنَا . قَالَ : أفاستنان بِفَارِس وَالروم ؟ ! لَا يحمل إليَّ رَأس ، وَإِنَّمَا يَكْفِي الْكتاب وَالْخَبَر . وَإِسْنَاده صَحِيح . والبطريق - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ كالأمير . قَالَ ابْن الجواليقي : البطريق بلغَة الرّوم هُوَ الْقَائِد أَي : مقدم الجيوش وأميرها ، وَجمعه بطارقة وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن مُعَاوِيَة بن خديج قَالَ : هاجرنا عَلَى عهد أبي بكر الصّديق ، فَبَيْنَمَا نَحن عِنْده إِذْ طلع الْمِنْبَر ، فَحَمدَ الله ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، قَالَ : إِنَّه قدم علينا بِرَأْس يناق البطريق ، وَلم يكن لنا بِهِ حَاجَة ، إِنَّمَا هَذِه سنة الْعَجم . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي : أَن أَبَا بكر الصّديق أُتِي بِرَأْس . فَقَالَ : بغيتم . وَعَن معمر قَالَ : حَدثنِي صَاحب لنا ، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : لم يكن يحمل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأس إِلَى الْمَدِينَة قطّ ، وَلَا يَوْم بدر ، وَحمل إِلَى أبي بكر رَأس فَأنْكر ذَلِك . قَالَ : وَأول من حملت إِلَيْهِ الرُّءُوس عبد الله بن الزبير . وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي الْبَاب قبله ، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : جِئْت إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِرَأْس مرحب . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأما حَدِيث أبي دَاوُد الَّذِي رَوَاهُ فِي مراسيله عَن أبي نَضرة قَالَ : لَقِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْعَدو ، فَقَالَ : من جَاءَ بِرَأْس فَلهُ عَلَى الله مَا تمنى ، فَجَاءَهُ رجلَانِ بِرَأْس فاختصما فِيهِ ، [ فَقَضَى ] بِهِ لأَحَدهمَا فمنقطع . قَالَ أَبُو دَاوُد : فِي هَذَا أَحَادِيث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَا يَصح مِنْهَا شَيْء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَفِيه - إِن ثَبت - تحريض عَلَى قتل الْعَدو ، وَلَيْسَ فِيهِ نقل الرَّأْس من بِلَاد الشّرك إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام . قلت : وَأما الحَدِيث الْمَشْهُور فِي النَّسَائِيّ وَغَيره من حَدِيث عبد الله بن فَيْرُوز الديلمي ، عَن أَبِيه . قَالَ : أتيت [ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ] بِرَأْس الْأسود الْعَنسِي ، فراويه ضَمرَة ثِقَة ؛ لكنه لم يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى : هُوَ وهم ؛ لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام ذكر خُرُوج الْعَنسِي صَاحب صنعاء ، ومسيلمة صَاحب الْيَمَامَة بعده لَا فِي حَيَاته . الثَّانِي : أَن الْأسود بن كَعْب الْعَنسِي قتل سنة إِحْدَى عشرَة فِي عهد أبي بكر ، قَتله فَيْرُوز الديلمي . وَخَالف ابْن الْقطَّان فَقَالَ : رِجَاله كلهم ثِقَات ، (وَمَا) يُقَال : إن ضَمرَة لَا يُتَابع عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ثِقَة ، وَلأَجل انْفِرَاده بِهِ قيل : إِنَّه غَرِيب . قَالَ : وَأما قَول عبد الْحق إِثْر هَذَا الحَدِيث يُقَال : إِن الْخَبَر بقتل الْأسود لم يجِئ إِلَّا إِثْر موت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَإِنَّهُ لَا يَصح ، والإخباريين يَقُولُونَهُ عَلَى أَنه لَيْسَ فِيهِ نصًّا أَنه صَادف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بل يحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أَنه أَتَى بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَاصِدا إِلَيْهِ ، وافدًا عَلَيْهِ مبادرًا بالتبشير بِالْفَتْح ، فصادفه قد مَاتَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم
الحَدِيث الْخَمْسُونَ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأما الرِّجَال الْأَحْرَار الكاملون إِذا أسروُا فالإمام يتَخَيَّر فيهم بَين أَرْبَعَة أُمُور : أَن يقتلهُمْ صبرا ، وَأَن يمن عَلَيْهِم ، وَأَن يفاديهم بِالْمَالِ أَو الرِّجَال ، وَأَن يسترقهم ، وَبِهَذَا قَالَ أَحْمد ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة : يتَخَيَّر الإِمَام بَين الْقَتْل والاسترقاق لَا غير ، وَقَالَ مَالك : يتَخَيَّر بَين الْقَتْل والاسترقاق وَالْفِدَاء ، وَإِنَّمَا يجوز الْفِدَاء بِالرِّجَالِ دون المَال ، لنا قَوْله تَعَالَى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ، وكل وَاحِد من الْأُمُور قد نقل من فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقتل يَوْم بدر عقبَة بن أبي معيط ، وَالنضْر بن الْحَارِث ، ومنَّ عَلَى أبي عزة الجُمَحي عَن أَن لَا يقاتله فَلم يَفِ ، فقاتله يَوْم أحد ، فَأسر وَقتل يَوْمئِذٍ . وَعَن عمرَان بن الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَادَى رجلا أسره أَصْحَابه برجلَيْن أسرتهمَا ثَقِيف من أَصْحَابه ، وَأخذ المَال فِي فدَاء أَسْرَى بدر مَشْهُور ، ومنّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى أبي الْعَاصِ بن الرّبيع ، وَعَلَى ثُمَامَة ابْن أَثَال الْحَنَفِيّ . هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ ، وَقد اشْتَمَل عَلَى أَحَادِيث : أَحدهَا : وَهُوَ الْخَمْسُونَ .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، الأول والأخير فِي هَذَا الْبَاب والثَّانِي فِي اللبَاس وَالثَّالِث فِي الزِّينَة ، من رِوَايَة أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، وَاخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيحه وتضعيفه فضعفه جمَاعَة ، قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَإِنَّمَا يُعرف عَن ابْن جريج ، عَن زِيَاد بن سعد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - اتخذ خَاتمًا من وَرِقٍ ثمَّ أَلْقَاهُ وَالوهم فِيهِ من همام ، وَلم يروه إِلَّا همام . وَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث يروه هَكَذَا همام عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس مَرْفُوعا ، رَوَاهُ عَنهُ كَذَلِك سعيد بن عَامر ، وهدبة بن خَالِد ، وَخَالَفَهُمَا عَمْرو بن عَاصِم ؛ فَرَوَاهُ عَن همام ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس مَرْفُوعا ، وَلم يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَرَوَاهُ جماعات عَن ابْن جريج ، عَن زِيَاد بن سعد ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَنه رَأَى فِي يَد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَاتمًا من ذهب فَرَمَى بِهِ وَقَالَ : وَالله لَا ألبسهُ أبدا قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ وَهُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ الْمَشْهُور عَن ابْن جريج دون حَدِيث همام . وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح وَقَالَ : هُوَ وهم وَقَالَ الْحَازِمِي : لم يرو هَذَا الحَدِيث بِهَذَا السِّيَاق إِلَّا همام . وَوهم فِي ذَلِك . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث ضعفه أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَخَالفهُم التِّرْمِذِيّ فصححه . وقَالَ فِي الْخُلَاصَة : وَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ . انْتَهَى من ضعفه . وَالصَّوَاب أَنه حَدِيث صَحِيح بِلَا شكّ وَلَا مرية ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب عِنْدِي ؛ فَإِن رُوَاته كلهم ثِقَات أثبات . وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى مُخْتَصر سنَن أبي دَاوُد : همام هَذَا هُوَ أَبُو عبد الله همام بن يَحْيَى بن دِينَار الْأَزْدِيّ العوذي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ ، وَإِن كَانَ قد تكلم فِيهِ بَعضهم فقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَى الِاحْتِجَاج بحَديثه ، وَقَالَ يزِيد بن هَارُون : همام قوي فِي الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : ثِقَة صَالح . وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ . وَقَالَ ابْن عدي الْجِرْجَانِيّ : همام أشهر وأصدق من أَن يذكر لَهُ حَدِيثا مُنْكرا ، أَو لَهُ حَدِيث مُنكر ؟ ! وَأَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة عَن قَتَادَة ، وَهُوَ مقدم أَيْضا فِي يَحْيَى بن أبي كثير ، وَعَامة مَا يرويهِ مُسْتَقِيم . قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد وَهُوَ الْمُنْذِرِيّ : فَإِذا كَانَ حَال همام كَذَلِك فيترجح مَا قَالَه التِّرْمِذِيّ وتفرده بِهِ لَا يوهن الحَدِيث ، وَإِنَّمَا يكون غَرِيبا كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيّ . قلت : لم يتفرد همام بِهِ ، وَكَأن الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ تبع فِي ذَلِك مقَالَة أبي دَاوُد الَّتِي قدمناها عَنهُ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : تَابعه عَلَيْهِ يَحْيَى بن الضريس ، عَن ابْن جريج . وَيَحْيَى بن الضريس ثِقَة ، وَتَابعه أَيْضا يَحْيَى بن المتَوَكل وَهُوَ ثِقَة - كَمَا سَيَأْتِي - فعلَى هَذَا انْتَفَى دَعْوَى التِّرْمِذِيّ غرابته . ويرجح مَا جنح إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ من تَصْحِيحه أَيْضا مَا قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وَهُوَ ضعف الْقَرِينَة الدَّالَّة عَلَى وهم همام ؛ فَإِن انْتِقَال الذِّهْن من قَوْلنَا : اتخذ خَاتمًا من ورق ثمَّ أَلْقَاهُ إِلَى قَوْله : كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه لَا يكون إِلَّا عَن غَفلَة شَدِيدَة لَا يحْتَمل مثل همام مثلهَا ، نعم فِي رِوَايَة هدبة بن خَالِد ، عَن همام : وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس ، وَهَذِه عبارَة تشعر بِعَدَمِ تَيَقّن ، فَإِن كَانَ قَائِل هَذَا الْكَلَام هُوَ هدبة فَلَا يضر ، وَإِن كَانَ هُوَ همام فقد يضم إِلَى مُخَالفَة الْجُمْهُور لَهُ ويوقع شَيْئا فِي الْوَهم ، وَعَلَى الْجُمْلَة فالجاري عَلَى قَوَاعِد الْفِقْه وَالْأُصُول قبُول رِوَايَة الثِّقَة فِي مثل هَذَا ، مَعَ أَن لَهُ شَاهدا من رِوَايَة يَعْقُوب بن كَعْب الْأَنْطَاكِي ، عَن يَحْيَى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لبس خَاتمًا نقشه : مُحَمَّد رَسُول الله . فَكَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وَضعه . أخرجه الْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ : هَذَا شَاهد ضَعِيف . قلت : فِيهِ نظر إِذْ لَيْسَ فِي إِسْنَاده من تكلم فِيهِ ، وَيَحْيَى بن المتَوَكل لَا أعلم فِيهِ إِلَّا قَول ابْن حبَان : إِنَّه يُخطئ . وَصَححهُ الْحَاكِم من طَرِيقه - كَمَا سَيَأْتِي - وَلَيْسَ هَذَا بِيَحْيَى بن المتَوَكل الَّذِي يُقَال لَهُ أَبُو عقيل ، ذَاك ضَعِيف كَمَا نَص عَلَيْهِ ابْن الْمُبَارك ، وَأحمد ، وابْن الْمَدِينِيّ ، وَابْن معِين وَغَيرهم ، وَقد فرق بَينهمَا الْمزي وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ . وَله شَاهد ثَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء نزع خَاتمه رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الجوزقاني فِي كتاب الموضوعات رادًّا بِهِ عَلَى حَدِيث عَلّي الَّذِي سأذكره آخر الْبَاب من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن الْمنْهَال بن عَمْرو ، عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ . وَقد صحّح الحَدِيث الْمَذْكُور مَعَ التِّرْمِذِيّ إمامان جليلان ، أَحدهمَا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه فَإِنَّهُ أخرجه بعد أَن ترْجم الْخَبَر الدَّال عَلَى نفي إجَازَة دُخُول الْخَلَاء بِشَيْء فِيهِ ذكر الله عَن عمرَان بن مُوسَى بن مجاشع ، ثَنَا هدبة بن خَالِد ، ثَنَا همام بن يَحْيَى ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه . ثمَّ قَالَ : ذكر السَّبَب الَّذِي من أَجله كَانَ يضع خَاتمه عِنْد دُخُول الْخَلَاء ، أَنا مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي عون ، ثَنَا أَحْمد بن الْحسن التِّرْمِذِيّ ، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ، ثَنَا أبي ، عَن ثُمَامَة ، عَن أنس قَالَ : كَانَ نقش خَاتم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاث أسطر : مُحَمَّد سطر ، وَرَسُول سطر ، وَالله سطر . وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي أَخْلَاق سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من حَدِيث أنس أَيْضا ، وَلَفظه كَانَ فص خَاتم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حبشِي وَكَانَ مَكْتُوب عَلَيْهِ : لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله . لَا إِلَه إِلَّا الله سطر ، وَمُحَمّد رَسُول الله سطر وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ثُمَامَة ، عَن أنس قَالَ : كَانَ نقش خَاتم رَسُول الله ثَلَاثَة أسطر : مُحَمَّد سطر ، وَرَسُول سطر ، وسطر الله وَالثَّانِي : الْحَاكِم أَبُو عبد الله فَإِنَّهُ أخرجه فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ عَن عَلّي بن حمشاذ الْعدْل ، ثَنَا عبد الله بن أَيُّوب بن زَاذَان ح . قَالَ : وَأخْبرنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن بَالَوَيْهِ ، نَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَا : ثَنَا هدبة بن خَالِد ، نَا همام ، نَا ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ - قَالَ : وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن الزُّهْرِيّ - عَن أنس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه . قَالَ الْحَاكِم : وثنا عَلّي بن حمشاذ ، ثَنَا عبيد بن عبد الْوَاحِد ، ثَنَا يَعْقُوب بن كَعْب الْأَنْطَاكِي ، ثَنَا يَحْيَى بن المتَوَكل الْبَصْرِيّ ، عَن ابْن جريج ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لبس خَاتمًا نقشه : مُحَمَّد رَسُول الله . فَكَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وَضعه . قَالَ الْحَاكِم فِي هَذَا الْبَاب : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَإِنَّمَا أخرجَا حَدِيث نقش الْخَاتم فَقَط . فتلخص من كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة أَنه حَدِيث صَحِيح مُحْتَج بِهِ ، وَهُوَ الْحق - إِن شَاءَ الله - لَا جرم ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد فِي آخر كِتَابه الاقتراح فِي الْقسم الرَّابِع فِي أَحَادِيث رَوَاهَا من أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلم يخرجَا تِلْكَ الْأَحَادِيث . قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : وَإِنَّمَا نزع خَاتمه لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ فقد أخرجه بِهَذِهِ الزِّيَادَة الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ كَمَا مر ، وَأما النَّوَوِيّ فَقَالَ كَمَا قَالَ صَاحب الْمُهَذّب : وَإِنَّمَا نَزعه ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ : مُحَمَّد رَسُول الله . قَالَ : هَذَا هُوَ من كَلَام المُصَنّف لَا من الحَدِيث . قَالَ : لكنه صَحِيح ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن نقش خَاتمه كَانَ : مُحَمَّد رَسُول الله هَذَا لَفظه برمتِهِ ، وَكَذَلِكَ فصل الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب فجعلهما حديثين ، وَقد مر فِي رِوَايَة الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ أَن ذَلِك كُله ورد فِي حَدِيث وَاحِد . وَمن الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة فِي هَذَا الْبَاب مَا ذكره ابْن الجوزقاني فِي مَوْضُوعَاته وَابْن الْجَوْزِيّ فِي علله - وَضَعفه - عَن عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء حول خَاتمه فِي يَمِينه ؛ فَإِذا خرج وَتَوَضَّأ حوله فِي يسَاره . وَفِي كَامِل ابْن عدي من حَدِيث ابْن عمر قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يتختم فِي خِنْصره الْأَيْمن ؛ فَإِذا دخل الْخَلَاء جعل الْكِتَابَة مِمَّا يَلِي كَفه ذكره فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي ، وَهُوَ مَتْرُوك . فَائِدَة : فِي الْخَاتم لُغَات شهيرة ، مِنْهَا أَربع لُغَات : فتح التَّاء وَكسرهَا ، وخاتام وخيتام وَفِي الْمدْخل لِابْنِ هِشَام لُغَتَانِ أخرتان : ختام وَختم . وَقَوله : إِذا دخل : إِذا أَرَادَ الدُّخُول . والخلاء - بِالْمدِّ - : الْموضع الْخَالِي .
الحَدِيث السَّابِع عشر عَن عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار يَسْتَطِيب بِهن ؛ فَإِنَّهَا تُجزئ عَنهُ . هَذَا الحَدِيث حسن ، وَتقدم بَيَانه فِي آخر الحَدِيث الرَّابِع عشر .
الحَدِيث الرَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اتَّقوا الْملَاعن وَأَعدُّوا النبل . هَذَا الحَدِيث تبع الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي إِيرَاده إِمَام الْحَرَمَيْنِ ، وَهُوَ غَرِيب ، وَلم يُخرجهُ أحد من أَصْحَاب السّنَن وَلَا المسانيد ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي علله كَمَا تقدم قَرِيبا فِي الحَدِيث الثَّانِي عشر ، وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق ، عَن ابْن جريج ، عَن الشّعبِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أبعدوا الْآبَار إِذا ذهبتم الْغَائِط ، وَأَعدُّوا النبل - يَعْنِي : الْحِجَارَة الَّتِي يتمسح بهَا - وَاتَّقوا الْملَاعن : لَا يتغوط أحدكُم تَحت شَجَرَة ينزل تحتهَا أحد ، وَلَا عِنْد مَاء يُشرب مِنْهُ ، فَيدعونَ الله عَلَيْكُم . وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي غَرِيب الحَدِيث عَن مُحَمَّد بن الْحسن ، عَن عِيسَى بن أبي عِيسَى الْخياط ، عَن الشّعبِيّ ، عَمَّن سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : اتَّقوا الْملَاعن وأعدو النبل . وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف بِمرَّة ؛ فَإِن عِيسَى بن أبي عِيسَى الْمَذْكُور ضَعِيف وَيُقَال فِيهِ : الْخياط والحناط والخباط ، كَانَ فِي أول أمره خياطًا ، ثمَّ صَار حناطًا يَبِيع الْحِنْطَة ، ثمَّ صَار خباطًا يَبِيع الْخبط . قَالَ النَّسَائِيّ : هُوَ مَتْرُوك . وَقَالَ أَحْمد : لَا يُسَاوِي شَيْئا . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ سيء الْحِفْظ والفهم ؛ فَاسْتحقَّ التّرْك . وَقد صرح غير وَاحِد من الْأَئِمَّة بِأَن هَذَا حَدِيث ضَعِيف . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : رَوَاهُ بعض أَصْحَاب الْغَرِيب وَلم أَجِدهُ ثَابتا . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت ، وَلَا يحْتَج بِهِ . قلت : وَلم يظفرا - رحمهمَا الله - بِالطَّرِيقِ الَّتِي قدمناها عَن علل ابْن أبي حَاتِم وَلَا شكّ وَلَا مرية فِي كَونهَا أَجود من هَذِه الطَّرِيق الَّتِي ذكرهَا أَبُو عبيد ، وَلم يعللها ابْن أبي حَاتِم إِلَّا بِأَن عبد الرَّزَّاق أسْندهُ ، وَإِنَّمَا يَرْوُونَهُ مَوْقُوفا ، وَلَك أَن تَقول الرّفْع زِيَادَة من ثِقَة ، وَهِي مَقْبُولَة عَلَى مَا تقرر غير مرّة . قَالَ أَبُو عبيد : وَقَالَ الْأَصْمَعِي : أرَى النُّبَل - بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء - يُقَال : نبلني أحجارًا للاستنجاء ، أَي : أعطنيها . قَالَ أَبُو عبيد : وَسمعت مُحَمَّد بن الْحسن يَقُول : النبل هِيَ حِجَارَة الِاسْتِنْجَاء قَالَ أَبُو عبيد : والمحدثون يَقُولُونَ : النَّبل بِالْفَتْح - يَعْنِي : بِفَتْح النُّون - أَيْضا ونراها إِنَّمَا سميت نبْلًا لصغرها وَهَذَا من الأضداد . فِي كَلَام الْعَرَب أَن يُقَال للعظام : نبل ، وللصغار : نبل . وَقَالَ الْخطابِيّ فِي إصْلَاح الْأَلْفَاظ الَّتِي يصحفها الروَاة : يرْوَى النبل بِضَم النُّون وَفتحهَا ، وَأكْثر الْمُحدثين يروونها بِالْفَتْح ، والأجود الضَّم . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : النبل - بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة - الْأَحْجَار الصغار . وَلم يذكر غير هَذَا ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته فِي هَذَا الحَدِيث : النبل هِيَ الْحِجَارَة الصغار الَّتِي يُستَنْجَى بهَا ، وَاحِدهَا نبلة ، كغرفة وغرف ، والمحدثون يفتحون النُّون وَالْبَاء كَأَنَّهُ جمع نبيل فِي التَّقْدِير ، والنبل بِالْفَتْح فِي غير هَذَا الْكِبَار من الْإِبِل وَالصغَار . وَهُوَ من الأضداد . وَفِي شرح التَّعْجِيز لمصنفه : النبل - بِضَم الْبَاء - جمع نبيل كسرير وسرر . وَقَالَ الْجَوْهَرِي : المحدثون يَقُولُونَهُ بِفَتْح الْبَاء جمع نبيل كسورة وسور . قلت : ويغني عَن هَذَا الحَدِيث فِي الدّلَالَة مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد ، والدرامي فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمْ ، عَن عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار يَسْتَطِيب بِهن ؛ فَإِنَّهَا تُجزئه . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه : إِسْنَاده حسن ، وَقَالَ فِي علله : إِسْنَاد مُتَّصِل صَحِيح .
الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الِاسْتِنْجَاء بالروث والرمة . هَذَا حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ جماعات من الْأَئِمَّة ، وَقد تقدم بِطُولِهِ فِي أول هَذَا الْبَاب .
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن سراقَة بن مَالك - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : علمنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أَتَيْنَا الْخَلَاء أَن نتوكأ عَلَى الْيُسْرَى . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي عَاصِم ، نَا مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن المدلجي ، عَن رجل من بني مُدْلِج ، عَن أَبِيه قَالَ : قدم علينا سراقَة بن جعْشم ، فَقَالَ : علمنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا أَرَادَ أَحَدنَا الْخَلَاء أَن يعْتَمد الْيُسْرَى وَينصب الْيُمْنَى ترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ : بَاب الِاعْتِمَاد عَلَى الرجل الْيُسْرَى إِذا قعد إِن صَحَّ الْخَبَر فِيهِ . وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن وَلَفظه لقد أمرنَا أَن نتوكأ عَلَى الْيُسْرَى ، وَأَن ننصب الْيُمْنَى . قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي : لَا نعلم فِي هَذَا الْبَاب غير هَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ حَدِيث غَرِيب جدًّا ، لَا يرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد ، وَمُعَاوِيَة بن صَالح الْمَكِّيّ : لين ضَعِيف ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن : مَجْهُول لَا يعرف ؛ فَالْحَدِيث مُنْقَطع . قَالَ الْحَازِمِي : وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : هَذَا الحَدِيث فِي حكم الْمُنْقَطع ؛ لجَهَالَة الرجل من بني مُدْلِج . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَة : ضَعِيف . وَلما ذكر ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب حَدِيث سراقَة هَذَا وَلم يعزه ؛ بل قَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يثبت . قَالَ : ورُوي عَن أنس نَحوه . انْتَهَى . فَليُحرر هَذَا مَعَ قَول الْحَازِمِي : لَا نعلم فِي الْبَاب غير هَذَا الحَدِيث .
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى عَن الِاسْتِنْجَاء بالعظم ، وَقَالَ : إِنَّه زَاد إخْوَانكُمْ من الْجِنّ . أما النَّهْي عَن الِاسْتِنْجَاء بالعظم فَصَحِيح ، رَوَاهُ جماعات من الصَّحَابَة ، مِنْهُم : أَبُو هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي هَذَا الْبَاب من رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد عَنهُ قَالَ : اتبعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَخرج لِحَاجَتِهِ ، فَكَانَ لَا يلْتَفت ، فدنوت مِنْهُ فَقَالَ : أبغني أحجارًا أستنفض بهَا أَو نَحوه ، وَلَا تأتني بِعظم وَلَا رَوْث . فَأَتَيْته بأحجار بِطرف ثِيَابِي فَوَضَعتهَا إِلَى جنبه وأعرضت عَنهُ ، فَلَمَّا قَضَى حَاجته اتبعته بِهن . زَاد فِي بَاب ذكر الْجِنّ : فَقلت : مَا بَال الْعظم والروثة ؟ فَقَالَ : هما من طَعَام الْجِنّ ، وَإنَّهُ أَتَانِي وَفد جن نَصِيبين - وَنعم الْجِنّ - فسألوني الزَّاد ، فدعوت الله - عَزَّ وجَلَّ - أَن لَا يمروا بِعظم وَلَا بروثة إِلَّا وجدوا عَلَيْهَا طَعَاما . قَالَ أَبُو عبد الله الْقَزاز فِي تَفْسِير غَرِيب البُخَارِيّ : هَكَذَا رُوِيَ أستنفض كَأَنَّهُ أستفعل من النفض وَهُوَ أَن يهز الشَّيْء ليطرد غباره أَو يَزُول مَا عَلَيْهِ وَهَذَا مَوضِع أستنظف بهَا ، أَي : أنظف نَفسِي بهَا من الْحَدث ، وَلَكِن هَكَذَا رُوِيَ . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه جَامع المسانيد : انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ البُخَارِيّ ، وَمَعْنى أستنفض بهَا أزيل بهَا عني الْأَذَى . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : ورأيته : أستنظف فِي غير كتاب البُخَارِيّ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أبي حَازِم ، عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يستنجى بروث أَو عظم ، وَقَالَ : إنَّهُمَا لَا تطهران . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده صَحِيح . قلت : فِي سَنَده سَلمَة بن رَجَاء ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ ابْن عدي : حدث بِأَحَادِيث لَا يُتَابع عَلَيْهَا . وذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَرَوَى لَهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَفِيه أَيْضا يَعْقُوب بن كاسب ، قيل : رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَيْضا وَلم ينْسبهُ . وَقَالَ يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ : لَيْسَ بِشَيْء . وَوَثَّقَهُ يَحْيَى مرّة . وَمِنْهُم : عبد الله بن مَسْعُود - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَنهُ من حَدِيث طَوِيل ، وَفِيه : وسألوه - يَعْنِي الْجِنّ - الزَّاد ، فَقَالَ : لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِي أَيْدِيكُم أوفر مَا يكون لَحْمًا ، وكل بَعرَة علف لدوابكم . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَلَا تستنجوا بهما فَإِنَّهُمَا طَعَام إخْوَانكُمْ . وَوَقع فِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه بدل وَذكر اسْم الله : لم يذكر اسْم الله وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَنهُ قَالَ : قدم وَفد الْجِنّ عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد ، اِنْهَ أمتك أَن يستنجوا بِعظم أَو رَوْثَة أَو حُممة ؛ فَإِن الله جعل لنا فِيهَا رزقا . فَنَهَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن ذَلِك رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَقَالا : إِسْنَاده شَامي لَيْسَ بِثَابِت . وَقَالَ الْحَازِمِي : لَا يعرف مُتَّصِلا إِلَّا من حَدِيث الشاميين ، وَهُوَ عَلَى شَرط أبي دَاوُد . الحُمَمَة - بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الميمين مَعَ التَّخْفِيف - الفحم . وَيُقَال إِنَّه الرخو الَّذِي لَا يقْلع النَّجَاسَة . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه عَن أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح ، عَن ابْن وهب ، عَن يُونُس ، عَن ابْن شهَاب ، عَن أبي عُثْمَان بن سنّة الْخُزَاعِيّ الدِّمَشْقِي ، عَن ابْن مَسْعُود أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يَسْتَطِيب أحدكُم بِعظم أَو رَوْث . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي أَوَاخِر كتاب التَّفْسِير بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَإِسْنَاده لَا أعلم بِهِ بَأْسا . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث مُوسَى بن عُلَي - بِضَم الْعين وَفتح اللَّام عَلَى الْمَعْرُوف - عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يستنجى بِعظم حَائِل أَو رَوْثَة أَو حممة ثمَّ قَالَ : عَلّي ابن رَبَاح لَا يثبت سَمَاعه من ابْن مَسْعُود . وَأخرجه أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث حَرْمَلَة ، ثَنَا ابْن وهب ، عَن يُونُس ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن سنة الْخُزَاعِيّ أَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لأَصْحَابه وَهُوَ بِمَكَّة : من أحب مِنْكُم أَن يحضر اللَّيْلَة أَمر الْجِنّ فَلْيفْعَل ثمَّ ذكر الحَدِيث قَالَ : فَأَعْطَاهُمْ عظما وَرَوْثًا زادًا ، ثمَّ نهَى رَسُول - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يَسْتَطِيب أحد بِعظم أَو رَوْث . ثمَّ قَالَ ابْن مَنْدَه : هَذَا هُوَ الْمَشْهُور ، وَرُوِيَ بِإِسْقَاط ابْن مَسْعُود ، ذكره أَبُو نعيم فِي تَرْجَمَة أبي عُثْمَان بن سنة الْخُزَاعِيّ الصَّحَابِيّ . وَمِنْهُم : سلمَان - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ مُسلم ، وَسَيَأْتِي قَرِيبا حَيْثُ ذكره المُصَنّف . وَمِنْهُم : جَابر بن عبد الله - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق ، نَا أَبُو الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نتمسح بِعظم أَو ببعر . وَمِنْهُم : رويفع بن ثَابت - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد عَنهُ قَالَ : قَالَ لي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا رويفع ، لَعَلَّ الْحَيَاة ستطول بك بعدِي ، فَأخْبر النَّاس أَن من عقد لحيته أَو تقلد وترا أَو استنجى برجيع دَابَّة أَو عظم ؛ فَإِن مُحَمَّدًا بَرِيء مِنْهُ . قَالَ صَاحب الدَّلَائِل فِي غَرِيب الحَدِيث بعد رِوَايَته لَهُ : هَكَذَا فِي الحَدِيث من عقد لحيته وَصَوَابه - وَالله أعلم - : من عقد لحاء من قَوْلك لحيت الشّجر إِذا قشرته ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يعقدون لحاء الْحرم فيقلدونه فِي أَعْنَاقهم فيأمنون بذلك ، وَهُوَ قَول الله - تَعَالَى - : ( لَا تحلوا شَعَائِر الله وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد ) فَلَمَّا أظهر الله الْإِسْلَام نهَى عَن ذَلِك . قَالَ السّديّ : شَعَائِر الله : حرم الله . وَأما الْهَدْي والقلائد ؛ فَإِن الْعَرَب كَانُوا يقلدون من لحاء الشّجر - شجر مَكَّة - فيقيم الرجل بِمَكَّة حَتَّى إِذا انفضت الْأَشْهر الْحرم وَأَرَادَ أَن يرجع إِلَى أَهله قلد نَفسه وناقته من لحاء الشّجر ، فَيَأْمَن حَتَّى يَأْتِي أَهله . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَمَا أشبه مَا قَالَه بِالصَّوَابِ ، لَكِن لم نره فِيمَا وقفنا عَلَيْهِ فِي رِوَايَة . وَمِنْهُم : سهل بن حنيف - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده عَن أبي عَاصِم ، عَن ابْن جريج ، عَن عبد الْكَرِيم - وَهُوَ ابْن أبي الْمخَارِق - عَن الْوَلِيد بن مَالك ، عَن عبد الْقَيْس ، عَن مُحَمَّد بن قيس مولَى سهل بن حنيف ، عَن سهل بن حنيف أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لَهُ : أَنْت رَسُولي إِلَى أهل مَكَّة ، فَقل : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ عَلَيْكُم السَّلَام ، ويأمركم أَن لَا تستنجوا بِعظم وَلَا ببعر . قَالَ أَبُو عَاصِم مرّة : ويَنْهَاكُم أَو يَأْمُركُمْ . وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند عَن عبد الرَّزَّاق ، أَنا ابْن جريج ، نَا عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق أَن الْوَلِيد بن مَالك أخبرهُ أَن مُحَمَّد بن قيس فَذكر الحَدِيث إِلَّا أَنه قَالَ : يَأْمُركُمْ بِثَلَاث : لَا تحلفُوا بِغَيْر الله ، وَإِذا تخليتم فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها وَلَا تستنجوا بِعظم وَلَا ببعرة . وَمِنْهُم رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن مُوسَى بن أبي إِسْحَاق الْأنْصَارِيّ ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ، عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الْأَنْصَار أخبرهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه نهَى أَن يَسْتَطِيب أحد بِعظم أَو رَوْث أَو جلد . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده غير ثَابت . قَالَ ابْن الْقطَّان : وَسَببه جَهَالَة مُوسَى وَعبد الله . وَأما قَول الإِمَام الرَّافِعِيّ وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن الْعظم زَاد إخْوَانكُمْ من الْجِنّ فَصَحِيح أَيْضا رَوَى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث الشّعبِيّ ، عَن عَلْقَمَة ، عَن ابْن مَسْعُود ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حَدِيث طَوِيل قَالَ فِي آخِره : وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تستنجوا بالعظم والبعر ؛ فَإِنَّهُمَا طَعَام إخْوَانكُمْ - يَعْنِي : من الْجِن ّ كَمَا تقدم . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر ، وَلم يذكر هَذِه الزِّيَادَة فِيهِ ، وَرَوَاهُ من طَرِيق ثَالِث عَن دَاوُد بن أبي هِنْد ، عَن الشّعبِيّ وَلم يذكر هَذِه الزِّيَادَة ثمَّ قَالَ : قَالَ الشّعبِيّ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تستنجوا بالعظم والبعر . قَالَ التِّرْمِذِيّ : كَأَن هَذِه الرِّوَايَة أصح - يَعْنِي : فَيكون مُرْسلا - قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : لَا نوافق التِّرْمِذِيّ عَلَى ذَلِك ؛ بل الْمُخْتَار أَن هَذِه الزِّيَادَة مُتَّصِلَة . قلت : وَقد حكم أَيْضا أَبُو حَاتِم بن حبَان للطريقة الموصولة بِالصِّحَّةِ فَإِنَّهُ أخرجهَا فِي صَحِيحه بالطريقة الأولَى الَّتِي ذكرهَا مُسلم ، ولفظها إِلَّا أَنه قَالَ : زَاد بدل طَعَام وَالْمعْنَى وَاحِد . وَفِي تَلْخِيص الْخَطِيب من حَدِيث يَحْيَى بن عبد الله بن بكير ، أَنا ابْن لَهِيعَة عَن أَحْمد بن خازم - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة - عَن صَالح مولَى التوءمة ، عَن ابْن عَبَّاس ، عَن ابْن مَسْعُود ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَنه جعل زَاد الْجِنّ الروث وَالْعِظَام ، لَا يَمرونَ عَلَى شَيْء مِنْهُ إِلَّا وجدوه لَحْمًا طريًّا . وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير من حَدِيث بَقِيَّة ، نَا نمير بن يزِيد ، نَا أبي ، ثَنَا قُحَافَة بن ربيعَة ، ثَنَا الزبير بن الْعَوام مَرْفُوعا - فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ - : أُولَئِكَ - يَعْنِي : الْجِنّ - من وَفد نَصِيبين سَأَلُونِي الزَّاد ، فَجعلت لَهُم كل عظم وروثة . قَالَ الزبير : فَلَا يحل لأحد أَن يستنجي بِعظم وَلَا رَوْثَة أبدا . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي عَن سعيد بن الْحَارِث ، عَن أبي الْمُعَلَّى ، عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لجن نَصِيبين : لكم الرجيع وَمَا أتيتم عَلَيْهِ من عظم فلكم عَلَيْهِ لَحْمًا وَمَا أتيتم عَلَيْهِ من رَوْث فَهُوَ لكم تَمرا .
الحَدِيث الثَّانِي عشر رَوَى أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يتمخر الرّيح - أَي : ينظر أَيْن مجْراهَا - لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ الْبَوْل . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ مَرْفُوعا من فعل سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا ورد من أمره ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بن ثَابت فرخويه ، عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن سماك بن الْمفضل ، عَن أبي رشدين الجندي ، عَن سراقَة بن مَالك ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة ، وَاتَّقوا مجَالِس اللَّعْن : الظل وَالْمَاء وقارعة الطَّرِيق ، واستمخروا الرّيح ، واستشبوا عَلَى سوقكم ، وَأَعدُّوا النبل فَقَالَ أبي : إِنَّمَا يرويهِ مَوْقُوفا وأسنده عبد الرَّزَّاق بِأخرَة . وَذكره الْخطابِيّ فِي غَرِيبه وَقَالَ : قَوْله : استمخروا الرّيح أَي : استقبلوها . وَقَالَ : قَوْله : واستشبوا عَلَى سوقكم أَي : انتصبوا عَلَى سوقكم ، يُرِيد الاتكاء عَلَيْهَا فِي قَضَاء الْحَاجة ، وَمِنْه شبوب الْفرس ، وَهُوَ أَن يرفع يَدَيْهِ ويعتمد عَلَى رجلَيْهِ . وَرَوَى أَبُو عبيد فِي كِتَابه غَرِيب الحَدِيث عَن عباد بن عباد ، عَن وَاصل مولَى أبي عُيَيْنَة قَالَ : كَانَ يُقَال : إِذا أَرَادَ أحدكُم الْبَوْل فليتمخر الرّيح قَالَ أَبُو عبيد : يَعْنِي أَن ينظر من أَيْن مجْراهَا فَلَا يستقبلها وَلَكِن يستدبرها كي لَا ترد عَلَيْهِ الرّيح الْبَوْل . قلت : وَقَوله : استمخروا هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، كَذَا ضَبطه الْهَرَوِيّ فِي غَرِيبه ، فَإِنَّهُ ذكره فِي بَاب الْمِيم مَعَ الْخَاء والمخر أَصله الشق قَالَ تَعَالَى : وَترَى الْفلك مواخر فِيهِ أَي شاقات . وَقد جَاءَت أَحَادِيث فِي كَرَاهِيَة الْبَوْل فِي الْهَوَاء لَكِنَّهَا ضَعِيفَة : أَحدهَا : عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يكره الْبَوْل فِي الْهَوَاء . رَوَاهُ ابْن عدي ، والعقيلي ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن السّفر - بِفَتْح السِّين وَإِسْكَان الْفَاء - أَبُو الْفَيْض الشَّامي ، قَالَ أَبُو زرْعَة ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ دُحَيْم : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث جدًّا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مرّة أُخْرَى : مَتْرُوك يكذب . وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال . وَقَالَ الْعقيلِيّ : يحدث بمناكير قَالَ : وَهَذَا حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ . قَالَ : وَهُوَ لَا يُقيم من الحَدِيث شَيْئا . وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَافِظ أبي أَحْمد بن عدي أَنه قَالَ فِيهِ : إِنَّه حَدِيث مَوْضُوع . الحَدِيث الثَّانِي : عَن مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة ، عَن الْحَضْرَمِيّ - وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا بَال أحدكُم فَلَا يسْتَقْبل الرّيح ببوله فَيردهُ عَلَيْهِ . رَوَاهُ ابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ فَقلت : مَا حَال مَحْفُوظ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ وَلَكِن الشَّأْن فِي يُوسُف بن خَالِد - يَعْنِي : ابْن عمر السَّمْتِي الْبَصْرِيّ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده الَّذِي رَوَاهُ عَن عَمْرو بن سُفْيَان بن أبي البكرات ، عَن مَحْفُوظ - كَانَ يَحْيَى بن معِين يَقُول : يكذب . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّهُ هَالك ، وَلَفظ أَحْمد فِيهِ : كَذَّاب خَبِيث عَدو الله رجل سوء ، لَا يحدث عَنهُ أحد فِيهِ خير . وَقَالَ مرّة : زنديق لَا يكْتب حَدِيثه . وَرَوَى عَنهُ الشَّافِعِي وَقَالَ : كَانَ ضَعِيفا . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي : كَانَ يكذب . وَقَالَ النَّسَائِيّ : كَذَّاب مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ذَاهِب الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يضع الْأَحَادِيث عَلَى الشُّيُوخ وَيقْرَأ عَلَيْهِم ثمَّ يَرْوِيهَا عَنْهُم لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ . الحَدِيث الثَّالِث : عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة قَالَت : مر سراقَة بن مَالك المدلجي عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَسَأَلَهُ عَن التغوط فَأمره أَن يتنكب الْقبْلَة وَلَا يستقبلها وَلَا يستدبرها ، وَلَا يسْتَقْبل الرّيح ، وَأَن يستنجي بِثَلَاثَة أَحْجَار لَيْسَ فِيهَا رجيع ، أَو ثَلَاثَة أَعْوَاد أَو ثَلَاث حثيات من تُرَاب . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان النعماني ، نَا أبوعتبة أَحْمد بن الْفرج ، ثَنَا بَقِيَّة ، حَدثنِي مُبشر بن عبيد ، حَدثنِي الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن هِشَام بِهِ . ثمَّ قَالَ : لم يروه غير مُبشر بن عبيد وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث . زَاد ابْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء عَنهُ : يضع الْأَحَادِيث ويكذب . الحَدِيث الرَّابِع : عَن يزِيد بن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن خَلاد أَنه سمع أَبَاهُ يَقُول : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يَقُول : إِذا خرج أحدكُم يتغوط أَو يَبُول فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها ، وَلَا يسْتَقْبل الرّيح ، وليمسح ثَلَاث مَرَّات ، وَإِذا خرج الرّجلَانِ جَمِيعًا فليتفرقا ، وَلَا يجلس أَحدهمَا قَرِيبا من صَاحبه وَلَا يتحدثان ؛ فَالله يمقت عَلَى ذَلِك . رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بشر الدولابي فِي الْأَسْمَاء والكنى عَن إِبْرَاهِيم بن هَانِئ النَّيْسَابُورِي ، نَا مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان ، نَا يزِيد بن يَحْيَى بن أبي كثير قَالَ : أَخْبرنِي خَلاد فَذكره . وَعَزاهُ صَاحب الإِمَام إِلَى الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه لحَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير قَالَ : وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن سِنَان الرهاوي وَفِيه ضعف . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه التَّذْكِرَة فِي الْأَحَادِيث المعلولة بعد أَن ذكر هَذَا الحَدِيث : يزِيد هَذَا لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث . وَجَاء عَن حسان بن عَطِيَّة التَّابِعِيّ أَنه قَالَ : يكره للرجل أَن يَبُول فِي هَوَاء ، وَأَن يتغوط عَلَى رَأس جبل كَأَنَّهُ طير وَاقع رَوَاهُ ابْن عدي . فَإِذا علم ضعف هَذِه الْأَحَادِيث تعين الِاحْتِجَاج بِالْمَعْنَى الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الإِمَام الرَّافِعِيّ أَولا ، وَهُوَ لِئَلَّا ترد الرشاش عَلَيْهِ فيتنجس ، ويستأنس بِهَذِهِ الْأَحَادِيث .
الحَدِيث الْعشْرُونَ رُوِيَ أَنه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا جلس أحدكُم لِحَاجَتِهِ فليمسح ثَلَاث مسحات . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده عَن حسن بن الأشيب ، عَن ابْن لَهِيعَة ، نَا أَبُو الزبير ، عَن جَابر قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : إِذا تغوط أحدكُم فليمسح ثَلَاث مَرَّات ، وَنَهَى أَن يستنجى ببعرة أَو عظم ابْن لَهِيعَة قد علمت حَالَته . وَرَوَاهُ جماعات بِمَعْنَاهُ كَحَدِيث عَائِشَة الْمُتَقَدّم : إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاث أَحْجَار يَسْتَطِيب بِهن وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور فِي أول الْبَاب : وليمسح بِثَلَاثَة أَحْجَار وَحَدِيثه السَّابِق أَيْضا : كَانَ يَأْمُرنَا بِثَلَاثَة أَحْجَار وَحَدِيث سلمَان وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ الآتيين قَرِيبا ، وَحَدِيث خُزَيْمَة الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ عَن الاستطابة فَقَالَ : بِثَلَاثَة أَحْجَار . وَحَدِيث خَلاد أَنه سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : إِذا تغوط أحدكُم فليستجمر ثَلَاثًا رَوَاهُ ابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة وَقَالَ : خَلاد هَذَا أَحْسبهُ ابْن رَافع بن مَالك أَخُو رِفَاعَة بن رَافع الْأنْصَارِيّ . وَرَوَى هَذَا الحَدِيث الْخَطِيب فِي كِتَابه موضح أَوْهَام الْجمع والتفريق بِخَطِّهِ ، لَكِن من حَدِيث خَلاد الْجُهَنِيّ ، عَن أَبِيه السَّائِب أَن نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا دخل أحدكُم الْخَلَاء فليتمسح بِثَلَاثَة أَحْجَار وَهُوَ فِي جمع من رَوَى عَنهُ ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ وَمن رَوَى عَن الزُّهْرِيّ للنسائي من حَدِيث أبي غَسَّان مُحَمَّد بن يَحْيَى ، أَخْبرنِي أبي ، عَن ابْن أخي ابْن شهَاب عَن ابْن شهَاب قَالَ : أَخْبرنِي خَلاد بن السَّائِب أَن أَبَاهُ سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا تغوط أحدكُم فليتمسح ثَلَاث مَرَّات . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ، وَأَبُو نعيم ، وَابْن مَنْدَه ، وَابْن عبد الْبر كَذَلِك بِلَفْظ : فليتمسح بِثَلَاثَة أَحْجَار . وَفِي الْمُحَلَّى لِابْنِ حزم مَا نَصه : فَإِن ذكرُوا حَدِيثا رَوَاهُ ابْن أخي الزُّهْرِيّ مُسْندًا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : إِذا تغوط أحدكُم فليمسح ثَلَاث مَرَّات قيل : ابْن أخي الزُّهْرِيّ ضَعِيف ، وَالَّذِي رَوَاهُ عَنهُ مُحَمَّد بن يَحْيَى الْكِنَانِي : مَجْهُول . قلت : ابْن أخي الزُّهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم ، احْتج بِهِ أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة وَوَثَّقَهُ الْأَئِمَّة . وَمَا ذكره ابْن حزم هُوَ إِحْدَى رِوَايَات أَرْبَعَة عَن ابْن معِين ، رَوَاهُ الدَّارمِيّ عَنهُ . وَقَوله : وَالَّذِي رَوَاهُ عَنهُ مُحَمَّد بن يَحْيَى مَجْهُول . فَفِيهِ نظر من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَن مُحَمَّدًا يرويهِ عَن أَبِيه ، عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ كَذَا رَأَيْته وَلم أر أحدا سَاقه من حَدِيث مُحَمَّد هَذَا عَن ابْن أخي الزُّهْرِيّ كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام ابْن حزم . الثَّانِي : قَوْله فِي مُحَمَّد بن يَحْيَى : أَنه مَجْهُول . وَلَا أعلم لَهُ مُوَافقا . مُحَمَّد هَذَا احْتج بِهِ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان ، فَأخْرج عَنهُ حَدِيثا فِي صَحِيحه ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَرَوَى عَنهُ خلق وَهُوَ أَبُو غَسَّان مُحَمَّد بن يَحْيَى بن عَلّي .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : استنزهوا من الْبَوْل ؛ فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق كثيرات بِأَلْفَاظ مختلفات ، وَفِي الْمَعْنى متفقات . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن عبد الْبَاقِي بن قَانِع ، نَا عبد الله بن مُحَمَّد بن صَالح السَّمرقَنْدِي ، نَا مُحَمَّد بن الصَّباح السمان الْبَصْرِيّ ، ثَنَا أَزْهَر بن سعد السمان ، عَن ابْن عون ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ سَوَاء . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك عَن الْأَصَم ، نَا حمدَان ، نَا عَفَّان ، نَا أَبُو عوَانَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - : أَكثر عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فِي سنَنه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، ثَنَا عَفَّان ، ثَنَا أَبُو عوَانَة بِمثلِهِ إِسْنَادًا ومتنًا . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي سنَنه عَن أبي عَلّي الصفار ، عَن حمدَان بِهِ سَوَاء . وَكَذَا أَحْمد فِي مُسْنده عَن يَحْيَى بن حَمَّاد ، عَن أبي عوَانَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَلَا أعلم لَهُ عِلّة ، وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي : إِسْنَاده حسن . قَالَ الْحَاكِم : وَله شَاهد من حَدِيث أبي يَحْيَى القَتَّات ، أخبرنَا عَلّي بن عِيسَى ، نَا أَبُو إِبْرَاهِيم بن أبي طَالب ، نَا مُحَمَّد بن رَافع ، نَا إِسْحَاق بن مَنْصُور ، نَا إِسْرَائِيل ، عَن أبي يَحْيَى ، عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : عَامَّة عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل . وَرَوَى هَذَا أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن أَحْمد بن عَمْرو ابن عُثْمَان ، نَا مُحَمَّد بن عِيسَى الْعَطَّار ، نَا إِسْحَاق بن مَنْصُور فَذكره ، وَزَاد فِي آخِره : فتنزهوا من الْبَوْل . وَخَالف أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، قَالَ ابْنه فِي علله : سَأَلته عَن حَدِيث رَوَاهُ عَفَّان عَن أبي عوَانَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : أَكثر عَذَاب الْقَبْر فِي الْبَوْل فَقَالَ أبي : هَذَا حَدِيث بَاطِل . قَالَ ابْنه : يَعْنِي : مَرْفُوعا . وَالْحق مَا قَالَه الْحَاكِم والضياء الْمَقْدِسِي ، فَإِن إِسْنَاده حسن ؛ بل صَحِيح كَمَا ذَكرْنَاهُ بِطرقِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عقب إِيرَاد الشَّيْخ أبي إِسْحَاق لهَذَا الحَدِيث بِلَفْظ تنزهوا من الْبَوْل ؛ فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ : رَوَاهُ عبد بن حميد - شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم - فِي مُسْنده من رِوَايَة ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد كلهم عدُول ضابطون بِشَرْط الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا رجلا وَاحِدًا ، وَهُوَ أَبُو يَحْيَى القَتَّات فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فجرحه الْأَكْثَرُونَ ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين فِي رِوَايَة عَنهُ ، وَرَوَى لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَله متابع عَلَى حَدِيثه وشواهد تَقْتَضِي مجموعها حسنه وَجَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ . قلت : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لكنه أبعد النجعة فِي عزو هَذَا الحَدِيث إِلَى مُسْند عبد بن حميد ، وَهُوَ فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ ومُسْتَدْرك الْحَاكِم كَمَا تقدم ، وَترك لَهُ إِسْنَادًا أصح مِنْهُ كَمَا تقدم من طريقهما أَيْضا وعقب مَا ذكره بِأَن قَالَ : وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أنس وَقَالَ فِيهَا : الْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل . فَرُبمَا أوهم هَذَا أَنه لَيْسَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه ، نعم حَدِيث أنس هَذَا الْأَصَح إرْسَاله ، كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَكَذَا قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله عَن أَبِيه أَنه الْأَشْبَه ، لكنه نقل عَن أبي زرْعَة أَن الْمَحْفُوظ رَفعه . قلت : وَيروَى أَيْضا من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده .
الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ عَن سلمَان - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن لَا نجتزئ بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار . هَذَا الحَدِيث صَحِيح . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن يزِيد قَالَ : قيل لسلمان الْفَارِسِي - رَضي اللهُ عَنهُ - : قد علمكُم نَبِيكُم كل شَيْء حَتَّى الخراءة ! فَقَالَ : أجل ؛ لقد نَهَانَا أَن نستقبل الْقبل بغائط أَو بَوْل ، أَو أَن نستنجي بِالْيَمِينِ ، أَو أَن نستنجي بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار ، أَو أَن نستنجي برجيع أَو عظم . وَفِي رِوَايَة لَهُ قَالَ : قَالَ لنا الْمُشْركُونَ : إنى أرَى صَاحبكُم يعلمكم حَتَّى يعلمكم الخراءة ! فَقَالَ : أجل ، إِنَّه نَهَانَا أَن يستنجي أَحَدنَا بِيَمِينِهِ ، أَو يسْتَقْبل الْقبْلَة ، وَنَهَى عَن الروث وَالْعِظَام ، وَقَالَ : لَا يستنجي أحدكُم بِدُونِ ثَلَاثَة أَحْجَار . وَمن الغلطات الْمَعْرُوفَة لِابْنِ حزم الظَّاهِرِيّ فِي هَذَا الحَدِيث أَنه عزاهُ إِلَى مُسلم بِلَفْظ : لقد نَهَانَا أَن يستنجي أَحَدنَا بِيَمِينِهِ ، أَو مُسْتَقْبل الْقبْلَة كَذَا فِي كِتَابه مُسْتَقْبل الْقبْلَة بِالْمِيم ، وَهَذَا لَا يُوجد فِي مُسلم ، وَالَّذِي فِيهِ مَا سلف وَوَقع فِي شرح التَّنْبِيه للمحب الطَّبَرِيّ عزو حَدِيث سلمَان هَذَا إِلَى البُخَارِيّ ، وَهُوَ وهم مِنْهُ . فَائِدَة : الرجيع : الروث ، والخراءة بِالْمدِّ ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق : هِيَ لَهُنَّ جلْسَة التخلي لقَضَاء الْحَاجة أَو هُوَ صفة التَّنْظِيف مِنْهُ . قَالَ الْخطابِيّ فِي إصْلَاح الْأَلْفَاظ المصحفة : عوام الروَاة يفتحون الْخَاء ؛ فيفحش مَعْنَاهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ الخِراءة - مكسور الْخَاء مَمْدُود الْألف - يُرِيد : الجلسة للتخلي ، والتنظف مِنْهُ . وَقَالَ ابْن بري ردًّا عَلَى الْخطابِيّ : يُقَال : خرئ خِراءة وخُراءة وخروءًا وخرءًا . وأَجَلْ - بِفَتْح الْهمزَة وَالْجِيم وَتَخْفِيف اللَّام مَعَ السّكُون - مَعْنَاهَا : نعم . وسلمان - رَضي اللهُ عَنهُ - من فضلاء الصَّحَابَة ، وعمّر عمرا طَويلا جدًّا ، قَالَ النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب : ونقلوا اتِّفَاق الْعلمَاء عَلَى أَنه عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخمسين سنة ، وَاخْتلفُوا فِي الزِّيَادَة عَلَيْهَا فَقيل : ثَلَاثمِائَة وَخمسين سنة ، وَقيل : إنه أدْرك وَحي عِيسَى ابْن مَرْيَم - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ أول مكَاتب فِي الْإِسْلَام ، قَالَه ابْن شعْبَان . وَقيل : ابْن مُؤَمل ، حَكَاهُمَا ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه : وإسلامه بِالْمَدِينَةِ أثبت من قَول من قَالَ إِنَّه بِمَكَّة . الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج . هَذَا الحَدِيث تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي أَوَائِل الْبَاب ، وَهُوَ الحَدِيث الثَّانِي مِنْهُ .
الحَدِيث الْعَاشِر عَن قَتَادَة ، عَن عبد الله بن سرجس - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبال فِي الْجُحر ؟ ! قَالُوا لِقَتَادَة : مَا يكره من الْبَوْل فِي الْجُحر قَالَ : يُقَال : إِنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بأسانيد صَحِيحَة ، وكل رجالها ثِقَات . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ؛ فقد احتجا بِجَمِيعِ رُوَاته . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : رجال الْإِسْنَاد فِيهِ إِلَى ابْن سرجس ثِقَات إِلَّا أَن ابْن أبي حَاتِم قَالَ : أَنا حَرْب بن إِسْمَاعِيل - فِيمَا كتب إليَّ - قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : مَا أعلم قَتَادَة رَوَى عَن أحد من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا عَن أنس . قيل لَهُ : فَابْن سرجس ! فَكَأَنَّهُ لم يره سَمَاعا . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : لَيْسَ فِيمَا قَالَ أَحْمد جزم بالانقطاع ؛ فَإِن أمكن اللِّقَاء من قَتَادَة لعبد الله بن سرجس فَهُوَ مَحْمُول عَلَى الِاتِّصَال عَلَى طَريقَة مُسلم . قلت : زَالَ هَذَا الْإِشْكَال ؛ فَإِنَّهُ قد ثَبت سَماع قَتَادَة من عبد الله بن سرجس ، قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ بعد أَن أخرج هَذَا الحَدِيث فِي أَحَادِيث الْمُهَذّب وَقَالَ : إِسْنَاده كلهم ثِقَات . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْبَراء يَقُول : قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : سمع قَتَادَة من عبد الله بن سرجس . وَعَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ أَنه قَالَ : لم يلق قَتَادَة من الصَّحَابَة إِلَّا أنس بن مَالك وَعبد الله بن سرجس ، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك : لَعَلَّ مُتَوَهمًا يتَوَهَّم أَن قَتَادَة لم يذكر سَمَاعه من عبد الله بن سرجس وَلَيْسَ هَذَا بمستبدع ؛ فقد سمع قَتَادَة جمَاعَة من الصَّحَابَة لم يسمع مِنْهُم عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول ، وَقد احْتج مُسلم بِحَدِيث عَاصِم عَن عبد الله بن سرجس ، وَهُوَ من سَاكِني الْبَصْرَة . قَالَ الْحَاكِم : سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَري يَحْيَى بن مُحَمَّد يَقُول : سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُول : أنهَى عَن الْبَوْل فِي الأجحرة ؛ لخَبر عبد الله بن سرجس أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يبولن أحدكُم فِي الْجُحر ، وَقَالَ قَتَادَة : إِنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ وَلست أثبت القَوْل أَنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ ؛ فَإِن هَذَا من قَول قَتَادَة . وَذكر هَذَا الحَدِيث ابْن السكن فِي صحاحه المأثورة ثمَّ قَالَ : يَعْنِي أَنه مقْعد الْجِنّ ، وَيَأْخُذ مِنْهُ الوساوس .
الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار ، لَيْسَ فِيهَا رجيع وَلَا عظم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات بِمَعْنَاهُ وَقد تقدم بِطرقِهِ فِي الحَدِيث التَّاسِع عشر فِي أول الْبَاب ، وَمِمَّا لم نقدمه - وَهُوَ بِمَعْنى هَذَا الحَدِيث - حَدِيث ابْن مَسْعُود - رَضي اللهُ عَنهُ - وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنهُ أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَى الْغَائِط فَأمرنِي أَن آتيه بِثَلَاثَة أَحْجَار ، فَوجدت حجرين والتمست الثَّالِث فَلم أَجِدهُ ، فَأخذت رَوْثَة فَأَتَيْته بهَا فَأخذ الحجرين وَألقَى الروثة وَقَالَ : إِنَّهَا ركس . وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَغَيره إِنَّهَا ركس ، ائْتِنِي بِحجر يَعْنِي : ثَالِثا . وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا : ائْتِنِي بغَيْرهَا . وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ من طَرِيق أبي إِسْحَاق ، عَن عَلْقَمَة ، وَقد سكت عَنْهَا الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب ، وَهِي مُنْقَطِعَة فِيمَا بَين أبي إِسْحَاق وعلقمة ؛ فَإِنَّهُ لم يسمع مِنْهُ شَيْئا بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفسه بذلك . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي مراسيله : قَالَ أبي وَأَبُو زرْعَة : لم يسمع من عَلْقَمَة شَيْئا قَالَ : وثنا أبي ، نَا مُحَمَّد بن بشار ، نَا أُميَّة بن خَالِد ، نَا شُعْبَة : قَالَ رجل لأبي إِسْحَاق الهمداني : شُعْبَة يَقُول : إِنَّك لم تسمع من عَلْقَمَة قَالَ : صدق . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب الدِّيَة أَخْمَاس : أَبُو إِسْحَاق عَن عَلْقَمَة مُنْقَطع ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ وَلم يسمع مِنْهُ . وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله الْعجلِيّ : لم يسمع أَبُو إِسْحَاق من عَلْقَمَة شَيْئا . قلت : لَكِن قَالَ الْكَرَابِيسِي فِي كتاب المدلسين : أَبُو إِسْحَاق يَقُول فِي هَذَا الحَدِيث : حَدثنِي عَلْقَمَة عَن عبد الله . فَهَذَا تَصْرِيح بِسَمَاع أبي إِسْحَاق من عَلْقَمَة ، وَعَلَى تَقْدِير تَسْلِيم عدم السماع فَلَا حجَّة للخصم فِي الرِّوَايَة الأولَى ؛ إِذْ يجوز أَن يكون أحد الحجرين لَهُ أحرف ؛ فاستوفى بهَا الْعدَد ، يدل عَلَى ذَلِك حَدِيث سلمَان الثَّانِي فِي النَّهْي عَن الِاكْتِفَاء بِدُونِ ثَلَاثَة أَحْجَار ، وَقد ذكر ذَلِك الإِمَام الْخطابِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ .
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجرى ثمَّ يغْتَسل فِيهِ . وَقَالَ مُسلم : يغْتَسل مِنْهُ . وَله : لَا يغْتَسل أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَهُوَ جنب . قَالَ : كَيفَ يفعل يَا أَبَا هُرَيْرَة ؟ قَالَ : يتَنَاوَلهُ تناولاً . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن حبَان : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَلَا يغْتَسل فِيهِ من الْجَنَابَة . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يشرب . قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الراكد . قلت : هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة ، رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ، عَن ابْن عجلَان ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ سَوَاء . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن أَيُّوب ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - بِزِيَادَة : ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ . وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة جَابر - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يبال فِي المَاء الراكد . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من هَذِه الطَّرِيق ، وَلَفظه : زجر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبال فِي المَاء الراكد وَهُوَ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن أبي الزبير عَنهُ . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : نهَى - أَو نُهي - أَن يَبُول الرجل فِي المَاء الدَّائِم أَو الراكد ، ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يغْتَسل مِنْهُ . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يجوده عَن ابْن عون غير أبي عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ . قلت : وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة أُخْرَى رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى ، نَا مُحَمَّد بن الْمُبَارك ، ثَنَا يَحْيَى بن حَمْزَة ، ثَنَا ابْن أبي فَرْوَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الناقع . وَطَرِيقَة أُخْرَى رَوَاهَا الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث الْحَارِث بن يزِيد الْجُهَنِيّ - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينْهَى أَن يبال فِي المَاء الْمُجْتَمع والمستنقع . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ ثمَّ يغْتَسل فِيهِ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم : الرِّوَايَة يغْتَسل مَرْفُوع ؛ أَي : لَا تبل ثمَّ أَنْت تَغْتَسِل مِنْهُ . وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه الْمُفْهم أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة : يغتسلُ مَرْفُوع اللَّام . قَالَ النَّوَوِيّ : وَذكر شَيخنَا أَبُو عبد الله بن مَالك أَنه يجوز أَيْضا جزمه عطفا عَلَى يبولن ، ونصبه بإضمار أَن وَإِعْطَاء ثمَّ حكم وَاو الْجمع . قَالَ : فَأمر الْجَزْم فَظَاهر ، وَأما النصب فَلَا يجوز ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن الْمنْهِي عَنهُ الْجمع بَينهمَا دون إِفْرَاد أَحدهمَا ، وَهَذَا لم يقلهُ أحد ؛ بل الْبَوْل فِيهِ مَنْهِيّ عَنهُ سَوَاء أَرَادَ الِاغْتِسَال فِيهِ أَو مِنْهُ أم لَا . انْتَهَى كَلَام النَّوَوِيّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا يجوز النصب إِذْ لَا ينْتَصب بإضمار أَن بعد ثمَّ . قَالَ : والجزم لَيْسَ بِشَيْء إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ : ثمَّ لَا يغتسلن ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك يكون عطف فعل عَلَى فعل لَا عطف جملَة عَلَى جملَة وَحِينَئِذٍ يكون الأَصْل مُسَاوَاة الْفِعْلَيْنِ فِي النَّهْي عَنْهُمَا ، وتأكيدهما بالنُّون الشَّدِيدَة ، فَإِن الْمحل الَّذِي توارد عَلَيْهِ شَيْء وَاحِد وَهُوَ المَاء فعدوله عَن ثمَّ لَا يغتسلن دَلِيل عَلَى أَنه لم يرد الْعَطف ، وَإِنَّمَا جَاءَ ثمَّ يغْتَسل عَلَى التَّنْبِيه عَلَى حَال الْحَال ، وَمَعْنَاهُ : أَنه إِذا بَال فِيهِ قد يحْتَاج إِلَيْهِ فَيمْتَنع عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله لما أوقع فِيهِ من الْبَوْل ، انْتَهَى كَلَام الْقُرْطُبِيّ . قَالَ شَيخنَا فتح الدَّين : وَالتَّعْلِيل الَّذِي علل بِهِ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ امْتنَاع النصب ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من كَون هَذَا الحَدِيث لَا يتَنَاوَل النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء الراكد مفرده ، وَلَيْسَ يلْزم أَن يدل عَلَى الْأَحْكَام المتعددة بِلَفْظ وَاحِد فَيُؤْخَذ النَّهْي عَن الْجمع من هَذَا الحَدِيث وَالنَّهْي عَن الْإِفْرَاد من حَدِيث آخر .
الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا استجمر أحدكُم فليستجمر وترا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة : من استجمر فليوتر وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة جَابر - رَضي اللهُ عَنهُ - إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا : ثَلَاثًا بدل وترا . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه بِهَذَا اللَّفْظ . ورأيته أَنا بعد ذَلِك فِيهِ ، وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا فِي صَحِيحه عَنهُ مَرْفُوعا ، لَكِن لَفظه : من استجمر فليوتر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الرِّوَايَة الأولَى تبين أَن المُرَاد بالإيتار فِي هَذِه الرِّوَايَة مَا زَاد عَلَى الْوَاحِد . وَهُوَ فِي مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ورَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد فِي حَدِيث وَاحِد ، وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ ، وسنَن النَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، عَن سَلمَة بن قيس مَرْفُوعا : إِذا تَوَضَّأت فانثر ، وَإِذا استجمرت فأوتر . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حسن صَحِيح . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : رجال إِسْنَاده ثِقَات . قلت : لَا جرم أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَفِي صحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : إِذا استجمر أحدكُم فليوتر ؛ فَإِن الله وتر يحب الْوتر ، أما ترَى السَّمَاوَات سبعا وَالْأَرضين سبعا وَالطّواف سبعا وَذكر أَشْيَاء . قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . قَالَ : لم يخرجَاهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ ، إِنَّمَا اتفقَا عَلَى : من استجمر فليوتر فَقَط . قلت : فِي طَرِيق الْحَاكِم : الْحَارِث بن أبي أُسَامَة - وَلَيْسَ بعمدة وَطَرِيق ابْن حبَان صَحِيحَة ، وأخرجه كَذَلِك شَيْخه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه . وَفِي أَفْرَاد مُسلم مثل هَذَا من حَدِيث جَابر رَفعه الِاسْتِجْمَار تو ، وَرمي الْجمار تو ، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة تو ، وَالطّواف تو ؛ وَإِذا استجمر أحدكُم فليستجمر بتو . يَعْنِي : الْوتر ، زَاد البرقاني : والكحل تو يَعْنِي : ثَلَاثًا ثَلَاثًا .
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : اتَّقوا الْملَاعن . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي سنَنَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد الْحِمْيَرِي ، عَن معَاذ بن جبل - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث : البرَاز فِي الْمَوَارِد ، والظل ، وقارعة الطَّرِيق . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : وَكَذَا صَححهُ ابْن السكن حَيْثُ ذكره فِي صحاحه المأثورة وَفِي ذَلِك نظر ؛ فَأَبُو سعيد هَذَا قيل : لم يسمع من معَاذ فَيكون مُنْقَطِعًا . قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : أَبُو سعيد هَذَا أرَاهُ لم يدْرك معَاذ بن جبل . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : أَبُو سعيد قيل : لم يسمع من معَاذ . وَبِذَلِك جزم عبد الْحق فِي الْأَحْكَام ، وَعَن كتاب التفرد لأبي دَاوُد لما ذكر هَذَا الحَدِيث بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُور قَالَ : لَيْسَ هَذَا بِمُتَّصِل . وَذكر ابْن الْقطَّان : أَن أَبَا سعيد هَذَا لَا يعرف فِي غير هَذَا الْإِسْنَاد وَلم يزدْ ابْن أبي حَاتِم فِي ذكره إِيَّاه عَلَى مَا أَخذ من هَذَا الْإِسْنَاد وَذكره أَيْضا كَذَلِك من غير مزِيد ابْن عبد الْبر فِي الكنى الْمُجَرَّدَة قَالَ : فَهُوَ مَجْهُول . وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة حَدثنِي ابْن هُبَيْرَة ، أَخْبرنِي من سمع ابْن عَبَّاس يَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث قيل : وَمَا الْملَاعن يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : أَن يقْعد أحدكُم فِي ظلّ يستظل بِهِ ، أَو فِي طَرِيق ، أَو فِي نقع مَاء . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ عَن قيس ، عَن سعد بن أبي وَقاص أَظُنهُ رَفعه قَالَ : إيَّاكُمْ والملاعن : أَن يلقِي أحدكُم أَذَاهُ فِي الأَرْض فَلَا يمر بِهِ أحد إِلَّا قَالَ : من فعل هَذَا لَعنه الله ! ثمَّ قَالَ : رُوِيَ مَوْقُوفا ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ . انْتَهَى . وَقد وَردت أَحَادِيث أخر فِي النَّهْي عَن البرَاز فِي أَمَاكِن ؛ فَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : اتَّقوا اللعانين . قَالُوا : وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : الَّذِي يتخلى فِي طرق النَّاس أَو فِي ظلهم . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ السكن طَرِيق المسملين بدل النَّاس . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان : فِي طَرِيق النَّاس وأفنيتهم . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالْحَاكِم : اتَّقوا اللاعنين . قَالُوا : وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق النَّاس أَو فِي ظلهم . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم قَالَ : وَقد أخرجه هُوَ عَن قُتَيْبَة . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى : اجتنبوا اللعانين قَالُوا : وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله ؟ ! قَالَ : الَّذِي يتبرز عَلَى طَرِيق النَّاس أَو فِي مجْلِس قوم . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَنْدَه : اتَّقوا اللاعنين . قَالُوا : وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق الْمُسلمين أَو مجَالِسهمْ قَالَ ابْن مَنْدَه : إِسْنَاده صَحِيح . وَفِي الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم ، والسّنَن الْكَبِير للبيهقي ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : من سل سخيمته عَلَى طَرِيق عَامر من طرق الْمُسلمين ؛ فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ . قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح إِسْنَاده . وَفِي السّنَن الْأَرْبَعَة - أَعنِي : سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، ومُسْند أَحْمد ، ومُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن عبد الله بن مُغفل مَرْفُوعا : لَا يبولن أحدكُم فِي مستحمه ثمَّ يتَوَضَّأ فِيهِ ؛ فَإِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث غَرِيب ، وَقَالَ الْحَاكِم : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وَأعله عبد الْحق بِمَا بَين ابْن الْقطَّان أَنه غلط من جِهَة النَّقْل . وَفِي مُسْند أَحْمد بن منيع الْبَغَوِيّ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : من جلس عَلَى قبر يتغوط أَو يَبُول فَكَأَنَّمَا جلس عَلَى جَمْرَة . إِسْنَاده ضَعِيف ، وَقد صَحَّ النَّهْي عَن فعل ذَلِك عَلَى الْقَبْر ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كتاب الْجَنَائِز من حَدِيث جَابر : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يجصص الْقَبْر ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَأَن يقْعد عَلَيْهِ قَالَ مَالك والهروي : المُرَاد بالقعود الْحَدث . وَقد خولفا فِي ذَلِك ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْموضع الْمَذْكُور . وَفِي ضعفاء الْعقيلِيّ عَن ابْن عمر قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتخلى الرجل تَحت شَجَرَة مثمرة أَو ضفة نهر جاري . فِي إِسْنَاده فرات بن السَّائِب قَالَ البُخَارِيّ : كُوفِي تَرَكُوهُ . وَفِي كَامِل ابن عدي ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتغوط الرجل فِي القرع من الأَرْض ، قيل : وَمَا القرع ؟ قَالَ : أَن يَأْتِي أحدكُم الأَرْض فِيهَا النَّبَات كَأَنَّمَا قُمْت قمامتها فَتلك مسَاكِن إخْوَانكُمْ من الْجِنّ . فِي إِسْنَاده سَلام بن مُسلم قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَحْمد : مُنكر الحَدِيث . وَفِي سنَن ابْن مَاجَه عَن جَابر بن عبد الله مَرْفُوعا : إيَّاكُمْ والتعريس عَلَى جواد الطَّرِيق وَالصَّلَاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّات وَالسِّبَاع ، وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْملَاعن . إِسْنَاده صَحِيح . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده بِزِيَادَة فِيهِ . وفيهَا أَيْضا عَن سَالم بن عبد الله ، عَن أَبِيه أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يصلى عَلَى قَارِعَة الطَّرِيق أَو يضْرب الْخَلَاء عَلَيْهَا أَو يبال فِيهَا . فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وقرة ، وَضعفهمَا مَشْهُور ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : رَفعه غير ثَابت . وَفِي الْمَرَاسِيل لأبي دَاوُد عَن مَكْحُول نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبال بِأَبْوَاب الْمَسَاجِد . وفيهَا أَيْضا عَن أبي مجلز أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر عمر أَن ينْهَى أَن يبال فِي قبْلَة الْمَسْجِد . وَسَيَأْتِي حَدِيث عبد الله بن سرجس فِي النَّهْي عَن الْبَوْل فِي الْجُحر ، حَيْثُ ذكره المُصَنّف ، وَحَدِيث الْبَوْل فِي المَاء الراكد بعد هَذَا . ولنذكر مَا وَقع فِي هَذِه الْأَحَادِيث من إِيضَاح غَرِيب وَضبط لفظ ؛ فَإِنَّهُ مُهِمّ فَنَقُول : الْملَاعن : مَوضِع اللَّعْن ، جمع ملعنة ، فَإِذا مر بِهِ النَّاس لعنُوا فَاعله . واللعانان : هما صاحبا اللَّعْن الَّذِي يلعنهما النَّاس كثيرا . وَمَعْنى رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم اتَّقوا اللاعنين الْأَمْرَانِ الجالبان للعن ؛ لِأَن من فعلهمَا لَعنه النَّاس فِي الْعَادة ، فَلَمَّا صَارا سَبَب اللَّعْن أضيف اللَّعْن إِلَيْهِمَا ، قَالَ الْخطابِيّ : وَقد يكون اللاعن بِمَعْنى الملعون ؛ فالتقدير : اتَّقوا الملعون فاعلهما . وَأما البرَاز ؛ قَالَ الْخطابِيّ : هُوَ بِفَتْح الْبَاء هُنَا ، وَهُوَ الفضاء الْوَاسِع من الأَرْض كنوا بِهِ عَن قَضَاء الْحَاجة كَمَا كنوا عَنهُ بالخلاء ، وَيُقَال : تبرز الرجل إِذا تغوط ، كَمَا يُقَال : تخلى إِذا صَار إِلَى الْخَلَاء . قَالَ : وَأهل الحَدِيث يَرْوُونَهُ : البرَاز - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ غلط ، إِنَّمَا البرَاز - بِالْكَسْرِ - مصدر بارزت برازًا . وَكَذَا قَالَ ابْن بري وتابعهما عَلَى ذَلِك الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : قَالَ غير الْخطابِيّ : الصَّوَاب البرَاز - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ الْغَائِط نَفسه ، كَذَا ذكره أهل اللُّغَة . قَالَ : فَإِذا كَانَ البرَاز - بِالْكَسْرِ - فِي اللُّغَة هُوَ الْغَائِط ، وقد اعْترف الْخطابِيّ بِأَن الروَاة رَوَوْهُ بِالْكَسْرِ ، تعين الْمصير إِلَيْهِ . قَالَ : فَحصل أَن الْمُخْتَار كسر الْبَاء . وَقَالَ نَحوا من هَذَا فِي كِتَابه تَهْذِيب اللُّغَات . وَأما الْمَوَارِد : فَقَالَ الْخطابِيّ : هِيَ طرق المَاء وَاحِدهَا موردة . وَالْمرَاد بالظل : مستظل النَّاس الَّذين اتخذوه مقيلاً ومناخًا ينزلونه ويقعدون تَحْتَهُ ، وَلَيْسَ كل ظلّ يمْنَع قَضَاء الْحَاجة تَحْتَهُ فقد قعد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لِحَاجَتِهِ تَحت حائش النّخل ثَبت ذَلِك فِي صَحِيح مُسلم والحائش ظلّ بِلَا شكّ . وقارعة الطَّرِيق : أَعْلَاهُ . قَالَه الْأَزْهَرِي والجوهري وَغَيرهمَا ، وَقيل : صَدره . وَقيل : مَا برز مِنْهُ . وَكله مُتَقَارب . والسخيمة - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة - : هِيَ الْغَائِط . وضفة النَّهر - بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة - : شاطئه . قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وَجزم الْجَوْهَرِي بِكَسْر الضَّاد ، وَحَكَاهُ مَعَ الْفَتْح ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : والقرع - بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وَالْعين الْمُهْملَة - : الْكلأ الَّذِي فِيهِ قطع لَا نَبَات فِيهِ .
الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار يقبل بِوَاحِد وَيُدبر بِوَاحِد ويحلق بالثالث . هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ تبعا للغزالي فِي وسيطه وَهُوَ تبع الإِمَام إِذْ قَالَ : إِن الصيدلاني ذكره ، وَلَا أعلم من خرجه من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمدَة وَلَا غَيرهَا . وَذكره الشَّيْخ زكي الدَّين فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب وَلم يعزه ، وَقَالَ : لم يذكرهُ الْحَازِمِي . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح : هَذَا الحَدِيث لَا يُعرف ، وَلَا يثبت فِي كتب الحَدِيث . وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدَّين ابْن الفركاح فِي الإقليد : لَا أصل لَهُ ، وَلَا يُعرف فِي كتب الحَدِيث . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف لَا أصل لَهُ . قَالَ : وينكر عَلَى صَاحب الْمُهَذّب حَيْثُ قَالَ : لقَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَعبر عَنهُ بِصِيغَة الْجَزْم مَعَ أَنه حَدِيث مُنكر . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَة : إِنَّه حَدِيث ضَعِيف لَا يُعرف . وَقَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب و الشَّرْح الصَّغِير أَيْضا : هَذَا الحَدِيث ثَابت . وَهُوَ عجب مِنْهُ كَيفَ يُطلق هَذِه الْعبارَة فِي حَدِيث لَا يعرف ؟ ! وَقد سبق بالإنكار عَلَيْهِ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا غلط من الرَّافِعِيّ . قَالَ : وَقَوله : يُحلِّق - بِضَم الْيَاء وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة - أَي : يديره كالحلقة . قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب عقب مقَالَة الرَّافِعِيّ الْمَذْكُورَة : النَّوَوِيّ أقعد مِنْهُ بِالْحَدِيثِ . وَكَأن ابْن الرّفْعَة لم يرَى كَلَام الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند وَلَا كَلَامه فِي أَمَالِيهِ الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة فَمن رَأَى كَلَامه فيهمَا توقف فِي هَذِه القولة توقفًا قويًّا ، وَمَشى الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي كِتَابه عَلَى عَادَة الْفُقَهَاء فِي إِيرَاد الْأَحَادِيث دون عزوها ولَا يُوجب فِيهِ هَذِه القولة . وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أصح الْأَوْجه فِي كَيْفيَّة الِاسْتِنْجَاء ، وَفِيه وَقْفَة ؛ لِأَن من تتمته أَنه يمسح بالثالث الصفحتين والمسربة وَقَوله : ويحلق بالثالث قد يكون المُرَاد بِهِ حَلقَة الدبر فَقَط ، وَهِي المسربة كَمَا حَكَاهُ صَاحب الْمُهَذّب . وَأما الْمَاوَرْدِيّ فَإِنَّهُ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث للْوَجْه الثَّانِي ، وَهُوَ قَول أبي إِسْحَاق : أَن حجرا للصفحة الْيُمْنَى وحجرًا للصفحة الْيُسْرَى وحجرًا للوسط . فقد وَقع نزاع فِي مَعْنَى الحَدِيث عَلَى تَقْدِير مَعْرفَته .
الحَدِيث السَّابِع عَن جَابر - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : نَهَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستقبل الْقبْلَة بفروجنا ، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام مُسْتَقْبل الْقبْلَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وخلافياته وَفِي لفظ بَعضهم زِيَادَة : أَو تستدبر بعد وَأَن نستقبل الْقبْلَة . وَلَفظ ابْن حبَان كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينهانا أَن نستقبل الْقبْلَة ونستدبرها بفروجنا إِذا أهرقنا المَاء ، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام يَبُول مُسْتَقْبل الْقبْلَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الخلافيات : قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : حَدِيث صَحِيح . وَكَذَا نقل هَذِه الْمقَالة عَن البُخَارِيّ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام ، وَقَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم يرْوَى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد . وَذكره ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَفِي كَونه عَلَى شَرطه نظر ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده : ابْن إِسْحَاق ، وَلم يحْتَج بِهِ مُسلم إِنَّمَا أخرج لَهُ مُتَابعَة ، وَقَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن أبان ، وَابْن إِسْحَاق مُدَلّس ، والمدلس إِذا قَالَ : عَن لَا يحْتَج بِهِ ، فَكيف حسنه التِّرْمِذِيّ ؟ ! وَأجَاب عَن هَذَا بِأَن قَالَ : لَعَلَّه اعتضدا وَعلم أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بطرِيق آخر أَن ابْن إِسْحَاق سَمعه من أبان . قلت : زَالَ هَذَا الْإِشْكَال والتَّمَنِّي بِأَن أَحْمد فِي الْمسند ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ قَالُوا كلهم فِي روايتهم لهَذَا الحَدِيث : عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، حَدثنِي أبان فارتفعت وصمة التَّدْلِيس . وَزعم ابْن عبد الْبر أَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح ؛ لضعف أبان بن صَالح ، وَهَذَا تَعْلِيل سَاقِط ؛ فَإِن أبان هَذَا لم يُضعفهُ أحد ، وَهُوَ أبان بن صَالح بن عُمَيْر الْقرشِي مَوْلَاهُم أَبُو بكر الْمدنِي ، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي التَّهْذِيب : أخرج لَهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَأَبُو حَاتِم ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَثَّقَهُ المزكون يَحْيَى بن معِين ، وَأَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم الرازيان . وَقَالَ ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم - : لم يجرح أَبَانَا هَذَا أحد فِيمَا أعلم . وَفِي هَذَا رد عَلَى قَول أبي مُحَمَّد بن حزم أَيْضا حَيْثُ قَالَ : أبان هَذَا لَيْسَ بالمشهور . قلت : فتلخص من هَذَا كُله أَن الحَدِيث صَحِيح مَعْمُول بِهِ ، وَأما قَول ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم - : إِن الحَدِيث غير صَحِيح ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق ، وَلَيْسَ هُوَ عندنَا مِمَّن يحْتَج بحَديثه . فَلَا يقبل مِنْهُ ؛ لِأَن الْمَحْذُور الَّذِي يخَاف من ابْن إِسْحَاق زَالَ فِي هَذَا الحَدِيث .
الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : حجرا للصفحة الْيُمْنَى ، وحجرًا للصفحة الْيُسْرَى ، وحجرًا للوسط . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا ، و الْعقيلِيّ فِي الضُّعَفَاء من رِوَايَة أُبي بن الْعَبَّاس بن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن جده - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الاستطابة فَقَالَ : أَو لَا يجد أحدكُم ثَلَاثَة أَحْجَار حجرين للصفحتين وحجرًا للمسربة ؟ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ : إِسْنَاده حسن . وَقَالَ الْحَازِمِي : لَا يرْوَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا من هَذَا الْوَجْه . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب و الشَّرْح الصَّغِير : إِنَّه حَدِيث ثَابت . وَخَالف الْعقيلِيّ ؛ فَقَالَ : رَوَى الِاسْتِنْجَاء بِثَلَاثَة أَحْجَار عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جمَاعَة : مِنْهُم : أَبُو هُرَيْرَة ، وسلمان ، وَخُزَيْمَة بن ثَابت ، وَعَائِشَة ، والسائب بن خَلاد الْجُهَنِيّ ، وَأَبُو أَيُّوب ، لم يَأْتِ أحد مِنْهُم بِهَذَا ، ولأُبي أَحَادِيث لَا يُتَابع مِنْهَا عَلَى شَيْء ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : هُوَ ضَعِيف . قلت : وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : هُوَ مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ والدولابي : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . قَالَ الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْمِيزَان : وأُبي هَذَا وَإِن لم يكن بالثبت فَهُوَ حسن بِالْحَدِيثِ . وَاعْلَم أَنه وَقع فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَولا يجد أحدكُم حجرين وحجرًا بِالنّصب كَمَا قدمْنَاهُ وَوَقع فِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق حجران وَحجر بِالرَّفْع . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ : وَكِلَاهُمَا صَحِيح وَالْأول عَلَى الْبَدَل من ثَلَاثَة ، وَالثَّانِي عَلَى الِابْتِدَاء . قلت : وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مرّة أَيْضا كَمَا ذكره الشَّيْخ وَهَذَا لَفظه حجران للصفحتين وَحجر للمسربة . وَقَالَ فِي الأول : كَذَا قَالَ فِي كِتَابه . رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخ الضُّعَفَاء أَيْضا كَمَا أوردهُ الشَّيْخ فِي الْمُهَذّب وَهَذَا لَفظه أَولا يَكْتَفِي أحدكُم بِثَلَاثَة أَحْجَار حجران للصفحتين وَحجر للمسربة وَقد جَاءَ الْقُرْآن أَيْضا بِالْوَجْهَيْنِ فالبدل فِي مَوَاضِع كَثِيرَة ، كَقَوْلِه تَعَالَى : ( إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) والابتداء فِي قَوْله تَعَالَى : ( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ ) . والمسربة هُنَا : مجْرى الْغَائِط وَهُوَ مَأْخُوذ من سرب المَاء ، قَالَه ابْن الْأَثِير وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيرهمَا قَالَ ابْن الْأَثِير : وَهُوَ بِضَم الرَّاء وَفتحهَا . تَنْبِيه : هَذَا الحَدِيث احْتج بِهِ الإِمَام الرَّافِعِيّ ؛ لقَوْل أبي إِسْحَاق : أَن حجرا للصفحة الْيُمْنَى ، وحجرًا لليسرى ، وحجرًا للوسط وَالْمَاوَرْدِيّ من أَصْحَابنَا احْتج بِهِ للراجح ، وَهُوَ الْوَجْه الأول الَّذِي احْتج لَهُ الرَّافِعِيّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي قبل هَذَا ، وَكِلَاهُمَا مُحْتَمل ؛ فَإِنَّهُ لما قَالَ : حجران للصفحتين . احْتمل أَن يكون الْمَعْنى حجرا للصفحة وحجرًا لِلْأُخْرَى ، وَاحْتمل أَن يكون الْمَعْنى كل وَاحِد مِنْهُمَا للصفحتين . وَابْن الصّلاح وَافق المارودي حَيْثُ قَالَ فِي مُشكل الْوَسِيط : قَوْله : حجران للصفحتين . مَعْنَاهُ : كل وَاحِد مِنْهُمَا للصفحتين .
الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ عَن عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - قَالَت : كَانَت يَد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْيُمْنَى لطهوره وَطَعَامه ، وَكَانَت الْيُسْرَى لخلائه وَمَا كَانَ من أَذَى . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، ورَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ : كَانَ يفرغ يَمِينه لطعامه وَحَاجته ، ويفرغ شِمَاله للاستنجاء وَمَا هُنَالك . قَالَ الدوري : قَالَ ابْن معِين : لم يسمع إِبْرَاهِيم من عَائِشَة ، ومراسيله صَحِيحَة إِلَّا حَدِيث تَاجر الْبَحْرين . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي مراسيله : ثَنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْبَراء قَالَ : قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لم يلق أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت لَهُ : فعائشة ؟ قَالَ : هَذَا لم يروه غير سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن أبي معشر ، عَن إِبْرَاهِيم ، وَهُوَ ضَعِيف . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : وَقُرِئَ عَلَى الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري ، قَالَ : سَمِعت يَحْيَى بن معِين يَقُول : إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أُدخل عَلَى عَائِشَة - أَظن يَحْيَى قَالَ : وَهُوَ صبي - قَالَ ابْن أبي حَاتِم : وَسمعت أبي يَقُول : لم يلق إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا عَائِشَة ، وَلم يسمع مِنْهَا شَيْئا ؛ فَإِنَّهُ دخل عَلَيْهَا وَهُوَ صَغِير . وَكَذَا نَص غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى انْقِطَاع هَذَا الحَدِيث ، مِنْهُم : الْحَازِمِي ، وَالشَّيْخ زكي الدَّين ، وَالنَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى أبي دَاوُد ، وَإِن كَانَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب لم يذكرهُ ؛ بل قَالَ : رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح . وَلما أخرج أَبُو دَاوُد هَذَا الحَدِيث قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بن حَاتِم بن بزيع ، نَا عبد الْوَهَّاب بن عَطاء ، عَن سعيد ، عَن أبي معشر ، عَن إِبْرَاهِيم ، عَن الْأسود ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِمَعْنَاهُ . فاتصل الحَدِيث من هَذَا الْوَجْه وَظهر الْوَاسِطَة بَين إِبْرَاهِيم وَعَائِشَة ، وَقَالَ الْحَازِمِي : هَذَا حَدِيث مُتَّصِل عَلَى شَرط أبي دَاوُد ، حسن من هَذَا الْوَجْه . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي اللبَاس من حَدِيث مَسْرُوق ، عَن عَائِشَة ، وَمن هَذِه الطَّرِيقَة أخرجه الشَّيْخَانِ وَبَاقِي السّنَن ، وَقد تقدم فِي بَاب الْوضُوء ، وَهُوَ الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُ وَمِمَّا يعضد حَدِيث عَائِشَة الَّذِي فِيهِ الِانْقِطَاع حَدِيث حَفْصَة - رَضي اللهُ عَنها - قَالَت : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَجْعَل يَمِينه لطعامه وَشَرَابه وثيابه ، وَيجْعَل شِمَاله لما سُوَى ذَلِك . أخرجه أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم .
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تستقبلوا الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَكِن شرقوا أَو غربوا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها ببول وَلَا غَائِط ، وَلَكِن شرقوا أَو غربوا قَالَ أَبُو أَيُّوب : فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت قبل الْقبْلَة فننحرف عَنْهَا ، ونستغفر الله - عَزَّ وجَلَّ .
الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ عَن أبي قَتَادَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا بَال أحدكُم فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم ، فَلفظ البُخَارِيّ : إِذا شرب أحدكُم فَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء ، وَإِذا أَتَى الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ ، وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ . وَلَفظ مُسلم : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يتنفس فِي الْإِنَاء ، وَأَن يمس ذكره بِيَمِينِهِ ، وَأَن يَسْتَطِيب بِيَمِينِهِ . وَفِي رِوَايَة : لَا يمس أحدكُم ذكره بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُول ، وَلَا يتمسح من الْخَلَاء بِيَمِينِهِ ، وَلَا يتنفس فِي الْإِنَاء . وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِذا دخل أحدكُم الْخَلَاء فَلَا يمس ذكره بِيَمِينِهِ . قَالَ ابْن مَنْدَه : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مجمع عَلَى صِحَّته . وَهُوَ كَمَا قَالَ .
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها بغائط وَلَا بَوْل . هَذا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْأُم ومُسْنده من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء بِإِسْنَاد صَحِيح . وَرَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بِمَعْنَاهُ دون قَوْله : بغائط وَلَا بَوْل . وَرَوَى هَذَا الحَدِيث لغابط - بِاللَّامِ وبالباء - وَكِلَاهُمَا صَحِيح .
الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ إِن الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَثْنَى عَلَى أهل قبَاء - وَكَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء والْأَحْجَار - فَقَالَ تَعَالَى : ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده فَقَالَ : نَا عبد الله بن شبيب ، ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ : وجدت فِي كتاب أبي عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) فَسَأَلَهُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : إِنَّا نُتبع الْحِجَارَة المَاء . قَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ، وَلَا نعلم أحدا رَوَى عَنهُ إِلَّا ابْنه . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام بعد ذكر مَا تقدم : قَالَ ابْن أبي حَاتِم : قَالَ أبي : ثَلَاثَة إخْوَة ضعفاء : مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز هَذَا ، وَعبد الله بن عبد الْعَزِيز ، وَعمْرَان بن عبد الْعَزِيز ، وَلَيْسَ لَهُم حَدِيث مُسْتَقِيم . قَالَ الشَّيْخ : وَرَوَى أَبُو الْحسن الصفار فِي مُسْنده من حَدِيث زَائِدَة ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ : قَالَ عَلّي بن أبي طَالب : إِنَّهُم كَانُوا يبعرون بعرًا وَأَنْتُم تثلطون ثلطًا ، فأتبعوا الْحِجَارَة بِالْمَاءِ . قَالَ : وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا فِي جمعه لحَدِيث مسعر . قلت : وَأخرج هَذَا الْبَيْهَقِيّ من جِهَة الصفار ثمَّ قَالَ : تَابعه مسعر عَن عبد الْملك ، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق من حَدِيث الثَّوْريّ ، عَن عبد الْملك . وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ : اخْتلف فِيهِ ، فَقيل كَمَا مر ، وَقيل : عَن زَائِدَة ، عَن عبد الْملك ، عَن كرْدُوس ، عَن عَلّي . وَقيل : عَن جرير ، عَن عبد الْملك ، عَن رجل عَن عَلّي . وَقيل : عَن السّديّ ، عَن عبد خير . وَلَا يثبت فِي هَذَا عبد خير . ثمَّ سَاقه من حَدِيث سُفْيَان ، عَن عبد الْملك ، عَن عَلّي . قَالَ الشَّيْخ : وَيُقَال : بعَر الْبَعِير يبعَر - بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي والمستقبل - وثَلَط - بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام أَيْضا - يثلِط - بِكَسْر اللَّام فِي الْمُسْتَقْبل - إِذا ألْقَى بعره رَقِيقا . انْتَهَى . فرواية الْبَزَّار هَذِه مُوَافقَة لما أوردهُ الإِمَام الرَّافِعِيّ وَغَيره من الْفُقَهَاء ، وَقد ورد قَرِيبا من ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث : أَحدهَا : عَن يُونُس بن الْحَارِث ، عَن إِبْرَاهِيم بن أبي مَيْمُونَة ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) الْآيَة ، وَكَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ ، فَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه . وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِي إِسْنَاده رجلَانِ مُتَكَلم فيهمَا : أَحدهمَا : يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي ، قَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه مضطربة وَضَعفه . وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ يَحْيَى : لَا شَيْء . وَقَالَ فِي رِوَايَة : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، وَيكْتب حَدِيثه . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : عِنْدِي أَنه لم تثبت عَدَالَته ، وَلَيْسَ لَهُ من الحَدِيث إِلَّا الْيَسِير . قَالَه ابْن عدي ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عَن الْأَكْثَرين تَضْعِيفه . الثَّانِي : إِبْرَاهِيم بن أبي مَيْمُونَة، قَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ مَجْهُول لَا يعرف رَوَى عَنهُ غير يُونُس بن الْحَارِث قَالَ : وَالْجهل بِحَالهِ كَاف فِي تَعْلِيل الْخَبَر الْمَذْكُور . قلت : إِبْرَاهِيم هَذَا ذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي كتاب التَّهْذِيب وَقَالَ : رَوَى عَن أبي صَالح السمان ، رَوَى عَنهُ يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي ، وَلم يعقبه بِجرح ولا تعديل ، وَمَشى عَلَى ذَلِك تِلْمِيذه الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي كِتَابيه التذهيب و الكاشف وَقَالَ فِي الكاشف و الْمِيزَان : مَا نعلم رَوَى عَنهُ سُوَى يُونُس هَذَا . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : فِيهِ جَهَالَة . وَاعْترض صَاحب الإِمَام عَلَى ابْن الْقطَّان فِي دَعْوَاهُ جهالته بِأَن قَالَ : إِبْرَاهِيم هَذَا ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي ثقاته فِي أَتبَاع التَّابِعين ، وَقَالَ : يروي عَن أبي صَالح عَن ابْن عمر ، رَوَى عَنهُ يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي ، وَهُوَ الَّذِي يروي عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : نزلت هَذِه الْآيَة : ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ ، فَنزلت هَذِه الْآيَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخ ، وَقد رَأَيْته بعد ذَلِك فِيهِ ، وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ فِي علله : يرويهِ شهر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مُتَّصِلا مرّة ، وَأُخْرَى مُرْسلا ، وَمرَّة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام عَن أَبِيه مَرْفُوعا ، وأرسله غَيره . الحَدِيث الثَّانِي : عَن عُويم - بِضَم الْعين الْمُهْملَة ثمَّ وَاو ثمَّ يَاء مثناة تَحت ثمَّ مِيم - ابْن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ العقبي البدري - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَاهُم فِي مَسْجِد قبَاء فَقَالَ : إِن الله قد أحسن عَلَيْكُم الثَّنَاء فِي الطّهُور ، فَمَا هَذَا الطّهُور الَّذِي تطهرون بِهِ ؟ قَالُوا : وَالله يَا رَسُول الله مَا نعلم شَيْئا إِلَّا أَنه كَانَ لنا جيران من الْيَهُود وكَانُوا يغسلون أدبارهم من الْغَائِط فغسلنا كَمَا يغسلوا . رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَقَالَ : إِسْنَاده صَحِيح . وَعَزاهُ أَيْضا الْمَقْدِسِي فِي أَحْكَامه وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام وَغَيرهمَا إِلَى صَحِيح ابْن خُزَيْمَة أَيْضا ، ورأيته بعد ذَلِك فِيهِ ، وَفِي صِحَّته عِنْدِي وَقْفَة ؛ لِأَن فِي سَنَده : شُرَحْبِيل بن سعد الرَّاوِي عَن عويم ، قَالَ ابْن أبي ذِئْب : كَانَ مُتَّهمًا . وَقَالَ مَالك : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ ابْن معِين ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ ذكره فِي الثِّقَات . الحَدِيث الثَّالِث : عَن عتبَة بن أبي حَكِيم ، حَدثنِي طَلْحَة بن نَافِع ، أَخْبرنِي أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ، وَجَابِر بن عبد الله ، وَأنس بن مَالك - رَضي اللهُ عَنهم - أَن هَذِه الْآيَة نزلت ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا معشر الْأَنْصَار ، قد أَثْنَى الله عَلَيْكُم فِي الطّهُور ، فَمَا طهوركم ؟ قَالُوا : نَتَوَضَّأ للصَّلَاة ، ونغتسل من الْجَنَابَة ، ونستنجي بِالْمَاءِ . قَالَ : فَهُوَ ذَاك ، فعليكموه . رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بالسند الْمَذْكُور ، وَلَفظه : يَا معشر الْأَنْصَار ، إِن الله قد أَثْنَى عَلَيْكُم خيرا فِي الطّهُور ؛ فَمَا طهوركم هَذَا ؟ قَالُوا : يَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نَتَوَضَّأ للصَّلَاة ، ونغتسل من الْجَنَابَة . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل مَعَ ذَلِك غَيره ؟ قَالُوا : لَا ، غير أَن أَحَدنَا إِذا خرج من الْغَائِط أحب أَن يستنجي بِالْمَاءِ . قَالَ : هُوَ ذَاك . وَعتبَة بن أبي حَكِيم مُخْتَلف فِي توثيقه ، ضعفه ابْن معِين فِي أحد قوليه ، وَلينه أَحْمد وَضَعفه النَّسَائِيّ فَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ مرّة : ضَعِيف . وَفِي الْمُغنِي للذهبي عَنهُ أَنه قَالَ فِي حَقه : لَا بَأْس بِهِ . وَلم ينْقل هَذَا فِي مِيزَانه وَإِنَّمَا نقل عَنهُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمين ، وَقَالَ السَّعْدِيّ : غير مَحْمُود فِي الحَدِيث . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْوتر : غير قوي . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح . وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَلم يبين من ضعفه سَبَب ضعفه ، وَالْجرْح لَا يُقبل إِلَّا مُفَسرًا . وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عَن الْجُمْهُور توثيقه ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك : هَذَا حَدِيث كَبِير صَحِيح فِي كتاب الطَّهَارَة ؛ فَإِن مُحَمَّد بن شُعَيْب بن شَابُور - يَعْنِي : الَّذِي رَوَاهُ عَن عتبَة وَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة - وَعتبَة بن أبي حَكِيم من أَئِمَّة الشَّام ، والشيخان إِنَّمَا أخذا مخ الرِّوَايَات ، وَمثل هَذَا الحَدِيث لَا يتْرك لَهُ ، قَالَ إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب : مُحَمَّد بن شُعَيْب أعرف النَّاس بِحَدِيث الشاميين . قَالَ الْحَاكِم : وَلِهَذَا الحَدِيث شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح . فَذكر حَدِيث عويم الَّذِي قدمْنَاهُ ، وَذكره ابْن السكن أَيْضا فِي صحاحه . الحَدِيث الرَّابِع : عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : لما نزلت ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى عويم بن سَاعِدَة فَقَالَ : مَا هَذَا الطُّهْر الَّذِي أَثْنَى الله عَلَيْكُم بِهِ ؟ فَقَالَ : يَا نَبِي الله ، مَا خرج منا رجل وَلَا امْرَأَة من الْغَائِط إِلَّا غسل دبره - أَو قَالَ : مقعدته - فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَفِي هَذَا . رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك بِهَذَا اللَّفْظ ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قلت : فِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق وعنعنه ، لَكِن قَالَ الْحَاكِم : لَهُ شَاهد من حَدِيث أبي أَيُّوب . فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُول الله ، من هَؤُلَاءِ الَّذين قيل فيهم : ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) ؟ قَالَ : كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ وَكَانُوا لَا ينامون اللَّيْل كُله . الحَدِيث الْخَامِس : عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام قَالَ : لما قدم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علينا - يَعْنِي : قبَاء - قَالَ : إِن الله قد أَثْنَى عَلَيْكُم فِي الطّهُور خيرا ؛ أَفلا تخبروني ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، إِنَّا نجد مَكْتُوبًا علينا فِي التَّوْرَاة : الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ . رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، وَأحمد فِي مسنديهما عَن يَحْيَى بن آدم ، ثَنَا مَالك بن مغول ، سَمِعت سيارًا أَبَا الحكم غير مرّة يحدث عَن شهر بن حَوْشَب ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام بِهِ ، وَرَوَاهُ ابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة بِهِ عَن سعيد بن عبدويه الصفار ، نَا أَبُو همام ، نَا عَنْبَسَة بن عبد الْوَاحِد ، عَن مَالك بن مغول ، عَن سيار أبي الحكم ، عَن شهر بن حَوْشَب ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام قَالَ : لما قدم علينا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْمَدِينَة قَالَ : إِن الله - عَزَّ وجَلَّ - قد أَثْنَى عَلَيْكُم فِي الطّهُور ، أَفلا تخبروني ؟ قَالُوا : نجده مَكْتُوبًا عندنَا فِي التَّوْرَاة : الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ . وَرَوَاهُ بَعضهم عَن عبد الله بن سَلام ، عَن أَبِيه ، وَذكر أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك وَاضحا ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : وَهُوَ مُخْتَلف فِي إِسْنَاده ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول : الصَّحِيح عندنَا : مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام فَقَط ، لَيْسَ فِيهِ : عَن أَبِيه . قلت : وَكَذَا أخرجه ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح ، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة : وهم فِي هَذَا الحَدِيث جَعْفَر بن عبد الله السالمي ؛ فَرَوَاهُ عَن الرّبيع بن بدر ، عَن رَاشد الْحمانِي ، عَن ثَابت الْبنانِيّ ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي بن سلول قَالَ : أَتَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا معشر الْأَنْصَار ، إِن الله قد أحسن عَلَيْكُم الثَّنَاء فِي الطّهُور فَكيف تَصْنَعُونَ ؟ فَذكر الحَدِيث وَصَوَابه مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف لعبد الله بن أبي بن سلول ابْن اسْمه مُحَمَّد . قلت : وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث شهر بن حَوْشَب ، عَن أبي أُمَامَة ، فَهَذَا طَرِيق سادس ، وإمامنا الشَّافِعِي ذكره فِي الْأُم بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ : وَيُقَال : إِن قوما من الْأَنْصَار استنجوا بِالْمَاءِ ، فَنزلت فيهم ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) . تَنْبِيه : اعْلَم أَن الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب عِنْد قَول الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وَالْأَفْضَل أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر ؛ لِأَن الله - تَعَالَى - أَثْنَى عَلَى أهل قبَاء ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) فَسَأَلَهُمْ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا طهوركم ؟ فَقَالُوا : نتبع الْحِجَارَة المَاء : هَكَذَا يَقُوله أَصْحَابنَا وَغَيرهم فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير . قَالَ : وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي كتب الحَدِيث . قَالَ : وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي التَّعْلِيق : إِن أَصْحَابنَا رَوَوْهُ . قَالَ : ولَا أعرفهُ . قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمَعْرُوف من طرق الحَدِيث أَنهم كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنهم كَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء والأحجار ، ثمَّ ذكر من الْأَحَادِيث الَّتِي قدمناها حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وعويم ، وَأبي أَيُّوب ، ثمَّ قَالَ : فَإِذا علم أَنه لَيْسَ لَهُ أصل من جِهَة الرِّوَايَة فَيمكن تَصْحِيحه من جِهَة الاستنباط ؛ لِأَن الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم وَأما الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ فَهُوَ الَّذِي انفردوا بِهِ وَلِهَذَا ذكر ، وَلم يذكر الْحجر ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرك بَينهم وَبَين غَيرهم ، ولكونه مَعْلُوما ؛ فَإِن الْمَقْصُود بَيَان فَضلهمْ الَّذِي أَثْنَى الله عَلَيْهِم بِسَبَبِهِ . قَالَ : يُؤَيّد هَذَا قَوْلهم : إِذا خرج أَحَدنَا من الْغَائِط أحب أَن يستنجي بِالْمَاءِ فَهَذَا يدل عَلَى أَن استنجاءهم بالماء كان بعد خُرُوجهمْ من الْخَلَاء ، وَالْعَادَة جَارِيَة بِأَنَّهُ لَا يخرج من الْخَلَاء إِلَّا بعد الْمسْح بِمَاء أَو حجر ، وَهَكَذَا يسْتَحبّ أَن يستنجى بِالْحجرِ فِي مَوضِع قَضَاء الْحَاجة وَيُؤَخر المَاء إِلَى أَن ينْتَقل إِلَى مَوضِع آخر . هَذَا آخر كَلَام النَّوَوِيّ . وَكَذَا قَالَ فِي غَيره من كتبه أَن الَّذِي اشْتهر فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير من جمع أهل قبَاء بَين المَاء والأحجار بَاطِل لَا يُعرف . وَتَبعهُ الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي الْمطلب فَقَالَ : لَا يُوجد هَذَا فِي كتب الحَدِيث . وَقد تيَسّر - بِحَمْد الله وَمِنْه - إِخْرَاج الطَّرِيقَة الَّتِي أنكرها ، وَادَّعَى عدم أصالتها فِي كتب الحَدِيث وَأَنَّهَا لَا تلقى فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير ، وَلَعَلَّه قلد فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبَا حَامِد فِي قولته الْمُتَقَدّمَة ، لَكِن أَبُو حَامِد لم ينف وجوده ، وَإِنَّمَا نَفَى مَعْرفَته ، وَلَا يلْزم من نفي الْمعرفَة نفي الْوُجُود ، وَقَرِيب مِمَّا ذكره النَّوَوِيّ قَول الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ فِي شَرحه للتّنْبِيه : كَذَا رَوَاهُ الْفُقَهَاء ، وَالْمَشْهُور فِي كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة خِلَافه . وقد قدمناها نَحن لَك فِي أول مَا ذكر الرَّافِعِيّ ذَلِك عَن مُسْند الْبَزَّار تَصْرِيحًا لَا يحْتَمل تأولاً ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد هُوَ أول مُفِيد لذَلِك فَإِنَّهُ ذكره كَذَلِك فِي كتاب الإِمَام الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي بَابه ، وَالنَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعْذُور فِي ذَلِك فَإِنَّهَا طَريقَة غَرِيبَة عزيزة فِي خبايا وزوايا ، فَافْهَم مَا أوضحناه لَك ؛ فَإِنَّهُ مُهِمّ عَظِيم ، لَو طعنت فِيهِ أكباد الْإِبِل لَكَانَ قَلِيلا .
خَاتِمَة لَا يَنْبَغِي إهمالها وَهِي : مَا يُقَال عِنْد دُخُول الْخَلَاء وَالْخُرُوج مِنْهُ ، وَالْعجب أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ أهمل ذَلِك وَذكره الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه نعم ذكره فِي الشَّرْح الصَّغِير و الْمُحَرر وَقد ورد فِي ذَلِك عدَّة أَحَادِيث : أَحدهَا عَن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا دخل الْخَلَاء قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث . رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَمُسلم ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ تَعْلِيقا : إِذا أَرَادَ أَن يدْخل وَفِي رِوَايَة لمُسلم : أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث ، وَفِي رِوَايَة لسَعِيد بن مَنْصُور ، وَأبي حَاتِم ، وَابْن السكن فِي صحاحه : بِسم الله ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث . والخُبُث - بِضَم الْخَاء وَالْبَاء وَيجوز إسكانها - جمع خَبِيث ، والخبائث جمع خبيثة ، وَكَأَنَّهُ استعاذ من ذكران الشَّيَاطِين وإناثهم ، وَغلط الْخطابِيّ من أجَاز إسكان الْبَاء فِي الْخبث ، وَلَيْسَ كَذَلِك ؛ لِأَن فُعُلا - بِضَم الْفَاء وَالْعين - يسكن عينه قِيَاسا ، فَلَعَلَّ من سكنها جوز ذَلِك ، لَا جرم أَن أَبَا الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ قَالَ : رَوَيْنَاهُ بِالضَّمِّ والإسكان . الحَدِيث الثَّانِي : عَن زيد بن أَرقم - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِن هَذِه الحشوش محتضرة ؛ فَإِذا أَتَى أحدكُم الْخَلَاء فَلْيقل : أعوذ بِاللَّه من الْخبث والخبائث . رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : فِي إسناده اضْطِرَاب ، وَسَأَلَ البُخَارِيّ عَنهُ فَقَالَ : لَعَلَّ قَتَادَة سَمعه من الْقَاسِم بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ وَالنضْر بن أنس ، عَن أنس وَلم يقْض فِي هَذَا بِشَيْء . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار : اخْتلفُوا فِي إِسْنَاده . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : قَالَ أَبُو زرْعَة : هَذَا الحَدِيث اخْتلفُوا فِي إِسْنَاده . وَقَالَ عبد الْحق : اخْتلف فِي إِسْنَاده ، وَالَّذِي أسْندهُ ثِقَة . قلت : فِي هَذِه الْعبارَة نظر ؛ لِأَنَّهُ لم يرم بِالْإِرْسَال حَتَّى يكون الحكم لمن أسْندهُ ، إِنَّمَا رمي بِالِاضْطِرَابِ عَن قَتَادَة ، وَقد صَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم ؛ فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلَفظ ابْن حبَان كَلَفْظِ أَحْمد : فَإِذا أَرَادَ أحدكُم أَن يدْخل الحَدِيث ، وَكَذَا أخرجه أَحْمد ، قَالَ ابْن حبَان : وَهَذَا حَدِيث مَشْهُور عَن شُعْبَة وَسَعِيد جَمِيعًا ، وَهُوَ مِمَّا تفرد بِهِ قَتَادَة . ثمَّ أخرجه من طَرِيق آخر ، وَلَفظه : فَإِذا دَخلهَا أحدكُم فَلْيقل : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك الحَدِيث ، وَلَفظ الْحَاكِم من طَرِيق عَمْرو بن مَرْزُوق ، عَن شُعْبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن النَّضر بن أنس : إِن هَذِه الحشوش محتضرة ؛ فَإِذا أحدكُم دخل الْغَائِط فَلْيقل : أعوذ بِاللَّه من الرجس النَّجس من الشَّيْطَان الرَّجِيم . قَالَ الْحَاكِم : قد احْتج مُسلم بِحَدِيث لِقَتَادَة ، عَن النَّضر بن أنس ، عَن زيد بن أَرقم وَاحْتج البُخَارِيّ بِعَمْرو بن مَرْزُوق ، وَهَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِيهِ عَلَى قَتَادَة ، رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن الْقَاسِم بن عَوْف الشَّيْبَانِيّ ، عَن زيد بن أَرقم - رَفعه - : إِن هَذِه الحشوش محتضرة ؛ فَإِذا أحدكُم دَخلهَا فَلْيقل : أعوذ بك من الْخبث والخبائث ثمَّ قَالَ : كلا الإسنادين من شَرط الصَّحِيح ، وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ . الحَدِيث الثَّالِث : عَن أبي أُمَامَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا يعجز أحدكُم إِذا دخل مرفقه أَن يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الرجس النَّجس الْخَبيث المخبث الشَّيْطَان الرَّجِيم . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عبيد الله بن زحر الأفريقي - وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ وَله مَنَاكِير ، ضعفه أَحْمد ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا بَأْس بِهِ - عَن عَلّي بن يزِيد - وَهُوَ الْأَلْهَانِي وَقد ضعفه جمَاعَة - عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أبي أُمَامَة . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن الْحسن أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا أَرَادَ دُخُول الْخَلَاء قَالَ : فَذكره بِمثلِهِ سَوَاء . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : والرجس - بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْجِيم - وَالنَّجس - بِكَسْر النُّون وَإِسْكَان الْجِيم - إتباعًا للرجس . الحَدِيث الرَّابِع : عَن عَلّي - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ستر مَا بَين أعين الْجِنّ وعورات بني آدم إِذا دخل الكنيف أَن يَقُول : بِسم الله . رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ . الحَدِيث الْخَامِس : عَن عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - قَالَت : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا خرج من الْغَائِط قَالَ : غفرانك . رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب . قلت : وصحيح ؛ فقد صَححهُ ابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، وَالْحَاكِم ، وَلَفظ إِحْدَى روايتيه : كَانَ إِذا قَامَ من الْغَائِط بدل : إِذا خرج زَاد ابْن خُزَيْمَة غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الزِّيَادَة لم أَجدهَا إِلَّا فِي رِوَايَته وَهُوَ إِمَام وَقد رَأَيْته فِي نُسْخَة قديمَة من كِتَابه وَلم أجد هَذِه الزِّيَادَة ، ثمَّ ألحقت فِي الْحَاشِيَة بِخَط آخر ، فالأشبه أَن تكون مُلْحقَة بكتابه من غير علمه . قَالَ : وَقد أخبرنَا الصَّابُونِي ، عَن مُحَمَّد بن الْفضل بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ابن خُزَيْمَة ، نَا جدي فَذكره بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة . وَقَالَ : فصح بذلك بطلَان هَذِه الزِّيَادَة فِي الحَدِيث . قلت : وَلم أرها أَنا أَيْضا فِي نُسْخَة أَصْلِيَّة مِنْهُ ، فتأيد مَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ . قَالَ التِّرْمِذِيّ - بعد إِخْرَاجه هَذَا الحَدِيث وَحكمه عَلَيْهِ بالْحسنِ والغرابة - : لَا نَعْرِف فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا حَدِيث عَائِشَة . قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي مُخْتَصر السّنَن : وَفِي الْبَاب حَدِيث أبي ذَر - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ : الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني . قلت : أخرجه النَّسَائِيّ فِي عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة من حَدِيث أبي الْفَيْض عَنهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيّ : وَقد قيل إِن أَبَا الْفَيْض لم يدْرك أَبَا ذَر . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله وَقَالَ : وَقفه عَلَى أبي ذَر أصح . كَمَا سَيَأْتِي ، وَحَدِيث أنس بن مَالك عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مثله ، وَفِي لفظ : الْحَمد لله الَّذِي أحسن إليَّ فِي أَوله وَآخره - وَفِي اللَّفْظ الأول : أخرجه ابْن مَاجَه - وَحَدِيث عبد الله بن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَعْنِي : كَانَ إِذا خرج - قَالَ : الْحَمد لله الَّذِي أذاقني لذته وَأَبْقَى مِنْهُ قوته ، وأذهب عني أَذَاهُ قَالَ : غير أَن هَذِه الْأَحَادِيث أسانيدها ضَعِيفَة ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : أصح مَا فِيهِ حَدِيث عَائِشَة . قلت : وَفِي الْبَاب أَيْضا مِمَّا لم يذكر حديثان : أَحدهمَا : حَدِيث طَاوس ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث زَمعَة بن صَالح ، عَن سَلمَة بن وهرام قَالَ : سَمِعت طاوسًا قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا أَتَى أحدكُم البرَاز فَليُكرم قبْلَة الله ؛ فَلَا تستقبلوها وَلَا تستدبروها ، ثمَّ ليستطب بِثَلَاثَة أَحْجَار ، أَو ثَلَاثَة أَعْوَاد ، أَو ثَلَاثَة حثيات من تُرَاب ، ثمَّ ليقل : الْحَمد لله الَّذِي أخرج عني مَا يُؤْذِينِي ، وَأمْسك عَلّي مَا يَنْفَعنِي ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر بِذكر ابْن عَبَّاس فِيهِ فَقَالَ : ثَنَا عبد الْبَاقِي بن قَانِع ، نَا أَحْمد بن الْحسن المضري ، أَنا أَبُو عَاصِم أَنا زَمعَة بن صَالح ، عَن سَلمَة بن وهرام ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا : إِذا قَضَى أحدكُم حَاجته فليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار ، أَو ثَلَاثَة أَعُود ، أَو ثَلَاث حثيات من تُرَاب . قَالَ زَمعَة : فَحدثت بِهِ ابْن طَاوس فَقَالَ : أَخْبرنِي أبي عَن ابْن عَبَّاس بِهَذَا سَوَاء . زَمعَة أخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا ، وَضَعفه أَحْمد ، وَابْن معِين وَقَالَ مرّة : صُوَيْلِح الحَدِيث . وَسَلَمَة بن وهرام أَكْثَرهم يوثقه ، قَالَ ابْن الْقطَّان : وَثَّقَهُ ابْن معِين وَضَعفه أَبُو دَاوُد . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لم يسْندهُ غير المضري ، وَهُوَ كَذَّاب ، وَغَيره يرويهِ عَن طَاوس مُرْسلا لَيْسَ فِيهِ ابْن عَبَّاس ، وَقد رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة ، عَن سَلمَة ، عَن طَاوس قَوْله . الحَدِيث الثَّانِي : عَن سُهَيْل بن أبي حثْمَة ، وَأبي ذَر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَنه كَانَ إِذا خرج من الْغَائِط يَقُول : الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني . ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله ثمَّ قَالَ : لَيْسَ هُوَ مَحْفُوظ . قَالَ : وَرَوَاهُ مَنْصُور عَن رجل - يُقَال لَهُ : الْفَيْض - عَن أبي حثْمَة ، عَن أبي ذَر مَوْقُوفا ، وَهُوَ أصح .
فَائِدَة : قبَاء الْمَذْكُورَة فِي هَذِه الْأَحَادِيث فِيهَا سِتّ لُغَات : التَّذْكِير والتأنيث ، وَالْمدّ وَالْقصر ، وَالصرْف وَعَدَمه ، وَالأَصَح الْأَشْهر : مده وَصَرفه وتذكيره ، وَمِمَّنْ حَكَى هَذِه اللُّغَات وأرجحيتها الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند ، وَالنَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَهِي قَرْيَة عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة ، وَقيل : أَصْلهَا اسْم بِئْر هُنَاكَ يُسمى : بِئْر أريس وَهِي الَّتِي وَقع فِيهَا خَاتم سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من يَد عُثْمَان ، وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يزور قبَاء كل سبت رَاكِبًا وماشيًا هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ؛ فَالله الْمُوفق للصَّوَاب . وَأما آثاره فَقَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : سَبَب الْمَنْع فِي تَحْرِيم الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِي الصَّحرَاء مَا ذكره الْأَصْحَاب : أَن الصَّحرَاء لَا تَخْلُو من مصلٍ من ملك أَو جني أَو إنسي ؛ فَرُبمَا يَقع بَصَره عَلَى عَوْرَته ، فَأَما فِي الْأَبْنِيَة والحشوش فَلَا يحضرها إِلَّا الشَّيَاطِين ، وَمن يُصَلِّي يكون خَارِجا مِنْهَا فيحول الْبناء بَينه وَبَين الْمُصَلِّي ، وَلَيْسَ السَّبَب مُجَرّد احترام الْكَعْبَة . وَقد نقل مَا ذَكرُوهُ عَن الشّعبِيّ . قلت : هُوَ كَذَلِك ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الصفار ، ثَنَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري ، نَا مُوسَى بن دَاوُد ، نَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل ، عَن عِيسَى بن أبي عِيسَى قَالَ : قلت لِلشَّعْبِيِّ : عجبت لقَوْل أبي هُرَيْرَة وَنَافِع عَن ابْن عمر . قَالَ : وَمَا قَالَا ؟ قلت : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها . وَقَالَ نَافِع عَن ابْن عمر : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذهب مذهبا مواجه الْقبْلَة فَقَالَ : أما قَول أبي هُرَيْرَة فَفِي الصَّحرَاء ، إِن لله خلقا من عباده يصلونَ فِي الصَّحرَاء ؛ فَلَا تستقبلوهم وَلَا تستدبروهم ، وَأما بُيُوتكُمْ هَذِه الَّتِي تتخذونها للنتن ؛ فَإِنَّهُ لَا قبْلَة لَهَا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : عِيسَى بن أبي عِيسَى الحناط ، وَهُوَ عِيسَى بن ميسرَة وَهُوَ ضَعِيف . وَقد تقدم أَقْوَال الْأَئِمَّة فِي عِيسَى فِي هَذَا الْبَاب . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَنقل مَا ذَكرُوهُ عَن ابْن عمر أَيْضا . قلت : لَا أعلم من خرجه عَنهُ . قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا التَّعْلِيل الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ لَو قعد قَرِيبا من حَائِط واستقبله ووراءه فضاء وَاسع جَازَ بِلَا شكّ ، كَمَا صرح بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا ، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، عَن ابْن عمر أَنه أَنَاخَ رَاحِلَته مُسْتَقْبل الْقبْلَة ثمَّ جلس يتبول إِلَيْهَا ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : إِنَّمَا نهي عَن ذَلِك فِي الفضاء ، فَإِذا كَانَ بَيْنك وَبَين الْقبْلَة شَيْء يسترك فَلَا بَأْس بِهِ . وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ . قَالَ النَّوَوِيّ : وَفعل ابْن عمر هَذَا يبطل التَّعْلِيل الْمَذْكُور ؛ فَإِنَّهُ لَو كَانَ صَحِيحا لم يجز فِي هَذِه الصُّورَة ، فَإِنَّهُ مستدبر الفضاء الَّذِي فِيهِ المصلون . قَالَ : وَالتَّعْلِيل الصَّحِيح الَّذِي اعْتمد القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا أَن جِهَة الْقبْلَة معظمة ؛ فَوَجَبَ صيانتها فِي الصَّحرَاء وَرخّص فِيهَا فِي الْبناء للْمَشَقَّة . وَمِمَّا بَقِي من هَذَا الْبَاب مَا قد يُقَال : يجب علينا عزوه . وَهُوَ مَا نَقله الإِمَام الرَّافِعِيّ فِيمَا إِذا انْتَشَر الْخَارِج أَكثر من الْقدر الْمُعْتَاد وَلم يُجَاوز الأليتين ، فَفِي جَوَاز الِاقْتِصَار فِيهِ عَلَى الْأَحْجَار قَولَانِ : أظهرهمَا الْجَوَاز ، وَاحْتج الشَّافِعِي لَهُ بِأَن قَالَ : لم يزل فِي زمَان رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِلَى الْيَوْم رقة الْبُطُون ، وَكَانَ أَكثر أقواتهم التَّمْر ، وَهُوَ مِمَّا يرقق الْبَطن ، وَمن رق بَطْنه انْتَشَر الْخَارِج مِنْهُ عَن الْموضع وَمَا حواليه ، وَمَعَ ذَلِك أمروا بالاستجمار . انْتَهَى . وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ذكره الشَّافِعِي فِي الْأُم وَقَالَ فِيهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : إِنَّه صَحِيح مَشْهُور . وَقَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ أَيْضا عقب الْكَلَام عَلَى النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء الراكد وإيراده الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِيهِ : وَقيل : إِنَّه لِئَلَّا يجن فَيَنْبَغِي أَن يجْتَنب حِينَئِذٍ تَحَرُّزًا مِنْهُم . وَهَذَا الْمَذْكُور لَا أعلم من رَوَاهُ حَدِيثا وَلَا أثرا وَلَا خَبرا ، نعم فِي كَامِل ابْن عدي من حَدِيث أبي الزبير ، عَن جَابر مَرْفُوعا : لَا يدْخل أحدكُم المَاء إِلَّا بمئزر ؛ فَإِن للْمَاء عَامِرًا . قَالَ ابْن عدي : فِيهِ يَحْيَى بن سعيد التَّمِيمِي الْمدنِي ، مُنكر الحَدِيث ضَعِيف ، وَلَيْسَ بِالْأَنْصَارِيِّ ذَلِك ثِقَة جليل . وَفِي الْمُسْتَدْرك عَن أبي الْعَبَّاس - هُوَ الْأَصَم ثَنَا الدوري ، نَا الْهَمدَانِي ، نَا زُهَيْر ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يدْخل المَاء إِلَّا بمئزر ثمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . وَفِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث عَلّي بن زيد ، عَن أنس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن مُوسَى بن عمرَان كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يدْخل المَاء لم يلق ثَوْبه حَتَّى يواري عَوْرَته فِي المَاء . وَحَكَى أَحْمد عَن الْحسن وَالْحُسَيْن : وَقد قيل لَهما ، وَقد دخلا المَاء وَعَلَيْهِمَا بردَان ، فَقَالَا : إِن للْمَاء سكانًا .
الحَدِيث الثَّالِث ورد النَّهْي عَن اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر بالفرج . هَذَا غَرِيب لم أَقف عَلَى من خرجه بعد شدَّة الْبَحْث عَنهُ ، وَفِي النِّهَايَة لإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن الْعِرَاقِيّين رووا هَذَا الْخَبَر وَكَذَا قَالَ الْمحَامِلِي فِي الْمَجْمُوع أَنه فِيهِ خَبرا . وَكَذَا قَالَ الْغَزالِيّ فِي وسيطه وتبعهم الرَّافِعِيّ ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : إِنَّه ضَعِيف لَا يعرف ، رُوِيَ فِي كتاب فِي المناهي مَرْفُوعا : نهي أَن يَبُول الرجل وفرجه باد للشمس ، وَنهي أَن يَبُول وفرجه باد للقمر . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا يعرف . قلت : وَقَول الإِمَام الرَّافِعِيّ : إِن فِي الْخَبَر مَا يدل عَلَى أَن النَّهْي عَام فِي الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِيهِ نظر فَتَأمل ذَلِك .
الحَدِيث السَّادِس عشر رُوِيَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : فلينتر ذكره . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند ، وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل ، وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا وَأَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة وَابْن قَانِع فِي مُعْجَمه ، والعقيلي فِي تَارِيخه من رِوَايَة يزْدَاد - وَيُقَال : أزداد - بن فساءة الْفَارِسِي مولَى بحير بن ريسان الْيَمَانِيّ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا بَال أحدكُم فلينتر ذكره ثَلَاثًا . هَذَا لَفظهمْ ، وَفِي إِحْدَى روايتي ابْن قَانِع وَأبي نعيم وَلَفظ الْعقيلِيّ : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا بَال نتر ذكره ثَلَاثًا . قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف : قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم : هَذَا الحَدِيث مُرْسل . وَقَالَ فِي كِتَابه تَهْذِيب الْكَمَال : اخْتلف فِي صُحْبَة يزْدَاد . قلت : ذكره فِي الصَّحَابَة : ابْن مَنْدَه ، وَأَبُو نعيم ، وَابْن عبد الْبر وَقَالَ : قَالَ ابْن معِين : لَا يعرف عِيسَى وَلَا أَبوهُ . وَهُوَ تحامل مِنْهُ ، وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ : عِيسَى بن يزْدَاد الْيَمَانِيّ ، عَن أَبِيه لَا يُتَابع عَلَيْهِ وَلَا يعرف إِلَّا بِهِ . قَالَ البُخَارِيّ : عِيسَى بن يزْدَاد ، عَن أَبِيه ، رَوَى عَنهُ زَمعَة ، وَلَا يَصح . ثمَّ ذكر الْعقيلِيّ هَذَا الحَدِيث ، وَقَالَ ابْن حبَان فِي ثقاته : يزْدَاذ بن فساءة يُقَال أَن لَهُ صُحْبَة ، إِلَّا أَنِّي لست أحتج بِخَبَر زَمعَة بن صَالح . قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد ، وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه ضَعِيف وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : هُوَ مُرْسل وَلَا صُحْبَة لِيَزْدَادَ . قَالَ : وَمِمَّنْ نَص عَلَى أَنه لَا صُحْبَة لَهُ : البُخَارِيّ فِي تَارِيخه ، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، وَابْنه عبد الرَّحْمَن ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن عدي الْحَافِظ وَغَيرهم . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين وَغَيره : لَا نَعْرِف يزْدَاد . قَالَ النَّوَوِيّ : ويزداذ - بزاي ثمَّ دَال مُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ ذال مُعْجمَة - وفساءة - بِالْفَاءِ وَالسِّين الْمُهْملَة المخففة وبِالْمدِّ - وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله عَن أَبِيه أَنه قَالَ فِي حَدِيث عِيسَى بن يزْدَاد عَن أَبِيه : إِن يزْدَاد لَيست لَهُ صُحْبَة ، وَمن النَّاس من يدْخلهُ فِي الْمسند ، وَهُوَ وَأَبوهُ مَجْهُولَانِ . وَقَالَ عبد الْحق . هَذَا حَدِيث لَا يَصح . قَالَ ابْن الْقطَّان : لِأَن عِيسَى وأباه لَا يُعرفان ، وَلَا يُعلم لَهما غير هَذَا الحَدِيث . قلت : ويغني عَن هَذَا الحَدِيث فِي الدّلَالَة عَلَى أصل الِاسْتِبْرَاء الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَى صِحَّته وثبوته من حَدِيث ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : مر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بحائط من حيطان مَكَّة - أَو الْمَدِينَة - فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما ، فَقَالَ : يعذبان ، وَمَا يعذبان فِي كَبِير ؛ بلَى كَانَ أَحدهمَا لَا يستبرئ من بَوْله ، وَكَانَ الآخر يمشي بالنميمة . ثمَّ دَعَا بجريدة فَكَسرهَا كسرتين ، ثمَّ وضع عَلَى كل قبر مِنْهَا كسرة ، فَقيل لَهُ : يَا رَسُول الله ، لم فعلت هَذَا ؟ قَالَ : لَعَلَّه يُخَفف عَنْهُمَا مَا لم ييبسا - أَو إِلَى أَن ييبسا . رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من طرق ، وَفِي رِوَايَة لَهما : لَا يسْتَتر من بَوْله وَفِي رِوَايَة لمُسلم : لَا يستنزه عَن الْبَوْل - أَو من الْبَوْل . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ : لَا يستبرئ . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد من حَدِيث أبي بكرَة عَلَى شَرط الصَّحِيح : إِن عذابهما كَانَ من الْغَيْبَة وَالْبَوْل . وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان من حَدِيث أبي هُرَيْرَة : عذَابا شَدِيدا فِي ذَنْب هَين الحَدِيث بسياقة الصَّحِيح . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث عَلّي بن يزِيد ، عَن الْقَاسِم ، عَن أبي أُمَامَة إِن القبرين بِالبَقِيعِ . وَهُوَ فِي بعض طرق البُخَارِيّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام خرج من بعض حيطان الْمَدِينَة فَسمع صَوت إنسانين يعذبان فِي قبورهما الحَدِيث .
الحَدِيث الثَّانِي عَن أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من أَتَى الْغَائِط فليستتر فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبًا من رمل فَلْيفْعَل . هَذَا الحَدِيث بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَقد فرقه الإِمَام الرَّافِعِيّ فَذكر بعضه هُنَا وَبَعضه فِي آخر الْبَاب وَترك بعضه ؛ فلنذكره هُنَا بِكَمَالِهِ فَنَقُول : رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد والدارمي فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ مطولا ومختصرًا ، وَهَذَا لفظ أبي دَاوُد ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من اكتحل فليوتر ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج ، وَمن استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج ، وَمن أكل فَمَا تخلَّل فليلفظ وَمَا لاك بِلِسَانِهِ فليبتلع ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج ، وَمن أَتَى الْغَائِط فليستتر ؛ فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره ؛ فَإِن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم ، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج . هَذَا أكمل رِوَايَات هَذَا الحَدِيث ، وَلَفظ البَاقِينَ مُخْتَصرا ، وَبَعْضهمْ يزِيد عَلَى بعض ، وَالْحَاكِم ذكر قصَّة الْأكل مِنْهُ لَيْسَ إِلَّا ومداره عَلَى أبي سعيد الحبراني الْحِمصِي وَيُقَال : أَبُو سعد الْخَيْر الْأَنمَارِي ، واسْمه : زِيَاد . قَالَه الْمزي ، وَقيل : عَامر بن سعد ، وَقيل : عمر بن سعد - رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة . قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم : أَبُو سعيد الحبراني سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ فَقَالَ : لَا أعرفهُ . فَقلت : ألقِي أَبَا هُرَيْرَة ؟ فَقَالَ : عَلَى هَذَا يوضع . وَذكر أَبُو حَاتِم بن حبَان أَبَا سعيد هَذَا فِي ثقاته فِي التَّابِعين ، وَذكره فِي الصَّحَابَة أَبُو نعيم ، وَابْن مَنْدَه ، وَابْن عبد الْبر ، وَقَالَ ابْن قَانِع : أَبُو سعد الْخَيْر الْأَنمَارِي اسْمه بحير ، وَسَماهُ مُعَاوِيَة بن سَلام : بحيرًا . قَالَ أَبُو دَاوُد - عَلَى مَا نَقله الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي تَهْذِيب الْكَمَال - : أَبُو سعد الْخَيْر من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ ذكر الشَّيْخ جمال الدَّين الْمزي عَن أبي سعد الْخَيْر حديثين فِي أَحدهمَا : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت : وَزعم العسكري أَن الصَّحَابِيّ المكنى أَبَا سعيد الْأَنمَارِي والْمُسَمَّى عَامِرًا أَو عمرا هُوَ المكنى أَيْضا أَبَا كَبْشَة . وَاخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث وتضعيفه بِحَسب تَوْثِيق بعض الْأَئِمَّة لأبي سعد الْخَيْر وجهالة بَعضهم إِيَّاه . فَقَالَ ابْن عبد الْبر : لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم فِيهِ مَجْهُولَانِ . كَأَنَّهُ عَنى بِالْمَجْهُولِ الآخر حُصَيْن الْحِمْيَرِي الحبراني الرَّاوِي عَن أبي سعد الْخَيْر ، وَلَيْسَ هُوَ مَجْهُولا ؛ فقد ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي كِتَابه الثِّقَات فِي أَتبَاع التَّابِعين فَقَالَ : كنيته أَبُو سعيد ، رَوَى عَنهُ ثَوْر بن يزِيد ، وَرَوَى عَن أبي سعد الْخَيْر . وَقَالَ أَبُو زرْعَة فِي حَقه : شيخ مَعْرُوف . وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَسَوِي فِي تَارِيخه : لَا أعلم إِلَّا خيرا . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : شيخ . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث الْحصين الحبراني وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه : الْحصين مَجْهُول وَأَبُو سعيد - أَو أَبُو سعد - الْخَيْر كَذَلِك . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : لم يحْتَج بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث وَاحِد من الشَّيْخَيْنِ وَأَبُو سعد لَيْسَ بِمَشْهُور . هَذِه أَقْوَال من ضعفه ، وَالْحق أَنه حَدِيث صَحِيح لاسيما عَلَى قَول أبي دَاوُد أَن أَبَا سعيد صَحَابِيّ ، وَلَا يلْزم من عدم احتجاجهما بِسَنَدِهِ ضعفه ، وَقد صَححهُ جماعات مِنْهُم الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي صَحِيحه من الطَّرِيق الْمَذْكُور ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ فِي آخر كتاب الْأَطْعِمَة ، وَقَالَ بعد إِخْرَاجه : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث حسن . وَقَالَ فِي شرح مُسلم : إِنَّه حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : هُوَ حَدِيث حسن . هَذَا كُله مَعَ سكُوت أبي دَاوُد عَنهُ . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي علله : يرويهِ ثَوْر بن يزِيد ، وَاخْتلف عَنهُ : فَرَوَاهُ عبد الْملك بن الصَّباح وَالْحسن بن عَلّي بن عَاصِم ، عَن ثَوْر ، عَن حُصَيْن الحبراني ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَرَوَاهُ عِيسَى بن يُونُس ، عَن ثَوْر ، عَن حُصَيْن ، عَن أبي سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَالصَّحِيح عَن أبي سعيد . الْكَثِيب الْمَذْكُور فِي الحَدِيث - بالثاء الْمُثَلَّثَة - قِطْعَة من الرمل مستطيلة مَحْدُود بِهِ تشبه الربوة .
الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عمر - رَضي اللهُ عَنهما - قَالَ : رقيت السَّطْح مرّة فَرَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - جَالِسا عَلَى لبنتين مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة وَفِي رِوَايَة لَهُم مُسْتَقْبل الشَّام مستدبر الْكَعْبَة . وَوَقع فِي صَحِيح ابْن حبَان مُسْتَقْبل الْقبْلَة مستدبر الشَّام فاعلمه . ورقيت بِكَسْر الْقَاف عَلَى أشهر اللُّغَات ، وَثَانِيا بِفَتْحِهَا بِغَيْر همز ، وَثَالِثهَا مثلهَا إِلَّا أَنَّهَا بِالْهَمْز . حَكَاهُمَا صَاحب مطالع الْأَنْوَار وَاخْتِيَار ثَعْلَب فِي فصيحه كسر الْقَاف ، وَالَّذِي فتحهَا من الرّقية . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : حَكَى بَعضهم رَقَيت فِي السّلم - بِفَتْح الْقَاف - وَلَا أعلم صِحَّته . وَفِي الْجَامِع : رقأت ، ورقيت بِالْفَتْح أفْصح . وَخَالف ذَلِك كرَاع فَقَالَ : رقأت بِالْهَمْز أَجود . واللبنة مَعْرُوفَة . وَبَيت الْمُقَدّس يشدد ويخفف ، وَمَعْنَاهُ المطهر .
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم رب أعن بَاب الِاسْتِنْجَاء ذكر فِيهِ - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - من الْأَحَادِيث تِسْعَة وَعشْرين حَدِيثا . الحَدِيث الأول أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : وليستنج أحدكُم بِثَلَاثَة أَحْجَار . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح بعض من حَدِيث طَوِيل رَوَاهُ الْأَئِمَّة : الشَّافِعِي فِي مُسْنده ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِنَّمَا أَنا لكم مثل الْوَالِد ، فَإِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها ، وَلَا يستطب بِيَمِينِهِ . وَكَانَ يَأْمر بِثَلَاثَة أَحْجَار وَينْهَى عَن الروث والرمة . هَذَا لفظ ابْن حبَان ، وَلَفظ الشَّافِعِي : إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد - وَفِي رِوَايَة : مثل الْوَالِد - فَإِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها بغائط وَلَا بَوْل ، وليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار : وَنَهَى عَن الروثة والرمة ، وَأَن يستنجي الرجل بِيَمِينِهِ . كَذَا هُوَ فِي الْمسند والْأُم وَكَذَا هُوَ فِي الْمُخْتَصر إِلَّا أَن لَفظه : ويستنجي بِثَلَاثَة أَحْجَار . وَلَفظ ابْن خُزَيْمَة : إِنَّمَا أَنا لكم مثل الْوَالِد لوَلَده ؛ فَلَا يسْتَقْبل أحدكُم الْقبْلَة وَلَا يستدبرها - يَعْنِي : فِي الْغَائِط - وَلَا يسْتَنْج بِدُونِ ثَلَاثَة أَحْجَار ، لَيْسَ فِيهَا رَوْث وَلَا رمة . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان إِنِّي أَنا لكم مثل الْوَالِد أعلمكُم ، إِذا أتيتم الْغَائِط ؛ فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها ، وَلَا يستنجي أحدكُم بِيَمِينِهِ وَكَانَ يَأْمر بِثَلَاثَة أَحْجَار ، وَينْهَى عَن الروث والرمة . وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي مُسْنده وَهَذَا لَفظه : إِنَّمَا أَنا لكم مثل الْوَالِد للْوَلَد أعلمكُم ؛ فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها ، وَإِذا استطبت فَلَا تستطب بيمينك . وَكَانَ يَأْمُرنَا بِثَلَاثَة أَحْجَار ، وَينْهَى عَن الروث والرمة . وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِاللَّفْظِ الأول الَّذِي ذكره ابْن حبَان إِلَّا أَنه قَالَ فِي أَوله : إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد أعلمكُم ؛ فَإِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط بِمثلِهِ سَوَاء . وَابْن مَاجَه فِي سنَنه وَهَذَا لَفظه : إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد لوَلَده أعلمكُم ، إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها . وَأمر بِثَلَاثَة أَحْجَار ، وَنَهَى عَن الروث والرمة ، وَنَهَى أَن يَسْتَطِيب الرجل بِيَمِينِهِ . وَالنَّسَائِيّ فِي سنَنه وَهَذَا لَفظه : إِنَّمَا أَنا لكم مثل الْوَالِد أعلمكُم ، فَإِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْخَلَاء فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها ، وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ . وَكَانَ يَأْمر بِثَلَاثَة أَحْجَار ، وَكَانَ ينْهَى عَن الروث والرمة . وَأَسَانِيده كلهَا صَحِيحَة ، وَأَصله فِي صَحِيح مُسلم وَلَفظه فِيهِ : إِذا جلس أحدكُم لِحَاجَتِهِ فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها . وَقد شهد لَهُ بِالصِّحَّةِ إمامنا ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي معرفَة السّنَن والْآثَار : قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم : هَذَا حَدِيث ثَابت . الرِّمَّةِ - بِكَسْر الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم - الْعظم الْبَالِي . قَالَه جماعات ، قَالَ الْخطابِيّ : وَيُقَال : إِنَّمَا سميت رمة ؛ لِأَن الْإِبِل ترمها أَي : تأكلها . قَالَ : وَقَوله : إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد كَلَام بسط وتأنيس للمخاطبين لِئَلَّا يحتشموه وَلَا يستحيوا عَن مَسْأَلته فِيمَا يعرض لَهُم من أَمر دينهم كَمَا لَا يستحي الْوَلَد عَن مَسْأَلَة الْوَالِد فِيمَا عَنَّ وَعرض لَهُ من أَمر . وَذكر صَاحب الْحَاوِي مَعَ هَذَا تَأْوِيلا آخر أَن يكون مَعْنَاهُ يلْزَمنِي تأديبكم وتعليمكم أَمر دينكُمْ كَمَا يلْزم الْوَالِد ذَلِك . قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَيجوز أَن يكون كالوالد فِي الْأَمريْنِ ، وَفِي ثَالِث أَيْضا ، وَهُوَ الْحِرْص عَلَى مصلحتكم والشفقة عَلَيْكُم .
بَاب الْأَوَانِي ذكر رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ ثَلَاث عشر حَدِيثا : الحَدِيث الأول أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بشَاة (ميتَة) لميمونة ، فَقَالَ : هَلاَّ أَخَذْتُم إهَابَها ، فَدَبَغْتُموه ، (فانتفعتم) بِهِ . فَقيل : إِنَّهَا ميتَة ! فَقَالَ : أَيُّما إهَاب دُبغَ فقد طَهُر . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا ، بِدُونِ اللَّفْظَة الْأَخِيرَة فِيهِ ، وَبِدُون أَن الشَّاة لميمونة ، وإنَّما (هِيَ) لمولاتها ، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُما قَالَ : تُصُدِّق عَلَى مولاة لميمونة بِشَاة ، فَمَاتَتْ ، فمرَّ بهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هَلاَّ أَخَذْتُم إهابها ، (فدبغتموه) ، فانتفعتم بِهِ ؟ فَقَالُوا : إِنَّهَا ميتَة ! فَقَالَ : إِنَّمَا حَرُم أكلهَا . (هَذَا لفظ مُسلم) . وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : (هلاَّ) انتفعتم بجلدها ؟ . (وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَلا أَخَذْتُم إهابها) (فاستمتعتم) بِهِ ؟ . وَفِي رِوَايَة : أَلا انتفعتم بإهابها ؟ . وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة أَنَّهَا أخْبرته : أنَّ (داجنة) كَانَت (لبَعض) نسَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَمَاتَتْ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) : أَلا أَخَذْتُم إهابها ، فاستمتعتم بِهِ . وَلَفظ رِوَايَة البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس : وَجَدَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَاة ميتَة ، (أُعطيتها مولاة لميمونة من الصَّدَقَة) ، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام - : هَلاَّ (انتفعتم بجلدها) ؟ قَالُوا : إِنَّهَا ميتَة ! قَالَ : إِنَّمَا حرم أكلهَا . (وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن عَبَّاس : أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِشَاة ميتَة ، فَقَالَ : هَلاَّ استمتعتم بإهابها ؟ قَالُوا : إِنَّهَا ميتَة ! قَالَ : إِنَّمَا حرم أكلهَا ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ : مرَّ - عَلَيْهِ السَّلَام - بِعَنْزٍ ميتَة ، فَقَالَ : مَا عَلَى أَهلهَا لَو انتفعوا بإهابها . وَلم يقل البُخَارِيّ فِي شَيْء من طرقه : فدبغتموه ، كَمَا نَبَّه عَلَيْهِ عبد الْحق أَيْضا . وَقد خَفِيَ عَلَى بعض الحفَّاظ - كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ - فَجعل هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد مُسلم ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ ، فقد رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع من صَحِيحه مِنْهَا : كتاب الزَّكَاة ، فِي الصَّدَقَة عَلَى موَالِي أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّفْظِ الأول ، وَفِي كتاب الصَّيْد والذبائح ، و الْبيُوع بِاللَّفْظِ الثَّانِي . وَرَوَى النَّسَائِيّ فِي سنَنه ، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَيْضا ، قَالَ : مرَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاة لميمونة ميتَة ، فَقَالَ : أَلا أَخَذْتُم إهابها ، فدبغتموه ، فانتفعتم بِهِ . وَإِسْنَاده صَحِيح ، وَهَذِه الرِّوَايَة موافِقة لِمَا أوردهُ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب ، من كَون الشَّاة كَانَت لميمونة . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الإِمام أَحْمد فِي مُسْنده ، وَهَذَا لَفظه عَن ابْن عَبَّاس : أَنه - عَلَيْهِ السَّلَام - مَرَّ بِشَاة ميتَة لميمونة ، فَقَالَ : أَلا أخذُوا إهابها ، فدبغوه ، فانتفعوا بِهِ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ( إِنَّهَا ميتَة ! فَقَالَ :) إِنَّمَا حرم أكلهَا . وَرَوَى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ ، فِي بَاب : من حلف لَا يشرب نبيذًا ، من [ كتاب ] الْأَيْمَان وَالنُّذُور ، لَكِن عَن ابْن عَبَّاس ، عَن سَوْدَة ، قَالَت : مَاتَت لنا شَاة ، فدبغنا مَسْكَها ، ثمَّ (مَا زلنا) (نَنْبِذُ) فِيهِ حتَّى (صَار) شَنًّا . نعم فِي بعض نسخ البُخَارِيّ : عَن مَيْمُونَة ، (بدل) سَوْدَة . وَفِي رِوَايَة للبزار : مَاتَت شَاة لميمونة ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلا استمتعتم بإهابها ، فإنَّ دباغ الْأَدِيم طهوره . وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهَا فِي أثْنَاء الحَدِيث السَّادِس من هَذَا الْبَاب ، فِي الطَّرِيق الرَّابِع مِنْهُ ، وَهِي أقرب الطّرق إِلَى مَا فِي الْكتاب . وَفِي رِوَايَة لمُسلم عَن مَيْمُونَة ، أَنَّهَا قَالَت لِابْنِ عَبَّاس : إنَّ دَاجِنًا كَانَت لبَعض نسَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَاتَتْ ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلا أَخَذْتُم إهابها فاستمتعتم بِهِ . وَقد تقدّمت ، وَالظَّاهِر أَن الْمُبْهم فِي هَذِه الرِّوَايَة مَا هُوَ مُفَسّر فِي رِوَايَة أَحْمد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْبَزَّار . نعم سَيَأْتِي قَرِيبا أنَّ سَوْدَة رَضِي اللهُ عَنْهُا وَقع لَهَا (مثل هَذَا) ، فتوقفتُ فِي هَذَا الظَّاهِر . ( ويتلخص من هَذَا كُله : أَن الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا المُصَنّف) : أَن الشَّاة لميمونة ، صَحِيحَة مَوْجُودَة ، وَقد غَلِطَ (من) غَلَّطَه فِي ذَلِك ، وَأنكر عَلَيْهِ وَعَلَى غَيره (من الْفُقَهَاء ) . وَجَمَع الإِمام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند بَين هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ بِأَحْسَن جمع ، فَقَالَ : يُمكن أَن تكون الْقِصَّة وَاحِدَة ، لكَون مولاتها كَانَت عِنْدهَا ، وَمن خدمها ، فَتَارَة نُسبت الشَّاة إِلَيْهَا ، وَتارَة إِلَى مَيْمُونَة . وَهَذَا جمع متين . وَمن الْفَوَائِد الْمُهِمَّات : أَنه قد جَاءَ فِي رِوَايَة صَحِيحَة ، لَا شكّ وَلَا ارتياب فِي صِحَة سندها ، وثقة رواتها : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ هُوَ الْمُعْطِي الشَّاة لمولاة مَيْمُونَة - وَتَكون هَذِه الرِّوَايَة مفسرة لرِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ الْمُتَقَدّمَة ، فَإِنَّهَا (وَردت) مَبْنِيَّة للْمَفْعُول ، حَيْثُ قَالَ : تُصدق - وَهِي مَا رَوَاهَا النَّسَائِيّ فِي سنَنه ، من حَدِيث مَالك ، عَن ابْن شهَاب ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : مَرَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاة (ميتَة) ، كَانَ (هُوَ) أَعْطَاهَا مولاة لميمونة زوج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هلا انتفعتم بجلدها ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله إنَّها (ميتَة) ! فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا حرم أكلهَا . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي (بِسَنَدِهِ) كَذَلِك . وَقد (رُوِيَ) نَحْو هَذَا فِي شَاة لسودة ، فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ مَا تقدم ، وَفِي مُسْند أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : مَاتَت شَاة لسودة ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله مَاتَت فُلَانَة - يَعْنِي الشَّاة - قَالَ : فَهَلا أَخَذْتُم مسكها ؟ قَالَت : أنأخذ مسك شَاة قد مَاتَ ؟ ! فَقَالَ لَهَا : إِنَّمَا قَالَ الله : (قل لَا أجد فِي مَا أُوحِي إِلَيّ محرما عَلَى طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة أَو دَمًا مسفوحًا أَو لحم خِنْزِير) ، فَإِنَّكُم لَا تطعمونه إِن (تدبغوه) (فتنتفعوا) بِهِ . قَالَت : (فَأَرْسَلنَا) إِلَيْهَا (فسلخت) مسكها ، (فدبغته) ، فاتخذت مِنْهُ قربَة ، حتَّى تَخَرَّقت عِنْدهَا . وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا فِي صَحِيحه بِمثلِهِ . و الإِهاب : بِكَسْر الْهمزَة ، جمعه : أُهُب : بِضَم الْهمزَة ، وَالْهَاء ، و أَهَب : بِفَتْحِهَا ، لُغَتَانِ مشهورتان . (وَلم) يُجِزْ ابْن دُرَيْد سُوَى الْفَتْح . وَاخْتلف أهل اللُّغَة فِيهِ ، فَقَالَ إِمَام اللُّغَة والعربية أَبُو عبد الرَّحْمَن الْخَلِيل بن أَحْمد رَحِمَهُ اللَّهُ : الإِهاب هُوَ الْجلد قبل أَن يُدبغ ، وَكَذَا ذكر أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَحَكَاهُ عَن النَّضر بن شُمَيْل ، وَلم (يذكر) غَيره ، وَكَذَا (حَكَاهُ) الْجَوْهَرِي ، وَآخَرُونَ من أهل اللُّغَة . وَذكر الْأَزْهَرِي فِي شرح أَلْفَاظ الْمُخْتَصر ، والخطابي ، وَغَيرهمَا : أَنه الْجلد ، وَلم يقيدوه بِمَا لم يدبغ . وَقَالَ (القَزَّاز) فِي كِتَابه جَامع اللُّغَة : هُوَ الْجلد ، سُمِّي بذلك مدبوغًا وَغير مدبوغ . وَقَالَ ابْن فَارس : هُوَ كل جلد ، وَقَالَ قوم : هُوَ الْجلد قبل أَن يدبغ . وَقَوله : طهر ، هُوَ بِفَتْح الْهَاء ، وَضمّهَا ، وَكسرهَا ، ثَلَاث لُغَات حكاهن ابْن مَالك فِي مثلثه .
الحَدِيث الثَّانِي عشر أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الذَّهَب وَالْحَرِير : هَذَانِ حرامان عَلَى ذُكُور أمتِي . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور ، وَله طرق : أَحدهَا : عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : حُرِّم لِبَاس الذَّهَب وَالْحَرِير عَلَى ذُكُور أمتِي ، وَأحل لإِناثهم . رَوَاهُ أَحْمد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَهَذَا لَفظه ، وَقَالَ : حَدِيث حسن صَحِيح ، وَلَفظ أَحْمد : ( أحل) الذَّهَب وَالْحَرِير للإِناث من أمتِي ، وَحرم عَلَى ذكورها . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَلَفظه : إنَّ الله - تَعَالَى - أَحَلَّ لإِنَاثِ أمتِي الْحَرِير وَالذَّهَب ، وحَرَّمه عَلَى ذكورها . وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَلَفظه : أُحِلَّ الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي ، وحُرِّم عَلَى ذكورها . وَله أَلْفَاظ أخر بِنَحْوِ هَذَا . ( وَرَوَاهُ) الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله ، وَهَذَا لَفظه : أحل الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي ، ثمَّ قَالَ : هَذَا يرويهِ عبد الله بن (سعيد) بن أبي هِنْد ، (عَن أَبِيه ، وَيَرْوِيه نَافِع مولَى ابْن عمر ، عَن (سعيد) بن أبي هِنْد) ، وَاخْتلف عَن نَافِع : فَرَوَاهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، وَعبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن أبي مُوسَى . وَرَوَاهُ سُوَيْد بن عبد الْعَزِيز ، عَن (عبيد الله) ، عَن سعيد بن أبي [ سعيد ] المَقْبُري ، عَن أبي مُوسَى . وَوَهِمَ فِي موضِعين : فِي قَوْله : سعيد المَقْبُري ، وَإِنَّمَا هُوَ سعيد بن أبي هِنْد . وَفِي تَركه نَافِعًا فِي الإِسناد . وَرَوَاهُ (عبد الله) بن عمر الْعمريّ ، عَن نَافِع ، عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن رجل ، عَن أبي مُوسَى . وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ ؛ لِأَن سعيد بن أبي هِنْد لم يسمع من أبي مُوسَى شَيْئا ، وَقَالَ أُسَامَة بن زيد : عَن (سعيد) بن أبي هِنْد ، عَن أبي مرّة - مولَى عقيل - عَن أبي مُوسَى ، فِي حَدِيث النَّهْي عَن اللّعب بالنرد ، وَهُوَ الصَّحِيح . قَالَ : و (هَذَا) يُقَوي قَول الْعمريّ : عَن نَافِع ، عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن رجل . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن أبي مُوسَى مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ من لَا يحْتَج بِهِ ، عَن (عبد الله) ، عَن نَافِع ، عَن سعيد ، عَن (رجل) من أهل الْعرَاق ، عَن أبي مُوسَى . وَذكره عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع ، عَن سعيد ، عَن رجل ، عَن أبي مُوسَى . واختُلف فِيهِ عَلَى أَيُّوب . ثمَّ ذكر قولة الدَّارَقُطْنِيّ المتقدِّمة : أنَّ سعيد بن أبي هِنْد لم يسمع من أبي مُوسَى . وَقد أخرجه التِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ من هَذِه الطَّرِيق - أَعنِي طَرِيق : عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن أبي مُوسَى - مَرْفُوعا . وَقد صحَّحه التِّرْمِذِيّ ، فَالظَّاهِر سَماع سعيد مِنْهُ . لَكِن قد قَالَ كمقالة الدَّارَقُطْنِيّ : أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ ، فَقَالَ : سعيد بن أبي هِنْد لم يَلْقَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه : حَدِيث سعيد بن أبي هِنْد عَن أبي مُوسَى فِي هَذَا الْبَاب مَعْلُول لَا يَصح . وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ عَن الدَّارَقُطْنِيّ وَأبي حَاتِم ، (بل) لَا شكّ فِي ذَلِك . لكنه أخرج فِي صَحِيحه حَدِيث : من لعب بالنرد ، فقد عَصَى الله وَرَسُوله ، وَهُوَ من رِوَايَة سعيد عَن أبي مُوسَى . الطَّرِيق الثَّانِي : وَهُوَ أشهرها ، عَن عَلّي بن أبي طَالب - كَرَّم الله وَجهه - : أنَّ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخذ حَرِيرًا فَجعله فِي يَمِينه ، وَأخذ ذَهَبا فَجعله فِي شِمَاله ، ثمَّ قَالَ : إنَّ هذَيْن حرَام عَلَى ذُكُور أمتِي . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم ابن حبَان فِي صَحِيحه . وَلابْن مَاجَه زِيَادَة فِيهِ ، وَهِي : حل لإناثهم . وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : أَخذ [ حَرِيرًا ] فَجعله فِي يَمِينه ، وَأخذ ذَهَبا فَجعله فِي شِمَاله ، ثمَّ قَالَ : إنَّ هذَيْن حرامٌ عَلَى ذُكُور أمتِي . قَالَ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام : قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : حَدِيث حسن ، وَرِجَاله معروفون . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام : هَذَا حَدِيث مُخْتَلَف فِي إِسْنَاده ، يرجع إِلَى يزِيد بن أبي حبيب ، فَقيل : عَنهُ عَن أبي أَفْلح الْهَمدَانِي ، عَن عبد الله بن زُرَيْر ، عَن عَلّي . هَذِه رِوَايَة لَيْث عِنْد أبي دَاوُد . وَقيل فِيهِ : عَن يزِيد ، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي الصعبة ، عَن أبي أَفْلح . وَهَذِه رِوَايَة ابْن إِسْحَاق (عِنْد) ابْن مَاجَه . قُلْتُ : وَرِوَايَة اللَّيْث بن سعد ، وَعبد الحميد بن جَعْفَر . كَمَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله . قَالَ الشَّيْخ : وَقيل : عَن (ابْن) الصعبة - وَلم يسم - عَن رجل من هَمدَان ، يُقَال لَهُ : أَفْلح . هَذِه رِوَايَة ابْن الْمُبَارك ، عَن اللَّيْث ، عَن (يزِيد) . قُلْتُ : وَرِوَايَة حجاج ، عَن (اللَّيْث) أَيْضا ، كَمَا أخرجه أَحْمد فِي الْمسند . وَقيل : عَن يزِيد بن أبي حبيب ، عَن عبد الله بن زرير . أسقط من الإِسناد رجلَيْنِ : ابْن أبي الصعبة ، وَأَبا أَفْلح . قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله . قَالَ : [ وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة : عَن ابْن إِسْحَاق ، عَن ] يزِيد بن أبي حبيب ، عَن رجل ، عَن آخر - لم يسمهما - عَن عَلّي . قَالَ : وَقيل : عَن (ابْن) إِسْحَاق ، عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن عبد الله بن شَدَّاد ، عَن عبد الله بن مرّة ، عَن عَلّي . رَوَاهُ عَن ابْن إِسْحَاق عمر بن حبيب . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَهِمَ فِي الإِسناد عمر هَذَا ، وَكَانَ سيِّئ الْحِفْظ . انْتَهَى . وَقيل : عَن (ابْن) أبي الصعبة ، عَن أبي عَلّي الْهَمدَانِي ، عَن عبد الله بن زرير . وَهَذِه رِوَايَة النَّسَائِيّ فِي مُسْند عَلّي ، أفادها الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف . قَالَ النَّسَائِيّ : حَدِيث ابْن الْمُبَارك أولَى بِالصَّوَابِ ، إلاَّ قَوْله : أَفْلح ، فإنَّ أَبَا أَفْلح أولَى بِالصَّوَابِ . وَقد علل هَذَا الحَدِيث بعلَّة أُخْرَى ، وَهِي : جَهَالَة حَال ( أبي أَفْلح ) ، بِالْفَاءِ ، لَا بِالْقَافِ . ذكر ابْن القَطَّان ذَلِك ، وَقَالَ : عبيد الله بن زرير مَجْهُول الْحَال أَيْضا . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : أما أَبُو أَفْلح فَلَا يبعد مَا قَالَ فِيهِ ، وإنْ كَانَ قد ذكر عَن عَلّي ابن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث : حسن . وَأما عبد الله بن زرير : فقد ذكر أَن الْعجلِيّ ، وَمُحَمّد بن سعد وَثقَّاه . قَالَ الشَّيْخ : وَفِي الحَدِيث شَيْء آخر ، وَهُوَ : أَن رِوَايَة من رَوَاهُ عَن يزِيد ، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي الصعبة ، عَن أبي أَفْلح ، إِذا (عَملنَا) بهَا ، وسلكنا طريقهم ، فِي أَن نحكم بأنَّ يزِيد لم يَسمع من أبي أَفْلح ، تَصَدَّى لنا (النّظر) فِي حَال عبد الْعَزِيز أَيْضا . قُلْتُ : حَالَته جَيِّدَة ، رَوَى لَهُ النَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَرَوَى عَن : أَبِيه ، وَأبي عَلّي الْهَمدَانِي ، وَعنهُ : يزِيد بن أبي حبيب ، وَغَيره ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُحِلَّ الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي ، وحُرِّم عَلَى ذكورها . ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله فِيمَا سُئِلَ عَنهُ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيث يرويهِ (عبيد الله) ، وَاخْتلف عَنهُ : فَرَوَاهُ يَحْيَى بن سليم الطَّائِفِي ، عَن عبد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . وَتَابعه بَقِيَّة بن الْوَلِيد ، عَلَى مَعْنَى هَذَا القَوْل فِي الْحَرِير و (الْخَزّ) ، وَلم يذكر الذَّهَب ، وَكِلَاهُمَا وهمٌ ، وَالصَّحِيح : عَن (عبد الله) ، عَن نَافِع ، عَن سعيد بن أبي هِنْد ، عَن أبي مُوسَى . وَسَعِيد لم يسمعهُ (من أبي مُوسَى) . وَرَوَى طلق بن حبيب ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عمر : سَمِعت من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَرِير شَيْئا ؟ قَالَ : لَا . وَهَذَا يدل عَلَى وهم يَحْيَى بن سليم ، وَبَقِيَّة فِي حكايتهما عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّرِيق الرَّابِع : عَن عقبَة بن عَامر رَضِي اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الذَّهَب وَالْحَرِير : (إِن هذَيْن) حرامٌ عَلَى ذُكُور أمتِي ، حِلٌّ لإِناثها . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَغَيره ، وَلَا أعلم بِسَنَدِهِ (بَأْسا) . وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق خَامِس : رَوَاهُ قيس بن أبي حَازِم ، عَن عمر رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : خرج علينا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي يَده صُرَّتان ، (إِحْدَاهمَا) من ذهب ، وَالْأُخْرَى من حَرِير ، فَقَالَ : هَذَانِ (حرَام) عَلَى الذُّكُور من أمتِي ، حَلَال لإِناثهم . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ، ثمَّ قَالَ : لم يَرْوِه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد ، إلاَّ عَمْرو بن جرير البَجلِيّ الْكُوفِي ، تفرد بِهِ دَاوُد بن سُلَيْمَان . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده ، ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل ، عَن قيس ، عَن (عمر) ، (إلاَّ عَمْرو) بن جرير ، ( وَعَمْرو ) لَيِّن الحَدِيث ، وَقد احتُمل حَدِيثه ، وَرُوِيَ عَنهُ ، و (قد) رُوِيَ هَذَا الْكَلَام عَن غير عمر . قَالَ : وَلَا نعلم فِيمَا يرْوَى فِي ذَلِك حَدِيثا ثَابتا عِنْد أهل النَّقْل . وَله طَرِيق سادس - أَيْضا - : رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن رَافع ، عَن عبد الله بن (عَمْرو ) ، (قَالَ) : خرج إِلَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي إِحْدَى يَدَيْهِ ثوب من حَرِير ، وَفِي الْأُخْرَى ذهب ، فَقَالَ : إنَّ هذَيْن محرم عَلَى ذُكُور أمتِي ، حل لإِناثهم . ذكره فِي اللبَاس فِي سنَنه ، وَفِي إِسْنَاده : الأفريقي ، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أَنْعُم ، وَهُوَ ضَعِيف . وَقَالَ ( التِّرْمِذِيّ ) : رَأَيْت البُخَارِيّ يُقَوِّي أمره . وَيُقَال : هُوَ مقارب الحَدِيث . وَله أَيْضا طَرِيق سَابِع : عَن زيد بن أَرقم ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الذَّهَب وَالْحَرِير حَلَال لإناث أمتِي ، حرَام عَلَى ذكورها . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، والعقيلي فِي تَارِيخه من حَدِيث : ثَابت بن زيد (بن ثَابت بن زيد) بن أَرقم ، (قَالَ : حدَّثتني) عَمَّتي أُنيسة بنت زيد بن أَرقم ، عَن أَبِيهَا زيد بن أَرقم بِهِ . قَالَ أَحْمد : ثَابت هَذَا لَهُ مَنَاكِير . وَقَالَ ابْن حبَان : الْغَالِب عَلَى حَدِيثه الْوَهم ، لَا يحْتَج بِهِ إِذا انْفَرد . قَالَ الْعقيلِيّ : هَذَا يرْوَى بِغَيْر هَذَا الإِسناد ، بأسانيد صَالِحَة . وَله أَيْضا طَرِيق ثامن : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، عَن إِسْمَاعِيل بن (قِيرَاط) ، نَا سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، نَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ، قَالَ : حَدَّثتنِي أَسمَاء بنت وَاثِلَة ، عَن أَبِيهَا ، قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : الذَّهَب وَالْحَرِير حل لإِناث أمتِي ، حرَام عَلَى ذُكُور أمتِي . وَهَذَا سَنَد لَا أعلم بِهِ بَأْسا ، وَشَيخ الطَّبَرَانِيّ لَا أعرفهُ ، وَسليمَان : ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَأَخُوهُ : وثَقَّه أَبُو زرْعَة ، وَالنَّسَائِيّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : هُوَ من التَّابِعين ، لَا يُسأل عَن مثله . وَأَسْمَاء : تابعية ، لَا أعلم حَالهَا الْآن . وَله أَيْضا طَرِيق تَاسِع : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا . عَن ابْن عَبَّاس : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أخرج) من يَده قِطْعَة من ذهب ، وَقطعَة من حَرِير ، فَقَالَ : إنَّ هذَيْن حرامان عَلَى ذُكُور أمتِي حلالان لإِناثهم . وَفِي سَنَده : إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ ، وَهُوَ مُتَّفق عَلَى ضعفه . ثمَّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث : مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة ، عَن أَبِيه ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَضَ عَلَى الذَّهَب وَالْحَرِير ، وَهُوَ يحرِّكه ، وَيَقُول : هَذَا (يحرم) عَلَى (الذُّكُور من أمتِي ) . وَمُحَمّد هَذَا : مَتْرُوك بالِاتِّفَاقِ ، بل قَالَ صَالح بن مُحَمَّد : كَانَ يضع الحَدِيث . ووالده الْفضل : وَثَّقه ابْن رَاهَوَيْه . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا بَأْس بِهِ ، وضَعَّفه الفلاس ، وَابْن عدي .
الحَدِيث الثَّانِي أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَيُّما إهَاب دبغ فقد طَهر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، يُروى من طرق : أَحدهَا : رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم ، وَفِي مُسْنده ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن (وَعلة) ، عَن ابْن عَبَّاس ، قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول فَذكره بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف سَوَاء . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، عَن قُتَيْبَة ، عَن سُفْيَان بِهِ سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وصحَّحه ابْن حبَان أَيْضا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور . وَرَوَاهُ مُسلم ، عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، وَعَمْرو النَّاقِد ، عَن سُفْيَان بِهِ ، وَلَفظه : إِذا دُبِغ الإِهاب فقد طهر . وَلم يخرج البُخَارِيّ فِي صَحِيحه هَذَا (الحَدِيث) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام : لَيْسَ تظهر لنا الْعلَّة فِي تَركه إلاَّ التوهُّم (فِي) أَن يكون ابْن وَعلة عِنْد البُخَارِيّ لم يبلغ الرُّتْبَة الَّتِي يَعْتَبِرهَا ، وَلَيْسَ يُعلم فِي ابْن وَعلة مطْعن ، وَهُوَ : عبد الرَّحْمَن بن (السميفع) بن وَعلة (السبائي) ، وَقد رَوَى عَنهُ : أَبُو الْخَيْر مرْثَد بن عبد الله الْيَزنِي ، وَيَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، وَزيد بن أسلم ، فقد ارْتَفَعت الْجَهَالَة عَنهُ عَلَى مَا عُرِف من مَذَاهِب الْمُحدثين . هَذَا وَقد ذكر الْحَافِظ أَبُو سعيد بن يُونُس فِي تَارِيخ مصر : أَنه كَانَ شريفًا بِمصْر فِي أَيَّامه ، وَله وفادة عَلَى مُعَاوِيَة ، وَصَارَ إِلَى أفريقية ، وَبهَا مَسْجده ، ومواليه . وَهَذِه شهرة شهيرة ، عَلَى رِوَايَة الْجَمَاعَة عَنهُ ، مَعَ تَخْرِيج مَالك لحديثه فِي الْمُوَطَّأ . قُلْتُ : وَمَعَ تَوْثِيق أبي حَاتِم ابْن حبَان لَهُ ، وَقَبله ابْن معِين ، وَالْعجلِي ، وَالنَّسَائِيّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : شيخ . وَنقل عَن الإِمام (أَحْمد) : أَنه ذكر (لَهُ) هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : وَمن ابْن وَعلة ؟ . وَهَذِه (الطَّرِيقَة) أولَى من (الطَّرِيقَة) الَّتِي سلكها الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، (أَعنِي) : ذكر من (وَثَّقَهُ) ، دون سرد تَارِيخه . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَضِي اللهُ عَنْهُما ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : إِسْنَاده حسن . قُلْتُ : فِي سَنَده ( مُحَمَّد) بن عَقِيْل الْخُزَاعِيّ ، وَلَا بَأْس بِهِ ، وثَّقه النَّسَائِيّ . وَقَالَ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم : ثِقَة ، حَدّث بحديثين ، لم يُتابع عَلَيْهِمَا . وَقَالَ ابْن حبَان فِي ثقاته : رُبمَا أَخطَأ ، حدَّث بالعراق بِمِقْدَار عشرَة أَحَادِيث مَقْلُوبَة . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : وتَفَرَّد بِهَذَا الحَدِيث . قُلْتُ : قد سَرقه (مِنْهُ) قطن بن إِبْرَاهِيم الْقشيرِي ، (النَّيْسَابُورِي) ، كَمَا قيل . فطالبوه (بِأَصْلِهِ) ، فَأخْرج جُزْءا ، وَقد كتبوه عَلَى حَاشِيَته ، وَلِهَذَا ترك مُسلم الِاحْتِجَاج بحَديثه . الطَّرِيق (الثَّالِث) : عَن جَابر بن عبد الله رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر . رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي تلخيصه .
الحَدِيث الْحَادِي عشر أَن قَبِيْعَةَ سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَت من فضَّة . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة أنس . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد ، وَالنَّسَائِيّ فِي الزِّينَة ، من حَدِيث قَتَادَة عَنهُ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هُوَ حَدِيث حسن غَرِيب ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن همام ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس . وَقد رَوَى بَعضهم عَن قَتَادَة ، (عَن سعيد بن أبي الْحسن ، قَالَ : كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) من فضَّة . قُلْتُ : هَكَذَا (أخرجه) أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، فِي (إِحْدَى) روايتيهما ، (ونصَّ) الحفَّاظ عَلَى أَن الصَّوَاب هَذِه الرِّوَايَة - أَعنِي رِوَايَة الإِرسال - فَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا حَدِيث مُنكر ، وَالصَّوَاب : (قَتَادَة عَن سعيد مُرْسلا . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : إنَّ إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب ) . وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد : إنَّ أَقْوَى الْأَحَادِيث ، حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ ، (والباقية) ضِعَاف . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : الْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل . وَكَذَا قَالَ الْبَزَّار : إِنَّمَا يُرو عَن قَتَادَة ، عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا ، وَهُوَ الصَّوَاب . وَكَذَا قَالَ الدَّارمِيّ لمَّا أخرجه فِي مُسْنده (مُسْندًا) : هِشَام الدستوَائي (خَالفه) - يَعْنِي جَرِيرًا - قَالَ : قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن ، عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزعم النَّاس أَنه الْمَحْفُوظ . وَكَذَا (قَالَ) الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : إِن الْمُرْسل هُوَ الصَّوَاب . وَفِي علل أَحْمد قَالَ عبد الله : حَدَّثَنَي أبي ، عَن عَفَّان ، قَالَ : جَاءَ أَبُو جزي - واسْمه : نصر بن طريف - إِلَى جرير بن حَازِم ، يشفع لإِنسان فِي حَدِيث ، فَقَالَ جرير : نَا قَتَادَة ، عَن أنس ، قَالَ : كَانَت (قبيعة) سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فضَّة . قَالَ أَبُو جزي : كذب وَالله ، مَا حَدَّثَنَاه قَتَادَة إلاَّ عَن سعيد بن أبي الْحسن . قَالَ أبي : وَهُوَ قَول أبي جزي . يَعْنِي : أصَاب وَأَخْطَأ جرير . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : تفرد بِهِ جرير ، عَن قَتَادَة ، عَن أنس . وَرَوَاهُ قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا . ثمَّ قَالَ : وَهُوَ الْمَحْفُوظ . قُلْتُ : رِوَايَة جرير ، أخرجهَا التِّرْمِذِيّ ، وحَسَّن الحَدِيث ، ثمَّ قَالَ : وَهَكَذَا رَوَى همام عَن قَتَادَة عَن أنس . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة : همام وَجَرِير عَن قَتَادَة . فَظهر بِهَذَا أَن جَرِيرًا لم يتفرد بِهِ ، وَلَفظه فِي هَذِه الرِّوَايَة ، عَن أنس ، قَالَ : كَانَت نعل سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فضَّة ، وقبيعة (سَيْفه) فضَّة ، وَمَا بَين ذَلِك حلق الْفضة . الطَّرِيق الثَّانِي : رِوَايَة ( مزيدة) (بن) جَابر الْعَبْدي العصري . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد ، من حَدِيث : طَالب بن حُجَيْر ، نَا هود بن عبد الله [ بن ] سعد ، عَن جده ( مزيدة) رَضِي اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : دخل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم الْفَتْح ، وَعَلَى سَيْفه ذهب وَفِضة . قَالَ طَالب : فَسَأَلته عَن الْفضة ، (فَقَالَ) : كَانَت قبيعة سَيْفه فضَّة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب . وَقَالَ ابْن القَطَّان : هُوَ عِنْدِي ضَعِيف لَا حسن ؛ لِأَن طَالبا وهودًا مَجْهُولا الْحَال ، وَسُئِلَ الرازيان عَن طَالب فَقَالَا : شيخ . قَالَ الذَّهَبِيّ (فِي الْمِيزَان ) : صَدَقَ أَبُو الْحسن . قُلْتُ : لَا ، طَالب رَوَى عَنهُ (جمَاعَة) ، وَذكره ابْن (حبَان ) فِي ثقاته وَفِي التذهيب : (هود) بن عبد الله بن سعد ، الْعَبْدي ، عَن جده لأمه : (مزيدة) ، ومعبد بن وهب ، وَلَهُمَا صُحْبَة ، وَعنهُ : طَالب بن (حُجَيْر) . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : تفرَّد (بِهِ) طَالب ، وَهُوَ صَالح الْأَمر - إِن شَاءَ الله - وَهَذَا مُنكر ، فَمَا (علمنَا) فِي (حلية) سَيْفه (عَلَيْهِ السَّلَام) ذَهَبا . الطَّرِيق الثَّالِث : من رِوَايَة أبي أُمَامَة . أخرجه النَّسَائِيّ : فِي أَوَاخِر الزِّينَة واللباس ، عَن عمرَان بن (يزِيد) ، ثَنَا عِيسَى ين يُونُس ، ثَنَا عُثْمَان بن حَكِيم ، عَن أبي أُمَامَة بن سهل قَالَ : ( كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فضَّة ) . وَهَذَا إِسْنَاد لَا ريب فِي صِحَّته ، ( عمرَان ) : قَالَ النَّسَائِيّ فِي حَقه : لَا بَأْس بِهِ وَعِيسَى : هُوَ (السبيعِي) ، أخرج لَهُ السِّتَّة ، ووثَّقه أَبُو حَاتِم ، وَجمع . وَعُثْمَان : أخرج لَهُ مُسلم ، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا ، وَقَالَ أَحْمد ، ابْن معِين : ثِقَة ، وَقَالَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر : هُوَ أوثق أهل الْمَدِينَة وأعبدهم . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن هِشَام بن عَمَّار ، نَا مُحَمَّد بن حمير ، حَدَّثَنَي أَبُو الحكم (الصيقل) ، قَالَ : حَدَّثَنَي مَرْزُوق (الصيقل ) : أَنه صقل سيف رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ذَا) الفقار ، وَكَانَت لَهُ قبيعة من فضَّة الحَدِيث بِطُولِهِ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه كَذَلِك ، وَلَا أعلم بِهَذَا السَّنَد بَأْسا . القَبِيعة : بِفَتْح الْقَاف ، وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة ، هِيَ الَّتِي تكون عَلَى رَأس قَائِم السَّيْف ، وطرف مقبضه ، من (فضَّة) ، أَو حَدِيد . قَالَ الشَّيْخ (زكي الدَّين) : وَقيل : مَا تَحت شاربَيْ السَّيْف ، (مِمَّا) يكون فَوق الغمد . وَقيل : هِيَ التومة الَّتِي (تكون) فَوق المقبض . قَالَ : وَجَاز ذَلِك فِي السَّيْف لِأَنَّهُ من زِينَة الرجل وآلته ، فيقاس عَلَيْهِ المنطقة ، وَنَحْوهَا من أَدَاة الْفَارِس ، دون أَدَاة الْفرس .
الحَدِيث الثَّالِث قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عَصَب . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور ، وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل ، وَهُوَ (عَن) عبد الله بن عكيم قَالَ : أَتَانَا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل مَوته بِشَهْر : ألآَّ تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . رَوَاهُ الْأَئِمَّة : الشَّافِعِي فِي سنَن حَرْمَلَة)) ، وَأحمد فِي مُسْنده ، وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، فِي (سُنَنهمْ) وَلم يذكر مِنْهُم الْمدَّة غير الشَّافِعِي ، وَأحمد ، وَأبي دَاوُد . وَفِي رِوَايَة أَحْمد : بِشَهْر أَو بشهرين . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن . قَالَ : وَسمعت أَحْمد بن (الْحسن ) يَقُول : كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يذهب إِلَى حَدِيث ابْن عكيم (هَذَا) ، لقَوْله : قبل وَفَاته بشهرين . وَكَانَ يَقُول : هَذَا آخر الْأَمر . قَالَ : ثمَّ ترك أَحْمد بن حَنْبَل هَذَا الحَدِيث لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَاده ، حَيْثُ رَوَى بَعضهم ، فَقَالَ : عَن عبد الله بن عكيم ، عَن أَشْيَاخ من جُهَيْنَة . ( وَرَوَاهُ) أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، من طَرِيقين ، من رِوَايَة : عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى عَن (ابْن) عكيم ، وَفِي إِحْدَاهمَا : كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وذَكَر الْمدَّة ، وَفِي الْأُخْرَى : قُرئ علينا كتاب رَسُول الله) ، من غير ذكرهَا . ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق ثَالِث عَن (ابْن) أبي لَيْلَى ، عَن عبد الله بن عكيم ، قَالَ : حَدَّثَنَا مشيخة لنا من جُهَيْنَة : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إِلَيْهِم : أَن لَا تستمتعوا من الْميتَة بِشَيْء . قَالَ : وَهَذِه اللَّفْظَة وَهِي : حَدَّثَنَا مشيخة لنا من جُهَيْنَة أوهمت عَالما من النَّاس أَن الْخَبَر لَيْسَ بِمُتَّصِل . قَالَ : وَهَذَا مِمَّا نقُول فِي (كتَابنَا) : أنَّ الصَّحَابِيّ قد يشْهد النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيسمع مِنْهُ شَيْئا ، ثمَّ يسمع ذَلِك الشَّيْء مِمَّن هُوَ أعظم خطرًا (مِنْهُ) ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمرَّة يخبر عمَّا شَاهده ، وَمرَّة يروي عَمَّن سمع . أَلا ترَى أَن ابْن عمر شهد سُؤال جِبْرِيل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن الإِيمان ، وسَمعه من عمر بن الْخطاب ، فَمرَّة أخبر بِمَا شَاهد ، وَمرَّة رَوَى عَن أَبِيه مَا سمع ، فَكَذَلِك عبد الله بن عكيم ، شهد كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قُرئ عَلَيْهِم فِي جُهَيْنَة ، وَسمع مَشَايِخ جُهَيْنَة يَقُولُونَ ذَلِك ، فأدّى مرّة مَا شهد ، وَأُخْرَى مَا سمع ، من غير أَن يكون فِي الْخَبَر انْقِطَاع . هَذَا آخر كَلَامه فِي صَحِيحه . ( وَقَالَ) فِي كتاب الثِّقَات : عبد الله بن عكيم ، الْجُهَنِيّ أَبُو معبد أدْرك (زمن) رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلم يسمع مِنْهُ شَيْئا كتب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ إِلَى جُهَيْنَة ] قبل مَوته بِشَهْر : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (كِتَابه) معرفَة السّنَن والْآثَار ، وَغَيره من الْحفاظ : ( هَذَا الحَدِيث مُرْسل ، وَابْن عكيم لَيْسَ بصحابي . وَقَالَ الخَطَّابي ) : مَذْهَب عَامَّة الْعلمَاء جَوَاز الدّباغ ، وَوَهَّنُوا هَذَا الحَدِيث ، لِأَن ابْن عكيم (لم يَلْقَ) النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَن (كتاب) . وعَلَّلوه أَيْضا : بِأَنَّهُ مُضْطَرب ، وَعَن مشيخة مجهولين ، لم تثبتْ صحبتهم . وَقَالَ ابْن عبد الْبر : رَوَى دَاوُد بن عَلّي : أَن ابْن معِين ضَعَّفه ، وَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْء . وَابْن عكيم لَيست لَهُ صُحْبَة ، (قَالَه) الرازيان . و (عَدَّه) أَبُو نعيم مِنْهُم ، وَذكر لَهُ حَدِيثا آخر . وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي كِتَابه ، وَقَالَ : لَا يُعْرف لَهُ سَماع (صَحِيح) من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ ابْن عبد الْبر : اخْتُلف فِي سَمَاعه من رَسُول الله من حَدِيثه من عَلَّق شَيْئا وُكِلَ إِلَيْهِ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ من أَصْحَابنَا ، عَن عَلّي ابن الْمَدِينِيّ قولة غَرِيبَة : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ ولعَبْد الله بن عكيم سنة . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي ( علله ) : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : لم يسمع عبد الله بن (عكيم) من النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابه . وَقَالَ ابْن شاهين : هَذَا (الحَدِيث) مَشْهُور بِعَبْد الله بن عكيم ، وَلَيْسَ لَهُ لِقَاء لهَذَا الحَدِيث ، وَكَذَا جزم الإِمام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند بذلك فَقَالَ : فِي هَذَا الحَدِيث إرْسَال . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْحسن ، عَلّي بن الْفضل (الْمَقْدِسِي ) : قد اعْتمد الْأَصْحَاب عَلَى هَذَا الحَدِيث وَهُوَ ضَعِيف فِي إِسْنَاده ، (قَابل التَّأْوِيل فِي مُرَاده) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام : قَوْله : (ضَعِيف) (فِي) إِسْنَاده . لَا يُحمل عَلَى (الطعْن) فِي الرِّجَال ، فإنَّهم ثِقَات إِلَى عبد الله بن عكيم ، وإنَّما يَنْبَغِي أَن يُحمل عَلَى الضعْف بِسَبَب الِاضْطِرَاب ، كَمَا نُقل عَن الإِمام أَحْمد . وَكَذَا قَالَ فِي (كِتَابه الإِمام) : الَّذِي يعتل بِهِ (فِي) هَذَا الحَدِيث الِاخْتِلَاف ، فروَى (عَن الحكم) عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن عبد الله ابن عكيم ، قَالَ : قُرئ علينا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي عمر الضَّرِير ، نَا أَبُو شيبَة ، وَإِبْرَاهِيم بن (عُثْمَان) ، عَن الحكم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن عبد الله بن عكيم ، قَالَ : أَتَانَا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى (أَرض) جُهَيْنَة ، قبل وَفَاته بشهرين : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب . ثمَّ قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِه عَن أبي شيبَة إلاَّ : أَبُو عمر الضَّرِير ، وَأَبُو شيبَة تكلمُوا فِيهِ ، وَقيل : مَتْرُوك . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، من جِهَة (خَالِد) ، عَن الحكم ، (عَن عبد الرَّحْمَن) : أَنه انْطلق هُوَ وأناس إِلَى عبد الله بن عكيم ، فَدَخَلُوا ، وَقَعَدت عَلَى الْبَاب ، فَخَرجُوا إليَّ ، فَأَخْبرُونِي أَن عبد الله بن عكيم أخْبرهُم الحَدِيث . فَفِي هَذِه الرِّوَايَة : أَنه سَمعه من النَّاس الداخلين (عَلَيْهِ) (عَنهُ) ، وهم مَجْهُولُونَ . رَوَاهُ ابْن عدي ، من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن أبي سعيد (الْبَصْرِيّ) - وَهُوَ شبيب بن سعيد - عَن (شُعْبَة) ، عَن الحكم ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن ابْن عكيم ، قَالَ : جَاءَنَا كتاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنحن بجهينة الحَدِيث . قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : شبيب ثِقَة ، وتَكَلَّم فِيهِ ابْن عدي . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ - أَيْضا - فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط : من حَدِيث فضَالة بن الْمفضل (بن فضَالة) ، عَن أَبِيه ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب ، كَمَا تَقَدَّم ، ثمَّ قَالَ : لم يَرْوِه عَن أبي سعيد إلاَّ يَحْيَى ، تفرَّد بِهِ فضَالة عَن أَبِيه . قُلْتُ : قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لم يكن فضَالة بِأَهْل أَن يُكْتَبَ عَنهُ الْعلم . وَاعْلَم : أَن متن (حَدِيث) عبد الله بن عكيم قد رُوي من غير طَرِيقه ، ذكره (الْحفاظ) : ابْن شاهين ، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي (كِتَابَيْهِمَا) (نَاسخ) الحَدِيث ومنسوخه ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام بأسانيدهم ، من حَدِيث ابْن عمر ، قَالَ : ( نهَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَن يُنْتَفَع من الْميتَة بعصبٍ أَو إهَاب . (وَفِيه) - خَلا رِوَايَة ابْن شاهين ، وَابْن الْجَوْزِيّ - عَدِي بن الْفضل ، وَكَأَنَّهُ أَبُو حَاتِم الْبَصْرِيّ ، مولَّى بني (تيم) ابْن مرّة ، وَهُوَ ضَعِيف جدا ، وَلم يعقها الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بِشَيْء ، (وَكَأَنَّهُ) ترك التَّنْصِيص عَلَى ذَلِك لوضوحه . وَرَوَاهُ الْأَوَّلَانِ - أَيْضا - فِي (كِتَابَيْهِمَا) الْمَذْكُورين من حَدِيث جَابر بن عبد الله رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يُنْتفع (من الْميتَة) بِشَيْء . لَا أعلم بِإِسْنَادِهِ بَأْسا ، وَاسْتدلَّ بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه ، بعد أَن عزاهُ إِلَى رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ ، وَلَفظه : لَا تنتفعوا بدل : لَا ينْتَفع ، وَفِي نُسْخَة مِنْهُ : رَوَاهُ أَصْحَابنَا . وَقَالَ صَاحب الْمُغنِي : رَوَاهُ أَبُو بكر الشَّافِعِي ، بِإِسْنَادِهِ ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، وَإِسْنَاده حسن . وَقد رَوَاهُ ابْن وهب فِي مُسْنده ، عَن زَمعَة بن صَالح ، عَن أبي الزبير بِهِ . وَزَمعَة مُخْتَلف فِيهِ . فَتَلخَّص مِمَّا ذَكرْنَاهُ : أَن للحفَّاظ فِي حَدِيث ابْن عكيم هَذَا مقالتان - بعد تَسْلِيم الإِرسال - : إِحْدَاهمَا : الِاضْطِرَاب ، (وَلَهُم فِي ذَلِك مقامان : أَحدهمَا : أَنه قَادِح ، كَمَا تقدم عَن الإِمام أَحْمد ) ؛ وَالثَّانِي : أَنه لَيْسَ بقادح ، بل يُمكن الْجمع ، (وَلَا اضْطِرَاب) ، كَمَا تقدم عَن الْحَافِظ أبي حَاتِم بن حبَان ، وَهَذَا فِي رِوَايَة (صَحِيحه) كَمَا قَرَّره ، وَأما فِي (ضعيفه) كَمَا تقدم فَلَا . وَالثَّانيَِة : الضعْف ، كَمَا تَقَدَّم (عَن ابْن معِين ) ، وَأبي الْحسن الْمَقْدِسِي ، وفيهَا النّظر الْمُتَقَدّم . ثمَّ لَهُم بعد ذَلِك نظران : أَحدهمَا : أَنه عَلَى تَقْدِير صِحَّته ، مَحْمُول عَلَى مَا قبل الدّباغ ، قَالَه أَبُو مُحَمَّد ابْن حزم فِي كِتَابه الْمُحَلَّى ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَهَذَا لَفظه : مَعْنَى خبر عبد الله بن عكيم : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب ، وَلَا عصب ، يُرِيد قبل الدّباغ ، (قَالَ) وَالدَّلِيل عَلَى صِحَة ذَلِك ، قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر . اهـ . الثَّانِي : أَنه نَاسخ ، أَو مَنْسُوخ ، قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم : هَذَا الحَدِيث نَاسخ لما قبله ، أَلا ترَاهُ يَقُول : قبل مَوته بِشَهْر . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ بِحَدِيث مَيْمُونَة . وَقَالَ الشَّيْخ مجد الدَّين ابْن تَيْمِية فِي الْأَحْكَام : أَكثر أهل الْعلم عَلَى أَن الدّباغ مُطَهِّر فِي الْجُمْلَة ، لصِحَّة النُّصُوص بِهِ ، وَخبر ابْن عكيم (لَا يقاربها) فِي الصِّحَّة وَالْقُوَّة لينسخها . وَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي (كِتَابيه) : النَّاسِخ والمنسوخ ، [ و ] الْإِعْلَام [ مَا ] مُخْتَصره : حَدِيث ابْن عكيم مُضْطَرب جدا ، لَا يُقَاوم حَدِيث مَيْمُونَة الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ . زَاد فِي الْإِعْلَام : وَقَالَ قوم : يجوز أَن تكون أَحَادِيث الْإِبَاحَة قبل مَوته بِيَوْم أَو بيومين . قَالَ : وَأجَاب آخَرُونَ عَنهُ : (بِأَنَّهُ) قد رَوَى فِي بعض أَلْفَاظه : كنت رَخَّصت لكم فِي جُلُود الْميتَة ، فَدَلَّ عَلَى تَقْدِيم أَحَادِيث الإِباحة ، وصحَّ النّسخ . قَالَ : وَهَذِه اللَّفْظَة بعيدَة الثُّبُوت . قَالَ : ثمَّ يحْتَمل أَن يكون رخص فِي ذَلِك ، ثمَّ نهَى ، ثمَّ رخص . وَلَقَد أَجَاد الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي ، فِي كِتَابه النَّاسِخ والمنسوخ - وَهُوَ كتاب لَا نَظِير لَهُ فِي بَابه ، فِي غَايَة التَّحْقِيق والنفاسة - فِي كَلَامه عَلَى هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : حَدِيث ابْن عكيم هَذَا حسن ، عَلَى شَرط أبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، أَخْرجَاهُ فِي كِتَابَيْهِمَا من عدَّة طرق ، وَقد رُوِيَ عَن الحكم من غير وَجه ، (وفيهَا) اخْتِلَاف أَلْفَاظ . قَالَ : وَمن ذهب إِلَى هَذَا الحَدِيث قَالَ : الْمصير إِلَى هَذَا الحَدِيث أَوْلَى ، لِأَن فِيهِ دلَالَة النّسخ ، أَلا ترَى أَن حَدِيث سَلمَة بن المحبق - يَعْنِي الْآتِي قَرِيبا - يدل (عَلَى) أَن الرُّخْصَة كَانَت يَوْم تَبُوك ، وَهَذَا قبل مَوته بِشَهْر ، فَهُوَ بعد الأول بِمدَّة . وَلِأَن فِي حَدِيث سَوْدَة : حَتَّى تخرقت ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : كُنَّا (ننبذ) فِيهِ حتَّى صَار شَنًّا) . وَلَا تتخرق الْقرْبَة وَلَا تصير شَنًّا فِي شهر . قَالَ : وَفِي بعض الرِّوَايَات ، عَن الحكم بن (عتيبة) ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى : أَنه انْطلق وناس مَعَه إِلَى عبد الله بن عكيم نَحوا (مِمَّا) ذكرنَا . قَالَ خَالِد : أما أَنه قد حَدَّثَنَي : أَنه كتب إِلَيْهِم قبل هَذَا الْكتاب بِكِتَاب آخر . قُلْتُ : فِي تَحْلِيله ؟ [ قَالَ ] : مَا تصنع بِهِ ؟ هَذَا بعده . كَذَا رَوَاهُ الدَّارمِيّ ، وَقَالَ : فِي قَول (خَالِد) هَذَا دَلِيل عَلَى أَنه كَانَ مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِم فِي ذَلِك تَحْلِيل قبل التَّشْدِيد ، وأنَّ التَّشْدِيد كَانَ بعد . قَالَ الْحَازِمِي : وَلَو اشْتهر حَدِيث ابْن عكيم ، بِلَا مقَال فِيهِ - كَحَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الرُّخْصَة - لَكَانَ حَدِيثا أَوْلَى أَن يُؤخذ بِهِ ، وَلَكِن فِي إِسْنَاده اخْتِلَاف : رَوَاهُ الحكم مرّة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن ابْن عكيم . وَرَوَاهُ عَنهُ الْقَاسِم بن مخيمرة ، عَن خَالِد ، عَن الحكم . وَقَالَ : إِنَّه لم يسمعهُ من ابْن عكيم ، وَلَكِن من أنَاس دخلُوا عَلَيْهِ ، ثمَّ خَرجُوا فأخبروه بِهِ . قَالَ : وَلَوْلَا هَذِه الْعِلَل ، لَكَانَ أولَى (الْحَدِيثين) أَن يُؤْخَذ بِهِ : حَدِيث ابْن عكيم ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤْخَذ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالآخِر فالآخِر ، والأحدث فالأحدث . عَلَى أَن جمَاعَة أخذُوا بِهِ ، وَذهب إِلَيْهِ من الصَّحَابَة : عمر بن الْخطاب ، وَابْنه عبد الله ، وَعَائِشَة . ثمَّ رَوَى الْحَازِمِي بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الشَّيْخ الْحَافِظ ، أَنه (قَالَ) : حُكِي أنَّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه نَاظر الشَّافِعِي - وَأحمد بن حَنْبَل حَاضر - فِي جُلُود الْميتَة إِذا دُبغت ، فَقَالَ الشَّافِعِي : دباغها طهورها . فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق : مَا الدَّلِيل ؟ فَقَالَ : حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، [ عَن ] ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة ، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ) : (هلا) انتفعتم بإهابها ؟ . فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق : حَدِيث ابْن عكيم : كتب إِلَيْنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل مَوته بِشَهْر : أَن لَا تنتفعوا من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب ، فَهَذَا يشبه أَن يكون نَاسِخا لحَدِيث مَيْمُونَة ، لِأَنَّهُ قبل مَوته بِشَهْر . فَقَالَ الشَّافِعِي : فَهَذَا كتاب ، وَذَاكَ سَماع . فَقَالَ إِسْحَاق : فإنَّ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إِلَى كسْرَى وَقَيْصَر ، (فَكَانَت) حجَّة بَينهم عِنْد الله . فَسكت الشَّافِعِي . فَلَمَّا سمع (ذَلِك) أَحْمد ذهب إِلَى حَدِيث (ابْن) عكيم ، وأَفتى بِهِ ، وَرجع إِسْحَاق إِلَى حَدِيث الشَّافِعِي . قَالَ الْحَازِمِي : وَقد حَكَى الخلاَّل فِي كِتَابه عَن أَحْمد ، أَنه توقف فِي حَدِيث ابْن عكيم ، لَمَّا رَأَى تزلزل (الروَاة) فِيهِ ، وَقَالَ بَعضهم : رَجَعَ عَنهُ . قَالَ الْحَازِمِي : وَطَرِيق الإِنصاف فِيهِ أَن يُقال : إِن حَدِيث ابْن عكيم ظَاهر الدّلَالَة فِي النّسخ لَو صَحَّ ، وَلكنه كثير الِاضْطِرَاب ، ثمَّ لَا يُقَاوم حَدِيث مَيْمُونَة فِي الصِّحَّة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : أصحّ مَا فِي هَذَا الْبَاب ، فِي جُلُود الْميتَة إِذا دُبغت : حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن [ عبيد الله بن عبد الله ، عَن ] ابْن عَبَّاس ، عَن مَيْمُونَة . وَقَالَ الْحَازِمِي : وروينا عَن الدوري أَنه قَالَ : قيل ليحيى بن معِين : أيُّما أعجب إِلَيْك من هذَيْن الْحَدِيثين : لَا ينْتَفع من الْميتَة بإهاب وَلَا عصب أَو : دباغها طهورها ؟ (فَقَالَ : دباغها طهورها) أعجب إليَّ . قَالَ الْحَازِمِي : فَإِذا تَعَذّر ذَلِك ، فالمصير إِلَى حَدِيث ابْن عَبَّاس أَوْلَى ، لوجوه من الترجيحات ، ويُحمل حَدِيث ابْن عكيم عَلَى منع الِانْتِفَاع (بِهِ) قبل الدّباغ ، وحينئذٍ يُسمَّى : (إهابًا) . وَبعد الدّباغ يُسمَّى جلدا ، وَلَا يُسمى إهابًا ، وَهَذَا مَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة ليَكُون جمعا بَين (الْحكمَيْنِ) . وَهَذَا هُوَ الطَّرِيق فِي نفي التضاد عَن الْأَخْبَار . هَذَا آخر كَلَامه - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - مَا أَشد تَحْقِيقه . وتَلَخَّص (لَك مِنْهُ) وَمِمَّا تقدم ، أَن للحفاظ فِيهِ سِتّ مقالات - بعد تَسْلِيم الإِرسال - : أَولهَا : أَنه مُضْطَرب قَادِح . ثَانِيهَا : أَنه مُضْطَرب غير قَادِح . ثَالِثهَا : أَنه ضَعِيف . رَابِعهَا : أَنه مؤول . خَامِسهَا : أَنه نَاسخ . سادسها : أَنه مَنْسُوخ . وَالله أعلم بِالصَّوَابِ من ذَلِك ، وَالَّذِي يظْهر - وَالْحَالة هَذِه - مَا قَالَه الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي (أخيرًا) . فَائِدَة : ذكر أَحْمد لعبد الله بن عكيم حَدِيثا آخر ، وَهُوَ : من (تعلق) شَيْئا وُكِلَ إِلَيْهِ .
الحَدِيث الْعَاشِر أَن حَلقَة قَصْعَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَت من فضَّة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ ، من حَدِيث عَاصِم الْأَحول ، قَالَ : رَأَيْت قدح رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْد أنس بن مَالك ، وَكَانَ قد (انصدعَ) ، فَسَلْسَلَه بِفِضَّة . قَالَ : وَهُوَ قدح جيد عريض ، من نُضَار . قَالَ : قَالَ أنس : لقد سقيت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي هَذَا الْقدح) أَكثر من كَذَا وَكَذَا . قَالَ : وَقَالَ : ابْن سِيرِين : إنَّه كَانَ فِيهِ حَلقَة من حَدِيد ، فَأَرَادَ أنس أَن يَجْعَل مَكَانهَا حَلقَة من ذهب أَو فضَّة ، فَقَالَ (لَهُ) أَبُو طَلْحَة : لَا تُغَيِّرن شَيْئا صَنَعَه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَركه . وَفِي رِوَايَة لأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ ، عَن أنس : أَن قدح النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصدع ، فَجعل مَكَان (الشَّعْبِ) سلسلة من فضَّة . قَالَ عَاصِم : وَرَأَيْت الْقدح ، وشربت فِيهِ . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ، وَقَالَ : رَوَاهُ البُخَارِيّ كَمَا تقدم ، وَهُوَ يُوهِم أَن يكون النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتخذ مَكَان الشَّعْبِ سلسلة من فضَّة ، وَقد أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ فَذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن سِيرِين ، عَن أنس : أَن قدح النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصدع ، فَجعل مَكَان الشَّعْبِ سلسلة ، (يَعْنِي أنَّ أنسا جعل مَكَان الشّعب سلسلة) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَلَا أَدْرِي (من) قَالَه - يَعْنِي أَن أنسا جعل مَكَان الشّعب سلسلة - مُوسَى بن هَارُون ، أَو من فَوْقه ؟ . يَعْنِي الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده . قُلْتُ : سَاق الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ فِي كتاب الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل مَا ظَاهره : أَن ذَلِك من قَول مُوسَى بن هَارُون . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : قَوْله : فَاتخذ . يُوهم أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمُتَّخذ ، وَلَيْسَ كَذَلِك ، بل الْمُتَّخذ هُوَ أنس ، فَفِي رِوَايَة أنس : فجعلتُ مَكَان الشَّعْبِ سلسلة . هَذَا كَلَامه . وَفِي علل الدَّارَقُطْنِيّ : أَنه سُئِلَ عَن هَذَا (الحَدِيث) ، فَقَالَ : يرويهِ عَاصِم الْأَحول . واختُلف عَنهُ ، فَرَوَاهُ أَبُو حَمْزَة السكرِي ، عَن عَاصِم ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أنس . وَخَالفهُ شريك ، فَرَوَاهُ عَن عَاصِم [ عَن أنس ] ، وَالصَّحِيح قَول أبي حَمْزَة . والشَّعْب : بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة ، وَبعدهَا (بَاء) مُوَحدَة . وَالْمرَاد بِهِ : الشق والصدع . وَوَقع فِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ : فَاتخذ مَكَان الشِّفة ، وَهُوَ تَصْحِيف ، وَالصَّوَاب مَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ ، وَغَيره كَمَا تقدم . وَوَقع فِيهِ أَيْضا : أَن الْقدح انْكَسَرَ ، وَيحمل عَلَى أَنه انْشَقَّ ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة انصدع . وَالْمرَاد : أَنه (شَدَّ الشق) بخيط فضَّة ، فَصَارَت صورته صُورَة سلسلة ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ السالفة : فَسَلْسَلَه بِفِضَّة . قَالَ ذَلِك النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب . قُلْتُ : قد يُعَارض هَذَا التَّفْسِير مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الإِمام أَحْمد ، قَالَ : رَأَيْت عِنْد أنس قدح رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ضَبّة من فضَّة . فَإِن الْمَعْرُوف : أَن الضبة هِيَ الَّتِي تَأْخُذ قدرا من الإِناء . وَقد لَا يُعَارضهُ ، بِأَن يلْتَزم تَسْمِيَة ذَلِك ضبة .
الحَدِيث الرَّابِع أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّما حرم من الْميتَة أكلهَا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَمُسلم من رِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُما ، وَقد تَقَدَّم بِطُولِهِ أول الْبَاب . وَيجوز أَن تقْرَأ : حُرِّم ، بِضَم الْحَاء ، وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة ، و حَرُم ، بِفَتْح الْحَاء ، وَضم الرَّاء المخففة ، وهما (رِوَايَتَانِ) .
الحَدِيث التَّاسِع أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، إنَّما يُجَرْجِرُ فِي جَوْفه نَار جَهَنَّم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، (مرويّ) من طرق : أَحدهَا : عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي آنِية الْفضة ، إنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم . رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالْبُخَارِيّ ، وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا . قَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ : وَإِسْنَاده مجمع عَلَى صِحَّته . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : إنَّ الَّذِي يأكلُ ، (أَو) يشربُ فِي آنِية الْفضة ، وَالذَّهَب . وَفِي رِوَايَة لَهُ : من شرب فِي إِنَاء من ذهب أَو فضَّة ، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم . وَفِي رِوَايَة للطبراني : إلاَّ أَن يَتُوب . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن (أبي) وَائِل ، قَالَ : غزوتُ مَعَ عمر الشَّام ، فَنزل منزلا ، فجَاء دُِهْقَانٌ يسْتَدلّ عَلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ حتَّى أَتَاهُ ، فَلَمَّا رَأَى الدهْقَان عمر سَجَد ، فَقَالَ عمر : مَا هَذَا السُّجُود ؟ فَقَالَ : هَكَذَا نَفْعل بالملوك . فَقَالَ عمر : اسجد لِرَبِّك الَّذِي خلقك . فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، إِنِّي قد صنعت لَك طَعَاما فأتني . (قَالَ) : فَقَالَ عمر : هَل فِي بَيْتك من تصاوير الْعَجم ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : لَا حَاجَة لي فِي بَيْتك ، وَلَكِن انْطلق ، فَابْعَثْ لنا بلون (من الطَّعَام) ، وَلَا (تزدنا) عَلَيْهِ . قَالَ : فَانْطَلق ، فَبعث إِلَيْهِ بِطَعَام ، فَأكل مِنْهُ ، ثمَّ قَالَ عمر لغلامه : هَل فِي إداوتك شَيْء من ذَلِك النَّبِيذ ؟ قَالَ : نعم . فَأَتَاهُ [ فَصَبَّهُ فِي إِنَاء ، ثمَّ شَمَّه ، فَوَجَدَهُ مُنكر الرّيح ، فصب عَلَيْهِ مَاء ، ثمَّ شمه ، فَوَجَدَهُ مُنكر الرّيح ] ، فصب عَلَيْهِ المَاء ثَلَاث مَرَّات ، ثمَّ شربه ، ثمَّ قَالَ : إِذا رَابَكُم من شرابكم (شَيْء) فافعلوا بِهِ هَكَذَا . ثمَّ قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا تلبسوا الديباج وَالْحَرِير ، وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، (فإنَّها) لَهُم فِي الدُّنْيَا ، وَلكم فِي الْآخِرَة . رَوَاهُ الْحَاكِم ، أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك فِي تَرْجَمَة عمر بن الْخطاب ، عَن أبي بكر ، عَن ابْن الْمثنى ، عَن مُسَدّد ، عَن أبي الْأَحْوَص ، عَن مُسلم الْأَعْوَر ، عَن أبي وَائِل ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد ، وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله - وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ ، حَيْثُ رُوِيَ عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن (أبي) وَائِل ، وَعَن مُسلم الْأَعْوَر ، عَن أبي وَائِل ، وَعَن مُسلم الْأَعْوَر ، عَن رجل من قومه ، عَن عمر ، قَالَ : وَمُسلم ضَعِيف - : هَذَا الحَدِيث يرويهِ الْأَعْمَش ، عَن أبي وَائِل ، عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا ، وَهُوَ أولَى بِالصَّوَابِ . وَهَذَا الحَدِيث هُوَ بِنَحْوِ من لفظ الرَّافِعِيّ ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ، لَكِن من طَرِيق حُذَيْفَة ، فَقَالَ : بَاب الْأكل فِي إِنَاء مفضض . نَا أَبُو نعيم ، حَدَّثَنَا سيف بن (أبي) سُلَيْمَان ، سَمِعت مُجَاهدًا يَقُول : حَدَّثَنَي عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى : أَنهم كَانُوا عِنْد حُذَيْفَة ، فَاسْتَسْقَى ، فَسَقَاهُ مَجُوسِيّ ، فلمَّا وضع الْقدح فِي يَده ، (رَمَاه) بِهِ ، وَقَالَ : (لَوْلَا) أَنِّي (نهيته) غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ - كَأَنَّهُ يَقُول : لم أفعل هَذَا - وَلَكِنِّي سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا تلبسوا الْحَرِير ، و (لَا) الديباج ، وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، (وَلَا تَأْكُلُوا فِي صحافها) ، فإنَّها لَهُم فِي الدُّنْيَا ، (وَلكم) فِي الْآخِرَة . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن شُعْبَة ، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم ، عَن نَافِع ، عَن امْرَأَة ابْن عمر ، عَن عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي إِنَاء الْفضة - أَو إِنَاء من فضَّة - إِنَّمَا (يجرجر فِي) بَطْنه نَارا . رَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد ، ثمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ خصيف ، وَهِشَام بن (الغازِ) - وَهُوَ بالغين وَالزَّاي المعجمتين - عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : من شرب فِي آنِية الْفضة ، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم . قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي خطأ لَا شكّ فِيهِ ، لم يَرْوِ (ابْن) عمر هَذَا الحَدِيث قطّ ، وَلَا رَوَاهُ نَافِع عَن ابْن عمر ، وَلَو رَوَاهُ عَن ابْن عمر ، مَا احْتَاجَ أَن يُحَدِّث بِهِ عَن [ ثَلَاثَة ] ، وَأما إِسْنَاد شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث ، فَيحْتَمل أَن يكون إِسْنَادًا (آخر) ، وَيحْتَمل أَن يكون خطأ ، وَهُوَ الْأَغْلَب . هَذَا آخر كَلَامه . وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر من طَرِيق آخر ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ، من حَدِيث : برد بن سِنَان ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، مَرْفُوعا : من شرب فِي إِنَاء من ذهب ، أَو إِنَاء من فضَّة ، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِه (عَن) برد إلاَّ ابْنه الْعَلَاء . وَطَرِيق (آخر) سَيَأْتِي فِي آخر هَذَا الْبَاب بِزِيَادَة فِيهِ . لَكِن وَافق الْحَافِظ أَبَا عمر بن عبد الْبر عَلَى كَون رِوَايَة ابْن عمر خطأ : أَبُو حَاتِم ، وَأَبُو زرْعَة . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : قَالَ أَبُو زرْعَة : حَدِيث ابْن عمر هَذَا (خطأ) ، إنَّما هُوَ عَن أم سَلمَة مَرْفُوعا . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة (عَنهُ) ، فَقَالَا مثل ذَلِك ، قَالَا : وَالوهم فِيهِ من حَمَّاد . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ شُعْبَة عَن امْرَأَة ابْن عمر ، وَقَالَ (الثَّوْريّ) : عَن صَفِيَّة - وَهِي امْرَأَة ابْن عمر - مَرْفُوعا ، و (خالفهما) مسعر ، فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ ، من حَدِيث نَافِع ، عَن ابْن عمر ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا ، (وَوهم) فِي قَوْله : ابْن عمر . وَإِنَّمَا هُوَ عَن امْرَأَة ابْن عمر . قَالَ : وَرُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى عَائِشَة أَيْضا ، من حَدِيث نَافِع عَنْهَا . (قَالَ : وَرُوِيَ) عَن نَافِع ، عَن صَفِيَّة ، عَن عَائِشَة ، وَرُوِيَ عَن سَالم ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا وَالصَّحِيح مَا قَالَ شُعْبَة ، وَالثَّوْري . (قَالَ) : وَرُوِيَ عَن نَافِع ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر ، عَن عَائِشَة - أَو أم سَلمَة ، أَو أم حَبِيبَة - وَهُوَ وهم . وَرَوَاهُ الثَّوْريّ عَن [ عبيد ] الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَوهم فِيهِ . وَالصَّحِيح عَن [ عبيد ] الله بن عمر عَن زيد بن عبد الله بن عمر ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر ، عَن أم سَلمَة . وَقَالَ جرير بن حَازِم : عَن نَافِع (قَالَ) : قَالَت أم سَلمَة . وَقَالَ عبد الْعَزِيز بن أبي رواد : عَن نَافِع ، عَن أبي هُرَيْرَة ، (وَوهم) فِي ذكر أبي هُرَيْرَة . هَذَا ملخص مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله ، وَفِيه رد عَلَى قَول أبي عمر بن عبد الْبر : إِنَّه يحْتَمل أَن يكون إِسْنَاد شُعْبَة خطأ ، وَأَنه الْأَغْلَب . فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّه الصَّحِيح . الطَّرِيق الرَّابِع : (عَن عِكْرِمَة) ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُ ، أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : إِن الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، إِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم . رَوَاهُ الحافظان : الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه ، والخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابيه : من وَافَقت كنيته اسْم أَبِيه ، و تَلْخِيص الْمُتَشَابه . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوه عَن (النَّضر) بن عَرَبِيّ ، إلاَّ سَلِيم بن مُسلم الخَشَّاب ، تَفَرَّد بِهِ مُحَمَّد بن بَحر (الهُجَيْمِي) الْبَصْرِيّ . الطَّرِيق الْخَامِس : عَن أبي بردة ، قَالَ : انْطَلَقت أَنا وَأبي (إِلَى) عَلّي بن أبي طَالب - كَرَّم الله وَجهه - فَقَالَ لنا : إنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَن آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة (أَن يُشْرَبَ (فِيهَا)) ، أَو أَن يُؤْكَل فِيهَا ، وَنَهَى عَن القسي والمِيثرة ، وَعَن ثِيَاب الْحَرِير ، وَخَاتم الذَّهَب . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَاد جيد . الطَّرِيق السَّادِس : عَن أنس بن سِيرِين ، عَن أنس بن مَالك ، قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن الْأكل وَالشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، من جِهَة قطن بن نُسَيْر - بِضَم النُّون ، ثمَّ سين مُهْملَة مَفْتُوحَة - عَن حَفْص بن عبد الله ، عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن الْحجَّاج (بن الْحجَّاج) عَن أنس بِهِ . وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة صَحِيحَة بالِاتِّفَاقِ ، كَانَت (جديرة) بالتقدم ، وَهِي : مَا رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب رَضِي اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : أَمَرَنا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسبع ، ونهانا عَن (سبع) : أمرنَا بعيادة الْمَرِيض ، وَاتِّبَاع الْجِنَازَة ، وتشميت الْعَاطِس ، وَإجَابَة الدَّاعِي ، وإفشاء السَّلَام ، ونصرة الْمَظْلُوم ، وإبرار الْقسم . ونهانا : عَن خَوَاتِيم الذَّهَب ، وَعَن الشّرْب فِي الْفضة - أَو قَالَ : آنِية الْفضة - وَعَن المياثر ، والقسي ، وَعَن لبس الْحَرِير والديباج ، والإِستبرق . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : وإنشاد الضَّالة بدل : وإبرار الْقسم . وَفِي رِوَايَة لَهُ : وَعَن الشّرْب فِي الْفضة ، فإنَّه من شرب فِيهَا فِي الدُّنْيَا لم (يشرب فِيهَا) فِي الْآخِرَة . وَفِي رِوَايَة لَهما : رد السَّلَام بدل : وإفشاء السَّلَام . وَحين فَرغْنَا من إِيرَاد طرق هَذَا الحَدِيث ، فلنذكر مَا يتَعَلَّق بهَا : من الْغَرِيب ، وتوضيح الْمُشكل ، فَنَقُول : الْآنِية : جمع إِنَاء ، والعامة (يرَوْنَ) أَنَّهَا وَاحِدَة ، وَهُوَ خطأ ، كَمَا يُقَال : إِزَار وآزرة ، وحمار وأحمرة ويوضحه قَوْله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - فِي صفة الْحَوْض : آنيته مثل نُجُوم السَّمَاء . قَالَ ذَلِك عبد الْحق . وَقَوله (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ) : يجرجر فِي جَوْفه نَار جَهَنَّم . فِي نَار رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهمَا : نصب الرَّاء ، حَكَاهُ الْخطابِيّ عَن بعض أهل الْعلم باللغة . قَالَ ابْن بري : و (هَذَا) هُوَ الْمَشْهُور . كَذَا قَالَه النَّوَوِيّ وَزَاد : وَأَن بِهِ جزم الْمُحَقِّقُونَ ، وَاخْتَارَهُ الزجَّاج ، والخطابي ، وَالْأَكْثَرُونَ ، وَلم يذكر الْأَزْهَرِي ، وَآخَرُونَ غَيره ، وَهُوَ الصَّحِيح . الرِّوَايَة الثَّانِيَة : رَفعهَا . قَالَ ابْن السَّيِّد فِي الاقتضاب : من رفع الرَّاء فعلَى خبر إِن ، وَيجْعَل مَا بِمَعْنى الَّذِي ، كَأَنَّهُ قَالَ : الَّذِي يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم وَمن نصب النَّار ، جعل مَا صلَة ل إِن وَهِي الَّتِي تكف إِن عَن الْعَمَل ، وَنصب النَّار ب يجرجر ، وَنَظِيره قَوْله - تَعَالَى - : ( إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر ) ، فقرئ بِرَفْع الكيد ونصبه على الوجهين . وَيجب إِذا جعلت (مَا) بِمَعْنى الَّذِي أَن تُكتب (مُنْفَصِلَة) من إِن . وَكَذَا قَالَه ابْن بري أَيْضا . وَقَالَ غَيرهمَا : من نصب ، جعل الجرجرة (بِمَعْنى الصبِّ) ، أَي : إِنَّمَا يصب فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم ، وَمن رَفعهَا ، جعلهَا بِمَعْنى الصَّوْت ، أَي : إِنَّمَا يُصَوِّت (فِي) بَطْنه نَار جَهَنَّم . والجرجرة : الصَّوْت المتردد فِي الْحلق . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام : وَقد يَصح النصب عَلَى هَذَا أَيْضا ، إِذا تَعَدَّى الْفِعْل ، قَالَ : وَمِمَّا يرجح النصب ، رِوَايَة مُسلم : نَارا من جَهَنَّم . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب . قَالَ : ورويناه فِي مُسْند أبي عوَانَة و الجعديات (من) رِوَايَة عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا ، عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الَّذِي يشرب فِي الْفضة إنَّما يجرجر فِي جَوْفه نَارا ، هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول : (نَارا) (بِالْألف) ، من غير ذكر جَهَنَّم . قَالَ : وَأما مَعْنَاهُ : فعلَى رِوَايَة النصب ، الْفَاعِل هُوَ الشَّارِب مُضْمر فِي يجرجر : أَي يلقيها فِي بَطْنه بجرع متتابع يُسمع (لَهُ صَوت) ، لتردده فِي حلقه ، وَعَلَى رِوَايَة الرّفْع : تكون النَّار فاعلة ، مَعْنَاهُ : أَن النَّار تُصَوِّت فِي جَوْفه ، وسُمِّي المشروب نَارا : لِأَنَّهُ (يؤول إِلَيْهَا) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا ) . وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدَّين (ابْن) الفركاح (فِي) الإقليد : يرْوَى : يجرجر مبنيًّا للْفَاعِل ، ومبنيًّا للْمَفْعُول ، وَعَلَى الأول : يُروى النَّار بِالنّصب ، على أن الْفَاعِل : الشَّارِب ، وبالرفع عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِل . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : اتّفق الْعلمَاء ، من أهل الحَدِيث ، واللغة ، و (الْغَرِيب) ، وَغَيرهم عَلَى كسر الْجِيم الثَّانِيَة من يجرجر ، وَاخْتلفُوا فِي الرَّاء من قَوْله : نَار جَهَنَّم فَذكر مَا تقدم . وجهنم - عافنا الله مِنْهَا ، وَمن كل بلَاء - قَالَ الواحدي : قَالَ يُونُس ، وَأكْثر النَّحْوِيين : هِيَ عجمية لَا تَنْصَرِف للعجمة والتعريف ، وَقَالَ آخَرُونَ : (عَرَبِيَّة) لَا تَنْصَرِف للتأنيث والتعريف . وسُمِّيَت بذلك لبعد قعرها ، يُقَال : بِئْر جهنام ، إِذا كَانَت عميقة القعر . وَقَالَ بعض اللغويين : مُشْتَقَّة من (الجهومة) ، وَهِي : الغلظ ، سميت بذلك لغلظ أمرهَا فِي الْعَذَاب . و المِيثرة : بِكَسْر الْمِيم ، أَصْلهَا : موثرة ، من الشَّيْء الوثير : أَي اللِّين ، وَلَكِن (لَمَّا) كَانَ قبل الْوَاو الساكنة كسرة ، قُلبت يَاء . قَالَ ابْن سَيّده : هِيَ كهنة المرفقة تتَّخذ للسرج كالصفة وَهِي المياثر (والمواثر) عَلَى (المعاقبة) . و القَسِّي : بِفَتْح الْقَاف ، و (كسر) السِّين الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة . وَذكر أَبُو عبيد : أَن أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ : القِسي بِكَسْر الْقَاف . وعَدَّه جمَاعَة من تصحيفاتهم . (وَهِي) ثِيَاب يُؤْتَى بهَا من بلدنا مصر ، فِيهَا حَرِير .
الحَدِيث الْخَامِس رُوِيَ أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَيْسَ فِي (الشَّبِّ) ، والقرظ ، وَالْمَاء مَا يُطَهِّره ؟ . هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِذكر الشَّبِّ فِيهِ ، لَا أعلم من خَرَّجه بِهِ ، وَلَعَلَّ الإِمام الرَّافِعِيّ قَلَّد فِيهِ الإِمام ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي نهايته : إِنَّه جَاءَ فِي رِوَايَة : أَلَيْسَ فِي الشَّبِّ والقرظ مَا يطهره ؟ ؛ وَالْمَاوَرْدِيّ فإنَّه قَالَ فِي حاويه : جَاءَ فِي الحَدِيث النَّص عَلَى الشث (والقرظ) . وَالْمَاوَرْدِيّ والإِمام (قلَّدا) الْأَصْحَاب (فِي ذَلِك) ، فقد قَالَ الشَّيْخ (أَبُو حَامِد ) فِي تَعْلِيقه : رُوي أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَلَيْسَ فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها ؟ . قَالَ : وَهَذَا الَّذِي أعرفهُ مرويًّا . قَالَ : وأصحابنا يَرْوُونَهُ (الشب والقرظ) ، وَلَيْسَ بِشَيْء . فَهَذَا شيخ الْأَصْحَاب ، قد نَصَّ عَلَى (أَن) هَذِه الرِّوَايَة لَيست بِشَيْء . قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة : هُوَ بِهَذَا اللَّفْظ بَاطِل ، لَا أصل لَهُ . وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : لَيْسَ للشَّبِّ ذِكْر فِي هَذَا الحَدِيث ، وإنَّما هُوَ من كَلَام الشَّافِعِي ، فإنَّه قَالَ : والدباغ بِمَا كَانَت الْعَرَب تدبغ بِهِ ، وَهُوَ الشب والقرظ . وَاخْتلف فِي الشب فِي كَلَام الشَّافِعِي ، هَل هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة ، (أم بالثاء الْمُثَلَّثَة ، فَقَالَ الْأَزْهَرِي : هُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة) ، وَهُوَ من الْجَوَاهِر الَّتِي جعلهَا الله فِي الأَرْض ، يُدْبَغ بِهِ يشبه الزاج . قَالَ : وَالسَّمَاع فِيهِ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَقد صَحَّفَه بَعضهم ، فَقَالَ بِالْمُثَلثَةِ ، (وَهُوَ شجر مُرّ الطّعْم ، لَا أَدْرِي أَيُدبغ بِهِ أَمْ لَا ؟ . وَفِي الصِّحَاح : الشث - بِالْمُثَلثَةِ) - : نبت طيب الرَّائِحَة ، (مر) الطّعْم ، يدبغ بِهِ . ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة ، فِي أول بَاب الشين مَعَ (الثَّاء) : (أَنه مَرَّ بِشَاة [ ميتَة ] ، فَقَالَ [ عَن جلدهَا ] : أَلَيْسَ فِي الشث والقرظ مَا يطهره ؟) . فَإِذا عرفت ذَلِك ، فَاعْلَم : أَن الْمَعْرُوف من متن الحَدِيث الْمَذْكُور فِي كتب الحَدِيث أَلَيْسَ فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها ؟ ، كَمَا أوردهُ الشَّيْخ أَبُو حَامِد ، كَذَلِك ورد من طَرِيقين : أَحدهمَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُما قَالَ : مَرَّ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاة ميتَة ، فَقَالَ : هلا انتفعتهم بإهابها ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله إِنَّهَا ميتَة ! قَالَ : إنَّما حَرُم أكلهَا ، أَوَلَيْس فِي المَاء والقرظ مَا يطهرها ؟ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه كَذَلِك ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أوليس فِي الدّباغ وَالْمَاء مَا يطهرها ؟ . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ - أَيْضا فِي سنَنه . وإسنادهما حسن . قَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : هَذَا حَدِيث حسن ، وَرِجَاله ثِقَات ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، ثمَّ ذكر بعده أَحَادِيث من مَعْنَاهُ ، وَقَالَ : هَذِه أَسَانِيد صِحَاح ، قَالَ : وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فإنَّه رَوَاهُ عَن الإِمام أبي بكر النَّيْسَابُورِي - وشهرته تغني عَن ذكره - عَن إِبْرَاهِيم بن هَانِئ - وَقد كتب عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم ، وَكَانَ ثِقَة (صَدُوقًا) - عَن عَمْرو بن الرّبيع - وَهُوَ ابْن طَارق ، كتب عَنهُ أَبُو حَاتِم (الرَّازِيّ) وَالِد عبد الرَّحْمَن الْمُتَقَدّم وسُئِل عَنهُ ، فَقَالَ : صَدُوق عَن يَحْيَى بن أَيُّوب - وَهُوَ : (أَبُو) الْعَبَّاس الْمصْرِيّ ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ مستشهدًا بِهِ ، وَمُسلم محتجًا (بِهِ) - عَن عقيل - وَهُوَ : ابْن خَالِد الْأَيْلِي - عَن الزُّهْرِيّ - وَهُوَ : مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ - عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة - وكل مِنْهُم ثِقَة ثَبت ، مخرج (حَدِيثه) فِي الصَّحِيحَيْنِ - عَن (عبد الله) بن عَبَّاس . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن الْعَالِيَة بنت سُبيع ، عَن مَيْمُونَة رَضِي اللهُ عَنْهُا ، حدثتها : أَنه مَرَّ برَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (رجالٌ) يَجُرُّون شَاة لَهُم مثل الْحمار ، فَقَالَ (لَهُم) رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَو أَخَذْتُم إهابها ؟ فَقَالُوا : إنَّها ميتَة ! فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (فَإِنَّهَا) يُطَهِّرُها المَاء والقرظ . رَوَاهُ : أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَكَذَا ابْن السكن فِي صحاحه ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : إِسْنَاده حسن . وَاعْلَم : أَن الْوَاقِع فِي (رِوَايَة) هذَيْن الْحَدِيثين : يطهرها بهاء التَّأْنِيث ، وَوَقع فِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق - وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ عَلَى ذَلِك - : يطهره وَهُوَ تَحْرِيف لَفْظِي ، وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا . وَأما الحَدِيث الْوَارِد عَن عَائِشَة (مَرْفُوعا) : اسْتَمْتعُوا بجلود الْميتَة إِذا هِيَ دُبغت ، بِتُرَاب ، أَو ملح ، أَو رماد ، أَو مَا كَانَ بعد أَن يرد صَلَاحه : فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَغَيره ، ضَعَّفه ابْن عدي ، وَآخَرُونَ ، وإنْ ذكره ابْن السكن فِي صحاحه . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُتنبه لَهُ : أَن الْقرظ يكْتب بالظاء ، لَا بالضاد ، (وَهُوَ) وَإِن كَانَ وَاضحا ، فَلَا يضر التَّنْبِيه عَلَيْهِ ، فقد صُحِّف . والقرظ : ورق شجر السَّلَم - بِفَتْح السِّين وَاللَّام - وَمِنْه : أَدِيم مقروظ : أَي مدبوغ (بالقرظ) ، والقرظ : نبت بنواحي تهَامَة .
الحَدِيث الثَّامِن عَن حُذَيْفَة رَضِي اللهُ عَنْهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَنه) قَالَ : لَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب ، وَالْفِضَّة ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافها . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، متَّفق عَلَى صِحَّته ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذَا اللَّفْظ ، وَزَادا : فإنَّها لَهُم فِي الدُّنْيَا ، وَلكم فِي الْآخِرَة . وَله أَلْفَاظ أُخَر ، قَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ : وَإِسْنَاده مجمع عَلَى صِحَّته . والصِّحَاف : جمع صَحْفَة ، كقصعة ، وقصاع ، والصحفة دون الْقَصعَة . قَالَ الْكسَائي : الْقَصعَة : مَا تسع (مَا يشْبع) عشرَة ، والصحفة مَا (يشْبع) خَمْسَة .
الحَدِيث السَّادِس أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : دِبَاغُ الأديمِ ذَكَاتُه . هَذَا الحَدِيث حسن ، (مرويّ) من طُرُق ، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا تِسْعَة : أَحدهَا : عَن عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا ، قَالَت : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن جُلُود الْميتَة ، فَقَالَ : دباغها طهورها . رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : [ دباغها ] ذكاتها . وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَلَفْظهمَا : طهُور كل أَدِيم دباغه . وَالطَّبَرَانِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته ، وَلَفْظهمَا : دباغ الْأَدِيم (طهوره . وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه ، وَلَفظه : دباغ جُلُود الْميتَة) طهورها . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده حسن ، وَرِجَاله كلهم ثِقَات . ( وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا : رُوَاته كلهم ثِقَات ) . قُلْتُ : فِيهِ إِبْرَاهِيم بن الْهَيْثَم الْبَلَدِي ، وثَّقه الدَّارَقُطْنِيّ ، والخطيب ، وَذكره ابْن عدي فِي الْكَامِل ، وَقَالَ : حَدَّث بِبَغْدَاد ، (فكذَّبه) النَّاس ، وَأَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة ، سُوَى الحَدِيث الَّذِي رَدُّوه عَلَيْهِ - وَهُوَ حَدِيث الْغَار - فإنَّه كَذَّبه فِيهِ النَّاس وواجهوه ، أَوَّلهمْ البرديجي ، وَأَحَادِيثه جَيِّدَة ، قد فَتَّشت حَدِيثه الْكثير ، فَلم أَجِد لَهُ حَدِيثا مُنْكرا يكون من جِهَته . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : وَقد تَابعه عَلَى حَدِيث الْغَار ثقتان ، وَكتب الذَّهَبِيّ قبالة تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم هَذَا : صحّ ، وَهُوَ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَن الْعَمَل عَلَى تَوْثِيق ذَلِك الرجل . وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه : تَفَرَّد بِهَذَا الحَدِيث الْهَيْثَم بن جميل . قُلْتُ : لَا يضرّه ذَلِك ، فإنَّه ثِقَة ثَبت . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن جَوْن - بِفَتْح الْجِيم ، وَإِسْكَان الْوَاو ، ثمَّ نون - ابْن قَتَادَة ، عَن سَلمَة بن المُحَبِّق - بميم مَضْمُومَة ، ثمَّ حاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ، ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة ، ثمَّ قَاف - رَضِي اللهُ عَنْهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَة تَبُوك ، دَعَا بِمَاء من عِنْد امْرَأَة ، (فَقَالَت) : مَا عِنْدِي مَاء إلاَّ فِي قربَة لي ميتَة . قَالَ : أَلَيْسَ قد (دبغتيها) ؟ قَالَت : بلَى . قَالَ : دباغها ذكاتها . (وَفِي لفظ : دباغها طهورها . وَفِي لفظ : ذكاتها دباغها) . وَفِي لفظ : دباغ الْأَدِيم ذَكَاته . رَوَاهُ (أَحْمد ، و) أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَالْحَاكِم ، وَقَالَ : (حَدِيث) صَحِيح الإِسناد ، وصحَّحه أَبُو حَاتِم ابْن حبَان أَيْضا ، فإنَّه أخرجه فِي صَحِيحه بِلَفْظ : ذَكَاة الْأَدِيم دباغه . وَهُوَ كَمَا (قَالَا) . وأعلَّه أَبُو بكر الْأَثْرَم ، فَقَالَ فِي ناسخه ومنسوخه : سَمِعت أَبَا عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول : لَا أَدْرِي من هُوَ الجون بن قَتَادَة . وَقَالَ أَبُو طَالب : سَأَلته - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل - عَن جون بن قَتَادَة ، فَقَالَ : لَا نعرفه . قُلْتُ : يروي غير هَذَا الحَدِيث ؟ قَالَ : لَا . يَعْنِي حَدِيث الدّباغ . قُلْتُ : هُوَ جون بن قَتَادَة بن (الْأَعْوَر) بن (سَاعِدَة التَّمِيمِي) ، بَصرِي ، قَالَ فِيهِ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : إنَّه مَعْرُوف ، لَمْ يَرْوِ عَنهُ غير الْحسن . واخْتُلف فِي صحبته أَيْضا ، فَقَالَ ابْن سعد : صحب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكتب لَهُ كتابا (بالشَّبَكَة مَوضِع) بالدهناء . وَقَالَ ابْن حزم فِي المحلَّى أَيْضا إنَّ لَهُ صُحْبَة . وَذكره ابْن الْأَثِير فِي (كتاب) الصَّحَابَة لَهُ ، فَقَالَ : (قيل) : لَهُ صُحْبَة ، وَقيل : لَا صُحْبَة لَهُ وَلَا رِوَايَة . وَقَالَ أَبُو نعيم : (جون) لَا تثبت لَهُ صُحْبَة ، وَلَا رِوَايَة . (وَقَالَ) الْحَافِظ ، أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي مُخْتَصره : رَوَى عَنهُ الْحسن فِي دباغ الْميتَة ، رَوَاهُ بَعضهم : عَن الْحسن ، [ عَن جون ، وَرَوَاهُ بَعضهم : عَن الْحسن ، ] (عَنهُ) ، عَن سَلمَة بن المحبق ، وَهُوَ أصح . وَقَالَ فِي كِتَابه مُخْتَصر التَّهْذِيب : لم تصحّ صحبته ، لَهُ عَن الزبير ، وَسَلَمَة بن المحبق ، وَعنهُ : الْحسن ، وَقَتَادَة - إِن كَانَ مَحْفُوظًا - وقرة بن الْحَارِث ، وعَدَّه بَعضهم صحابيًا ، بِحَدِيث وَهِمَ فِيهِ هشيم عَن مَنْصُور (بن زَاذَان ، عَن الْحسن ، عَن جون بن قَتَادَة : كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سفر وَقد سقط (مِنْهُ) سَلمَة بن المحبق ، وَرَوَاهُ أَيْضا هشيم هَكَذَا . وَذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي ثقاته ، (فِي) التَّابِعين . فَإِذا عرفت ذَلِك : فإنْ كَانَ صحابيًا - كَمَا قَالَه (ابْن سعد) و (ابْن حزم) (وَغَيرهمَا) : فَلَا يضرّهُ مَا قَالَه الإِمام أَحْمد من جهالته . وَإِن كَانَ تابعيًا : يُعارض قَوْله بقول عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : إنَّه مَعْرُوف ، وتوثيق ابْن حبَان لَهُ ، وَرِوَايَة جمَاعَة عَنهُ ، وَذَلِكَ رَافع للْجَهَالَة العينية ، والحالية . قَالَ ابْن عدي : لم يعرف لَهُ أَحْمد غير حَدِيث الدّباغ ، وَقد ذكرت لَهُ حَدِيثا آخر ، وَمَا أَظن لَهُ (غَيرهمَا ) . وَسَلَمَة بن المحبق لَهُ صُحْبَة ، وَهُوَ هذلي ، سكن الْبَصْرَة ، وكنيته : أَبُو سِنَان . قَالَ الْحَازِمِي : رَوَى عَن (سَلمَة) (من) وَجه آخر (نَحْو) هَذَا الحَدِيث ، إلاَّ أَنه قَالَ : يَوْم خَيْبَر . وَاسم المحبق : صَخْر بن عبيد ، وَقد تقدم أَن بَاء المحبِق مَكْسُورَة . قَالَ ابْن نَاصِر : وَهُوَ الصَّوَاب ، لِأَنَّهُ حَبَقَ ، فلقب بذلك . وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السّنَن : بعض أهل الْعلم يكسر الْبَاء ، وَأَصْحَاب الحَدِيث يفتحونها . وَاقْتصر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الإِمام (عَلَى) الْفَتْح . لَكِن قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب كشف النقاب (عَن) الْأَسْمَاء والألقاب : أَصْحَاب الحَدِيث (يفتحون) الْبَاء ، وَهُوَ غلط ، إنَّما هِيَ مَكْسُورَة . قَالَ : وَقَالَ الْجَوْهَرِي : إِنَّمَا سَمَّاه (أَبوهُ) المحبق تفاؤلًا بالشجاعة ، أَنه (يضرط) الْأَعْدَاء ، وَلم يرد ذَلِك فِي الصِّحَاح . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أبي أُمَامَة رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج فِي بعض مغازيه ، فمرَّ بِأَهْل أَبْيَات من الْعَرَب ، فَأرْسل إِلَيْهِم : هَل من مَاء لوضوء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالُوا : مَا عندنَا مَاء إلاَّ فِي إهَاب ميتَة ، دبغناه بِلَبَنٍ ، فَأرْسل إِلَيْهِم : إنَّ دِبَاغَه طهوره ، فَأُتِي بِهِ ، فتوضَّأ ، ثمَّ صَلَّى . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَوسط معاجمه ، وَقَالَ : لم يَرْوِه عَن (سليم) بن عَامر ، إلاَّ عُفير بن معدان . وَأخرجه كَذَلِك فِي أكبر معاجمه أَيْضا . قُلْتُ : وعفير هَذَا : ضَعِيف ، قَالَ يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ أَحْمد : ضَعِيف ، مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ الرَّازِيّ : لَا يُشْتَغل بروايته . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ الْحَازِمِي : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من (حَدِيث) الشاميين . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُ ، وَله طرق : أَحدهَا : عَن أبي الْخَيْر ، (مرْثَد) بن عبد الله الْيَزنِي ، قَالَ : رَأَيْت عَلَى ابْن وَعلة السبئي فَرْوًا ، فمسسته ، فَقَالَ : مَا لك تمسه ؟ قد سَأَلت عبد الله بن عَبَّاس ، قُلْتُ : إنَّا نَكُون (بالمغرب) ، ومعنا البربر ، وَالْمَجُوس ، نُؤتى بالكبش قد ذبحوه ، وَنحن لَا نَأْكُل ذَبَائِحهم ، (ونُؤتى) بالسقاء يجْعَلُونَ فِيهِ الوَدَك . فَقَالَ ابْن عَبَّاس : قد سَأَلنَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : دباغه طهوره . رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : إنَّا نَكُون بالمغرب ، فَيَأْتِينَا الْمَجُوس بالأسقية فِيهَا (المَاء و) الودك ؟ فَقَالَ : اشرب . فَقلت : رَأْي ترَاهُ ؟ قَالَ ابْن عَبَّاس : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : دباغه طهوره . انْفَرد مُسلم بِهَذَا الحَدِيث من طريقيه . الطَّرِيق الثَّانِي : عَن يَعْقُوب (بن) عَطاء ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُ (قَالَ) : مَاتَت شَاة لميمونة ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (أَلا) (استمتعتم) بإهابها ؛ فإنَّ دباغ الْأَدِيم طهوره . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَالْبَزَّار فِي مُسْنده ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته . قَالَ الْبَزَّار : لَا نعلم رَوَاهُ (عَن) يَعْقُوب ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُ إلاَّ شُعْبَة . قُلْتُ : لَا يضرّهُ ذَلِك ، فإنَّ شُعْبَة إِمَام ، وتَفَرُّد الثِّقَة بِالْحَدِيثِ لَا يضرّه ، نعم الشَّأْن فِي يَعْقُوب بن عَطاء ، وَهُوَ : ابْن أبي رَبَاح ، فقد قَالَ أَحْمد فِي حَقه : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ ابْن معِين ، وَأَبُو زرْعَة : ضَعِيف ، وَأما ابْن حبَان : (فَذكره فِي الثِّقَات ) . الثَّالِث : عَن فُليح بن سُلَيْمَان ، عَن زيد بن أسلم ، عَن (ابْن) وَعلة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دِبَاغُ كلِّ إهَابٍ طَهُورُهُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَقَالَ فِي علله : إنَّه الْمَحْفُوظ . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن الْحَارِث ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاس : الفِراء تُصنع من جُلُود الْميتَة ؟ فَقَالَ : سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : ذَكَاة كل مسك دباغه . وَفِي لفظ : (دباغ كل أَدِيم ذَكَاته ) . رَوَاهُ الحافظان : أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه موضح أَوْهَام الْجمع والتفريق باللفظين الْمَذْكُورين ، والدولابي فِي كِتَابه الْأَسْمَاء والكنى ، وَهَذَا لَفظه : عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن الْحَارِث ، قَالَ : دخلت عَلَى ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث ذكره ، فَقَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَقُول) : ذَكَاة كل مَسْكٍ دباغه . المَسْك : بِفَتْح الْمِيم ، وَسُكُون السِّين : الْجلد . الطَّرِيق الْخَامِس : عَن جون بن قَتَادَة التَّمِيمِي ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بعض أَسْفَاره ، فمرَّ بعض أَصْحَابه بسقاء مُعَلّق ، فَأَرَادَ أَن يشرب ، فَقَالَ (لَهُ) صَاحب السقاء : إنَّه جلد ميتَة ، فَأمْسك ، حتَّى لحقهم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذكرُوا لَهُ ذَلِك ، فَقَالَ : اشربوا ، فإنَّ دِبَاغ الْميتَة طهورها . ذكره أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كِتَابه المحلَّى بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ، ثمَّ قَالَ : جون لَهُ صُحْبَة . وَقد تقدم قَرِيبا الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك . الطَّرِيق السَّادِس : عَن هزيل - بالزاي الْمُعْجَمَة - بن شُرَحْبِيل ، عَن ( أم سَلمَة ) أَو زَيْنَب ، أَو غَيرهمَا من (أَزوَاج) النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلا استمتعتم بإهابها ؟ . فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، (كَيفَ) (نستمتع) بهَا وَهِي ميتَة ؟ ! فَقَالَ : طهُور الْأَدِيم دباغه . رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ) هَكَذَا . قَالَ : وَرَوَاهُ أَيْضا هزيل ، عَن بعض أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَت لنا شَاة فَمَاتَتْ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من هَذِه الطَّرِيق ، وَفِيه : (لتستمتعي) بإهابها ، ثمَّ قَالَ : لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة ، إلاَّ عباد بن عباد ، تفرَّد بِهِ يَحْيَى بن أَيُّوب . قُلْتُ : وَلَا يضر تفرده بذلك ، لِأَنَّهُ ثِقَة ثَبت مخرج حَدِيثه فِي الصَّحِيح . الطَّرِيق السَّابِع : عَن زيد بن ثَابت رَضِي اللهُ عَنْهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنه قَالَ : دباغ جُلُود الْميتَة طهورها . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْوَاقِدِيّ ، وَهُوَ مَكْشُوف الْحَال . الطَّرِيق الثَّامِن : عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ (فِي) جُلُود الْميتَة : دباغه طهوره . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث عَلّي بن يزِيد ، عَن الْقَاسِم ، عَن أبي أُمَامَة ، عَنهُ بِهِ . وَعلي وَالقَاسِم : ضعيفان ، كَمَا سَيَأْتِي . الطَّرِيق التَّاسِع : عَن عبد الله بن عمر رَضِي اللهُ عَنْهُما أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى شَاة ، فَقَالَ : مَا هَذِه ؟ قَالُوا : ميتَة . قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ادبغوا إهابها ، فإنَّ دِبَاغَه طهوره . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ ، من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الله ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر ، ثمَّ قَالَ : (الْقَاسِم) ضَعِيف . وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو أَحْمد فِي الكنى ، من حَدِيث حَفْص [ أَبُو ] سهل الْخُرَاسَانِي ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، أنَّ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : جُلُود الْميتَة دباغها - يَعْنِي : طهورها ) ثمَّ قَالَ : أَبُو سهل هَذَا فِي حَدِيثه بعض الْمَنَاكِير . قَالَ : وَلَا أعرف لعبد الله (بن) عمر (بن الْخطاب) فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا وَلَا رِوَايَة من مخرج يُعتمد عَلَيْهِ ، بل كل مَا رُوي عَنهُ فِيهِ واهٍ غير مَحْفُوظ . وعَدَّد ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه طرق هَذَا الحَدِيث ، وَزَاد : أَن أنسا ، وَابْن مَسْعُود ، وَجَابِر بن عبد الله رَوَوْهُ أَيْضا ، وأهمل بعض مَا ذَكرْنَاهُ . فَهَذِهِ طرق هَذَا الحَدِيث مُوضحَة ، وَلَا يضر الضعْف الْمَوْجُود فِي بَعْضهَا الآخر الْخَالِي مِنْهُ . وَيقرب من هَذَا الحَدِيث حديثان آخرَانِ : أَحدهمَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضِي اللهُ عَنْهُما أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَن يتَوَضَّأ من سِقاء ، فَقِيل لَهُ : إنَّه ميتَة . فَقَالَ : دِباغه يزِيل خبثه - أَو نجسه ، أَو رجسه . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده . وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك ، وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح ، وَلَا أعرف لَهُ (عِلّة ) . وَالْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح . قُلْتُ : وصحَّحه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا ، لذكره إِيَّاه فِي (صَحِيحه) . (الحَدِيث) الثَّانِي : عَن أم سَلمَة رَضِي اللهُ عَنْهُا ، أَنَّهَا قَالَت : كَانَ (لنا) شَاة نَحْلُبهَا ، ففقدها رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا فعلتِ الشَّاة ؟ قَالُوا : مَاتَت . قَالَ : أَفلا انتفعتم بإهابها ؟ فَقلت : إنّها ميتَة ! فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِن دباغها يحل (كَمَا يحل خل) الْخمر . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : تفرَّد بِهِ فرج بن فضَالة ، وَهُوَ ضَعِيف .
الحَدِيث السَّابِع أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَق شعره ، نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَة ، ليُفَرِّقَه عَلَى أَصْحَابه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، من رِوَايَة أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا رَمَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (الْجَمْرَة) ، وَنحر نُسكه ، [ وَحلق ] ، ناول الحالق شقَّه الْأَيْمن ، [ فحلقه ] ، فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَة ، ثمَّ نَاوَلَهُ شقَّه الْأَيْسَر ، فحلقه ، [ فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَة ] ، فَقَالَ : اقسمه بَين النَّاس . وَأَبُو طَلْحَة هَذَا : اسْمه زيد (بن سهل) بن الْأسود الْأنْصَارِيّ ، عَمّ أنس بن مَالك ، زوج أمه ، وَكَانَ عقبيًا بَدْرِيًّا ، شهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة ، وَأحد الصَّحَابَة الَّذين سردوا الصَّوْم بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي الْحَافِظ : عَاشَ أَبُو طَلْحَة بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَرْبَعِينَ) سنة فسرد الصَّوْم . وَخَالفهُ غَيره ، فَقَالَ : توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة . وَقيل : اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ .
الحَدِيث الثَّالِث عشر رُوِيَ أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : من شرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، أَو إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي (جَوْفه) نَار جَهَنَّم . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور : الْأُسْتَاذ أَبُو الْوَلِيد النَّيْسَابُورِي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ؛ وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله ، فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث وَغَيرهم ، من رِوَايَة : يَحْيَى بن [ مُحَمَّد ] الْجَارِي ، ثَنَا زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُطِيع ، عَن أَبِيه ، عَن عبد الله بن عمر مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وأخبرناه أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي فَوَائده ، عَن الطوسي ، والفاكهي مَعًا ، فَزَاد فِي الإِسناد بعد أَبِيه : عَن جده ، عَن (ابْن) عمر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَظنهُ وهما ، وَقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ ، والفقيه أَبُو الْوَلِيد (النَّيْسَابُورِي) ، (بِدُونِ) ذكر جده . قَالَ : وَالْمَشْهُور عَن ابْن عمر فِي (المضبب) مَوْقُوفا عَلَيْهِ . ثمَّ أخرجه بِإِسْنَاد صَحِيح ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَنه كَانَ لَا يشرب فِي قدح فِيهِ حَلقَة فضَّة ، وَلَا ضبة فضَّة . ثمَّ رُوِيَ من جِهَة خصيف ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر : أَنه أُتِيَ بقدح (مضبب) ليشْرب مِنْهُ ، فَأَبَى أَن يشرب ، (فَسَأَلته) ، فَقَالَ : إِن ابْن عمر ، مُنْذُ سمع رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهَى عَن الشّرْب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة ، لم يشرب فِي الْقدح المفضض . انْتَهَى . وخصيف هَذَا سكت (عَنهُ) الْبَيْهَقِيّ هُنَا ، وَقَالَ فِي بَاب (كَفَّارَة) من أَتَى الْحَائِض : خصيف غير مُحْتَج بِهِ . وَقد شهد للْحَدِيث الْمُتَقَدّم غير وَاحِد بضعفه ، قَالَ أَبُو الْحسن بن القَطَّان : هَذَا حَدِيث لَا يصحّ ، وزَكَرِيا ، وَأَبوهُ لَا يعرف لَهما حَال . قُلْتُ : و ( الْجَارِي ) ، قَالَ البُخَارِيّ : يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ ، وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَابْن حبَان ، (وَقَالَ : يغرب) . وَقَالَ ابْن عدي : لَيْسَ بحَديثه بَأْس . وَقَالَ أَبُو عوَانَة الإِسفراييني فِي صَحِيحه فِي بَاب تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ : نَا عَبَّاس الدوري ، ثَنَا (يَحْيَى الزِّمِّي) ، نَا يَحْيَى بن مُحَمَّد (الْجَارِي) بساحل الْمَدِينَة ، ثِقَة . وَقَالَ الْحَاكِم فِي كتاب عُلُوم الحَدِيث : لم (تكْتب) هَذِه اللَّفْظَة - وَهِي : أَو إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك - إلاَّ بِهَذَا الإِسناد . وَقَالَ السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ : هَذَا حَدِيث غَرِيب . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : (هَذَا حَدِيث) فِي إِسْنَاده نظر . وَقَالَ النَّوَوِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين : الْأَشْهر رِوَايَة الْوَقْف عَلَى ابْن عمر . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : حَدِيث مُنكر . قُلْتُ : وَأما الإِمام أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ ، فَقَالَ عقب تَخْرِيجه لَهُ : إِسْنَاده حسن .
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم بَاب الِاجْتِهَاد ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثا وَاحِدًا . وَهُوَ : مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَمُسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا ، من رِوَايَة أبي قَتَادَة رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي ، وَهُوَ حَامِل أُمَامَة بنت زَيْنَب (بنت) رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ وَلأبي الْعَاصِ بن الرّبيع ] ، فَإِذا قَامَ حملهَا ، وَإِذا سجد وَضعهَا . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلِّي بِالنَّاسِ ، وأمامة عَلَى عُنُقه - وَفِي رِوَايَة : عَلَى عَاتِقه - فَإِذا ركع وَضعهَا ، وَإِذا (قَامَ) من السُّجُود أَعَادَهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : يؤم النَّاس . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَنه كَانَ فِي الْمَسْجِد . وَاسم أبي الْعَاصِ : (مهشم) ، كَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ (فِي شرح الْمُهَذّب) . وَقَالَ صَاحب الْمُغنِي فِي غَرِيب الْمُهَذّب : مِقْسم - بِكَسْر الْمِيم ، وَسُكُون الْقَاف - كَذَا ضَبطه . وَقيل : لَقِيط . وَقيل : يَاسر . وَقيل : الْقَاسِم . وَهَذَا الْفِعْل مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - كَانَ قَلِيلا ، فَلَا يقْدَح فِي صِحَة الصَّلَاة . وادَّعى بَعضهم أَن هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ . وَفِي ذَلِك نظر ؛ (لِأَنَّهُ) لَا بُد فِي ذَلِك من معرفَة المتقدِّم من المتأخِّر ، وَلَا قدرَة لَهُ عَلَى ذَلِك . وادَّعى بَعضهم أَن ذَلِك كَانَ فِي النَّافِلَة . وَذَلِكَ مَرْدُود ، لِأَن ظَاهر قَوْله : رَأَيْته - عَلَيْهِ السَّلَام - يَؤُم النَّاس فِي الصَّحِيح صَرِيح ، (أَو) كَالصَّرِيحِ فِي الْفَرِيضَة . قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم . قُلْتُ : بل ورد (ذَلِك) صَرِيحًا ، فروَى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه أَن ذَلِك كَانَ فِي الظّهْر أَو الْعَصْر . وَرَوَى الزبير بن بكار فِي كتاب النَّسب ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، عَن عَمْرو بن سليم : أَن ذَلِك كَانَ فِي صَلَاة الصُّبْح ، فاستفده . وادَّعى بَعضهم (خُصُوصِيَّة) ذَلِك برَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ لَا يُؤْمَن من الطِّفْل الْبَوْل ، وَغير ذَلِك عَلَى حامله ، وَقد يُعْصَم رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويَعْلم بسلامته . وَفِي ذَلِك نظر ، فَأَي دَلِيل عَلَى الخصوصية ؟ .
الحَدِيث الْخَامِس عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهاها عَن التشميس ، وَقَالَ : إنَّه يُورِثُ البَرَص . هَذَا (الحَدِيث واهٍ جدًّا ) ، وَله أَربع طرق : (أوَّلها) : عَن خَالِد بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ، قَالَت : دخل عليَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقد سَخَّنتُ مَاء فِي الشَّمْس ، فَقَالَ : لَا تفعلي يَا حُمَيْراء ، فإنَّه يُورث البرص . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَابْن عدي فِي كَامِله ، وَأَبُو نعيم فِي كتاب الطِّبّ بأسانيدهم إِلَى خَالِد بِهِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : خَالِد هَذَا مَتْرُوك . قلت : هُوَ كَمَا قَالَ ، فقد ضَعَّفه الْأَئِمَّة ، قَالَ ابْن عدي : يضع الحَدِيث عَلَى ثِقَات الْمُسلمين . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان : لا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : كَذَّاب ، يحدث عَن الثِّقَات بِالْكَذِبِ . لَا جرم أَن الْبَيْهَقِيّ لَمَّا ذكره فِي سنَنه قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يصحّ . وَثَانِيها : عَن عَمْرو بن مُحَمَّد (الأَعْسَم) ، عَن (فُلَيْح ، عَن الزُّهْرِيّ) ، عَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، قَالَت : نهَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَن يُتَوضَأ بِالْمَاءِ المشمس ، أَو يُغتسل بِهِ ، وَقَالَ : إنَّه يُورث البرص . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، (إِلَيْهِ) ثمَّ قَالَ : عَمْرو بن مُحَمَّد الأعسم مُنكر الحَدِيث ، وَلم يروه عَن فليح غَيره ، وَلَا يصحّ عَن الزُّهْرِيّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان : عَمْرو هَذَا يروي عَن الثِّقَات الْمَنَاكِير ، وَيَضَع أسامي الْمُحدثين ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال . والأعسم : بِالْعينِ وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ . وَثَالِثهَا : عَن وهب بن وهب ، عَن هِشَام (بن) عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، قَالَت : أسخنت لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاء فِي الشَّمْس ، فَقَالَ : لَا تعودي يَا حميراء ، فإنَّه يُورث البرص . رَوَاهُ ابْن عدي ، وَقَالَ : وهب : (أَشَرُّ) من خَالِد بن إِسْمَاعِيل . قلت : بِلَا شكّ ، وَهُوَ وهب بن وهب بن كَبِير : - بِفَتْح الْكَاف ، وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة - ابْن عبد الله بن زَمعَة بن الْأسود بن الْمطلب بن عبد الْعُزَّى بن قصي ، أَبُو البَخْتَري - بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ، وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ، وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق - : قَاضِي بَغْدَاد ، وَهُوَ من رُؤَسَاء الْكَذَّابين ، قَالَ أَحْمد : كَانَ كَذَّابًا يضع الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش ، وَابْن الْمَدِينِيّ ، والرازي : كَانَ كذَّابًا . وَقَالَ يَحْيَى : كَذَّاب خَبِيث ، كَانَ عَامَّة اللَّيْل يضع الحَدِيث . وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة : ذَاك دَجَّال . وَقَالَ السَّعْدِيّ : كَانَ يكذب ويجسر . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي : كَانَ يكذب ، ويحدِّث بِمَا لَيْسَ لَهُ أصل . وَقَالَ مُسلم ، وَالنَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . زَاد الدَّارَقُطْنِيّ : وكَذَّاب . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا أعلم لَهُ حَدِيثا مُسْتَقِيمًا ، كُلّها بَوَاطِيلُ . رَابِعهَا : عَن الْهَيْثَم بن عدي ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْو الطَّرِيق الأول . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ . والهيثم هَذَا : هُوَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الطَّائي ، أحد الهلكى ، قَالَ يَحْيَى : كَانَ يكذب ، لَيْسَ بِثِقَة . وقَالَ عَلّي : لَا أرضاه فِي شَيْء . وَقَالَ السَّعْدِيّ : سَاقِط ، قد كشف قناعه . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : كَذَّاب . وَقَالَ النَّسَائِيّ ، والرازي ، والأزدي : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يجوز الرِّوَايَة عَنهُ إلاَّ عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار ، وَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . قلت : وَلِحَدِيث عَائِشَة طَرِيق خَامِس : أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ ، وَلم يذكر إِسْنَاده ، فَقَالَ فِي سنَنه : وَرُوِيَ بِإِسْنَاد مُنكر عَن ابْن وهب ، عَن مَالك ، عَن هِشَام . وَلَا يَصح . وَهَذَا قد بَيَّنه الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابه غرائب أَحَادِيث مَالك الَّتِي لَيست فِي الْمُوَطَّأ ، فَرَوَاهُ بإسنادٍ إِلَيْهِ ، بطرِيق هِشَام المتكررة بِلَفْظ : سَخَّنت لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاء فِي الشَّمْس يغْتَسل فِيهِ ، فَقَالَ : لَا تفعلي يَا حميراء ، فإنَّه يُورث البرص . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا بَاطِل عَن ابْن وهب ، وَعَن مَالك أَيْضا ، وإنَّما رَوَاهُ : خَالِد بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي - وَهُوَ مَتْرُوك - عَن هِشَام ، ومَنْ دون ابْن وهب - فِي الإِسناد - ضعفاء .
الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ اغْتَسَلَ (بِمَاء مشمس) ، فأصابهُ وَضَحٌ ، فَلَا يَلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَه . هَذَا الحَدِيث غَرِيب (جدًّا ) لَيْسَ فِي السّنَن الْأَرْبَعَة قطعا ، حاشا الصَّحِيحَيْنِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي السّنَن الْكَبِير ، و الْمعرفَة للبيهقي ، وَلَا فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ ، و علله ، وَلَا فِي المسانيد ، فِيمَا فحصت عَنهُ عدَّة سِنِين فَوق الْعشْرَة ، وسؤالي لبَعض الْحفاظ بِمصْر ، والقدس ، ودمشق عَنهُ ، فَلم يعرفوه . (إلاَّ أَنِّي ظَفرت بِهِ) فِي (مشيخة) قَاضِي المرستان ، فِي أَوَاخِر الْجُزْء الْخَامِس مِنْهَا ، وَقد أخبرنَا بهَا : المُسْنِد ، أَبُو عبد الله ، مُحَمَّد بن أَحْمد بن (خَالِد) الفارقي ، أَنا الْعِزّ الْحَرَّانِي سَمَاعا ، والنجيب إجَازَة ، أخبرنَا ابْن الخُرَيف ، ضِيَاء (الدَّين) بن أبي الْقَاسِم ، سَمَاعا ، أَنا القَاضِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز ، الْمَعْرُوف بقاضي المرستان ، أَنا أَبُو الْحسن عَلّي بن جَامع النَّيْسَابُورِي ، أَنا أَبُو بكر بن عبد ربه ، أَنا أَبُو مُسلم فَارس بن المظفر بن غَالب ، أَنا (أَبُو عمر مُحَمَّد) بن عَمْرو بن أَحْمد الْمُقْرِئ ، أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الإِسماعيلي ، أَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن هَارُون بن حميد بن [ المجدر ] ، وثنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مَيْمُون الْبَصْرِيّ ، نَا عَلّي بن (الْحسن) بن يعمر ، عَن عمر بن (صُبْح) ، عَن مقَاتل بن حَيَّان ، عَن الضَّحَّاك ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : من احْتجم يَوْم الْأَرْبَعَاء ، أَو السبت ، فَأَصَابَهُ داءٌ فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن اغْتسل (بالمشمس) فَأَصَابَهُ وَضَحٌ ، فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، ومَنْ بَال فِي مستنقع ، مَوضِع وضوئِهِ ، فَأَصَابَهُ وسواس فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن تَعَرَّى فِي غير كِنٍّ ، فَخُسِفَ بِهِ فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن نَام وَفِي يَده غَمَرُ الطَّعَام ، فَأَصَابَهُ لَمَمٌ فَلَا يلومنَّ إِلَّا نَفسه ، وَمن نَام بعد الْعَصْر ، فاختلس عقله فَلَا يلومنَّ إلاَّ نَفسه ، وَمن شَبَّك فِي صلَاته ، فَأَصَابَهُ زحِيْرٌ فَلَا يلومنَّ إِلَّا نَفسه . ( حَدِيث واهٍ ) ، (عمرُ) بن صبح : كَذَّاب ، اعْترف بِالْوَضْعِ ، والضَحَّاك : لَمْ يَلْقَ ابْن عَبَّاس ، وَابْن [ المجدر ] : صَدُوق ، لكنه نَاصِبِيٌّ منحرفٌ عَن (الْحق ) . وَفِي الْبَاب - أَيْضا - فِي النَّهْي عَن المشمس : حَدِيث أنس ، وَله طَرِيقَانِ : أَولهمَا : عَن سوَادَة ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أنَّه سمع النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : لَا تغتسلوا (بِالْمَاءِ) الَّذِي يُسَخَّن فِي الشَّمْس ، فإنَّه يُعْدِي من البَرَصِ . رَوَاهُ الْعقيلِيّ ، وَغَيره ، من حَدِيث : عَلّي بن هَاشم الْكُوفِي ، عَن سوَادَة ، بِهِ كَمَا تقدم ، ثمَّ قَالَ : سوَادَة مَجْهُول بِالنَّقْلِ ، حَدِيثه غير مَحْفُوظ . وَقَالَ البُخَارِيّ : كَانَ ( عليٌّ وهَاشِم غاليين) فِي مَذْهَبهمَا . يَعْنِي التَّشَيُّع . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ (عليٌّ) غاليًا فِي التَّشَيُّع ، ويروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير . وَثَانِيهمَا : عَن زَكَرِيَّا بن حَكِيم ، عَن الشّعبِيّ ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تغسلوا صِبْيَانكُمْ بِالْمَاءِ الَّذِي يسخن بالشمس ، فإنَّه يُورث البَرَص . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْجُزْء النيف والثمانين من أَفْرَاده ، كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام ، وَهِي طَريقَة غَرِيبَة ، ( قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تَفَرَّد بِهِ زَكَرِيَّا بن حَكِيم ، عَن الشّعبِيّ ، وَلم يروه) عَنهُ (غير) أبي اليسع ، أَيُّوب بن سُلَيْمَان . قلت : زَكَرِيَّا هَذَا ضَعِيف بِمرَّة . قَالَ فِيهِ أَحْمد ، وَيَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وقَالَ مرّة : لَيْسَ بِثِقَة . وَكَذَلِكَ قَالَ النَّسَائِيّ . وَقَالَ عليٌّ : هَالك . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَأما أَيُّوب بن سُلَيْمَان ، الرَّاوِي عَنهُ : فَهُوَ المكفوف ، قَالَ الْأَزْدِيّ : غير حجَّة . فَتَلَخَّص : أَن الْوَارِد فِي النَّهْي عَن اسْتِعْمَال المَاء المشمس ، من جَمِيع طرقه بَاطِل ، لَا يصحّ ، وَلَا يحلُّ (لأحدٍ) الِاحْتِجَاج بِهِ . وَمَا (قَصَّرَ) ابنُ الْجَوْزِيّ فِي نسبته إِلَى الْوَضع فِي حَدِيث عَائِشَة وأَنس ، وَقَوله فِي كل مِنْهُمَا : هَذَا حَدِيث لَا يصحّ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن : لَا يصحُّ . وَقَالَ فِي الْمعرفَة : لَا يثبت الْبَتَّةَ . وَقَالَ الْعقيلِيّ الْحَافِظ : لَا يصحُّ فِي المَاء المشمس حَدِيث مُسْند ، إنَّما يرْوَى فِيهِ شَيْء عَن عمر بن الْخطاب من قَوْله . وَسَيَأْتِي ذَلِك قَرِيبا . ثمَّ بَينه بعد ذَلِك لما وَقع لأبي عبد الله ، مُحَمَّد بن معن الدِّمَشْقِي فِي كِتَابه الَّذِي وَضعه عَلَى الْمُهَذّب ، الْمُسَمَّى ب التنقيب ، فإنَّه لمَّا ذكر حَدِيث عَائِشَة الْمُتَقَدّم ، قَالَ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي كِتَابَيْهِمَا . هَكَذَا هُوَ ثَابت فِي كل النّسخ ، وَلَا أَدْرِي كَيفَ وَقع لَهُ هَذَا الْغَلَط الْقَبِيح ، (وَمن أَيْن أَخذه) ؟ ! ، وَقد (وَقع فِي) الْكتاب الْمَذْكُور أَمْثَال ذَلِك ، لَعَلَّنَا نُنَبِّه عَلَيْهَا فِي مواطنها - إِن شَاءَ الله ذَلِك وقَدَّره . انْقَضَى الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب ، بِحَمْد الله وعونه .
وَذكر فِيهِ عَن الصَّحَابَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - : (أَنهم تَطَهَّرُوا) بِالْمَاءِ المُسَخَّنِ بَين يَدي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلم يُنكِر عَلَيْهِم . وَهَذَا ، قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ : لم أَرَهُ فِي غير الرَّافِعِيّ . قلت : وَقد رَوَاهُ بِنَحْوِهِ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير من حَدِيث الْعَلَاء بن الْفضل المِنْقَري ، نَا الْهَيْثَم بن رُزَيْق - بِتَقْدِيم الرَّاء الْمُهْملَة عَلَى الزَّاي - الْمَالِكِي ، من بني مَالك بن كَعْب بن سعد ، عَاشَ مائَة و [ سبع عشرَة ] سنة ، عَن أَبِيه ، عَن الأسلع بن شريك ، قَالَ : كنت أُرَحِّلُ ناقةَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأصابتني جنابةٌ فِي لَيْلَة بَارِدَة ، وَأَرَادَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرحلة ، فكرهتُ أَن أُرَحِّل نَاقَته وَأَنا جنب ، وخشيت أَن أَغْتَسِل بِالْمَاءِ الْبَارِد فأموت ، أَو أمرض ، فأمرتُ رجلا من الْأَنْصَار ، يُرَحِّلها ، ووضعتُ أحجارًا ، فأسخنت بهَا [ مَاء ] ، فاغتسلت ، ثمَّ لحقت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ وَأَصْحَابه ، فَقَالَ : يَا أسلع ، مَا لي أرَى رحلتك تَغَيَّرت ؟ ] فَقلت : يَا رَسُول الله لم أُرَحِّلْها ، رحَّلها رجل من الْأَنْصَار . قَالَ : ولِمَ ؟ [ فَقلت : إِنِّي ] أصابتني جَنَابَة ، فخشيتُ القُرَّ عَلَى نَفسِي ، فَأَمَرته أَن يرحِّلها ، ووضعتُ أحجارًا ، فأسخنتُ مَاء فاغتسلت بِهِ ، فَأنْزل الله - تَعَالَى - : (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى ) إِلَى قَوْله : (إِن الله كَانَ عفوا غَفُورًا) . وَرَوَاهُ الْحَافِظ : الْحسن بن سُفْيَان ، عَن مُحَمَّد بن مَرْزُوق ، عَن الْهَيْثَم بن رُزَيْق ، بِسَنَدِهِ ، وَفِيه : مَا لِي أرَى (رحلتك) تضطرب ؟ وَمن جِهَة الْحسن بن سُفْيَان ، أخرجه الْحَافِظ أَبُو بكر (الْبَيْهَقِيّ) ، إلاَّ أَنه مُخْتَصر اللَّفْظ . وَأخرجه أَبُو نعيم فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة من طُرُق ، أَحدهَا تقدَّم ، وَالْبَاقِي فِي التَّيَمُّم . والهيثم هَذَا ذكره وأباه : ابنُ أبي حَاتِم ، وَلم يذكر فيهمَا جرحا وَلَا تعديلاً ، وَلم يذكر (رَاوِيا) عَن الْهَيْثَم إلاَّ وَاحِدًا . قلت : وَذكره الْعقيلِيّ ، وَقَالَ : لَا يُتابع عَلَى حَدِيثه . والْعَلَاء بن الْفضل (الْمنْقري ) : فِيهِ ضعف يسير ، قَالَ ابْن حبَان : كَانَ مِمَّن ينْفَرد بأَشْيَاء مَنَاكِير عَن (أَقوام) مشاهير ، لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بأخباره الَّتِي انْفَرد بهَا ، فأمَّا مَا وَافق [ فِيهَا ] الثِّقَات : فإنْ (اعْتبر بهَا) مُعْتَبر ، لم أَرَ بذلك بَأْسا . وَيُقَال : رَحَلَ النَّاقة ، يرحَلها - بِفَتْح الْحَاء - فِي الْمَاضِي والمستقبل ، والرِّحلة - بِكَسْر الرَّاء هَهُنَا - : الْهَيْئَة ، والرِّحلة - بِالْكَسْرِ أَيْضا - : الارتحال . فَأَما الرُّحلة - بِالضَّمِّ - : فَمَا (يُرْتَحَلُ) إِلَيْهِ ، يُقَال : أَنْتُم رُحْلَتِي . أَفَادَهُ الشَّيْخ فِي الإِمام . وَلَا أعلم عَن أحدٍ من الصَّحَابَة فِي زَمَنه صلى الله عليه وسلم وَقع لَهُ ذَلِك) إلاَّ الأسلع هَذَا ، (ولعلنا نتكلم علَىَ شَيْء من حَاله فِي بَاب التَّيَمُّم - إِن شَاءَ الله وقَدَّره) . وَهُوَ وافٍ بِمَا أوردهُ الإِمام الرَّافِعِيّ ؛ لِأَن عِبَارَته ظَاهِرَة فِي أَن جَمِيع الصَّحَابَة فعلوا ذَلِك بَين يَدي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْعقل قَاض باستحالة ذَلِك ، لتفرقهم فِي الْبلدَانِ . وَلَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل الَّذِي نَقله الرَّافِعِيّ : أَن بعض الصَّحَابَة تطهَّر بِالْمَاءِ المسخن إِلَى آخِره ، فَسقط لفظ بعض ، إِمَّا من الأَصْل الْمَنْقُول مِنْهُ أَو من أصل الرَّافِعِيّ . نعم ، قد رُوِيَ (التطهر) بِالْمَاءِ المسخن من فعل جمع من الصَّحَابَة : أحدهم : عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ عَن زيد بن أسلم ، (عَن أسلم) مولَى عمر بن الْخطاب : أَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كَانَ يُسَخَّن لَهُ (مَاء) فِي قُمْقُمَةٍ ، فيغتسل بِهِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده صَحِيح . قلت : فِيهِ وَقْفَة ، فَفِي إِسْنَاده عَلّي بن غراب ، وَهِشَام بن سعد ، وَقد ضُعِّفَا ، فَلَعَلَّ الدَّارَقُطْنِيّ (اخْتَار تعديلهما . أما) عَلّي بن غراب : فَقَالَ أَحْمد : كَانَ يدلِّس ، وَلَا أرَاهُ إلاَّ صَدوقًا . وَقَالَ السَّعْدِيّ : سَاقِط . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : تركُوا حَدِيثه . وَقَالَ الْجوزجَاني : سَاقِط . وَقَالَ ابْن حبَان : حَدَّث بالأشياء الْمَوْضُوعَة ، فَبَطل الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَكَانَ غاليًا فِي التَّشَيُّع ، وإنْ أخرج لَهُ مُسلم . وَقَالَ أَحْمد : كَانَ يدلِّس ، وَمَا أرَاهُ إلاَّ صَدوقًا . قلت : قد عنعن فِي (هَذَا) الْأَثر . وَأما هِشَام بن سعد : فَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ (هُوَ بمحكم) الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَيْسَ بِشَيْء . وَمرَّة : لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي . وَمرَّة : ضَعِيف . وَقَالَ ( النَّسَائِيّ ) : ضَعِيف . وَله إِسْنَاد آخر صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه عَن عبد الْعَزِيز (الدَّرَاورْدِي) ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه : أنَّ عمر كَانَت لَهُ قمقمة يسخن فِيهَا المَاء . وَرَوَاهُ - أَيْضا - [ عبد الرَّزَّاق ] عَن معمر ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه : أَن عمر كَانَ يغْتَسل بِالْمَاءِ الْحَمِيم . وَهَذَا إِسْنَاد كَالَّذي قبله . (ثمَّ رَوَاهُ عَن : وَكِيع ، عَن هِشَام بن سعد عَن زيد بِهِ) . وَأخرجه أَبُو عبيد فِي كتاب الطّهُور بالإِسناد الأول ، فَقَالَ : نَا ابْن أبي مَرْيَم ، و [ نعيم ] بن حَمَّاد ، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه : أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يغْتَسل ، وَيتَوَضَّأ بالحميم . الثَّانِي : عَن ابْنه عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . رَوَاهُ عَنهُ : ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه ، عَن إِسْمَاعِيل ابن عُلَيَّة ، عَن أَيُّوب ، قَالَ : سَأَلت نَافِعًا عَن المَاء المسخَّن ، فَقَالَ : كَانَ ابْن عمر يتَوَضَّأ بالحميم . (وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه ، عَن معمر ، عَن أَيُّوب ، عَن نَافِع : أَن ابْن عمر كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ الْحَمِيم ) . وَهَذَا الإِسناد ، وَالَّذِي قبله : رجالهما رجال الصَّحِيحَيْنِ . وَأخرجه أَبُو عبيد فِي كِتَابه الطّهُور بالإِسناد الأول سَوَاء . الثَّالِث : عبد الله بن عَبَّاس . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه ، عَن مُحَمَّد بن بشر ، نَا مُحَمَّد بن (عَمْرو) ، نَا أَبُو سَلمَة ، قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : إنَّا نَدَّهِن بالدهن وَقد طُبخ عَلَى النَّار ، ونتوضأ بالحميم وَقد أُغلي عَلَى النَّار . وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد صَحِيح (عَنهُ ) : لَا (بَأْس) أَن يُغتسل بالحميم ، وَيتَوَضَّأ مِنْهُ . الرَّابِع : سَلمَة بن الْأَكْوَع . رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه ، عَن حَمَّاد بن مسْعدَة ، عَن يزِيد : أَن سَلمَة كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ المَاء ، فيتوضأُ بِهِ . وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي كِتَابه الطّهُور بِإِسْنَادِهِ ، وَزَاد فِي آخِره : فِي الْبرد . وَذكر الإِمام الرَّافِعِيّ فِيهِ (من الْآثَار : أثر عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَنه كره) المَاء المشمس ، وَقَالَ : إنَّه يُورث البَرَص . وَهَذَا الْأَثر رُوِيَ من طَرِيقين : أَحدهمَا : من رِوَايَة جَابر عَنهُ ، كَذَلِك رَوَاهُ (الإِمام) الشَّافِعِي فِي الْأُم ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن صَدَقَة بن عبد الله ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، عَنهُ بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن ، و الْمعرفَة ، عَن الشَّافِعِي بالسند الْمَذْكُور . وَهَذِه الطَّرِيقَة معلولة من وَجْهَيْن : الأول : الطعْن فِي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، وَهُوَ : [ ابْن أبي ] يَحْيَى ، سمْعَان الْأَسْلَمِيّ ، (الْمدنِي) ، (لم يُخرج لَهُ غير [ ابْن مَاجَه ] حَدِيث وَاحِد وَهُوَ : من مَاتَ مَرِيضا مَاتَ شَهِيدا) . قَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد ، حَافظ مصر ، فِي كِتَابه إِيضَاح الإِشكال - وَهُوَ مُفِيد - : هُوَ عبد [ الْوَهَّاب ] الْمقري ، الَّذِي (يروي عَنهُ) مَرْوَان بن مُعَاوِيَة ، وَهُوَ أَبُو الذِّئْب الَّذِي يحدث (عَنهُ) ابْن جريج . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي ضُعَفَائِهِ : كَانُوا يبهرجونه ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثِقَة ، وَكَانَ الْوَاقِدِيّ يَقُول : أَبُو إِسْحَاق بن مُحَمَّد ، وَرُبمَا قَالَ : إِسْحَاق ابن إِدْرِيس . و (كَانَ) ابْن جريج يَقُول نَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي عَطاء . وَكَانَ يَحْيَى بن آدم يَقُول : نَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى [ الْمدنِي ] . اهـ . وَقد أَكثر أهل الحَدِيث القَوْل فِيهِ من جِهَة الْقدر وَغَيره ، حَكَى ابْن أبي حَاتِم جرحه وتوهينه عَن : مَالك ، ووكيع ، وَابْن الْمُبَارك ، وَابْن عُيَيْنَة ، وَالْقطَّان ، وَابْن الْمَدِينِيّ ، وَأحمد ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَأبي حَاتِم ، وَأبي زرْعَة ، وَغَيرهم . قَالَ يَحْيَى بن سعيد : سَأَلت مَالِكًا عَنهُ : أَكَانَ ثِقَة فِي الحَدِيث ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا فِي دينه . وَسَيَأْتِي أَنه حط عَلَى مَالك أَيْضا . وَقَالَ ( الْقطَّان ) : كَذَّاب . وَقَالَ أَحْمد : تركُوا أَحَادِيثه ، (قدري) معتزلي ، يروي أَحَادِيث مُنكرَة ، لَيْسَ لَهَا أصل ، وَيَأْخُذ أَحَادِيث النَّاس يَضَعهَا فِي كتبه . (وَقَالَ وَكِيع : لَا تكْتبُوا عَنهُ حرفا) . وَقَالَ أَحْمد (مرّة) : (قدريّ) ، جهمي ، كل بلَاء فِيهِ ، ترك النَّاس حَدِيثه . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَركه ابْن الْمُبَارك وَالنَّاس . وَقَالَ مرّة : كَانَ يرَى الْقدر ، وَكَانَ جهميًّا . وَقَالَ ابْن معِين : كَذَّاب ، رَافِضِي ، مَتْرُوك . وَقَالَ مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة : سَمِعت [ عليا ] يَقُول : هُوَ كَذَّاب ، وَكَانَ يَقُول بِالْقدرِ ، (وَأَخُوهُ أنيس ) ثِقَة . وَقَالَ النَّسَائِيّ : الكذابون المعروفون بِوَضْع الحَدِيث عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَة : إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى بِالْمَدِينَةِ ، والواقدي بِبَغْدَاد ، وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان بخراسان ، وَمُحَمّد بن سعيد بِالشَّام ، (يعرف بالمصلوب) . وَقَالَ ( النَّسَائِيّ ) مرّة : مَتْرُوك . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَغَيره . وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد - عَلَى مَا أسْندهُ الْعقيلِيّ فِي ضُعَفَائِهِ - : كنَّا نُسَمِّيه - وَنحن نطلب الحَدِيث - : خرافة . وَقَالَ الدَّارمِيّ : سَمِعت يزِيد بن هَارُون يكذبهُ . وَقَالَ بشر بن (الْمفضل ) : سَأَلت فُقَهَاء الْمَدِينَة عَنهُ ، فكلهم قَالُوا : هُوَ كذَّاب . وَقَالَ أَبُو همَّام (السكونِي ) : سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى يشْتم بعض السّلف . وحطَّ عَلَى مَالك الإِمام ، فَحَدَّث شخصا غَرِيبا بِثَلَاثِينَ حَدِيثا ، وَقَالَ : قد حدَّثتك ثَلَاثِينَ حَدِيثا ، وَلَو ذهبت إِلَى ذَلِك الْحمار ، فحدَّثك (بِثَلَاثَة) أَحَادِيث لفرحت بهَا ؛ يَعْنِي : مَالِكًا . وَقَالَ الْعجلِيّ : كَانَ قدريًا ، معتزليًا ، رَافِضِيًّا ، كَانَت فِيهِ كل بِدعَة ، وَكَانَ من أحفظ النَّاس ، وَكَانَ قد سمع علما كثيرا ، وقرابته كلهم ثِقَات ، وَهُوَ غير ثِقَة . وَفِي كتاب ( الْآجُرِيّ ) عَن أبي دَاوُد : كَانَ قدريًا رَافِضِيًّا ، شتَّامًا ، مَأْبُونًا . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب نزُول الرُّخْصَة فِي التَّيَمُّم : إِبْرَاهِيم هَذَا مُخْتَلف فِي ثقته ، ضعَّفه أَكثر أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ ، وطعنوا فِيهِ ، قَالَ : وَكَانَ الشَّافِعِي (يُبْعده) عَن الْكَذِب ، قَالَ : وَقَالَ الرّبيع : سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول : كَانَ إِبْرَاهِيم بن (أبي) يَحْيَى قَدَرِيًّا . قَالَ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا : قلت للربيع : فَمَا حمل الشَّافِعِي عَلَى أَن رَوَى عَنهُ ؟ قَالَ : كَانَ يَقُول : (لِأَن) (يخر إِبْرَاهِيم) من بُعْد ، أحبّ إِلَيْهِ من أَن يكذب ، وَكَانَ ثِقَة فِي الحَدِيث . وَفِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْحَج : أنَّ الشَّافِعِي قَالَ فِيهِ : أنَّه أَحْفَظ من عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي . الْمُتَّفق عَلَى إِخْرَاج حَدِيثه فِي الصَّحِيح . قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي الْحَافِظ : سَأَلت أَحْمد (بن مُحَمَّد) بن سعيد - يَعْنِي ابْن عقدَة - فَقلت : تعلمُ أحدا أحسن القَوْل فِي إِبْرَاهِيم بن (أبي) يَحْيَى ، شيخ الشَّافِعِي ، غَيره ؟ فَقَالَ : نعم ، ثَنَا أَحْمد ابن يَحْيَى (الأودي) ، قَالَ : سَأَلت (حمدَان) بن الْأَصْبَهَانِيّ - يَعْنِي مُحَمَّدًا - قلت : [ أتدينُ بِحَدِيث إِبْرَاهِيم ] بن أبي يَحْيَى ؟ قَالَ : نعم . وَقَالَ ابْن عدي : قَالَ لي أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد : نظرت فِي حَدِيث إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، فَلَيْسَ هُوَ بمنكر الحَدِيث . قَالَ ابْن عدي : وَقد نظرت (أَنا) فِي (حَدِيثه) - أَيْضا - الْكثير ، فَلم أجدْ فِيهِ مُنْكرا ، وإنَّما الْمُنكر إِذا [ كَانَت الْعهْدَة ] من قبل الرَّاوِي عَنهُ ، (أَو من قبل) من يروي إِبْرَاهِيم عَنهُ ، وَله أَحَادِيث كَثِيرَة ، وَله كتاب أَضْعَاف موطأ مَالك . (قَالَ) : وَقد رَوَى عَنهُ : ابْن جريج ، و [ الثَّوْريّ ] ، وعَبَّاد بن مَنْصُور ، و (منْدَل) ، وَيَحْيَى بن أَيُّوب ؛ وَهَؤُلَاء أقدم موتا مِنْهُ ، وأكبر سنا ، وَهُوَ فِي (جملَة) من يكْتب حَدِيثه ، وَقد وثَّقَه الشَّافِعِي ، وَابْن الْأَصْبَهَانِيّ . وَقَالَ الرّبيع : كَانَ الشَّافِعِي إِذا قَالَ : (ثَنَا) من لَا أتهم . (بِهِ) يُرِيد إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى . وَقَالَ ( السَّاجِي ) : الشَّافِعِي لم يخرجْ عَن إِبْرَاهِيم حَدِيثا فِي فرض ، إنَّما جعله شَاهدا فِي فَضَائِل الْأَعْمَال ، وَظن بِهِ الشَّافِعِي مَا ظن بِهِ ابْن جريج . قلت : وَفِيه نظر . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يرَى الْقدر ، وَيذْهب إِلَى كَلَام جهم ، ويكذب مَعَ ذَلِك فِي الحَدِيث ، قَالَ : وَأما الشَّافِعِي : فإنَّه كَانَ يُجَالس إِبْرَاهِيم فِي حداثته ، ويحفظ عَنهُ حفظ الصَّبِي ، وَالْحِفْظ فِي الصغر كالنقش فِي الْحجر ، فَلَمَّا دخل مصر فِي آخر عمره ، وَأخذ يُصَنِّف الْكتب المبسوطة احْتَاجَ إِلَى الْأَخْبَار ، وَلم يكن مَعَه كتبه ، فَأكْثر مَا أودع الْكتب من حفظه ، وَرُبمَا كَنَّى عَنهُ ، وَلَا يُسَمِّيه فِي كتبه . وَقَالَ ابْن الْقطَّان (فِي علله : قد) كَانَ من النَّاس من أحسن الرَّأْي فِيهِ ، مِنْهُم : الشَّافِعِي ، وَابْن جريج . قلت : فَتَلَخَّص أَن خَمْسَة وَثَّقُوه ، وهم : الشَّافِعِي ، (وَابْن جريج) ، وحمدان بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ ، وَأحمد بن مُحَمَّد بن سعيد بن عقدَة الْحَافِظ ، وَابْن عدي ، وَأَن الجمَّ الْغَفِير ضَعَّفُوهُ ، وَلَا خَفَاء أَن الْجرْح مقدم ، (لَا جرم) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء : هُوَ مَتْرُوك عِنْد الْجُمْهُور . وَقَول ابْن الصّلاح فِي مشكله فِي صفة الصَّلَاة : وَابْن أبي يَحْيَى ، وإنْ كَانَ ثِقَة عِنْد الشَّافِعِي ، فَهُوَ مَجْرُوح عِنْد سَائِر أهل الحَدِيث . غَرِيب مِنْهُ مَعَ جلالته ، وَكَأَنَّهُ تبع أَبَا الْعَرَب ، فإنَّه قَالَ فِي ضُعَفَائِهِ : حَدَّثَنَي عِيسَى بن حَكِيم ، عَن مُحَمَّد بن (سَحْنُون ) ، أَنه قَالَ : (إِنَّه) لَا يحْتَج (بحَديثه) عِنْد (الْأمة) جَمِيعهَا ، لَا أعلم (بَين) الْأَئِمَّة اخْتِلَافا فِي إبِْطَال الْحجَّة بحَديثه . وَقَالَ الخليلي فِي كتاب الإِرشاد : لَا يروي عَنهُ من (يُزَكِّيه) إلاَّ الشَّافِعِي ، فَإِنَّهُ يَقُول : (ثَنَا) الثِّقَة (فِي حَدِيثه) ، الْمُتَّهم فِي دينه ، وَقد رَوَى عَنهُ ابْن جريج مَعَ جلالته . الثَّانِي : الطعْن فِي صَدَقَة بن عبد الله ، شيخ إِبْرَاهِيم ، وَهُوَ أخف حَالا من تِلْمِيذه ، وَهُوَ : (أَبُو) مُعَاوِيَة ، السمين ، الْقرشِي ، الدِّمَشْقِي ، وثَّقَه ( دُحَيْم ) ، وَقَالَ أَحْمد : (ضَعِيف) جدا ، لَيْسَ بِشَيْء ، أَحَادِيثه مَنَاكِير ، لَيْسَ يُسَاوِي حَدِيثه شَيْئا . وَقَالَ يَحْيَى ، و ( النَّسَائِيّ ) ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ ( البُخَارِيّ ) : ضَعِيف جدا . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الموضوعات عَن الثِّقَات . فَتَلَخَّص : أنَّ هَذَا الْأَثر ضَعِيف ، للعلتين المذكورتين . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : هَذَا الْأَثر حسنٌ . وَفِي ذَلِك مَا لَا يخْفَى . الطَّرِيق الثَّانِي : من رِوَايَة حسَّان بن أَزْهَر ، عَنهُ ، (أَنه) قَالَ : لَا تغتسلوا بِالْمَاءِ المشمس ، فإنَّه يُورث البرص . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، عَن أبي سهل بن زِيَاد ، ثَنَا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ ، ثَنَا دَاوُد بن رشيد ، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، قَالَ : حَدَّثَنَي صَفْوَان بن (عَمْرو) ، عَن حسَّان بِهِ . وَهَذَا إسنادٌ جيدٌ ، وَإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش : فِيهِ مقَال ، تَقَدَّم فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ . وَقد قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه : إِذا رَوَى عَن أهل حمص يكون حَدِيثه صَحِيحا . وَصَفوَان بن (عَمْرو) هَذَا : حمصي ، لَا جرم ، قَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ (فِي شَرحه) : إنَّ إِسْنَاده صَحِيح . قلت : وَلم ينْفَرد إِسْمَاعِيل بِهِ ، بل تُوبع عَلَيْهِ ، قَالَ ابْن حبَان فِي ثقاته ، فِي تَرْجَمَة حسان بن أَزْهَر هَذَا : (ثَنَا) مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خَالِد ، (ثَنَا) عبد الْأَعْلَى بن سَالم الكتاني ، ثَنَا [ أَبُو الْمُغيرَة عبد القدوس ] بن الْحجَّاج ، ثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو ، ثَنَا حسان بن أَزْهَر ، عَن عمر بن الْخطاب ، قَالَ : لَا تغتسلوا بِالْمَاءِ المشمس ، فإنَّه ينْزع إِلَى البَرَص .
خَاتِمَة ذكر الرَّافِعِيّ هُنَا ، فِي الْكَلَام عَلَى مَا إِذا تَغَيَّر المَاء بِالتُّرَابِ : أنَّ الشَّرْع أَمر بالتعفير (من) ولوغ الْكَلْب . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، و (ستعلمه) فِي أثْنَاء الْبَاب (الْآتِي) - إِن شَاءَ الله .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن مُسلم بن مخشي ، (عَن) ابْن الفِراسي - بِكَسْر الْفَاء وَالسِّين الْمُهْملَة - قَالَ : كنت أصيد ، وَكَانَت لي قربَة أجعَل فِيهَا مَاء ، وَإِنِّي تَوَضَّأت بِمَاء الْبَحْر ، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ ، الْحل ميتَته . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه كَذَلِك ابْن الفراسي ، وَالتِّرْمِذِيّ ، قَالَ فِي جَامعه : الفراسي عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا هُوَ عِنْد ابْن عبد الْبر ، وَذكر : أَن إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم ، وَأَن الفراسي (مَجْهُول) فِي الصَّحَابَة غير مَعْرُوف . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (فِي الإِمام ) : إِن كَانَ مُرَاد أبي عمر مَجْهُول الْحَال ، مَعَ إِثْبَات كَونه من الصَّحَابَة ، فقد اشْتهر بَين أَرْبَاب الْأُصُول والْحَدِيث ، أنَّ ذَلِك لَا يضر ، لعدالة جَمِيع الصَّحَابَة . وإنْ أَرَادَ مَجْهُول الصُّحْبَة ، فقد أثبت البُخَارِيّ (صحبته) ، فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي علله ، فِيمَا ذكر عَنهُ . وَعَابَ عبد الْحق سَنَد هَذَا الحَدِيث بِأَن قَالَ : لم يَرْوِه - فِيمَا أعلم - إلاَّ مُسلم بن مخشي ، وَمُسلم لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ بكر بن سوَادَة . وتعقَّبه ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ فِي كِتَابه الْوَهم والإِيهام : أَظن أنَّه خَفِي عَلَى عبد الْحق انْقِطَاع حَدِيث الفراسي ، وَهُوَ حَدِيث لم يسمعهُ مُسلم من الفراسي ، وإنَّما سَمعه من ابْن الفراسي (عَن الفراسي ) . ثمَّ ذكر رِوَايَة أبي عمر بِإِسْنَادِهِ إِلَى بكر بن سوَادَة ، عَن مُسلم بن مخشي : أَنه حدَّث أنَّ الفراسي قَالَ : كنت أصيد فِي الْبَحْر الْأَخْضَر ، عَلَى أَرْمَاث الحَدِيث . قَالَ : وَمَا أرَى أَبَا مُحَمَّد وقف عَلَيْهِ إلاَّ عِنْد ابْن عبد الْبر ، وَلذَلِك مَا نقل فِيهِ مَا (قَالَ) فِي حَدِيث إِذا كنت سَائِلًا فسل الصَّالِحين ، حَيْثُ قَالَ : (ابْن) الفراسي لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ مُسلم بن مخشي . وَذَلِكَ أَنه لم يرَ فِي حَدِيثه (هَذَا لِابْنِ) الفراسي ذكرا ، (وَرَآهُ) فِي حَدِيث سل الصَّالِحين . وَمن هُنَاكَ [ يتَبَيَّن ] : أَن مُسلم بن مخشي لَا يَروي عَن الفراسي إلاَّ بِوَاسِطَة ابْنه ، والْحَدِيث الْمَذْكُور ذكره فِي الزَّكَاة من حَدِيث النَّسَائِيّ ، من رِوَايَة : مُسلم بن مخشي عَن ابْن الفراسي [ أَن الفراسي ] قَالَ لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أسألُ يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : لَا ، وإنْ كنتَ لا بدَّ سَائِلًا فسلِ الصَّالِحين . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله : سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي البُخَارِيّ - عَن حَدِيث (ابْن) الفراسي فِي مَاء الْبَحْر ، فَقَالَ : مُرْسل ، لم يدْرك ابْن الفراسي النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والفراسي لَهُ صُحْبَة . فَهَذَا - كَمَا ترَى - يُعْطي أنَّ الحَدِيث يُروى أَيْضا عَن ابْن الفراسي ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا (يذكر) فِيهِ الفراسي ، فَمُسلم بن مخشي (لَا يروي) إلاَّ عَن الابْن ، (وَرِوَايَته) عَن الْأَب مُرْسلَة . انْتَهَى مَا ذكره ابْن الْقطَّان . فتبيَّن بِهَذَا : أَن الحَدِيث إمَّا مُنْقَطع بَين مُسلم بن مخشي والفراسي ، أَو مُرْسل بَين (ابْن) الفراسي وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوَّز الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام أَن يكون ابْن الفراسي والفراسي وَاحِدًا وَقع الِاخْتِلَاف فِيهِ ، قَالَ : (وَيُؤَيِّدهُ) : رِوَايَة ابْن مَاجَه - الْمُتَقَدّمَة - فإنَّ ظَاهرهَا أنَّ ابْن الفراسي هُوَ الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسمع مِنْهُ ذَلِك ، قَالَ : فَإِذا (ضُمَّ) إِلَى ذَلِك رِوَايَة من رَوَى : الفراسي ، اقْتَضَى أَنَّهُمَا (وَاحِد) اخْتلف فِي اسْمه .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن سُريج - بِالْجِيم - بن النُّعْمَان ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي التَّيَّاح - بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة فَوق ، بعْدهَا يَاء مثناة تَحت مُشَدّدَة ، واسْمه : يزِيد بن حميد الضبعِي - عَن مُوسَى بن سَلمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : سُئِل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن مَاء الْبَحْر ، فَقَالَ : مَاء الْبَحْر طهُور . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَله شَوَاهِد كَثِيرَة ، وَلم يخرجَاهُ . وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَقد قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام : مُوسَى بن سَلمَة : هُوَ المحبق ، أخرج لَهُ مُسلم ، وَقد صحَّح بعض الحفَّاظ حَدِيثا من رِوَايَة حَمَّاد ، عَن (أبي) التياح ، عَنهُ . وَبَاقِي السَّنَد مَشْهُور . وَخَالف الدَّارَقُطْنِيّ ، فَقَالَ فِي سنَنه : الصَّوَاب وَقفه عَلَى ابْن عَبَّاس .
الطَّرِيق السَّادِس : عَن عَلّي بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : سُئل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن مَاء الْبَحْر ، فَقَالَ : هُوَ الطهورُ ماؤهُ ، الحلُّ ميتتهُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك ، من حَدِيث : معَاذ بن مُوسَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَلّي ، حَدَّثَنَي أبي ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي - كرَّم الله وَجهه - قَالَ : سُئل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الحَدِيث) . هَذَا إِسْنَاد عَجِيب . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام : فِيهِ من يحْتَاج إِلَى معرفَة حَاله . قلت : وَشَيخ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ : هُوَ ابْن عقدَة ، وَقد ضَعَّفوه ، وَإِن كَانَ حَافِظًا .
الطَّرِيق السَّابِع : عَن مَالك بن أنس ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ! إنَّا نركب (الْبَحْر) ، ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء ، فإنْ توضأنا بِهِ عطشنا ، أفنتوضأ من مَاء الْبَحْر ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الطهورُ ماؤهُ ، الحلُّ ميتتهُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غرائب حَدِيث مَالك ، قَالَ : وَهُوَ بَاطِل بِهَذَا الإِسناد ، مقلوب ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ : عَن صَفْوَان بن سليم ، (عَن [ سعيد ] بن سَلمَة ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة ) . وَفِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ فِي أول الصَّيْد والذبائح ، (من) حَدِيث (عَمْرو) بن دِينَار ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة ، أَنه سَأَلَ ابْن عمر - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - : آكل مَا (طفا) عَلَى المَاء ؟ قَالَ : إنَّ طافيته ميتَة ، وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ مَاءَهُ طهُور ، وميتته حل .
الطَّرِيق الثَّامِن : عَن أبي بكر الصّديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئل عَن مَاء الْبَحْر ، فَقَالَ : هُوَ الطهورُ ماؤهُ ، الحلُّ ميتتهُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث : عبد الْعَزِيز بن أبي ثَابت ، عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيات ، عَن وهب بن كيسَان ، عَن جَابر بن عبد الله ، عَن أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَعبد الْعَزِيز (هَذَا) أحد المتروكين . قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ البُخَارِيّ : لَا يُكتب حَدِيثه ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف ، وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير . ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَى أبي بكر الصّديق ، بِإِسْنَاد صَحِيح . وَقَالَ فِي علله : هَذَا حَدِيث تفرَّد بِهِ عبد الْعَزِيز بن عمرَان الزُّهْرِيّ ، وَهُوَ مديني ، ضَعِيف الحَدِيث . رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيات ، عَن وهب بن كيسَان ، عَن جَابر ، عَن أبي بكر مَرْفُوعا . وَإِسْحَاق بن حَازِم هَذَا : شيخ مديني ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَقد اخْتُلف عَنهُ فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، (فَرَوَاهُ) أَبُو الْقَاسِم بن أبي (الزِّنَاد) ، عَن إِسْحَاق بن حَازِم ، عَن عبيد الله بن مقسم ، عَن جَابر مَرْفُوعا ، وَلم يذكر فِيهِ أَبَا بكر . حدَّث بِهِ عَنهُ كَذَلِك : أَحْمد بن حَنْبَل . قَالَ : وَقد رُوي هَذَا الحَدِيث عَن أبي بكر الصّديق ، مَوْقُوفا من قَوْله ، غير مَرْفُوع ، من رِوَايَة صَحِيحَة عَنه ُ ، حدَّث (بِهِ) : عبيد الله بن عمر ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن أبي بكر قَوْله ، وَرَوَاهُ ابْن (زَاطِيَا) عَن شيخ لَهُ من حَدِيث : عبيد الله بن عمر ، عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن أبي بكر مَرْفُوعا ، وَوهم فِي رَفعه ، وَالْمَوْقُوف أصح . اهـ . وَذكر الحَدِيث مَرْفُوعا : ابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ ، فِي تَرْجَمَة عبد الْعَزِيز بن عمرَان ، ثمَّ قَالَ : وَالْخَبَر عَن أبي بكر الصّديق مَشْهُور (قَوْله) ، غير مَرْفُوع من حَدِيث : عَمْرو بن دِينَار ، عَن أبي الطُّفَيْل ، عَن أبي بكر .
الطَّرِيق التَّاسِع : عَن أبان بن أبي عَيَّاش ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْبَحْر : الْحَلَال ميتَته ، الطّهُور مَاؤُهُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَقَالَ : أبان هَذَا مَتْرُوك . وَهُوَ كَمَا قَالَ . وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن رجل من الْأَنْصَار ، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ : ماءان لَا ينقيان من الْجَنَابَة : مَاء الْبَحْر ، وَمَاء الحَمَّام . وَكَذَا رَوَى عَن أبي هُرَيْرَة ، لكنه قَالَ : (لَا) يجزيان بدل : (لَا) ينقيان . (و) قَالَ معمر : (ثمَّ) سَأَلت يَحْيَى عَنهُ بعد حِين ، فَقَالَ : قد بَلغنِي مَا هُوَ أوثق من ذَلِك ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئل عَن مَاء الْبَحْر فَقَالَ : الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ ، (حل) ميتَته . ثمَّ رَوَى (عَن) ابْن جريج عَن ( سُلَيْمَان) بن مُوسَى ، قَالَ : قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْبَحْر طهُور مَاؤُهُ ، حَلَال ميتَته . ثمَّ رَوَى عَن الثَّوْريّ حَدِيث أبان ، عَن أنس السالف قَرِيبا . وَاعْلَم أَن هَذِه الطّرق الَّتِي ذَكرنَاهَا آخرا ، (وفيهَا) ضعف ، لَا (يقْدَح) فِي الطّرق السَّابِقَة ، وإنَّما ذَكرنَاهَا للتّنْبِيه عَلَيْهَا . ونختم الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث بخاتمتين : إِحْدَاهمَا : مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث : سعيد بن ثَوْبَان ، عَن أبي هِنْد ، عَن أبي هُرَيْرَة ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : من لم يُطَهِّره مَاء الْبَحْر ، فَلَا طَهَّره الله . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده حسن . قلت : فِيهِ نظر ؛ فإنَّ فِيهِ : مُحَمَّد بن حميد الرَّازِيّ ، وَإِبْرَاهِيم بن الْمُخْتَار ، أما الأول : فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه - فِي بَاب فرض الْجدّة والجدتين - : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَأما الثَّانِي : فَقَالَ أَحْمد بن عَلّي الأبَّار : سَأَلت زنيجًا أَبَا غَسَّان عَنهُ ، فَقَالَ : تركته . وَلم يرضه ، وَقَالَ ابْن معِين : لَيْسَ بِذَاكَ . الثَّانِيَة : فِي التَّنْبِيه عَلَى ضبط الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِيهِ ، وَبَعض فَوَائده ، بأوجز (عبارَة) ، فَإِنَّهُ حَدِيث عَظِيم ، أصل من أصُول الطَّهَارَة ، مُشْتَمل عَلَى أَحْكَام كَثِيرَة ، وقواعد مهمة . قَالَ المارودي - من أَصْحَابنَا - فِي الْحَاوِي : قَالَ الْحميدِي : قَالَ الشَّافِعِي : هَذَا الحَدِيث نصف علم الطَّهَارَة . فَنَقُول : أَولهَا : الْبَحْر : هُوَ المَاء الْكثير ، ملحًا كَانَ أَو عذبًا . مِمَّن نَص عَلَى ذَلِك : ابْن سَيّده فِي الْمُحكم ، قَالَ : وَقد غلب عَلَى الْملح ، حتَّى قلَّ فِي العذب ، وصرفوه عَلَى مَعْنَى الملوحة . وَقَالَ القَزَّاز : إِذا اجْتمع الْملح والعذب سموهُ باسم الْملح ، أَي : بحرين . وَمِنْه قَوْله تَعَالَى : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) قَالَ : وسُمي بذلك لسعته ، من قَوْلهم : تَبحَّر الرجل فِي الْعلم . أَي : اتَّسع . وَقَالَ الْأَزْهَرِي : سميت الْأَنْهَار : بحارًا ؛ لِأَنَّهَا مشقوقة فِي الأَرْض شقًّا ، وَمِنْه سميت البَحِيرَة . الثَّانِيَة : الطّهُور بِفَتْح الطَّاء : اسْم للْمَاء ، وَبِضَمِّهَا : اسْم للْفِعْل . هَذَا هُوَ أشهر اللُّغَات فِيهِ . وَقيل : بِالضَّمِّ فيهمَا . وَقيل : بِالْفَتْح فيهمَا . الثَّالِثَة : قَوْله الحِلُّ : هُوَ بِمَعْنى الْحَلَال ، (كَمَا يُقَال فِي ضِدّه : حرم ، وَحرَام ، وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات : الْحَلَال) ميتَته . كَمَا تقدم . الرَّابِعَة : قَوْله : ميتَته : هُوَ بِفَتْح الْمِيم ؛ لِأَن المُرَاد : الْعين الْميتَة ، وَأما (الْميتَة بِكَسْر الْمِيم : هَيْئَة الْمَوْت) . قَالَ الْمبرد : المِيتة : الْمَوْت ، وَهُوَ من أَمر الله - عزَّ وجلَّ - يَقع فِي الْبر وَالْبَحْر ، لَا يُقَال فِيهَا : لَا حَلَال ، وَلَا حرَام . وَلَا مَعْنَى لهَذَا هُنَا . قَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه إصْلَاح الْخَطَأ - ثمَّ الشَّيْخ زكي الدَّين - : وعوامّ الروَاة يولعون بِكَسْر الْمِيم فِي هَذَا الموطن ، وَهُوَ خطأ . وَكَذَا (قَالَ) صَاحب الْمَشَارِق : من رَوَاهُ بِالْكَسْرِ فقد أَخطَأ . قَالَ الشَّيْخ فِي الإِمام : قَالَ بَعضهم : يُقَال فِي الْحَيَوَان : ميتَة ، وَفِي (الأَرْض) : ميت ، بِغَيْر هَاء ، قَالَ تَعَالَى : ( إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ) ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ) . قَالَ : وَهَذَا يرد عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : ( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ ) . اهـ . و (الْميتَة) : بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف ، بِمَعْنى وَاحِد فِي موارد الِاسْتِعْمَال ، وَفصل بَعضهم بَينهمَا . قَالَ (البَطَلْيَوسي) فِي شرح أدب (الْكَاتِب) : فرَّق قوم بَين الْمَيِّت بِالتَّخْفِيفِ ، والميِّت بِالتَّشْدِيدِ (فَقَالُوا) : الأول مَا قد مَاتَ ، وَالثَّانِي (مَا) سيموت . وَهَذَا خطأ . ثمَّ أوضحه ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره ، نقل هَذَا أَيْضا ، إلاَّ أَنه قَالَ : بِالتَّشْدِيدِ يُستعمل فِيمَا مَاتَ ، وَفِيمَا لم يَمُتْ بعد . الْخَامِسَة : الأَرْمَاث الْمَذْكُور فِي بعض روايات الحَدِيث ، هُوَ : بِفَتْح الْهمزَة ، (وبالراء) الْمُهْملَة ، وَآخره ثاء مُثَلّثَة ، جمع : رَمَث : (بِفَتْح الرَّاء وَالْمِيم) ، وَهِي : خشب يُضم بعضُها إِلَى بعض ، ويُركَبُ عَلَيْهَا فِي الْبَحْر . السَّادِسَة : قَوْله : فَيَعْزُبُ فِيهِ (الليلتين) وَالثَّلَاث . يجوز أَن يُقرأ بالغين الْمُعْجَمَة ، وَالرَّاء الْمُهْملَة ؛ أَي : يبعد . وبالعين الْمُهْملَة ، وَالزَّاي الْمُعْجَمَة ، يُقَال : عَزَبَ بِالْفَتْح ، يَعْزُبُ بِالضَّمِّ ؛ أَي : بَعُدَ . أفادهما الشَّيْخ فِي الإِمام . السَّابِعَة : أنهَى بَعضهم إِعْرَاب قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : الطهورُ ماؤهُ ، الحِلُّ ميتتهُ إِلَى قريب من عشْرين وَجها ، كَمَا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام ، فِي كثير مِنْهَا تكلّف وإضمار لَا يظْهر الدّلَالَة عَلَيْهَا ، قَالَ : فتركنا أَكْثَرهَا ، (واقتصرنا) عَلَى أَرْبَعَة أوجه : الأول : أَن يكون (هُوَ) : (مُبْتَدأ ، و الطّهُور : مُبْتَدأ ثَانِيًا ، وَخَبره : مَاؤُهُ ، وَالْجُمْلَة من هَذَا) الْمُبْتَدَأ الثَّانِي وَخَبره ، خبر الْمُبْتَدَأ الأول . الثَّانِي : أَن يكون هُوَ مُبْتَدأ ، الطّهُور خَبره ، وماؤه من بدل الاشتمال . الثَّالِث : أَن يكون هُوَ ضمير الشَّأْن ، و الطّهُور مَاؤُهُ : مُبْتَدأ وخبرًا . الرَّابِع : أَن يكون هُوَ مُبْتَدأ ، و الطّهُور خَبره ، و مَاؤُهُ فَاعل ؛ لِأَنَّهُ قد (اعْتمد) عَامله بِكَوْنِهِ خَبرا . الثَّامِنَة : فِيهِ جَوَاز الطَّهَارَة بِمَاء الْبَحْر ، وَبِه قَالَ جَمِيع الْعلمَاء ، إلاَّ (ابْن عمر ، وَابْن عَمْرو) ، وَسَعِيد بن الْمسيب ، وتقدَّم (قبل) ذَلِك عَن أبي هُرَيْرَة ، و (رِوَايَته) الحَدِيث أَنه طهُور (ترده) ، وَكَذَا رِوَايَة عبد الله بن عمر أَيْضا . التَّاسِعَة : فِيهِ أنَّ الطّهُور ، هُوَ (المطهر) ، وَهُوَ مَذْهَبنَا ، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور ، خلافًا لأَصْحَاب أبي حنيفَة ، حَيْثُ قَالُوا : هُوَ الطَّاهِر . حجَّة الْجُمْهُور : أَنهم سَأَلُوا عَن طهوريته ، لَا عَن طَهَارَته . الْعَاشِرَة : فِيهِ أَن ميتات الْبَحْر كلهَا حَلَال ، لَكِن يُسْتَثْنَى عندنَا الضفدع ، والسرطان ، لدَلِيل خَصَّهما . الْحَادِيَة عشرَة : فِيهِ أَن (السّمك) الطافي - وَهُوَ الَّذِي مَاتَ فِي الْبَحْر بِغَيْر سَبَب - حَلَال ، وَهُوَ مَذْهَبنَا ، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة : لَا يحل . الثَّانِيَة عشرَة : فِيهِ أَن ركُوب الْبَحْر جَائِز ، اللَّهُمَّ إلاَّ أَن يهيج ، ويغلب عَلَى الظَّن الْهَلَاك ، فَلَا لدَلِيل آخر . الثَّالِثَة عشرَة : (فِيهِ) أَن المَاء إِذا خالطه مَاء أَزَال عَنهُ اسْم المَاء الْمُطلق ، لم يجز الطَّهَارَة بِهِ عندنَا ، وَبِه قَالَ الْجُمْهُور ، (وجوَّزه) أَبُو حنيفَة . وَمَوْضِع الدّلَالَة لِلْجُمْهُورِ : أَنهم شَكُّوا فِي جَوَاز الطَّهَارَة بِمَاء الْبَحْر من أجل ملوحته ، فسألوا عَنهُ ، فَلَو لم يكن (التَّغَيُّر) فِي الْجُمْلَة مؤثرًا لم يسْأَلُوا (عَنهُ) . الرَّابِعَة عشرَة : فِيهِ أَن الْمُفْتِي إِذا سُئل عَن شَيْء ، وَعلم أنَّ بالسائل حَاجَة إِلَى أَمر آخر مُتَعَلق بِالْمَسْأَلَة ، يسْتَحبّ لَهُ أَن يذكرهُ لَهُ ، ويعلمه إِيَّاه ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ عَن مَاء الْبَحْر ، فَأُجِيب بمائه وَحكم ميتَته ؛ لأَنهم يَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَام كَالْمَاءِ ، وَإِذا جهلوا كَونه مطهرًا فجهالتهم حل ميتَته أولَى ، ونظائر هَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث . الْخَامِسَة عشرَة : اسْم السَّائِل عَن الْبَحْر هُوَ : العَرَكي - بِفَتْح الْعين وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ - هَكَذَا قَالَه السَّمْعَانِيّ فِي الْأَنْسَاب . وَفِي المعجم الْكَبِير للطبراني - (أَي : بِسَنَدِهِ) - عَن العركي ، أَنه سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن مَاء الْبَحْر ، فَقَالَ : هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته . وغَلَّطُوه - أَعنِي السَّمْعَانِيّ - فِي قَوْله : اسْمه العركي ، وَإِنَّمَا العركي وصفٌ لَهُ ، وَهُوَ : مَلاَّح السَّفِينَة . تبعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله (الذَّهَبِيّ) فِي مُخْتَصره معرفَة الصَّحَابَة ، فَقَالَ : هُوَ اسْم (يشبه) النِّسْبَة ، وَفِيه النّظر الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا ، وإنَّما اسْمه : عبيد ، وَقيل : عبد ، بِالتَّصْغِيرِ وَالتَّكْبِير . وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ : الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ ، فَقَالَ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة : عبد ، أَبُو زَمعَة ، البلوي ، الَّذِي سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن مَاء الْبَحْر ، قَالَ ابْن منيع : بَلغنِي أَن اسْمه : عبيد . وَأوردهُ الطَّبَرَانِيّ فِيمَن اسْمه عبيد . وَأوردهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بالعركي ، والعركي : هُوَ الملاح ، وَلَيْسَ لَهُ باسم . هَذَا لفظ أبي مُوسَى برمتِهِ . وَفِي علل أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ : أَن اسْمه عبد الله ، كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَة لَا بَأْس بهَا . وَقد تقدم أَن السَّائِل (هُوَ) : الفِراسي ، أَو ابْن الفِراسي . وَقَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند : يُقَال : إنَّ هَذَا الرجل كَانَ من بني مُدْلِج . قلت : قد ورد هَذَا صَرِيحًا ، مَجْزُومًا بِهِ فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير ، فَرَوَاهُ بِسَنَدِهِ إِلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة ، عَن المدلجي ، أَنه أَتَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذكر الحَدِيث . وَقَالَ ابْن بشكوال : إِنَّه عِنْده العركي ، (وَكَذَا) أَبُو الْوَلِيد فِي مشتبه النِّسْبَة من تأليفه ، ثمَّ قَالَ : وَقيل : هُوَ عبد الله المدلجي ، وَسَاقه بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك . وَهَذَا الَّذِي قَالَه السَّمْعَانِيّ ، وَأَبُو مُوسَى ، والرافعي : إِنَّمَا ينفعنا فِي رِوَايَة من رَوَى : أَن رجلا سَأَلَ ، أَو سَائِلًا (سَأَلَ) . فَأَما الرِّوَايَة الْمُتَقَدّمَة : أَن (رجَالًا) من بني مُدْلِج ، أَو نَاسا ، فَيحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَن اسمهم ، وَالظَّاهِر أَن الْقِصَّة وَاحِدَة . وَالْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث منتشر جدا ، لَا يسعنا هُنَا استيعابه ، وَقد نبَّهنا بِمَا ذكرنَا عَلَى كثير (مِمَّا تركنَا) ، ولعلنا نفرده بالتصنيف - إِن شَاءَ الله وقَدَّر . وَقد فعل ذَلِك - وَله الْحَمد - فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ ، فِي جُزْء لطيف .
الطَّرِيق الثَّانِي من طرق الحَدِيث : عَن جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِل عَن مَاء الْبَحْر ، فَقَالَ : هُوَ الطَّهور مَاؤُهُ ، الحِلُّ ميتَته . رَوَاهُ الْأَئِمَّة : أَحْمد فِي الْمسند ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَالْحَاكِم وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا . وتَرْجَم عَلَيْهِ ابْن حبَان ، (بِأَن قَالَ) : ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أنَّ هَذِه السُّنَّة تفرَّد بهَا سعيد بن سَلمَة . وَعَن الْحَافِظ أبي عَلّي ابْن السكن أَنه قَالَ : حَدِيث جَابر هَذَا أصح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب . وَخَالف ابْن مَنْدَه فِي ذَلِك ، وَقَالَ : قد رَوَى هَذَا الحَدِيث عبيد الله بن مقسم عَن جَابر ، والأعرج عَن أبي هُرَيْرَة ، وَلَا يثبت . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام : عِنْدِي أنَّ قَول أبي عَلّي بن السكن فِي تَقْوِيَة حَدِيث جَابر ، أَقْوَى من قَول ابْن مَنْدَه . وَذَلِكَ أَن عبيد الله بن مقسم مَذْكُور فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ بَين الشَّيْخَيْنِ ، وَإِسْحَاق (الْمدنِي ) الْمَذْكُور فِي الطَّرِيقَة الأولَى - يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ الْجَمَاعَة المتقدمون خلا طَريقَة الْحَاكِم - وثَّقَه أَحْمد ، وَيَحْيَى . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح . و [ أَبُو ] الْقَاسِم بن أبي الزِّنَاد - الْمَذْكُور فِيهِ أَيْضا - اسْمه [ كنيته ] أَثْنَى عَلَيْهِ أَحْمد ، وَقَالَ [ يَحْيَى ] : لَا بأس بِهِ . قَالَ : وَيُمكن أَن يكون ابْن مَنْدَه (علَّل) الحَدِيث باختلافٍ فِي إِسْنَاده . ثمَّ ذكر أنَّ عبد الْعَزِيز بن عمرَان رَوَاهُ عَن إِسْحَاق بن حَازِم الزيَّات ، عَن وهب بن كيسَان ، عَن جَابر ، عَن أبي بكر ، كَذَلِك رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ . قلت : بحث مَعَه شَيخنَا أَبُو الْفَتْح الْيَعْمرِي ، الْمَعْرُوف بِابْن سيد النَّاس - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ فِي شرح التِّرْمِذِيّ : هَذَا الَّذِي ذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين عَن ابْن مَنْدَه لَا يصلح أَن يكون مُعَلِّلاً لرِوَايَة ابْن أبي الزِّنَاد ، عَن إِسْحَاق . لتوثيق ابْن أبي الزِّنَاد ، وَضعف عبد الْعَزِيز بن عمرَان بن أبي ثَابت عِنْدهم ، وَرِوَايَة الضَّعِيف لَا تُعِلُّ رِوَايَة الثِّقَة . قلت : وَلِحَدِيث جَابر هَذَا طَرِيق آخر ، ذكره الطَّبَرَانِيّ فِي (أكبر) معاجمه من حَدِيث : الْمعَافى بْن عمرَان ، عَن ابْن جريج ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر ، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْبَحْر : هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ (الْحَلَال) ميتَته . و ( هَذَا سَنَد) عَلَى شَرط الصَّحِيح ، إلاَّ أَنه يُخْشَى أَن يكون ابْن جريج لم يسمعهُ من أبي الزبير ، فإنَّه مدلِّس ، وَأَبُو الزبير مدلِّسٌ أَيْضا ، وَقد عنعنا فِي هَذَا الحَدِيث . وَقد تَابع ابْن جريج : مباركُ بن فضَالة ، فَرَوَاهُ عَن أبي الزبير عَن جَابر ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ البحْرَ حلالٌ ميتتهُ ، طَهُورٌ ماؤُه . ومبارك هَذَا كَانَ يدلِّس أَيْضا ، وضعَّفه أَحْمد ، وَالنَّسَائِيّ .
كتاب الطَّهَارَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب الطَّهَارَة بَاب المَاء الطَّاهِر قَالَ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) . وَقَالَ : ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) . ذكر الإِمام الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب من الْأَحَادِيث سِتَّة أَحَادِيث : الحَدِيث الأول ورد فِي الْبَحْر قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح جليل ، مَرْوِيّ من طرق ، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا تِسْعَة : أَولهَا : من طَرِيق أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر - عَلَى الْأَصَح - عِنْد جمَاعَة من الْحفاظ ، كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ . وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّه الْأَصَح (من) نَحْو ثَلَاثِينَ قولا ، كَنَّاه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأبي هُرَيْرَة - وَقيل : أَبوهُ - لمَّا رَآهُ وَقد جمع أَوْلَاد هِرة وحشية ، حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ - أَيْضا - فِي أَمَالِيهِ - قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إنَّا نركب الْبَحْر ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء ، فَإِن توضأنا بِهِ عطشنا ، أفنتوضأ بِمَاء الْبَحْر ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ ، الحِلُّ ميتَته . رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام ، أهل الْحل وَالْعقد : مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَالشَّافِعِيّ ، وَأحمد ، والدارمي فِي مسانيدهم ، وَالْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، (وَالنَّسَائِيّ) ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَأَبُو بكر بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَأَبُو مُحَمَّد بن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَأَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . قَالَ : وَسَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ ، فَقَالَ : هُوَ حَدِيث صَحِيح . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه ( الْمعرفَة ) : هُوَ حَدِيث صَحِيح ، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : ثَبت أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْبَحْر : هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ ، الْحل ميتَته . وَقَالَ الْبَغَوِيّ : هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، مُتَّفق عَلَى صِحَّته . وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي شرح الْمسند : هَذَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور ، أخرجه الْأَئِمَّة فِي كتبهمْ ، وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَرِجَاله ثِقَات . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام ، و الإِلمام : رجح ابْن مَنْدَه صِحَّته . وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر ، فَقَالَ فِي تمهيده : اخْتلف أهل الْعلم فِي إِسْنَاده . قَالَ : وَقَول البُخَارِيّ : صَحِيح . لَا أَدْرِي مَا هَذَا مِنْهُ ؟ ! وَلَو كَانَ صَحِيحا عِنْده ، لأخرجه فِي كِتَابه . قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده . قَالَ : وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح ؛ لِأَن الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ ، لَا يُخَالف [ فِي ] جملَته أحد (من) الْفُقَهَاء ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي بعض مَعَانِيه . وَهَذَا الْكَلَام من الْحَافِظ أبي عمر فِيهِ نظر كَبِير ، لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين تعقَّبه ، فَقَالَ فِي شرح الإِلمام : (قَوْله) : لَو كَانَ صَحِيحا لأخرجه (فِي كِتَابه) . غير لَازم ؛ لِأَنَّهُ (لم) يلْتَزم إِخْرَاج كل حَدِيث (صَحِيح) . وَأما قَوْله : لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده . فقد ذكرنَا فِي كتاب الإِمام وُجُوه التَّعْلِيل الَّتِي يُعلل بهَا الحَدِيث . قلت : وحاصلها - كَمَا قَالَ فِيهِ - أَنه يُعلل بأَرْبعَة أوجه : أَحدهَا : الْجَهَالَة [ بِسَعِيد ] بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة ، الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده ، وادَّعى أَنه لم يرو عَن سعيد غير صَفْوَان بن سليم ، وَلَا عَن الْمُغيرَة غير سعيد بن سَلمَة . قَالَ الإِمام الشَّافِعِي : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من لَا أعرفهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن : يحْتَمل أَن يُرِيد سعيد بن سَلمَة ، أَو الْمُغيرَة أَو كِلَاهُمَا . وَالْجَوَاب : أَنه رَوَاهُ عَن سعيد غير صَفْوَان ، رَوَاهُ عَنهُ : الجُلاَح ، بِضَم الْجِيم ، وَتَخْفِيف اللَّام ، وَآخره حاء مُهْملَة . قَالَ أَبُو عبيد فِي كِتَابه الطّهُور : وَخَالف أَبُو الْأسود أَصْحَابه ، فَقَالَ : الجلاخ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة . انْتَهَى - كنيته : أَبُو كثير ، رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من رِوَايَة قُتَيْبَة ، عَن لَيْث ، عَنهُ . وَلَفظه : أنَّ نَاسا أَتَوا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إنَّا نبعد فِي الْبَحْر ، وَلَا نحمل [ من المَاء ] إلاَّ الإِداوة والإِداوتين ، [ لأنَّا ] لَا نجد الصَّيْد حَتَّى نبعد ، فنتوضأ بِمَاء الْبَحْر ؟ فَقَالَ : نعم ، إنَّه الحِلُّ ميتَته ، الطّهُور مَاؤُهُ . وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه الْكَبِير ، من طَرِيق : يَحْيَى بن بكير عَن اللَّيْث ، بِسَنَدِهِ ، وَلَفْظهمَا : كُنَّا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا ، فَجَاءَهُ صَيَّاد ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إنَّنا ننطلق فِي الْبَحْر ، نُرِيد الصَّيْد فَيحمل أَحَدنَا (مَعَه) الإِداوة ، وَهُوَ يَرْجُو أَن يَأْخُذ الصَّيْد قَرِيبا ، فَرُبمَا وجده كَذَلِك ، وَرُبمَا لم يجد الصَّيْد حتَّى يبلغ من الْبَحْر مَكَانا لم يظنّ (أَن) يبلغهُ ، فَلَعَلَّهُ يَحْتَلِم ، أَو يتَوَضَّأ فإنْ اغْتسل أَو تَوَضَّأ بِهَذَا المَاء فَلَعَلَّ أَحَدنَا يُهْلِكُه الْعَطش ، فَهَل ترَى فِي مَاء الْبَحْر أَن نغتسل بِهِ ، أَو نَتَوَضَّأ (بِهِ) إِذا خفنا ذَلِك ؟ فَزعم أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اغتسلوا مِنْهُ وَتَوَضَّئُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ الطُّهُورُ مَاؤُهُ ، الحِلُّ ميتَته . قَالَ الْحَاكِم : قد احْتج مُسلم بالجلاح ، أبي كثير . قلت : وَرَوَاهُ عَن الجلاح أَيْضا : يزِيد بن أبي حبيب ، وَعَمْرو بن الْحَارِث . أما رِوَايَة عَمْرو : فَمن طَرِيق ابْن وهب ، وَأما رِوَايَة يزِيد : فَمن طَرِيق اللَّيْث عَنهُ . وَأما الْمُغيرَة بن أبي بردة : فقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد ، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي إِلَّا أَن يَحْيَى بن سعيد اخْتُلف عَلَيْهِ فِيهِ : فَرَوَاهُ هشيم عَنهُ ، عَن الْمُغيرَة ، عَن رجل من بني مُدْلِج مَرْفُوعا . وَرَوَاهُ حَمَّاد عَنهُ ، عَن الْمُغيرَة ، (عَن أَبِيه ) ، عَن أبي هُرَيْرَة . ذكرهمَا الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك . وَرِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد : أخرجهَا أَيْضا فِيهِ ، وَرَوَاهَا أَيْضا : أَحْمد بن عبيد الصَفَّار ، صَاحب الْمسند . وَمن جِهَته أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ . قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : (فاتفاق صَفْوَان والجلاح) ، مِمَّا يُوجب شهرة سعيد بن سَلمَة ، واتفاق يَحْيَى بن سعيد ، وَسَعِيد بن سَلمَة ، عَلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة ، مِمَّا يُوجب شهرة الإِسناد ، فَصَارَ الإِسناد مَشْهُورا . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَقد زِدْنَا عَلَى مَا ذكرنَا عَن ابْن مَنْدَه : رِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، فتلخص أَن الْمُغيرَة رَوَى عَنهُ ثَلَاثَة ، فبطلت دَعْوَى التفرد الْمَذْكُور عَن سعيد وَصَفوَان . قَالَ فِي شرح الإِلمام : فالجهالة فِي حق سعيد ترْتَفع بِرِوَايَة الجلاح وَصَفوَان عَنهُ ، وَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين : بِرَفْع الْجَهَالَة عَن الرَّاوِي . والجهالة مُرْتَفعَة عَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ كَمَا تقدم ، مَعَ كَونه مَعْرُوفا من غير الحَدِيث فِي مَوَاقِف (الحذر) فِي الحروب بالمغرب . قَالَ : وَزَوَال الْجَهَالَة عَن سعيد بِرِوَايَة [ اثْنَيْنِ ] عَنهُ ، وَعَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ يَكْتَفِي بِهِ من لَا يرَى أَنه لا بد من معرفَة حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة ، بعد زَوَال الْجَهَالَة عَنهُ ، فإنْ كَانَ المصححون لَهُ قد علموها عَلَى جِهَة التَّفْصِيل ، فَلَا إِشْكَال مَعَ ذَلِك ، وإلاَّ فَلَا يبعد اعتمادهم عَلَى تحري مَالك ، وإتقانه للرِّجَال أَو عَلَى الِاكْتِفَاء بالشهرة . قلت : قد ثَبت ثِقَة سعيد بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة (صَرِيحًا) ، (فإنَّ الإِمام أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وثقهما ، كَمَا نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي تهذيبه ، وَكَذَلِكَ أَبُو (حَاتِم) ابْن حبَان ، ذكرهمَا فِي كتاب الثِّقَات ) . وَرَوَى الْآجُرِيّ عَن أبي دَاوُد ، أَنه قَالَ : الْمُغيرَة بن أبي بردة مَعْرُوف . وأوضح ابْن يُونُس معرفَة عينه ، فارتفعت عَنْهُمَا جَهَالَة الْحَال بِهَذَا ، وجهالة الْعين بِمَا تقدم . وينضم إِلَى ذَلِك تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين لَهُ : التِّرْمِذِيّ ، وَالْبُخَارِيّ ، وَابْن الْمُنْذر ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَابْن مَنْدَه ، وَالْبَغوِيّ ، وَغَيرهم . قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك : (مثل هَذَا الحَدِيث) الَّذِي صَدَّر بِهِ مَالك كتاب الْمُوَطَّأ ، وتداوله فُقَهَاء الإِسلام من عصره إِلَى وقتنا هَذَا ، لَا يُردُّ بِجَهَالَة هذَيْن الرجلَيْن . قَالَ : عَلَى أَن اسْم الْجَهَالَة مَرْفُوع عَنْهُمَا بمتابعات . فَذكرهَا بأسانيده . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن : الَّذِي أَقَامَ إِسْنَاده ثِقَة ، أودعهُ مَالك فِي موطئِهِ . الْوَجْه الثَّانِي من التَّعْلِيل : الِاخْتِلَاف فِي اسْم سعيد بن سَلمَة . فَقيل - كَمَا قَالَ الإِمام مَالك - : سعيد بن سَلمَة ، من (آل) ابْن الْأَزْرَق . وَقيل : عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي . وَقيل سَلمَة بن سعيد . وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ المخالفان لرِوَايَة مَالك (هما من رِوَايَة : مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَلَى الِاخْتِلَاف عَنهُ ، وَالتَّرْجِيح لرِوَايَة مَالك) - مَعَ جلالته ، وَعدم الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ - أولَى . وَإِن كَانَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر (قَالَ) : [ رُوَاة الْمُوَطَّأ ] اخْتلفُوا ، فبعضهم يَقُول : من آل بني الْأَزْرَق ، كَمَا قَالَ يَحْيَى . وَبَعْضهمْ يَقُول : من آل الْأَزْرَق . وَكَذَا قَالَ ( القعْنبِي ) . وَبَعْضهمْ يَقُول : من آل ابْن الْأَزْرَق ، كَذَلِك قَالَ [ ابْن ] الْقَاسِم ، وَابْن بكير . قَالَ ابْن عبد الْبر : وَهَذَا كُله مُتَقَارب غير (ضار) . قلت : وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي اعتذر بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّيْخَيْنِ فِي عدم تخريجهما لهَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ فِي كتاب الْمعرفَة : (إنَّما) لم يخرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا لاخْتِلَاف وَقع فِي اسْم سعيد بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة . وَهَذَا غير ضار ؛ إِذْ قد زَالَت الْجَهَالَة عَنْهُمَا عينا وَحَالا كَمَا تقدَّم ، فَلَا يضر حينئذٍ الِاخْتِلَاف فِي اسمهما . الْوَجْه الثَّالِث من التَّعْلِيل : التَّعْلِيل بالإِرسال . قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر : ذكر ابْن أبي عمر ، والْحميدِي ، والمخزومي ، عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن رجل من أهل الْمغرب - يُقَال لَهُ : الْمُغيرَة بن عبد الله بن أبي بردة - : أنَّ نَاسا من بني مُدْلِج أَتَوا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ! إنَّا نركب أَرْمَاثًا فِي الْبَحْر وسَاق الحَدِيث بِمَعْنى حَدِيث مَالك . قَالَ أَبُو عمر : هُوَ مُرْسل ، وَيَحْيَى بن سعيد أحفظ من صَفْوَان بن سليم ، وَأثبت من سعيد بن سَلمَة ، وَلَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مِمَّا تقوم بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ حجَّة ؛ لِأَن فِيهِ رجلَيْنِ غير معروفين بِحمْل الْعلم . وَأَرَادَ أَبُو عمر بِالرجلَيْنِ : سعيدًا والمغيرة ، وَقد تقدَّم رَدُّ جهالتهما ، وَأكْثر مَا بَقِي فِي هَذَا الْوَجْه - بعد اشتهار سعيد والمغيرة - تَقْدِيم إرْسَال الأحفظ ، عَلَى إِسْنَاد من دونه ، فإنَّ يَحْيَى بن سعيد أرْسلهُ من هَذَا الْوَجْه ، وَسَعِيد بن سَلمَة أسْندهُ ، وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي (شرح) الإِلمام : وَهَذَا غير قَادِح عَلَى الْمُخْتَار عِنْد أهل الْأُصُول . قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر - بعد أَن ذكر رِوَايَة من رَوَى عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة عَن أَبِيه وَقد جَوَّدَه عبد الله بن يُوسُف ، عَن مَالك ، عَن صَفْوَان ، سمع (الْمُغيرَة) أَبَا هُرَيْرَة . وَأَيْضًا تقدم رِوَايَة مَالك وَمن تَابعه لعدم الِاضْطِرَاب فِيهَا ، عَلَى رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد للِاخْتِلَاف عَلَيْهِ . الْوَجْه الرَّابِع : التَّعْلِيل بِالِاضْطِرَابِ . قد تقدم اتِّفَاق رِوَايَة مَالك ، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، والجلاح ، من جِهَة اللَّيْث ، وَعَمْرو بن الْحَارِث . وَأما ابْن إِسْحَاق : فَرَوَاهُ عَن يزِيد ، عَن جلاح ، عَن عبد الله ابن سعيد المَخْزُومِي ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي مُسْنده كَذَلِك بالسند الْمَذْكُور (عَن أبي هُرَيْرَة ) ، قَالَ : أَتَى (رجال) من بني مُدْلِج إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَقَالُوا) : يَا رَسُول الله ، إنَّا أَصْحَاب هَذَا الْبَحْر ، نعالج الصَّيْد عَلَى رِمْث ، فَنَعْزُب فِيهِ اللَّيْلَة والليلتين وَالثَّلَاث والأربع ، ونحمل مَعنا من العذب لشفاهنا ، فإنْ نَحن توضأنا بِهِ خشينا عَلَى أَنْفُسنَا ، وإنْ نَحن آثرنا بِأَنْفُسِنَا ، وتوضأنا من الْبَحْر ، وجدنَا فِي أَنْفُسنَا من ذَلِك ، فَخَشِينَا أَن لَا يكون طهُورا . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : توضئوا مِنْهُ ، فإنَّه الطَّاهِرُ ماؤُه ، (الحِلُّ) ميتَته . وَفِي رِوَايَة عَن ابْن إِسْحَاق : سَلمَة بن سعيد ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة حَلِيف بني عبد الدَّار ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ البُخَارِيّ : وَحَدِيث مَالك أصح . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : اللَّيْث بن سعد أحفظ من مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَقد أَقَامَ إِسْنَاده عَن يزِيد بن أبي حبيب ، وَتَابعه عَلَى ذَلِك عَمْرو بن الْحَارِث عَن الجلاح ، فَهُوَ أولَى أَن يكون صَحِيحا ، وَقد رَوَاهُ يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة (نَحْو رِوَايَة من رَوَاهُ عَلَى الصِّحَّة . وَالِاخْتِلَاف عَلَى يَحْيَى بن سعيد فِيهِ كَبِير ، وَقَالَ هشيم عَنهُ فِي رِوَايَة : عَن الْمُغيرَة بن أبي [ بَرزَة ]) . وَحمل التِّرْمِذِيّ الْوَهم عَلَى هشيم فِي ذَلِك ، وَحَكَاهُ عَن البُخَارِيّ ، فَقَالَ : وهم فِيهِ هشيم ، إنَّما هُوَ : ابْن أبي بردة ، وَقد رَوَاهُ أَبُو عبيد (عَن) هشيم عَلَى الصَّوَاب ، فقد يكون الْوَهم مِمَّن دونه . قلت : وَقد جمع الِاخْتِلَاف فِي (إِسْنَاده) الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله ، فَقَالَ مَا ملخصه : قيل : عَن صَفْوَان ، عَن سعيد بن سَلمَة ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة . قَالَه مَالك . وَقيل : عَن سَلمَة بن سعيد - أَو عَكسه - عَن الْمُغيرَة (بِهِ) . وَقيل : عَن سعيد ، عَن أبي بردة بن عبد الله ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن عبد الله بن عَامر ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقيل : عَن جلاح ، عَن سعيد ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : (عَن جلاح ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة) . وَقيل : عَن جلاح ، (عَن) الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن جلاح ، عَن أبي ذَر الْمصْرِيّ ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة . وَقيل : عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْمُغيرَة ، عَن رجل من بني مُدْلِج ، أنَّ رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَدِيث . وَقيل : عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْمُغيرَة ، عَن رجل من قومه ، عَن رجل سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أَبِيه ، مَرْفُوعا . وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة - أَن نَاسا من بني مُدْلِج سَأَلُوا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَدِيث . وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة ، عَن أَبِيه ، عَن رجل من بني مُدْلِج ، (اسْمه عبد الله ، مَرْفُوعا . [ وَقيل ] : عَن يَحْيَى عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة - عَن رجل من بني مُدْلِج ، مَرْفُوعا . وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة ، عَن أبي بردة مَرْفُوعا . وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة ، عَن بعض بني مُدْلِج) مَرْفُوعا . وَهُوَ فِي مُسْند أَحْمد . وَقيل : عَن الْمُغيرَة ، عَن عبد الله المدلجي ، مَرْفُوعا . وَقيل : عَن جَعْفَر بن ربيعَة ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن مُسلم بن مخشيِّ ، عَن (الفراسيِّ) ، مَرْفُوعا . (وَقيل : عَن يَحْيَى بن عبَّاد ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وأشبهها بِالصَّوَابِ قَول مَالك ، وَمن تَابعه ، عَن صَفْوَان بن سليم .
الطَّرِيق الْخَامِس : عَن عَمْرو (بن) شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ميتةُ البحرِ حلالٌ ، وماؤهُ طَهُورُ . رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَن [ أبي الْعَبَّاس ] مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْحَافِظ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه عَن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل ، كِلَاهُمَا عَن : مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، نَا (الحكم) بن مُوسَى ، نَا هِقْل ، نَا الْمثنى ، عَن عَمْرو بِهِ . كَذَا فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ ، وَفِي رِوَايَة الْحَاكِم : بدل الْمثنى : الْأَوْزَاعِيّ عَن عَمْرو . وَهُوَ إِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم ، خلا تَرْجَمَة عَمْرو بن شُعَيْب ، فإنَّ مُحَمَّد بن إِسْحَاق : هُوَ الصغاني ، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي رِوَايَة الْحَاكِم ، وَهُوَ الْحَافِظ ، الرحَّال ، أخرج لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة ، وَقَالَ ابْن خرَاش : ثِقَة مَأْمُون . و ( الحكم) بن مُوسَى : هُوَ الْقَنْطَرِي ، الزَّاهِد ، أخرج لَهُ مُسلم ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَهُوَ ثِقَة ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين . وهقل : هُوَ ابْن زِيَاد ، السكْسكِي ، كَاتب الْأَوْزَاعِيّ ، أخرج لَهُ مُسلم ، وَالْأَرْبَعَة ، وَهُوَ ثَبت . وَالْأَوْزَاعِيّ : ناهيك بِهِ . وَعَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده : احْتج بِهِ الْأَكْثَرُونَ ، وسنعقد فِي ذَلِك فصلا فِي بَاب الْوضُوء إِن شَاءَ الله تَعَالَى . والمثنَّى - الْمَذْكُور فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ - : هُوَ ابْن الصَبَّاح ، قَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيره : لَيِّن الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك . (و) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَأَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل ، نَا جَعْفَر القلانسي ، نَا سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن ، نَا ابْن (عَيَّاش) ، قَالَ : حَدَّثَنَي الْمثنى بن الصَّباح ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ميتةُ البحرِ حلالٌ ، وماؤهُ طَهورٌ . ابْن (عَيَّاش ) هَذَا : هُوَ إِسْمَاعِيل ، أَبُو عتبَة ، الْحِمصِي ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَحَدِيثه عَن الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيف ، بِخِلَاف الشاميين . والمُثنَّى بن الصَّباح : مكي ، فَتكون هَذِه الطَّرِيقَة ضَعِيفَة . قَالَ يزِيد بن هَارُون : مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيِّنٌ . وَقَالَ البُخَارِيّ : إِذا حَدَّث عَن أهل حمص فَصَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي الكنى : لَا بَأْس بحَديثه إِذا حدَّث عَن الشاميين ، فَإِذا عداهم إِلَى حَدِيث أهل الْمَدِينَة جَاءَ بِمَا لَا يُتَابع عَلَى أَكْثَره . قلت : والاعتماد إِنَّمَا هُوَ عَلَى الطَّرِيق الأول ، وَهَذِه مُتَابعَة لَهُ .
الحَدِيث الثَّالِث رُوي أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خَلَقَ اللهُ الماءَ طهُورا ، لَا يُنَجِّسُهُ شيءٌ ، إلاَّ مَا غَيَّر طعمه ، أَو رِيحه . اعْلَم : أَن صدر هَذَا الحديثَ صحيحٌ ، كَمَا تقدم الْآن من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بِاللَّفْظِ السَّابِق ، وَلم أرَ فِيهِ لفظ : خلق الله ، فَتنبه لَهُ ، وَرُوِيَ أَيْضا من طُرُق أُخر : فأولها : عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : انتهينا إِلَى غَدِير ، فَإِذا فِيهِ جيفة حمَار ، قَالَ : فَكَفَفْنَا عَنهُ ، حتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إنَّ الماءَ لَا يُنجسهُ شيءٌ فاستقينا وحملنا . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه بِإِسْنَاد عَلَى شَرط الصَّحِيح ، لَوْلَا ( طريف) بن شهَاب السَّعْدِيّ ، فإنَّه واهٍ مَتْرُوك عِنْدهم ، حتَّى قَالَ فِيهِ ابْن حبَان : إِنَّه كَانَ (مغفلاً ، يَهِمُ) فِي الْأَخْبَار ، حتَّى يقلبها ، ويروي عَن الثِّقَات مَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات . لَكِن يَقع فِي بعض نسخه (بدله) طَارق بن شهَاب ، فإنْ صَحَّ - مَعَ بعده - فَهُوَ الأحمسي ، صَحَابِيّ ، فَيصح السَّنَد .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : المَاء لا يُنَجِّسُهُ شَيْء . رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث : سماك بن حَرْب ، عَن عِكْرِمَة ، عَنهُ . وَرَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة ، مُحَمَّد بن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه كَذَلِك ، لَكِن لَفظه : عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : أَرَادَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَن يتَوَضَّأ ، فَقَالَت امْرَأَة من نِسَائِهِ : يَا رَسُول الله قد توضَّأتُ من هَذَا . فَتَوَضَّأ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء . وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه - أَيْضا - بِلَفْظ : اغْتسل بعض أَزوَاج رَسُول الله من جَفْنَة ، فجَاء رَسُول الله يغْتَسل مِنْهَا ، أَو يتَوَضَّأ ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إنِّي كنت جُنبًا . فَقَالَ : إنَّ المَاء لَا يَجْنُب . وَهُوَ فِي السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث سماك ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : اغْتسل بعض أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَفْنَةٍ ، فَأَرَادَ رَسُول الله أَن يتَوَضَّأ (مِنْهَا أَو يغْتَسل) ، فَقَالَت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي كنت جُنبًا . فَقَالَ : إنَّ الماءَ لَا يَجْنُب . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حسن صَحِيح . وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ ، عَن شريك ، عَن سماك ، فسمَّاها : مَيْمُونَة . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْحَاق ، عَن وَكِيع ، عَن سُفْيَان ، عَن سماك ، أَن مَيْمُونَة قَالَ الْحَازِمِي : لَا يُعْرَف مُجَوَّدًا إلاَّ من حَدِيث سماك ، وَسماك فِيمَا ينْفَرد بِهِ رَدَّه بعض الْأَئِمَّة ، (وقَبِلَه) الْأَكْثَرُونَ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : قَالَ الْحَاكِم : قد احْتج البُخَارِيّ بِأَحَادِيث عِكْرِمَة ، وَاحْتج مُسلم بِأَحَادِيث سماك بن حَرْب ، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح فِي الطَّهَارَة ، وَلَا تحفظ لَهُ عِلّة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : ورُوي مُرْسَلاً . قَالَ : وَمن أسْندهُ أحفظ . قلت : وأمَّا ابْن حزم (فإنَّه وَهَّاه) فِي محلاه فَقَالَ : هَذَا حَدِيث لَا يصحّ ، (لِأَنَّهُ بِرِوَايَة) سماك بن حَرْب ، وَهُوَ يقبل التَّلْقِين ، شهد عَلَيْهِ بذلك شُعْبَة وَغَيره ، (وَهَذِه جُرحة ظَاهِرَة) .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن سهل بن سعد قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء . رَوَاهُ قَاسم بن أصبغ - كَمَا تقدم فِي الحَدِيث قبله - بِسَنَد حسن ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، من حَدِيث مُحَمَّد بن مُوسَى (الْحَرَشِي) ، عَن (فُضَيْل) بن سُلَيْمَان النميري ، عَن أبي حَازِم ، عَن سهل . و (فُضَيْل) هَذَا : تكلَّم فِيهِ يَحْيَى ، وَأَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم . لَكِن احتجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ . وَمُحَمّد هَذَا : وَهَّاه أَبُو دَاوُد ، ووثَّقه غَيره .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : أنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَوسط معاجمه من حَدِيث : شريك ، عَن الْمِقْدَام بن شُريح ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة . ثمَّ قَالَ : لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن الْمِقْدَام إلاَّ شريك . وَذكره ابْن السكن فِي صحاحه بِحَذْف إِن .
الطَّرِيق الْخَامِس : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَن بِئْر بضَاعَة ، فَقَالَ : المَاء طهُور ، لَا يُنجسهُ شَيْء . ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله من حَدِيث سعيد المَقْبُري عَنهُ ، وَقَالَ : إنَّه حَدِيث غير ثَابت .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أبي أُمَامَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء ، إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه وطعمه ولونه . وَهَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين : أَحدهمَا مُسندَة : رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مَحْمُود بن خَالِد ، وَغَيره ، عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد ، نَا رشدين ، نَا مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد بن سعد ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا كَمَا تقدم . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه كَذَلِك . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْأَوْسَط ، من حَدِيث مُحَمَّد بن يُوسُف الغضيضي ، عَن رشدين (بن) سعد ، عَن مُعَاوِيَة بِهِ . وَلم يذكرَا : ولونه . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن مُعَاوِيَة بن صَالح إلاَّ رشدين ، تَفرَّد بِهِ مُحَمَّد بن يُوسُف . قلت : لَا ، فقد تَابعه مَرْوَان بن مُحَمَّد ، كَمَا أخرجه ابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِيمَا سلف . وَقد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه - أَيْضا - من حَدِيث مَرْوَان بن مُحَمَّد الطاطري ، عَن رشدين بِهِ . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ - أَيْضا - من رِوَايَة ثَوْر بن يزِيد ، عَن [ رَاشد ] بن سعد بِهِ ، وَلَفظه : إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يُنجسهُ شَيْء ، إلاَّ مَا غلب رِيحه أَو طعمه . وَقَالَ : كَذَا وجدته ، وَلَفظ الْقلَّتَيْنِ فِيهِ غَرِيب . قَالَ ابْن عدي : وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ يرويهِ عَن ثَوْر إلاَّ حَفْص بن عمر . قلت : قد رَوَاهُ بَقِيَّة أَيْضا عَنهُ ، أخرج ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وَلَفظه : إنَّ المَاء طَاهِر ، إلاَّ إنْ تغيَّر رِيحه ، أَو طعمه ، أَو لَونه بِنَجَاسَة تحدث فِيهِ . الطَّرِيقَة الثَّانِيَة : مُرْسلَة رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث الْأَحْوَص بن حَكِيم ، عَن رَاشد بن سعد قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه أَو طعمه . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِزِيَادَة : أَو لَونه . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا مُرْسل ، قَالَ : وَوَقفه أَبُو أُسَامَة عَلَى رَاشد . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : الصَّحِيح أَن هَذَا الحَدِيث مُرْسل . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث يرويهِ رشدين بن سعد ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد ، (عَن) أبي أُمَامَة مَرْفُوعا ، وَخَالفهُ الْأَحْوَص بن حَكِيم فَرَوَاهُ عَن رَاشد بن سعد مُرْسلا ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو أُسَامَة : عَن الْأَحْوَص ، عَن رَاشد قَوْله وَلم (يُجَاوز بِهِ راشدًا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَلَا يثبت الحَدِيث . قلت : فَتَلَخَّصَ أَن الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور ضعيفٌ ، لَا يحلّ الِاحْتِجَاج بِهِ ، لِأَنَّهُ مَا بَين مُرْسل وَضَعِيف . وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَى تَضْعِيفه . وَقد أَشَارَ إمامنا الْأَعْظَم ، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي إِلَى ضعفه فَقَالَ : وَمَا قلت من أنَّه إِذا تغيَّر طعم المَاء وريحه ولونه كَانَ نجسا ، يُروى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وَجه لَا يُثْبِتُ أهل الحَدِيث مثله ، وَهُوَ قَول الْعَامَّة ، لَا أعلم بَينهم (خلافًا ) . وَتَابعه عَلَى ذَلِك الْبَيْهَقِيّ ، فَقَالَ فِي سنَنه : هَذَا حَدِيث غير قوي ، (إلاَّ أنَّا) لَا نعلم (فِي) نَجَاسَة المَاء إِذا تغيَّر خلافًا . وَابْن الْجَوْزِيّ ، (قَالَ) فِي تَحْقِيقه : هَذَا حَدِيث لَا يَصح . فَإِذا عُلم ضعف الحَدِيث ، تعيَّن الِاحْتِجَاج بالإِجماع ، كَمَا قَالَه الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ ، وَغَيرهمَا ، (من الْأَئِمَّة) . قَالَ ابْن الْمُنْذر : أَجمع الْعلمَاء عَلَى أنَّ المَاء الْقَلِيل أَو الْكثير ، إِذا وَقعت فِيهِ نَجَاسَة ، فغيَّرت طعمًا أَو لونًا أَو ريحًا فَهُوَ نجس . وَنقل الإِجماع كَذَلِك جمع (غَيره) . وَذكر الإِمام الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الحَدِيث بعد هَذَا الْبَاب بِلَفْظ : الطّعْم والرائحة دون اللَّوْن ثمَّ قَالَ : نُصَّ عَلَى الطّعْم وَالرِّيح ، وقاس الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه اللَّوْن عَلَيْهِمَا . وَكَأَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ قلَّد فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ ، فإنَّه قَالَ فِي (الْمُهَذّب) ، (كقولته) ، وَلم يقفا رحمهمَا الله عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا اللَّوْن الَّتِي قَدَّمناها من طَرِيق ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ . فَإِن قلت : لعلهما رأياها فتركاها لأجل ضعفها ونَزَّلا وجودهَا وَالْحَالة هَذِه كعدمها ؟ قلت : هَذَا لَا يصحّ ، لِأَنَّهُمَا لَو رَاعيا الضعْف واجتنباه ، لتركا جملَة الحَدِيث ، لضَعْفه الْمُتَّفق عَلَيْهِ . وَاعْلَم : أَن هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الْآتِي ، وَوَقعت لنا مَعَه فِيهِ مناقشة ، فإنَّه قَالَ : وَقَالَ مَالك : لَا ينجس المَاء الْقَلِيل إلاَّ بالتغيُّر كالكثير ، لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : خُلَقَ المَاء طهُورا ، لَا يُنَجِّسه شَيْء ، إلاَّ مَا غَيَّر طعمه أَو رِيحه ، وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ ، وَالشَّافِعِيّ حمل هَذَا الْخَبَر عَلَى الْكثير ؛ لِأَنَّهُ ورد فِي بِئْر بضَاعَة ، وَكَانَ ماؤهاكثيرًا . انْتَهَى . وَهَذِه الدَّعْوَى : أَن هَذَا الْخَبَر ورد فِي (بِئْر) بضَاعَة لَا تُعرف ؛ نعم صَدْرُه ورد فِيهَا كَمَا قَدمته ، وَأما هَذَا الِاسْتِثْنَاء فَفِي حَدِيث آخر كَمَا قَرّرته لَك فاعلمه . والإِمام الرَّافِعِيّ ، الظَّاهِر أَنه تبع الْغَزالِيّ فِي هَذِه الدَّعْوَى ، فقد ذكر ذَلِك فِي الْمُسْتَصْفَى حَيْثُ قَالَ (لما) سُئِلَ عَن بِئْر بضَاعَة فَقَالَ : خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ إلاَّ مَا غيَّر طعمه أَو لَونه أَو رِيحه . وَوَقع فِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة ، عزو الِاسْتِثْنَاء إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد ، (فَقَالَ : وَرِوَايَة أبي دَاوُد) : خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ إلاَّ مَا غير طعمه أَو رِيحه وَهَذَا لَيْسَ فِي أبي دَاوُد فاعلمه .
وَأما الِاسْتِثْنَاء الْوَاقِع فِي آخِره ، فَروِيَ أَيْضا من طَرِيقين : أَحدهمَا : عَن ثَوْبَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : المَاء طهُور ، إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه ، أَو طعمه . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث رشدين ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد بن سعد عَنهُ . وَرشْدِين هَذَا : هُوَ ابْن سعد - وَيُقَال : ابْن أبي رشدين - وَهُوَ ضَعِيف ، قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي ، وَأَبُو زرْعَة ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : مُنكر الحَدِيث ، فِيهِ غَفلَة ، يحدث بِالْمَنَاكِيرِ عَن الثِّقَات . وَقَالَ ( النَّسَائِيّ ) : مَتْرُوك الحَدِيث . وَضَعفه أَحْمد ، وَقَالَ فِي رِوَايَة : هُوَ رجل صَالح ، وَلكنه لَا يُبَالِي عمَّن يروي . وَمرَّة قَالَ : أَرْجُو أنَّه صَالح الحَدِيث . وَقَالَ ابْن يُونُس : كَانَ رجلا صَالحا ، لَا يُشَكُّ فِي صَلَاحه وفضله ، فَأَدْرَكته غَفلَة الصَّالِحين ، فَخَلَّط فِي الحَدِيث . وَقَالَ الْجوزجَاني : عِنْده (معاضيل) ، ومناكيره كَثِيرَة ، وَسمعت ابْن أبي مَرْيَم يثني عَلَيْهِ فِي دينه . قَالَ ابْن حبَان : كَانَ يقْرَأ كل مَا (دفع) إِلَيْهِ ، سَوَاء كَانَ من حَدِيثه أَو لم يكن . وَكَذَلِكَ قَالَ ( قُتَيْبَة ) . وَقَالَ ابْن عدي : رشدين ضَعِيف ، وَقد خُصَّ نَسْله بالضعف : حجاج بن رشدين ، وَمُحَمّد بن الْحجَّاج ، وَأحمد بن مُحَمَّد . وَمُعَاوِيَة بن صَالح : هُوَ قَاضِي الأندلس ، وَهُوَ ثِقَة ، كَمَا قَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَغَيرهمَا . وَأما رَاشد بن سعد : فوثَّقه ابْن معِين ، وَأَبُو حَاتِم ، وَابْن سعد ، وَقَالَ أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ ، وشذَّ ابْن حزم ، فَقَالَ : ضَعِيف . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يُعتبر بِهِ ، لَا بَأْس) . أخرج لَهُ مُسلم ، وَقَالَ يَحْيَى : هُوَ صَالح . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا الحَدِيث لم يرفعهُ غير رشدين ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ .
الحَدِيث الثَّانِي أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأ من بئرِ بضَاعَة . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، مَشْهُور من حَدِيث أبي سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان ، الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : قيل : يَا رَسُول الله ، أَنَتَوَضَّأُ من بِئْر بضَاعَة - وَهِي بِئْر يُلقى فِيهَا الحِيَضُ ، وَلُحُوم الْكلاب ، والنَّتْنُ ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ المَاء طهُور ، لَا يُنَجِّسُه شَيْء . رَوَاهُ الْأَئِمَّة ، أهل الْحل وَالْعقد : الشَّافِعِي فِي الْأُم ، و اخْتِلَاف الحَدِيث ، وَأحمد فِي الْمسند ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَفِي بعض نسخه : صَحِيح . قَالَ : وَقد جَوَّد أَبُو أُسَامَة هَذَا الحَدِيث ، [ لم يَرْوِ أحد ] حَدِيث أبي سعيد فِي بِئْر بضَاعَة أحسن مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَة ، قَالَ : (وَقد) رُوي هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي سعيد . وَقَالَ الإِمام أَحْمد : هَذَا حَدِيث صَحِيح . نَقله الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي تهذيبه وَغَيره عَنهُ . قَالَ النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد : صحَّحه يَحْيَى بن معِين ، وَالْحَاكِم ، وَآخَرُونَ من الْأَئِمَّة الْحفاظ ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَة : وَقَوْلهمْ مقدم عَلَى قَول الدَّارَقُطْنِيّ إِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت . قلت : كَذَا نَقَل عَن الدَّارَقُطْنِيّ هَذِه القولة أَيْضا ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه ، وَلم أَرَها فِي علله ، بل ذكر فِي علله الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده ، ثمَّ قَالَ : و (أحْسنهَا) إِسْنَادًا : حَدِيث الْوَلِيد بن كثير ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن رَافع ، عَن أبي سعيد ؛ وَحَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن عبد الله بن أبي سَلمَة (الْمَاجشون) ، عَن (عُبيد الله) بِهِ ، فَاعْلَم ذَلِك . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : تكلَّم فِيهِ بَعضهم ، وَلم يبيِّنه رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ أَبُو الْحسن (بن) الْقطَّان فِي كتاب الْوَهم والإِيهام : أمره إِذا بُين ، تبين مِنْهُ ضعف الحَدِيث لَا حسنه ، وَذَلِكَ أَن مَدَاره عَلَى أبي أُسَامَة ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب ، ثمَّ اختُلف عَلَى أبي أُسَامَة فِي الْوَاسِطَة [ الَّتِي ] بَين مُحَمَّد بن كَعْب ، وَأبي سعيد ، فقوم يَقُولُونَ : عبيد الله بن عبد الله بن رَافع بن خديج ، وَقوم يَقُولُونَ : عبد الله بن عبد الله بن رَافع بن خديج . وَله [ طَرِيق ] آخر ، من رِوَايَة : ابْن إِسْحَاق ، عَن سليط بن أَيُّوب . واختُلف عَلَى ابْن إِسْحَاق فِي الْوَاسِطَة بَين سليط وَأبي سعيد ، فقوم يَقُولُونَ : عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع - قلت : وَنقل أَبُو دَاوُد هَذَا فِي سنَنه عَن بَعضهم - وَقوم يَقُولُونَ : عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابن رَافع ؛ (وَقوم يَقُولُونَ : عَن عبد الرَّحْمَن بن رَافع) . فَتحصل فِي هَذَا الرجل - يَعْنِي الرَّاوِي لَهُ عَن أبي سعيد - خَمْسَة أَقْوَال : عبد الله بن (عبد الله) بن رَافع ، وَعبيد الله بن عبد الله بن رَافع ، وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع ، وَعبد الرَّحْمَن بن رَافع ، وَعبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع . وكيفما كَانَ ، فَهُوَ من لَا (تعرف) لَهُ حَال وَلَا عين ، والأسانيد بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي كتب الحَدِيث مَعْرُوفَة ، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْخلاف الْمَذْكُور مُفَسرًا . قَالَ ( ابْن الْقطَّان ) : وَلِحَدِيث بِئْر بضَاعَة (طَرِيق) حسن ، من غير رِوَايَة أبي سعيد ، من رِوَايَة سهل بن سعد . قَالَ قَاسم بن أصبغ : ثَنَا مُحَمَّد بن وَضَّاح ، ثَنَا أَبُو عَلّي عبد الصَّمد بن أبي سكينَة الْحلَبِي ، بحلب ، نَا عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم ، عَن أَبِيه ، عَن سهل بن سعد : قَالُوا : يَا رَسُول الله ، (إِنَّك تتوضأ) من بِئْر بضَاعَة ، وفيهَا مَا يُنْجِي النَّاس والمحايض ، وَالْجنب ؟ ! فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء . قَالَ قَاسم : هَذَا من أحسن شَيْء فِي بِئْر بضَاعَة . وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَيمن : ثَنَا ابْن وَضَّاح فَذكره - أَيْضا - بِإِسْنَادِهِ وَمَتنه . وَقَالَ ابْن حزم فِي (كتاب) الإِيصال : عبد الصَّمد بن أبي سكينَة ثِقَة مَشْهُور . وَذكره (المنتجالي) ، وَقَالَ : (إِن) ابْن وضاح لقِيه بحلب . ويُروى عَن سهل بن سعد فِي بِئْر بضَاعَة من طرق ، هَذَا (خَيرهَا) . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام : أخرج أَبُو عبد الله بن مَنْدَه هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن رَافع ، وَقَالَ : هَذَا إِسْنَاد مَشْهُور ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَتَركه البُخَارِيّ وَمُسلم لاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده . رَوَاهُ ابْن أبي ذِئْب ، عَن الثِّقَة عِنْده ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أبي سعيد . ثمَّ ذكر رِوَايَة مطرف ابن طريف ، عَن خَالِد بن أبي نوف ، عَن سليط بن أَيُّوب ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، عَن أَبِيه . وَقَالَ بعد ذَلِك : فإنْ كَانَ عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع هَذَا ، هُوَ الْأنْصَارِيّ الَّذِي رَوَى عَن جَابر بن عبد الله ، فقد (رَوَى) عَنهُ هِشَام بن عُرْوَة ، وَهُوَ رجل مَشْهُور فِي أهل الْمَدِينَة . وَعبد الله بن رَافع بن خديج مَشْهُور ، ( وَعبيد الله ) ابْنه مَجْهُول . فَهَذَا حَدِيث مَعْلُول (بِرِوَايَة) عبيد الله بن عبد الله بن رَافع . وَقد أخرج الْحَافِظ ، أَبُو مُحَمَّد عبد الْغَنِيّ (بن سعيد) الْمصْرِيّ ، فِي (كتاب) : إِيضَاح الإِشكال رِوَايَة مطرف ، عَن خَالِد بن أبي نوف ، عَن سليط ، عَن ابْن أبي سعيد ، عَن أَبِيه قَالَ : انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، تتوضأ مِنْهَا وَهِي يُلقى فِيهَا مَا يُلقى من النتن ؟ ! فَقَالَ : إنَّ المَاء لَا يُنَجِّسه شَيْء . قَالَ الشَّيْخ فِي الإِمام : وَفِي رِوَايَة [ ابْن ] إِسْحَاق ، عَن سليط شَيْء آخر ، ذكره أَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم فِي الْمَرَاسِيل عَن أَبِيه ، قَالَ : مُحَمَّد بن إِسْحَاق بَينه وَبَين سليط رجل . وَكَلَامه مُحْتَمل لِأَن يكون بَينهمَا رجل فِي حَدِيث بِئْر بضَاعَة ، وَبَين أَن يكون بَينهمَا رجل مُطلقًا ، وَالْأَقْرَب إِلَى وضع الْكتاب الْمَذْكُور هُوَ الثَّانِي . اهـ . قلت : وَالَّذِي يظْهر ، صِحَة الحَدِيث مُطلقًا ، كَمَا صحَّحه الْأَئِمَّة المتقدمون : التِّرْمِذِيّ ، وَأحمد ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَالْحَاكِم ، وهم أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ والمرجوع إِلَيْهِم . وتضعيف ابْن الْقطَّان إِيَّاه لجَهَالَة الوسائط بَين سليط بن أَيُّوب وَأبي سعيد ، يُعَارضهُ رِوَايَة سليط عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَلَيْسَت مِمَّا ذكره ، فَلَيْسَ عبد الرَّحْمَن هَذَا مَجْهُولا ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ البُخَارِيّ . وَأما قَوْله : إنَّ الْخَمْسَة الَّذين (رَوَوْهُ) عَن أبي سعيد كلهم مَجَاهِيل . فَفِيهِ نظر ؛ لِأَن تَصْحِيح الحفَّاظ الأُوَل لهَذَا الحَدِيث تَوْثِيق مِنْهُم لَهُم ، إِذْ لَا يُظن بِمن دونهم الإِقدام عَلَى تَصْحِيح مَا رِجَاله مَجَاهِيل ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيس فِي (الرِّوَايَة) وغش ، وهم برَاء من ذَلِك . وَقد وثَّق أَبُو حَاتِم ابْن حبَان ( عبيد الله) بن عبد الله بن رَافع ، وَعبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع ، وَعقد لَهما ترجمتين فِي ثقاته . وهما فِي كتاب البُخَارِيّ وَاحِد ، وَكَذَلِكَ عِنْد (ابْن) أبي حَاتِم ، بل لَعَلَّ الْخَمْسَة الْمَذْكُورين عِنْد ابْن الْقطَّان [ واحدٌ ] عِنْد البُخَارِيّ . لَا جرم أَن الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد بن حزم (قَالَ) فِي كِتَابه المحلَّى شرح المجلَّى عقب حَدِيث بِئْر بضَاعَة : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، جَمِيع رُوَاته معروفون عدُول . وَقَالَ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي صَحِيحه - لمَّا ذكر (حَدِيث) عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن جَابر رَفعه : من أَحْيَا أَرضًا ميتَة ، فَلهُ فِيهَا أجر الحَدِيث - : (ذكر) الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن [ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ] هَذَا مَجْهُول ، لَا يعرف . ثمَّ أخرجه من حَدِيث هِشَام ، عَن (عبد الله) بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع بن خديج ، سَمِعت جَابِرا يذكر الحَدِيث . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي كتاب إحْيَاء الْموَات حِين يذكر الإِمام الرَّافِعِيّ هَذَا الحَدِيث . و (إِذْ) قد فَرغْنَا من تَصْحِيح هَذَا (الحَدِيث) ، فَلَا بُد من إِيرَاد ضبط بعض أَلْفَاظه ، وفوائده ، فَنَقُول : بضَاعَة : بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ، وَيُقَال : بِكَسْرِهَا ، لُغَتَانِ ، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره ، وَالضَّم أشهر وأفصح ، وَلم يذكر جمَاعَة (سواهُمَا) . ثمَّ قيل : هُوَ اسْم لصَاحب الْبِئْر . وَقيل : اسْم لموضعها . وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ ، بَصق رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، وبرَّك فِيهَا ، وَتَوَضَّأ فِي دلو وَرَدَّه فِيهَا ، وَكَانَ إِذا مرض مَرِيض يَقُول لَهُ : اغْتسل بِمَائِهَا فيغتسل فَكَأَنَّمَا نشط من عقال . وَهِي فِي ديار بني سَاعِدَة مَعْرُوفَة ، وَبهَا مَال من أَمْوَال الْمَدِينَة . و الحِيَض : بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْيَاء ، جمع : حِيَضة - بِكَسْر الْحَاء - وَهِي الْخِرْقَة الَّتِي تحشي (بهَا) الْمَرْأَة . وَقد تطلق الحِيضة - بِكَسْر الْحَاء - عَلَى الِاسْم من الحَيضة بِالْفَتْح . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد (و) الدَّارَقُطْنِيّ : وعَذِر النَّاس : وَهِي - بِفَتْح الْعين ، وَكسر الذَّال - اسْم جنس للعذرة . وَضبط أَيْضا بِكَسْر الْعين وَفتح الذَّال ، كمعدة ومِعَد ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَضم الْعين فِيهَا تَصْحِيف . وَقَوله : وَمَا يُنْجِي الناسُ : هُوَ بياء مثناة تَحت مَضْمُومَة ، ثمَّ نون سَاكِنة ، ثمَّ جِيم (مَكْسُورَة) . كَذَا ضَبطه صَاحب الإِمام . ثمَّ قَالَ : و النَّاس : بِرَفْع السِّين عَلَى الفاعلية ، يُقَال : أنجى الرجل ، إِذا أحدث ، فَيحْتَمل أَلا يكون فِيهِ حذف وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ - الْمَذْكُورَة وَعذر النَّاس - وَيحْتَمل أَن يكون (فِيهِ) حذف عَلَى تَقْدِير : ويُلقى فِيهِ خرق مَا يُنجي النَّاس ، كَمَا قيل فِي المحايض . قَالَ الْخطابِيّ وَآخَرُونَ : لم يكن (إِلْقَاء) ذَلِك تعمدًا من آدَمِيّ ، بل كَانَت هَذِه الْبِئْر فِي حَدُور السَّيْل تكسح الأقذار من الأفنية ، فتلقيها فِيهَا ، وَلَا يُؤثر فِي المَاء لكثرته . وَقيل : كَانَت الرّيح تلقي ذَلِك . وَقيل : المُنَافِقُونَ . وَيحْتَمل الرّيح والسيول ، وَأما : المُنَافِقُونَ ، فبعيد ؛ لِأَن الِانْتِفَاع بهَا مُشْتَرك ، مَعَ تَنْزِيه الْمُنَافِقين وَغَيرهم الْمِيَاه فِي الْعَادة . وَوَقع فِي الرَّافِعِيّ : أَن مَاء هَذِه الْبِئْر كَانَ (كَنُقَاعَةِ) الْحِنَّاء . وَهَذَا (غَرِيب) جدًّا ، لم أَرَه بعد الْبَحْث ، وسؤال بعض الْحفاظ عَنهُ ، وَهَذَا الْوَصْف لَا أعلمهُ يلقى إلاَّ فِي صفة الْبِئْر الَّتِي (سُحِر) فِيهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِي : بِئْر ذروان . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلبيسه : أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأ من غَدِير مَاؤُهُ كنقاعة الْحِنَّاء . وَذكرهَا ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب ، وَلَعَلَّه أَخذهَا من كتاب الرَّافِعِيّ . قَالَ بَعضهم : إنَّها مَوْجُودَة فِي شرح السنَّة لِلْبَغوِيِّ ، وراجعته ، فَلم أجد ذَلِك فِيهِ . وَالَّذِي أعلمهُ فِي صفة (بِئْر) بضَاعَة مَا قَالَه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه : سَمِعت قُتَيْبَة بن سعيد يَقُول : سَأَلت قَيِّمَ بِئْر بضَاعَة عَن عمقها ، قَالَ : أَكثر مَا يكون فِيهَا المَاء إِلَى الْعَانَة . قلت : فَإِذا نقص ؟ قَالَ : دون الْعَوْرَة . قَالَ أَبُو دَاوُد : وقَدَّرتُ بِئْر بضَاعَة بردائي ، مددته عَلَيْهَا ثمَّ ذرعته فَإِذا عرضهَا سِتَّة أَذْرع ، وَسَأَلت الَّذِي فتح لي بَاب الْبُسْتَان فأَدخلني إِلَيْهِ : هَل غُيِّر بنيانها عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لَا . وَرَأَيْت فِيهَا مَاء متغير اللَّوْن . وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي - كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة و السّنَن - : بِئْر بضَاعَة كَثِيرَة المَاء وَاسِعَة ، وَكَانَ يُطرح فِيهَا من الأنجاس مَا لَا يُغير لَهَا لونًا ، وَلَا طعمًا ، وَلَا يظْهر لَهُ (فِيهَا) ريح ، فَقيل للنَّبِي صلى الله عليه وسلم (: تتوضأ من بِئْر بضَاعَة ، وَهِي يُطرح فِيهَا كَذَا وَكَذَا ؟ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مجيبًا : المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء . يَعْنِي : فِي المَاء مثلهَا . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُعْلَمَ : أَن بِئْر بضَاعَة كَانَت واقفةً ، وأمَّا مَا قَالَه الْوَاقِدِيّ وَغَيره : أنَّ هَذِه الْبِئْر كَانَ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْع و (الْبَسَاتِين) . وَقَول بَعضهم : إِنَّهَا كَانَت جَارِيَة . فغلط ؛ لِأَن الْعلمَاء ضبطوا بِئْر بضَاعَة ، وعرَّفوها فِي كتب مَكَّة وَالْمَدينَة ، وَأَن المَاء لم يكن يجْرِي ، والواقدي لَا يحْتَج بِرِوَايَاتِهِ الْمُتَّصِلَة ، فَكيف بِمَا يُرْسِلهُ أَو يَقُوله عَن نَفسه ؟ وَعَلَى تَقْدِير صِحَة ذَلِك ، فَيكون مَعْنَاهُ : أَنه يُسْقَى مِنْهَا بالدلو والناضح ، عملا بِمَا نَقله الْأَثْبَات فِي صفتهَا . وَالْمرَاد بالعورة فِي كَلَام (قَيِّم) الْبِئْر : الْفرج ، يَعْنِي : دون الْفرج بِقَلِيل . وَكَأَنَّهَا كَانَت تنقص شبْرًا أَو نَحوه ، وإنَّما قدرهَا أَبُو دَاوُد بردائه ، وَسَأَلَ عَنْهَا قُتَيْبَة ، ليعلم أَنَّهَا كَبِيرَة جدًّا . وَالْمَقْصُود : أَن بعض الْأَئِمَّة يَقُول : إِذا كَانَ المَاء غير جارٍ ، وَوَقعت فِيهِ نَجَاسَة ، فَإِن كَانَ بِحَيْثُ لَو حُرِّك أحد طَرفَيْهِ تَحرَّك الآخر فَهُوَ نجس كُله ، وإلاَّ فطاهر . وَهَذِه الْبِئْر كَانَت دون هَذَا ، فمعلوم أَنَّهَا إِذا حرَّك أحد طرفيها ، تَحرَّك الآخر ، وَقد صَحَّ أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأ مِنْهَا ، وَكَانَت النَّجَاسَات تقع فِيهَا ، فَهَذَا يردُّ مَذْهَب هَذَا الإِمام . هَذَا مَقْصُود قُتَيْبَة وَأبي دَاوُد بِمَا ذكرَاهُ وَلِهَذَا قَالَ : سَأَلت الَّذِي فتح لي الْبَاب : هَل غُيِّر بناؤها عمَّا كَانَ فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : لَا . وَقَوله : رَأَيْت فِيهَا مَاء متغير اللَّوْن . هَذَا التَّغَيُّر كَانَ بطول الْمكْث أَو نَحوه ، أَو من أَصْلهَا ، لَا بِنَجَاسَة ، ثمَّ إنَّ هَذِه صفة مَائِهَا فِي زمن أبي دَاوُد ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن تكون صفتهَا كَذَلِك فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَعَلَّه) قلَّ اسْتِعْمَالهَا ، فَتغير مَاؤُهَا . وَاعْلَم : أَن هَذَا الحَدِيث عَام مَخْصُوص ، خُصَّ مِنْهُ الْمُتَغَيّر بِنَجَاسَة ، فإنَّه ينجس بالإِجماع ، وَخص مِنْهُ أَيْضا : مَا دون الْقلَّتَيْنِ إِذا لاقته نَجَاسَة ، عَلَى قَول الشَّافِعِي وَأحمد وكثيرين ، وَقَالَ مَالك وَآخَرُونَ (بِعُمُومِهِ) ، فَالْمُرَاد : المَاء الْكثير الَّذِي لم تغيره نَجَاسَة لَا يُنجسهُ شَيْء ، وَهَذِه كَانَت صفة بِئْر بضَاعَة . وَهَذَا الحَدِيث لَا يُخَالف حَدِيث الْقلَّتَيْنِ الْآتِي ؛ لِأَن ماءها كَانَ كثيرا ، لَا يُغَيِّره وُقُوع هَذِه الْأَشْيَاء فِيهِ . وَقَوله : أَتَتَوَضَّأُ هُوَ بتاءين مثناتين من فَوق ، خطابٌ للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا وَقع مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة قَاسم بن أصبغ الْمُتَقَدّمَة ، قَالُوا : يَا رَسُول الله ، إِنَّك تتوضأ من بِئْر بضَاعَة . وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه الْمُتَقَدّمَة أَيْضا : انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة . وَكَذَلِكَ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة الشَّافِعِي قيل : يَا رَسُول الله ، أتتوضأ من بِئْر بضَاعَة . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ : مَرَرْت بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، أتتوضأ مِنْهَا ، وَهِي يُطرح فِيهَا الحَدِيث ، وَأول من نَبَّه عَلَى هَذَا الضَّبْط : النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَبعهُ شَيخنَا فتح الدَّين بن سيد النَّاس فِي شرح التِّرْمِذِيّ . قَالَ النَّوَوِيّ : إنَّما ضبطت كَونه بِالتَّاءِ لئلا يُصَحَّف ، فَيُقَال : أَنَتَوَضَّأُ بالنُّون . قَالَ : وَقد رَأَيْت من صحَّفه ، واستبعد كَون النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتَوَضَّأ مِنْهَا قَالَ : وَهَذَا غلط فَاحش . لما ذَكرْنَاهُ . قلت : و (مِمَّا) يَنْبَغِي أَن (يُنتبه لَهُ) أَن النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : أخرج هَذَا الحَدِيث من أخرج الأول - يَعْنِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة - وَهَذِه الْعبارَة تَقْتَضِي كَونه فِي الْمُوَطَّأ ، فإنَّ الأول عزاهُ إِلَى الْمُوَطَّأ وَهَذَا الحَدِيث لَا يُوجد فِي موطأ من الموطآت المرويَّة عَن الإِمام مَالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - بل لم يعزه أحد من مصنفي الْأَحْكَام إِلَيْهِ . وَقد يُجاب عَن النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : بِأَنَّهُ أَرَادَ بقوله : أخرجه من أخرج الأول : الْمُعظم . وَلَا يخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَواب .
الحَدِيث الرَّابِع أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذا بَلَغَ (الماءُ) قُلَّتَين ، لم يَحْمِلْ خَبَثًا . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، ثَابت ، من رِوَايَة عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ، عَن أَبِيه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، أنَّ رَسُول الله سُئِلَ عَن المَاء يكون بِأَرْض الفَلاَة ، وَمَا يَنُوبُه من السبَاع وَالدَّوَاب ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ ، لم يحملِ الخَبَث . أخرجه (الْأَئِمَّة) الْأَعْلَام : الشَّافِعِي ، وَأحمد ، والدارمي فِي مسانيدهم . وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنهمْ ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحهمَا وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتبه الثَّلَاثَة : السّنَن الْكَبِير ، و الْمعرفَة ، و الخلافيات . قَالَ يَحْيَى بن معِين : إِسْنَاد جيد . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، فقد احتجا جَمِيعًا بِجَمِيعِ رُوَاته ، وَلم يخرجَاهُ ، وأظنهما - وَالله أعلم - لم يخرجَاهُ لخلاف عَلَى أبي أُسَامَة عَلَى الْوَلِيد بن كثير حَيْثُ رَوَاهُ تَارَة : عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير ، وَتارَة : عَن مُحَمَّد بن (عبَّاد) بن جَعْفَر . قَالَ : وَهَذَا خلاف لَا يُوهن الحَدِيث ، فقد احتجَّ الشَّيْخَانِ جَمِيعًا بالوليد بن كثير ، وَمُحَمّد بن (عباد) بن جَعْفَر ، وإنَّما قرنه (أَبُو أُسَامَة) إِلَى مُحَمَّد بن جَعْفَر ، ثمَّ حدَّث بِهِ مرّة عَن هَذَا وَمرَّة عَن ذَاك . ثمَّ رَوَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي أُسَامَة نَا الْوَلِيد بن كثير ، عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير ؛ وَمُحَمّد بن عباد بن جَعْفَر ، عَن عبد الله بن عمر بِهِ . قَالَ : فقد صحَّ وَثَبت بِهَذِهِ الرِّوَايَة صِحَة الحَدِيث ، وَظهر أَن أَبَا أُسَامَة سَاق الحَدِيث عَن الْوَلِيد بن كثير ، عَنْهُمَا جَمِيعًا ، قَالَ : وَقد تَابع الْوَلِيد بن كثير عَلَى رِوَايَته ، عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير مُحَمَّد بن إِسْحَاق . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَلَى شَرط مُسلم فِي عبيد الله بن عبد الله ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر ، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق ، والوليد بن كثير . قَالَ : وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عَاصِم بن الْمُنْذر ، (عَن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عَن أَبِيه . [ و ] رَوَاهُ إِسْمَاعِيل ابْن علية ، عَن عَاصِم بن الْمُنْذر) ، عَن رجل ، عَن ابْن عمر . فَهَذَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَافق عِيسَى بن يُونُس ، عَن الْوَلِيد بن كثير فِي ذكر مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير ، وَعبيد الله (بن عبد الله) بن عمر . وروايتهما توَافق رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة وَغَيره ، عَن عَاصِم بن الْمُنْذر ، (فِي ذكر عبيد الله بن عبد الله) . فَثَبت هَذَا الحَدِيث بِاتِّفَاق أهل الْمَدِينَة والكوفة وَالْبَصْرَة عَلَى حَدِيث عبيد الله بن عبد الله ، وباتفاق مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، والوليد بن كثير ، عَلَى روايتهما عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير . فعبيد الله ، وَعبد الله ابْنا عبد الله بن عمر مقبولان بإجماعٍ من الْجَمَاعَة فِي كتبهمْ . وَكَذَلِكَ مُحَمَّد (بن جَعْفَر) بن الزبير ، وَمُحَمّد بن عَبَّاد بن جَعْفَر ، والوليد بن (كثير) : فِي كتاب مُسلم بن الْحجَّاج ، وَأبي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ . وَعَاصِم بن الْمُنْذر يُعْتَبر بحَديثه . وَابْن إِسْحَاق أخرج عَنهُ (مُسلم و) أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ . وَعَاصِم بن الْمُنْذر اسْتشْهد (بِهِ) البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع ، وَقَالَ شُعْبَة بن الْحجَّاج : مُحَمَّد بن إِسْحَاق أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث . وَقَالَ ابْن الْمُبَارك : هُوَ ثِقَة ثِقَة ثِقَة . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ ابْن مَنْدَه . وَقد ذكرت فصلا فِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق قبيل الْأَذَان ، وَذكرت أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ فَرَاجعه . وأعَلَّ قومٌ الحديثَ بِوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : الِاضْطِرَاب ، وَذَلِكَ من وَجْهَيْن أَحدهمَا فِي الإِسناد ، وَالثَّانِي فِي الْمَتْن . (أما الأول) : فَحَيْثُ رَوَاهُ الْوَلِيد بن كثير تَارَة عَن مُحَمَّد بن عباد بن جَعْفَر ، وَتارَة عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير . وَحَيْثُ رُوِيَ تَارَة عَن (عبيد الله) بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ، وَتارَة عَن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب . وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن هَذَا لَيْسَ اضطرابًا ، بل رَوَاهُ مُحَمَّد بن عباد ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر ، وهما ثقتان معروفان . (وَرَوَاهُ) - أَيْضا - عبيد الله ، وَعبد الله ابْنا عبد الله بن عمر بن الْخطاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرضاهم) ، وهما - أَيْضا - ثقتان ، وَلَيْسَ هَذَا من الِاضْطِرَاب . وَقد جمع البيهقي طرقه ، وبيَّن رِوَايَة المُحَمَّدَيْن ، وَعبد الله ، وَعبيد الله ، وَذكر (طرق) ذَلِك كلهَا ، وبيَّنها أحسن بَيَان ، ثمَّ قَالَ : والْحَدِيث مَحْفُوظ عَن عبد الله وَعبيد الله . قَالَ : وَكَذَا كَانَ شَيخنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ الْحَاكِم يَقُول : الحَدِيث مَحْفُوظ عَنْهُمَا ، وَكِلَاهُمَا رَوَاهُ عَن أَبِيه . قَالَ : وَإِلَى هَذَا ذهب كثير من أهل الرِّوَايَة ، وَكَانَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه يَقُول : غلط أَبُو أُسَامَة فِي عبد الله بن عبد الله ، إِنَّمَا هُوَ عبيد الله بن عبد الله ، بِالتَّصْغِيرِ . وَأَطْنَبَ الْبَيْهَقِيّ فِي تَصْحِيح الحَدِيث بدلائله ، فَحصل أنَّه غير مُضْطَرب . وَقد قَدَّمنا - قبل هَذَا - كَلَام الْحَاكِم أبي عبد الله فِي ذَلِك . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، و علله : رَوَاهُ الْوَلِيد بن كثير عَن المُحَمَّدَيْن . فصحَّ الْقَوْلَانِ عَن أبي أُسَامَة ، وصحَّ أَن الْوَلِيد بن كثير رَوَاهُ عَن هَذَا مرّة ، وَعَن الآخر أُخْرَى . وَكَذَلِكَ قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند : الظَّاهِر عِنْد الْأَكْثَرين صِحَة الرِّوَايَتَيْنِ . وَقَالَ فِي التذنيب : الْأَكْثَرُونَ صححوا الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَالُوا إِن عبد الله ، وَعبيد الله روياه عَن أَبِيهِمَا . وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي شرح الْمسند : لأجل هَذَا الِاخْتِلَاف تَركه البُخَارِيّ وَمُسلم ، لِأَنَّهُ عَلَى خلاف شَرطهمَا ، لَا لطعن فِي متن الحَدِيث ، فإنَّه فِي نَفسه حَدِيث مَشْهُور مَعْمُول بِهِ ، وَرِجَاله ثِقَات معدلون ، وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف مِمَّا يوهنه . ثمَّ ذكر مقَالَة الْحَاكِم الْمُتَقَدّمَة . وَقَالَ الْخطابِيّ : يَكْفِي شَاهدا عَلَى صِحَة هَذَا الحَدِيث : أَن نُجُوم أهل الحَدِيث صحَّحوه ، وَقَالُوا بِهِ ، واعتمدوه فِي تَحْدِيد المَاء ، وهم الْقدْوَة ، وَعَلَيْهِم الْمعول فِي هَذَا الْبَاب . فَمِمَّنْ ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي ، وَأحمد ، وَإِسْحَاق ، وَأَبُو ثَوْر ، وَأَبُو عبيد ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَغَيرهم . وَقَالَ عبد الْحق : حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد : هَذَا الحَدِيث حَسَّنه الحفَّاظ وصحَّحوه ، وَلَا تُقبل دَعْوَى من ادَّعى اضطرابه . ( وَأما الْوَجْه الثَّانِي : فَهُوَ أَنه قد رُوي فِيهِ) : إِذا كَانَ المَاء قدر قُلَّتَيْنِ أَو ثَلَاث ، لم يُنجسهُ شَيْء . رَوَاهُ الإِمام أَحْمد . وَفِي رِوَايَة للدارقطني : إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا ، لم يُنجسهُ شَيْء . وَفِي رِوَايَة : لِابْنِ عدي ، والعقيلي ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : إِذا بلغ المَاء أَرْبَعِينَ قلَّة ، فإنَّه لَا يحمل الْخبث . وَالْجَوَاب عَن ذَلِك : أما الرِّوَايَتَيْنِ (الأولتين ، فهما شاذتان ، غير ثابتتين ، فوجودهما كعدمهما . قَالَه النَّوَوِيّ ) فِي شرح الْمُهَذّب . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : رَوَاهُمَا حَمَّاد ، واختُلف عَلَيْهِ : فروَى عَنهُ : إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج ، وهدبة ، وكامل بن طَلْحَة ، فَقَالُوا : قُلَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا . وَرَوَى عَنهُ : عفَّان ، وَيَعْقُوب بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ ، وَبشر بن السّري ، والْعَلَاء بن عبد الجَبَّار ، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل ، وَعبيد الله بن مُوسَى العيشي : إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ . وَلم يَقُولُوا : أَو ثَلَاثًا . وَاخْتلفُوا عَن يزِيد بن هَارُون ، فروَى عَنهُ ابْن الصَبَّاح بِالشَّكِّ ، وَأَبُو مَسْعُود بِغَيْر شكّ . فَوَجَبَ الْعَمَل عَلَى قَول من لم يشك . وَأما الرِّوَايَة الْأَخِيرَة ، فَلَيْسَتْ (من حَدِيث الْقلَّتَيْنِ) فِي شَيْء ، (ذَاك) من طَرِيق ابْن الْمُنْكَدر عَن جَابر مَرْفُوعا ، تفرد بِهِ الْقَاسِم الْعمريّ ، عَن ابْن الْمُنْكَدر ، وَهِي مَرْدُودَة بالقاسم . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : غلط فِيهِ ، وَكَانَ ضَعِيفا فِي (الحَدِيث) ، (جَرَّحه) أَحْمد ، ( وَيَحْيَى ) ، وَالْبُخَارِيّ ، وَغَيرهم من الْحفاظ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : كَانَ ضَعِيفا ، كثير الْخَطَأ ، (وَوهم) فِي إِسْنَاده ، وَخَالفهُ روح بن الْقَاسِم ، وسُفْيَان الثَّوْريّ ، وَمعمر ، (فَرَوَوْه) عَن ابْن الْمُنْكَدر ، عَن عبد الله بن [ عَمْرو ] مَوْقُوفا . وَرَوَاهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، من قَوْله لم (يُجَاوِزهُ) . وَقد رَوَاهُ عبد الرَّحْمَن بن أبي هُرَيْرَة ، عَن أَبِيه ، قَالَ : إِذا كَانَ المَاء قدر أَرْبَعِينَ قلَّة ، لم يحمل خبثًا . وَخَالفهُ غير وَاحِد ، فَرَوَوْه عَن أبي هُرَيْرَة ، فَقَالُوا : أَرْبَعِينَ غَرْبًا ، وَمِنْهُم من قَالَ : أَرْبَعِينَ دلوًا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقَول من يوافقُ قَوْله من الصَّحَابَة قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقلَّتَيْنِ ، أولَى أَن يُتَّبع . قلت : لَا جرم أَن ابْن الْجَوْزِيّ ذكر فِي مَوْضُوعَاته هَذِه الرِّوَايَة الثَّالِثَة ، وَقَالَ : إنَّها لَا تصح ، (وأنَّ) الْمُتَّهم بالتخليط فِيهَا : الْقَاسِم بن [ عبد الله ] الْعمريّ ، قَالَ عبد الله بن أَحْمد : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : أُفٍّ أُفٍّ ، لَيْسَ بِشَيْء ، وسمعته مرّة يَقُول : كَانَ يكذب ، وَفِي رِوَايَة : يضع الحَدِيث . الْوَجْه الثَّانِي : مِمَّا أُعِلَّ بِهِ هَذَا الحَدِيث ، وَهُوَ : أَنه رُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى ( عبد الله) بن عمر (كَذَلِك رَوَاهُ ابْن عُلَيَّة ) . وَالْجَوَاب : أَنه (قد سبق رِوَايَته) مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طَرِيق الثِّقَات ، فَلَا يضر تفرد وَاحِد لم (يحفظ) بوقفه . وَقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ وَغَيره ، بالإِسناد الصَّحِيح ، عَن يَحْيَى بن معِين - إِمَام (أهل) هَذَا الشَّأْن - أَنه سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : جيد الْإِسْنَاد ، قيل لَهُ : فَابْن علية لَمْ يرفعهُ ؟ قَالَ يَحْيَى : وإنْ لم يحفظ ابْن علية ، فَالْحَدِيث جيد الْإِسْنَاد . ( وَأَنا أتعجب) من قَول أبي عمر بن عبد الْبر فِي تمهيده : مَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي من حَدِيث الْقلَّتَيْنِ ، مَذْهَب ضَعِيف من جِهَة النّظر ، غير ثَابت من جِهَة الْأَثر ؛ لِأَنَّهُ حَدِيث تَكَلَّم فِيهِ جمَاعَة من أهل الْعلم ؛ وَلِأَن الْقلَّتَيْنِ لَمْ يُوقَف عَلَى حَقِيقَة (مبلغهما) فِي أثر ثَابت ، وَلَا إِجْمَاع . وَقَوله فِي استذكاره : حديثٌ مَعْلُول ، رَدَّه إِسْمَاعِيل القَاضِي ، وَتَكلَّم فِيهِ . وَقد حكم الإِمام الْحَافِظ ، أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ ، الْحَنَفِيّ ، بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث ، كَمَا ذكرنَا ، لكنه اعتلَّ بِجَهَالَة قدر الْقلَّتَيْنِ . وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك : الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، فَقَالَ فِي شرح الإِلمام : هَذَا الحَدِيث قد صحَّح بَعضهم إِسْنَاد بعض طرقه ، وَهُوَ - أَيْضا - صَحِيح عَلَى طَريقَة الْفُقَهَاء ؛ لِأَنَّهُ وإنْ كَانَ حَدِيثا مُضْطَرب الإِسناد ، مُخْتَلَفًا فِيهِ فِي (بعض) أَلْفَاظه - وَهِي علَّة عِنْد الْمُحدثين ، إلاَّ أَن يُجاب عَنْهَا بِجَوَاب صَحِيح - فإنَّه يُمكن أَن يُجمع بَين الرِّوَايَات ، ويُجاب عَن بَعْضهَا بطرِيق أصولي ، ويُنسب إِلَى التَّصْحِيح ، وَلَكِن تركته - (يَعْنِي) فِي الإِلمام - لِأَنَّهُ لم يثبت عندنَا - الْآن - بطرِيق اسْتِقْلَال يجب الرُّجُوع إِلَيْهِ شرعا تعْيين لمقدار الْقلَّتَيْنِ . وَالْجَوَاب عَمَّا اعتذرا بِهِ : أنَّ المُرَاد قُلَّتَيْنِ بقلال هجر ، كَمَا رَوَاهُ الإِمام الشَّافِعِي فِي الْأُم ، و الْمُخْتَصر : عَن مُسلم بن خَالِد الزِّنجيّ ، عَن ابْن جريج ، بإسنادٍ لَا يحضرني ذكره ، أنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحملْ خبثًا ، وَقَالَ فِي الحَدِيث : بقلال هَجَر . قَالَ ابْن جريج : وَقد رَأَيْت قلال هجر ، فالقلَّة تسعُ قربتين ، أَو قربتين وشيئًا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه . وَمُسلم بن خَالِد ، وإنْ تُكُلِّم فِيهِ ، فقد وثَّقه : يَحْيَى بن معِين ، وَابْن حِبَّان ، وَالْحَاكِم ، وَأَخْرَجَا لَهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، أَعنِي ابْن حبَان وَالْحَاكِم . وَقَالَ ابْن عدي : حسنُ الحَدِيث . وَمن ضَعَّفه لَمْ يَبَيِّن سَببه ، وَالْقَاعِدَة المقررة : أنَّ الضعْف لَا يُقْبَلُ إلاَّ مُبَيَّنًا . قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند : (الإِسناد) الَّذِي لم يحضر الشَّافِعِي ذكره - عَلَى مَا ذكر أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ - أنَّ ابْن جريج قَالَ : أَخْبرنِي محمدٌ (أنَّ) يَحْيَى بن عقيل أخبرهُ ، أَن يَحْيَى بن يعمر أخبرهُ ، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ ، لم يحمل خبثًا ، وَلَا بَأْسا . قَالَ مُحَمَّد : فَقلت ليحيى بن عقيل : قلال هجر ؟ فقَالَ : قلال هجر . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الْأَثِير فِي شرح الْمسند أَيْضا . قَالَ : وَمُحَمّد هَذَا الَّذِي حَدَّث (عَنهُ) ابْن جريج هُوَ : مُحَمَّد ابن يَحْيَى ، يحدث عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، وَيَحْيَى بن عقيل . وَهَذَا الحَدِيث مُرْسل ، فإنَّ يَحْيَى بن يعمر (تَابِعِيّ مَشْهُور ) ، رَوَى عَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر ، فَيحْتَمل أَن يكون هَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ من الحَدِيث الْمَشْهُور ، وَيكون ابْن يعمر قد رَوَاهُ عَن ابْن عمر ، وَيجوز أَن يكون غَيره ؛ لِأَنَّهُ يكون قد رَوَاهُ عَن غير ابْن عمر . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه كَمَا ذكر الإِمامان : الرَّافِعِيّ ، وَابْن الْأَثِير . قلت : وَإِذا كَانَ مُرْسلا ، فيعتضد بِمَا رَوَاهُ ابْن عدي من رِوَايَة ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ من قلال هجر ، لم يُنجسهُ شَيْء . لَيْسَ فِي إِسْنَاده سُوَى : الْمُغيرَة بن [ سقلاب ] ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم [ عَن أَبِيه ] : صَالح الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : (جزري) لَا بَأْس بِهِ . وَهَذَا يُقَدَّم عَلَى قَول ابْن عدي : مُنكر الحَدِيث ، وَعَلَى قَول ( عليّ بن) مَيْمُون الرَّقي : إنَّه لَا يُسَوِّي بَعرَة ، لجلالة الْأَوَّلين . وَمن الْمَعْلُوم : أَن قِلال هجر كَانَت مَعْرُوفَة عِنْدهم ، مَشْهُورَة ، يدل عَلَيْهِ حَدِيث أبي ذَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أخْبرهُم) لَيْلَة الإِسراء (فَقَالَ) : رُفِعَتْ إليَّ سِدرْة الْمُنْتَهَى ، فَإِذا وَرقهَا مثل آذان الفيلة ، وَإِذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَر . فعُلِم بِهَذَا : أنَّ القلال عِنْدهم مَعْلُومَة ، مَشْهُورَة ، وَكَيف يُظن أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يُحدد) لَهُم ، أَو يمثل لَهُم بِمَا لَا يعلمونه ، وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ الشَّافِعِي : كَانَ مُسلم - يَعْنِي ابْن خَالِد الزنْجِي - يذهب إِلَى (أنَّ) ذَلِك الشَّيْء الْمَذْكُور فِي قَول ابْن جريج أقل (من نصف قربَة ، أَو نصف الْقرْبَة ، فَيَقُول : خمس قرب هُوَ أَكثر مَا يسع قُلَّتَيْنِ ، وَقد تكون) القلتان أقل من خمس . قَالَ الشَّافِعِي : فالاحتياط أَن تكون [ الْقلَّة ] قربتين وَنصفا ، فَإِذا كَانَ المَاء خمس قرب لم يحملْ خبثًا ، فِي (جَرَيَان) ، أَو غَيره . إلاَّ أَن يظْهر فِي المَاء ريح أَو طعم أَو لون . قَالَ : وَقِرَب الْحجاز كبار ، فَلَا يكون المَاء الَّذِي لَا يحمل النَّجَاسَة إلاَّ بِقِرَبٍ كبار . قلت : لِأَن الْقلَّة فِي اللُّغَة : الجرة الْعَظِيمَة ، الَّتِي يُقلها الْقوي من الرِّجَال ، أَي : يحملهَا و (يرفعها) . قَالَ الْخطابِيّ : قلال هجر مَشْهُورَة الصَّنْعَة ، مَعْلُومَة الْمِقْدَار ، لَا تخْتَلف كَمَا لَا تخْتَلف المكاييل والصيعان المنسوبة إِلَى الْبلدَانِ ، قَالَ : وقلال هجر أكبرها وأشهرها ؛ لأنَّ الْحَد لَا يَقع بِالْمَجْهُولِ . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي تَعْلِيقه : قَالَ أَبُو إِسْحَاق ، إِبْرَاهِيم بن جَابر ، صَاحب الْخلاف : سَأَلت قوما من ثِقَات هجر ، فَذكرُوا أنَّ القلال بهَا لَا تخْتَلف ، وَقَالُوا : قايسنا الْقلَّتَيْنِ ، فوجدناهما خَمْسمِائَة رَطْل . فَإِذا تقرر عنْدك مَا قَرَّرْنَاهُ ، ظهر لَك أنَّ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور مُتَعَيّن ، وَلَا جَهَالَة فِي مِقْدَار الْقلَّتَيْنِ . فإنْ قُلْتَ : قد جَاءَ فِي آخر حَدِيث ابْن عمر ، الَّذِي ذكرته من طَرِيق ابْن عدي ، بعد قَوْله : إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ من قلال هجر لَمْ يُنجِّسه شَيْء . : وَذكر (أَنَّهُمَا) فرقان . فَلَا يَصح مَا قَرّرته ؛ لِأَن الْفرق : سِتَّة عشر رطلا ، فَيكون مَجْمُوع الْقلَّتَيْنِ : اثْنَان وَثَلَاثُونَ رطلا ، وَلَا تَقولُونَ بِهِ ؟ فَالْجَوَاب : أنَّ هَذِه اللَّفْظَة مدرجة فِي الحَدِيث ، جمعا بَينه وَبَين مَا قَرَّرْنَاهُ : من أَن قلال هجر لن تخْتَلف ، وأنهما خَمْسمِائَة رَطْل . فَائِدَة : هَجَر : بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم ، قَرْيَة بِقرب الْمَدِينَة ، لَيست هجر الْبَحْرين . كَذَا قَالَه ابْن الصّلاح وَتَبعهُ النَّوَوِيّ . وَحَكَى الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِي السّنَن قولا آخر : أَنَّهَا تُنسب إِلَى هجر الَّتِي بِالْيمن ، وَهِي قَاعِدَة الْبَحْرين . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فِي كتاب الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : هجَر - بِفَتْح الْجِيم - الْبَلَد ، قَصَبَة بِبِلَاد الْبَحْرين ، بَينه إِلَى (سِرَّين) سَبْعَة أَيَّام ، والهجر : بلد بِالْيمن ، بَينه وَبَين (عثر) يَوْم وَلَيْلَة . وَقَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجَمه : هَجَر - بِفَتْح أَوله وثانيه - مَدِينَة الْبَحْرين ، مَعْرُوفَة ، وَهِي مُعَرَّفة لَا يدخلهَا الْألف وَاللَّام ، وَهُوَ اسْم فَارسي ، مُعرب (أَصله) هكر ، وَقيل : إنَّما سمي (بهجر) بنت مِكْنَف من العماليق . وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير : هجر - وَيُقَال : الهجر بِالْألف وَاللَّام - : مَدِينَة جليلة ، قَاعِدَة الْبَحْرين ، بَينهَا وَبَين الْبَحْرين عشر مراحل . وَقَالَ مُحَمَّد بن عمر بن وَاقد : هِيَ عَلَى ثَمَان لَيَال من مَكَّة إِلَى الْيمن ، مِمَّا يَلِي الْبَحْر . قَالَه فِي مغازيه . وَمَا ذكره ابْن دحْيَة - أَولا - تبع فِيهِ صَاحب الْمطَالع ، (فَإِنَّهُ قَالَ) : وهجر مَدِينَة بِالْيمن ، وَهِي قَاعِدَة الْبَحْرين ، بِفَتْح الْهَاء وَالْجِيم ، وَيُقَال فِيهِ : الهجر بِالْألف وَاللَّام بَينهَا وَبَين الْبَحْرين عشر مراحل . فَائِدَة أُخرى : قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : لم يحمل الْخبث ، مَعْنَاهُ : لَمْ ينجس بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ . كَمَا فَسَّره فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ، الَّتِي (رَوَاهَا) أَبُو دَاوُد ، وَابْن حبَان ، وَغَيرهمَا : إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ ، لم ينجس . وَهَذِه الرِّوَايَة : ذكرهَا الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الْآتِي ، وَهِي صَحِيحَة من غير شكّ وَلَا مرية ، لَا مطْعن لأحد فِي اتصالها ، وثقة رجالها . قَالَ يَحْيَى بن معِين : إسنادها جيد ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : مَوْصُول . وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين : لَا غُبَار عَلَيْهِ . وتقديرها : لَا يقبل النَّجَاسَة ، بل يَدْفَعهَا عَن نَفسه ، كَمَا يُقال : فلَان لا يحمل الضَّيْم ، أَي : لَا يقبله ، وَلَا يصبر عَلَيْهِ ، (بل) يأباه . وقَالَ النَّوَوِيّ : وَأما قَول بعض المانعين للْعَمَل بالقلتين : إِن مَعْنَاهُ أَنه يَضْعُف عَن حمله . (فخطأ) فَاحش من أوجه : أَحدهَا : أَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى مصرحة بغلطه ، وَهِي قَوْله : لم ينجس . الثَّانِي : أَن الضعْف عَن الْحمل إِنَّمَا يكون فِي الْأَجْسَام ، كَقَوْلِك : فلانٌ لا يحمل الْخَشَبَة ، أَي : يعجز عَنْهَا لثقلها . وَأما فِي الْمعَانِي فَمَعْنَاه : لَا يقبله ، كَمَا ذكرنَا . ثَالِثهَا : أنَّ سِيَاق الْكَلَام يُفْسِدهُ ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد : أَنه يضعف عَن حمله ، لم يكن للتَّقْيِيد بالقلتين مَعْنَى ، فإنَّ مَا دونهَا أولَى بذلك . فَإِن قيل : هَذَا الحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر بالإِجماع فِي الْمُتَغَيّر بِنَجَاسَة ؟ فَالْجَوَاب : أَنه عَام ، خص مِنْهُ الْمُتَغَيّر بِالنَّجَاسَةِ ، فَيَبْقَى الْبَاقِي (عَلَى) عُمُومه ، كَمَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ . فإنْ قيل : هَذَا الحَدِيث (يحمل) عَلَى الْجَارِي . فَالْجَوَاب : أَن الحَدِيث يتَنَاوَل الْجَارِي والراكد ، فَلَا يَصح تَخْصِيصه بِلَا دَلِيل .
الحَدِيث السَّادِس عشر أَن رجلَيْنِ خرجا فِي سفر فَحَضَرت الصَّلَاة وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاء ، فتيمما صَعِيدا طيبا ، فَصَليَا ، ثمَّ وجدا المَاء فِي الْوَقْت ، وَأعَاد أَحدهمَا الْوضُوء وَالصَّلَاة وَلم يعد الآخر ، ثمَّ أَتَيَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فذكرا ذَلِك لَهُ فَقَالَ للَّذي لم يعد : أصبت السّنة وأجزأتك صَلَاتك . وَقَالَ للَّذي أعَاد : لَك الْأجر مرَّتَيْنِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْمسَيبِي حَدثنَا عبد الله بن نَافِع ، عَن اللَّيْث بن سعد ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : خرج رجلَانِ فِي سفر الحَدِيث - كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء - ثمَّ قَالَ : غير ابْن نَافِع يرويهِ عَن اللَّيْث ، عَن عميرَة بن أبي نَاجِية ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن عَطاء بن يسَار . عَن أبي عبد الله مولَى إِسْمَاعِيل بن عبيد ، عَن عَطاء بن يسَار أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بِمَعْنَاهُ . وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي مُسْنده عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق مُسْندًا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مُسْندًا ومرسلاً ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه مُسْندًا ، ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ عبد الله بن نَافِع ، عَن اللَّيْث بِهَذَا الْإِسْنَاد مُتَّصِلا ، وَخَالفهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره . ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن الْمُبَارك عَن اللَّيْث ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن عَطاء أَن رجلَيْنِ أصابتهما جَنَابَة فتيمما نَحوه ، وَلم يذكر أَبَا سعيد . وَكَذَا قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط : لم يروه مُتَّصِلا إِلَّا ابْن نَافِع ، تفرد بِهِ الْمسَيبِي . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث عبد الله بن نَافِع مُسْندًا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ؛ فَإِن عبد الله بن نَافِع ثِقَة ، وَقد وصل هَذَا الْإِسْنَاد عَن اللَّيْث ، وَقد أرْسلهُ غَيره . ثمَّ رَوَاهُ مُرْسلا ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : لَعَلَّ الباحث الفطن يَقُول إِن الْحَاكِم صحّح الحَدِيث لاعتماده عَلَى وصل عبد الله بن نَافِع لحكمه بِكَوْنِهِ ثِقَة ، وَلم يلْتَفت إِلَى إرْسَال غَيره ، وَلَكِن بقيت عِلّة أُخْرَى وَهِي أَن أَبَا دَاوُد قد ذكر أَن غير ابْن نَافِع يرويهِ عَن اللَّيْث ، عَن عميرَة بن أبي نَاجِية ، عَن بكر ، فَمُقْتَضَى عَادَة الْمُحدثين تبين بِإِدْخَال عميرَة بَين اللَّيْث وبكر أَنه مُنْقَطع فِيمَا بَينهمَا وَيحْتَاج إِلَى معرفَة حَال عميرَة هَذَا ، وَقد قَالَ ابْن الْقطَّان : إِنَّه مَجْهُول الْحَال . وَأَيْضًا فَإِن رِوَايَة ابْن لَهِيعَة تَقْتَضِي انْقِطَاعًا فِيمَا بَين بكر وَعَطَاء بن يسَار ، فَإِنَّهُ أَدخل بَينهمَا أَبَا عبد الله مولَى إِسْمَاعِيل - يَعْنِي السالف - فَهَذَا انْقِطَاع ثانٍ . فَنَقُول - وَبِاللَّهِ الْعِصْمَة - : أما مَا يتَعَلَّق بعميرة بن أبي نَاجِية فَالْجَوَاب عَن التَّعْلِيل بروايته من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : أَن عميرَة غير مَجْهُول ، بل هُوَ مَذْكُور بِالْفَضْلِ ، والحافظ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان لم يمعن النّظر فِي أمره وَلَعَلَّه وقف عَلَى ذكره فِي تَارِيخ البُخَارِيّ وابْن أبي خَيْثَمَة من غير بَيَان حَاله فَقَالَ فِيهِ مَا قَالَ ، فقد قَالَ النَّسَائِيّ : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ ابْن بكر : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ أَحْمد بن صَالح لما سُئِلَ عَنهُ وَعَن أبي شُرَيْح : هما متقاربان فِي الْفضل . وَقَالَ ابْن يُونُس فِي تَارِيخ مصر : رَوَى عَنهُ عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح وَاللَّيْث وَابْن وهب ورشدين وَكَانَت لَهُ عبَادَة وَفضل . قلت : وَذكره أَيْضا ابْن حبَان فِي ثقاته فِي أَتبَاع التَّابِعين فَقَالَ : عميرَة بن أبي نَاجِية من أهل مصر يروي عَن يزِيد بن أبي حبيب رَوَى عَنهُ ابْن وهب . الْوَجْه الثَّانِي : أَنه رُوِيَ من طَرِيق أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ ، عَن اللَّيْث بن سعد ، عَن عَمْرو بن الْحَارِث وعميرة بن أبي نَاجِية ، عَن بكر ، عَن عَطاء ، عَن أبي سعيد أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الحَدِيث ذكره ابْن السكن - فِيمَا حَكَاهُ ابْن الْقطَّان - فَهَذَا اتِّصَال فِيمَا بَين اللَّيْث وَبكر بِعَمْرو بن الْحَارِث وعميرة بن أبي نَاجِية مَعًا ، وَفِيه ذكر أبي سعيد ، وَعَمْرو بن الْحَارِث من رجال الصَّحِيحَيْنِ إِمَام فِي بَلَده . وَأما الِانْقِطَاع بِسَبَب ابْن لَهِيعَة فِيمَا بَين بكر وَعَطَاء فَقَالَ ابْن الْقطَّان : لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لضعف رِوَايَة ابْن لَهِيعَة . وَلم يذكر النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شرح الْمُهَذّب تَصْحِيح وصل هَذَا الحَدِيث كَمَا نَقَلْنَاهُ وقررناه ، وَإِنَّمَا نقل مقَالَة أبي دَاوُد السالفة أَن الْمَحْفُوظ إرْسَاله ، ثمَّ قَالَ عَقِيبه : وَمثل هَذَا الْمُرْسل يحْتَج بِهِ الشَّافِعِي وَغَيره ؛ لِأَنَّهُ يحْتَج بمرسل كبار التَّابِعين إِذا أسْند ، أَو أرسل من جِهَة أُخْرَى ، أَو قَالَ بِهِ بعض الصَّحَابَة ، أَو عوام الْعلمَاء . قَالَ : وَقد وجد فِي هَذَا الحَدِيث شَيْئَانِ فَمن ذَلِك أَحدهمَا : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي مُسْنده بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن نَافِع أَن ابْن عمر أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم وَصَلى الْعَصْر ، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة . ثَانِيهمَا : رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الزِّنَاد قَالَ : كَانَ من أدْركْت من فقهائنا الَّذين ينتهى إِلَى قَوْلهم مِنْهُم سعيد بن الْمسيب - وَذكر تَمام الْفُقَهَاء السَّبْعَة - يَقُولُونَ : من تيَمّم وَصَلى ثمَّ وجد المَاء وَهُوَ فِي الْوَقْت أَو بعده لَا إِعَادَة عَلَيْهِ .
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ) بَاب التَّيَمُّم ذكر فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَحَادِيث وآثارًا ، أما الْأَحَادِيث فثمانية عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - سُئِلَ : أَي الْأَعْمَال أفضل ؟ فَقَالَ : الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا . هَذَا الحَدِيث أَصله فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث شُعْبَة ، عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار ، عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ ، عَن عبد الله بن مَسْعُود - رضي الله عنه - قَالَ : قلت : يَا نَبِي الله ، أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله - تَعَالَى ؟ قَالَ : الصَّلَاة عَلَى وَقتهَا . قلت : ثمَّ أَي ؟ قَالَ : بر الْوَالِدين . قلت : ثمَّ أَي ؟ قَالَ : الْجِهَاد فِي سَبِيل الله . قَالَ : حَدَّثَني بِهن وَلَو استزدته لزادني . وَفِي لفظ : أَي الْأَعْمَال أفضل ؟ قَالَ : الصَّلَاة لوَقْتهَا وَفِي لفظ : يَا نَبِي الله ، أَي الْأَعْمَال أقرب إِلَى الْجنَّة ؟ قَالَ : الصَّلَاة عَلَى مواقيتها الحَدِيث . وَرَوَاهُ بِلَفْظ المُصَنّف من هَذَا الْوَجْه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وعُلُوم الحَدِيث ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وخلافياته وَغَيرهمَا بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة الَّتِي لَا مطْعن لأحد فِيهَا ، قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان : تفرد بِهَذِهِ اللَّفْظَة عُثْمَان بن عمر يَعْنِي رَاوِيه عَن مَالك بن مغول ، عَن الْوَلِيد . قلت : قد أخرجهَا الْحَاكِم من طَرِيق عَلّي بن حَفْص الْمَدَائِنِي ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي الْعيزَار ، عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ ، عَن أبي مَسْعُود كَمَا سَيَأْتِي . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : وَرِوَايَة عُثْمَان بن عمر ، عَن مَالك بن مغول ، عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار مَقْبُولَة ، فقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَهُوَ مِمَّن لَا يشك حَدَّثَني فِي ثقته . قَالَ : وَقد تَابعه عَلّي بن حَفْص ، عَن شُعْبَة فَذكره وَلَفظه : الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا وَفِي آخر : الصَّلَاة أول وَقتهَا ثمَّ قَالَ : رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات ؛ فَإِن حجاج بن الشَّاعِر حَافظ ثِقَة . وَاحْتج مُسلم بعلي بن حَفْص ، وَالْبَاقُونَ مُتَّفق عَلَى ثقتهم ، قَالَ : وَرَوَاهُ غنْدر ، عَن شُعْبَة ، عَن عبيد الْمكتب ، عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يحدث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - مثله ، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود بِلَا شكّ فِيهِ ، ثمَّ سَاقه بِلَفْظ : الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا ، وَفِي لفظ : أَي الْعَمَل أفضل ؟ قَالَ شُعْبَة : أَو قَالَ : أفضل الْعَمَل الصَّلَاة عَلَى وَقتهَا . قَالَ : وَرَوَاهُ عَن عُثْمَان بن عمر الْحسن بن مكرم الْبَزَّار ، وَتَابعه مُحَمَّد بن بشار فِي هَذِه اللَّفْظَة ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ؛ لِأَن رُوَاته مُتَّفق عَلَى عدالتهم ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة عِنْدهمَا وَعند الْفُقَهَاء إِذا انْضَمَّ إِلَى رِوَايَته مَا يؤكدها وَإِن كَانَ الَّذِي لم يَأْتِ بِهِ أَكثر عددا . وَقَالَ الْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث : هَذا حَدِيث صَحِيح مَحْفُوظ ، رَوَاهُ جمَاعَة من أَئِمَّة الْمُسلمين عَن مَالك بن مغول ، وَكَذَلِكَ عَن عُثْمَان بن عمر وَلم يذكر أول الْوَقْت فِيهِ غير بنْدَار مُحَمَّد بن بشار وَالْحسن بن مكرم ، وهما ثقتان . قلت : قد ذكره غَيرهمَا كَمَا مَضَى وكَمَا ستعلمه من كَلَامه ، وَقَالَ فِي الْأَرْبَعين الَّتِي خرجها فِي شعار أهل الحَدِيث : هَذِه الزِّيَادَة ذكرهَا عُثْمَان بن عمر ، عَن مَالك بن مغول ، وَهِي مَقْبُولَة مِنْهُ ، وَإِن لم يخرجَاهُ - يَعْنِي : البُخَارِيّ وَمُسلمًا - فَإِن مَذْهَبهمَا أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة ، وَقَالَ فِي مُسْتَدْركه : هَذَا حَدِيث يعرف بِهَذَا اللَّفْظ بِمُحَمد بن بشار بنْدَار عَن عُثْمَان بن عمر ، وَبُنْدَار من الْحفاظ المتقنين الْأَثْبَات . ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ عَنْهُمَا ثمَّ قَالَ : فقد صحت هَذِه اللَّفْظَة بِاتِّفَاق الثقتين بنْدَار وَالْحسن بن مكرم عَلَى روايتهما عَن عُثْمَان بن عمر ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَلِهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْحجَّاج بن الشَّاعِر . ثمَّ سَاقه عَنهُ ثمَّ قَالَ : رَوَى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَن شُعْبَة وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة غير حجاج . وحجاج حَافظ ثِقَة ، وَقد احْتج مُسلم بعلي بن حَفْص الْمَدَائِنِي . وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الحَدِيث ، وَهَذَا الرجل هُوَ عبد الله بن مَسْعُود لإِجْمَاع الروَاة فِيهِ عَلَى أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ يَعْقُوب بن الْوَلِيد ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : خير الْأَعْمَال الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا ثمَّ قَالَ : يَعْقُوب هَذَا شيخ من أهل الْمَدِينَة ، سكن بَغْدَاد ، وَلَيْسَ من شَرط هَذَا الْكتاب ، إِلَّا أَن لَهُ شَاهدا عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - سُئِلَ : أَي الْعَمَل أفضل ؟ قَالَ : الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عبد الله بن عمر الْعمريّ ، عَن الْقَاسِم بن غَنَّام ، عَن جدته أم أَبِيه الدُّنْيَا ، عَن جدته أم فَرْوَة - وَكَانَت مِمَّن بَايَعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - وَمن الْمُهَاجِرَات الأول - أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - وَسُئِلَ عَن أفضل الْأَعْمَال فَقَالَ : الصَّلَاة لوَقْتهَا . ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث رَوَاهُ اللَّيْث بن سعد ، ومعتمر بن سُلَيْمَان ، وقزعة بن سُوَيْد ، وَمُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن الْقَاسِم بن غَنَّام . ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : قد رَوَى عبد الله بن عمر ، عَن الْقَاسِم بن غَنَّام وَلم يرو عَنهُ أَخُوهُ عبيد الله بن عمر . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر . قَالَ ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه : وَرَوَاهُ ابْن عَبَّاس وَجَابِر أَيْضا . قلت : فقد صَحَّ الحَدِيث بشواهده وَللَّه الْحَمد ، وَسمعت كثيرا من فُقَهَاء زَمَاننَا يُطلق الضعْف عَلَى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُم ، وَكَأَنَّهُ اسْتَقر فِي ذهنهم تَضْعِيف التِّرْمِذِيّ لَهُ من حَدِيث أم فَرْوَة الَّذِي اسْتشْهد بِهِ الْحَاكِم ، وَهُوَ عَجِيب ؛ فَإِن الضَّعِيف لَا يقْدَح فِي الصَّحِيح ، فَإِنَّهُ لما رَوَاهُ قَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يرْوَى إِلَّا من حَدِيث عبد الله بن عمر الْعمريّ وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث ، واضطربوا فِي هَذَا الحَدِيث ، وَقد تكلم فِيهِ يَحْيَى بن سعيد من قبل حفظه . قلت : وَقَوله إِنَّه لَا يرْوَى إِلَّا من حَدِيث عبد الله بن عمر الْعمريّ ، لَيْسَ بجيد مِنْهُ ؛ فقد رُوِيَ من حَدِيث أَخِيه عبيد الله أَيْضا كَمَا أسلفناه من رِوَايَة الْحَاكِم . وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين فِي الْأَحَادِيث المختارة إِن الدَّارَقُطْنِيّ أخرجه من هَذَا الْوَجْه أَيْضا ، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ : إِنَّه مَحْفُوظ عَنْهُمَا . وَأخرج الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم حَدِيث أم فَرْوَة أَيْضا ، وَكَذَا أَبُو دَاوُد ، وَأغْرب ابْن السكن فَأخْرجهُ فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة وَوَقع لأبي الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي أَوسط معاجمه أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه عَن عبد الله إِلَّا قزعة بن سُوَيْد ، وَقد تقدم من رِوَايَة غَيره ؛ عَنهُ فاستفده .
الحَدِيث الثَّانِي رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ أَمر عليًّا أَن يمسح عَلَى الجبائر . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمْ من رِوَايَة عَمْرو بن خَالِد الوَاسِطِيّ ، عَن زيد بن عَلّي ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي - رضي الله عنه - قَالَ : انْكَسَرَ إِحْدَى زندي فَسَأَلت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَأمرنِي أَن أَمسَح عَلَى الجبائر . وَذكره الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْأُم والْمُخْتَصر فَقَالَ : رُوِيَ عَن عَلّي أَنه انْكَسَرَ إِحْدَى زنديه فَأمره النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - أَن يمسح عَلَى الجبائر . فَقَالَ الشَّافِعِي : وَلَو عرفت إِسْنَاده بِالصِّحَّةِ لَقلت بِهِ وَهَذَا مِمَّا أستخير الله فِيهِ . قلت : وَإِنَّمَا ضعفه الشَّافِعِي ؛ لِأَن رَاوِيه عَمْرو بن خَالِد السالف فِي إِسْنَاده أحد الْكَذَّابين ، كذبه أَحْمد وَيَحْيَى وَالنَّاس . وَقَالَ وَكِيع : كَانَ فِي جوارنا يضع الحَدِيث فَلَمَّا فُطن لَهُ تحول إِلَى وَاسِط . وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو زرْعَة : كَانَ يضع الحَدِيث . وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يروي مَوْضُوعَات . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا أصل لَهُ ، وَعَمْرو بن خَالِد مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد : هَذَا حَدِيث يرويهِ عَمْرو بن خَالِد وَلَا يُسَاوِي حَدِيثه شَيْئا . وَقَالَ الْعقيلِيّ : هَذَا حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ وَلَا يعرف إِلَّا بِعَمْرو بن خَالِد الوَاسِطِيّ . قلت : بل تَابعه عَلَيْهِ شَرّ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : عَمْرو بن خَالِد هَذَا مَعْرُوف بِوَضْع الحَدِيث ، كذبه أَحْمد وَيَحْيَى وَغَيرهمَا من أَئِمَّة الحَدِيث ، وَنسبه وَكِيع إِلَى الْوَضع ، وَقَالَ : كَانَ فِي جوارنا فَلَمَّا فطن لَهُ تحول إِلَى وَاسِط . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَتَابعه عَلَى ذَلِك عمر بن مُوسَى بن وجيه فَرَوَاهُ عَن زيد بن عَلّي مثله . قَالَ : وعمر بن مُوسَى مَتْرُوك مَنْسُوب إِلَى الْوَضع ، ونعوذ بِاللَّه من الخذلان . وَقَالَ فِي خلافياته : إِن عمر بن مُوسَى سَرقه فَرَوَاهُ عَن زيد بن عَلّي ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، وعمر مَتْرُوك . وَقَالَ فِي سنَنه : وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر مَجْهُول عَن زيد بن عَلّي وَلَيْسَ بِشَيْء . وَلم يبين فِي سنَنه من هُوَ الْمَجْهُول فِي الْإِسْنَاد ، وَبَينه فِي خلافياته فَقَالَ : إِنَّه عبد الله بن مُحَمَّد البلوي . قَالَ : وَهُوَ مَجْهُول رَأينَا فِي حَدِيثه الْمَنَاكِير . قَالَ فِي سنَنه وخلافياته : وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد خَالِد بن يزِيد الْمَكِّيّ بِإِسْنَاد آخر عَن زيد بن عَلّي ، عَن عَلّي مُرْسلا ، وَأَبُو الْوَلِيد ضَعِيف ، ونقلاه عَن الدَّارَقُطْنِيّ وَكَذَا هُوَ فِي سنَنه . قلت : وَهُوَ مُنْقَطع أَيْضا كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب الإِمَام وَذكر الْخلال فِي علله عَن الْمَرْوذِيّ قَالَ : سَأَلت أَبَا عبد الله عَن حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : أَنه مسح عَلَى الجبائر . فَقَالَ : بَاطِل لَيْسَ فِي هَذَا شَيْء ، من حدث بِهَذَا ؟ قلت : ذَكرُوهُ عَن صَاحب الزُّهْرِيّ فَتكلم فِيهِ بِكَلَام غليظ . قَالَ الْخلال : وقُرئ عَلَى عبد الله بن أَحْمد قَالَ : سَمِعت رجلا يَقُول : يَحْيَى يحفظ : عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن عَاصِم بن ضَمرَة ، عَن عَلّي ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - أَنه مسح عَلَى الجبائر . فَقَالَ : بَاطِل ، مَا حدث بِهِ معمر قطّ . فَسمِعت يَحْيَى يَقُول : عليَّ بَدَنَة مُجَللَة مقلدة إِن كَانَ معمر حدث بِهَذَا ، هَذَا بَاطِل ، وَلَو حدث بِهَذَا عبد الرَّزَّاق كَانَ حَلَال الدَّم ، من حدث بِهَذَا عَن عبد الرَّزَّاق ؟ قَالَ : مُحَمَّد بن يَحْيَى . قَالَ : لَا وَالله مَا حدث بِهِ معمر ، وَعَلِيهِ حجَّة من هُنَا - يَعْنِي الْمَشْي إِلَى مَكَّة - إِن كَانَ معمر حدث بِهَذَا قطّ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عمر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يمسح عَلَى الجبائر . ثمَّ قَالَ : لَا يَصح مَرْفُوعا ، وَأَبُو عمَارَة مُحَمَّد بن أَحْمد - يَعْنِي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - ضَعِيف جدًّا . قلت : يتلخص من هَذَا كُله ضعف حَدِيث الْمسْح عَلَى الجبائر ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب اتِّفَاق الْحفاظ عَلَى ضعف حَدِيث عَلّي وتضعيف رِوَايَة عَمْرو بن خَالِد ، وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه فَخفف أمره وَأقر حَدِيث ابْن عمر أَولا فَقَالَ : اسْتدلَّ بهما أَصْحَابنَا وَفِيهِمَا مقَال ثمَّ ضعفهما بعد ذَلِك ، وَلَقَد أحسن الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي قَوْله فِي سنَنه بعد أَن ذكر مَا أسلفناه عَنهُ : لَا يثبت عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فِي هَذَا الْبَاب شَيْء . قَالَ : وَأَصَح مَا فِيهِ حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح ؛ أَي : الَّذِي سأذكره عَلَى الإثر بعد . قَالَ : وَإِنَّمَا فِي الْمسْح عَلَى الْجَبِيرَة قَول الْفُقَهَاء من التَّابِعين فَمن بعدهمْ ، مَعَ مَا صَحَّ عَن ابْن عمر أَنه تَوَضَّأ وكفه معصوبة فَمسح عَلَيْهِ وَعَلَى الْعِصَابَة وَغسل مَا سُوَى ذَلِك ثمَّ قَالَ : وَهَذَا عَن ابْن عمر صَحِيح . ثمَّ رَوَى الْمسْح عَلَى الجبائر وعصائب الْجِرَاحَات بأسانيده عَن أَئِمَّة التَّابِعين . فَائِدَة : قصَّة عَلّي هَذِه كَانَت فِي وقْعَة محاربة عَمْرو بن عبد ود ، كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب التنقيب .
الحَدِيث الْخَامِس عشر أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ فِي الْفَائِتَة : فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن ذَلِك وَقتهَا . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته بِدُونِ قَوْله : فَإِن ذَلِك وَقتهَا . من حَدِيث أنس - رضي الله عنه - أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ : من نسي صَلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا ، لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك . قَالَ قَتَادَة : ( وَأقِم الصَّلَاة لذكري ) وَفِي لفظ : من نسي صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فكفارتها أَن يُصليهَا إِذا ذكرهَا لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك وَفِي لفظ : إِذا رقد أحدكُم عَن الصَّلَاة أَو غفل عَنْهَا فليصلها إِذا ذكرهَا ؛ فَإِن الله - تَعَالَى - يَقُول : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) هَذِه رِوَايَات مُسلم ، وَرِوَايَة خَ : من نسي صَلَاة فَليصل إِذا ذكر لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك ( وأقم الصَّلَاة لذكري ) . وَانْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ : من نسي صَلَاة فليصلها إِذا ذكرهَا فَإِن الله يَقُول : ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) . قَالَ يُونُس : وَكَانَ ابْن شهَاب يقْرؤهَا للذِّكْرَى . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل هَذِه الْقطعَة فِي آخِره ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره المُصَنّف من رِوَايَة حَفْص بن أبي العطاف ، عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْأَعْرَج ، عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ : من نسي صَلَاة فوقتها إِذا ذكرهَا . لَكِن إسنادها ضَعِيف ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : حَفْص لَا يحْتَج بِهِ . ويغني عَن هَذِه الرِّوَايَة مَا أسلفناه من لفظ الصَّحِيح .
الحَدِيث الثَّالِث حَدِيث جَابر - رضي الله عنه - فِي المشجوج الَّذِي احْتَلَمَ واغتسل فَدخل المَاء شجته وَمَات ، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ : إِنَّمَا يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصب عَلَى رَأسه خرقَة ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْأَنْطَاكِي ، ثَنَا مُحَمَّد بن سَلمَة ، عَن الزبير بن خُريق - بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة ، ثمَّ رَاء مُهْملَة ، ثمَّ مثناة تَحت ثمَّ قَاف - عَن عَطاء ، عَن جَابر قَالَ : خرجنَا فِي سفر فَأصَاب رجلا مَعنا حجر فَشَجَّهُ فِي رَأسه فَاحْتَلَمَ ، فَسَأَلَ أَصْحَابه هَل يَجدونَ لَهُ رخصَة فِي التَّيَمُّم ؟ فَقَالُوا : مَا نجد لَك رخصَة وَأَنت تقدر عَلَى المَاء . فاغتسل فَمَاتَ ، فَلَمَّا قدمنَا عَلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - أخبر بذلك فَقَالَ : قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله ! أَلا سَأَلُوا إِذا لم يعلمُوا ؟ ! فَإِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال ؛ إِنَّمَا يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم أَو يعصب - شكّ مُوسَى - عَلَى جرحه خرقَة ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده . وَهَذَا إِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات ، الْأَنْطَاكِي ثِقَة ، وَمُحَمّد بن سَلمَة هُوَ الْحَرَّانِي احْتج بِهِ مُسلم ، وَقَالَ ابْن سعد : ثِقَة فَاضل عَالم ، وَله فضل وَرِوَايَة وفتوى . وَالزبير ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته وَعَطَاء لَا يسْأَل عَنهُ ، لَا جرم أخرجه ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح المأثورة ، وَاحْتج بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ وَأما الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ : إِنَّه أصح شَيْء فِي الْبَاب وَإنَّهُ لَيْسَ بِقَوي . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : قَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد : هَذِه سنة تفرد بهَا أهل مَكَّة ، وَحملهَا أهل الجزيرة ، لم يروه عَن عَطاء عَن جَابر غير الزبير بن خريق وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَخَالفهُ الْأَوْزَاعِيّ فَرَوَاهُ عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس ، وَهُوَ الصَّوَاب . رَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه أَحْمد والدارمي فِي مسنديهما ، وَأَبُو دَاوُد فِي سنَنه وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بعده من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ أَنه بلغه عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه سمع عبد الله بن عَبَّاس قَالَ : أصَاب رجلا جرح فِي عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - ثمَّ احْتَلَمَ فَأمر بالاغتسال ، فاغتسل فَمَاتَ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَقَالَ : قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله ! ألم يكن شِفَاء العي السُّؤَال ؟ ! . وَهَذَا مُنْقَطع فِيمَا بَين الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء ، وَقد وَصله ابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الحميد بن أبي الْعشْرين ، ثَنَا الْأَوْزَاعِيّ ، عَن عَطاء - كَمَا سلف - وَقَالَ فِي آخِره : قَالَ عَطاء : وبلغنا أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ : لَو غسل جسده وَترك رَأسه حَيْثُ أَصَابَهُ الْجراح ! . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَاخْتلف عَن الْأَوْزَاعِيّ فَقيل عَنهُ عَن عَطاء ، وَقيل : بَلغنِي عَن عَطاء ، وَأرْسل الْأَوْزَاعِيّ آخِره عَن عَطاء عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - وَهُوَ الصَّوَاب . قلت : وَهَذِه هِيَ طَريقَة ابْن مَاجَه الَّتِي أسلفناها ، وَذكر أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة - فِيمَا سَأَلَهُمَا ابْن أبي حَاتِم عَن هَذَا الحَدِيث - فَقَالَا : رَوَاهُ ابْن أبي الْعشْرين ، عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس ، وأفسد الحَدِيث . يُرِيد أَنه أَدخل إِسْمَاعِيل فِيهِ ، وَتبين أَن الْأَوْزَاعِيّ أَخذه عَن إِسْمَاعِيل . قلت : وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهَا الْأَوْزَاعِيّ رَأْسا ، روياها من حَدِيث مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي ، ثَنَا عمر بن حَفْص بن غياث ، أَنا أبي ، أَخْبرنِي الْوَلِيد بن عبيد الله بن أبي رَبَاح ، أَن عَطاء عَمه حَدثهُ عَن ابْن عَبَّاس أَن رجلا أجنب فِي شتاء ، فَسَأَلَ فَأمر بِالْغسْلِ فَمَاتَ ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَقَالَ : مَا لَهُم قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله ؟ ! - ثَلَاثًا - قد جعل الله الصَّعِيد - أَو التَّيَمُّم - طهُورا قَالَ : شكّ ابْن عَبَّاس ثمَّ أَتَيْته بعدُ . قلت : والوليد هَذَا ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ ، وَسكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ هُنَا وَضَعفه فِي بَاب النَّهْي عَن ثمن الْكَلْب من سنَنه ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث السّري بن خُزَيْمَة ، ثَنَا عمر بن حَفْص بن غياث ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح . قَالَ : الْوَلِيد بن عبيد الله هَذَا قَلِيل الحَدِيث جدًّا قَالَ : وَله شَاهد عَن ابْن عَبَّاس فَذكره ورَوَاهُ بعد هَذَا الْموضع بأوراق من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ ، وَصرح فِيهِ بِسَمَاع الْأَوْزَاعِيّ من عَطاء ، فَزَالَ ذَلِك الْمَحْذُور السالف ورَوَاهُ الْحَاكِم عَن الْأَصَم ، عَن أبي عُثْمَان سعيد بن عُثْمَان التنوخي ، ثَنَا بشر بن بكر ، حَدَّثَني الْأَوْزَاعِيّ ، نَا عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه سمع عبد الله بن عَبَّاس يخبر أَن رجلا أَصَابَهُ جرح عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - ثمَّ أَصَابَهُ احْتِلَام فاغتسل فَمَاتَ ، فَبلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَقَالَ : قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله ! ألم يكن شِفَاء العي السُّؤَال ؟ ! . قَالَ الْحَاكِم : بشر بن بكر ثِقَة مَأْمُون ، وَقد أَقَامَ إِسْنَاده ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . قَالَ : وَرَوَاهُ الْوَلِيد بن مزِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ وَقَالَ : بَلغنِي عَن عَطاء والهقل بن زِيَاد ، وَهُوَ من أثبت أَصْحَاب الْأَوْزَاعِيّ ، وَلم يذكر سَماع الْأَوْزَاعِيّ من عَطاء ، ثمَّ ذكر ذَلِك عَنْهُمَا بِإِسْنَادِهِ . فَائِدَة : لما ذكر عبد الْحق فِي أَحْكَامه حَدِيث جَابر السالف عقبه بقوله : لم يروه عَن عَطاء غير الزبير بن خريق ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ : وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس . وَاخْتلف عَن الْأَوْزَاعِيّ ؛ فَقيل : عَنهُ عَن عَطاء ، وَقيل عَنهُ : بَلغنِي عَن عَطاء . وَلَا يرْوَى الحَدِيث من وَجه قوي . هَذَا كَلَامه ، وَعَلِيهِ فِيهِ اعتراضان : أَحدهمَا : لي ، وَهُوَ قَوْله إِنَّه لَا يرْوَى الحَدِيث من وَجه قوي ، فقد علمت رِوَايَة الْحَاكِم الْأَخِيرَة وَأَنَّهَا جَيِّدَة لَا مطْعن فِيهَا ، وَيقرب مِنْهَا رِوَايَته الْأُخْرَى قبلهَا ، وَقد صححها مَعَه ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان . الثَّانِي : لِابْنِ الْقطَّان وَوهم فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ : قَوْله : وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس يَقْتَضِي أَن التَّيَمُّم فِي حق الْمَرِيض ورد من رِوَايَة ابْن عَبَّاس أَيْضا كَمَا هُوَ من رِوَايَة جَابر . قَالَ : وَذَلِكَ كُله بَاطِل ؛ وَإِنَّمَا اعتراه هَذَا من كتاب الدَّارَقُطْنِيّ الَّذِي نَقله مِنْهُ ، فَإِنَّهُ أجمل القَوْل كَمَا ذكر ، ثمَّ فسره بإيراد الْأَحَادِيث فتخلص فَكتب أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق الْإِجْمَال وَلم يكْتب التَّفْصِيل فَوَقع فِي الْخَطَأ ، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس لَا ذكر فِيهِ للتيمم وَلَا يعرف ذكر التَّيَمُّم فِيهِ إِلَّا من رِوَايَة الزبير ابن خريق ، عَن عَطاء ، عَن جَابر ، أَو من رِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ بِإِسْنَاد بَالغ إِلَى الْغَايَة فِي الضعْف من حَدِيث عَمْرو بن شمر - وَهُوَ أحد الهالكين - عَن عَمْرو بن أنس ، عَن عَطِيَّة ، عَن أبي سعيد قَالَ : أجنب رجل مَرِيض فِي يَوْم بَارِد عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - فَقَالَ : مَا لَهُم قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله ؟ ! إِنَّمَا كَانَ يُجزئ من ذَلِك التَّيَمُّم ، هَذَا آخر كَلَامه . وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ مَعَ جلالته ؛ فَذكر التَّيَمُّم فِيهِ ثَابت من حَدِيث ابْن عَبَّاس كَمَا سلف عَن صَحِيح ابْن خُزَيْمَة وابْن حبَان ومُسْتَدْرك الْحَاكِم وَسبب إِنْكَاره ذَلِك اقْتِصَاره عَلَى سنَن الدَّارَقُطْنِيّ الَّذِي نقل عبد الْحق عَنهُ ، وَلَو فتش حق التفتيش لوجده فِي هَذِه المؤلفات الجليلة .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-65
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة