حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

فصل الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم

فصل وَأما الْمُسْتَدْرك للْحَاكِم أبي عبد الله، فشرطه كَمَا قَالَ هُوَ فِي خطْبَة كِتَابه : سَأَلَني - جمَاعَة من أَعْيَان (أهل) الْعلم بِهَذِهِ الْمَدِينَة ، (وَغَيرهَا) أَن أجمع كتابا يشْتَمل عَلَى الْأَحَادِيث المروية بأسانيد يحْتَج مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَمُسلم بن الْحجَّاج بِمِثْلِهَا ، إِذْ لَا سَبِيل إِلَى إِخْرَاج مَا لَا علَّة لَهُ ، فإنَّهما - رحمهمَا الله - لم يدعيا ذَلِكَ لأنفسهما . وَقد خَرَّج جمَاعَة من عُلَمَاء [ عصرهما ] ، وَمن بعدهمَا عَلَيْهِمَا أَحَادِيث قد أَخْرَجَاهَا وَهِي معلولة ، وَقد (جهدت) فِي الذَّبِّ عَنْهُمَا فِي الْمدْخل إِلَى الصَّحِيح بِمَا رضيه أهل الصَّنْعَة . وَأَنا أستعينُ الله عَلَى إِخْرَاج أَحَادِيث رواتها ثِقَات ، قد احْتج بِمِثْلِهَا الشَّيْخَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أَو أَحدهمَا ، وَهَذَا شَرط الصَّحِيح عِنْد كَافَّة فُقَهَاء الإِسلام : أَن الزِّيَادَة فِي الْأَسَانِيد والمتون من الثِّقَات مَقْبُولَة .

هَذَا لفظ الْحَاكِم برمتِهِ ، وَهُوَ صَرِيح فِي أَن مُرَاده بقوله : عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا : أَن رجال إِسْنَاده احتجا بمثلهم ، لَا أنَّ نَفْس رِجَاله احتجا [ بهم ] . نعم ، خَالف هَذَا الِاصْطِلَاح فِي كِتَابه فَاعْترضَ (عَلَيْهِ) من هَذَا الْوَجْه : الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح ، والنواوي ، وتقي الدَّين بن دَقِيق الْعِيد ، والحافظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي اختصاره للمستدرك) ، (فَيَقُولُونَ عقيب) قَوْله : إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا : فِيهِ فلَان ، وَلم يخرج لَهُ مَنْ صَححهُ عَلَى شَرطه . ثمَّ فِي تَسْمِيَة هَذَا (المُصَنّف) ب الْمُسْتَدْرك أَولا نظرٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لم يلتزما اسْتِيعَاب الصَّحِيح بإقرارهما - كَمَا قدَّمناه عَنْهُمَا - فَكيف يسْتَدرك عَلَيْهِمَا ؟ ! فتركنا وسَلَّمنا التَّسْمِيَة الْمَذْكُورَة ، فَكل حَدِيث لَهُ إِسْنَاد صَحِيح ، احتجَّ الشَّيْخَانِ بِمثلِهِ (فَهُوَ عَلَى شَرطهمَا ، كَمَا قرَّره ، وكل حَدِيث إِسْنَاده صَحِيح ، وَلم يحْتَج الشَّيْخَانِ بِمثلِهِ) ، كَيفَ يَصح استدراكه ، مَعَ الْتِزَام الشَّيْخَيْنِ عدم اسْتِيعَاب الصَّحِيح ؟ مَعَ أَن الْحَاكِم عَلَيْهِ مناقشة فِي كلا الْقسمَيْنِ ، قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي أول الموضوعات : لَو نُوقِشَ فِيهِ بَانَ غلطه .

وَقَالَ الشَّيْخ (تَقِيّ الدَّين) بن الصّلاح فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث : اعتنى الْحَاكِم أَبُو عبد الله بِالزِّيَادَةِ فِي عدد الحَدِيث الصَّحِيح الزَّائِد عَلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَجمع ذَلِكَ فِي كتاب سمَّاه الْمُسْتَدْرك أودعهُ مَا لَيْسَ فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ ، مِمَّا رَآهُ عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، قد (أخرجَا) عَن رُوَاته فِي كِتَابَيْهِمَا ، أَو عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَحده ، أَو عَلَى (شَرط) مُسلم وَحده ، وَمَا أَدَّى اجْتِهَاده إِلَى (تَصْحِيحه) ، وإنْ لم يكن عَلَى شَرط وَاحِد مِنْهُمَا . وَهُوَ وَاسع الخطو فِي شَرط (الصَّحِيح) ، متساهلٌ فِي الْقَضَاء بِهِ ، فَالْأَوْلَى أَن (نتوسط) فِي أمره فَنَقُول : مَا حكم بِصِحَّتِهِ ، وَلم نجد ذَلِكَ فِيهِ لغيره من الْأَئِمَّة ، إنْ لم يكن من قبيل الصَّحِيح ، فَهُوَ من قبيل الْحسن يُحتج ويُعمل بِهِ ، إلَّا أَن تظهر فِيهِ عِلّة توجب ضعفه . قَالَ : ويقاربه فِي حكمه صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان البستي .

وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الشاذياخي : كُنَّا فِي مجْلِس السَّيِّد أبي الْحسن ، فسُئِلَ الْحَاكِم عَن حَدِيث الطير ، فَقَالَ : لَا يَصح ، وَلَو صَحَّ لما كَانَ أحدٌ أفضل من عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ ابْن طَاهِر (فِي) حَدِيث الطير الْمَشْهُور ، الْمَرْوِيّ من (نَحْو) عشْرين طَرِيقا - عائبًا عَلَى إِخْرَاج الْحَاكِم لَهُ فِي (مُسْتَدْركه) - : هَذَا حَدِيث مَوْضُوع ، كل طرقه بَاطِلَة معلولة ، إنَّما يَجِيء عَن سقاط أهل الْكُوفَة والمجاهيل عَن أنس وَغَيره . قَالَ : وصنَّف الْحَاكِم فِي جمع طرقه جُزْءا .

قَالَ : وَلَا يَخْلُو الْحَاكِم من أحد أَمريْن : إمَّا الْجَهْل بِالصَّحِيحِ ، فَلَا يعْتَمد عَلَى قَوْله ؛ وإمَّا الْعلم بِهِ ، وَيَقُول بِخِلَافِهِ ، فَيكون معاندًا كَذَّابًا . قَالَ : وَله دسائس . قَالَ : وَبلغ الدَّارَقُطْنِيّ أَن الْحَاكِم أَدخل حَدِيث الطير فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، فَقَالَ : يسْتَدرك عَلَيْهِمَا حَدِيث الطير ؟ ! فَبلغ الْحَاكِم ، فَأخْرجهُ من الْكتاب .

وَكَانَ (يُتَّهم) بالتعصبِ للرافضة . وَكَانَ يَقُول : هُوَ حَدِيث صَحِيح ، وَلم يُخَرَّجْ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . قُلْتُ : حَدِيث الطير مَوْجُود فِي نسخ (الْمُسْتَدْرك) (الَّتِي) بِأَيْدِينَا الْآن بِمصْر وَالشَّام .

قَالَ الْخَطِيب : وحَدَّثَنَي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (الأرموي) بنيسابور - وَكَانَ شَيخا ، فَاضلا ، صَالحا ، عَالما - (قَالَ) : جمع الْحَاكِم أَبُو عبد الله أَحَادِيث ، زَعَمَ أَنَّهَا صِحاح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، يلْزمهُمَا إخْرَاجهَا فِي صَحِيحَيْهِمَا ، مِنْهَا : حَدِيث الطير ، و من كنت مَوْلَاهُ فعليّ مَوْلَاهُ فأنكرها عَلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث ، وَلم يلتفتوا إِلَى قَوْله ، وَلَا صوَّبُوه فِي فعله . وَقَالَ ابْن القَطَّان فِي علله : هُوَ حَافظ ، وَقد ينْسب إِلَى غَفلَة . وَقَالَ ابْن طَاهِر : وَسمعت المظفر بن حَمْزَة بجرجان يَقُول : سَمِعت أَبَا سعد الْمَالِينِي يَقُول : طالعت كتاب الْمُسْتَدْرك عَلَى الشَّيْخَيْنِ الَّذِي صنفه الْحَاكِم من أَوله إِلَى آخِره ، فَلم أر فِيهِ حَدِيثا عَلَى شَرطهمَا .

قُلْتُ : هَذَا الْكَلَام أستبعد صِحَّته عَن هَذَا الْحَافِظ ؛ لِأَن الْمُشَاهدَة تَدْفَعهُ ، و (قد) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي عُلُوم الحَدِيث : كتاب الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ للْحَاكِم أبي عبد الله كتاب كَبِير ، (يشْتَمل مِمَّا) فاتهما عَلَى شَيْء كثير ، وإنْ يكن عَلَيْهِ فِي بعضه مقَال ، فَإِنَّهُ يصفو لَهُ مِنْهُ صَحِيح كثير . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ - عقب الْمقَالة الْمُتَقَدّمَة - : هَذَا إِسْرَاف وغلو من الْمَالِينِي ، وإلَّا فَفِي (الْمُسْتَدْرك) جملَة وافرة عَلَى شَرطهمَا ، وَجُمْلَة كَبِيرَة عَلَى شَرط أَحدهمَا ، لَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِكَ نَحْو نصف الْكتاب ، وَفِيه نَحْو الرّبع مِمَّا صَحَّ سَنَده ، وَفِيه بعض الشَّيْء أَو لَهُ [ عِلّة ] ، وَمَا بَقِي - [ وَهُوَ ] نَحْو الرّبع - فَهُوَ مَنَاكِير وواهيات لَا تصحّ ، وَفِي بعض ذَلِكَ مَوْضُوعَات . قُلْتُ : وَقد أفردت مَا ردَّ بِهِ الذَّهَبِيّ عَلَى الْحَاكِم أبي عبد الله ، فِي (تلخيصه لمستدركه) ، بِزِيَادَات ظَفرت بهَا ، فَجَاءَت سَبْعَة كراريس ، وَذَلِكَ قريب من مقَالَته الْمُتَقَدّمَة .

وَاعْلَم أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْكتاب إِذا رَأَيْتنَا نقلنا عَن الْحَاكِم تَصْحِيحا لحَدِيث ، وسكتنا عَلَيْهِ فَشُدَّ عَلَى ذَلِكَ يَديك ، (فَإنَّا سبرنا) إِسْنَاده ، وَيكون الْأَمر كَمَا قَالَه . وَمَا لم يكن كَذَلِك ، فإنَّا نشفعه بالاعتراض عَلَيْهِ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى .

موقع حَـدِيث