الحديث الأول الهرَّة لَيست بِنَجِسة
﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴾بَاب بَيَان النَّجَاسَات (وَالْمَاء النَّجس) ذكر فِيهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا الأول الْخَبَر الْمَشْهُور : أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ دُعِي إِلَى دارٍ فَأجَاب ، ودعي إِلَى دَار أُخرى فَلم يجب ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : إنَّ فِي دَار فلَان كَلْبا . فَقيل : وَفِي دَار فلَان هرَّة ، فَقَالَ : الهرَّة لَيست بِنَجِسة . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة : أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا ، من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي دَار قوم من الْأَنْصَار ، ودونهم دَار لَا يَأْتِيهَا ، فشقَّ ذَلِك عَلَيْهِم ، فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ! تَأتي دَار فلَان ، وَلَا تَأتي دَارنَا ؟ ! فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ فِي (داركم) كَلْبا قَالُوا : فإنَّ فِي دَارهم سنورًا .
فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : السنور سبع . هَذَا لَفظهمْ ، وَإِسْنَاده صَحِيح ، كل رِجَاله ثِقَات ، إلاَّ عِيسَى بن الْمسيب ، فَفِيهِ مقَال . وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ فِي الإِمام ، وَالْمُنْذِرِي فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب : إِن إِسْنَاده صَحِيح إِلَيْهِ .
وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَعِيسَى بن الْمسيب تفرد بِهِ عَن أبي زرْعَة ، قَالَ : وَهُوَ صَدُوق وَلم يجرح قطّ . كَذَا قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَهَذَا من أعجب الْعجب ، فقد تكلم جماعات .
قَالَ يَحْيَى بن معِين ، و ( النَّسَائِيّ ) : ضَعِيف . وَقَالَ يَحْيَى مرّة : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ضَعِيف .
وَقَالَ الرازيان : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن حبَان : يقلب الْأَخْبَار وَلَا يعلم ، ويخطئ وَلَا يفهم ، حتَّى خرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابِعه عَلَى هَذَا الحَدِيث إِلَّا مَن هُوَ مثله ، أَو دونه .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : لم يرفعهُ أَبُو نعيم ، وَهُوَ أصح ، وَعِيسَى لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ اخْتِلَاف فِيهِ ، فَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي الضُّعَفَاء عَنهُ أَنه قَالَ : هُوَ ضَعِيف . وَنقل الْبَيْهَقِيّ ، وَالْمُنْذِرِي ، وَصَاحب الإِمام عَنهُ أَنه قَالَ : صَالح الحَدِيث ، وَهُوَ مَا رَأَيْته فِي سنَنه عقب هَذَا الحَدِيث .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالْمُنْذِرِي : قَالَ ابْن عدي : عِيسَى بن الْمسيب صَالح فِيمَا يرويهِ . وضَعَّفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة بِسَبَبِهِ ، وَقَالَ : إنَّه حَدِيث لَا يَصح . وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي شرح التِّرْمِذِيّ : أشكل مَعْنَى هَذَا الحَدِيث - إنْ صحّ - وَقَالَ بَعضهم : سقط مِنْهُ ، وَتَمَامه : الْهِرَّة لَيست بِسبع .
قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ : وَلَيْسَ (كَذَلِك) ، بل هِيَ سبع ، والْحَدِيث تَامّ ، وَالْمعْنَى فِيهِ : أَن الْهِرَّة سبع ذَات نَاب ، ينْتَفع بهَا ، وَالْكَلب لَا مَنْفَعَة فِيهِ . وَمن الْعَجَائِب : أَن الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيَّضَ لهَذَا الحَدِيث بَيَاضًا فِي شرح الْمُهَذّب وَلم يعزه لأحد ، وَهُوَ مَوْجُود فِي الْكتب الْمَذْكُورَة ، وَتَابعه الشَّيْخ نجم الدَّين ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب ، وَزَاد - لأجل أَنه لم يعزه - : إِنَّه غير مَشْهُور . وَاعْلَم : أَن الإِمام الرَّافِعِيّ لم يُورد هَذَا الحَدِيث كَمَا سردته لَك ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْحَيَوَانَات طَاهِرَة ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا ثَلَاثَة ، أَحدهَا : الْكَلْب ، لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الحَدِيث الْمَشْهُور : إِنَّهَا لَيست بنجسة .
قَالَ : وَوجه الِاسْتِدْلَال مَشْهُور . فأفصحت لَك بِهِ ، وَإِيَّاك أَن تَقول : مُرَاده حَدِيث أبي قَتَادَة الْآتِي ، فَإِن الْكَلْب لَيْسَ لَهُ ذكر فِيهِ ، (فَافْهَم ذَلِك) . وإنْ كَانَ ذَلِك وَقع فِي كتب أهل الْأُصُول فِي كَلَامهم عَلَى الْأَسْمَاء .