الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْغِي للهرة الإِناء
الخاتمة الثَّانِيَة : (لَمَّا) ذَكَر الإِمام الرَّافِعِيّ أَن بَوْل الْمَأْكُول نجس ، قَالَ : وَفِيه وَجه : أَنه طَاهِر ، وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ . قَالَ : وَأَحَادِيثه مَشْهُورَة فِي الْبَاب مَعَ تَأْوِيلهَا ومعارضاتها .
فلنذكر طرفا مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ فَنَقُول :
بَوْل الْحَيَوَان الْمَأْكُول (وروثه) نجس عندنَا ، وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف ، وَغَيرهمَا .
وَقَالَ عَطاء وَالنَّخَعِيّ وَالزهْرِيّ وَمَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ (وَزفر) وَأحمد : بَوْله وروثه طاهران .
وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل من أَصْحَابنَا : ابْن خُزَيْمَة ، وَالرُّويَانِيّ ، كَمَا ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ ، وَهُوَ قَول أبي سعيد الأصطخري .
وَعَن اللَّيْث وَمُحَمّد بن الْحسن : أَن بَوْل الْمَأْكُول طَاهِر دون روثه . قَالَ أَبُو حنيفَة : ذَرْقُ الحَمَام طَاهِر .
احتجَّ من قَالَ بِالطَّهَارَةِ بِأَحَادِيث :
الأول : حَدِيث أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ الْمُتَّفق عَلَى صِحَّته ، قَالَ : ( قدم نَاس من عُكْل أَو عرينة ، (فاجتووا) الْمَدِينَة ، فَأمر لَهُم النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلِقاح ، وَأمرهمْ أَن يشْربُوا من أبوالها وَأَلْبَانهَا " .
الثَّانِي : عَن جَابر رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا أُكِل لَحْمه ، فَلَا بَأْس ببوله " .
الثَّالِث : عَن الْبَراء بن عَازِب رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "لَا بَأْس ببول مَا أكل لَحْمه " (رَوَاهُمَا) الدَّارَقُطْنِيّ .
واحتجَّ من قَالَ بِالنَّجَاسَةِ : بقول الله - تَعَالَى - : (وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث) ، وَالْعرب تستخبث هَذَا ، وبإطلاق الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْوَارِدَة فِي تَعْذِيب من لَا (يستنز) مِنْهُ ، وَسَيَأْتِي بَيَانه ، حَيْثُ ذكره المُصَنّف فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء إِن شَاءَ الله - تَعَالَى .
وبالقياس عَلَى مَا لَا يُؤكل ، وَعَلَى دم الْمَأْكُول .
(وَالْجَوَاب) عَن حَدِيث أنس : أَنه كَانَ للتداوي ، وَهُوَ جَائِز بِجَمِيعِ النَّجَاسَات ، سُوَى الْخمر والمسكرات ، وَقَالَ الشَّافِعِي وَغَيره : إِنَّه مَنْسُوخ ، إِذْ فِيهِ الْمثلَة ، وَقد نهي بعد عَنْهَا .
لَكِن لَعَلَّ مُرَادهم الْعقُوبَة خَاصَّة ، لَا جملَة مَا (دلّ) عَلَيْهِ من الْأَحْكَام .
( وَعَن) حَدِيث جَابر : أَنه ضَعِيف (جدًّا) ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ ، فإنَّ فِي إِسْنَاده : عَمْرو بن الْحصين الْعقيلِيّ ، وَهُوَ واهٍ جدًّا . (و) قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : ذَاهِب الحَدِيث ، لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : واهي الحَدِيث . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : ضَعِيف جدًّا ، يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ . وَقَالَ ابْن عدي : حَدَّث عَن الثِّقَات بِغَيْر حَدِيث (مُنكر) ، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : مَتْرُوك .
وَفِي إِسْنَاده أَيْضا : يَحْيَى بن الْعَلَاء (أَبُو عَمْرو) البَجلِيّ الرَّازِيّ ، وَقد ضَعَّفوه (جدًّا ) ، كَانَ وَكِيع شَدِيد الْحمل عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَحْمد : كَذَاب ، يضع الحَدِيث . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي وَالنَّسَائِيّ والأزدي : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن عدي : الضعْف عَلَى حَدِيثه بَيِّن ، وَأَحَادِيثه مَوْضُوعَات . وَقَالَ ابْن حبَان : ينْفَرد عَن الثِّقَات بالمقلوبات ، لا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ .
وَالْجَوَاب عَن حَدِيث الْبَراء بن عَازِب : أَنه ضَعِيف - أَيْضا - جدًّا ، ( بل قَالَ) ابْن حزم فِي كِتَابه " المحلَّى " : هُوَ خبر بَاطِل مَوْضُوع ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده سَوَّار بن مُصعب ، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث (عِنْد) جَمِيع أهل النَّقْل ، مُتَّفق عَلَى ترك الرِّوَايَة عَنهُ ، يروي الموضوعات .
وَمِمَّنْ ضعف هذَيْن الْحَدِيثين من الْحَنَابِلَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب " التَّحْقِيق " .
قُلْتُ : وَقد اختُلف عَلَى سَوَّار فِي إِسْنَاده ، فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ عَن مطرف ، عَن (أبي) الجهم ، عَن الْبَراء مَرْفُوعا : " مَا أُكل لَحْمه ، فَلَا بَأْس بسؤره " .
وَهَذَا تَعْلِيل ثَان للْحَدِيث أَفَادَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .
(آخر الْجُزْء الثَّالِث بِحَمْد الله ومَنِّه ، يتلوه فِي الرَّابِع بَاب الِاجْتِهَاد )