الحَدِيث الثّامن أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِقَامَة الصُّفُوف
الحَدِيث الثّامن رَوَى النُّعْمَان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أمرنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِقَامَة الصُّفُوف . فَرَأَيْت الرجل منا يلزق مَنْكِبه بمنكب أَخِيه وكعبه بكعبه . هَذَا الحَدِيث صَحِيح .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا من رِوَايَة أبي الْقَاسِم الجدلي ، قَالَ : سَمِعت النُّعْمَان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول : أقبل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاس بِوَجْهِهِ فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ - ثَلاَثًا - وَاللهِ (لَتُسَوُّنَّ) صُفُوَفكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ . قَالَ : فَرَأَيْت الرجل يلزق كَعبه بكعب صَاحبه (وركبته بركبة صَاحبه) ومنكبه بمنكبه . وَذكره ابْن السكن أَيْضا (فِي صحاحه) .
وَأخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه) تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم ، فَقَالَ فِي (أَبْوَاب) تَسْوِيَة الصّفوف : وَقَالَ النُّعْمَان بن بشير : رَأَيْت الرجل منا يلصق كَعبه بكعب صَاحبه ) . وتعليقات البُخَارِيّ إِذا كَانَت بِصِيغَة الْجَزْم تكون صَحِيحَة يحتجّ بهَا . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، وَلَفظه : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بِيْنَ (قُلُوبِكُمْ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَلَقَد رَأَيْت الرجل منا يلْتَمس منْكب أَخِيه بمنكبه وركبته بركبته وَقدمه بقدمه . قَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه : أَبُو الْقَاسِم (الجدلي) هَذَا هُوَ (حُسَيْن) بن الْحَارِث من جديلة قيس ، رَوَى عَنهُ زَكَرِيَّا وَأَبُو مَالك - يَعْنِي الْأَشْجَعِيّ - وحجاج بن أَرْطَاة ، وَعَطَاء بن السَّائب ، عداده فِي الْكُوفِيّين . وَقَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : أَبُو الْقَاسِم هَذَا اسْمه (حُسَيْن) بن قيس من جديلة قيس ، من (كبار التَّابِعين) .
وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين : (اسْم) أبي الْقَاسِم (حُسَيْن) بن الْحَارِث ، وَقد سمع من النُّعْمَان بن بشير ، يعد فِي الكوفيِّين . قَالَ : وَقَالَ الْحَازِمِي : لَا أعرف لَهُ عَن النُّعْمَان حَدِيثا مُسْندًا سُوَى هَذَا الحَدِيث وَاعْلَم : أَن الإِمام الرَّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أورد هَذَا الحَدِيث محتجًا بِهِ عَلَى أَن الكعب هُوَ الْعظم الناتئ عِنْد مفصل السَّاق والقدم ، رادًا عَلَى من يَقُول : إنَّه مجمع (عِنْد مفصل السّاق والقدم) ، وَكَذَلِكَ ترْجم لَهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه . وممَّا يستدلّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضا - وَهُوَ غَرِيب عَزِيز - الحَدِيث الصَّحِيح ، حَدِيث طَارق الْمحَاربي قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مر) فِي سوق ذِي الْمجَاز وَعَلِيهِ حلَّة حَمْرَاء ، وَهُوَ يَقُول : أَيُّهَا النَّاسُ : قُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ الله تُفْلِحُوا ، وَرجل يتبعهُ ويرميه بِالْحِجَارَةِ ، وَقد أدْمَى (كَعبه وعرقوبه) وَهُوَ يَقُول : يَا أيّها النَّاس : لَا تطيعوه ، فإنَّه كَذَّاب .
فَقلت : من هَذَا ؟ فَقَالُوا : إنَّه غُلَام بني عبد الْمطلب . فَقلت : من هَذَا الَّذِي يتبعهُ ويرميه بِالْحِجَارَةِ ؟ فَقَالُوا : عبد الْعُزَّى أَبُو لَهب . اسْتدلَّ بذلك إِمَام الأئمَّة أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه .
عَلَى أَن الكعب مَا قدمْنَاهُ ، من حَيْثُ إن الرَّمية إِذا (جَاءَت) من وَرَاء (المرمى) لَا تصيب ظهر الْقدَم ، إِذا السَّاق مَانع أَن تصيب الرَّمية ظهر الْقدَم . وَاسْتدلَّ لذَلِك ابْن خُزَيْمَة أَيْضا فِي صَحِيحه - وَتَبعهُ عَلَى ذَلِكَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا - بِحَدِيث حمْرَان أَن عُثْمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه دَعَا يَوْمًا بِوضُوء .. . ، فَذكر الحَدِيث فِي صفة وضوء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَن قَالَ : ثمَّ غسل رجله الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاث مَرَّات ، واليسرى مثل ذَلِكَ .
قَالَ ابْن خُزَيْمَة : فِيهِ دلَالَة عَلَى أَن الْكَعْبَيْنِ هما العظمان الناتئان فِي جَانِبي الْقدَم . إِذْ لَو كَانَ الْعظم الناتئ عَلَى ظهر الْقدَم لَكَانَ للرجل الْيُمْنَى كَعْب لَا كعبان .