حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث السَّابِع عشر لاَ وضوءَ لِمْنَ لمْ يسم الله عَلَيْهِ

الطَّرِيق السَّادِس : عَن عِيسَى بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَلّي بن أبي طَالب ، عَن أَبِيه ، عَن جدَّه ، عَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " لاَ صَلاَةَ لِمَن لاَ وضُوءَ لَهُ ، وَلاَ وضُوءَ لِمْن لمْ يَذْكُر اللهَ عَلَيْهِ " .

رَوَاهُ أَبُو أَحْمد بن عدي وَقَالَ : إِسْنَاده لَيْسَ بِمُسْتَقِيم .

وَلِلْحَدِيثِ طَريقَة سابعة ذكرهَا الْحَافِظ عبد الحقّ فِي "الْأَحْكَام" عَن أَسد بن مُوسَى ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ثَابت ، عَن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا إِيمْانَ لِمَن لمْ يُؤْمِنْ بِي ، وَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ بوضُوءٍ ، وَلاَ وضُوءَ لِمَن لمْ يُسَم اللهَ " .

قَالَ الْحَافِظ عبد الْحق : ذكر هَذِه الطَّرِيق عبد الْملك بن حبيب .

قُلْتُ : وَهَذِه الطَّرِيق حَسَنَة ، فأسد بن مُوسَى هُوَ الملقب بأسد السّنة حَافظ صَنَّف وَجمع ، قَالَ البُخَارِيّ : هُوَ مَشْهُور الحَدِيث . وَاسْتشْهدَ بِهِ أَيْضا ، وَاحْتج بِهِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، قَالَ ابْن يُونُس : هُوَ

[2/89]

ثِقَة ، وَحدث بِأَحَادِيث مُنكرَة ، فالآفة من غَيره وَمَا علمت بِهِ بَأْسا . إلاَّ أَن ابْن حزم طعن فِيهِ ، فَقَالَ : مُنكر الحَدِيث . وَفِي مَوضِع آخر : ضَعِيف وَهَذَا تَضْعِيف مَرْدُود ، وَبَاقِي السَّنَد كَالشَّمْسِ لَا يُسأل عَنهُ .

وَله أَيْضا طَريقَة ثامنة ذكرهَا الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه " معرفَة الصَّحَابَة " فِي تَرْجَمَة أم سُبْرَة أنَّها سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَا وضُوءَ لَهُ وَلاَ وضُوءَ لمن لم يذكر الله - عزَّ وجلَّ - وَلَا يُؤمن بِي من لَا يحبّ الْأَنْصَار" ثمَّ قَالَ : فِي إِسْنَاد حَدِيث أمّ سُبْرَة هَذَا نظر .

فَإِذا علمتَ - وفقك الله - هَذِه الْأَحَادِيث وعللها وأنَّها من جَمِيع طرقها مُتَكَلم فِيهَا ، وَأَن بعض الْأَئِمَّة ضعف بَعْضهَا وَحسن بَعْضهَا ، بَقِيْتَ متطلعًا لما يسْتَدلّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَاب التَّسْمِيَة .

ولتعلم أَن النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : " لَيْسَ فِي أَحَادِيث التَّسْمِيَة عَلَى الْوضُوء حَدِيث صَحِيح صَرِيح" . وكأنَّه تبع فِي هَذِه القولة قَول

[2/90]

الإِمام أَحْمد فِيمَا نَقله التِّرْمِذِيّ عَنهُ : " لَا أعلم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا لَهُ إِسْنَاد جيِّد " .

وَقد ذكرنَا من الْأَحَادِيث مَا يسْتَدلّ الْفُقَهَاء بِمثلِهِ ويسْتَند الْعلمَاء فِي الْأَحْكَام إِلَيْهِ ، فَلَيْسَ من شَأْنهمْ أَن لَا يحتجوا إلاَّ بِالصَّحِيحِ بل أَكثر احتجاجهم بالْحسنِ ، وَلَا يَخْلُو هَذَا الْبَاب فِي ذَلِكَ من حسن صَرِيح ، كَمَا قَدمته لَك .

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي " مُشكل الْوَسِيط " : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من وُجُوه فِي كلِّ مِنْهَا نظر ، لكنَّها غير مطرحة ، وَهِي من قبيل مَا يثبت باجتماعه الحَدِيث ثُبُوت الحَدِيث الموسوم بالْحسنِ .

قُلْتُ : بل وجد فِي التَّسْمِيَة حَدِيث صَحِيح من غير شكّ وَلَا مرية ، لَكِن لَيْسَ بِصَرِيح ؛ بل يسْتَدلّ بِعُمُومِهِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة وَاحْتَجُّوا بِهِ : النَّسَائِيّ ، وَابْن مَنْدَه ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، من حَدِيث معمر ، عَن ثَابت وَقَتَادَة عَن أنس ، قَالَ : " طلب بعض أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وضُوءًا فَلم يَجدوا ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُم مَاءٌ ؟ فَوضع يَده فِي الإِناء وَقَالَ : تَوَضَّئوا بِاسْمِ اللهِ . فَرَأَيْت المَاء يخرج من بَين أَصَابِعه حتَّى توضئوا من عِنْد آخِرهم . قَالَ ثَابت : قُلْتُ لأنس : كم تراهم ؟ قَالَ : نَحوا من سبعين " .

[2/91]

قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا أصح مَا فِي التَّسْمِيَة . وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي فِي " أَحْكَامه " : إِسْنَاده جيِّد . وَكَذَا قَالَ النَّووي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي " الْمَجْمُوع " و" الْخُلَاصَة " وَاحْتج بِهِ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه " معرفَة السّنَن والْآثَار " .

وأصل هَذَا الحَدِيث عَن أنس متَّفق عَلَيْهِ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وإنَّما الْمَقْصُود بِرِوَايَة معمر هَذِه اللَّفْظَة الَّتِي ذكر فِيهَا التَّسْمِيَة .

وَأخرج أَحْمد فِي "مُسْنده" مثله من حَدِيث الْأسود بن قيس ، عَن نُبيح الْعَنزي ، عَن جَابر بن عبد الله قَالَ : " غزونا مَعَ رَسُول الله وَنحن يَوْمئِذٍ بضعَة عشر ومِائَتَان فَحَضَرت الصَّلَاة فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل فِي الْقَوْم من مَاء ؟ فجَاء رجل يسْعَى بإداوة فِيهَا شَيْء من مَاء ، قَالَ : فَصَبَّهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي قدح ، قَالَ : فَتَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ انْصَرف وَترك الْقدح ، فَركب النَّاس الْقدح : تَمسحُوا تَمسحُوا ! فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : عَلَى رسلكُمْ حِين سمعهم يَقُولُونَ ذَلِكَ ، قَالَ فَوضع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَفه فِي المَاء والقدح ، ثمَّ قَالَ : بِسْمِ اللهِ . ثمَّ قَالَ : أَسْبِغُوا الْوضُوءَ . فوالذي ابتلاني ببصري لقد رَأَيْت المَاء

[2/92]

يَوْمئِذٍ يخرج من بَين أَصَابِع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَمَا رَفعهَا حتَّى توضئوا أَجْمَعُونَ " . ونبيح هَذَا قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ : مَجْهُول . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : كُوفِي ثِقَة ، لم يرو عَنهُ غير الْأسود بن قيس ، وَقد رَوَى عَنهُ أَبُو خَالِد الدالاني أَيْضا . وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان . قَالَ النَّووي فِي "شرح الْمُهَذّب" : يُمكن أَن يحْتَج فِي الْمَسْأَلَة بِحَدِيث أبي هُرَيْرَة : "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ فَهوَ أَجْذَم" ، وَهَذَا الحَدِيث ذكر أَصله الإِمام الرَّافِعِيّ فِي كتاب النِّكَاح ، وسنتكلم عَلَيْهِ هُنَاكَ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى .

قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ : وَيروَى فِي بعض الرِّوَايَات : " لاَ وضُوءَ كَامِل لِمَن لمْ يَذْكُر اسْمَ اللهِ عَلَيهِ " . وَهَذِه الرِّوَايَة غَرِيبَة جدًّا لَا أعلم من خرجها بِهَذَا اللَّفْظ مَعَ الْبَحْث عَنْهَا . لَكِن الحَدِيث الْآتِي بعد هَذَا هُوَ بمعناها .

وَحَكَى أَبُو دَاوُد عَن ربيعَة أَن تَفْسِير الحَدِيث الَّذِي مر : "لاَ وضُوءَ لِمَن لمْ يَذْكُر اسْمَ اللهِ عَلَيه" أنَّه الَّذِي يتَوَضَّأ ويغتسل وَلَا يَنْوِي وضُوءًا للصَّلَاة وَلَا غسلا للجنابة .

وَادَّعَى الشَّيْخ زكي الدَّين فِي "اختصاره للسنن" ظُهُور هَذَا التَّأْوِيل ، وَالله الْمُوفق للصَّوَاب .

ورد في أحاديث1 حديث
يُخرِّج هذا المحتوى1 حديث
موقع حَـدِيث