الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم توضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - توضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ : من زَاد عَلَى هَذَا فقد أَسَاءَ وظلم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، عَن مُسَدّد ، ثَنَا أَبُو عوَانَة ، عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده أَن رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، كَيفَ الطّهُور ؟ فَدَعَا بِمَاء فِي إِنَاء فَغسل كفيه ثَلَاثًا ، ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا ، ثمَّ غسل ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ، ثمَّ مسح بِرَأْسِهِ وَأدْخل أصبعيه السباحتين فِي أُذُنَيْهِ ، وَمسح بإبهاميه عَلَى ظَاهر أُذُنَيْهِ ، وبالسباحتين بَاطِن أُذُنَيْهِ ، ثمَّ غسل رجلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثمَّ قَالَ : هَكَذَا الْوضُوء ، فَمن زَاد عَلَى هَذَا أَو نقص فقد أَسَاءَ وظلم - أَو ظلم وأساء .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه من حَدِيث سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يسْأَله عَن الْوضُوء فَأرَاهُ الْوضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ : هَكَذَا الْوضُوء فَمن زَاد عَلَى هَذَا فقد أَسَاءَ وتعدَّى وظلم . رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه ، عَن عَلّي بن مُحَمَّد ، نَا خَالِي يعْلى ، عَن سُفْيَان ، عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِي .. . الحَدِيث بِلَفْظ النَّسَائِيّ إلاَّ أَنه قَالَ : فقد أَسَاءَ أَو تعدى ، أَو ظلم ، بِلَفْظ أَو .
وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده بِسَنَد النَّسَائِيّ وَلَفظه ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِلمام : إِسْنَاده صَحِيح إِلَى عَمْرو . فَمن احْتج بنسخة عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، فَهُوَ عِنْده صَحِيح . قلت : احْتج بهَا الْأَكْثَرُونَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا ، لَا جرم أَن ابْن خُزَيْمَة أخرجه فِي صَحِيحه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة بِلَفْظ أَن أعرابيًّا أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَسَأَلَهُ عَن الْوضُوء فَتَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، فَقَالَ : من زَاد فقد أَسَاءَ وظلم - أَو اعْتَدَى وظلم ، ثمَّ قَالَ : لم يوصله غير الْأَشْجَعِيّ ويعلى .
وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي كِتَابه الطّهُور ، عَن الحكم بن بشير بن سُلَيْمَان ، عَن مُوسَى بن أبي عَائِشَة ، عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده مَرْفُوعا : الْوضُوء ثَلَاث ، فَمن زَاد أَو نقص ، فقد أَسَاءَ وظلم - وَقَالَ الحكم : أَو قَالَ : ظلم وأساء . وَزعم أَبُو دَاوُد فِي كتاب التفرد أَنه من مُفْرَدَات أهل الطَّائِف ، وَأما صَاحب القبس فَقَالَ : صَحَّ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تَوَضَّأ مرّة مرّة ، ومرتين مرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا وَثَلَاثًا قَالَ : وَرُوِيَ : فَمن زَاد أَو اسْتَزَادَ فقد تعدى وظلم . قَالَ : وَهَذَا لم يَصح .
وَالظَّاهِر أَن مُرَاده رِوَايَة ذَلِكَ إِثْر الحَدِيث السالف قبل هَذَا الحَدِيث . فَائِدَة : اخْتلف أَصْحَابنَا فِي مَعْنَى قَوْله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - : أَسَاءَ وظلم عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحدهَا : أَن الإِساءة فِي النَّقْص ، وَالظُّلم فِي الزِّيَادَة ، فَإِن الظُّلم مُجَاوزَة الْحَد وَوضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه ، وَهَذَا يدل لَهُ صَرِيحًا رِوَايَة أبي عبيد . الثَّانِي : عَكسه ؛ لِأَن الظُّلم يسْتَعْمل بِمَعْنى النَّقْص كَقَوْلِه تَعَالَى : آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا .
الثَّالِث : أَسَاءَ وظلم فِي النَّقْص ، وأساء وظلم فِي الزِّيَادَة . حَكَى هَذِه الْأَقَاوِيل الثَّلَاثَة النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب . قَالَ : وَاخْتَارَ ابْن الصّلاح الثَّالِث ؛ لِأَنَّهُ ظَاهر الْكَلَام ، قَالَ : وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة الْأَكْثَرين : فَمن زَاد فقد أَسَاءَ وظلم وَلم يذكرُوا النَّقْص ، وَهَذِه الإِساءة وَالظُّلم مَعْنَاهُمَا أَنه مَكْرُوه كَرَاهِيَة تَنْزِيه ، هَذَا قَول الْجُمْهُور .
وَقيل : تحرم الزِّيَادَة عَلَى الثَّلَاث . وَقيل : لَا تحرم وَلَا تكره لَكِنَّهَا خلاف الأولَى . وَالصَّوَاب الأول ، فَلَو زَاد أَو نقص لم يبطل وضوءه عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء .
وَحَكَى الدَّارمِيّ عَن قوم أَنه يبطل كَمَا لَو زَاد فِي الصَّلَاة رَكْعَة أَو نقص مِنْهَا ، هَذَا غلط فَاحش . قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمَشْهُور فِي كتب الْفِقْه وشروح الحَدِيث وَغَيرهَا لِأَصْحَابِنَا وَغَيرهم أَن قَوْله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَمن زَاد أَو نقص مَعْنَاهُ زَاد عَلَى الثَّلَاث أَو نقص مِنْهَا ، وَلم يذكر أَصْحَابنَا وَغَيرهم غير هَذَا الْمَعْنى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكَبِير : يحْتَمل أَن المُرَاد بِالنَّقْصِ نقص الْعُضْو .
وَجزم بِهَذِهِ الْمقَالة الشَّيْخ زكي الدَّين فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب . قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا تَأْوِيل غَرِيب ضَعِيف مَرْدُود . قَالَ : وَمُقْتَضَاهُ أَن تكون الزِّيَادَة فِي الْعُضْو وَهِي غسل مَا فَوق الْمرْفق والكعب إساءة وظلمًا وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِكَ ، بل هُوَ مُسْتَحبّ ، وَالْبَيْهَقِيّ مِمَّن نَص عَلَى اسْتِحْبَابه وَعقد فِيهِ بَابَيْنِ : أَحدهمَا : بَاب اسْتِحْبَاب إمرار المَاء عَلَى الْعَضُد .
وَالثَّانِي : بَاب الإشراع فِي السَّاق . وَذكر فِيهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة السَّابِق . قَالَ النَّوَوِيّ : فَإِن قيل كَيفَ يكون النَّقْص عَن الثَّلَاث إساءة وظلمًا ومكروهًا وَقد ثَبت أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فعله كَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ؟ قُلْنَا : ذَلِكَ الِاقْتِصَار كَانَ لبَيَان الْجَوَاز فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْحَال أفضل ؛ لِأَن الْبَيَان وَاجِب .