حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ تنشيف الْأَعْضَاء

الحَدِيث الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ وَهُوَ يجمع ثَلَاثَة أَحَادِيث ؛ فَإِن الإِمَام الرَّافِعِيّ قَالَ : هَل يسْتَحبّ ترك تنشيف الْأَعْضَاء ؟ فِيهِ وَجْهَان .

أظهرهمَا : نعم ؛ لما رُوي عَن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - "أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ لَا ينشف أعضاءه" . وَعَن عَائِشَة - رَضي اللهُ عَنها - قَالَت : "كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يصبح جنبا ، فيغتسل ثمَّ يخرج إِلَى الصَّلَاة وَرَأسه يقطر مَاء" .

وَالثَّانِي : لَا يسْتَحبّ ذَاك ، وَعَلَى هَذَا اخْتلفُوا ؛ فَمنهمْ من قَالَ : لَا يسْتَحبّ التنشيف أَيْضا ، وَقد رُوِيَ من فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - التنشيف

[2/253]

وَتَركه ، وكل حسن وَلَا تَرْجِيح . وَمِنْهُم من قَالَ : يسْتَحبّ التنشيف ؛ لما فِيهِ من الِاحْتِرَاز عَن التصاق الْغُبَار ، فَإِذا فرعنا عَلَى الْأَظْهر - وَهُوَ اسْتِحْبَاب التّرْك - فَهَل نقُول التنشيف مَكْرُوه أم لَا ؟ فِيهِ ثَلَاثَة أوجه :

أظهرها : لَا ؛ لِأَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - "اغْتسل فَأتي بملحفة ورسية فالتحف بهَا حَتَّى رئي أثر الورس عَلَى عكنه" وَلَو كَانَ مَكْرُوها مَا فعل .

وَالثَّانِي : نعم ؛ لِأَنَّهُ إِزَالَة لأثر الْعِبَادَة فَأشبه إِزَالَة الخلوف للصَّائِم .

وَالثَّالِث : حُكِيَ عَن القَاضِي حُسَيْن : أَنه إِن كَانَ فِي الصَّيف كره ، وَإِن كَانَ فِي الشتَاء لم يكره لعذر الْبرد .

هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ ، وَهُوَ يشْتَمل عَلَى ثَلَاثَة أَحَادِيث .

الأول : حَدِيث أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - وَهُوَ حَدِيث غير مَشْهُور فِي كتب الْأُصُول حَتَّى إِن بَعضهم أَشَارَ إِلَى الْإِنْكَار عَلَى الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي رِوَايَته لَهُ ، وَقد رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه "الْإِعْلَام بناسخ الحَدِيث ومنسوخه" عَن مُحَمَّد بن نَاصِر ، نَا أَبُو مَنْصُور بن عبد الرَّزَّاق ، ثَنَا أَبُو بكر بن الْأَخْضَر ، أَنا ابْن شاهين ، نَا أَحْمد بن سُلَيْمَان ، نَا مُحَمَّد بن عبد الله بن سُلَيْمَان ، نَا عقبَة بن مكرم ، نَا يُونُس بن بكير ، عَن سعيد بن ميسرَة ، عَن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لم يكن يمسح وَجهه بالمنديل بعد الْوضُوء ، وَلَا أَبُو بكر وَلَا عمر وَلَا عَلّي ولَا

[2/254]

ابْن مَسْعُود " .

وَرَأَيْت بعد ذَلِك فِي "النَّاسِخ والمنسوخ" لِابْنِ شاهين بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور وَهُوَ قد أَخذه مِنْهُ .

قلت : قد رُوِيَ عَن أنس بن مَالك مَا يُخَالف هَذَا . قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَمِعت أبي ذكر حَدِيثا رَوَاهُ عبد الْوَارِث ، عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب ، عَن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَت لَهُ خرقَة يمسح بهَا " فَقَالَ : رَأَيْت فِي بعض الرِّوَايَات عَن عبد الْعَزِيز "أَنه كَانَ لأنس بن مَالك خرقَة" وَالْمَوْقُوف أشبه ، وَلَا يحْتَمل أَن يكون مُسْندًا .

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : عبد الْوَارِث وَعبد الْعَزِيز من الثِّقَات عِنْدهم ، فَإِذا صَحَّ الطَّرِيق إِلَى عبد الْوَارِث فلقائل أَن يحكم بِصِحَّتِهِ وَلَا يعلله بِتِلْكَ الرِّوَايَة الْمَوْقُوفَة . وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" فَإِنَّهُ لما ذكر حَدِيث عَائِشَة الضَّعِيف " كَانَت لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خرقَة ينشف بهَا بعد الْوضُوء " قَالَ : فِي إِسْنَاده أَبُو معَاذ الْفضل بن ميسرَة رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، قَالَ : وَقد رُوي عَن

[2/255]

أنس بن مَالك وَغَيره ، وَلم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ .

قلت : لَكِن قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " : لَا يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - شَيْء فِي هَذَا الْبَاب - يَعْنِي أَنه تنشف بعد وضوء - قَالَ : وَرخّص قوم من أهل الْعلم من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَمن بعدهمْ فِي التمندل بعد الْوضُوء ، وَمن كرهه إِنَّمَا كرهه من قبل أَن الْوضُوء يُوزن . قَالَ الزُّهْرِيّ : إِنَّمَا كره المنديل بعد الْوضُوء ؛ لِأَن الْوضُوء يُوزن .

وَأما الحَدِيث الثَّانِي : وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة فَغَرِيب جدًّا لَا أعلم من رَوَاهُ عَنْهَا بعد الْبَحْث التَّام عَنهُ .

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ " من حَدِيث مَيْمُونَة - رَضي اللهُ عَنها - قَالَت : " ناولت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعد اغتساله ثوبا فَلم يَأْخُذهُ وَانْطَلق وَهُوَ ينفض يَدَيْهِ" هَذَا لفظ البُخَارِيّ ، وَلَفظ مُسلم "أتيت بالمنديل فَلم يمسهُ وَجعل يَقُول بِالْمَاءِ هَكَذَا - يَعْنِي ينفضه " .

وَأما الحَدِيث الثَّالِث : فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي هَذَا الْبَاب عَن عَلّي بن مُحَمَّد ، ثَنَا وَكِيع ، ثَنَا ابْن أبي لَيْلَى ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة ، عَن مُحَمَّد بن شُرَحْبِيل ، عَن قيس بن سعد

[2/256]

قَالَ : " أَتَانَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوَضَعْنَا لَهُ مَاء فاغتسل ، ثمَّ أتيناه بملحفة ورسية فَاشْتَمَلَ بهَا ، فَكَأَنِّي أنظر إِلَى أثر الورث عَلَى عكنه " .

رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فِي اللبَاس بالسند الْمَذْكُور وَاللَّفْظ ، إِلَّا أَنه قَالَ : " فَوَضَعْنَا لَهُ مَاء يتبرد بِهِ فاغتسل ، ثمَّ أَتَيْته بملحفة صفراء فَرَأَيْت أثر الورس عَلَى عكنه " .

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كتاب الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن الْمثنى ، وهِشَام بن عمار الْمَعْنى ، قَالَ مُحَمَّد : نَا الْوَلِيد بن مُسلم ، أَنا الْأَوْزَاعِيّ ، سَمِعت يَحْيَى بن أبي كثير يَقُول : حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة ، عَن قيس بن سعد قَالَ : " زارنا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي منزلنا فقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله . قَالَ : فَرد سعد ردًّا خفيًّا . قَالَ قيس : فَقلت : أَلا تَأذن لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَقَالَ : ذره يكثر علينا من السَّلَام . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله . فَرد سعد ردًّا خفيًّا ، ثمَّ قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله . ثمَّ رَجَعَ رَسُول الله ، وَأتبعهُ سعد فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إِنِّي كنت أسمع تسليمك وأرد عَلَيْك ردًّا خفيًّا لتكثر علينا من السَّلَام . قَالَ : فَانْصَرف مَعَه رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَأمر لَهُ سعد بِغسْل فاغتسل ، ثمَّ نَاوَلَهُ ملحفة مصبوغة بزعفران أَو ورس فَاشْتَمَلَ بهَا ، ثمَّ رفع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَدَيْهِ وَهُوَ يَقُول : اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك ورحمتك عَلَى

[2/257]

آل سعد بن عبَادَة قَالَ : ثمَّ أصَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الطَّعَام ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف قرب لَهُ سعد حمارا قد وطأ عَلَيْهِ بقطيفة ، فَركب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ سعد : يَا قيس ، اصحب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قَالَ قيس : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اركب . فأبيت ، ثمَّ قَالَ : إِمَّا أَن تركب وَإِمَّا أَن تَنْصَرِف . فَانْصَرَفت " .

وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" كَذَلِك سَوَاء إِلَّا أَنه قَالَ : "ثمَّ نَاوَلَهُ - أَو ناولته الْمَرْأَة - ملحفة مصبوغة بورس وزعفران" من غير تردد وَلَا شكّ ، وَكَذَا هُوَ فِي "مُسْند الإِمَام أَحْمد" .

قَالَ أَبُو دَاوُد : رَوَاهُ عمر بن عبد الْوَاحِد وَابْن سَمَّاعَة ، عَن الْأَوْزَاعِيّ مُرْسلا لم يذكرَا قيس بن سعد . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي كِتَابه "عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة" مُتَّصِلا ومرسلاً .

قَالَ الْحَازِمِي : هَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِي سَنَده : رَوَاهُ وَكِيع ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة ، عَن مُحَمَّد بن شُرَحْبِيل ، عَن قيس بن سعد . وَرَوَاهُ عَلّي بن هَاشم بن الْبَرِيد ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة ، عَن قيس بن سعد لم يذكر ابْن شُرَحْبِيل بَينهمَا .

[2/258]

وَسَيَأْتِي اخْتِلَاف آخر أَيْضا فِي إِسْنَاده ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن الصّلاح : إِن إِسْنَاده مُخْتَلف وَتَابعه النَّوَوِيّ عَلَى ذَلِك وَزَاد : وَأَنه ضَعِيف . وَجزم فِي " الْخُلَاصَة " بضعفه وحاشاه من ضعف الْإِسْنَاد ؛ فأسانيده إِمَّا حَسَنَة وَإِمَّا صَحِيحَة ، أما إِسْنَاد ابْن مَاجَه فَحسن لَيْسَ فِيهِ من تكلم فِيهِ إِلَّا ابْن أبي لَيْلَى ، وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، وَقد قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ : مَحَله الصدْق .

وَأما إِسْنَاد أبي دَاوُد فَصَحِيح كل رِجَاله فِي "الصَّحِيحَيْنِ" إِلَّا هِشَام بن عمار فَانْفَرد بِالْإِخْرَاجِ لَهُ البُخَارِيّ ، وَهُوَ حَافظ ثِقَة وَكلهمْ ثِقَات لَا نعلم فيهم طَعنا بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَّا الْوَلِيد بن مُسلم فَإِنَّهُ قد رمي بالتدليس ، وَقد صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَته فارتفعت وصمة التَّدْلِيس .

وَأما إِسْنَاد النَّسَائِيّ : فَرَوَاهُ أَولا عَن أبي يُوسُف مُحَمَّد بن أَحْمد الصيدلاني الرقي ، عَن عِيسَى بن يُونُس ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة ، عَن عَمْرو

[2/259]

ابن شُرَحْبِيل ، عَن قيس بن سعد بن عبَادَة "جَاءَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى سعد ..." الحَدِيث .

والصيدلاني هَذَا كَانَ حَافِظًا ، رَوَى عَنهُ أَبُو حَاتِم وصدَّقه ، وَأخرج لَهُ مَعَ النَّسَائِيّ ابْن مَاجَه . وَعِيسَى بن يُونُس هُوَ ابْن أبي إِسْحَاق أحد الْإِعْلَام فِي الْحِفْظ وَالْعِبَادَة ، احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا . وَعَمْرو بن شُرَحْبِيل احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ، وَمُحَمّد كَذَلِك ، وَابْن أبي لَيْلَى تقدم تَوْثِيق أبي حَاتِم لَهُ .

وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى كَرِوَايَة أبي دَاوُد سَوَاء .

وَرَوَاهُ أَيْضا عَن شُعَيْب بن شُعَيْب - وَهُوَ ثِقَة - عَن عبد الْوَهَّاب بن سعيد - وَهُوَ ثِقَة أخرج لَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا - عَن شُعَيْب بن إِسْحَاق - وَهُوَ ثِقَة ، احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ - عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أسعد بن زُرَارَة قَالَ : "زار رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سعد بن عبَادَة ..." فَذكره مُرْسلا .

وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن حَاتِم - وَهُوَ الْمروزِي ، لَا

[2/260]

أعلم فِيهِ جرحا وَلَا تعديلاً - عَن ابْن الْمُبَارك ، عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان "أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَى سَعْدا زَائِرًا . ." مُرْسل .

قلت : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من جَمِيع طرقه لَيْسَ فيهم من طعن فِيهِ إِلَّا ابْن أبي لَيْلَى ، وَغَيرهَا من الطّرق جَائِزَة لَهَا ، فَالصَّوَاب إعلال هَذَا الحَدِيث باخْتلَاف إِسْنَاده كَمَا اقْتصر عَلَيْهِ الحافظان الْحَازِمِي وَابْن الصّلاح ، وَعَلَى أَن الِاخْتِلَاف إِذا كَانَ من ثِقَة غير قَادِح ، وَقد أخرج الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" هَذَا الحَدِيث من طَرِيق ابْن مَاجَه ، وَلم يعقبها بِشَيْء وَلم يذكر سواهَا .

فَإِذا وضح لَك ذَلِك فلنعد إِلَى تَفْسِير غَرِيب مَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث . فَنَقُول : الملحفة - بِكَسْر الْمِيم - مُشْتَقَّة من الالتحاف وَهُوَ الاشتمال . والورس ثَمَر أصفر - وَيُقَال : أَحْمَر - بشجر يكون بِالْيمن يصْبغ بِهِ وَهُوَ مَعْرُوف ، يُقَال إِنَّه إِذا زرع فِي الأَرْض سنة أَقَامَ عشر سِنِين ينْبت ويثمر .

وَوَقع فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم من طَرِيق ابْن مَاجَه وَرسِيّة : - بواو

[2/261]

مَفْتُوحَة ، ثمَّ رَاء سَاكِنة ، ثمَّ سين مَكْسُورَة ، ثمَّ يَاء مُشَدّدَة - وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" . قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمَشْهُور فِي كتب اللُّغَة ملحفة وريسة - بِكَسْر الرَّاء وَبعدهَا يَاء سَاكِنة ، ثمَّ سين مَفْتُوحَة ، ثمَّ هَاء - وَمَعْنَاهُ مصبوغة بالورس .

وَقَوله : "عَلَى عُكَنه" هُوَ - بِضَم الْعين وَفتح الْكَاف - جمع عُكْنة - بِضَم الْعين وَإِسْكَان الْكَاف - قَالَ الْأَزْهَرِي : قَالَ اللَّيْث وَغَيره : العكنة الانطواء فِي بطن الْجَارِيَة من السّمن ، وَوَاحِدَة العكن : عكنة . وَيُقَال : تعكن الشَّيْء تعكنًا إِذا ركم بعضه عَلَى بعض فانثنى . قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَقد رَأَيْت لبَعض مصنفي أَلْفَاظ الْمُهَذّب إنكارًا عَلَى الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فِي هَذِه اللَّفْظَة فَقَالَ : هَذِه زِيَادَة لَيست فِي هَذَا الحَدِيث . قَالَ : وَهَذَا الْإِنْكَار غلط مِنْهُ ؛ بل هَذِه اللَّفْظَة مَوْجُودَة فِي الحَدِيث مُصَرح بهَا فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ .

قلت : و"سنَن ابْن مَاجَه" كَمَا تقدم . وَقَوله : "وَأمر لَهُ سعد بغُسل" هُوَ بِضَم الْغَيْن ؛ أَي : مَا يغْتَسل بِهِ ، وَلَفْظَة الْغسْل مُثَلّثَة ؛ فَهِيَ بِكَسْر الْغَيْن : اسْم لما يغسل بِهِ الرَّأْس من سدر أَو خطمي وَنَحْوهَا ، وَبِفَتْحِهَا : مصدر ، وَهُوَ اسْم للْفِعْل بِمَعْنى الِاغْتِسَال ، وَبِضَمِّهَا : مُشْتَرك بَين الْفِعْل وَالْمَاء ، وَالثَّانِي هُوَ المُرَاد بِهِ فِي حَدِيث قيس هَذَا قَالَ ذَلِك كُله

[2/262]

ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى "الْمُهَذّب" ثمَّ النَّوَوِيّ فِي "شَرحه" لَهُ قَالَ : فَحصل فِي الْفِعْل لُغَتَانِ : الْفَتْح وَالضَّم . قَالَ : وَزعم جمَاعَة مِمَّن صنف فِي أَلْفَاظ الْفِقْه أَن الْفِعْل لَا يُقَال إِلَّا بِالْفَتْح ، وغلطوا الْفُقَهَاء فِي قَوْلهم بَاب غُسل الْجَنَابَة وَالْجُمُعَة وَنَحْوه - بِالضَّمِّ - وَهَذَا الْإِنْكَار غلط ؛ بل هما لُغَتَانِ كَمَا ذكرنَا .

ورد في أحاديث5 أحاديث
يُخرِّج هذا المحتوى7 أحاديث
موقع حَـدِيث