الحَدِيث الثَّالِث توضئوا من لُحُوم الْإِبِل
الحَدِيث الثَّالِث أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : توضئوا من لُحُوم الْإِبِل ، وَلَا توضئوا من لُحُوم الْغنم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، وَله طرق : أَحدهَا : من رِوَايَة الْبَراء بن عَازِب - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن عبد الله بن عبد الله الرَّازِيّ ، الثِّقَة ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَنهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ : توضئوا مِنْهَا . وَسُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم فَقَالَ : لَا تتوضئوا مِنْهَا .
هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ ، وَأبي دَاوُد ، وَزَاد وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَقَالَ : لَا تصلوا فِي مبارك الْإِبِل ؛ فَإِنَّهَا من الشَّيَاطِين . وسُئِل عَن الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم فَقَالَ : صلوا فِيهَا ؛ فَإِنَّهَا بركَة . وَأخرج ابْن مَاجَه الْقطعَة الأولَى من روايتي التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد ، وَلَفظ ابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى : جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ أأصلي فِي مبارك الْإِبِل ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : أفأتوضأ من لحومها ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : أفأتوضأ من لحومها ؟ قَالَ : لَا .
وَلَفظ ابْن حبَان : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .. . فَذكره بِمثلِهِ إِلَّا أَنه قَالَ : أعطان بدل مبارك . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده بِلَفْظ : سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَأمر بِهِ ، وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَنَهَى عَنْهَا .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم فرخّص فِي الْوضُوء مِنْهَا ، وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مرابضها فَرخص فِيهَا . وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ : سُئِلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ : توضئوا مِنْهَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : بَلغنِي عَن أَحْمد بن حَنْبَل ، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ، أَنَّهُمَا قَالَا : قد صَحَّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ، وَحَدِيث جَابر بن سَمُرَة .
قَالَ : وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة : لم أر خلافًا بَين عُلَمَاء الحَدِيث أَن هَذَا الْخَبَر صَحِيح ، من جِهَة النَّقْل لعدالة ناقليه ، يَعْنِي : حَدِيث الْبَراء . قلت : وَهَذِه الْمقَالة رَأَيْتهَا فِي صَحِيحه أَعنِي : صَحِيح ابْن خُزَيْمَة . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : رَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا : الْحجَّاج بن أَرْطَاة ، عَن عبد الله بن عبد الله ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن أسيد بن حضير .
وَالصَّحِيح : حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن الْبَراء ، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق قَالَ : وَرَوَى عُبَيْدَة الضَّبِّيّ ، عَن عبد الله الرَّازِيّ ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن ذِي الْغرَّة - يَعْنِي : عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قَالَ : وَرَوَى حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث ، عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة فَأَخْطَأَ فِيهِ ، فَقَالَ : عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن أَبِيه ، عَن أسيد بن حضير . قَالَ : وَالصَّحِيح عَن عبد الله بن عبد الله ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن الْبَراء .
يَعْنِي السالف وَكَذَا قَالَ فِي علله وَزَاد بِأَن ذَا الْغرَّة لَا يُدْرَى من هُوَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : الْحجَّاج ضَعِيف ، وَذُو الْغرَّة لَا يُدْرَى من هُوَ ، وَعبيدَة الضَّبِّيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه سَأَلَ أَبَاهُ عَنهُ بعد ذكر هَؤُلَاءِ الرِّوَايَات الثَّلَاث أَعنِي رِوَايَة الْبَراء ، وَأسيد ، وَذي الْغرَّة فَقَالَ : مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن عبد الله بن عبد الله ، عَن عبد الرَّحْمَن ، عَن الْبَراء مَرْفُوعا ، وَالْأَعْمَش أحفظ .
وَهُوَ مُوَافق لمقالة التِّرْمِذِيّ السَّابِقَة . الطَّرِيق الثَّانِي : من رِوَايَة جَابر بن سَمُرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث جَعْفَر بن أبي ثَوْر عَنهُ أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أأتوضأ من لُحُوم الْغنم ؟ قَالَ : إِن شِئْت فَتَوَضَّأ ، وَإِن شِئْت فَلَا تتوضأ . قَالَ : أتوضأ من لُحُوم الْإِبِل ؟ قَالَ : نعم ؛ فَتَوَضَّأ من لُحُوم الْإِبِل .
قَالَ : أأصلي فِي مرابض الْغنم ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : أأصلي فِي مبارك الْإِبِل ؟ قَالَ : لَا . قَالَ ابْن حبَان : جَعْفَر هَذَا هُوَ أَبُو ثَوْر بن عِكْرِمَة ؛ فَمن لم يحكم صناعَة الحَدِيث توهم أَنَّهُمَا رجلَانِ مَجْهُولَانِ .
وأمّا عَلّي بن الْمَدِينِيّ فَقَالَ : جَعْفَر هَذَا رجل مَجْهُول ، وَقد شَفَى فِي ذَلِك الْبَيْهَقِيّ . وَصحح الحَدِيث أَيْضا مَعَ مُسلم : أَحْمد ، وَإِسْحَاق - كَمَا أسلفناه عَنْهُمَا - وَابْن مَنْدَه أَيْضا . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله : أَخطَأ شُعْبَة ، فِي حَدِيث سماك ، عَن جَعْفَر بن أبي ثَوْر ، عَن جَابر فِي الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ : عَن سماك ، عَن أبي ثَوْر .
قَالَ : وجعفر بن أبي ثَوْر رجل مَشْهُور ، رَوَى عَنهُ سماك وَغَيره ، وَهُوَ من ولد جَابر بن سَمُرَة . الطَّرِيق الثَّالِث : من رِوَايَة ابْن عمر - رَضي اللهُ عَنهما - رَوَاهَا ابْن مَاجَه من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن خَالِد بن يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ ، عَن عَطاء بن السَّائِب ، قَالَ : سَمِعت محَارب بن دثار قَالَ : سَمِعت ابْن عمر يَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : توضئوا من لُحُوم الْإِبِل ، وَلَا تتوضئوا من لُحُوم الْغنم . وَتَوَضَّئُوا من ألبان الْإِبِل ، ولا تتوضئوا من ألبان الْغنم .
وصلوا فِي مُراح الْغنم ، وَلَا تصلوا فِي معاطن الْإِبِل . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَمِعت أبي يَقُول : كنت أنكر هَذَا الحَدِيث ؛ لِتَفَرُّدِهِ ، فَوجدت لَهُ أصلا : نَا ابْن الْمُصَفَّى ، عَن بَقِيَّة ، حَدثنِي فلَان - سَمَّاهُ - عَن عَطاء بن السَّائِب ، عَن محَارب بن دثار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، بِنَحْوِهِ . وحَدثني عبيد الله بن سعد الزُّهْرِيّ ، حَدثنِي عمي يَعْقُوب ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن إِسْحَاق ، حَدثنِي عَطاء بن السَّائِب الثَّقَفِيّ ، أَنه سمع محَارب بن دثار يذكر ، عَن ابْن عمر ، بِنَحْوِ هَذَا وَلم يرفعوه .
قَالَ أبي : حَدِيث ابْن إِسْحَاق أشبه مَوْقُوف .